جوامع السيرة النبوية

- ابن حزم الأندلسي‏ المزيد...
216 /
3

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم أخبرنى بتصانيف أبى محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسى الظاهرى، شيخنا الإمام الأوحد الرحالة أبو حيان محمد بن يوسف بن على ابن حيان الأندلسى الجيانى (رحمه اللّه تعالى)، قال: أخبرنى بتصانيف الإمام أبى محمد و جميع رواياته، الكاتب أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن هارون الطائى القرطبى بمدينة تونس و غيره، قالوا: أخبرنا قاضى الجماعة على مذهب أهل الحديث، أبو القاسم أحمد بن يزيد بن بقى (ح) (1) و أخبرنا الحافظ القاضى أبو على الحسن بن عبد العزيز بن أبى الأحوص عن ابن بقى أيضا، قال:

أخبرنا القاضى الخطيب أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعينى، و هو آخر من حدث عنه، قال: أخبرنا أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم (رحمة اللّه عليه).

و كان فى صدر الأصل الذي كتبت منه:

«كتب إلى القاضى أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعينى من حمص الأندلس، قال: أنبأنا أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهرى الحافظ، قال: و قرأت على أبى محمد بن عبد اللّه بن محمد ابن مرزوق اليحصبى الأندلسى بمصر، عن أبى بكر عبد الباقى بن محمد بن بريال الحجاري، قال (رحمه اللّه تعالى)»:

____________

(1) «ح» اختصار كلمة «تحويل»، و هو اصطلاح للمحدثين يستخدمونه للإشارة إلى تحويل الإسناد من أوله.

4

باب نسب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)

(1) هو أبو القاسم محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب- و اسمه شيبة الحمد- ابن هاشم،- و اسمه عمرو- بن عبد مناف- و اسمه المغيرة- ابن قصى- و اسمه زيد- بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

هاهنا انتهى النسب الصحيح الذي لا شك فيه.

و عدنان بلا شك من ولد إسماعيل الذبيح. (2) رسول اللّه، ابن إبراهيم خليل اللّه و رسوله، صلى اللّه على سيدنا محمد، و عليهما و على جميع رسله و أنبيائه.

و فى عبد المطلب يجتمع معه( عليه السلام): بنو على، و جعفر، و عقيل- بنى أبى طالب-، و بنو العباس، و بنو الحارث، و بنو أبى لهب‏

و فى عبد مناف يجتمع معه: بنو أمية، و سائر بنى عبد شمس، و بنو المطلب، و بنو نوفل.

و فى قصى يجتمع معه: بنو عبد العزى، و بنو عبد الدار، الذين منهم حجبة الكعبة.

و فى كلاب يجتمع معه: بنو زهرة، و أمه منهم، و هى آمنة بنت وهب.

ابن عبد مناف بن زهرة.

____________

(1) انظر نسبه فى زاد المعاد ج 1 و ابن كثير.

(2) الذبيح: سمى بهذا الاسم تأكيدا لقوله تعالى فى سورة الصافات الآية 102: (يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك ...).

5

و فى مرة يجتمع معه: بنو تميم بن مرة، و بنو مخزوم بن يقظة بن مرة.

و فى كعب يجتمع معه: بنو عدى، و بنو جمح، و بنو سهم.

و فى لؤيّ يجتمع معه: بنو عامر بن لؤيّ.

و فى غالب يجتمع معه: بنو تيم الأدرم.

و فى فهر يجتمع معه: بنو الحارث، و بنو محارب. و فهو هذا: هو أبو قريش كلها، من لم يكن من ولده فلا نسب له فى قريش، و من كان من ولد فهر فهو قرشى.

و فى كنانة يجتمع معه: كل من ينتمى إلى كنانة من بنى عبد مناة، و ملك، و ملكان، و حدال، و عمرو بن كنانة.

و فى خزيمة يجتمع معه: بنو أسد، و القارة، و هم بنو الهون بن خزيمة.

و فى مدركة يجتمع معه: بنو هذيل.

و فى إلياس يجتمع معه: بنو تميم و إخوتهم، و بنو ضبة، و مزينة، و الرباب، و خزاعة، و أسلم. فأما الرباب فهم: تيم، و عدى، و ثور، و عكل.

