البداية و النهاية - ج7

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
361 /
2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

سنة ثلاث عشرة من الهجرة

استهلت هذه السنة و الصديق عازم على جمع الجنود ليبعثهم إلى الشام، و ذلك بعد مرجعه من الحج عملا بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏. و بقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية.

و اقتداء برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فإنه جمع المسلمين لغزو الشام- و ذلك عام تبوك- حتى وصلها في حر شديد و جهد، فرجع عامه ذلك، ثم بعث قبل موته أسامة بن زيد مولاه ليغزو تخوم الشام كما تقدم. و لما فرغ الصديق من أمر جزيرة العرب بسط يمينه إلى العراق، فبعث إليها خالد بن الوليد ثم أراد أن يبعث إلى الشام كما بعث إلى العراق، فشرع في جمع الأمراء في أماكن متفرقة من جزيرة العرب.

و كان قد استعمل عمرو بن العاص على صدقات قضاعة معه الوليد بن عقبة فيهم، فكتب إليه يستنفره إلى الشام: «إني كنت قد رددتك على العمل الّذي ولّاكه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مرة، و سماه لك أخرى، و قد أحببت أبا عبد اللَّه أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك و معادك منه، إلا أن يكون الّذي أنت فيه أحب إليك» فكتب إليه عمرو بن العاص: إني سهم من سهام الإسلام، و أنت عبد اللَّه الرامي بها، و الجامع لها، فانظر أشدها و أخشاها فارم بى فيها. و كتب إلى الوليد بن عقبة

3

بمثل ذلك ورد عليه مثله، و أقبلا بعد ما استخلفا في عملهما، إلى المدينة. و قدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن فدخل المدينة و عليه جبة ديباج، فلما رآها عمر عليه أمر من هناك من الناس بتحريقها عنه،

فغضب خالد بن سعيد و قال لعلى بن أبى طالب: يا أبا الحسن! أغلبتم يا بني عبد مناف عن الإمرة؟ فقال له على: أ مغالبة تراها أو خلافة؟ فقال لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم.

فقال له عمر بن الخطاب: اسكت فض اللَّه فاك، و اللَّه لا تزال كاذبا تخوض فيما قلت ثم لا تضر إلا نفسك. و أبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر. و لما اجتمع عند الصديق من الجيوش ما أراد قام في الناس خطيبا فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم حث الناس على الجهاد فقال: ألا لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه، و من عمل للَّه كفاه اللَّه، عليكم بالجد و القصد فان القصد أبلغ، ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، و لا إيمان لمن لا خشية له، و لا عمل لمن لا نية له، ألا و إن في كتاب اللَّه من الثواب على الجهاد في سبيل اللَّه لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به، هي النجاة التي دل اللَّه عليها، إذ نجى بها من الخزي، و ألحق بها الكرامة.

ثم شرع الصديق في تولية الأمراء و عقد الألوية و الرايات، فيقال إن أول لواء عقده لخالد بن سعيد بن العاص، فجاء عمر بن الخطاب فثناه عنه و ذكره بما قال. فلم يتأثر به الصديق كما تأثر به عمر، بل عزله عن الشام و ولاه أرض «تيماء» يكون بها فيمن معه من المسلمين حتى يأتيه أمره. ثم عقد لواء يزيد بن أبي سفيان و معه جمهور الناس، و معه سهيل بن عمرو، و أشباهه من أهل مكة، و خرج معه ماشيا يوصيه بما أعتمده في حربه و من معه من المسلمين، و جعل له دمشق. و بعث أبا عبيدة بن الجراح على جند آخر، و خرج معه ماشيا يوصيه، و جعل له نيابة حمص. و بعث عمرو بن العاص و معه جند آخر و جعله على فلسطين. و أمر كل أمير أن يسلك طريقا غير طريق الآخر، لما لحظ في ذلك من المصالح. و كان الصديق اقتدى في ذلك بنبي اللَّه يعقوب حين قال لبنيه‏ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏. فكان سلوك يزيد بن أبي سفيان على تبوك. قال المدائني باسناده عن شيوخه قالوا: و كان بعث أبي بكر هذه الجيوش في أول سنة ثلاث عشرة. قال محمد بن إسحاق عن صالح بن كيسان: خرج أبو بكر ماشيا و يزيد بن أبي سفيان راكبا فجعل، يوصيه، فلما فرغ قال: أقرئك السلام و أستودعك اللَّه، ثم انصرف و مضى يزيد و أجدّ السير. ثم تبعه شرحبيل بن حسنة، ثم أبو عبيدة مددا لهما، فسلكوا غير ذلك الطريق. و خرج عمرو بن العاص حتى نزل العرمات من أرض الشام. و يقال إن يزيد بن أبي سفيان نزل البلقاء أولا. و نزل شرحبيل بالأردن، و يقال ببصرى. و نزل أبو عبيدة بالجابية. و جعل الصديق يمدهم بالجيوش، و أمر كل‏

4

واحد منهم أن ينضاف إلى من أحب من الأمراء. و يقال إن أبا عبيدة لما مر بأرض البلقاء قاتلهم حتى صالحوه و كان أول صلح وقع بالشام.

و يقال إن أول حرب وقع بالشام أن الروم اجتمعوا بمكان يقال له العرية من أرض فلسطين، فوجه اليهم أبا أمامة في سرية فقتلهم و غنم منهم، و قتل منهم بطريقا عظيما. ثم كانت بعد هذه وقعة مرج الصفراء استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاص و جماعة من المسلمين. و يقال إن الّذي استشهد في مرج الصفراء ابن الخالد بن سعيد، و أما هو ففر حتى انحاز إلى أرض الحجاز فاللَّه أعلم، حكاه ابن جرير.

قال ابن جرير: و لما انتهى خالد بن سعيد إلى تيماء اجتمع له جنود من الروم في جمع كثير من نصارى العرب، من غيرا، و تنوخ، و بنى كلب، و سليح، و لخم و جذام، و غسان، فتقدم إليهم خالد بن سعيد، فلما اقترب منهم تفرقوا عنه و دخل كثير منهم في الإسلام، و بعث إلى الصديق بعلمه بما وقع من الفتح، فأمره الصديق أن يتقدم و لا يحجم، و أمده بالوليد بن عتبة و عكرمة بن أبي جهل و جماعة، فسار إلى قريب من إيلياء فالتقى هو و أمير من الروم يقال له ماهان فكسره، و لجأ ماهان إلى دمشق، فلحقه خالد بن سعيد، و بادر الجيوش إلى لحوق دمشق و طلب الحظوة، فوصلوا إلى مرج الصفراء فانطوت عليه مسالح ماهان و أخذوا عليهم الطريق، و زحف ماهان ففر خالد بن سعيد، فلم يرد إلى ذي المروة. و استحوذ الروم على جيشهم إلا من فر على الخيل، و ثبت عكرمة بن أبي جهل، و قد تقهقر عن الشام قريبا و بقي ردءا لمن نفر إليه، و أقبل شرحبيل بن حسنة من العراق من عند خالد بن الوليد إلى الصديق، فأمره على جيشه و بعثه إلى الشام، فلما مر بخالد بن سعيد بذي المروة، أخذ جمهور أصحابه الذين هربوا معه إلى ذي المروة. ثم اجتمع عند الصديق طائفة من الناس فأمر عليهم معاوية بن أبي سفيان و أرسله وراء أخيه يزيد بن أبي سفيان. و لما مر بخالد بن سعيد أخذ من كان بقي معه بذي المروة إلى الشام. ثم أذن الصديق لخالد بن سعيد في الدخول إلى المدينة و قال:

كان عمر أعلم بخالد.

وقعة اليرموك‏

على ما ذكره سيف بن عمر في هذه السنة قبل فتح دمشق، و تبعه على ذلك أبو جعفر بن جرير (رحمه اللَّه). و أما الحافظ ابن عساكر (رحمه اللَّه) فإنه نقل عن يزيد بن أبي عبيدة و الوليد و ابن لهيعة و الليث و أبي معشر أنها كانت في سنة خمس عشرة بعد فتح دمشق. و قال محمد بن إسحاق: كانت في رجب سنة خمس عشرة. و قال خليفة بن خياط قال ابن الكلبي: كانت وقعة اليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة. قال ابن عساكر، و هذا هو المحفوظ و [أما] ما قاله سيف من أنها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه.

5

قلت: و هذا ذكر سياق سيف و غيره على ما أورده ابن جرير و غيره. قال: و لما توجهت هذه الجيوش نحو الشام أفزع ذلك الروم و خافوا خوفا شديدا، و كتبوا إلى هرقل يعلمونه بما كان من الأمر. فيقال إنه كان يومئذ بمحص، و يقال: كان حج عامه ذلك إلى بيت المقدس. فلما انتهى إليه الخبر. قال لهم: ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد، و إنهم لا قبل لأحد بهم، فأطيعوني و صالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام و يبقى لكم جبال الروم، و إن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام و ضيقوا عليكم جبال الروم. فنخروا من ذلك نخرة حمر الوحش كما هي عاداتهم في قلة المعرفة و الرأى بالحرب و النصرة في الدين و الدنيا. فعند ذلك سار إلى حمص، و أمر هرقل بخروج الجيوش الروميّة صحبة الأمراء، في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش كثيف، فبعث إلى عمرو بن العاص أخا له لأبويه «تذارق» في تسعين ألفا من المقاتلة. و بعث جرجه بن بوذيها إلى ناحية يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه في خمسين ألفا أو ستين ألفا. و بعث الدراقص إلى شرحبيل بن حسنة.

و بعث اللقيقار و يقال القيقلان- قال ابن إسحاق و هو خصى هرقل نسطورس- في ستين ألفا إلى أبي عبيدة بن الجراح. و قالت الروم: و اللَّه لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا. و جميع عساكر المسلمين أحد و عشرون ألفا سوى الجيش الّذي مع عكرمة بن أبي جهل. و كان واقفا في طرف الشام ردءا للناس- في ستة آلاف- فكتب الأمراء إلى أبى بكر و عمر يعلمونهما بما وقع من الأمر العظيم، فكتب إليهم أن اجتمعوا و كونوا جندا واحدا و القوا جنود المشركين، فأنتم أنصار اللَّه و اللَّه ناصر من نصره، و خاذل من كفره، و لن يؤتى مثلكم عن قلة، و لكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها، و ليصل كل رجل منكم بأصحابه. و قال الصديق: و اللَّه لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان يخالد بن الوليد. و بعث إليه و هو بالعراق ليقدم إلى الشام فيكون الأمير على من به، فإذا فرغ عاد إلى عمله بالعراق، فكان ما سنذكره. و لما بلغ هرقل ما أمر به الصديق أمراءه من الاجتماع، بعث إلى أمرائه أن يجتمعوا أيضا و أن ينزلوا بالجيش منزلا واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب، و على الناس أخوه بندارق، و على المقدمة جرجه، و على المجنبتين ماهان و الدراقص، و على البحر القيقلان.

و قال محمد بن عائد عن عبد الأعلى عن سعيد بن عبد العزيز: إن المسلمين كانوا أربعة و عشرين ألفا، و عليهم أبو عبيدة، و الروم كانوا عشرين و مائة ألف عليهم ماهان و سقلاب يوم اليرموك.

و كذا ذكر ابن إسحاق أن سقلاب الخصى كان على الروم يومئذ في مائة ألف، و على المقدمة جرجه- من أرمينية- في اثنى عشر ألفا، و من المستعربة اثنى عشر ألفا عليهم جبلة بن الأيهم: و المسلمون في أربعة و عشرين ألفا، فقاتلوا قتالا شديدا حتى قاتلت النساء من ورائهم أشد القتال. و قال الوليد

6

عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير. قال: بعث هرقل مائتي ألف عليهم ماهان الأرمني. قال سيف: فسارت الروم فنزلوا الواقوصة قريبا من اليرموك، و صار الوادي خندقا عليهم. و بعث الصحابة إلى الصديق يستمدونه و يعلمونه بما اجتمع من جيش الروم باليرموك، فكتب الصديق عند ذلك إلى خالد بن الوليد أن يستنيب على العراق و أن يقفل بمن معه إلى الشام، فإذا وصل إليهم فهو الأمير عليهم. فاستناب المثنى بن حارثة على العراق و سار خالد مسرعا في تسعة آلاف و خمسمائة، و دليله رافع بن عميرة الطائي، فأخذ به على السماق حتى انتهى إلى قراقر، و سلك به أراضى لم يسلكها قبله أحد، فاجتاب البراري و القفار، و قطع الأودية، و تصعد على الجبال، و سار في غير مهيع، و جعل رافع يدلهم في مسيرهم على الطريق و هو في مفاوز معطشة، و عطش النوق و سقاها الماء عللا بعد نهل، و قطع مشافرها و كعمها حتى لا تحتز رحل أدبارها، و استاقها معه، فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء، و يقال بل سقاه الخيل و شربوا ما كانت تحمله من الماء و أكلوا لحومها. و وصل و للَّه الحمد و المنة في خمسة أيام، فخرج على الروم من ناحية تدمر فصالح أهل تدمر و أركه، و لما مر بعذراء أباحها و غنم لغسان أموالا عظيمة و خرج من شرقى دمشق، ثم سار حتى وصل إلى قناة بصرى فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها و سلمها إليه، فكانت أول مدينة فتحت من الشام و للَّه الحمد.

و بعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني الى الصديق ثم سار خالد و أبو عبيدة و مرثد و شرحبيل إلى عمرو بن العاص- و قد قصده الروم بأرض العربا من المعور- فكانت واقعة أجنادين. و قد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد:

للَّه عينا رافع أنى اهتدى‏* * * قرفون من قراقر إلى شوى‏

خمسا إذا ما ساره الجيش بكى‏* * * ما سارها قبلك إنسي أرى‏

و قد كان بعض العرب قال له في هذا المسير: إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت و من معك، و إن لم تدركها هلكت أنت و من معك، فسار خالد بمن معه و سروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها، فقال خالد: عند الصباح يحمد القوم السري. فأرسلها مثلا، و هو أول من قالها رضى اللَّه عنه. و يقول غير ابن إسحاق كسيف بن عمر و أبي نحيف و غيرهما في تكميل السياق الأول:

حين اجتمعت الروم مع أمرائها بالواقوصة و انتقل الصحابة من منزلهم الّذي كانوا فيه فنزلوا قريبا من الروم في طريقهم الّذي ليس لهم طريق غيره، فقال عمرو بن العاص: أبشروا أيها الناس، فقد حصرت و اللَّه الروم، و قلما جاء محصور بخير. و يقال إن الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير إلى الروم، جلس الأمراء لذلك فجاء أبو سفيان فقال: ما كنت أظن أنى أعمر حتى أدرك‏

7

قوما يجتمعون لحرب و لا أحضرهم، ثم أشار أن يتجزأ الجيش ثلاثة أجزاء، فيسير ثلثه فينزلون تجاه الروم، ثم تسير الأثقال و الذراري في الثلث الآخر، و يتأخر خالد بالثلث الآخر حتى إذا وصلت الأثقال إلى أولئك سار بعدهم و نزلوا في مكان تكون البرية من وراء ظهورهم لتصل إليهم البرد و المدد. فامتثلوا ما أشار به و نعم الرأى هو.

و ذكر الوليد عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير أن الروم نزلوا فيما بين دير أيوب و اليرموك، و نزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر، و أذرعات خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة.

و يقال إن خالدا إنما قدم عليهم بعد ما نزل الصحابة تجاه الروم بعد ما صابروهم و حاصروهم شهر ربيع الأول بكماله، فلما انسلخ و أمكن القتال [ (1)] لقلة الماء بعثوا إلى الصديق يستمدونه فقال: خالد لها، فبعث إلى خالد فقدم عليهم في ربيع الآخر، فعند وصول خالد إليهم أقبل ماهان مددا للروم و معه القساقسة، و الشمامسة و الرهبان يحثونهم و يحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية، فتكامل جيش الروم أربعون و مائتا ألف ثمانون ألفا مسلسل بالحديد و الحبال، و ثمانون ألفا فارس، و ثمانون ألفا راجل. قال سيف و قيل بل كان الذين تسلسلوا كل عشرة سلسلة لئلا يفروا ثلاثين ألفا، فاللَّه أعلم.

قال سيف و قدم عكرمة بمن معه من الجيوش فتكامل جيش الصحابة ستة و ثلاثين ألفا إلى الأربعين ألفا.

و عند ابن إسحاق و المدائني أيضا أن وقعة أجنادين قبل وقعة اليرموك و كانت وقعة أجنادين لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، و قتل بها بشر كثير من الصحابة، و هزم الروم و قتل أميرهم القيقلان. و كان قد بعث رجلا من نصارى العرب يحبس له أمر الصحابة، فلما رجع إليه قال:

وجدت قوما رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، و اللَّه لو سرق فيهم ابن ملكهم لقطعوه، أو زنى لرجموه.

فقال له القيقلان: و اللَّه لئن كنت صادقا لبطن الأرض خير من ظهرها. و قال سيف بن عمر في سياقه:

و وجد خالد الجيوش متفرقة فجيش أبي عبيدة و عمرو بن العاص ناحية، و جيش يزيد و شرحبيل ناحية.

فقام خالد في الناس خطيبا. فأمرهم بالاجتماع و نهاهم عن التفرق و الاختلاف. فاجتمع الناس و تصافوا مع عدوهم في أول جمادى الآخرة و قام خالد بن الوليد في الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه و قال: إن هذا يوم من أيام اللَّه، لا ينبغي فيه الفخر و لا البغي، أخلصوا جهادكم و أريدوا اللَّه بعملكم، و إن هذا يوم له ما بعده لو رددناهم اليوم إلى خندقهم فلا نزال نردهم، و إن هزمونا لا نفلح بعدها أبدا، فتعالوا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضنا اليوم و الآخر غدا و الآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم، و دعوني اليوم إليكم، فأمروه عليهم و هم يظنون أن الأمر يطول جدا فخرجت الروم في تعبئة لم‏

____________

[ (1)] كذا في النسختين، الحلبية و المصرية، و الظاهر أن فيه سقطا.

8

ير مثلها قبلها قط و خرج خالد في تعبئة لم تعبها العرب قبل ذلك. فخرج في ستة و ثلاثين كردوسا إلى الأربعين كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، و جعل أبا عبيدة في القلب، و على الميمنة عمرو بن العاص و معه شرحبيل بن حسنة، و على الميسرة يزيد بن أبي سفيان. و أمر على كل كردوس أميرا، و على الطلائع قباب بن أشيم، و على الأقباض عبد اللَّه بن مسعود و القاضي يومئذ أبو الدرداء و قاصّهم الّذي يعظهم و يحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب و قارئهم الّذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال و آيات الجهاد المقداد بن الأسود. و ذكر إسحاق بن يسار باسناده أن أمراء الأرباع يومئذ كانوا أربعة، أبو عبيدة و عمرو بن العاص و شرحبيل بن حسنة و يزيد بن أبي سفيان، و خرج الناس على راياتهم و على الميمنة معاذ بن جبل و على الميسرة نفاثة بن أسامة الكناني، و على الرجالة هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، و على الخيالة خالد بن الوليد و هو المشير في الحرب الّذي يصدر الناس كلهم عن رأيه. و لما أقبلت الروم في خيلائها و فخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها و وعرها كأنهم غمامة سوداء يصيحون بأصوات مرتفعة و رهبانهم يتلون الإنجيل و يحثونهم على القتال، و كان خالد في الخيل بين يدي الجيش فساق بفرسه إلى أبى عبيدة فقال له: إني مشير بأمر، فقال: قل ما أمرك اللَّه أسمع لك و أطيع. فقال له خالد إن هؤلاء القوم لا بدّ لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، و إني أخشى على الميمنة و الميسرة و قد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين و أجعلها وراء الميمنة و الميسرة حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءا فنأتيهم من ورائهم. فقال: له نعم ما رأيت. فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة و جعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى و أمر أبا عبيدة أن يتأخر عن القلب إلى وراء الجيش كله لكي إذا رآه المنهزم استحى منه و رجع الى القتال، فجعل أبو عبيدة مكانه في القلب سعيد بن زيد أحد العشرة رضى اللَّه عنهم، و ساق خالد إلى النساء من وراء الجيش و معهن عدد من السيوف و غيرها، فقال لهن: من رأيتموه موليا فاقتلنه، ثم رجع إلى موقفه رضى اللَّه عنه.

