الجمل و النصرة لسيد العترة في حرب البصرة

- الشيخ المفيد المزيد...
438 /
47

المقدمة في سبب تأليف الكتاب‏

الحمد لله الذي ضمن النصر لناصريه و أعان على الحق بتوفيقه متبعيه و خذل من عند عن دينه و ألحد فيه و صلاته على صفوته من خلقه و محبيه محمد و آله المخصوصين بالطهارة و التنزيه.

و بعد سألت أيدك الله بتوفيقه أن أورد لك ذكر الاختلاف بين أهل القبلة في حديث الفتنة بالبصرة و ما كان بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)

48

و بين عائشة و طلحة و الزبير من الحرب المهولة في ذلك و المقال و مذهب كل فريق من الأمة فيه على شرح له و بيان و إثبات سبب هذه الفتنة و الأخبار التي جاءت فيما جرى بين القوم من القتال و الفعال فإن كل كتاب صنف في هذا الفن قد تضمن أخبارا تلتبس معانيها على جمهور الناس و لم يأت أحد من المصنفين بذكر الحرب في هذه الفتنة على الترتيب و النظام بل خلطوا الأخبار فيها خلطا لم يحصل معه تصور الخلل فيما كان بين الجميع فيه على الظهور و التبيان للذي جاء.

فقد جمعت لك أيدك الله كل ما صدر عنهم و أثبته في هذا الكتاب برهانا يفضي الناظر فيه إلى صحة الاعتقاد في أحكام القوم بأسمائهم بأعمالهم و ما فيها من الكفر و الإيمان و الطاعة و العصيان و التبين و الضلال لتعلم وفقك الله بالنظر و الاعتبار و تخرج بذلك من التقليد الموبق لصاحبه لتظفر بالحق و يزول عنك الاشتباه الذي التبس عليك الأمر فيما كان هناك و أجبتك إلى ما سألت معتصما بالله عز و جل و سائلا لك التوفيق و الرشاد و بالله أستعين‏

49

القول في اختلاف الأمة في فتنة الجمل و أحكام القتال فيها

أما المتولون للقتال في هذه الفتنة فقد أنبأنا عملهم فيها عن اعتقادهم و دلت ظواهرهم في ذلك على بواطنهم فيه إذ العلم يحيط بأن أمير المؤمنين عليا(ع)و ولده و أهله من بني هاشم و أتباعه من المهاجرين و الأنصار و غيرهم من المؤمنين لم يسلكوا فيما باشروه من الحرب و سعوا فيه من القتل و استباحة الدماء طريق المجرمين لذلك الطالبين به العاجل و التاركين به ثواب الآجل بل كان وظاهرهم في ذلك و المعلوم من حالهم و قصدهم التدين به و القربة إلى الله سبحانه بعمله و الاجتهاد فيه و أن تركه و الإعراض عنه موبق من الأعمال و التقصير فيه موجب لاستحقاق العقاب.

أ لا ترى إلى ما اشتهر

مِنْ قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ قِتَالِهِ لِلْقَوْمِ لَمْ أَجِدْ إِلَّا قِتَالَهُمْ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ص.

50

و قَوْلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏

أَيُّهَا النَّاسُ وَ اللَّهِ مَا أَسْلَمُوا وَ لَكِنَّهُمْ اسْتَسْلَمُوا وَ أَسَرُّوا الْكُفْرَ فَلَمَّا وَجَدُوا لَهُ أَعْوَاناً أَظْهَرُوهُ-

في أمثال هذين القولين من جماعة أجلة من شيعة أمير المؤمنين(ع)يطول بشرحها الكتاب فهم تلائم معاني كلامهم في ذلك ظواهر فعالهم و المعلوم من قصودهم و هذا ما لا مرية فيه بين العلماء و إنما يشتبه الأمر فيه على الجهلاء الذين لم يسمعوا الأخبار و لا عثروا بتأمل الآثار.

و كذلك الأمر محيط بأن ظاهر عائشة و طلحة و الزبير و كثير ممن كان في حيزهم التدين بقتال أمير المؤمنين(ع)و أنصاره و القربة إلى الله سبحانه و تعالى باستفراغ الجهد فيه و أنهم كانوا يريدون على ما زعموا وجه الله و الطلب بدم الخليفة المظلوم عندهم المقتول بغير حق و أنهم لا يسعهم فيما أضمروه من اعتقادهم إلا الذي فعلوه فوضح من ذلك أن كلا من الفريقين يصوب رأيه فيما فعل و يخطئ صاحبه فيما صنع و يشهد لنفسه بالنجاة و يشهد على صاحبه بالضلال و الهلاك.

إلا أن أمير المؤمنين(ع)صرح بالحكم على محاربيه و وسمهم بالغدر و النكث و أخبر أن النبي(ص)أمره بقتالهم و فرض عليه جهادهم‏

51

و لم يحفظ عن محاربيه فيه شي‏ء و لا سمة له بمثل ذلك و إن كان المعلوم من رأيهم التخطئة له في القتال و الحكم عليه في مقامه على الأمر و الامتناع من رده شورى بينهم و تسليم قتلة عثمان إليهم بالزلل عن الحق و ترك الواجب عندهم و الصواب.

و كان مذهب سعد بن مالك أبي وقاص و عبد الله بن عمر و محمد بن مسلمة الأنصاري و أسامة بن زيد و أمثالهم ممن رأى القعود عن الحرب و التبديع لمن تولاها الحكم على أمير المؤمنين و الحسن و الحسين(ع)و محمد بن علي(ع)و جميع ولد أبي طالب و كافة أتباع أمير المؤمنين(ع)من بني هاشم و المهاجرين و الأنصار و المتدينين بنصرته المتبعين له على رأيه في الجهاد بالضلال و الخطإ في المقال و الفعال و التبديع لهم في ذلك على كل حال و كذلك كان مذهبهم في عائشة و طلحة و الزبير و من كان على رأيهم في قتال أمير المؤمنين(ع)و أنهم بذلك ضلال عن الحق عادلون عن الصواب مبدعون في استحلال دماء أهل الإسلام و لم يحفظ عنهم في الطائفتين و لا في إحداهما تسمية بالفسوق و لا إخراجهم بما تولوه من الحرب و القتال عن الإيمان‏

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

فصل آراء أهل الفرق في المتحاربين في حرب الجمل‏

آراء الحشوية

الخلاف الذي حكيناه عن السلف بعد النبي(ص)في الفتنة المذكورة قد تشعب و زاد على ما أثبتناه عمن سميناه في الخلاف فقالت العامة الحشوية المنتسبة إلى السنة على ما زعموا في ذلك أقاويل مشهورة و ذهبوا مذاهب ظهرت عنهم مذكورة-

.