و فى مضر يجتمع معه: قبائل قيس كلها: سليم، و مازن، و فزارة، و عبس، و أشجع، و مرة، و سائر بنى ذبيان، و غطفان؛ و عقيل، و قشير، و الحريش، و جعدة، و العجلان، و كلاب، و البكاء، و هلال، و سواءة، و بنو جشم، و بنو نصر، و ثقيف، و سعد، و سائر هوازن، و محارب، و عدوان، و فهم، و باهلة، و غنى، و الطفاوة، و سائر قيس.

و فى نزار يجتمع معه: قبائل ربيعة، كبكر، و تغلب، و عنز- بنى وائل، و عبد القيس و قبائلها، و عنزة، و النمر بن قاسط.

6

و فى معد يجتمع معه: إياد، بلا شك.

و فى عدنان يجتمع معه: بنوعك، و غافق.

و فى إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، يجتمع معه: بنو إسرائيل، و من عرف نسبه من بنى عيصاد بن إسحاق أخى يعقوب، و ذلك لا يوجد اليوم.

و أما قضاعة و قبائل قحطان، و هم أهل اليمن، فاللّه أعلم بتشعبهم، إلا أنهم يجتمعون معه فى نوح، بلا شك، و باللّه تعالى التوفيق.

مولده و مبعثه و سنه و وفاته (صلى اللّه عليه و سلم)

ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة، و عاش يتيما، إذ مات أبوه و هو( عليه السلام) لم يكمل له ثلاث سنين‏ (1)، و ماتت أمه و هو لم يستكمل سبع سنين.

و كفله جده عبد المطلب، و مات عبد المطلب و لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثمانى سنين.

ثم كفله عمه أبو طالب، و كان به رفيقا، و قد خفف اللّه تعالى بذلك من عذابه، فهو أخف أهل النار عذابا.

و أتته( عليه السلام) النبوة من عند اللّه عز و جل، و هو فى غار حراء، و هو( عليه السلام) ابن أربعين سنة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، أسلم فيها رجال من أصحابه و نساء.

ثم هاجر إلى المدينة، إذ أكرم اللّه الأنصار (رضوان اللّه عليهم) بذلك، فأقام بالمدينة عشر سنين.

____________

(1) يرى بعض المؤرخين هذا و الأرجح أن أباه مات و هو جنين فى بطن أمه.

7

مات( عليه السلام) بها، و قبره فيها، فى المسجد، فى بيته الذي كان بيت عائشة أم المؤمنين (رضوان اللّه عليها)، و فيه دفن (صلى اللّه عليه و سلم).

ابتدأه وجعه فى بيت عائشة، و اشتد أمره فى بيت ميمونة أم المؤمنين (رضوان اللّه عليها)، فمرض فى بيت عائشة بإذن نسائه، (رضوان اللّه عليهن)، بذلك.

و صلى الناس عليه أفذاذا (1)، و كفن فى ثلاثة أثواب بيض سحولية قطنية، ليس فيها قميص و لا سراويل و لا عمامة؛ و لحد له فى قبره، و هو الحفرة تحت جرف القبر.

و تولى غسله على و العباس عمه، و الفضل، و قثم، ابنا العباس، و أسامة بن زيد مولاه، و شقران مولاه أيضا، رضى اللّه عنهم.

و دخل فى قبره على بن أبى طالب (رضوان اللّه عليه)، و الفضل، و قثم، و شقران، و قيل: أوس بن خولى الأنصاري.

و قد قيل: إن المغيرة بن شعبة نزل فى قبره بحيلة.

و سجى ببرد حبرة، و وضعت فى قبره قطيفة كان يتغطاها.

و مات و له ثلاث و ستون سنة- ولد ليوم الاثنين، لثمان بقين من ربيع الأول، و نبى يوم الاثنين لأيام خلت من ربيع الأول، و هاجر يوم الاثنين، لأيام خلت لربيع. و مات (صلى اللّه عليه و سلم) يوم الاثنين لثمان خلون لربيع الأول؛ و قد قيل غير ذلك.

و لم يختلف فى أنه( عليه السلام) مات يوم الاثنين و دفن ليلة الأربعاء، و قيل: يوم الثلاثاء.

____________

(1) أفذاذا: فرادى ليس لهم إمام.