و لما تراءى الجمعان و تبارز الفريقان وعظ أبو عبيدة المسلمين فقال: عباد اللَّه انصروا اللَّه ينصركم و يثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فان الصبر منجاة من الكفر و مرضاة للرب و مدحضة للعار، و لا تبرحوا مصافكم، و لا تخطوا إليهم خطوة، و لا تبدءوهم بالقتال و شرعوا الرماح و استتروا بالدرق و الزموا الصمت الا من ذكر اللَّه في أنفسكم حتى آمركم إن شاء اللَّه تعالى. قالوا: و خرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم و يقول يا أهل القرآن، و متحفظى الكتاب و أنصار الهدى و الحق، إن رحمة اللَّه لا تنال و جنته لا تدخل بالأماني، و لا يؤتى اللَّه المغفرة و الرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق أ لم تسمعوا لقول اللَّه‏ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ‏

9

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏ الآية. فاستحيوا رحمكم اللَّه من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم و أنتم في قبضته و ليس لكم ملتحد من دونه و لا عز بغيره.

و قال عمرو بن العاص: يا أيها المسلمون غضوا الأبصار، و اجثوا على الركب، و اشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الاسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فو الّذي يرضى الصدق و يثيب عليه و يمقت الكذب و يجزى بالإحسان إحسانا، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا و قصرا قصرا، فلا يهولنكم جموعهم و لا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل.

و قال أبو سفيان: يا معشر المسلمين أنتم العرب و قد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل نائين عن أمير المؤمنين و أمداد المسلمين، و قد و اللَّه أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده، شديد عليكم حنقه، و قد وترتموهم في أنفسهم و بلادهم و نسائهم، و اللَّه لا ينجيكم من هؤلاء القوم، و لا يبلغ بكم رضوان اللَّه غدا إلا بصدق اللقاء و الصبر في المواطن المكروهة، ألا و إنها سنة لازمة و ان الأرض وراءكم، بينكم و بين أمير المؤمنين و جماعة المسلمين صحارى و براري، ليس لأحد فيها معقل و لا معدل إلا الصبر و رجاء ما وعد اللَّه فهو خير معول، فامتنعوا بسيوفكم و تعاونوا و لتكن هي الحصون.

ثم ذهب إلى النساء فوصاهن ثم عاد فنادى: يا معاشر أهل الإسلام حضر ما ترون فهذا رسول اللَّه و الجنة أمامكم، و الشيطان و النار خلفكم. ثم سار إلى موقفه (رحمه اللَّه).

و قد وعظ الناس أبو هريرة أيضا فجعل يقول: سارعوا إلى الحور العين و جوار ربكم عز و جل في جنات النعيم، ما أنتم إلى ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا الموطن، ألا و إن للصابرين فضلهم. قال سيف بن عمر باسناده عن شيوخه: إنهم قالوا كان في ذلك الجمع ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر. و جعل أبو سفيان يقف على كل كردوس و يقول: اللَّه اللَّه إنكم دارة العرب و أنصار الإسلام، و إنهم دارة الروم و أنصار الشرك، اللَّهمّ إن هذا يوم من أيامك، اللَّهمّ أنزل نصرك على عبادك. قالوا: و لما أقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد:

ما أكثر الروم و أقل المسلمين!! فقال خالد: ويلك، أ تخوفنى بالروم؟ إنما تكثر الجنود بالنصر، و تقل بالخذلان لا بعدد الرجال، و اللَّه لوددت أن الأشقر برأ من توجعه، و أنهم أضعفوا في العدد- و كان فرسه قد حفا و اشتكى في مجيئه من العراق- و لما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة و يزيد بن أبى سفيان و معهما ضرار بن الأزور، و الحارث بن هشام، و أبو جندل بن سهيل، و نادوا: إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأذن لهم في الدخول على تذارق، و إذا هو جالس في خيمة من حرير. فقال الصحابة:

لا نستحل دخولها، فأمر لهم بفرش بسط من حرير، فقالوا: و لا نجلس على هذه. فجلس معهم حيث‏

10

أحبوا و تراضوا على الصلح، و رجع عنهم الصحابة بعد ما دعوهم إلى اللَّه عز و جل فلم يتم ذلك.

و ذكر الوليد بن مسلم أن ماهان طلب خالدا ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم.

فقال ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد و الجوع، فهلموا إلى أن أعطى كل رجل منكم عشرة دنانير و كسوة و طعاما و ترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها.

فقال خالد: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، و أنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك. فقال أصحاب ماهان: هذا و اللَّه ما كنا نحدث به عن العرب.

قالوا ثم تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل و القعقاع بن عمرو- و هما على مجنبتي القلب- أن ينشئا القتال، فبدرا يرتجزان و دعوا إلى البراز، و تنازل الأبطال، و تجاولوا و حمى الحرب و قامت على ساق.

هذا و خالد مع كردوس من الحماة الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف، و الأبطال يتصاولون من الفريقين بين يديه، و هو ينظر و يبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل، و يدبر أمر الحرب أتم تدبير.

و قال إسحاق بن بشير عن سعيد بن عبد العزيز عن قدماء مشايخ دمشق، قالوا: ثم زحف ماهان فخرج أبو عبيدة، و قد جعل على الميمنة معاذ بن جبل، و على الميسرة قباب بن أشيم الكناني، و على الرجالة هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، و على الخيل خالد بن الوليد، و خرج الناس على راياتهم، و سار أبو عبيدة بالمسلمين، و هو يقول: عباد اللَّه انصروا اللَّه ينصركم و يثبت أقدامكم، يا معاشر المسلمين اصبروا فان الصبر منجاة من الكفر، و مرضاة للرب، و مدحضة للعار، و لا تبرحوا مصافكم، و لا تخطوا إليهم خطوة، و لا تبدءوهم بالقتال، و اشرعوا الرماح، و استتروا بالدرق، و الزموا الصمت إلا من ذكر اللَّه. و خرج معاذ بن جبل فجعل يذكرهم، و يقول: يا أهل القرآن، و مستحفظى الكتاب، و أنصار الهدى و الحق، إن رحمة اللَّه لا تنال، و جنته لا تدخل بالأماني، و لا يؤتى اللَّه المغفرة و الرحمة الواسعة إلا للصادق المصدق، أ لم تسمعوا لقول اللَّه عز و جل‏ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ إلى آخر الآية؟ فاستحيوا رحمكم اللَّه من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم، و أنتم في قبضته، و ليس لكم ملتحد من دونه. و سار عمرو بن العاص في الناس و هو يقول:

أيها المسلمون غضوا الأبصار و اجثوا على الركب، و اشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا وثبة الأسد، فو الّذي يرضى الصدق و يثيب عليه، و يمقت الكذب و يجزى الإحسان إحسانا. لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا و قصرا قصرا، فلا يهولنكم جموعهم و لا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد لتطايروا تطاير أولاد الحجل. ثم تكلم أبو سفيان فأحسن و حث على القتال فأبلغ في كلام طويل. ثم قال حين تواجه الناس: يا معشر أهل‏

11

الإسلام حضر ما ترون، فهذا رسول اللَّه و الجنة أمامكم، و الشيطان و النار خلفكم، و حرض أبو سفيان النساء فقال: من رأيتنه فارا فاضربنه بهذه الأحجار و العصي حتى يرجع.

و أشار خالد أن يقف في القلب سعيد بن زيد، و أن يكون أبو عبيدة من وراء الناس ليرد المنهزم. و قسم خالد الخيل قسمين فجعل فرقة وراء الميمنة، و فرقة وراء الميسرة، لئلا يفر الناس و ليكونوا ردءا لهم من ورائهم. فقال له أصحابه: افعل ما أراك اللَّه، و امتثلوا ما أشار به خالد رضى اللَّه عنه. و أقبلت الروم رافعة صلبانها و لهم أصوات مزعجة كالرعد، و القساقسة و البطارقة تحرضهم على القتال و هم في عدد و عدد لم ير مثله، فاللَّه المستعان و عليه التكلان.

و قد كان فيمن شهد اليرموك الزبير بن العوام، و هو أفضل من هناك من الصحابة، و كان من فرسان الناس و شجعانهم، فاجتمع إليه جماعة من الأبطال يومئذ فقالوا: ألا تحمل فنحمل معك؟

فقال: إنكم لا تثبتون، فقالوا: بلى! فحمل و حملوا فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا و أقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر و عاد إلى أصحابه. ثم جاءوا إليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الأولى، و جرح يومئذ جرحين بين كتفيه، و في رواية جرح. و قد روى البخاري معنى ما ذكرناه في صحيحه. و جعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين و الرهبان يقول: اللَّهمّ زلزل أقدامهم، و أرعب قلوبهم: و أنزل علينا السكينة، و ألزمنا كلمة التقوى، و حبب إلينا اللقاء، و أرضنا بالقضاء. و خرج ماهان فأمر صاحب الميسرة و هو الدبريجان، و كان عدو اللَّه متنسكا فيهم، فحمل على الميمنة و فيها الأزد و مذحج و حضرموت و خولان، فثبتوا حتى صدقوا [ (1)] أعداء اللَّه، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال. فزال المسلمون من الميمنة إلى ناحية القلب، و انكشف طائفة من الناس إلى العسكر، و ثبت صور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، و انكشف زبيد.

ثم تنادوا فتراجعوا و حملوا حتى نهنهوا من أمامهم من الروم و أشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس، و استقبل النساء من انهزم من سرعان الناس يضربنهم بالخشب و الحجارة و جعلت خولة بنت ثعلبة تقول:

يا هاربا عن نسوة تقيأت‏* * * فعن قليل ما ترى سبيات‏

و لا حصيات و لا رضيات

قال: فتراجع الناس إلى مواقفهم. و قال سيف بن عمر عن أبى عثمان الغساني عن أبيه. قال قال عكرمة بن أبى جهل يوم اليرموك: قاتلت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في مواطن و أفر منكم اليوم؟ ثم نادى:

من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، و ضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين‏

____________

[ (1)] كذا في النسخ. و لعله صدوا.

12

و فرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا، و قتل منهم خلق منهم ضرار بن الأزور رضى اللَّه عنهم. و قد ذكر الواقدي و غيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجي‏ء إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا و لم يشربها أحد منهم، رضى اللَّه عنهم أجمعين.

و يقال إن أول من قتل من المسلمين يومئذ شهيدا رجل جاء إلى أبي عبيدة فقال: إني قد تهيّأت لأمرى فهل لك من حاجة إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ قال: نعم، تقرئه عنى السلام و تقول: يا رسول اللَّه إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا. قال: فتقدم هذا الرجل حتى قتل (رحمه اللَّه). قالوا: و ثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنّها الرحا. فلم تر يوم اليرموك (إلا) مخا ساقطا، و معصما نادرا، و كفا طائرة من ذلك الموطن. ثم حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حملت على ميمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف منهم ثم قال: و الّذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر و الجلد غير ما رأيتم، و إني لأرجو أن يمنحكم اللَّه أكتافهم. ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة ألف فما وصل إليهم حتى انفض جمعهم، و حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فانكشفوا و تبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم.

قالوا: و بينما هم في جولة الحرب و حومة الوغى و الأبطال يتصاولون من كل جانب، إذ قدم البريد من نحو الحجاز فدفع إلى خالد بن الوليد فقال له: ما الخبر؟ فقال له- فيما بينه و بينه-: إن الصديق رضى اللَّه عنه قد توفى و استخلف عمر، و استناب على الجيوش أبا عبيدة عامر بن الجراح. فأسرّها خالد و لم يبد ذلك للناس لئلا يحصل ضعف و وهن في تلك الحال، و قال له و الناس يسمعون: أحسنت، و أخذ منه الكتاب فوضعه في كنانته و اشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب و المقاتلة، و أوقف الرسول الّذي جاء بالكتاب- و هو منجمة بن زنيم- إلى جانبه. كذا ذكره ابن جرير بأسانيده.

قالوا و خرج جرجه أحد الأمراء الكبار من الصف و استدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعتاق فرسيهما، فقال جرجه: يا خالد أخبرنى فاصدقني و لا تكذبني، فان الحر لا يكذب، و لا تخادعني فان الكريم لا يخادع المسترسل باللَّه، هل أنزل اللَّه على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا! قال: فيم سميت سيف اللَّه؟ قال: إن اللَّه بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه و نأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه و تابعه، و بعضنا كذبه و باعده، فكنت فيمن كذبه و باعده، ثم إن اللَّه أخذ بقلوبنا و نواصينا فهدانا به و بايعناه، فقال لي: أنت سيف من‏

13

سيوف اللَّه سله اللَّه على المشركين. و دعا لي بالنصر، فسميت سيف اللَّه بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين.

فقال جرجه: يا خالد إلى ما تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا عبده و رسوله و الإقرار بما جاء به من عند اللَّه عز و جل. قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية و نمنعهم. قال: فإن لم يعطها قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله. قال: فما منزلة من يجيبكم و يدخل في هذا الأمر اليوم؟ قال منزلتنا واحدة فيما افترض اللَّه علينا، شريفنا و وضيعنا و أولنا و آخرنا. قال جرجه: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر و الذخر؟ قال: نعم و أفضل. قال: و كيف يساويكم و قد سبقتموه؟ فقال خالد: إنا قبلنا هذا الأمر عنوة و بايعنا نبينا و هو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء و يخبرنا بالكتاب و يرينا الآيات، و حق لمن رأى ما رأينا، و سمع ما سمعنا أن يسلم و يبايع، و إنكم أنتم لم تروا ما رأينا، و لم تسمعوا ما سمعنا من العجائب و الحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة و نية كان أفضل منا؟ فقال جرجه: باللَّه لقد صدقتني و لم تخادعني؟ قال: تاللَّه لقد صدقتك و ان اللَّه ولى ما سألت عنه. فعند ذلك قلب جرجه الترس و مال مع خالد و قال: علمني الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه فسنّ عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين. و حملت الروم مع انقلابه إلى خالد و هم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة بن أبى جهل و الحرث بن هشام. فركب خالد و جرجه معه و الروم خلال المسلمين، فتنادى الناس و ثابوا و تراجعت الروم إلى مواقفهم و زحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد و جرجه من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب. و صلى المسلمون صلاة الظهر و صلاة العصر إيماء، و أصيب جرجه (رحمه اللَّه) و لم يصل للَّه إلا تلك الركعتين مع خالد رضى اللَّه عنهما. و ضعضعت الروم عند ذلك. ثم نهد خالد بالقلب حتى صار في وسط خيول الروم، فعند ذلك هربت خيالتهم، و أسندت بهم في تلك الصحراء، و أفرج المسلمون بخيولهم حتى ذهبوا. و أخر الناس صلاتي العشاءين حتى استقر الفتح، و عمد خالد إلى رحل الروم و هم الرجالة ففصلوهم عن آخرهم حتى صاروا كأنهم حائط قد هدم ثم تبعوا من فر من الخيالة و اقتحم خالد عليهم خندقهم، و جاء الروم في ظلام الليل إلى الواقوصة، فجعل الذين تسلسلوا و قيدوا بعضهم ببعض إذا سقط واحد منهم سقط الذين معه. قال ابن جرير و غيره: فسقط فيها و قتل عندها مائة ألف و عشرون ألفا سوى من قتل في المعركة. و قد قاتل نساء المسلمين في هذا اليوم و قتلوا خلقا كثيرا من الروم، و كن يضربن من انهزم من المسلمين و يقلن:

أين تذهبون و تدعوننا للعلوج؟ فإذا زجرنهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجع إلى القتال.

قال و تجلل القيقلان و أشراف من قومه من الروم ببرانسهم و قالوا: إذا لم نقدر على نصر دين‏

14

النصرانية فلنمت على دينهم. فجاء المسلمون فقتلوهم عن آخرهم. قالوا: و قتل في هذا اليوم من المسلمين ثلاثة آلاف منهم عكرمة و ابنه عمرو، و سلمة بن هشام، و عمرو بن سعيد، و أبان بن سعيد، و أثبت خالد بن سعيد فلا يدرى أين ذهب و ضرار بن الأزور، و هشام بن العاص و عمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسيّ، و حقق اللَّه رؤيا أبيه يوم اليمامة. و قد أتلف في هذا اليوم جماعة من الناس انهزم عمرو ابن العاص في أربعة حتى وصلوا إلى النساء ثم رجعوا حين زجرهم النساء، و انكشف شرحبيل بن حسنة و أصحابه ثم تراجعوا حين وعظهم الأمير بقوله تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ‏ الآية.

و ثبت يومئذ يزيد بن أبي سفيان و قاتل قتالا شديدا، و ذلك أن أباه مر به فقال له: يا بنى عليك بتقوى اللَّه و الصبر فإنه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين الا محفوفا بالقتال، فكيف بك و بأشباهك الذين ولوا أمور المسلمين؟! أولئك أحق الناس بالصبر و النصيحة، فاتق اللَّه يا بنى و لا يكونن أحد من أصحابك بأرغب في الأجر و الصبر في الحرب و لا أجرأ على عدو الإسلام منك. فقال: أفعل إن شاء اللَّه. فقاتل يومئذ قتالا شديدا و كان من ناحية القلب رضى اللَّه عنه، و قال سعيد بن المسيب عن أبيه قال: هدأت الأصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتا يكاد يملأ العسكر يقول: يا نصر اللَّه اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين، قال: فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد. و أكمل خالد ليلته في خيمة تدارق أخى هرقل- و هو أمير الروم كلهم يومئذ- هرب فيمن هرب، و باتت الخيول تجول نحو خيمة خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى أصبحوا، و قتل تدارق و كان له ثلاثون سرادقا و ثلاثون رواقا من ديباج بما فيها من الفرش و الحرير، فلما كان الصباح حازوا ما كان لك من الغنائم. و ما فرحوا بما وجدوا بقدر حزنهم على الصديق حين أعلمهم خالد بذلك و لكن عوضهم اللَّه بالفاروق رضى اللَّه عنه.

و قال خالد حين عزى المسلمين في الصديق: الحمد للَّه الّذي قضى على أبى بكر بالموت، و كان أحب إلى من عمر، و الحمد للَّه الّذي ولى عمر و كان أبغض إلى من أبى بكر و ألزمنى حبه.

و قد اتبع خالد من انهزم من الروم حتى وصل إلى دمشق فخرج إليه أهلها فقالوا: نحن على عهدنا و صلحنا؟ قال: نعم. ثم اتبعهم إلى ثنية العقاب فقتل منهم خلقا كثيرا ثم ساق وراءهم إلى حمص فخرج إليه أهلها فصالحهم كما صالح أهل دمشق. و بعث أبو عبيدة عياض بن غنم وراءهم أيضا فساق حتى وصل ملطية فصالحه أهلها و رجع. فلما بلغ هرقل ذلك بعث إلى مقاتليها فحضروا بين يديه و أمر بملطية فحرقت و انتهت الروم منهزمة إلى هرقل و هو بحمص و المسلمون في آثارهم يقتلون و يأسرون و يغنمون. فلما وصل الخبر إلى هرقل ارتحل من حمص و جعلها بينه و بين المسلمين و ترس بها و قال‏

15

هرقل: أما الشام فلا شام، و ويل للروم من المولود المشئوم.