54

رأي سعد بن أبي وقاص و أتباعه-

. فمنهم طائفة اتبعت رأي سعد بن أبي وقاص و شركائه من المعتزلة عن الفريقين و مذهبهم في إنكار القتال و حكموا بالخطإ على أمير المؤمنين و الحسن و الحسين(ع)و محمد بن علي و عبد الله بن عباس و خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين و أبي أيوب الأنصاري و أبي الهيثم بن التيهان و عمار بن ياسر و قيس بن سعد بن عباده و أمثالهم من وجوه المهاجرين و نقباء الأنصار و عائشة و طلحة و الزبير و جميع من اتبعهم في الحرب و استحل معهم القتال و شهدوا عليهم جميعا فيما صنعوه بالزلل عن الصواب و وقفوا فيهم مع ذلك و لم يقطعوا لهم بعقاب و رجوا لهم الرحمة و الغفران و كان الرجاء لهم في ذلك أقوى عندهم من الخوف عليهم من العقاب-

. رأي فرقة أخرى منهم-

. و منهم طائفة أخرى قالت بتخطئة الجميع كما قال الأولون منهم في ذلك و قطعوا على أن أمير المؤمنين و الحسن و الحسين(ع)و ابن عباس و عمار بن ياسر

55

و خزيمة ذا الشهادتين و إن كانوا قد زلوا في سفك الدماء في القتال فإنه مغفور لهم ذلك لما قدموا من عظيم طاعتهم لله تعالى و جهادهم مع رسول الله(ص)و صحبتهم له و مواساتهم إياه و كذلك قولهم في عائشة و طلحة و الزبير و من شاركهم في القتال ممن له صحبة و سالف جهاد و أما من سوى الصحابة من الفريقين فهم بقتالهم و استحلالهم الدماء من أهل النار و حكوا عن بعض مشيختهم و أئمتهم في الدين إنه كان يقول نجا القادة و هلك الأتباع و فرقوا بين الصحابي و غيره في ذلك بحديث‏

رَوَوْهُ عَنِ النَّبِيِّ(ص)

أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صُحْبَةٌ وَ قَدْ سَامَى رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ: إِيَّاكُمْ وَ أَصْحَابِي لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا بَلَغَ مَدَى أَحَدِهِمْ وَ لَا نِصْفَهُ‏ز

-

. رأي فرقة مستضعفة-

. و منهم فرقة أخرى قالت لا ينبغي لأحد أن يخوض في ذكر الصحابة و ما جرى‏

56

بينهم من تنازع و اختلاف و تباين و قتال و لا يتعرض بالنظر في ذلك و لا الفكر فيه و يعرض عنه جانبا و إن استطاع أن لا يسمع شيئا من الأخبار الواردة به فليفعل فإنه إن خالف هذه الوصاة و أصغى إلى الخبر باختلاف الصحابة أو تكلم بحرف واحد أو تسرع إلى الحكم عليهم بشي‏ء يشين المسلم فقد أبدع في الدين و خالف الشرع و عدل عن قول النبي(ص)و لم يحذر مما حذره منه‏

بِقَوْلِهِ(ص)

إِيَّاكُمْ وَ مَا شَجَرَ بَيْنَ أَصْحَابِي‏

و قد زعموا أن الرواية بذكر أصحاب السقيفة و مقتل عثمان و الجمل و صفين بدعة و التصنيف في ذلك ضلال و الاستماع إلى شي‏ء منه يكسب الآثام و هذه فرقة مستضعفة من الحشوية يميل إلى قولها جمع كثير ممن شاهدناه من العامة و يدعو إليه المتظاهرون بالورع و الزهد و الصمت و طلب السلامة و حفظ اللسان و هم بذلك بعداء عن العلم و أهله جهال أغمار.-

. رأي فرقة تدعي المعرفة بالفقه-

. و قالت فرقة من العامة تختص بمذاهب الحشوية غير أنها تتعاطى النظر و تدعي المعرفة بالفقه و تزعم أنها من أهل الاعتبار إن علي بن أبي طالب(ع)و من كان في حيزه من المهاجرين و الأنصار و سائر الناس و عائشة و طلحة

57

و الزبير و أتباعهم جميعا معا كانوا على صواب فيما انتهوا إليه من التباين و الاختلاف و الحرب و القتال و سفك الدماء و ضرب الرقاب فإن فرضهم الذي تعين عليهم من طريق الاجتهاد هو ذلك بعينه دون ما سواه لم يخرجوا بشي‏ء منه عن طاعة الله و لا دخلوا به في شي‏ء منه إلى معصيته و أنهم كانوا على الهدى و الصواب و لو قصروا عنه مع الاجتهاد المؤدي إليه لضلوا عن الحق و خالفوا السبيل و الرشاد و زعموا أنهم كانوا جميعا مع الحال التي انتهوا إليها من سفك الدماء و قتل النفوس و الخروج عن الأموال و الديار على أتم مصافاة و مودة و موالاة و مخالصة في الضمائر و النيات و استدلوا على ذلك و زعموا بأن قالوا وجدنا كل فريق من الفريقين متعلقا بحجة تعذره فيما أتاه و توجب عليه العمل بما صنعه. و ذلك أن علي بن أبي طالب(ع)كان مذهبه تحريم قتل الجماعة بالواحد و إن اشتركوا في قتله معا و هو مذهب مشهور من مذاهب أصحاب الاجتهاد و لم يثبت عنده أيضا أن المعروفين بقتل عثمان تولوه على ما ادعي عليهم من ذلك فلم يسعه تسليم القوم إلى من التمسهم منه ليقتلوهم بعثمان و وجب عليه باجتهاده الدفاع عنهم بكل حال.

58

و كان مذهب عائشة و طلحة و الزبير قود الجماعة بالواحد من الناس و هو مذهب عمر بن الخطاب و غيره من الصحابة و جماعة من التابعين و به دان جماعة من الفقهاء و أصحاب الاجتهاد و ثبت عندهم أن الجماعة ليقتلون بالرجل الواحد و أن أمير المؤمنين(ع)لم يسلمهم ليقتلوهم بعثمان و أن الناس قد تولوا قتله و اشتركوا في دمه و كان إماما عندهم مرضيا قتل بغير حق فلم يسعهم ترك المطالبة بدمه و الاستقادة من قاتله و بذل الجهد في ذلك.

و اختلف الفريقان في ذلك لما ذكروه من الاجتهاد و عمل كل فريق منهم على رأيه و كان بذلك مأجورا و عند الله تعالى مشكورا و إن كانوا قد سفكوا فيه الدماء و بذلوا فيه الأموال و هذا مذهب جماعة قد شاهدتهم و كلمتهم و هم في وقتنا هذا خلق كثير و جم غفير.

فممن كلمتهم فيه من مشيخة أصحاب المخلوق المعروف بأبي بكر التمار الملقب بدرزان و كان في وقته شيخ أصحاب عبد الله بن سعيد بن كلاب و أكبرهم سنا و أكثرهم تقدما في مجالس الكلام.

و منهم محارب الصيداني المكنى بأبي العلاء خليفة أبي السائب في القضاء و منهم المعروف بالرشفي.

59

و منهم المكنى بأبي عبد الله المعروف بابن مجاهد البصري الأشعري صاحب الباهلي تلميذ علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري.

و منهم المعروف بأبي بكر بن الطيب و المعروف بابن الباقلاني.

و منهم أبو العباس بن أبي الحسين بن أبي عمرو القاضي.