8

و كانت علته اثنى عشر يوما، و قيل: أربعة عشر يوما، ابتدأ به صداع و تمادى به، و كان ينفث فى علته شيئا يشبه نفث آكل الزبيب.

و مات بعد أن خيره اللّه عز و جل بين البقاء فى الدنيا و لقاء ربه عز و جل فاختار( عليه السلام) لقاء ربه تعالى.

أعلام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)

(1)

1- منها القرآن، الذي دعا العرب و غيرهم- مذ بعثه اللّه عز و جل، قرنا قرنا إلى يومنا هذا، و إلى يوم القيامة- إلى أن يأتوا بمثله إن شكوا فى صدقه، فأعجز اللّه تعالى عن ذلك جميع البلغاء، و منع الجن عن ذلك و غيرهم، قال تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى‏ عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (2) و قال تعالى:

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (3).

2- و شق اللّه تعالى له القمر بمكة، إذ سألته قريش آية، فأنزل اللّه تعالى فى ذلك: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ. وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (4).

3- و أطعم النفر الكثير فى منزل جابر، و فى منزل أبى طلحة يوم الخندق:

____________

(1) أعلام: أى علامات النبوة، و هى المعجزات.

(2) سورة البقرة الآية 22.

(3) سورة يونس الآية 38.

(4) سورة القمر الآيتان 1، 2.

9

مرة ثمانين رجلا من أربعة أمداد من شعير و عناق.

و مرة أكثر من ذلك، من أقراص من شعير، حملها أنس بن مالك فى يده.

و مرة أطعم جميع الجيش، و هم تسعمائة، من تمر يسير أتت به ابنة بشير بن سعد فى يدها، فأكلوا منه حتى شبعوا، و فضلت منه فضلة.

4- و نبع الماء من بين أصابعه، فشرب منه العسكر كلهم و هم عطاش، و توضئوا كلهم، كل ذلك من قدح صغير ضاق عن أن يبسط فيه (صلى اللّه عليه و سلم) يده المكرمة.

و أهراق‏ (1) من وضوئه فى عين تبوك، و لا ماء فيها، و مرة أخرى فى بئر الحديبية، فجاشتا بالماء، فشرب من عين تبوك أهل الجيش، و هم ألوف، حتى رووا كلهم، و فاضت إلى يوم القيامة. و شرب من بئر الحديبية ألف و أربعمائة، حتى رووا كلهم، و لم يكن فيها قبل ذلك ماء.

5- و أمر( عليه السلام) عمر بن الخطاب (رضوان اللّه عليه) أن يزود أربعمائة راكب من تمر كان فى اجتماعه كربضة البعير، فزودهم كلهم منه، و بقى بجثته كما كان.

6- و رمى الجيش بقبضة من تراب، فعميت عيونهم، و نزل بذلك القرآن فى قوله تعالى: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏ (2)

7- و أبطل عز و جل الكهانة بمبعثه، فانقطعت، و كانت ظاهرة موجودة.

____________

(1) أهراق أى صب من ماء وضوئه فى البئر فغاض ماءها.

(2) سورة الأنفال الآية 17.

10

8- و حن إليه الجذع الذي كان يخطب إليه، إذ عمل له المنبر، حتى سمع منه جميع الحاضرين مثل صوت الإبل، فضمه إليه، فسكن.

و موضع الجذع معروف إلى اليوم، موقف عليه.

9- و دعا اليهود إلى تمنى الموت، و أخبرهم أنهم لا يتمنونه، فحيل بينهم و بين النطق بذلك، و هذا منصوص فى القرآن.

10- و أخبر بالغيوب.

و أنذر بأن عمار تقتله الفئة الباغية.

و أن عثمان رضى اللّه عنه تصيبه بلوى و له الجنة.

و أن الحسن بن على (رضوان اللّه عليهما) سيد يصلح اللّه به بين فئتين.

عظيمتين من المسلمين، فكان كل ذلك.

و أخبر عن رجل قاتل فى سبيل اللّه عز و جل بأنه من أهل النار، فظهر ذلك، بأن ذلك الرجل قتل نفسه.

و هذه الأشياء لا تعرف البتة بشي‏ء من وجوه تقدمة المعرفة، لا بنجوم، و لا بكتف، و لا بخط، و لا بزجر.