و مما قيل من الأشعار في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو:

أ لم ترنا على اليرموك فزنا* * * كما فزنا بأيام العراق‏

و عذراء المدائن قد فتحنا* * * و مرج الصفر ... على العتاق‏

فتحنا قبلها بصرى و كانت‏* * * محرمة الجناب لدى النعاق‏

قتلنا من أقام لنا و فينا* * * نهابهم بأسياف رقاق‏

قتلنا الروم حتى ما تساوى‏* * * على اليرموك معروق الوراق‏

فضضنا جمعهم لما استجالوا* * * على الواقوص بالبتر الرقاق‏

غداة تهافتوا فيها فصاروا* * * إلى أمر يعضل بالذواق‏

و قال الأسود بن مقرن التميمي:

و كم قد أغرنا غارة بعد غارة* * * يوما و يوما قد كشفنا أهاوله‏

و لو لا رجال كان عشو غنيمة* * * لدى مأقط رجت علينا أوائله‏

لقيناهم اليرموك لما تضايقت‏* * * بمن حل باليرموك منه حمائله‏

فلا يعد من منا هرقل كتائبا* * * إذا رامها رام الّذي لا يحاوله‏

و قال عمرو بن العاص:

القوم لخم و جذام في الحرب‏* * * و نحن و الروم بمرج نضطرب‏

فإن يعودوا بها لا نصطحب‏* * * بل نعصب الفرار بالضرب الكرب‏

و روى أحمد بن مروان المالكي في المجالسة: ثنا أبو إسماعيل الترمذي ثنا أبو معاوية بن عمرو عن أبى إسحاق قال: كان أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء، فقال هرقل و هو على انطاكية لما قدمت منهزمة الروم: ويلكم أخبرونى عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أ ليسوا بشرا مثلكم؟ قالوا: بلى. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل و يصومون النهار، و يوفون بالعهد، و يأمرون بالمعروف، و ينهون عن المنكر، و يتناصفون بينهم، و من أجل أنا نشرب الخمر، و نزني، و نركب الحرام، و ننقض العهد، و نغصب و نظلم و نأمر بالسخط و ننهى عما يرضى اللَّه و نفسد في الأرض. فقال: أنت صدقتني.

و قال الوليد بن مسلم: أخبرنى من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه قالا:

لما نزل المسلمون بناحية الأردن، تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر فذهبنا نتسوق منها قبل ذلك،

16

فبينا نحن فيها إذا أرسل إلينا بطريقها فجئناه فقال: أنتما من العرب؟ قلنا نعم! قال: و على النصرانية؟

قلنا: نعم. فقال: ليذهب أحدكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم و رأيهم، و ليثبت الآخر على متاع صاحبه. ففعل ذلك أحدنا، فلبث مليا ثم جاءه فقال: جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولا عتاقا، أما الليل فرهبان، و أما النهار ففرسان، يريشون النبل و يبرونها، و يثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن و الذكر. قال فالتفت إلى أصحابه و قال: أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به.

انتقال إمرة الشام من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة في الدولة العمرية و ذلك بعد وقعة اليرموك‏

و صيرورة الإمرة بالشام إلى أبي عبيدة، فكان أبو عبيدة أول من سمى أمير الأمراء.

قد تقدم أن البريد قدم بموت الصديق و المسلمون مصافو الروم يوم اليرموك. و أن خالدا كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن، فلما أصبحوا أجلى لهم الأمر و قال ما قال، ثم شرع أبو عبيدة في جمع الغنيمة و تخميسها، و بعث بالفتح و الخمس مع قباب بن أشيم إلى الحجاز، ثم نودي بالرحيل إلى دمشق، فساروا حتى نزلوا مرج الصفر، و بعث أبو عبيدة بين يديه طليعة أبا أمامة الباهلي و معه رجلان من أصحابه. قال أبو أمامة: فسرت فلما كان ببعض الطريق أمرت الآخر [ (1)] فكمن هناك و سرت أنا وحدي حتى جئت باب البلد، و هو مغلق في الليل و ليس هناك أحد، فنزلت و غرزت رمحي بالأرض و نزعت لجام فرسي، و علقت عليه مخلاته و نمت، فلما أصبح الصباح قمت فتوضأت و صليت الفجر، فإذا باب المدينة يقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح فقتلته، ثم رجعت و الطلب ورائي فلما انتهينا إلى الرجل الّذي في الطريق من أصحابى ظنوا أنه كمين فرجعوا عنى، ثم سرنا حتى أخذنا الآخر و جئت إلى أبى عبيدة فأخبرته بما رأيت، فأقام أبو عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من أمر دمشق، فجاءه الكتاب يأمره بالمسير إليها، فساروا إليها حتى أحاطوا بها. و استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب في خيل هناك.

وقعة جرت بالعراق بعد مجي‏ء خالد إلى الشام‏

و ذلك أن أهل فارس اجتمعوا بعد مقتل ملكهم و ابنه على تمليك شهريار بن أردشير بن شهريار و استغنموا غيبة خالد عنهم فبعثوا إلى نائبة المثنى بن حارثة جيشا كثيفا نحوا من عشرة آلاف عليهم هرمز بن حادويه، و كتب شهريار إلى المثنى: إني قد بعثت إليك جندا من وحش أهل فارس إنما هم رعاة الدجاج و الخنازير، و لست أقاتلك إلا بهم. فكتب إليه المثنى: من المثنى إلى شهريار

____________

[ (1)] كذا في الأصلين و لعل فيه سقطا.

17

إنما أنت أحد رجلين إما باغ فذلك شر لك و خير لنا، و إما كاذب فأعظم الكاذبين عقوبة و فضيحة عند اللَّه في الناس الملوك، و أما الّذي يدلنا عليه الرأى فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد للَّه الّذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج و الخنازير. قال: فجزع أهل فارس من هذا الكتاب، و لاموا شهريار على كتابه إليه و استهجنوا رأيه. و سار المثنى من الحرة إلى بابل، و لما التقى المثنى و جيشهم بمكان عند عدوة الصراة الأولى، اقتتلوا قتالا شديدا جدا، و أرسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله، و أمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلا ذريعا، و غنموا منهم مالا عظيما، و فرت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة، و وجدوا الملك قد مات فملكوا عليهم ابنة كسرى «بوران بنت أبرويز» فأقامت العدل، و أحسنت السيرة، فأقامت سنة و سبع شهور، ثم ماتت، فملكوا عليهم أختها «آزرميدخت زنان» فلم ينتظم لهم أمر، فملكوا عليهم «سابور بن شهريار»، و جعلوا أمره إلى الفرخزاذ بن البندوان فزوجه سابور بابنة كسرى «آزرميدخت» فكرهت ذلك و قالت: إنما هذا عبد من عبيدنا. فلما كان ليلة عرسها عليه هموا إليه فقتلوه، ثم ساروا إلى سابور فقتلوه أيضا، و ملكوا عليهم هذه المرأة و هي «آزرميدخت» ابنة كسرى. و لعبت فارس بملكها لعبا كثيرا، و آخر ما استقر أمرهم عليه في هذه السنة أن ملكوا امرأة و قد

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».

و في هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السعدي، و كان قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل هذه، فلما آيسته رجع إلى البادية و قال:

هل حبل خولة بعد البين موصول‏* * * أم أنت عنها بعيد الدار مشغول‏

و للأحبة أيام تذكّرها* * * و للنوى قبل يوم البين تأويل‏

حلت خويلة في حي عهدتهم‏* * * دون المدينة فيها الديك و الفيل‏

يقارعون رءوس العجم ضاحية* * * منهم فوارس لا عزل و لا ميل‏

و قد قال الفرزدق في شعره يذكر قتل المثنى ذلك الفيل:

و بيت المثنى قاتل الفيل عنوة* * * ببابل إذ في فارس ملك بابل‏

ثم إن المثنى بن حارثة استبطأ أخبار الصديق لتشاغله بأهل الشام، و ما فيه من حرب اليرموك المتقدم ذكره، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق، و استناب على العراق بشير بن الخصاصية، و على المسالح سعيد بن مرة العجليّ، فلما انتهى المثنى إلى المدينة وجد الصديق في آخر مرض الموت. و قد عهد إلى عمر بن الخطاب، و لما رأى الصديق المثنى قال لعمر: إذا أنامت فلا نمسين حتى تندب‏

18

الناس لحرب أهل العراق مع المثنى، و إذا فتح اللَّه على أمرائنا بالشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم. أعلم بحربة.

فلما مات الصديق ندب عمر المسلمين إلى الجهاد بأرض العراق لقلة من بقي فيه من المقاتلة بعد خالد بن الوليد، فانتدب خلقا و أمر عليهم أبا عبيدة بن مسعود، و كان شابا شجاعا، خبيرا بالحرب و المكيدة. و هذا آخر ما يتعلق بخبر العراق إلى آخر أيام الصديق و أول دولة الفاروق.

خلافة عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه‏

كانت وفاة الصديق رضى اللَّه عنه في يوم الاثنين عشية، و قيل بعد المغرب و دفن من ليلته، و ذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يوما، و كان عمر بن الخطاب يصلى عنه فيها بالمسلمين، و في أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، و كان الّذي كتب العهد عثمان بن عفان، و قرئ على المسلمين فأقروا به و سمعوا له و أطاعوا، فكانت خلافة الصديق سنتين و ثلاثة أشهر، و كان عمره يوم توفى ثلاثا و ستين سنة، للسن الّذي توفى فيه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد جمع اللَّه بينهما في التربة، كما جمع بينهما في الحياة، فرضى اللَّه عنه و أرضاه.

قال محمد بن سعد عن أبى قطن عمرو بن الهيثم عن ربيع بن حسان الصائغ. قال: كان نقش خاتم أبى بكر «نعم القادر اللَّه». و هذا غريب و قد ذكرنا ترجمة الصديق رضى اللَّه عنه، و سيرته و أيامه و ما روى من الأحاديث، و ما روى عنه من الأحكام في مجلد و للَّه الحمد و المنة. فقام بالأمر من بعده أتم القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه. و هو أول من سمى بأمير المؤمنين.

و كان أول من حياه بها المغيرة بن شعبة، و قيل غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة عمر بن الخطاب و سيرته التي أفردناها في مجلد، و مسندة و الآثار المروية مرتبا على الأبواب في مجلد آخر و للَّه الحمد.

و قد كتب بوفاة الصديق إلى أمراء الشام مع شداد بن أوس، و محمد بن جريح، فوصلا و الناس مصافون جيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا. و قد أمر عمر على الجيوش أبا عبيدة حين ولاه و عزل خالد بن الوليد. و ذكر سلمة عن محمد بن إسحاق أن عمر إنما عزل خالدا لكلام بلغه عنه، و لما كان من أمر مالك بن نويرة، و ما كان يعتمده في حربه. فلما ولى عمر كان أول ما تكلم به أن عزل خالدا، و قال: لا يلي لي عملا أبدا. و كتب عمر إلى أبي عبيدة إن أكذب خالد نفسه فهو أمير على ما كان عليه، و إن لم يكذب نفسه فهو معزول، فأنزع عمامته عن رأسه و قاسمه ماله نصفين. فلما قال أبو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد: أمهلنى حتى أستشير أختى، فذهب إلى أخته فاطمة- و كانت تحت الحارث بن هشام- فاستشارها في ذلك، فقالت له: إن عمر لا يحبك أبدا، و إنه سيعزلك و إن كذبت بنفسك. فقال لها: صدقت و اللَّه. فقاسمه أبو عبيدة حتى أخذ [إحدى‏] نعليه و ترك له الآخرة،

19

و خالد يقول سمعا و طاعة لأمير المؤمنين.

و قد روى ابن جرير عن صالح بن كيسان أنه قال: أول كتاب كتبه عمر إلى أبى عبيدة حين ولاه و عزل خالدا أن قال: «و أوصيك بتقوى اللَّه الّذي يبقى و يفنى ما سواه، الّذي هدانا من الضلالة، و أخرجنا من الظلمات إلى النور، و قد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بأمرهم الّذي يحق عليك، لا تقدم المسلمين هلكة رجاء غنيمة، و لا تنزلهم منزلا قبل أن تستريده لهم و تعلم كيف مأتاه، و لا تبعث سرية إلّا في كنف من الناس، و إياك و إلقاء المسلمين في الهلكة، و قد أبلاك اللَّه بى و أبلانى بك، فغض بصرك عن الدنيا، و أله قلبك عنها، و إياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم. و أمرهم بالمسير إلى دمشق»، و كان بعد ما بلغه الخبر بفتح اليرموك و جاءته به البشارة، و حمل الخمس إليه. و قد ذكر ابن إسحاق أن الصحابة قاتلوا بعد اليرموك أجنادين ثم بفحل من أرض الغور قريباً من بيسان بمكان يقال له الردغة سمى بذلك لكثرة ما لقوا من الأوحال فيها، فأغلقوها عليهم، و أحاط بها الصحابة. قال: و حينئذ جاءت الامارة لأبى عبيدة من جهة عمر و عزل خالد، و هذا الّذي ذكره ابن إسحاق من مجي‏ء الإمارة لأبى عبيدة في حصار دمشق هو المشهور.

ذكر فتح دمشق‏

قال سيف بن عمر لما ارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجنود على مرج الصفر و هو عازم على حصار دمشق إذا أتاه الخبر بقدوم مددهم من حمص، و جاءه الخبر بأنه قد أجتمع طائفة كبيرة من الروم بفحل من أرض فلسطين، و هو لا يدرى بأي الأمرين يبدأ. فكتب إلى عمر في ذلك، فجاء الجواب أن أبدأ بدمشق فإنها حصن الشام و بيت مملكتهم، فانهد لها و اشغلوا عنكم أهل فحل بخيول تكون تلقاءهم، فان فتحها اللَّه قبل دمشق فذلك الّذي نحب، و إن فتحت دمشق قبلها فسر أنت و من معك و استخلف على دمشق، فإذا فتح اللَّه عليكم فحل فسر أنت و خالد إلى حمص و اترك عمرا و شرحبيل على الأردن و فلسطين.

قال: فسرح أبو عبيدة إلى فحل عشرة أمراء مع كل أمير خمسة أمراء و على الجميع عمارة بن مخشى الصحابي، فساروا من مرج الصفر إلى فحل فوجدوا الروم لك قريبا من ثمانين ألفا، و قد أرسلوا المياه حولهم حتى أردغت الأرض فسموا ذلك الموضع الردغة، و فتحها اللَّه على المسلمين فكانت أول حصن فتح قبل دمشق على ما سيأتي تفصيله. و بعث أبو عبيدة جيشا يكون بين دمشق و بين فلسطين، و بعث ذا الكلاع في جيش يكون بين دمشق و بين حمص، ليرد من يرد إليهم من المدد من جهة هرقل. ثم سار أبو عبيدة من مرج الصفر قاصدا دمشق، و قد جعل خالد بن الوليد

20

في القلب و ركب أبو عبيدة و عمرو بن العاص في المجنبتين، و على الخيل عياض بن غنم، و على الرجالة شرحبيل بن حسنة، فقدموا دمشق و عليها نسطاس بن نسطوس، فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي و إليه باب كيسان أيضا، و نزل أبو عبيدة على باب الجابية الكبير، و نزل يزيد بن أبى سفيان على باب الجابية الصغير، و نزل عمرو بن العاص و شرحبيل بن حسنة على بقية أبواب البلد و نصبوا المجانيق و الدبابات، و قد أرصد أبو عبيدة أبا الدرداء على جيش ببرزة يكونون ردءا له، و كذا الّذي بينه و بين حمص و حاصروها حصارا شديدا سبعين ليلة، و قيل أربعة أشهر، و قيل ستة أشهر، و قيل أربعة عشر شهرا فاللَّه أعلم. و أهل دمشق ممتنعون منهم غاية الامتناع، و يرسلون إلى ملكهم هرقل- و هو مقيم بحمص- يطلبون منه المدد فلا يمكن وصول المدد إليهم من ذي الكلاع، الّذي قد أرصده أبو عبيدة رضى اللَّه عنه بين دمشق و بين حمص- عن دمشق ليلة- فلما أيقن أهل دمشق أنه لا يصل إليهم مدد أبلسوا و فشلوا و ضعفوا، و قوى المسلمون و اشتد حصارهم، و جاء فصل الشتاء و اشتد البرد و عسر الحال و عسر القتال، فقدر اللَّه الكبير المتعال، ذو العزة و الجلال، أن ولد لبطريق دمشق مولود في تلك الليالي فصنع لهم طعاما و سقاهم بعده شرابا. و باتوا عنده في وليمته قد أكلوا و شربوا و تعبوا فناموا عن مواقفهم، و اشتغلوا عن أماكنهم، و فطن لذلك أمير الحرب خالد بن الوليد فإنه كان لا ينام و لا يترك أحدا ينام، بل مراصد لهم ليلا و نهارا، و له عيون و قصاد يرفعون إليه أحوال المقاتلة صباحا و مساء. فلما رأى خمدة تلك الليلة، و أنه لا يقاتل على السور أحد كان قد أعد سلاليم من حبال فجاء هو و أصحابه من الصناديد الأبطال، مثل القعقاع بن عمرو و مذعور بن عدي، و قد أحضر جيشه عند الباب و قال لهم: إذا سمعتم تكبيرنا فوق السور فأرقوا إلينا. ثم نهد هو و أصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقرب في أعناقهم، فنصبوا تلك السلام و أثبتوا أعاليها بالشرفات، و أكدوا أسافلها خارج الخندق، و صعدوا فيها، فلما استووا على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير، و جاء المسلمون فصعدوا في تلك السلالم و انحدر خالد و أصحابه الشجعان من السور إلى البوابين فقتلوهم، و قطع خالد و أصحابه أغاليق الباب بالسيوف و فتحوا الباب عنوة، فدخل الجيش الخالديّ من الباب الشرقي. و لما سمع أهل البلد التكبير ثاروا و ذهب كل فريق إلى أماكنهم من السور، لا يدرون ما الخبر، فجعل كلما قدم أحد من أصحاب الباب الشرقي قتله أصحاب خالد، و دخل خالد البلد عنوة فقتل من وجده.

و ذهب أهل كل باب فسألوا من أميرهم الّذي عند الباب من خارج الصلح- و قد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فيأبون عليهم- فلما دعوهم إلى ذلك أجابوهم. و لم يعلم بقية الصحابة ما صنع خالد. و دخل المسلمون من كل جانب و باب فوجدوا خالدا و هو يقتل من وجده فقالوا له: إنا قد أمناهم، فقال: إني فتحتها عنوة. و التقت الأمراء في وسط البلد عند كنيسة المقسلاط بالقرب من‏

21

درب الريحان اليوم. هكذا ذكره سيف بن عمر و غيره و هو المشهور أن خالدا فتح الباب قسرا.

و قال آخرون: بل الّذي فتحها عنوة أبو عبيدة و قيل يزيد بن أبى سفيان، و خالد صالح أهل البلد فعكسوا المشهور المعروف و اللَّه أعلم.

و قد اختلف الصحابة فقال قائلون هي صلح- يعنى على ما صالحهم الأمير في نفس الأمر و هو أبو عبيدة-. و قال آخرون: بل هي عنوة، لأن خالدا افتتحها بالسيف أولا كما ذكرنا، فلما أحسوا بذلك ذهبوا إلى بقية الأمراء و معهم أبو عبيدة فصالحوهم، فأنفقوا فيما بينهم على أن جعلوا نصفها صلحا و نصفها عنوة، فملك أهلها نصف ما كان بأيديهم و أقروا عليه، و استقرت يد الصحابة على النصف.