و جميع من سميت ممن جاريته في هذا الباب من أصحاب المخلوق بعضهم كلابية و بعضهم أشعرية و إليه يذهب في وقتنا هذا جمهور أصحاب الشافعي ببغداد و البصرة و خوزستان و بلاد فارس و خراسان و غيرها من الأمصار لا أعرف شافعيا له ذكر في قومه إلا و هو يذهب إلى هذا المذهب ليبعد به عن قول الشيعة و أهل الاعتزال‏

60

آراء المعتزلة

رأي واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد

. و اختلف في ذلك المعتزلة أيضا كاختلاف الحشوية فقال إماماهم المقدمان و شيخاهم المعظمان اللذان هما أصلان للاعتزال و افتتحا للمعتقدين فيه الكلام و هما فخر الجماعة منهم و جمالهم الذين لا يعدلون به سواه واصل بن عطاء الغزال و عمرو بن عبيد بن باب المكاري إن أحد الفريقين ضال في البصرة مضل فاسق خارج من الإيمان و الإسلام ملعون مستحق الخلود في النار و الفريق الآخر هاد مهدي مصيب مستحق للثواب و الخلود في الجنات غير أنهم زعموا أنه لا دليل على‏

61

تعيين الفريق الضال و لا برهان على المهتدي و لا بينة يتوصل بها إلى تمييز أحدهما من الآخر في ذلك بحال من الأحوال و أنه لا يجوز أن يكون علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين(ع)و محمد بن علي(ع)و عبد الله و قثم و الفضل و عبيد الله بنو العباس و عبد الله بن جعفر الطيار و عمار بن ياسر و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين و أبو أيوب الأنصاري و أبو الهيثم بن التيهان و كافة شيعة علي(ع)و أتباعه من المهاجرين و الأنصار و أهل بدر و بيعة الرضوان و أهل الدين المتحيزين إليه و المتحققين بسمة الإسلام هم الفريق الضال و الفاسق الباغي الخارج عن الإيمان و الإسلام و العدو لله و البري‏ء من دينه و الملعون المستحق للخلود في النار و تكون عائشة و طلحة و الزبير و الحكم بن أبي العاص و مروان ابنه و عبد الله بن أبي سرح و الوليد بن عقبة و عبد الله بن عامر بن كريز بن عبد شمس و من كان في حيزهم من أهل البصرة هم الفريق المهدي الموفق إلى الله المصيب في حربه المستحق للإعظام و الإجلال و الخلود في الجنان قالا جميعا نعم ما ننكر ذلك و لا نؤمن به إذ لا دليل يمنع من الحكم به على ما ذكرناه بحال و كما أن قولنا ذلك في علي(ع)و أصحابه فكذلك هو في من حاربهم فإنا لسنا ننكر أنهم و أتباعهم على السوء و لسنا ننكر أن يكونوا هم الفريق الضال الملعون العدو لله البري‏ء من دينه المستحق للخلود في النار و أن يكون علي(ع)و أصحابه هم الفريق الهادي المهتدي المتولي لله المجاهد في سبيله المستحق بقتاله عائشة و طلحة و الزبير و قتل‏

62

من قتل منهم الجنة و عظيم الثواب قالا و منزلة الفريقين كمنزلة المتلاعنين فيهما فاسق لا يعلمه على التمييز له و التعيين إلا الله عز و جل.

و هذه مقالة مشهورة عن هذين الرجلين قد سطرها الجاحظ عنهما في كتابه الموسوم بفضيلة المعتزلة و حكاها أصحاب المقالات عنهما و لم تختلف العلماء في المذاهب في صحتها عن الرجلين المذكورين و أنهما خرجا من الدنيا على التدين بها و الاعتقاد لها بلا ارتياب-

. رأي أبي الهذيل العلاف‏

. و حكى أحمد بن يحيى أن أبا الهذيل العلاف كان على هذا المذهب في أمير المؤمنين(ع)و عائشة و طلحة و الزبير متبعا فيه إماميه المذكورين و لم يزل عليه إلى أن مات-

. رأي أبي بكر الأصم‏

. و قال شيخ المعتزلة أيضا و متكلمها في الفقه و أحكام الشريعة على أصولها

63

الأصم المكنى بأبي بكر الملقب بخربان أنا أقف في كل من الفريقين فلا أحكم له بهدى و لا ضلال و لا أقطع على أحدهما بشي‏ء من ذلك في التفصيل و لا الإجمال لكني أقول إن كان علي بن أبي طالب(ع)قصد بحرب عائشة و طلحة و الزبير كف الفساد و منع الفتنة في الأرض و دفعهم عن التغلب على الإمرة و العدوان على العباد فإنه مصيب مأجور و إن كان أراد بذلك الجبرية و الاستبداد بالأمر بغير مشورة من العلماء و الإمرة على الناس بالقهر لهم على ذلك و الإضرار فهو ضال مضل من أهل النار قال و إنما قلت ذلك لخفاء الأمر علي فيه و استتار النيات في معناه و اشتباه أسباب الباطل فيه باستتار الحق عند العقلاء قال و كذلك قولي في الفريق الآخر أقول إن عائشة و طلحة و الزبير إن كانوا قصدوا بقتالهم علي بن أبي طالب و أصحابه منعهم من الاستبداد بالأمر من دون رضا العلماء به و أرادوا الطلب بدم عثمان و الاقتصاص له من ظالميه برد الأمر شورى ليختار المسلمون من يرون فهم بذلك هداة أبرار مستحقون للثواب و إن كانوا أرادوا بذلك الدنيا و العصبية و الإفساد في الأمر و تولي الأمر بغير رضا العلماء فهم بذلك ضلال مستحقون اللعنة و الخلود في النار غير أنه لا دليل لي على أغراضهم فيه و لا حجة تظهر في معناه من أعمالهم فلذلك وقفت فيهم كما وقفت في علي و أصحابه كما بينت و إن كان طلحة و الزبير أحسن حالا من علي فيما أتاه-

.

64

رأي هشام الفوطي و عباد بن سليمان‏

. و قال هشام الفوطي و صاحبه عباد بن سليمان الصيمري و هذان الرجلان أيضا من أئمة المعتزلة إن عليا و طلحة و الزبير و عائشة في جماعة من أتباع الفريقين كانوا على حق و هدى و صواب و كان الباقون من أصحابهم على ضلال و بوار و ذلك أن عائشة و طلحة و الزبير إنما خرجوا إلى البصرة لينظروا في دم عثمان فيأخذوا بثأره من ظالميه و أرادوا بذلك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و طلبوا به وجه الله تعالى و خرج علي بن أبي طالب ليتفق معهم على الرأي و التدبير في مصالح الإسلام و أهله و كف السعي في الفتنة و منع العامة مما ليس إليهم بل هو إلى وجوه العلماء و ليقع التراضي بينهم على إنصاف و اجتهاد في طلب الحق و الاجتماع على الرأي فلما تراءى الجمعان تسرع غوغاؤهم إلى القتال فانتشب الحرب بينهم على غير اختيار من القادة و الرؤساء و خرج الأمر عن أيديهم في تلافي ذلك فكان من الإيقاع في الفتنة و سفك الدماء ما لم يؤثره علي و طلحة و الزبير و عائشة و وجوه أصحابهم من‏

65

الفضلاء فهلك بذلك الأتباع و نجا الرؤساء.

و هذا يشبه ما قدمنا حكايته عن بعض العامة من وجه و يخالفه من وجه آخر تميز به الرجلان من الكافة و دفعا فيه علم الاضطرار و جحد المعروف بالعيان-

. رأي سائر المعتزلة

. و قال باقي المعتزلة كبشر بن المعتمر و أبي موسى المردار و جعفر بن مبشر و الإسكافي و الخياط و الشحام و أبي مجالد و البلخي و الجبائي فيمن اتبعهم من أهل الاعتزال و جماعة الشيعة من الإمامية و الزيدية إن أمير المؤمنين(ع)كان‏

66

محقا في جميع حروبه مصيبا بقتال أهل البصرة و الشام و النهروان مأجورا على ذلك مؤديا فرض الله تعالى في الجهاد و إن كل من خرج عليه و حاربه في جميع المواطن ضلال عن الهدى مستحقون بحربه و الخلاف عليه النار غير أن من سميناه من المعتزلة خاصة استثنوا عائشة و طلحة و الزبير من الحكم باستحقاق العقاب و زعموا أنهم خرجوا من ذلك إلى استحقاق الثواب بالتوبة و الندم على ما فرط منهم في القتا ل فحكموا بضد الظاهر من الفعال المعلوم منهم و المقال و ضعفوا في دعواهم عما هو صناعتهم من الحجاج و أظنهم اتقوا به من العامة و تقربوا بإظهاره إلى أمراء الزمان إذ لا شبهة تعترض أمثالهم من العلماء بالأخبار و النظار المتميزين بالكلام من أهل التقليد في فساد هذا الاعتقاد.