11- و اتبعه سراقة بن مالك بن جعشم، فساخت قدما فرسه فى الأرض، ثم أخرجهما و أتبعه دخان، حتى استعاذه سراقة، فدعا له، فانطلقت الفرس.

12- و أنذر بأن ستوضع فى ذراعيه سوار كسرى، فكان كذلك.

13- و أخبر بقتل الأسود العنسى الكذاب ليلة قتله، و هو بصنعاء اليمن، و أخبر بمن قتله.

11

14- و أنذر بموت النجاشى، و بينه و بينه البحر الملح، و مسيرة أيام فى البر، و خرج هو و جميع أصحابه إلى البقيع، فصلوا عليه فوجد قد مات ذلك اليوم، إذ ورد الخبر بذلك.

15- و خرج من بيته على مائة من قريش ينتظرونه ليقتلوه بزعمهم، فوضع التراب على رءوسهم، و لم يروه.

16- و شكا إليه البعير بحضرة أصحابه و تذلل له.

17- و قال لنفر من أصحابه: أحدكم فى النار ضرسه مثل أحد، فماتوا كلهم على الإسلام و ارتد منهم واحد: و هو الرحال الحنفى، فقتل مرتدا مع مسيلمة الكذاب، لعنهما اللّه تعالى.

18- و قال لآخرين منهم: آخركم موتا فى النار، فسقط آخرهم موتا فى النار، فاحترق فمات.

19- و دعا شجرتين فأتتاه فاجتمعتا، ثم أمرهما فافترقتا.

20- و كان (صلوات اللّه و سلامه عليه) نحو الربعة، فإذا مشى مع الطوال طالهم.

21- و دعا النصارى إلى المباهلة بالتلاعن، فامتنعوا، و أخبر أنهم إن فعلوا ذلك هلكوا كلهم، فعلموا صحة قوله، فامتنعوا.

22- و أتاه عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، و أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب، و هما فارسا العرب و فاتكاهم، عازمين على قتله، فحال اللّه بينهما و بين ذلك؛ و ضرب بين أربد و بينه، (صلى اللّه عليه و سلم)، مرة بعامر، و مرة بسور،

12

و دعا عليهما، فهلك عامر فى وجهه من منصرفه عنه( عليه السلام)، و أهلك أربد الصاعقة، أحرقته، لعنهما اللّه.

23- و أخبر أنه يقتل أبى بن خلف الجمحى، فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا، فكانت منيته منها.

24- و أطعم السم، فمات من أكله معه لحينه، و عاش هو (صلى اللّه عليه و سلم) بعد ذلك بأربع سنين؛ و كلمه ذراع الشاة المسمومة بأنه مسموم.

25- و أخبر أصحابه يوم بدر بمصارع صناديد قريش، و وقفهم على مصارعهم رجلا رجلا، فلم يتعد واحد منهم ذلك الموضع.

26- و أنذر بأن طوائف من أمته يغزون فى البحر، و قال لأم حرام بنت ملحان: أنت منهم؛ فكانت منهم؛ و صح غزو طائفة من أمته فى البحر.

27- و زويت‏ (1) له الأرض، فأرى مشارقها و مغاربها، و أنذر ببلوغ ملك أمته ما زوى له منها، فكان ذلك؛ و بلغ ملكهم من أول المشرق إلى بلاد السند و الترك إلى آخر المغرب من سواحل البحر المحيط بالأندلس و بلاد البربر، و لم يتسعوا فى الجنوب و الشمال كل الاتساع، أعنى مثل اتساعهم شرقا و غربا، فكان كما أخبر سواء بسواء.

28- و أخبر فاطمة ابنته (رضوان اللّه عليها) أنها أول أهله لحاقا به، فكان كذلك.

____________

(1) فرويت: أى طويت و تكشفت له.

13

29- و أخبر نساءه (رضوان اللّه عليهن) بأن أطولهن يدا أسرعهن لحاقا به، فكانت زينب بنت جحش الأسدية أطولهن يدا بالصدقة، و أو لهن موتا بعده.

30- و مسح ضرع شاة فدرت، فكان ذلك سبب إسلام عبد اللّه ابن مسعود. و مرة أخرى فى خيمتى. أم معبد الخزاعية.