و يقوى هذا ما ذكره سيف بن عمر من أن الصحابة كانوا يطلبون إليهم أن يصالحوهم على المشاطرة فيأبون، فلما أحسوا باليأس أنابوا، إلى ما كانت الصحابة دعوهم إليه فبادروا إلى إجابتهم. و لم تعلم الصحابة بما كان من خالد إليهم و اللَّه أعلم، و لهذا أخذ الصحابة نصف الكنيسة العظمى التي كانت بدمشق و تعرف «بكنيسة يوحنا» فاتخذوا الجانب الشرقي منها مسجدا، و أبقوا لهم نصفها الغربي كنيسة، و قد أبقوا لهم مع ذلك أربع عشرة كنيسة أخرى مع نصف الكنيسة المعروفة «بيوحنا»، و هي جامع دمشق اليوم. و قد كتب لهم بذلك خالد بن الوليد كتابا، و كتب فيه شهادته أبو عبيدة و عمرو بن العاص و يزيد و شرحبيل: إحداها كنيسة المقسلاط التي اجتمع عندها أمراء الصحابة، و كانت مبنية على ظهر السوق الكبير، و هذه القناطير المشاهدة في سوق الصابونيين من بقية القناطر التي كانت تحتها، ثم بادت فيما بعد و أخذت حجارتها في العمارات. الثانية: كنيسة كانت في رأس درب القرشيين و كانت صغيرة، قال الحافظ ابن عساكر: و بعضها باق إلى اليوم و قد تشعثت. الثالثة: كانت بدار البطيخ العتيقة. قلت: و هي داخل البلد بقرب الكوشك، و أظنها هي المسجد الّذي قبل هذا المكان المذكور، فإنها خربت من دهر و اللَّه أعلم. الرابعة: كانت بدرب بنى نصر بين درب الحبالين و درب التميمي. قال الحافظ ابن عساكر: و قد أدركت بعض بنيانها، و قد خرب أكثرها. الخامسة:

كنيسة بولص، قال ابن عساكر: و كانت غربي القيسارية الفخرية و قد أدركت من بنيانها بعض أساس الحنيّة. السادسة: كانت في موضع دار الوكالة و تعرف اليوم بكنيسة القلانسيين. قلت:

و القلانسيين هي الحواحين اليوم. السابعة: التي بدرب السقيل اليوم و تعرف بكنيسة حميد بن درة سابقا، لأن هذا الدرب كان أقطاعا له و هو حميد بن عمرو بن مساحق القرشي العامري، و درة أمه، و هي درة ابنة هاشم بن عتبة بن ربيعة، فأبوها خال معاوية. و كان قد أقطع هذا الدرب فنسبت هذه الكنيسة إليه، و كان مسلما، و لم يبق لهم اليوم سواها، و قد خرب أكثرها. و لليعقوبية منهم كنيسة

22

داخل باب توما بين رحبة خالد- و هو خالد بن أسيد بن أبى العيص- و بين درب طلحة بن عمرو بن مرة الجهنيّ، و هي الكنيسة الثامنة، و كانت لليعقوبيين كنيسة أخرى فيما بين درب التنوى و سوق على. قال ابن عساكر: قد بقي من بنائها بعضه، و قد خربت منذ دهر. و هي الكنيسة التاسعة و أما العاشرة فهي الكنيسة المصلبة قال الحافظ ابن عساكر: و هي باقية إلى اليوم بين الباب الشرقي و باب توما بقرب النيبطن عند السور. و الناس اليوم يقولون النيطون. قال ابن عساكر:

و قد خرب أكثرها هكذا قال. و قد خربت هذه الكنيسة و هدمت في أيام صلاح الدين فاتح القدس بعد الثمانين و خمسمائة بعد موت الحافظ ابن عساكر (رحمه اللَّه).

الحادية عشرة: كنيسة مريم داخل الباب الشرقي. قال ابن عساكر و هي من أكبر ما بقي بأيديهم. قلت: ثم خربت بعد موته بدهر في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري على ما سيأتي بيانه الثانية عشر: كنيسة اليهود التي بأيديهم اليوم في حارتهم، و محلها معروف بالقرب من الجبر و تسميه الناس اليوم بستان القط و كانت لهم كنيسة في درب البلاغة لم تكن داخلة في العهد فهدمت فيما بعد و جعل مكانها المسجد المعروف بمسجد ابن السهروردي، و الناس اليوم يقولون درب الشاذورى.

قلت: و قد أخربت لهم كنيسة كانوا قد أحدثوها لم يذكرها أحد من علماء التاريخ لا ابن عساكر و لا غيره، و كان إخرابها في حدود سنة سبع عشرة و سبعمائة و لم يتعرض الحافظ ابن عساكر لذكر كنيسة السامرة بمرة. ثم قال ابن عساكر: و مما أحدث- يعنى النصارى- كنيسة بناها أبو جعفر المنصور بنى قطيطا في الفريق عند قناة صالح قريبا من دازبها و ارمن اليوم [ (1)]، و قد أخربت فيما بعد و جعلت مسجدا يعرف بمسجد الجنيق و هو مسجد أبى اليمن. قال و مما أحدث كنيستا العباد إحداهما عند دار ابن الماشلي و قد جعلت مسجدا. و الأخرى التي في رأس درب النقاشين و قد جعلت مسجدا.

انتهى ما ذكره الحافظ ابن عساكر الدمشقيّ (رحمه اللَّه). قلت: و ظاهر سياق سيف بن عمر يقتضي أن فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة و لكن نص سيف على ما نص عليه الجمهور من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة. كذا حكاه الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عائذ القرشي الدمشقيّ عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصين بن غلاق عن يزيد بن عبيدة قال: فتحت دمشق سنة أربع عشرة. و رواه دحيم عن الوليد. قال: سمعت أشياخا يقولون إن دمشق فتحت سنة أربع عشرة. و هكذا قال سعيد بن عبد العزيز و أبو معشر و محمد بن إسحاق و معمر و الأموي و حكاه عن مشايخه و ابن الكلبي و خليفة بن خياط و أبو عبيدة القاسم بن سلام، إن فتح دمشق كان في سنة

____________

[ (1)] هكذا في الأصلين من قوله كنيسة بناها إلى قوله و ارمن اليوم و لم يظهر لنا المعنى.

23

أربع عشرة. و زاد سعيد بن عبد العزيز و أبو معشر و الأموي: و كانت اليرموك بعدها بسنة. و قال بعضهم: بل كان فتحها في شوال سنة أربع عشرة. و قال خليفة: حاصرهم أبو عبيدة في رجب و شعبان و رمضان و شوال و تم الصلح في ذي القعدة. و قال الأموي في مغازيه: كانت وقعة أجنادين في جمادى الاولى، و وقعة فحل في ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة- يعنى و وقعة دمشق سنة أربع عشرة- و قال دحيم عن الوليد: حدثني الأموي أن وقعة فحل و أجنادين كانت في خلافة أبى بكر ثم مضى المسلمون إلى دمشق فنزلوا عليها في رجب سنة ثلاث عشرة يعنى ففتحوها في سنة أربع عشرة. و كانت اليرموك سنة خمس عشرة، و قدم عمر إلى بيت المقدس سنة ست عشرة.

فصل‏

و اختلف العلماء في دمشق هل فتحت صلحا أو عنوة؟ فأكثر العلماء على أنه استقر أمرها على الصلح، لأنهم شكوا في المتقدم على الآخر أ فتحت عنوة ثم عدل الروم إلى المصالحة، أو فتحت صلحا، أو اتفق الاستيلاء من الجانب الآخر قسرا؟ فلما شكوا في ذلك جعلوها صلحا احتياطا.

و قيل بل جعل نصفها صلحا و نصفها عنوة، و هذا القول قد يظهر من صنع الصحابة في الكنيسة العظمى التي كانت أكبر معابدهم حين أخذوا نصفها و تركوا لهم نصفها و اللَّه أعلم.

ثم قيل: إن أبا عبيدة هو الّذي كتب لهم كتاب الصلح، و هذا هو الأنسب و الأشهر، فإن خالدا كان قد عزل عن الإمرة، و قيل بل الّذي كتب لهم الصلح خالد بن الوليد، و لكن أقره على ذلك أبو عبيدة فاللَّه أعلم.

و ذكر أبو حذيفة إسحاق بن بشر أن الصديق توفى قبل فتح دمشق، و أن عمر كتب إلى أبي عبيدة يعزيه و المسلمين في الصديق، و أنه قد استنابه على من بالشام، و أمره أن يستشير خالدا في الحرب، فلما وصل الكتاب إلى أبى عبيدة كتمه من خالد حتى فتحت دمشق بنحو من عشرين ليلة، فقال له خالد: يرحمك اللَّه، ما منعك أن تعلمني حين جاءك؟ فقال: إني كرهت أن أكسر عليك حربك، و ما سلطان الدنيا أريد، و لا للدنيا أعمل، و ما ترى سيصير إلى زوال و انقطاع، و إنما نحن إخوان و ما يضر الرجل أن يليه أخوه في دينه و دنياه.

و من أعجب ما يذكر هاهنا ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي: حدثنا هشام بن عمار ثنا عبد الملك ابن محمد ثنا راشد بن داود الصنعاني حدثني أبو عثمان الصنعاني شراحيل بن مرثد، قال: بعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى أهل اليمامة، و بعث يزيد بن أبى سفيان إلى الشام، فذكر الراويّ فقال خالد لأهل اليمامة إلى أن قال: و مات أبو بكر و استخلف عمر فبعث أبا عبيدة إلى الشام فقدم دمشق فاستمد أبو عبيدة عمر فكتب عمر إلى خالد بن الوليد أن يسير إلى أبى عبيدة بالشام، فذكر مسير

24

خالد من العراق إلى الشام كما تقدم و هذا غريب جدا فان الّذي لا يشك فيه أن الصديق هو الّذي بعث أبا عبيدة و غيره من الأمراء إلى الشام، و هو الّذي كتب إلى خالد بن الوليد أن يقدم من العراق إلى الشام ليكون مددا لمن به و أميرا عليهم، ففتح اللَّه تعالى عليه و على يديه جميع الشام على ما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى.

و قال محمد بن عائذ: قال الوليد بن مسلم: أخبرنى صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا أبا عبيدة بن الجراح وافدا إلى أبى بكر بشيرا بالفتح فقدم المدينة فوجد أبا بكر قد توفى و استخلف عمر بن الخطاب فأعظم أن يتأمر أحد من الصحابة عليه فولاه جماعة الناس فقدم عليهم فقالوا: مرحبا بمن بعثناه بريدا فقدم علينا أميرا، و قد روى الليث و ابن لهيعة و حيوة بن شريح و مفضل بن فضالة و عمر بن الحارث و غير واحد عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد اللَّه بن الحكم عن على بن رباح عن عقبة بن عامر أنه بعثه أبو عبيدة بريدا بفتح دمشق قال: فقدمت على عمر يوم الجمعة فقال لي: منذ كم لم تنزع خفيك؟ فقلت من يوم الجمعة و هذا يوم الجمعة. فقال: أصبت السنة.

قال الليث: و به نأخذ، يعنى أن المسح على الخفين للمسافر لا يتأقت، بل له أن يمسح عليهما ما شاء، و إليه ذهب الشافعيّ في القديم. و قد روى أحمد و أبو داود عن أبى بن عمارة مرفوعا مثل هذا، و الجمهور على ما رواه مسلم عن على في تأقيت المسح للمسافر ثلاثة أيام و لياليهن، و للمقيم يوم و ليلة. و من الناس من فصل بين البريد و من في معناه و غيره، فقال في الأول لا يتأقت، و فيما عداه يتأقت لحديث عقبة و حديث على و اللَّه أعلم.

فصل‏

ثم إن أبا عبيدة بعث خالد بن الوليد إلى البقاع ففتحه بالسيف. و بعث سرية فالتقوا مع الروم بعين ميسنون، و على الروم رجل يقال له «سنان» تحدر على المسلمين من عقبة بيروت فقتل من المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء فكانوا يسمون «عين ميسنون» عين الشهداء. و استخلف أبو عبيدة على دمشق يزيد بن أبى سفيان كما وعده بها الصديق. و بعث يزيد دحية بن خليفة إلى تدمر في سرية ليمهدوا أمرها. و بعث أبا الزهراء القشيري إلى البثينة و حوران فصالح أهلها.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام (رحمه اللَّه): افتتح خالد دمشق صلحا، و هكذا سائر مدن الشام كانت صلحا دون أرضيها. فعلى يدي يزيد بن أبى سفيان و شرحبيل بن حسنة و أبى عبيدة. و قال الوليد بن مسلم: أخبرنى غير واحد من شيوخ دمشق بينما هم على حصار دمشق إذ أقبلت خيل من‏

25

عقبة السلمية مخمرة بالحرير فثار إليهم المسلمون فالتقوا فيما بين بيت لهيا و العقبة التي أقبلوا منها، فهزموهم و طردوهم إلى أبواب حمص، فلما رأى أهل حمص ذلك ظنوا أنهم قد فتحوا دمشق فقال لهم أهل حمص إنا نصالحكم على ما صالحتم عليه أهل دمشق ففعلوا.

و قال خليفة بن خياط حدثني عبد اللَّه بن المغيرة عن أبيه قال افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة ما خلا طبرية فان أهلها صالحوه. و هكذا قال ابن الكلبي. و قالا بعث أبو عبيدة خالدا فغلب على ارض البقاع و صالحه أهل بعلبكّ و كتب لهم كتابا. و قال ابن المغيرة عن أبيه و صالحهم على أنصاف منازلهم و كنائسهم، و وضع الخراج. و قال ابن إسحاق و غيره و في سنة أربع عشرة فتحت حمص و بعلبكّ صلحا على يدي أبى عبيدة في ذي القعدة قال خليفة و يقال في سنة خمس عشرة

وقعة فحل [ (1)]

و قد ذكرها كثير من العلماء السير قبل فتح دمشق و إنما ذكرها الامام أبو جعفر بن جرير بعد فتح دمشق و تبع في ذلك سياق سيف بن عمر فيما رواه عن أبى عثمان يزيد بن أسيد الغساني و أبى حارثة القيسي قالا: خلف الناس يزيد بن أبى سفيان في خيله في دمشق و سار نحو فحل و على الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حسنة و سار أبو عبيدة و قد جعل على المقدمة خالد بن الوليد و أبو عبيدة على الميمنة و عمرو بن العاص على الميسرة، و على الخيل ضرار بن الأزور، و على الرجالة عياض بن غنم فوصلوا إلى فحل و هي بلدة بالغور و قد انحاز الروم إلى بسان، و أرسلوا مياه تلك الأراضي على ما لك من الأراضي فحال بينهم و بين المسلمين، و أرسل المسلمون إلى عمر يخبرونه بما هم فيه من مصابرة عدوهم و ما صنعه الروم من تلك المكيدة، إلا أن المسلمين في عيش رغيد و مدد كبير، و هم على أهبة من أمرهم. و أمير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة و هو لا يبيت و لا يصبح إلا على تعبئة.

و ظن الروم أن المسلمين على غرة، فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم، و على الروم سقلاب بن مخراق، فهجموا على المسلمين فنهضوا إليهم نهضة رجل واحد لأنهم على أهبة دائما، فقاتلوهم حتى الصباح و ذلك اليوم بكماله إلى الليل. فلما أظلم الليل فر الروم و قتل أميرهم سقلاب و ركب المسلمون أكتافهم و أسلمتهم هزيمتهم إلى ذلك الوحل الّذي كانوا قد كادوا به المسلمين فغرقهم اللَّه فيه، و قتل منهم المسلمين بأطراف الرماح ما قارب الثمانين ألفا لم ينج منهم إلا الشريد، و غنموا منهم شيئا كثيرا و ما لا جزيلا. و انصرف أبو عبيدة و خالد بن معهما من الجيوش نحو حمص كما أمر أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب. و استخلف أبو عبيدة على الأردن شرحبيل بن حسنة، فسار شرحبيل و معه عمرو بن العاص فحاصر بيسان فخرجوا إليه فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم صالحوه على مثل ما صالحت عليه‏

____________

[ (1)] بكسر الفاء. و قيل و الحاء. و الصحيح تسكينها.

26

دمشق، و ضرب عليهم الجزية و الخراج على أراضيهم و كذلك فعل أبو الأعور السلمي بأهل طبرية سواء

فصل فيما وقع بأرض العراق في هذه المدة من القتال‏

و قد قدمنا أن المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه إلى الشام و قد قيل إنه سار بتسعة آلاف، و قيل بثلاثة آلاف، و قيل بسبعمائة و قيل بأقل، إلا أنهم صناديد جيش العراق، فأقام المثنى بمن بقي فاستقل عددهم و خاف من سطوة الفرس لو لا اشتغالهم بتبديل ملوكهم و ملكاتهم، و استبطأ المثنى خبر الصديق فسار إلى المدينة فوجد الصديق في السياق، فأخبره بأمر العراق، فأوصى الصديق عمر أن يندب الناس لقتال أهل العراق. فلما مات الصديق و دفن ليلة الثلاثاء أصبح عمر فندب الناس و حثهم على قتال أهل العراق، و حرضهم و رغبهم في الثواب على ذلك، فلم يقم أحد لأن الناس كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم، و شدة قتالهم. ثم ندبهم في اليوم الثاني و الثالث فلم يقم أحد و تكلم المثنى بن حارثة فأحسن، و أخبرهم بما فتح اللَّه تعالى على يدي خالد من معظم أرض العراق، و ما لهم لك من الأموال و الأملاك و الأمتعة و الزاد، فلم يقم أحد في اليوم الثالث فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب من المسلمين أبو عبيد بن مسعود الثقفي ثم تتابع الناس في الاجابة، و أمر عمر طائفة من أهل المدينة و أمر على الجميع أبا عبيد هذا و لم يكن صحابيا، فقيل لعمر: هلا أمرت عليهم رجلا من الصحابة؟ فقال: إنما أومر أول من استجاب، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، و إن هذا هو الّذي استجاب قبلكم. ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى اللَّه و بمن معه من المسلمين خيرا، و أمره، أن يستشير أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، (و أن يستشير سليط بن قيس فإنه رجل باشر الحروب) [ (1)] فسار المسلمون إلى أرض العراق (و هم سبعة آلاف رجل) [ (2)] و كتب عمر إلى أبى عبيدة أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد إلى العراق (فجهز عشرة آلاف عليهم هاشم ابن عتبة و أرسل عمر جرير بن عبد اللَّه البجلي في أربعة آلاف إلى العراق فقدم الكوفة ثم خرج منها فواقع هرقران المدار فقتله و انهزم جيشه و غرق أكثرهم في دجلة) [ (3)] فلما وصل الناس إلى العراق وجدوا الفرس مضطربين في ملكهم، و آخر ما استقر عليه أمرهم أن ملكوا عليهم «بوران» بنت كسرى بعد ما قتلوا التي كانت قبلها «أزرميدخت» و فوضت بوران أمر الملك عشر سنين إلى رجل منهم يقال له رستم بن فرخزاد على أن يقوم بأمر الحرب، ثم يصير الملك إلى آل كسرى فقبل ذلك. و كان رستم هذا منجما يعرف النجوم و علمها جيدا، فقيل له: ما حملك على هذا؟ يعنون و أنت تعلم أن هذا الأمر لا يتم لك فقال: الطمع و حب الشرف‏

____________

[ (1، 2، 3)] نقص في النسخة المصرية.