و خالف من سميناه من المعتزلة في هذا الباب الأصم خاصة فإنه زعم أن معاوية كان إماما محقا لإجماع الأمة عليه فيما قال بعد قتل أمير المؤمنين(ع)مع تظاهره بالشك منه في إمامة أمير المؤمنين(ع)حسبما حكينا عنه فيما سلف قبل هذا المكان و كل من سمينا منهم سوى الأصم مع تصويبه أمير المؤمنين(ع)و تفسيق محاربيه يقطع على معاوية و عمرو بن العاص في خلافهما أمير المؤمنين(ع)و استحلالهما حربه بالنار و أنهما خرجا من الدنيا

67

على الفسق الموبق لصاحبه الموجب عليه دوام العقاب و أن جميع من مات على اعتقاد إمامة معاوية و تصويبه في قتال أمير المؤمنين(ع)فهو عندهم ضال عن الهدى و خارج عن الإسلام مستحق للخلود في النار.

و قد وافق من سميناه من المعتزلة و كافة الشيعة الخوارج في تخطئة معاوية و عمرو بن العاص و تضليلهما في قتال أمير المؤمنين(ع)و جماعة من المرجئة و أصحاب الحديث من المجبرة غير أن هذين الفريقين وقفا في عذابهما و لم يقطعا

68

على دخولهما النار و رجوا لهما و لمحاربي أمير المؤمنين(ع)من أصحابهما و غيرهم ممن ظاهره الإسلام العفو من الله تعالى و قولهم في الخوارج كذلك مع حكمهم عليهم بالضلال.

69

رأي الخوارج‏

و قالت الخوارج بأجمعها إن أمير المؤمنين(ع)كان مصيبا في قتال أهل البصرة و أهل الشام و أنهم كانوا بقتاله ضلالا كفارا مستحقين للخلود في عذاب النار و ادعوا مع ذلك أنه أخطأ بكفه عن قتال أهل الشام حين رفعوا المصاحف و احتالوا بذلك للكف عن قتالهم و شهدوا على أنفسهم بالإثم لوفاقهم في ذلك الرأي و كفهم عن قتال البغاة إلا أنهم زعموا لما ندموا على ذلك و تابوا منه و دعوا إلى القتال خرجوا من عهدة الضلال و رجعوا إلى ما كانوا عليه من الإسلام و الإيمان و أن أمير المؤمنين(ع)لما لم يجبهم إلى القتال و أقام على الموادعة لمعاوية و أهل الشام كان مرتدا بذلك عن الإسلام خارجا من الدين.

و شبهتهم في هذا الباب مضمحلة لا يلتبس فسادها على أهل الاعتبار و ذلك أن أمير المؤمنين(ع)إنما كف عن قتال القوم لخذلان أصحابه في الحال و تركهم النصرة له و كفهم عن القتال فاضطروه بذلك إلى الإجابة لما دعوه إليه من تحكيم الكتاب و لم يجز له قتالهم من بعد لمكان العهد لهم في مدة الهدنة التي اضطر إليها للفساد في نقض العهود و حظر ذلك في كل ملة و خاصة ملة الإسلام‏

70

رأي الشيعة

و أجمعت الشيعة على الحكم بكفر محاربي أمير المؤمنين(ع)و لكنهم لم يخرجوهم بذلك عن حكم ملة الإسلام إذ كان كفرهم من طريق التأويل كفر ملة و لم يكن كفر ردة عن الشرع مع إقامتهم على الجملة منه و إظهار الشهادتين و الاعتصام بذلك عن كفر الردة المخرج عن الإسلام و إن كانوا بكفرهم خارجين عن الإيمان مستحقين به اللعنة و الخلود في النار حسبما قدمناه و كل من قطع على ضلال محاربي أمير المؤمنين(ع)من المعتزلة فهو يحكم عليهم بالفسق و استحقاق الخلود في النار و لا يطلق عليهم الكفر و لا يحكم عليهم بالإكفار و الخوارج تكفر أهل البصرة و الشام و تخرجهم بكفرهم الذي اعتقدوه فيهم و وسموهم به عن ملة الإسلام و منهم من يسمهم بالشرك و يزيد على حكمه فيهم بالإكفار

71

فهذه جمل القول فيما اختلف فيه أهل القبلة من أحكام الفتنة بالبصرة و المقتولين بها ممن ذكرناه و أحكام صفين و النهروان و قد تحريت القول فيها بالمحفوظ عن أرباب المذاهب المشهور عنهم عند العلماء و إن كان بعضها قد انقرض معتقدوه و حصل على فساد القول به الإجماع و بعضها له معتقد قبل و لم ينقرضوا إلى هذا الزمان و ليس على فساده إجماع و إن كان في بطلانه أدلة واضحة لمن تأملها من ذوي الألباب و أنا بمشيئة الله و عونه أذكر طرفا من الاحتجاج على كل فريق منهم خالف الحق و أثبت من الأخبار الواردة في صواب فعل أمير المؤمنين(ع)و حقه في حروبه و أحكامه مختصرا يغني عن الإطالة بما ينتشر به الكلام و أشفع ذلك بما يتلوه و يتصل به من ذكر أسباب الفتنة بالبصرة على ما ضمنت من ذلك في أول الكتاب‏

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

[القول في‏] عصمة أمير المؤمنين (ع)

باب القول على صواب فعل أمير المؤمنين(ع)في حروبه كلها و حقه في جميع أقواله و أفعاله و التوفيق المقرون بآرائه و بطلان مقال من خالف ذلك من خصمائه و أعدائه‏

فمن ذلك وضوح الحجة على عصمته من الخطإ في الدين و الزلل فيه و العصمة له من ذلك يتوصل إليها بضربين أحدهما الاعتبار و الآخر الوثوق بما ورد من الأخبار.

فأما طريق الاعتبار الموصول إلى عصمته(ع)فهو الدليل على إمامته و فرض طاعته على الأنام إذ الإمام لا بد من أن يكون معصوما كعصمة الأنبياء(ع)بأدلة كثيرة قد أثبتناها في مواضع من كتبنا المعروفة في الإمامة و الأجوبة عن المسائل الخاصة في هذا الباب.

فمن ذلك أن الأئمة قدوة في الدين و أن معنى الائتمام هو الاقتداء و قد ثبت أن‏

74

حقيقة الاقتداء هو الاتباع للمقتدى به فيما فعل و قال من حيث كان حجة فيه دون الاتباع لقيام الأدلة على صواب ما فعل و قال بسوى ذلك من الأشياء إذ لو كان الاقتداء هو الاتباع للمقتدى به من جهة حجة سواه على ذلك كان كل وفاق لذي نحلة في قول له أو فعل لا من جهة قوله و فعله بل لحجة سواه اقتداء به و ائتماما و ذلك باطل لوفاقنا الكفار من اليهود و النصارى و غيرهم من أهل الباطل و الضلال في بعض أقوالهم و أفعالهم من حيث قامت الأدلة على صواب ذلك فيهم لا من حيث ما رأوه و قالوه و فعلوه و ذلك باطل بلا ارتياب.