31- و ندرت‏ (1) عين بعض أصحابه، و هو قتادة، فسقطت، فردها، فكانت أصح عينيه و أحسنهما.

32- و تفل فى عينى على (رضوان اللّه عليه)، و هو أرمد، يوم خيبر، فصح من حينه، و لم يرمد بعدها، و بعثه بالراية و قد قال: لا ينصرف حتى يفتح اللّه عليه، فكان كما قال، لم ينصرف (كرم اللّه وجهه)، إلا بالفتح.

33- و كانوا يسمعون تسبيح الطعام بين يديه.

34- و أصيبت رجل بعض أصحابه، فمسحها، فبرئت من حينها.

35- و قل زاد جيش كان فيه، فدعا بجميع ما بقى من الزاد، فاجتمع منه شي‏ء يسير جدا، فدعا عليه بالبركة، ثم أمرهم فأخذوا، فلم يبق وعاء فى العسكر إلا ملئ.

36- و حكى الحكم بن أبى العاص مشيته مستهزئا، فقال له: كذلك فكن، فلم يزل يرتعش إلى أن مات.

____________

(1) نذرت: أى خرجت.

14

37- و خطب أمامة بنت الحارث بن عوف بن أبى حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، و كان أبوها أعرابيا جافيا، سيد قومه، فقال: إن بها بياضا، و كانت العرب تكنى بهذا البرص، فقال له (صلوات اللّه و سلامه عليه): لتكن كذلك؛ فبرصت من وقتها، و انصرف أبوها، فرأى ما حدث بها، فتزوجها ابن عمها، يزيد بن جمرة بن عوف ابن أبى حارثة، فولدت له الشاعر شبيب بن يزيد، و هو المعروف بابن البرصاء.

إلى غير ذلك من آياته و معجزاته (صلى اللّه عليه و سلم)؛ و إنما أتينا بالمشهور المنقول تقل التواتر. و باللّه التوفيق.

حجه (صلى اللّه عليه و سلم) و كم اعتمر فى الاسلام‏

حج (صلى اللّه عليه و سلم) و اعتمر قبل النبوة و بعدها قبل الهجرة، حججا و عمرا لا يعرف عددا.

و لم يحج بعد أن هاجر إلى المدينة إلا حجة واحدة، و هى حجة الوداع، سنة عشر.

و اعتمر بعد أن هاجر إلى المدينة عمرتين مفردتين، قصد لهما و أتمهما:

إحداهما: عمرة القضية، قصد لها من المدينة سنة سبع، فأتمها فى ذى القعدة؛ و الأخرى: عمرته من الجعرانة، عام ثمان، إثر وقعة حنين فى ذى القعدة أيضا.

و اعتمر عمرة ثالثة، قرنها مع حجته التي ذكرنا، قصد لهما من المدينة، أهل بهما فى ذى القعدة، و أتمهما فى ذى الحجة.

15

و كان خرج ليعتمر من المدينة، فصده المشركون و قد بلغ الحديبية، فحل( عليه السلام) بها و نحر الهدى، و رجع هو و أصحابه، (رضوان اللّه عليهم أجمعين).

غزواته (صلى اللّه عليه و سلم)

غزا (صلوات اللّه و سلامه عليه) خمسا و عشرين غزوة، و هى على ترتيبها:

أولها غزوة و دان و هى الأبواء، ثم غزوة بواط و هى من ناحية رضوى، ثم عزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى يطلب كرز بن جابر، ثم بدر الثانية، و هى البطشة التي أعز اللّه تعالى فيها الإسلام، و أهلك رءوس الكفرة، ثم غزوة بنى سليم حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب، ثم غزوة غطفان و هى غزوة ذى أمر، ثم غزوة نجران، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل، ثم بدر الآخرة، ثم دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، و هى آخر غزوة غزاها أهل الكفر إليه، ثم غزوة بنى قريظة، ثم غزوة بنى لحيان من هذيل، ثم غزوة ذى قرد، ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة الفتح- فتح مكة- ثم غزوة حنين إلى هوازن، ثم الطائف، ثم تبوك.

قاتل منها فى تسع: و هى بدر المعظمة، و هى بدر القتال، و هى بدر البطشة، و قاتل (صلى اللّه عليه و سلم) فى أحد و الخندق و قريظة و المصطلق و خيبر و الفتح و حنين و الطائف.