27

وقعة النمارق‏

بعث رستم أميرا يقال له «جابان» و على مجنبتيه رجلان يقال لأحدهما «حشنس ماه» و يقال للآخر «مردان شاه» و هو خصى أمير حاجب الفرس، فالتقوا مع أبى عبيد بمكان يقال له النمارق،- بين الحيرة و القادسية- و على الخيل المثنى بن حارثة، و على الميسرة عمرو بن الهيثم فاقتتلوا لك قتالا شديدا و هزم اللَّه الفرس و أسر جابان و مردان شاه. فأما مردان شاه فإنه قتله الّذي أسره، و أما جابان فإنه خدع الّذي أسره حتى أطلقه فأمسكه المسلمون و أبوا أن يطلقوه، و قالوا ان هذا هو الأمير و جاءوا به إلى أبى عبيد فقالوا اقتله فإنه الأمير فقال و إن كان الأمير فانى لا أقتله. و قد أمنه رجل من المسلمين ثم ركب أبو عبيد في آثار من انهزم منهم و قد لجئوا إلى مدينة كسكر التي لابن خالة كسرى و اسمه نرسى فوازرهم نرسى على قتال أبى عبيد فقهرهم أبو عبيد و غنم منهم شيئا كثيرا و أطعمات كثيرة جدا، و للَّه الحمد. و بعث بخمس ما غنم من المال و الطعام إلى عمر بن الخطاب بالمدينة و قد قال في ذلك رجل من المسلمين.

لعمري و ما عمري عليّ بهين‏* * * لقد صبحت بالخزي أهل النمارق‏

بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم‏* * * يجوسونهم ما بين درنا و بارق‏

قتلناهم ما بين مرج مسلح‏* * * و بين الهوانى من طريق التدارق‏

فالتقوا بمكان بين كسكر و السفاطية و على ميمنة نرسى و ميسرته ابنا خاله بندويه و بيرويه أولاد نظام و كان رستم قد جهز الجيوش مع الجالينوس فلما بلغ أبو عبيد ذلك اعجل نرسى بالقتال قبل وصولهم فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت الفرس و هرب نرسى و الجالينوس الى المدائن بعد وقعة جرت من أبى عبيد مع الجالينوس بمكان يقال له باروسما فبعث أبو عبيد المثنى بن حارثة و سرايا أخر إلى متاخم تلك الناحية كنهرجور و نحوها ففتحها صلحا و قهرا و ضربوا الجزية و الخراج و غنموا الأموال الجزيلة و للَّه الحمد و المنة و كسروا الجالينوس الّذي جاء لنصرة جابان و غنموا جيشه و أمواله و كر هاربا إلى قومه حقيرا ذليلا.

وقعة جسر أبى عبيد التي قتل فيها أمير المسلمين و خلق كثير منهم‏

ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ لما رجع الجالينوس هاربا مما لقي من المسلمين تذامرت الفرس بينهم و اجتمعوا إلى رستم فأرسل جيشا كثيفا عليهم ذا الحاجب «بهمس حادويه» و أعطاه راية أفريدون و تسمى درفش كابيان و كانت الفرس تتيمن بها. و حملوا معهم راية كسرى و كانت من جلود النمور عرضها ثمانية أذرع.

فوصلوا إلى المسلمين و بينهم النهر و عليه جسر فأرسلوا: إما أن تعبروا إلينا و إما إن نعبر إليكم.

فقال المسلمون لأميرهم أبى عبيد أ أمرهم فليعبروهم إلينا. فقال ما هم بأجرأ على الموت منا. ثم اقتحم‏

28

إليهم فاجتمعوا في مكان ضيق لك فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله و المسلمون في نحو من عشرة آلاف و قد جاءت الفرس معهم بأفيلة كثيرة عليها الجلاجل، قائمة لتذعر خيول المسلمين فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة و مما تسمع من الجلاجل التي عليها و لا يثبت منها الا القليل على قسر. و إذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم عل الفيلة و رشقتهم الفرس بالنبل، فنالوا منهم خلقا كثيرا و قتل المسلمون منهم مع ذلك ستة آلاف. و أمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة أولا، فاحتوشوها فقتلوها عن آخرها، و قد قدمت الفرس بين أيديهم فيلا عظيما أبيض، فتقدم إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع زلومه فحمى الفيل، و صاح صيحة هائلة و حمل فتخبطه برجليه فقتله و وقف فوقه فحمل على الفيل خليفة أبى عبيد الّذي كان أوصى أن يكون أميرا بعده فقتل، ثم آخر ثم آخر حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نص أبو عبيد عليهم واحدا بعد واحد، ثم صارت الى المثنى بن حارثة بمقتضى الوصية أيضا. و قد كانت دومة امرأة أبى عبيد رأت مناما يدل على ما وقع سواء بسواء. فلما رأى المسلمون ذلك وهنوا عند ذلك و لم يكن بقي إلا الظفر بالفرس، و ضعف أمرهم، و ذهب ريحهم، و ولوا مدبرين، و ساقت الفرس خلفهم فقتلوا بشرا كثيرا، و انكشف الناس فكان أمرا بليغا و جاءوا إلى الجسر فمر بعض الناس. ثم انكسر الجسر فتحكم فيمن وراءه الفرس فقتلوا من المسلمين و غرق في الفراة نحوا من أربعة آلاف. ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.

و سار المثنى بن حارثة فوقف عند الجسر الّذي جاءوا منه، و كان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقى بنفسه في الفرات فيغرق، فنادى المثنى. أيها الناس على هينتكم فانى واقف على فم الجسر لا أجوزه حتى لا يبقى منكم أحد هاهنا، فلما عدّى الناس إلى الناحية الأخرى سار المثنى فنزل بهم أول منزل، و قام يحرسهم هو و شجعان المسلمين، و قد جرح أكثرهم و أثخنوا. و من الناس من ذهب في البرية لا يدرى أين ذهب، و منهم من رجع إلى المدينة النبويّة مذعورا، و ذهب بالخبر عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازني إلى عمر بن الخطاب فوجده على المنبر، فقال له عمر: ما وراءك يا عبد اللَّه بن زيد؟ فقال: أتاك الخبر اليقين يا أمير المؤمنين، ثم صعد إليه المنبر فأخبره الخبر سرا، و يقال كان أول من قدم بخبر الناس عبد اللَّه بن يزيد بن الحصين الحطمى فاللَّه أعلم.

قال سيف بن عمرو كانت هذه الوقعة في شعبان من سنة ثلاث [عشرة] بعد اليرموك بأربعين يوما فاللَّه أعلم، و تراجع المسلمون بعضهم إلى بعض و كان منهم من فر إلى المدينة فلم يؤنب عمر الناس بل قال أنا فيئكم و أشغل اللَّه المجوس بأمر ملكهم. و ذلك أن أهل المدائن عدوا على رستم فخلعوه ثم ولوه و أضافوا إليه الفيرزان، و اختلفوا على فرقتين، فركب الفرس إلى المدائن و لحقهم المثنى بن حارثة في نفر من المسلمين، فعارضه أميران من أمرائهم في جيشهم، فأسرهما و أسر معهما بشرا كثيرا

29

فضرب أعناقهم. ثم أرسل المثنى إلى من بالعراق من أمراء المسلمين يستمدهم، فبعثوا إليه بالأمداد، و بعث إليه عمر بن الخطاب بمدد كثير فيهم جرير بن عبد اللَّه البجلي، في قومه بجيلة بكمالها، و غيره من سادات المسلمين حتى كثر جيشه.

وقعة البويت التي اقتص فيها المسلمون من الفرس‏

فلما سمع بذلك أمراء الفرس، و بكثرة جيوش المثنى، بعثوا إليه جيشا آخر مع رجل يقال له مهران فتوافوا هم و إياهم بمكان يقال له «البويت» قريب من مكان الكوفة اليوم و بينهما الفرات.

فقالوا: إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم. فقال المسلمون: بل اعبروا إلينا. فعبرت الفرس إليهم فتواقفوا، و ذلك في شهر رمضان. فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم، و عبى الجيش، و جعل يمر على كل راية من رايات الأمراء على القبائل و يعظهم و يحثهم على الجهاد و الصبر و الصمت. و في القوم جرير بن عبد اللَّه البجلي في بجيلة و جماعة من سادات المسلمين. و قال المثنى لهم: إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيئوا، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا. فقابلوا قوله بالسمع و الطاعة و القبول. فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم، و اقتتلوا قتالا شديدا، و رأى المثنى في بعض صفوفه خللا، فبعث إليهم رجلا يقول: الأمير يقرأ عليكم السلام و يقول لكم: لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا. فلما رأى ذلك منهم- و هم بنو عجل- أعجبه و ضحك. و بعث إليهم يقول: يا معشر المسلمين عاداتكم، انصروا اللَّه ينصركم. و جعل المثنى و المسلمون يدعون اللَّه بالظفر و النصر. فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره، و حمل على مهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة، و حمل غلام من بنى تغلب نصراني فقتل مهران و ركب فرسه. كذا ذكره سيف بن عمر.

و قال محمد بن إسحاق بل حمل عليه المنذر بن حسان بن ضرار الضبيّ فطعنه و احتز رأسه جرير بن عبد اللَّه البجلي، و اختصما في سلبه، فأخذ جرير السلاح و أخذ المنذر منطقته. و هربت المجوس و ركب المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلا. و سبق المثنى بن حارثة إلى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون. فركبوا أكتافهم بقية ذلك اليوم و تلك الليلة، و من أبعد إلى الليل فيقال إنه قتل منهم يومئذ و غرق قريب من مائة ألف و للَّه الحمد و المنة. و غنم المسلمون مالا جزيلا و طعاما كثيرا، و بعثوا بالبشارة و الأخماس إلى عمر رضى اللَّه عنه. و قد قتل من سادات المسلمين في هذا اليوم بشر كثير أيضا. و ذلت لهذه الوقعة رقاب الفرس و تمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات و دجلة فغنموا شيئا عظيما لا يمكن حصره. و جرت أمور يطول ذكرها بعد يوم البويت و كانت هذه الواقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام. و قد قال الأعور الشنى العبديّ في ذلك:-

30

هاجت لأعور دار الحي أحزانا* * * و استبدلت بعد عبد القيس حسانا

و قد أرانا بها و الشمل مجتمع‏* * * إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا

إذ كان سار المثنى بالخيول لهم‏* * * فقتل الزحف من فرس و جيلانا

سما لمهران و الجيش الّذي معه‏* * * حتى أبادهم مثنى و وحدانا [ (1)]

فصل‏

ثم بعث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سعد بن أبى وقاص الزهري أحد العشرة في ستة آلاف أميرا على العراق، و كتب إلى جرير بن عبد اللَّه و المثنى بن حارثة أن يكونا تبعا له و أن يسمعا له و يطيعا، فلما وصل إلى العراق كانا معه، و كانا قد تنازعا الامرة، فالمثنى يقول لجرير: إنما بعثك أمير المؤمنين مددا إلى. و يقول جرير: إنما بعثني أميرا عليك. فلما قدم سعد على أمر العراق انقطع نزاعهما. قال ابن إسحاق. و توفى المثنى بن حارثة في هذه السنة: كذا قال ابن إسحاق. و الصحيح أن بعث عمر سعدا إنما كان في أول سنة أربع عشرة كما سيأتي.

ذكر اجتماع الفرس على يزدجرد بعد اختلافهم و اضطرابهم ثم اجتمعت كلمتهم‏

كان شيرين قد اجمع آل كسرى في القصر الأبيض و أمر بقتل ذكر انهم كلهم، و كانت أم يزدجرد فيهم و معها ابنها و هو صغير، فواعدت أخواله فجاءوا و أخذوه منها و ذهبوا به إلى بلادهم، فلما وقع ما وقع يوم البويت و قتل من قتل منهم كما ذكرنا، و ركب المسلمون أكتافهم و انتصروا عليهم و على أخذ بلدانهم، و محالهم و أقاليمهم. ثم سمعوا بقدوم سعد بن أبى وقاص من جهة عمر، اجتمعوا فيما بينهم و أحضروا الأميرين الكبيرين فيهم و هما رستم و الفيرزان فتذامروا فيما بينهم و تواصوا و قالوا لهما لئن لم تقوما بالحرب كما ينبغي لنقتلنكما و نشتفى بكما. ثم رأوا فيما بينهم أن يبعثوا خلف نساء كسرى من كل فج و من كل بقعة، فمن كان لها ولد من آل كسرى ملكوه عليهم. فجعلوا إذا أتوا بالمرأة عاقبوها هل لها ولد و هي تنكر ذلك خوفا على ولدها إن كان لها ولد، فلم يزالوا حتى دلوا على أم يزدجرد، فأحضروها و أحضروا ولدها فملكوه عليهم و هو ابن احدى و عشرين سنة، و هو من ولد شهريار بن كسرى و عزلوا بوران و استوثقت الممالك له، و اجتمعوا عليه و فرحوا به، و قاموا بين يديه بالنصر أتم قيام، و استفحل أمره فيهم و قويت شكوتهم به، و بعثوا إلى الأقاليم و الرساتيق فخلعوا الطاعة للصحابة و نقضوا عهودهم و ذممهم، و بعث الصحابة إلى عمر بالخبر، فأمرهم عمر أن يتبرزوا من بين ظهرانيهم‏

____________

[ (1)] من منتصف السطر الثالث و العشرين من صفحة 28 إلى هنا زيادة من النسخة المصرية

31

و ليكونوا على أطراف البلاد حولهم على المياه، و أن تكون كل قبيلة تنظر إلى الأخرى بحيث إذا حدث حدث على قبيلة لا يخفى أمرها على جيرانهم. و تفاقم الحال جدا، و ذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة، و قد حج بالناس عمر في هذه السنة و قيل بل حج بهم عبد الرحمن بن عوف و لم يحج عمر هذه السنة و اللَّه أعلم.

ذكر ما وقع في هذه السنة

أعنى سنة ثلاث عشرة من الحوادث إجمالا، و من توفى من الأعيان كانت فيها وقائع تقدم تفصيلها ببلاد العراق على يدي خالد بن الوليد رضى اللَّه عنه، فتحت فيها الحيرة و الأنبار و غيرهما من الأمصار، و فيها سار خالد بن الوليد من العراق إلى الشام على المشهور.

و فيها كانت وقعة اليرموك في قول سيف بن عمر و اختيار ابن جرير، و قتل بها من قتل من الأعيان ممن يطول ذكرهم و تراجمهم و رضى اللَّه عنهم أجمعين. و فيها توفى أبو بكر الصديق. و قد أفردنا سيرته في مجلد و للَّه الحمد. و فيها ولى عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة منها فولى قضاء المدينة على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه و استناب على الشام أبا عبيدة عامر بن عبد اللَّه بن الجراح الفهري، و عزل عنها خالد بن الوليد المخزومي، و أبقاه على شورى الحرب. و فيها فتحت بصرى صلحا و هي أول مدينة فتحت من الشام، و فيها فتحت دمشق في قول سيف و غيره كما قدمنا و استنيب فيها يزيد بن أبى سفيان فهو أول من وليها من أمراء المسلمين رضى اللَّه عنهم. و فيها كانت وقعة فحل من أرض الغور و قتل بها جماعة من الصحابة و غيرهم. و فيها كانت وقعة جسر أبي عبيد فقتل فيها أربعة آلاف من المسلمين منهم أميرهم أبو عبيد بن مسعود الثقفي، و هو والد صفية امرأة عبد اللَّه بن عمر و كانت امرأة صالحة رحمهما اللَّه. و والد المختار بن أبي عبيد كذاب ثقيف و قد كان نائبا على العراق في بعض وقعات العراق كما سيأتي. و فيها توفى المثنى بن حارثة في قول ابن إسحاق، و قد كان نائبا على العراق استخلفه خالد بن الوليد حين سار إلى الشام، و قد شهد مواقف مشهورة و له أيام مذكورة و لا سيما يوم البويت بعد جسر أبي عبيد قتل فيه من الفرس و غرق بالفرات قريب من مائة ألف، و الّذي عليه الجمهور أنه بقي إلى سنة أربع عشرة كما سيأتي بيانه و فيها حج بالناس عمر بن الخطاب في قول بعضهم و قيل بل حج عبد الرحمن بن عوف. و فيها استنفر عمر قبائل العرب لغزو العراق و الشام فأقبلوا من كل النواحي فرمى بهم الشام و العراق. و فيها كانت وقعة أجنادين في قول ابن إسحاق يوم السبت لثلاث من جمادى الأولى منها. و كذا عند الواقدي فيما بين الرملة و بين جسرين و على الروم القيقلان و أمير المسلمين عمرو بن العاص، و هو في عشرين ألفا في قول فقتل القيقلان و انهزمت الروم و قتل منهم خلق كثير. و استشهد من المسلمين أيضا جماعة منهم هشام بن العاص‏

32

و الفضل بن العباس، و أبان بن سعيد و أخواه خالد و عمرو، و نعيم بن عبد اللَّه بن النحام، و الطفيل بن عمرو و عبد اللَّه بن عمرو الدوسيان، و ضرار بن الأزور، و عكرمة بن أبى جهل، و عمه سلمة بن هشام، و هبار بن سفيان، و صخر بن نصر، و تميم و سعيد ابنا الحارث بن قيس رضى اللَّه عنهم.

و قال محمد بن سعد قتل يومئذ طليب بن عمرو و أمه أروى بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ممن قتل يومئذ عبد اللَّه بن الزبير بن عبد المطلب، و كان عمره يومئذ ثلاثين سنة فيما ذكره الواقدي قال: و لم يكن له رواية و كان ممن صبر يوم حنين. قال ابن جرير و قتل يومئذ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة و الحارث بن أوس بن عتيك رضى اللَّه عنهم. و فيها كانت وقعة مرج الصفر في قول خليفة بن خياط و ذلك لثنتى عشرة بقيت من جمادى الأولى و أمير الناس خالد بن سعيد بن العاص فقتل يومئذ و قيل إنما قتل أخوه عمرو و قيل ابنه فاللَّه أعلم، قال ابن إسحاق: و كان أمير الروم قلقط فقتل من الروم مقتلة عظيمة حتى جرت طاحون هناك من دمائهم. و الصحيح أن وقعة مرج الصفر في أول سنة أربع عشرة كما سيأتي.

ذكر المتوفين في هذه السنة

مرتبين على الحروف كما ذكرهم شيخنا الحافظ الذهبي في تاريخه أبان بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي أبو الوليد المكيّ صحابى جليل. و هو الّذي أجار عثمان ابن عفان يوم الحديبيّة حتى دخل مكة لأداء رسالة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). أسلم بعد مرجع أخويه من الحبشة. خالد، و عمرو، فدعواه إلى الإسلام فأجابهما. و ساروا فوجدوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد فتح خيبر. و قد استعمله رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سنة تسع على البحرين و قتل بأجنادين* أنسة مولى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) المشهور أنه قتل ببدر فيما ذكره البخاري و غيره، و زعم الواقدي فيما نقله عن أهل العلم أنه شهد أحدا و أنه بقي بعد ذلك زمانا. قال: و حدثني ابن أبى الزناد عن محمد بن يوسف أن أنسة مات في خلافة أبى بكر الصديق، و كان يكنى أبا مسروح. و قال الزهري كان يأذن للناس على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)* تميم بن الحارث بن قيس السهمي و أخوه قيس صحابيان جليلان هاجرا إلى الحبشة و قتلا بأجنادين* الحارث بن أوس بن عتيك من مهاجرة الحبشة. قتل بأجنادين* خالد بن سعيد بن العاص الأموي، من السابقين الأولين، ممن هاجر إلى الحبشة و أقام بها بضع عشرة سنة و يقال إنه كان على صنعاء من جهة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و أمره الصديق على بعض الفتوحات كما تقدم قتل يوم مرج الصفر في قول، و قيل بل هرب فلم يمكنه الصديق من دخول المدينة تعزيرا له، فأقام شهرا في بعض ظواهرها حتى أذن له. و يقال إن الّذي قتله أسلم و قال رأيت له حين قتلته نورا ساطعا إلى السماء رضى اللَّه عنه* سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبى خزيمة. و يقال حارثة بن حزيمة بن ثعلبة بن‏

33

طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي سيدهم، أبو ثابت، و يقال أبو قيس صحابى جليل كان أحد النقباء ليلة العقبة، و شهد بدرا في قول عروة و موسى بن عقبة و البخاري و ابن ماكولا. و روى ابن عساكر من طريق حجاج بن أرطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن راية المهاجرين يوم بدر كانت مع على و راية الأنصار مع سعد بن عبادة رضى اللَّه عنهما.