و من ذلك أحد أسباب الحاجة إلى الأئمة هو جواز الغلط على الرعية و ارتفاع العصمة عنها ليكون من ورائها يسدد الغالط منها و يقومه عند الاعوجاج و ينبهه عند السهو منه و الإغفال و يتولى إقامة الحد عليه فيما جناه فلو لم تكن الأئمة المعصومون معصومين كما أثبتناه لشاركت الرعية فيما تحتاج إليه مما ذكرناه و كانت تحتاج إلى أئمة عليها و لا تستغني عن رعاة لها و ساسة تكون من ورائها و ذلك باطل بالإجماع على أن الأئمة أغنياء عن إمام.

و غير ما ذكرناه من الأدلة على عصمتها كثير و هو موجود في أماكنه من كتبنا على بيان للوجوه و استقصاء فإذا ثبتت عصمة الأئمة(ع)حسبما وصفناه و أجمعت الأمة على أنه لو كان بعد النبي(ص)إماما على الفور تجب طاعته على الأنام وجب القطع على أنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)دون غيره ممن ادعيت له الإمامة في تلك الحال للإجماع على أنه لم تكن لواحد ممن ذكروه العصمة التي أوجبناها بالنظر الصحيح لأئمة الإسلام و إجماع الشيعة

75

الإمامية على أن علي بن أبي طالب(ع)كان مخصوصا بها من بين الأنام إذ لو لم يكن الأمر كذلك لخرج الحق عن إجماع أهل الصلاة و فسد ما في العقول من وجوب العصمة لأئمة المسلمين بما ذكرناه و إذا ثبت عصمة أمير المؤمنين(ع)من الخطإ و وجب مشاركته للرسول في معناه و مساواته فيها ثبت أنه كان مصيبا في كل ما فعل و قال و وجب القطع على خطإ مخالفيه و ضلالهم في حربه و استحقاقهم بذلك العقاب و هذا بين لمن تدبره و الله الموفق للصواب.

و من ذلك ثبوت الحاجة إلى الإمامة باتفاق و فساد ثبوت الإمامة من جهة الشورى و الآراء فإذا ثبت ذلك وجب النص على الأئمة و في وجوبه تثبت إمامة أمير المؤمنين(ع)إذ الأمر بين رجلين أحدهما يوجب الإمامة بالنص و يقطع على إمامة أمير المؤمنين(ع)و من جهته دون ما سواها من الجهات و الآخر يمنع من ذلك و يجوزها بالرأي و إذا فسد هذا الفريق لفساد ما ذهبوا إليه من عقد الإمامة بالرأي و لم يصح خروج الحق عن أئمة الإسلام ثبت إمامة أمير المؤمنين ع.

و أما طريق الوثوق بالآثار فممّا يدل على إمامته(ع)من نص القرآن قوله تعالى اسمه‏ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏.

و هذا خطاب متوجه إلى جماعة جعل الله لهم أولياء أضيفوا إليهم بالذكر و الله وليهم و رسوله و من عبر عنه بأنه من الذين آمنوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و هم راكعون يعني حال ركوعهم بدلالة أنه لو أراد سبحانه بالخطاب جميع المكلفين‏

76

لكان هو المضاف و محال إضافة الشي‏ء إلى نفسه و إنما تصح إضافته إلى غيره و إذا لم تكن طائفة تختص بكونها أولياء لغيرها و ليس لذلك الغير مثل ما اختصت به في الولاء و تفرد من جملتهم من عناه الله بالإيمان و الزكاة في حال ركوعه لم يبق إلا ما ذهبت إليه الشيعة من ولاية علي أمير المؤمنين(ع)على الأمة من حيث الإمامة له عليها و فرض الطاعة و لم يكن أحد يدعى له الزكاة في حال ركوعه إلا أمير المؤمنين(ع)فقد ثبتت إمامته بذلك الترتيب الذي رتبناه و في ثبوت إمامته ثبوت ما قدمناه فصح أنه مصيب في جميع أقواله و أفعاله و تخطئة مخالفيه حسبما شرحناه.

دليل آخر و من الخبر ما أجمع عليه أهل القبلة و لم يتنازع في صحة الخبر به من أهل العلم بالرواية و الآثار اثنان و هو

قَوْلُ النَّبِيِّ(ص)

أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي‏

فأوجب له بذلك‏

77

منه جميع ما كان لهارون من موسى في المنازل إلا ما استثناه من النبوة و في ذلك أن الله تعالى قد فرض طاعته على أمة محمد(ص)كما كان فرض طاعة هارون على أمة موسى و جعله إماما لهم كما كان هارون إماما لقوم موسى و أن هذه المنزلة واجبة له بعد مضي النبي(ص)كما كانت تجب لهارون لو بقي بعد أخيه موسى و لم يجز خروجه عنها بحال و في ذلك ثبوت إمامة أمير المؤمنين(ع)و الإمامة تدل على عصمة صاحبها كما بيناه فيما سلف و وصفناه و العصمة تقضي فيمن وجبت له بالصواب في الأقوال و الأفعال على ما أثبتناه فيما تقدم من الكلام و في ذلك بيان عن صواب أمير المؤمنين(ع)في حروبه كلها و أفعاله بأجمعها و أقواله بأسرها و خطإ مخالفيه و ضلالهم عن هداه و قد أشبعنا الماضي من كلامنا في ذلك بيانا له و المنة لله.

و في هذه الأدلة لأهل الخلاف من المعتزلة و الحشوية و الخوارج أسئلة قد أجبنا عنها في مواضعها من غير هذا الكتاب و أسقطنا شبهاتهم بدليل البرهان و لم نوردها هاهنا لغنانا عن ذلك بثبوتها فيما سواه و إنما اقتصرنا على ذكر هذه الأدلة و وجوهها و عدلنا عن إيراد ما في معناها و المتفرع عليه لإثبات رسم الحجاج في صواب أمير المؤمنين(ع)و فساد مذهب الناكثين فيه و الإيماء إلى أصول ذلك ليقف عليه من نظر في كتابنا هذا و يعلم العمدة بما فيه و يستوفي معانيه فإن أحب ذلك يجده في مواضعه المختصة به لنا و لغيرنا من متكلمي عصابة الحق و لأن الغرض من هذا الكتاب ما لا يفتقر إلى هذه الأدلة من براهين إصابة أمير المؤمنين(ع)في‏

78

حروبه و خطإ مخالفيه و محاربيه فإنا سنذكره فيما يلي هذا الفصل من الكلام و نوضح الحجة فيه على أصول مخالفينا أيضا في طريق الإمامة و ثبوتها عندهم من جهة الآراء و إنكارهم ما نذهب إليه من قصور طريقها على النص و التوفيق كما قدمناه و بيناه من الغرض فيه و وصفناه‏

79

[فصل‏] الدليل على أن أمير المؤمنين(ع)كان مصيبا في حروبه كلها

و من الدليل على أن أمير المؤمنين(ع)كان مصيبا في حروبه كلها و أن مخالفيه في ذلك على ضلال ما تظاهرت به الروايات‏

عَنِ النَّبِيِّ ص: مِنْ قَوْلِهِ‏

حَرْبُكَ يَا عَلِيُّ حَرْبِي وَ سِلْمُكَ يَا عَلِيُّ سِلْمِي‏

وَ قَوْلِهِ(ص)

يَا عَلِيُّ أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكَ وَ سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكَ‏

و هذان القولان مرويان من طريقي العامة و الخاصة و المنتسبة من أصحاب الحديث إلى السنة و المنتسبين منهم إلى الشيعة لم يعترض أحد من العلماء الطعن على سندهما و لا ادعى إنسان من أهل المعرفة بالآثار كذب رواتهما و ما كان هذا سبيله وجب تسليمه و العمل به إذ لو كان‏

80

باطلا لما خلت الأمة من عالم منها ينكره و يكذب رواته و لا سلم من طعن فيه و لعرف سبب تخرصه و افتعاله و لأقيم دليل الله سبحانه على بطلانه و في سلامة هذين الخبرين من جميع ما ذكرناه حجة واضحة على ثبوتهما حسبما بيناه.