و قيل: إنه عليه الصلاة و السلام قاتل فى وادى القرى و الغابة، و لم يكن فى سائرها أصلا، و باللّه التوفيق.

16

بعوثه (صلى اللّه عليه و سلم)

1- بعث (صلى اللّه عليه و سلم) عبيدة بن الحارث بن المطلب أسفل ثنية المرة.

2- و بعث حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر من ناحية العيص.

و كان هذان البعثان متقاربين جدا أو معا، فلذلك اختلف فى أيهما كان قبل، و هما أول بعوثه، و أول راية عقدها.

3- و بعث سعد بن أبى وقاص إلى الخرار.

4- و بعث عبد اللّه بن جحش إلى نخلة.

5- و بعث زيد بن حارثة مولاه إلى القردة.

6- و بعث محمد بن مسلمة الأنصاري إلى قتل كعب بن الأشرف.

7- و بعث مرثد بن أبى مرثد الغنوى إلى الرجيع.

8- و بعث المنذر بن عمرو الأنصاري إلى بئر معونة.

9- و بعث عبد اللّه بن عتيك إلى قتل سلام بن أبى الحقيق، بخيبر.

10- و بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى ذى القصة، من طريق العراق.

11- و بعث عمر بن الخطاب إلى تربة، من أرض بنى عامر.

12- و بعث على بن أبى طالب إلى اليمن.

13- و بعث غالب بن عبد اللّه الليثى إلى الكديد، إلى بنى الملوح من بنى كنانة.

14- و بعث على بن أبى طالب إلى بنى عبد اللّه بن سعد، من أهل فدك.

15- و بعث ابن أبى العوجاء السلمى إلى بنى سليم.

16- و بعث عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمرة.

17

17- و بعث أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومى إلى قطن، ماء لبنى أسد بناحية نجد.

18- و بعث محمد بن مسلمة الأنصاري من بنى حارثة بن الأوس، إلى القرطاء، من هوزان.

19- و بعث بشير بن سعد الأنصاري، من بنى الحارث بن الخزرج، إلى ناحية خيبر.

20- و بعث زيد بن حارثة إلى الجموم، من أرض بنى سليم.

21- و بعث زيدا أيضا إلى جذام، من أرض حسمى.

22- و بعث زيدا أيضا إلى الطرف، من ناحية نخل من طريق العراق.

23- و بعث أبا بكر رضى اللّه عنه إلى فزارة.

24- و بعث أبا عامر الأشعرى عم أبى موسى إلى أوطاس.

25- و بعث زيدا أيضا إلى فزارة، فقتل أم قرفة و غيرها.

26- و بعث عبد اللّه بن رواحة إلى خيبر.

27- و بعث مرة أخرى عبد اللّه بن عتيك إلى خيبر، لقتل أبى رافع بن أبى الحقيق.

28- و بعث عبد اللّه بن أنيس الجهنى لقتل خالد بن سفيان الهذلى، فقتله عبد اللّه، بعثه( عليه السلام) لذلك وحده، و جعل له( عليه السلام) آية عند لقائه أن تأخذ عبد اللّه رعدة، فكان كما قال( عليه السلام).

29- و بعث الأمراء: عليهم زيد بن حارثة، فإن قتل فعليهم جعفر بن أبى طالب، فإن قتل فعليهم عبد اللّه بن رواحة. فقتلوا كلهم (رضوان اللّه عليهم) بمؤتة فى أول الشام، لقوا هنالك عساكر النصارى من‏

18

الروم و متنصرة العرب، و أخذ الراية خالد بن الوليد، فانحاز بالمسلمين.

30- و بعث كعب بن عمير الغفارى إلى ذات أطلاح، من أرض الشام.

31- و بعث عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى إلى بنى العنبر من بنى تميم.

32- و بعث غالب بن عبد اللّه الليثى إلى أرض بنى مرة، فأصابوا فى الحرقات من جهينة.

33- و بعث خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة من بنى كنانة.

34- و بعث خالدا أيضا إلى اليمن.

35- و بعث عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من أرض بنى عذرة، و أمده بجيش عليهم أبو عبيدة.