قلت: و المشهور أن هذا كان يوم الفتح و اللَّه أعلم. و قال الواقدي: لم يشهدها لأنّه نهسته حية فشغلته عنها بعد أن تجهز لها، فضرب له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بسهمه و أجره، و شهد أحدا و ما بعدها.

و كذا قال خليفة بن خياط. و كانت له جفنة تدور مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حيث دار من بيوت نسائه بلحم و ثريد، أو لبن و خبز، أو خبز بسمن أو بخلّ و زيت، و كان ينادى عند أطمة كل ليلة لمن أراد القرى.

و كان يحسن الكتابة بالعربي، و الرمي و السباحة، و كان يسمى من أحسن ذلك كاملا. و قد ذكر أبو عمر بن عبد البر ما ذكره غير واحد من علماء التاريخ أنه تخلف عن بيعة الصديق حتى خرج إلى الشام فمات بقرية من حوران سنة ثلاث عشرة في خلافة الصديق. قاله ابن إسحاق و المدائني و خليفة. قال: و قيل في أول خلافة عمر. و قيل سنة أربع عشرة، و قيل سنة خمس عشرة. و قال الفلاس و ابن بكر سنة ست عشرة قلت: أما بيعة الصديق فقد روينا في مسند الامام أحمد أنه سلم للصديق ما قاله من إن الخلفاء من قريش. و أما موته بأرض الشام فمحقق و المشهور أنه بحوران. قال محمد بن عائذ الدمشقيّ عن عبد الأعلى عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: أول مدينة فتحت من الشام بصرى، و بها توفى سعد ابن عبادة. و عند كثير من أهل زماننا أنه دفن بقرية من غوطة دمشق، يقال لها «المنيحة» و بها قبر مشهور به. و لم أر الحافظ ابن عساكر تعرض لذكر هذا القبر في ترجمته بالكلية فاللَّه أعلم. قال ابن عبد البر: و لم يختلفوا أنه وجد ميتا في مغتسله، و قد أخضر جسده و لم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول:

قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده* رميناه بسهم فلم يخطئ فؤاده قال ابن جريج: سمعت عطاء (يقول) سمعت أن الجن قالوا في سعد بن عبادة هذين البيتين. له عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أحاديث، و كان رضى اللَّه عنه من أشد الناس غيرة، ما تزوج امرأة إلا بكرا، و لا طلق امرأة فتجاسر أحد أن يخطبها بعده. و قد روى أنه لما خرج من المدينة قسم ماله بين بنيه، فلما توفى ولد له ولد فجاء أبو بكر و عمر إلى ابنه قيس بن سعد فأمراه أن يدخل هذا معهم، فقال إني لا أغير ما صنع سعد و لكن نصيبي لهذا الولد* سلمة بن هشام بن المغيرة، أخو أبى جهل بن هشام،

34

أسلم سلمة قديما و هاجر إلى الحبشة فلما رجع منها حبسه أخوه و أجاعه فكان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يدعو له في القنوت و لجماعة معه من المستضعفين. ثم انسل فلحق برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالمدينة بعد الخندق، و كان معه بها، و قد شهد أجنادين و قتل بها رضى اللَّه عنه* ضرار بن الأزور الأسدي، كان من الفرسان المشهورين، و الأبطال المذكورين، له مواقف مشهودة، و أحوال محمودة. ذكر عروة و موسى بن عقبة أنه قتل بأجنادين. له حديث في استحباب إبقاء شي‏ء من اللبن في الضرع عند الحلب* طليب ابن عمير بن وهب بن كثير بن هند بن قصي القرشي العبديّ، أمه أروى بنت عبد المطلب عمة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم). أسلم قديما و هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، و شهد بدرا. قاله ابن إسحاق و الواقدي و الزبير بن بكار. و يقال إنه أول من ضرب مشركا، و ذلك أن أبا جهل سب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فضربه طليب بلحى جمل فشجه. استشهد طليب بأجنادين و قد شاخ رضى اللَّه عنه* عبد اللَّه بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، ابن عم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) كان من الأبطال المذكورين و الشجعان المشهورين، قتل يوم أجنادين بعد ما قتل عشرة من الروم مبارزة كلهم بطارقة أبطال. و له من العمر يومئذ بضع و ثلاثون سنة* عبد اللَّه بن عمرو الدوسيّ قتل بأجنادين. و ليس هذا الرجل معروفا* عثمان بن طلحة العبدري الحجبي. قيل إنه قتل بأجنادين، و الصحيح أنه تأخر إلى ما بعد الأربعين* عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن أمير مكة نيابة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) استعمله عليها عام الفتح، و له من العمر عشرون سنة، فحج بالناس عامئذ، و استنابه عليها أبو بكر بعده (عليه السلام). و كانت وفاته بمكة، قيل يوم توفى أبو بكر رضى اللَّه عنهما. له حديث واحد رواه أهل السنن الأربعة* عكرمة بن أبى جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم أبو عثمان القرشي المخزومي، كان من سادات الجاهلية كأبيه، ثم أسلم عام الفتح بعد ما فر، ثم رجع إلى الحق. و استعمله الصديق على عمان حين ارتدوا فظفر بهم كما تقدم. ثم قدم الشام و كان أميرا على بعض الكراديس، و يقال: إنه لا يعرف له ذنب بعد ما أسلم. و كان يقبل المصحف و يبكى و يقول:

كلام ربى كلام ربى. احتج بهذا الامام أحمد على جواز تقبيل المصحف و مشروعيته. و قال الشافعيّ:

كان عكرمة محمود البلاء في الإسلام. قال عروة: قتل بأجنادين. و قال غيره: باليرموك بعد ما وجد به بضع و سبعون ما بين ضربة و طعنة رضى اللَّه عنه* الفضل بن العباس بن عبد المطلب، قيل إنه توفى في هذه السنة، و الصحيح أنه تأخر إلى سنة ثماني عشرة* نعيم بن عبد اللَّه بن النحام أحد بنى عدي، أسلم قديما قبل عمر و لم يتهيأ له هجرة إلى ما بعد الحديبيّة، و ذلك لأنه كان فيه برّ بأقاربه، فقالت له قريش: أقم عندنا على أي دين شئت، فو اللَّه لا يتعرضك أحد إلا ذهبت أنفسنا دونك. استشهد يوم أجنادين و قيل يوم اليرموك رضى اللَّه عنه* هبار بن الأسود بن أسد أبو الأسود القرشي الأسدي،

35

هذا الرجل كان قد طعن راحلة زينب بنت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم خرجت من مكة حتى أسقطت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، و قتل بأجنادين رضى اللَّه عنه* هبار بن سفيان بن عبد الأسود المخزومي ابن أخى أم سلمة. أسلم قديما و هاجر إلى الحبشة و استشهد يوم أجنادين على الصحيح، و قيل قتل يوم مؤتة و اللَّه أعلم*

هشام بن العاص بن وائل السهمي أخو عمرو بن العاص. روى الترمذي أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

«ابنا العاص مؤمنان»

و قد أسلم هشام قبل عمرو، و هاجر إلى الحبشة، فلما رجع منها احتبس بمكة. ثم هاجر بعد الخندق، و قد أرسله الصديق إلى ملك الروم، و كان من الفرسان.

و قتل بأجنادين، و قيل باليرموك، و الأول أصح و اللَّه أعلم* أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه تقدم و له ترجمة مفردة و للَّه الحمد.

سنة أربع عشرة من الهجرة النبويّة

استهلت هذه السنة و الخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس و يحرضهم على جهاد أهل العراق، و ذلك لما بلغه من قتل أبى عبيد يوم الجسر، و انتظام شمل الفرس، و اجتماع أمرهم على يزدجرد الّذي أقاموه من بيت الملك، و نقض أهل الذمة بالعراق عهودهم، و نبذهم المواثيق التي كانت عليهم، و آذوا المسلمين و أخرجوا العمال من بين أظهرهم. و قد كتب عمر إلى من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد. قال ابن جرير (رحمه اللَّه). و ركب عمر رضى اللَّه عنه في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صرار، فعسكر به عازما على غزو العراق بنفسه و استخلف على المدينة على بن أبى طالب، و استصحب معه عثمان بن عفان و سادات الصحابة.

ثم عقد مجلسا لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه، و نودي ان الصلاة جامعة، و قد أرسل إلى على فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق، إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه قال له:

إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الأرض، و إني أرى أن تبعث رجلا و ترجع أنت إلى المدينة. فارثا [ (1)] عمرو الناس عند ذلك و استصوبوا رأى ابن عوف. فقال عمر فمن ترى أن نبعث إلى العراق؟ فقال: قد وجدته. قال و من هو؟ قال الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري.

فاستجاد قوله و أرسل إلى سعد فأمره على العراق و أوصاه فقال: يا سعد بن وهيب لا يغرنك من اللَّه أن قيل خال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و صاحبه، فإن اللَّه لا يمحو السيّئ بالسيئ، و لكن يمحو السيّئ بالحسن، و إن اللَّه ليس بينه و بين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس شريفهم و وضيعهم في ذات اللَّه سواء، اللَّه ربهم و هم عباده، يتفاضلون بالعافية و يدركون ما عند اللَّه بالطاعة، فانظر الأمر الّذي رأيت‏

____________

[ (1)] كذا في الحلبية (بالثاء) و في المصرية هكذا: فارقا. و لعلها فارفأ بمعنى جنح كما يفهم من النهاية و القاموس.

36

رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه، فإنه الأمر. هذه عظتى إياك، إن تركتها و رغبت عنها حبط عملك و كنت من الخاسرين. و لما أراد فراقه قال له: إنك ستقدم على أمر شديد، فالصبر الصبر على ما أصابك و نابك، تجمع لك خشية اللَّه، و أعلم أن خشية اللَّه تجتمع في أمرين، في طاعته و اجتناب معصيته، و إنما طاعة من أطاعه ببغض الدنيا و حب الآخرة، و إنما عصيان من عصاه بحب الدنيا و بغض الآخرة. و للقلوب حقائق ينشئها اللَّه إنشاء، منها السر و منها العلانية، فأما العلانية فأن يكون حامده و ذامّه في الحق سواء، و أما السر فيعرف بظهور الحكمة من قبله على لسانه، و بمحبة الناس، و من محبة الناس. فلا تزهد في التحبب فان النبيين قد سألوا محبتهم، و إن اللَّه إذا أحب عبدا حبّبه، و إذا أبغض عبدا بغّضه، فاعتبر منزلتك عند اللَّه بمنزلتك عند الناس.

قالوا: فسار سعد نحو العراق في أربعة آلاف ثلاثة آلاف من أهل اليمن، و ألف من سائر الناس، و قيل في ستة آلاف. و شيعهم عمر من صرار إلى الأعوص و قام عمر في الناس خطيبا لك فقال:

إن اللَّه إنما ضرب لكم الأمثال، و صرف لكم القول لتحيى القلوب فان القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها اللَّه، من علم شيئا فلينتفع به، فان للعدل أمارات و تباشير، فأما الأمارات فالحياء و السخاء و الهين و اللين. و أما التباشير فالرحمة. و قد جعل اللَّه لكل أمر بابا، و يسر لكل باب مفتاحا، فباب العدل الاعتبار، و مفتاحه الزهد، و الاعتبار ذكر الموت و الاستعداد بتقديم الأموال.

و الزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق و الاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فان لم يكفه الكفاف لم يغنه شي‏ء. إني بينكم و بين اللَّه، و ليس بيني و بينه أحد، و إن اللَّه قد ألزمنى دفع الدعاء عنه فانهوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع. ثم سار سعد إلى العراق، و رجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة. و لما انتهى سعد إلى نهر زرود، و لم يبق بينه و بين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير، و كل منهما مشتاق إلى صاحبه، انتقض جرح المثنى بن حارثة الّذي كان جرحه يوم الجسر فمات (رحمه اللَّه) و رضى اللَّه عنه، و استخلف على الجيش بشير بن الخصاصية. و لما بلغ سعدا موته ترحم عليه و تزوج زوجته سلمى. و لما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها و إمرتها، و لم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره و أمده عمر بأمداد أخر حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفا، و قيل ستة و ثلاثون. و قال عمر: و اللَّه لأرمين ملوك العجم بملوك العرب. و كتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، و العرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش، و أن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد، عرف العرفاء، و أمر على القبائل، و ولى على الطلائع، و المقدمات، و المجنبات و الساقات، و الرجالة، و الركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر.

37

قال سيف باسناده عن مشايخه قالوا: و جعل عمر على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النون، و جعل إليه الافباض و قسمة الفي‏ء، و جعل داعية الناس و قاصّهم سلمان الفارسي. و جعل الكاتب زياد بن أبى سفيان. قالوا و كان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلاثمائة و بضعة عشر صحابيا، منهم بضعة و سبعون بدريا، و كان فيه سبعمائة من أبناء الصحابة رضى اللَّه عنهم. و بعث عمر كتابه إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسية، و القادسية باب فارس في الجاهلية، و أن يكون بين الحجر و المدر، و أن يأخذ الطرق و المسالك على فارس، و أن يبدروهم بالضرب و الشدة، و لا يهولنك كثرة عددهم و عددهم، فإنهم قوم خدعة مكرة، و إن أنتم صبرتم و أحسنتم و نويتم الأمانة رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبدا إلا أن يجتمعوا، و ليست معهم قلوبهم. و إن كانت الأخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا إلى الحجر فإنكم عليه أجرأ، و إنهم عنه أجبن و به أجهل، حتى يأتى اللَّه بالفتح عليهم و يرد لكم الكرة. و أمره بمحاسبة نفسه و موعظة جيشه، و أمرهم بالنية الحسنة و الصبر فان النصر يأتى من اللَّه على قدر النية، و الأجر على قدر الحسبة، و سلوا اللَّه العافية، و أكثروا من قول لا حول و لا قوة إلا باللَّه العلى العظيم، و اكتب إليّ بجميع أحوالكم و تفاصيلها، و كيف تنزلون و أين يكون منكم عدوكم، و اجعلني بكتبك إلى كأنى انظر إليكم، و اجعلني من أمركم على الجلية، و خف اللَّه و ارجه و لا تدل بشي‏ء، و اعلم أن اللَّه قد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك و يستبدل بكم غيركم. فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل و الأراضي بحيث كأنه يشاهدها، و كتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم و أمثاله، فهم يطلبوننا و نحن نطلبهم، و أمر اللَّه بعد ماض، و قضاؤه مسلم، إلى ما قدر لنا و علينا، فنسأل اللَّه خير القضاء و خير القدر في عافية.

و كتب إليه عمر: قد جاءني كتابك و فهمته، فإذا لقيت عدوك و منحك اللَّه أدبارهم، فإنه قد ألقى في روعي أنكم ستهزمونهم فلا تشكن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء اللَّه. و جعل عمر يدعو لسعد خاصة و له و للمسلمين عامة.

و لما بلغ سعد العذيب اعترض للمسلمين جيش للفرس مع شيرزاذ بن اراذويه، فغنموا مما معه شيئا كثيرا و وقع منهم موقعا كبيرا، فخمسها سعد و قسم أربعة أخماسها في الناس و استبشر الناس بذلك و فرحوا، و تفاءلوا، و أفرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم، على هذه السرية غالب بن عبد اللَّه الليثي.

فصل في غزوة القادسية

ثم سار سعد فنزل القادسية، و بث سراياه، و أقام بها شهرا لم ير أحدا من الفرس، فكتب إلى عمر بذلك، و السرايا تأتى بالميرة من كل مكان. فعجت رعايا الفرس من أطراف بلادهم إلى يزدجرد

38

من الذين يلقون من المسلمين من النهب و السبي. و قالوا: إن لم تنجدونا و الا أعطينا ما بأيدينا و سلمنا إليهم الحصون. و اجتمع رأى الفرس على إرسال رستم إليهم، فبعث إليه يزدجرد فأمره على الجيش فاستعفى رستم من ذلك، و قال: إن هذا ليس برأي في الحرب، إن إرسال الجيوش بعد الجيوش أشد على العرب من أن يكسروا جيشا كثيفا مرة واحدة. فأبى الملك إلا ذلك، فتجهز رستم للخروج. ثم بعث سعد كاشفا الى الحيرة و إلى صلوبا فأتاه الخبر بأن الملك قد أمر على الحرب رستم بن الفرخزاذ الأرمني، و أمده بالعساكر. فكتب سعد الى عمر بذلك فكتب إليه عمر: لا يكربنك ما يأتيك عنهم، و لا ما يأتونك به، و استعن باللَّه و توكل عليه، و ابعث إليه رجالا من أهل النظر و الرأى و الجلد يدعونه، فإن اللَّه جاعل دعاءهم توهينا لهم و فلجا عليهم، و اكتب إلى في كل يوم. و لما اقترب رستم بجيوشه و عسكر بساباط كتب سعد إلى عمر يقول: إن رستم قد عسكر بساباط و جر الخيول و الفيول و زحف علينا بها، و ليس شي‏ء أهم عندي، و لا أكثر ذكرا منى لما أحببت أن أكون عليه من الاستعانة و التوكل. و عبأ رستم فجعل على المقدمة و هي أربعون ألفا الجالنوس، و على الميمنة الهرمزان، و على الميسرة مهران بن بهرام و ذلك ستون ألفا، و على الساقة البندران في عشرين ألفا، فالجيش كله ثمانون ألفا فيما ذكره سيف و غيره. و في رواية: كان رستم في مائة ألف و عشرين ألفا، يتبعها ثمانون ألفا، و كان معه ثلاثة و ثلاثون فيلا منها فيل أبيض كان لسابور، فهو أعظمها و أقدمها، و كانت الفيلة تألفه. ثم بعث سعد جماعة من السادات منهم النعمان بن مقرن، و فرات بن حبان، و حنظلة بن الربيع التميمي، و عطارد بن حاجب، و الأشعث بن قيس، و المغيرة بن شعبة، و عمرو بن معديكرب، يدعون رستم إلى اللَّه عز و جل. فقال لهم رستم: ما أقدمكم؟ فقالوا: جئنا لموعود اللَّه إيانا، أخذ بلادكم و سبى نسائكم و أبنائكم و أخذ أموالكم، فنحن على يقين من ذلك، و قد رأى رستم في منامه كان ملكا نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كله و دفعه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فدفعه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى عمر. و ذكر سيف بن عمر أن رستم طاول سعدا في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن و ملتقاه سعدا بالقادسية أربعة أشهر كل ذلك لعله يضجر سعدا و من معه ليرجعوا، و لو لا أن الملك استعجله ما التقاه، لما يعلم من غلبة المسلمين لهم و نصرهم عليهم، لما رأى في منامه، و لما يتوسمه، و لما سمع منهم، و لما عنده من علم النجوم الّذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن. و لما دنا جيش رستم من سعد أحب سعد أن يطلع على أخبارهم على الجلية، فبعث رجلا سرية لتأتيه برجل من الفرس و كان في السرية طليحة الأسدي الّذي كان ادعى النبوة ثم تاب.

و تقدم الحارث مع أصحابه حتى رجعوا. فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش و الصفوف، و تخطي الألوف، و قتل جماعة من الأبطال حتى أسر أحدهم و جاء به لا يملك من نفسه شيئا، فسأله‏

39

سعد عن القوم فجعل يصف شجاعة طليحة، فقال دعنا من هذا و أخبرنا عن رستم، فقال: هو في مائة ألف و عشرين ألفا، و يتبعها مثلها. و أسلم الرجل من فوره (رحمه اللَّه).