و من ذلك‏

الرِّوَايَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

تُقَاتِلُ يَا عَلِيُّ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ‏

وَ قَوْلُهُ لِسُهَيْلِ بْنِ عُمَرَ

وَ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ لِخِطَابِهِ عَلَى رَدِّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ مَوَالِيهِمْ لَتَنْتَهُنَّ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ لَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ رَجُلًا يَضْرِبُكُمْ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا ضَرَبْتُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ فُلَانٌ قَالَ لَا قَالَ فَفُلَانٌ قَالَ لَا وَ لَكِنَّهُ خَاصِفُ النَّعْلِ فِي الْحُجْرَةِ فَنَظَرُوا فَإِذَا عَلِيٌّ(ع)فِي الْحُجْرَةِ يَخْصِفُ نَعْلَ رَسُولِ اللَّهِ ص.

. و من ذلك‏

قَوْلُهُ(ص)لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

تُقَاتِلُ بَعْدِيَ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ‏

و القول في هذه الرواية كالأخبار التي تقدمت قد سلمت من طاعن في سندها بحجة و من قيام دليل على بطلان ثبوتها و سلم لروايتها الفريقان فدل على صحتها.

81

و من ذلك‏

قَوْلُهُ(ص)

عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَ عَلِيٍّ حَيْثُمَا دَارَ

و هذا أيضا خبر قد رواه محدثو العامة و أثبتوه في الصحيح عندهم و لم يعترض أحدهم لتعليل سنده و لا أقدم منهم مقدم على تكذيب ناقله و ليس توجد حجة في العقل و لا السمع على فساده فوجب الاعتقاد بصحته و صوابه.

و من ذلك‏

قَوْلُهُ(ص)

اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ‏

و هذا في الرواية أشهر من أن يحتاج معه إلى جمع السند له و هو أيضا مسلم عند نقلة الأخبار.

وَ قَوْلُهُ(ص)لِعَلِيٍّ(ع)

قَاتَلَ اللَّهُ مَنْ قَاتَلَكَ وَ عَادَى مَنْ عَادَاكَ‏

و الخبر بذلك مشهور و عند أهل الرواية معروف مذكور.

و من ذلك‏

قَوْلُهُ(ص)

مَنْ آذَى عَلِيّاً فَقَدْ آذَانِي وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى‏

82

اللَّهَ تَعَالَى.

فحكم أن الأذى له(ع)أذى الله و الأذى لله جل اسمه هلاك مخرج عن الإيمان قال الله عز و جل‏ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً.

و أمثال ما أثبتناه من هذه الأخبار في معانيها الدالة على صواب أمير المؤمنين(ع)و خطإ مخالفيه كثيرة إن عملنا على إيراد جميعها طال به الكتاب و انتشر به الخطاب و فيما أثبتناه منه للحق كفاية للغرض الذي نأمله إن شاء الله تعالى‏

83

فصل الاعتراض بأن الدليل من الأخبار الآحاد و الجواب عنه‏

فإن قال قائل إن كنتم قد اعتمدتم على هذه الأخبار في عصمة أمير المؤمنين(ع)و هي آحاد ليست من المتواتر الذي يمنع على قائليه الافتعال فما الفصل بينكم و بين خصومكم فيما يتعلقون به من أمثالها عن النبي(ص)في فضائل فلان و فلان و معاوية بن أبي سفيان.

قيل له الأخبار التي يتعلق بها أهل الخلاف في دعوى فضائل من سميت على ضربين.

أحدهما لا تنكر صحته و إن كان خصومنا منفردين بنقله إذ ليس فينا مشارك لهم في شي‏ء منه كما شاركنا الخصوم في نقل ما أثبتناه من فضائل أمير المؤمنين(ع)إلا أنهم يغلطون في دعوى التفضيل لهم به على ما يتخيلون في معناه.

و الآخر مقطوع بفساده عندنا بأدلة واضحة لا تخفى على أهل الاعتبار و ليست مما تساوي أخبارنا التي قدمناها لقطعنا على بطلان ما تفردوا به من ذلك و طعننا على رواتها و استدلالنا على فسادها و إجماع مخالفينا على رواية ما رويناه مما قد

84

بيناه و تسليمه و تخليده صحفهم كما ذكرنا و عدولهم عن الطعن في شي‏ء منه حسبما وصفناه و ما كان هذا سبيله ليس يكون الأمر فيه كذلك إلا لاعتقاد القوم صحته و تسخيرهم لنقله و تسليمهم لرواته إذ كانت العادة جارية بأن كل شي‏ء يتعلق به متعلق في حجاج مخالفيه و نصرة مذهبه المتفرد به دون خصمه و كان في الإقرار به شبهة على صحة مقالته المباينة لمقال مخالفيه فإنه لا يخلو من دافع له و جاحد و طاعن فيما يروم إبطاله إلا أن تميز الحجة في صوابه و أن يكون ملطوفا له في اعتقاده أو مسخرا للإقرار به حجة لله تعالى في صحته و دليلا على ثبوته و برهانا منه على نصرته و قوة المحتج به و تأييد الحق فيه بلطف من لطائفه.

فإذا كان الأمر في هذا الباب على ما بيناه و ثبت تسليم الفريقين لأخبارنا مع اختلافهم في الاعتقاد على ما ذكرناه و صح الاختلاف بيننا و بين خصومنا في الاحتجاج بالأخبار و براهينها حسبما اعتمدناه سقط توهم المخالف لما تخيله من المساواة بين الأمرين و تظناه.

85

[فصل‏] إنكار الخوارج و الأموية و العثمانية فضل أمير المؤمنين ع‏

فإن عارضوا بالخوارج و قالوا هم يدفعون ما أثبتموه من الأخبار الدالة على عصمة أمير المؤمنين(ع)و ذكروا الأموية و ما يعرف من سلوكهم و ظاهر أمرهم في جحد ما رويناه و قالوا حكمكم في جحد أخبارنا كحكمهم في جحد أخباركم سواء و إلا فما الفصل بين الأمرين فإنه يقال لهم الفصل بيننا و بين من عارضتم به من الخوارج في دفع النقل ظاهر لذوي الاعتبار و ذلك أن الخوارج ليسوا من أهل النقل و الرواية و لا يعرفون بحفظ الآثار و لا الاعتماد على الأخبار لإكفارهم الأمة جميعا و اتهام كل فريق منهم فيما يروونه و اعتمادهم لذلك على ظاهر القرآن و إنكارهم ما خرج عن الكتاب من جميع الفرائض و الأحكام و من كان هذا طريقه و دينه و سبيله في اعتقاده و مذهبه في النقل و الأخبار لم يعتن بخلافه فيها على حال.