قال سيف عن شيوخه: و لما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه. فبعث إليه المغيرة بن شعبة رضى اللَّه عنه. فلما قدم عليه جعل رستم يقول له: إنكم جيراننا و كنا نحسن إليكم و نكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم و لا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا. فقال له المغيرة: إنا ليس طلبنا الدنيا، و إنما هنا و طلبنا الآخرة، و قد بعث اللَّه إلينا رسولا قال له: إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم، و أجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، و هو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، و لا يعتصم به إلا عز. فقال له رستم: فما هو؟ فقال أما عموده الّذي لا يصلح شي‏ء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، و الإقرار بما جاء من عند اللَّه، فقال ما أحسن هذا؟! و أي شي‏ء أيضا؟ قال و إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة اللَّه. قال: و حسن أيضا و أي شي‏ء أيضا؟ قال: و الناس بنو آدم، فهم إخوة لأب و أم، قال و حسن أيضا. ثم قال رستم: أ رأيت إن دخلنا في دينكم أ ترجعون عن بلادنا؟

قال: إي و اللَّه ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة. قال: و حسن أيضا. قال: و لما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الإسلام فأنفوا ذلك و أبوا أن يدخلوا فيه قبحهم اللَّه و أخزاهم و قد فعل.

قالوا: ثم بعث إليه سعد رسولا آخر بطلبه و هو ربعي بن عامر، فدخل عليه و قد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة و الزرابي الحرير، و أظهر اليواقيت و اللآلئ الثمينة، و الزينة العظيمة، و عليه تاجه و غير ذلك من الأمتعة الثمينة. و قد جلس على سرير من ذهب. و دخل ربعي بثياب صفيقة و سيف و ترس و فرس قصيرة، و لم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل و ربطها ببعض تلك الوسائد، و أقبل و عليه سلاحه و درعه و بيضته على رأسه. فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إني لم آتكم. و إنما جئتكم حين دعوتموني فان تركتموني هكذا و إلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال اللَّه ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة اللَّه، و من ضيق الدنيا إلى سعتها، و من جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه و رجعنا عنه، و من أبى قاتلناه أبدا حتى نفضى إلى موعود اللَّه. قالوا: و ما موعود اللَّه؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، و الظفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى تنظر فيه و تنظروا؟ قال نعم! كم أحب إليكم؟ يوما أو يومين؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا و رؤساء قومنا. فقال:

40

ما سن لنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك و أمرهم و اختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، فقال: أ سيدهم أنت؟ قال! لا: و لكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعز و أرجح من كلام هذا الرجل؟ فقالوا معاذ اللَّه أن تميل إلى شي‏ء من هذا و تدع دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه؟ فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، و انظروا إلى الرأى و الكلام و السيرة. إن العرب يستخفون بالثياب و المأكل، و يصونون الأحساب. ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلا فبعث إليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي. و في اليوم الثالث المغيرة بن شعبة فتكلم بكلام حسن طويل. قال فيه رستم للمغيرة: إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل.

فقال من يوصلني إليه و له درهمان؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده، و جعل يقول من يخلصني و له أربعة دراهم؟ و مثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جحرا في كرم فلما رآه صاحب الكرم ضعيفا رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئا كثيرا فجاء بجيشه، و استعان عليه بغلمانه فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا. ثم استشاط غضبا و أقسم بالشمس لأقتلنكم غدا [. فقال المغيرة: ستعلم. ثم قال رستم للمغيرة: قد أمرت لكم بكسوة.

و لأميركم بألف دينار و كسوة و مركوب و تنصرفون عنا. فقال المغيرة: أبعد أن أوهنا ملككم و ضعفنا عزكم، و لنا مدة نحو بلادكم و نأخذ الجزية منكم عن يد و أنتم صاغرون و ستصيرون لنا عبيدا على رغمكم؟ فلما قال ذلك استشاط غضبا.] [ (1)]

و قال ابن جرير حدثني محمد بن عبد اللَّه بن صفوان الثقفي ثنا أمية بن خالد ثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن. قال قال أبو وائل: جاء سعد حتى نزل القادسية و معه الناس قال لا أدرى لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو ثمانية آلاف بين ذلك، و المشركون ثلاثون ألفا و نحو ذلك، فقالوا لا يد لكم و لا قوة و لا سلاح، ما جاء بكم؟ ارجعوا. قال: قلنا ما نحن براجعين، فكانوا يضحكون من نبلنا و يقولون دوك دوك و شبهونا بالمغازل. فلما أبينا عليهم أن نرجع قالوا: ابعثوا إلينا رجلا من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم. فقال المغيرة بن شعبة، أنا: فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا و صاحوا، فقال: إن هذا لم يزدني رفعة و لم ينقص صاحبكم. فقال رستم: صدق، ما جاء بكم؟

فقال: إنا كنا قوما في شر و ضلالة، فبعث اللَّه إلينا نبيا فهدانا اللَّه به و رزقنا على يديه، فكان فيما رزقنا حبة تنبت في هذا البلد، فلما أكلناها و أطعمناها أهلينا قالوا: لا صبر لنا عنها، أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبة. فقال رستم إذا نقتلكم. قال إن قتلتمونا دخلنا الجنة، و إن‏

____________

[ (1)] ما بين القوسين المربعين زيادة في النسخة الحلبية.

41

قتلناكم دخلتم النار و أديتم الجزية. قال: فلما قال و أديتم الجزية نخروا و صاحوا و قالوا: لا صلح بيننا و بينكم. فقال المغيرة: تعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فقال رستم: بل نعبر إليكم. فاستأخر المسلمون حتى عبروا فحملوا عليهم فهزموهم.

و ذكر سيف أن سعدا كان به عرق النساء يومئذ، و أنه خطب الناس و تلى قوله تعالى: (و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، و صلى بالناس الظهر ثم كبر أربعا و حملوا بعد أن أمرهم أن يقولوا: لا حول و لا قوة إلا باللَّه، في طردهم إياهم، و قتلهم لهم. و قعودهم لهم كل مرصد، و حصرهم لبعضهم في بعض الأماكن حتى أكلوا الكلاب و السنانير. و ما رد شاردهم حتى وصل إلى نهاوند، و لجأ أكثرهم إلى المدائن، و لحقهم المسلمون إلى أبوابها. و كان سعد قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى اللَّه قبل الوقعة فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، و خرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم و أرديتهم على عواتقهم و سياطهم بأيديهم، و النعال في أرجلهم، و خيولهم الضعيفة، و خبطها الأرض بأرجلها. و جعلوا يتعجبون منها غاية العجب كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عددها و عددها. و لما استأذنوا على الملك يزدجرد أذن لهم و أجلسهم بين يديه، و كان متكبرا قليل الأدب، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها؟ عن الأردية، و النعال، و السياط ثم كلما قالوا له شيئا من ذلك تفاءل فرد اللَّه فأله على رأسه. ثم قال لهم: ما الّذي أقدمكم هذه البلاد؟

أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا؟ فقال له النعمان بن مقرن: إن اللَّه رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير و يأمرنا به، و يعرفنا الشر و ينهانا عنه، و وعدنا على إجابته خير الدنيا و الآخرة.

فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه و فرقة تباعده، و لا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء اللَّه أن يمكث، ثم أمر أن ينهد إلى من خالفه من العرب و يبدأ بهم، ففعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكروه عليه فاغتبط، و طائع إياه فأزداد. فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الّذي كنا عليه من العداوة و الضيق، و أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا و هو دين الإسلام حسن الحسن و قبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء [ (1)] فان أبيتم فالمناجزة. و إن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب اللَّه و أقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه و نرجع عنكم، و شأنكم و بلادكم، و أن أتيتمونا بالجزى [ (1)] قبلنا و منعناكم و إلا قاتلناكم. قال فتكلم يزدجرد فقال: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى و لا أقل عددا و لا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس و لا تطمعون أن تقوموا لهم. فان كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، و إن كان الجهد دعاكم فرضنا

____________

[ (1)] كذا بالنسختين و المراد «الجزية» أ ه مصححه.

42

لكم قوتا إلى خصبكم و أكرمنا وجوهكم و كسوناكم و ملكنا عليكم ملكا يرفق بكم. فأسكت القوم فقام المغيرة بن شعبة فقال: أيها الملك إن هؤلاء رءوس العرب و وجوههم، و هم أشراف يستحيون من الأشراف، و إنما يكرم الأشراف الأشراف، و يعظم حقوق الأشراف الأشراف، و ليس كل ما أرسلوا له جمعوه لك، و لا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، و قد أحسنوا و لا يحسن بمثلهم إلا ذلك، فجاوبني فأكون أنا الّذي أبلغك و يشهدون على ذلك. إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا، و أما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس و الجعلان و العقارب و الحيات، و نرى ذلك طعامنا، و أما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، و لا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل و أشعار الغنم. ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، و إن يبغى بعضنا على بعض، و إن كان أحدنا ليدفن ابنته و هي حية كراهية أن تأكل من طعامه، و كانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك [و في المعاد على ما ذكرت لك‏] فبعث اللَّه إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه و نعرف وجهه و مولده، فأرضه خير أرضنا، و حسبه خير أحسابنا، و بيته خير بيوتنا، و قبيلته خير قبائلنا، و هو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا و أحملنا، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد. أول ترب كان له الخليفة من بعده، فقال و قلنا، و صدق و كذبنا، و زاد و نقصنا، فلم يقل شيئا إلا كان، فقذف اللَّه في قلوبنا التصديق له و اتباعه، فصار فيما بيننا و بين رب العالمين. فما قال لنا فهو قول اللَّه، و ما أمرنا فهو أمر اللَّه، فقال لنا إن ربكم يقول: أنا اللَّه وحدي لا شريك لي كنت إذ لم يكن شي‏ء و كل شي‏ء هالك إلا وجهي، و أنا خلقت كل شي‏ء و إلى يصير كل شي‏ء، و ان رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي، و لأحلكم داري دار السلام. فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، و قال من تابعكم على هذا فله ما لكم و عليه ما عليكم، و من أبى فأعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، و من أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخلته جنتي، و من بقي منكم أعقبته النصر على من ناواه. فاختر إن شئت الجزية و أنت صاغر، و إن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجى نفسك. فقال يزدجرد: استقبلتني بمثل هذا؟ فقال ما استقبلت إلا من كلمني، و لو كلمني غيرك لم استقبلك به. فقال: لو لا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شي‏ء لكم عندي. و قال ائتوني بوقر من تراب فاحملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن. ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أنى مرسل إليه رستم حتى يدفنه و جنده في خندق القادسية و ينكل به و بكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور. ثم قال: من أشرفكم؟ فسكت القوم فقال عاصم بن عمرو و اقتات ليأخذ التراب أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحملنيه، فقال: أ كذلك؟ قالوا: نعم. فحمله على عنقه فخرج به من الإيوان و الدار حتى يأتى راحلته‏

43

فحمله عليها ثم انجذب في السير ليأتوا به سعدا و سبقهم عاصم فمر بباب قد بس فطواه و قال بشروا الأمير بالظفر، ظفرنا إن شاء اللَّه تعالى، ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر. فقال: ابشروا فقد و اللَّه أعطانا اللَّه أقاليد ملكهم، و تفاءلوا بذلك أخذ بلادهم.

ثم لم يزل أمر الصحابة يزداد في كل يوم علوا و شرفا و رفعة، و ينحط أمر الفرس سفلا و ذلا و وهنا.

و لما رجع رستم إلى الملك يسأله عن حال من رأى من المسلمين؟ فذكر له عقلهم و فصاحتهم و حدة جوابهم، و أنهم يرومون أمرا يوشك أن يدركوه. و ذكر ما أمر به أشرفهم من حمل التراب و أنه استحمق أشرفهم في حمله التراب على رأسه، و لو شاء اتقى بغيره و أنا لا أشعر. فقال له رستم: إنه ليس أحمق، و ليس هو بأشرفهم، إنما أراد أن يفتدى قومه بنفسه و لكن و اللَّه ذهبوا بمفاتيح أرضنا.

و كان رستم منجما، ثم أرسل رجلا وراءهم و قال: إن أدرك التراب فرده تداركنا أمرنا، و إن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا. قال: فساق وراءهم فلم يدركهم بل سبقوه إلى سعد بالتراب. و ساء ذلك فارس و غضبوا من ذلك أشد الغضب و استهجنوا رأى الملك.

فصل‏

كانت وقعة القادسية وقعة عظيمة لم يكن بالعراق أعجب منها، و ذلك أنه لما تواجه الصفان كان سعد رضى اللَّه عنه قد أصابه عرق النسا، و دمامل في جسده، فهو لا يستطيع الركوب، و إنما هو في قصر متكئ على صدره فوق وسادة و هو ينظر إلى الجيش، و يدبر أمره، و قد جعل أمر الحرب إلى خالد بن عرفطة، و جعل على الميمنة جرير بن عبد اللَّه البجلي، و على الميسرة قيس بن مكشوح، و كان قيس و المغيرة بن شعبة قد قدما على سعد مددا من عند أبى عبيدة من الشام بعد ما شهدا وقعة اليرموك.

و زعم ابن إسحاق أن المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف، و أن رستما كان في ستين ألفا، فصلى سعد بالناس الظهر ثم خطب الناس فوعظهم و حثهم و تلا قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ و قرأ القراء آيات الجهاد و سورة، ثم كبر سعد أربعا ثم حملوا بعد الرابعة فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا، و قد قتل من الفرقين بشر كثير، ثم أصبحوا إلى مواقفهم فاقتتلوا يومهم ذلك و عامة ليلتهم، ثم أصبحوا كما أمسوا على مواقفهم، فاقتتلوا حتى أمسوا ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك و أمست هذه الليلة تسمى ليلة الهرير، فلما أصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالا شديدا و قد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمرا بليغا، و قد أباد الصحابة الفيلة و من عليها، و قلعوا عيونها، و أبلى جماعة من الشجعان في هذه الأيام مثل طليحة الأسدي، و عمرو بن معديكرب، و القعقاع بن عمرو، و جرير بن عبد اللَّه البجلي، و ضرار ابن الخطاب، و خالد بن عرفطة، و أشكالهم و أضرابهم، فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم‏

44

و يسمى يوم القادسية، و كان يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة كما قاله سيف بن عمر التميمي، هبت ريح شديدة فرفعت خيام الفرس عن أماكنها و ألقت سرير رستم الّذي هو منصوب له، فبادر فركب بغلته و هرب فأدركه المسلمون فقتلوه و قتلوا الجالينوس مقدم الطلائع القادسية، و انهزمت الفرس و للَّه الحمد و المنة عن بكرة أبيهم، و لحقهم المسلمون في أقفائهم فقتل يومئذ المسلسلون بكمالهم و كانوا ثلاثين ألفا، و قتل في المعركة عشرة آلاف، و قتلوا قبل ذلك قريبا من ذلك. و قتل من المسلمين في هذا اليوم و ما قبله من الأيام ألفان و خمسمائة (رحمهم اللَّه). و ساق المسلمون خلف المنهزمين حتى دخلوا وراءهم مدينة الملك و هي المدائن التي فيها الإيوان الكسروي، و قد أذن لمن ذكرنا عليه، فكان منهم إليه ما قدمنا. و قد غنم المسلمون من وقعة القادسية هذه من الأموال و السلاح ما لا يحد و لا يوصف كثرة، فحصلت الغنائم بعد صرف الأسلاب و خمست و بعث بالخمس و البشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه. و قد كان عمر رضى اللَّه عنه يستخبر عن أمر القادسية كل من لقيه من الركبان، و يخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشق الخبر، فبينما هو ذات يوم من الأيام إذا هو براكب يلوح من بعد، فاستقبله عمر فاستخبره، فقال له: فتح اللَّه على المسلمين بالقادسية و غنموا غنائم كثيرة و جعل يحدثه و هو لا يعرف عمرو عمر ماش تحت راحلته، فلما اقتربا من المدينة جعل الناس يحيون عمر بالامارة فعرف الرجل عمر فقال: يرحمك اللَّه يا أمير المؤمنين هلا أعلمتنى أنك الخليفة؟ فقال لا حرج عليك يا أخى.

و قد تقدم أن سعدا رضى اللَّه عنه كان به قروح و عرق النسا، فمنعه من شهود القتال لكنه جالس في رأس القصر ينظر في مصالح الجيش، و كان مع ذلك لا يغلق عليه باب القصر لشجاعته، و لو فر الناس لأخذته الفرس قبضا باليد، لا يمتنع منهم، و عنده امرأته سلمى بنت حفص التي كانت قبله عند المثنى بن حارثة، فلما فر بعض الخيل يومئذ فزعت و قالت: وا مثنياه و لا مثنى لي اليوم. فغضب سعد من ذلك و لطم وجهها، فقالت- أ غيرة و جبنا يعنى أنها تعيره بجلوسه في القصر يوم الحرب- و هذا عناد منها فإنها أعلم الناس بعذره و ما هو فيه من المرض المانع من ذلك، و كان عنده في القصر رجل مسجون على الشراب كان قد حد فيه مرات متعددة، يقال سبع مرات، فأمر به سعد فقيد و أودع في القصر فلما رأى الخيول تجول حول حمى القصر و كان من الشجعان الأبطال قال:

كفى حزنا أن تدحم الخيل بالفتى‏* * * و أترك مشدودا عليّ وثاقيا

إذا قمت غنائى الحديد و غلقت‏* * * مصاريع من دوني تصم المناديا

و قد كنت ذا مال كثير و إخوة* * * و قد تركونى مفردا لا أخا ليا

ثم سأل من زبراء أم ولد سعد أن تطلقه و تعيره فرس سعد، و حلف لها أنه يرجع آخر النهار فيضع‏

45

رجله في القيد فأطلقته، و ركب فرس سعد و خرج فقاتل قتالا شديدا، و جعل سعد ينظر إلى فرسه فيعرفها و ينكروها و يشبهه بأبي محجن و لكن يشك لظنه أنه في القصر موثق، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها و نزل سعد فوجد فرسه يعرق فقال: ما هذا؟ فذكروا له قصة أبى محجن فرضى عنه و أطلقه رضى اللَّه عنهما.

و قد قال رجل من المسلمين في سعد رضى اللَّه عنه:

نقاتل حتى أنزل اللَّه نصره‏* * * و سعد بباب القادسية معصم‏

فأبنا و قد آمت نساء كثيرة* * * و نسوة سعد ليس فيهن أيم‏

فيقال إن سعدا نزل إلى الناس فاعتذر إليهم مما فيه من القروح في فخذيه و أليتيه، فعذره الناس. و يذكر أنه دعا على قائل هذين البيتين و قال: اللَّهمّ إن كان كاذبا، أو قال الّذي قال رياء و سمعة و كذبا فاقطع لسانه و يده. فجاءه سهم و هو واقف بين الصفين، فوقع في لسانه فبطل شقه فلم يتكلم حتى مات رواه سيف عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر فذكره. و قال سيف عن المقدام بن شريح الحارثي عن أبيه قال قال جرير بن عبد اللَّه البجلي:

أنا جرير و كنيتي أبو عمرو* قد فتح اللَّه و سعد في القصر فأشرف سعد من قصره و قال:

و ما أرجو بجيلة غير أنى‏* * * أؤمل أجرها يوم الحساب‏

و قد دلفيت خيولهم خيولا* * * و قد وقع الفوارس في الضراب‏

و قد دلفت بعرصتهم خيول‏* * * كأن زهاءها إبل الجراب‏

فلو لا جمع قعقاع بن عمرو* * * و حمال للجّوا في الركاب‏

و لو لا ذاك ألفيتم رعاعا* * * تسيل جموعكم مثل الذباب‏

و قد روى محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم البجلي- و كان ممن شهد القادسية- قال: كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفرس مرتدا، فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الّذي فيه بجيلة. قال: و كنا ربع الناس، قال: فوجهوا إلينا ستة عشر فيلا، و جعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسك الحديد، و يرشقوننا بالنشاب، فلكأنه المطر، و قربوا خيولهم بعضها إلى بعض لئلا ينفروا. قال: و كان عمرو بن معديكرب الزبيدي يمر بنا فيقول: يا معشر المهاجرين، كونوا أسودا فإنما الفارسي تيس. قال: و كان فيهم أسوار لا تكاد تسقط له نشابة، فقلنا له يا أبا ثور اتق ذاك الفارس فإنه لا تسقط له نشابة، فوجه إليه الفارس و رماه بنشابة فأصاب ترسه و حمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب، و منطقة من ذهب، و يلمقا من ديباج. قال: و كان المسلمون‏

46

ستة آلاف أو سبعة آلاف، فقتل اللَّه رستما و كان الّذي قتله رجل يقال له هلال بن علقمة التميمي، رماه رستم بنشابة فأصاب قدمه و حمل عليه هلال فقتله و احتز رأسه و ولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكان قد نزلوا فيه و اطمأنوا، فبينما هم سكارى قد شربوا و لعبوا إذ هجم عليهم المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، و قتل لك الجالينوس، قتله زهرة بن حوية التميمي. ثم ساروا خلفهم فكلما تواجه الفريقان نصر اللَّه حزب الرحمن، و خذل حزب الشيطان و عبدة النيران، و احتاز المسلمون من الأموال ما يعجز عن حصره ميزان و قبان، حتى أن منهم من يقول من يقايض بيضاء بصفراء لكثرة ما غنموا من الفرسان. و لم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفرات وراءهم و فتحوا المدائن و جلولاء على ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء اللَّه تعالى و به الثقة و قال سيف بن عمر عن سليمان بن بشير عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت: شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس، شددنا علينا ثيابنا و أخذنا الهراويّ ثم أتينا القتلى، فمن كان من المسلمين سقيناه و رفعناه، و من كان من المشركين أجهزنا عليه، و معنا الصبيان فنوليهم ذلك- تعنى استلابهم- لئلا يكشفن عن عورات الرجال.

و قال سيف بأسانيده عن شيوخه قالوا: و كتب سعد إلى عمر يخبره بالفتح و بعدة من قتلوا من المشركين. و بعدة من قتل من المسلمين، و بعث بالكتاب مع سعد بن عميلة الفزاري و صورته «أما بعد فان اللَّه نصرنا على أهل فارس و منحناهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل، و زلزال شديد، و قد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراءون مثل زهائها، فلم ينفعهم اللَّه بذلك، بل سلبوه و نقله عنهم إلى المسلمين، و اتبعهم المسلمون على الأنهار، و صفوف الآجام، و في الفجاح.

و أصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاري و فلان و فلان، و رجال من المسلمين لا يعلمهم إلا اللَّه، فإنه بهم عالم كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، و هم آساد في النهار لا تشبههم الأسود، و لم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم» فيقال إن عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر رضى اللَّه عنهم. ثم قال عمر للناس: إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها، ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في عيشنا حتى نستوى في الكفاف، و لوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الّذي وقع فيها لكم، و لست معلمكم إلا بالعمل، إني و اللَّه لست بملك فأستعبدكم، و لكنى عبد اللَّه عرض على الأمانة فان أبيتها و رددتها عليكم و اتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم و ترووا سعدت بكم، و إن أنا حملتها و استتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم، ففرحت قليلا و حزنت طويلا، فبقيت لا أقال و لا أرد فأستعتب.

و قال سيف عن شيوخه قالوا: و كانت العرب من العذيب إلى عدن أبين، يتربصون وقعة

47

القادسية هذه، يرون أن ثبات ملكهم و زواله بها، و قد بعث أهل كل بلدة قاصدا يكشف ما يكون من خبرهم، فلما كان ما كان من الفتح سبقت الجن بالبشارة إلى أقصى البلاد قبل رسل الأنس فسمعت امرأة ليلا بصنعاء على رأس جبل و هي تقول:

فحييت عنا عكرم ابنة خالد* * * و ما خير زاد بالقليل المصرد

و حييت عنى الشمس عند طلوعها* * * و حييت عنى كل تاج مفرد

و حيتك عنى عصبة نخعية* * * حسان الوجوه آمنوا بمحمد

أقاموا لكسرى يضربون جنوده‏* * * بكل رقيق الشفرتين مهند

إذا ثوّب الداعي أناخوا بكلكل‏* * * من الموت مسود الغياطل أجرد

قالوا: و سمع أهل اليمامة مجتازا يغنى بهذه الأبيات:

وجدنا الأكرمين بنى تميم‏* * * غداة الروع أكثرهم رجالا

هموا ساروا بارعن مكفهر* * * إلى لجب يرونهم رعالا

بحور للأكاسر من رجال‏* * * كأسد الغاب تحسبهم جبالا

تركن لهم بقادس عزّ فخر* * * و بالخيفين أياما طوالا

مقطعة أكفهم و سوق‏* * * بمرد حيث قابلت الرجالا

قالوا: و سمع ذلك في سائر بلاد العرب، و قد كانت بلاد العراق بكمالها التي فتحها خالد نقضت العهود و الذمم و المواثيق التي كانوا أعطوها خالدا، سوى أهل بانقيا و برسما، و أهل أ ليس الآخرة ثم عاد الجميع بعد هذه الوقعة التي أوردناها، و ادعوا أن الفرس أجبروهم على نقض العهود، و أخذوا منهم الخراج و غير ذلك. فصدقوهم في ذلك تألفا لقلوبهم و سنذكر حكم أهل السواد في كتابنا الأحكام الكبير إن شاء اللَّه تعالى. و قد ذهب ابن إسحاق و غيره إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة خمس عشرة. و زعم الواقدي أنها كانت في سنة ست عشرة. و أما سيف بن عمرو جماعة فذكروها في سنة أربع عشرة، و فيها ذكرها ابن جرير فاللَّه أعلم.

قال ابن جرير و الواقدي: في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أبى بن كعب في التراويح و ذلك في شهر رمضان منها، و كتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان قال ابن جرير و فيها بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة و أمره أن ينزل فيها بمن معه من المسلمين، و قطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن و نواحيها منهم في قول المدائني، و روايته. قال:

و زعم سيف أن البصرة إنما مصرت في ربيع من سنة ست عشرة و أن عتبة بن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء و تكريت، وجهه إليها سعد بأمر عمر رضى اللَّه عنهم.

48

و قال أبو مخنف عن مجالد عن الشعبي رضى اللَّه عنهم: إن عمر بعث عتبة بن غزوان إلى أرض البصرة في ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا، و سار إليه من الأعراب ما كمل معه خمسمائة، فنزلها في ربيع الأول سنة أربع عشرة، و البصرة يومئذ تدعى أرض الهند فيها حجارة بيض خشنة، و جعل يرتاد لهم منزلا حتى جاءوا حيال الجسر الصغير فإذا فيه حلفا و قصب نابت، فنزلوا. فركب إليهم صاحب الفرات في أربعة آلاف أسوار، فالتقاه عتبة بعد ما زالت الشمس، و أمر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفرس عن آخرهم، و أسروا صاحب الفرات، و قام عتبة خطيبا فقال في خطبته: إن الدنيا قد آذنت بصرم، و ولت حذاء، و لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، و إنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا عما بحضرتكم، فقد ذكر لي لو أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفا و لتملأنه، أو عجبتم؟ و لقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما، و ليأتين عليه يوم و هو كظيظ من الزحام، و لقد رأيتني و أنا سابع سبعة، و أنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما لنا طعام إلا ورق السّمر، حتى تقرحت أشداقنا، و التقطت بردة فشققتها بيني و بين سعد، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا هو أمير على مصر من الأمصار، و سيجربون الناس بعدنا.

و هذا الحديث في صحيح مسلم بنحو من هذا السياق.

و روى على بن محمد المدائني أن عمر كتب إلى عتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة: يا عتبة إني استعملتك على أرض الهند و هي حومة من حومة العدو، و أرجو أن يكفيك اللَّه ما حولها، و أن يعينك عليها، و قد كتبت إلى العلاء بن الحضرميّ يمدك بعرفجة بن هرثمة. فإذا قدم عليك فاستشره و قربه، و ادع إلى اللَّه، فمن أجابك فاقبل منه، و من أبى فالجزية عن صغار و ذلة، و إلا فالسيف في غير هوادة، و اتّق اللَّه فيما وليت، و إياك أن تنازعك نفسك إلى كبر فتفسد عليك آخرتك، و قد صحبت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فعززت بعد الذلة، و قويت بعد الضعف، حتى صرت أميرا مسلطا، و ملكا مطاعا، تقول فيسمع منك، و تأمر فيطاع أمرك، فيا لها نعمة إذا لم ترق فوق قدرك، و تبطر على من دونك، احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، و هي أخوفهما عندي عليك أن يستدرجك و يخدعك فتسقط سقطة فتصير بها إلى جهنم، أعيذك باللَّه و نفسي من ذلك، إن الناس أسرعوا إلى اللَّه حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد اللَّه و لا ترد الدنيا، و اتّق مصارع الظالمين.

و قد فتح عتبة الأيلة في رجب أو شعبان من هذه السنة. و لما مات عتبة بن غزوان في هذه السنة استعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة سنتين، فلما رمى بما رمى به عزله و ولى عليها أبا موسى الأشعري رضى اللَّه عنهم. و في هذه السنة ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد اللَّه في الشراب هو و جماعة معه، و فيها ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب أيضا سبع مرات، و ضرب معه ربيعة بن أمية بن‏

49

خلف، و فيها نزل سعد بن أبى وقاص الكوفة، و حج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب. قال:

و كان بمكة عتاب بن أسيد، و بالشام أبو عبيدة، و بالبحرين عثمان بن أبى العاص و قيل العلاء بن الحضرميّ، و على العراق سعد، و على عمان حذيفة بن محصن.

ذكر من توفى في هذا العام من المشاهير و الأعيان‏

ففيها توفى سعد بن عبادة في قول و الصحيح في التي قبلها و اللَّه أعلم* عتبة بن غزوان بن جابر بن هيب المازني، حليف بنى عبد شمس صحابى بدري، و أسلم قديما بعد سنة [ (1)] و هاجر إلى أرض الحبشة و هو أول من اختط البصرة عن أمر عمر في إمرته له على ذلك كما تقدم، و له فضائل و مآثر، و توفى سنة أربع عشرة، و قيل سنة خمس عشرة، و قيل سنة سبع عشرة، و قيل سنة عشرين فاللَّه أعلم. و قد جاوز الخمسين، و قيل بلغ ستين سنة رضى اللَّه عنه* عمرو بن أم مكتوم الأعمى، و يقال اسمه عبد اللَّه، صحابى مهاجري، هاجر بعد مصعب بن عمير، قبل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فكان يقرئ الناس القرآن، و قد استخلفه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على المدينة غير مرة، فيقال ثلاث عشرة مرة، و شهد القادسية مع سعد زمن عمر فيقال إنه قتل بها شهيدا و يقال إنه رجع إلى المدينة و توفى بها و اللَّه أعلم* المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان الشيباني نائب خالد على العراق، و هو الّذي صارت اليه الإمرة بعد أبى عبيد يوم الجسر، فدارى بالمسلمين حتى خلصهم من الفرس يومئذ، و كان أحد الفرسان الأبطال، و هو الّذي ركب إلى الصديق فحرضه على غزو العراق، و لما توفى تزوج سعد بن أبى وقاص بامرأته سلمى بنت حفص رضى اللَّه عنهما و أرضاهما. و قد ذكره ابن الأثير في كتابه الغابة في أسماء الصحابة* أبو زيد الأنصاري النجاري أحد القراء الأربعة الذين حفظوا القرآن من الأنصار في عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كما ثبت ذلك في حديث أنس بن مالك، و هم معاذ بن جبل، و أبى بن كعب، و زيد بن ثابت، و أبو زيد. قال أنس أحد عمومتي. قال الكلبي و اسم أبى زيد هذا قيس بن السكن بن قيس بن زعوراء بن حزم بن جندب بن غنم بن عدي بن النجار شهد بدرا. قال موسى بن عقبة و استشهد يوم جسر أبى عبيد و هي عنده في سنة أربع عشرة، و قال بعض الناس أبو زيد الّذي يجمع القرآن سعد بن عبيد، و ردوا هذا برواية قتادة عن أنس بن مالك قال:

افتخرت الأوس و الخزرج فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبى عامر، و منا الّذي حمته الدبر عاصم بن ثابت بن أبى الأفلح، و منا الّذي اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ، و منا الّذي جعلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت، فقالت الخزرج منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أبىّ، و زيد بن ثابت، و معاذ، و أبو زيد رضى اللَّه عنهم أجمعين* أبو عبيد بن‏

____________

[ (1)] كذا في الأصلين و لعله يريد بعد سنة من البعثة لانه من السابقين الأولين.

50

مسعود بن عمرو الثقفي والد المختار بن أبى عبيد أمير العراق، و والد صفية امرأة عبد اللَّه بن عمر.

أسلم أبو عبيد في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر في الصحابة.

قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللَّه الذهبي: و لا يبعد أن يكون له رواية و اللَّه أعلم.

أبو قحافة والد الصديق و اسم أبى بكر الصديق عبد اللَّه بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن صخر ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب،

أسلم أبو قحافة عام الفتح فجاء به الصديق يقوده إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال «هلا أقررتم الشيخ في بيته حتى كنا نحن نأتيه» تكرمة لأبي بكر رضى اللَّه عنه فقال: بل هو أحق بالسعي إليك يا رسول اللَّه. فأجلسه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بين يديه و رأسه كالثغامة بياضا و دعا له، و قال: «غيروا هذا الشيب بشي‏ء و جنبوه السواد».

و لما توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و صارت الخلافة إلى الصديق أخبره المسلمون بذلك و هو بمكة، فقال: أو أقرت بذلك بنو هاشم و بنو مخزوم؟ قالوا: نعم! قال: ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء. ثم أصيب بابنه الصديق رضى اللَّه عنه. ثم توفى أبو قحافة في محرم و قيل في رجب سنة أربع عشرة بمكة، عن أربع و سبعين سنة (رحمه اللَّه) و أكرم مثواه.

و ممن ذكر شيخنا أبو عبد اللَّه الذهبي من المستشهدين في هذه السنة مرتبين على الحروف أوس بن أوس بن عتيك قتل يوم الجسر* بشير بن عنبس بن يزيد الظفري أحدى، و هو ابن عم قتادة بن النعمان و يعرف بفارس الحواء اسم فرسه* ثابت بن عتيك، من بنى عمرو بن مبذول، صحابى قتل يوم الجسر* ثعلبة بن عمرو بن محصن النجاري بدري قتل يومئذ* الحارث بن عتيك ابن النعمان النجاري شهد أحدا قتل يومئذ* الحارث بن مسعود بن عبدة صحابى أنصارى قتل يومئذ، الحارث بن عدي بن مالك أنصارى أحدى قتل يومئذ* خالد بن سعيد بن العاص، قيل إنه استشهد يوم مرج الصفر، و كان في سنة أربع عشرة في قول* خزيمة بن أوس الأشهلي قتل يوم الجسر* ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أرخ وفاته في هذه السنة ابن قانع* زيد بن سراقة يوم الجسر* سعد بن سلامة بن وقش الأشهلي* سعد بن عبادة في قول* سلمة بن أسلم بن حريش يوم الجسر* ضمرة بن غزية يوم الجسر* عباد و عبد اللَّه و عبد الرحمن بنو مريع بن قيظى قتلوا يومئذ* عبد اللَّه بن صعصعة بن وهب الأنصاري النجاري، شهد أحدا و ما بعدها. قال ابن الأثير في الغابة: و قتل يوم الجسر* عتبة بن غزوان تقدم* عقبة و أخوه عبد اللَّه حضرا الجسر مع أبيهما قيظى بن قيس و قتلا يومئذ* العلاء بن الحضرميّ توفى في هذه السنة في قول و قيل بعدها و سيأتي* عمرو بن أبى اليسر قتل يوم الجسر* قيس بن السكن أبو زيد الأنصاري رضى اللَّه عنه تقدم* المثنى بن حارثة الشيباني، توفى في هذه السنة (رحمه اللَّه) و قد تقدم* نافع بن غيلان قتل يومئذ* نوفل بن الحارث بن عبد المطلب‏

51

و كان أسنّ من عمه العباس، قيل إنه توفى في هذه السنة و المشهور قبلها كما تقدّم* واقد بن عبد اللَّه قتل يوم [ (1)]* يزيد بن قيس بن الخطيم الأنصاري الظفري شهد أحدا و ما بعدها، قتل يوم الجسر، و قد أصابه يوم أحد جراحات كثيرة و كان أبوه شاعرا مشهورا* أبو عبيد بن مسعود الثقفي أمير يوم الجسر و به عرف لقتله عنده، تخبطه الفيل حتى قتله رضى اللَّه عنه بعد ما قطع بسيفه خرطومه كما تقدم* أبو قحافة التيمي والد أبى بكر الصديق، توفى في هذه السنة رضى اللَّه عنه. هند بنت عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس بن أمية الأموية، والدة معاوية بن أبى سفيان، و كانت من سيدات نساء قريش ذات رأى و دهاء و رياسة في قومها، و قد شهدت يوم أحد مع زوجها و كان لها تحريض على قتل المسلمين يومئذ، و لما قتل حمزة مثلت به و أخذت من كبده فلاكتها فلم تستطع إساغتها، لأنه كان قد قتل أباها و أخاها يوم بدر، ثم بعد ذلك كله أسلمت و حسن إسلامها عام الفتح، بعد زوجها بليلة.

و لما أرادت الذهاب إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لتبايعه استأذنت أبا سفيان فقال لها: قد كنت بالأمس مكذبة بهذا الأمر، فقالت و اللَّه ما رأيت اللَّه عبد حق عبادته بهذا المسجد قبل هذه الليلة، و اللَّه لقد باتوا ليلهم كلهم يصلون فيه. فقال لها: إنك قد فعلت ما فعلت فلا تذهبي وحدكى. فذهبت إلى عثمان ابن عفان و يقال إلى أخيها أبى حذيفة بن عتبة فذهب معها، فدخلت و هي متنقبة،

فلما بايعها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مع غيرها من النساء قال «على أن لا تشركن باللَّه شيئا و لا تسرقن و لا تزنين» فقالت: أو تزني الحرة؟ و لا تقتلن أولادكن قالت: قد ربيناهم صغارا نقتلهم كبارا؟! فتبسم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، «و لا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن و أرجلهن و لا يعصينك» فبادرت و قالت:

في معروف. فقال في معروف، و هذا من فصاحتها و حزمها، و قد قالت لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): و اللَّه يا محمد ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ من أن يذلوا من أهل خبائك، فقد و اللَّه أصبح اليوم و ما على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلى من أن يعزوا من أهل خبائك. فقال:

و كذلك و الّذي نفسي بيده.

و شكت من شح أبى سفيان فأمرها أن تأخذ ما يكفيها و يكفى بنيها بالمعروف، و قصتها مع الفاكه بن المغيرة مشهورة، و قد شهدت اليرموك مع زوجها و ماتت يوم مات أبو قحافة في سنة أربع عشرة و هي أم معاوية بن أبى سفيان.

ثم دخلت سنة خمس عشرة

قال ابن جرير قال بعضهم فيها مصرّ سعد بن أبى وقاص الكوفة دلهم عليها ابن بقيلة قال لسعد:

أدلك على أرض ارتفعت عن البق و انحدرت عن الفلاة؟ فدلهم على موضع الكوفة اليوم، قال: و فيها كانت وقعة مرج الروم، و ذلك لما انصرف أبو عبيدة و خالد من وقعة فحل قاصدين إلى حمص حسب‏

____________

[ (1)] بياض بالأصلين. و في الاصابة انه توفى في أول خلافة عمر