فأما سبيل الأموية و طريق العثمانية فسبب جحودهم لفضائل أمير المؤمنين‏

86

ع معروف و هو الحرص على دولتهم و العصبية لملوكهم و جبابرتهم و هم كالخوارج في سقوط الاعتراض بهم فيما طريقه النقل و بعده عن علمهم و نبوهم عن فهمه و إطراحهم للعمل به و قد انقرضوا مع ذلك بحمد الله و منه حتى لم يبق منهم أحد ينسب إلى فضل على حال و لا منهم من يذكر في جملة العلماء لخلافه في شي‏ء من أحكام الملة فسقط الاعتراض بهم كسقوط الاعتراض بالمارقة فيما تعتمد فيه على الأخبار مع أن الخوارج متى تعاطت الطعن في أخبارنا التي أثبتناها في الحجة على عصمة أمير المؤمنين(ع)فإنما يقطعونها بالطعن على رواتها في دينها المخالف لما تدين به من إكفار علي بن أبي طالب(ع)و عثمان و طلحة و الزبير و عائشة ابنة أبي بكر و إكفار من تولى واحدا منهم أو اعتقد أنه من أهل الإسلام و ذلك طعن يعم جميع نقلة الدين من الملة فسقط لذلك قدحهم في الأخبار و ليس كذلك طعوننا في نقل ما تفردت به الناصبة في الحديث لأنا نطعن في رواته لكذبهم فيه و قيام الحجة على بطلان معانيه دون الطعن في عقائدهم و إن كانت عندنا فاسدة فوضح الفرق بيننا و بين من عارضنا من الخصوم برأيه في الأخبار على ما شرحناه‏

87

باب آخر من القول في صواب أمير المؤمنين(ع)في حروبه و خطإ مخالفيه و ضلالهم عن الحق في الشك فيه‏

قد بينا أن الحكم على محاربي أمير المؤمنين(ع)بالضلال و القضاء له في حربه بالصواب إذا بني القول فيه على إمامته المنصوصة و عصمته الواجبة له بما قدمناه ثبت القطع على حقه في كل ما فعل و قال و إذا صحت الأخبار التي ذكرناها فيما قبل هذا المكان و مضمونها من حكم النبي(ص)على محاربيه بالفسق المخرج عن الإيمان لم يكن طريق إلى الشك في صوابه و خطإ مخالفيه على ما بيناه و فيما أسلفناه في ذلك مقنع لذوي الألباب و غنى لهم في الحجة على خصومهم فيما سواه و نحن نبين القول في ذلك أيضا بعد الذي تقدم في معناه على مذهب خصومنا في الإمامة و ثبوت البعد لهم من ذوي الرأي حسب اختلافهم في عدد يتم به العقد و اجتماعهم على ما اتفقوا عليه في هذا الباب ليعلم الناظر في كتابنا هذا قوة الحق و تمكن ناصريه من الاحتجاج له و الله الموفق للصواب.

88

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

89

فصل في البيعة لأمير المؤمنين (ع)

قد ثبت بمتواتر الأخبار و متظاهر الأحاديث و الآثار أن أمير المؤمنين(ع)كان معتزلا للفتنة بقتل عثمان و أنه بعد عن منزله في المدينة لئلا تتطرق عليه الظنون برغبته في البيعة للأمرة على الناس و أن الصحابة لما كان من أمر عثمان ما كان التمسوه و بحثوا عن مكانه حتى وجدوه فصاروا إليه و سألوه القيام بأمر الأمة و شكوا إليه ما يخافونه من فساد الأمة فكره إجابتهم إلى ذلك على الفور و البدار لما علمه من عاقبة الأمور و إقدام القوم على الخلاف عليه و المظاهرة له بالعداوة و الشنئان فلم يمنعهم إباؤه من الإجابة عن الإلحاح فيما دعوه إليه و أذكروه‏

90

بالله عز و جل و قالوا له إنه لا يصلح للإمامة بالمسلمين سواك و لا نجد أحدا يقوم بهذا الأمر غيرك فاتق الله في الدين و كافة المسلمين.

فامتحنهم عند ذلك بذكر من نكث بيعته بعد أن أعطاها بيده على الإيثار و أومأ لهم إلى مبايعة أحد الرجلين و ضمن النصرة لهما متى أرادا لإصلاح الدين و حياطة الإسلام فأبى القوم عليه تأمير من سواه و البيعة لمن عداه و بلغ ذلك طلحة و الزبير فصارا إليه راغبين في بيعته منتظرين للرضا بتقدمه فيهما و إمامته عليهما فامتنع الاستظهار فألحا عليه في قبول بيعتهما له و اتفقت الجماعة كلها على الرضا به و ترك العدول عنه إلى سواه و قالوا إن لم تجبنا إلى ما دعوناك إليه من تقليد الأمر و قبول البيعة انفتق في الإسلام ما لا يمكن رتقه و انصدع في الدين ما لا يستطاع شعبه. فلما سمع ذلك منهم بعد الذي ذكرناه من الإباء عليهم و الامتناع لتأكيد الحجة لنفسه بسط(ع)يده لبيعتهم فتداكوا عليه تداك الإبل على حياضها يوم ورودها حتى شقوا أعطافه و وطئوا ابنيه الحسن و الحسين(ع)بأرجلهم لشدة ازدحامهم عليه و حرصهم على البيعة له و الصفقة بها على يده رغبة بتقديمه على كافتهم و توليته أمر جماعتهم لا يجدون عنه معدلا و لا يخطر ببالهم سواه لهم موئلا فتمت بيعته بالمهاجرين و البدريين و الأنصار و العقبيين المجاهدين في الدين و السابقين إلى الإسلام من المؤمنين و أهل البلاء الحسن مع النبي ص‏

91

من الخيرة البررة الصالحين و لم تكن بيعته(ع)مقصورة على واحد و اثنين و ثلاثة و نحوها في العدد كما كانت بيعة أبي بكر مقصورة على بعض أصحابه على بشير بن سعد فتمت بها عنده ثم اتبعه عليها من تابعه من الناس و قال بعضهم بل تمت ببشير بن سعد و عمر بن الخطاب و قال آخرون منهم بل تمت بالرجلين المذكورين و أبي عبيدة بن الجراح و سالم مولى أبي حذيفة و اعتمدوا في ذلك على أن البيعة للإمام لا تتم بأقل من أربعة نفر من المسلمين و قال بعضهم بل تمت بخمسة نفر بشير بن سعد و أسيد بن خضير من الأنصار و عمر و أبو عبيدة و سالم من المهاجرين ثم بايعه الناس بعد تمامها بالخمسة المذكورين و ممن ذهب إلى هذا المذهب الجبائي و ابنه و البقية من أصحابهما في هذا الزمان.

و قالوا في بيعة عمر بن الخطاب مثل ذلك فزعم من يذهب إلى أن البيعة تتم بواحد من الناس و هم جماعة من المتكلمين منهم الخياط و البلخي و أبو مجالد و من ذهب مذهبهم من أصحاب الاختيار أن الإمامة تمت لعمر بأبي بكر وحده و بعقده له إياه دون من سواه.

و كذلك قالوا في عثمان بن عفان و العقد له إنه تم بعبد الرحمن بن عوف خاصة و خالفهم على ذلك من أضاف إلى المذكورين غيرهم في العقد فزعم أن بيعة عمر انفردت من الاختيار له عن الإمام و عثمان إنما تم له الأمر ببيعة بقية أهل الشورى‏

92

و هم خمسة نفر أحدهم عبد الرحمن فاعترفت الجماعة من مخالفينا بما هو حجة عليهم في الاختلاف على أئمتهم و بشذوذ العاقدين لهم و انحصار عددهم بمن ذكرناه.

و ثبتت البيعة لأمير المؤمنين(ع)بإجماع من حوته مدينة الرسول من المهاجرين و الأنصار و أهل بيعه الرضوان و من انضاف إليهم من أهل مصر و العراق في تلك الحال من الصحابة و التابعين لهم بإحسان و لم يدع أحد من الناس أنها تمت له بواحد مذكور و لا إنسان مشهور و لا بعدد محصور فيقال تمت بيعته بفلان واحد أو فلان و فلان كما قيل في بيعة أبي بكر و عمر و عثمان.

وجوب طاعة أمير المؤمنين (ع)

. و إذا ثبت بالإجماع من وجوه المسلمين و أفاضل المؤمنين و الأنصار و المهاجرين العقد على إمامة أمير المؤمنين(ع)و البيعة له على الطوع و الإيثار و كان العقد على الوجه الذي ثبتت به إمامة الثلاثة قبله عند الخصوم بالاختيار و على أوكد منه بما ذكرناه في الرغبة إليه في ذلك من الإجماع عليه ممن سميناه من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان حسبما بيناه ثبت فرض طاعته و حرم على كل واحد من الخلق التعرض لخلافه و معصيته و وضح الحق في الحكم على مخالفيه و محاربيه بالضلال عن هدايته و القضاء بباطل مخالفة أمره و فسقهم بالخروج عن طاعته لما أوجب الله تعالى من طاعة أولياء أمره في محكم كتابه حيث يقول‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا

93

اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ فقرن طاعة الأئمة بطاعته و دل على أن المعصية لهم كمعصيته على حد سواء في حكمه و قضيته و أجمع أهل القبلة مع من ذكرناه على فسق محاربي أئمة العدل و فجورهم بما يرتكبونه بحكم السمع و العقل.

و إذا لم يكن أمير المؤمنين(ع)أحدث بعد البيعة العامة له ما يخرجه عن العدالة و لا كان قبلها على ظاهر خيانة في الدين و لا خرج عن الإمامة كان المارق عن طاعته ضالا فكيف إذا أضاف إلى ذلك حربا له و استحلالا لدمه و دماء المسلمين معه و يبغي بذلك في الأرض فسادا يوجب عليه التنكيل بأنواع العقاب المذكور في نص الكتاب من قوله تعالى‏ إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ‏.

و هذا بين لمن لم يحجب عنه الهوى و يصد عن فهمه العمى و الله ولي التوفيق‏

94

فصل في المتخلفين عن أمير المؤمنين (ع)

فإن قال قائل كيف يتم لكم دعوى الإجماع على بيعة أمير المؤمنين(ع)و قد علمتم أن الأخبار قد ثبتت بتخلف سعد بن أبي وقاص و عبد الله بن عمر بن الخطاب و أسامة بن زيد و محمد بن مسلمة و مظاهرتهم له بالخلاف فيما رآه من القتال.

قيل له أما تأخر من سميت عن الخروج مع أمير المؤمنين(ع)إلى البصرة فمشهور و رأيهم في القعود عن القتال معه ظاهر معروف و ليس ذلك بمناف لبيعتهم له على الإيثار و لا مضاد للتسليم لإمامته على الاختيار و الذي ادعى عليه الامتناع في البيعة أشكل عليه الأمر فظن أنهم لو تأخروا عن نصرته لكان ذلك منهم لامتناعهم عن بيعته و ليس الأمر كما توهم لأنه قد يعرض للإنسان شك فيمن تيقن سلطانه في صوابه و لا يرى السلطان حمله على ما هو شاك فيه لضرب من الرأي يقتضيه الحال في صواب التدبير و قد يعتقد الإنسان أيضا صواب غيره في شي‏ء و يحمله الهوى على خلافه فتظهر فيما صار إليه من ذلك شبهة تعذره عند كثير من الناس في فعاله و ليس كل من اعتقد طاعة إمامه كان مضطرا إلى وفاقه بل قد يجتمع الاعتقاد لحق‏

95

الرئيس المقدم في الدين مع العصيان له في بعض أوامره و نواهيه و لو لا أن ذلك كذلك لما عصى الله تعالى من يعرفه و لا خالف نبيه من يؤمن به و ليس هذا من مذهب خصومنا في الإمامة فتوضح عنه بما يكسر شبهة مدعيه على أن الأخبار قد وردت بإذعان القوم بالبيعة مع إقامتهم على ترك المساعدة و النصرة و تضمنت عذرا لهم زعموا في ذلك و جاءت بما كان من أمير المؤمنين(ع)فيما أظهروه من إنكاره له بحسب ما اقتضته الحال في مثله من الخطإ فيما ارتكبوه.

فَرَوَى أَبُو مِخْنَفٍ لُوطُ بْنُ يَحْيَى الْأَزْدِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي حَرْبِ الْبَصْرَةِ عَنْ أَصْحَابِهِ وَ رَوَى غَيْرُهُ مِنْ أَمْثَالِهِ مِنَ الرُّوَاةِ لِلسِّيَرِ عَنْ سَلَفِهِمْ وَ أَصْحَابِهِمْ‏

أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَمَّا هَمَّ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْبَصْرَةِ بَلَغَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَ ابْنِ مَسْلَمَةَ وَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَ ابْنِ عُمَرَ تَثَاقُلٌ عَنْهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا حَضَرُوا قَالَ لَهُمْ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكُمْ هَنَاتٌ كَرِهْتُهَا وَ أَنَا لَا أُكْرِهُكُمْ عَلَى الْمَسِيرِ مَعِي أَ لَسْتُمْ عَلَى بَيْعَتِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَمَا الَّذِي يُقْعِدُكُمْ عَنْ صُحْبَتِي فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ إِنِّي أَكْرَهُ الْخُرُوجَ فِي هَذَا الْحَرْبِ لِئَلَّا أُصِيبَ مُؤْمِناً فَإِنْ أَعْطَيْتَنِي سَيْفاً يَعْرِفُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ قَاتَلْتُ مَعَكَ وَ قَالَ لَهُ أُسَامَةُ أَنْتَ أَعَزُّ الْخَلْقِ عَلَيَّ وَ لَكِنِّي عَاهَدْتُ اللَّهَ أَنْ لَا أُقَاتِلَ أَهْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ كَانَ أُسَامَةُ قَدْ أَهْوَى بِرُمْحِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِلَى رَجُلٍ فِي الْحَرْبِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَخَافَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَشَجَرَهُ‏

96

بِالرُّمْحِ فَقَتَلَهُ وَ بَلَغَ النَّبِيَّ(ص)خَبَرُهُ فَقَالَ يَا أُسَامَةُ أَ قَتَلْتَ رَجُلًا يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذاً فَقَالَ(ص)لَهُ أَ لَا شَقَقْتَ قَلْبَهُ فَزَعَمَ أُسَامَةُ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)أَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ بِالسَّيْفِ مَا قَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ الْحَجَرَ فَكَسَرَهُ وَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَسْتُ أَعْرِفُ فِي هَذَا الْحَرْبِ شَيْئاً أَسْأَلُكَ أَلَّا تَحْمِلَنِي عَلَى مَا لَا أَعْرِفُ فَقَالَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَيْسَ كُلُّ مَفْتُونٍ معاتب [يُعَاتَبُ أَ لَسْتُمْ عَلَى بَيْعَتِي قَالُوا بَلَى قَالَ انْصَرِفُوا فَسَيُغْنِي اللَّهُ تَعَالَى عَنْكُمْ.

فقد اعترفوا له(ع)بالبيعة و أقاموا في تأخرهم عنه معاذير لم يقبلها منهم و أخبر أنهم بترك الجهاد معه مفتونون و لم ير الإنكار عليهم في الحال بأكثر مما أبداه من ذكر زللهم عن الصواب في خلافه و الشهادة بفتنتهم بترك وفاقهم له لأن الدلائل الظاهرة على حقه تغني عن محاجتهم بالكلام و معرفته بباطن أمرهم الذي أظهروا خلافه في الاعتذار يسقط عنه فرض التنبيه الذي يحتاج إليه أهل الرقدة عن البيان و قد قال الله تعالى في تأكيد ما ذكرناه و حجة على من وصفناه‏ بَلِ الْإِنْسانُ‏