36- و بعث عبد اللّه بن أبى حدرد الأسلمى إلى بطن إضم.

37- و بعث ابن أبى حدرد أيضا إلى الغابة.

38- و بعث عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل.

39- و بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر.

40- و بعث عمرو بن أمية الضمرى إلى قتل أبى سفيان صخر بن حرب ابن أمية، فلم يمكنه ذلك و لم يتهيأ له.

41- و بعث زيد بن حارثة إلى مدين.

42- و بعث سالم بن عمير إلى أبى عفك، من بنى عمرو بن عوف، فقتله.

43- و بعث عمرو بن عدى الخطمى إلى عصماء بنت مروان، من بنى أمية ابن زيد، فقتلها.

19

44- و بعث بعثا أسر فيه ثمامة بن أثال الحنفى.

45- و بعث علقمة بن مجزز المدلجى.

46- و بعث كرز بن جابر خلف الذين قتلوا الرعاء و سملوا عيونهم.

47- و بعث أسامة بن زيد إلى الشام، و هو آخر بعوثه، مات (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن ينفذه، فأنفذه أبو بكر الصديق، (رضوان اللّه عليهم) و رحمته و بركاته، و باللّه التوفيق.

صفته و أسماؤه (صلى اللّه عليه و سلم)

كان (صلى اللّه عليه و سلم) ليس بالطويل البائن، و لا بالقصير، و لا بالأبيض الأمهق، و لا الآدم‏ (1)، و لا بالجعد القطط، و لا السبط، رجل الشعر، أزهر اللون، مشربا بحمرة فى بياض ساطع، كأن وجهه القمر حسنا، ضخم الكراديس، أوطف الأشفار (2)، أدعج العينين، فى بياضهما عروق حمر رقاق، حسن الثغر، واسع الفم، حسن الأنف، إذا مشى كأنه يتكفأ، إذا التفت التفت بجميعه، كثير النظر إلى الأرض، ضخم اليدين لينهما، قليل لحم العقبين، كث اللحية واسعها، أسود الشعر، ليس لرجليه أخمص، إذا طول شعره فإلى شحمة أذنيه و مع كتفه، و إذا قصره فإلى أنصاف أذنيه، لم يبلغ شيب رأسه و لحيته عشرين شيبة.

و هو: محمد، (صلى اللّه عليه و سلم)، و أحمد، و الماحى: يمحو اللّه به الكفر، و الحاشر: يحشر الناس على عقبيه، و العاقب: ليس بعده نبى، و المقفى، و نبى التوبة، و نبى الملحمة، و سماه اللّه تعالى: رءوفا رحيما.

____________

(1) الآدم: الأسمر. و الأمهق، أى الذي ليس بياضه شديدا.

(2) الكراديس، أى ضخم عظم المفاصل و طويل أهداب العينين.

20

و كان على نغض كتفه الأيسر خاتم النبوة، كأنه بيضة حمام، لونه لون جسده، عليه خيلان‏ (1)، و من فوقه شعرات.

أمراؤه (صلى اللّه عليه و سلم)

باذان الفارسى على اليمن كلها، و هو باذان بن ساسان بن بلاش، ابن الملك جاماسف، بن الملك فيروز بن يزدجرد الملك، بن بهرام جور الملك، فلما مات باذان ولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ابنه شهر بن باذان صنعاء و أعمالها فقط.

و ولى المهاجر بن أبى أمية بن المغيرة كندة و الصدف.

و ولى زياد بن لبيد البياضى الأنصاري حضر موت.

و ولى أبا موسى الأشعرى زبيد و عدن و رمع و الساحل.

و ولى معاذ بن جبل الجند.

و ولى عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس مكة و إقامة الموسم و الحج بالمسلمين سنة ثمان، و هو دون العشرين سنة.

و ولى أبا سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس نجران.

و ولى يزيد بن أبى سفيان صخر بن حرب على تيماء.

و ولى خالد بن سعيد بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس على صنعاء بعد قتل شهر بن باذان، و قتل شهر بن باذان، (رحمة اللّه عليه)، الأسود العنسى الكذاب لعنه اللّه.

و ولى أخاه عمرو بن سعيد على وادى القرى.

____________

(1) خيلان جمع خال و هى الشامة فى جسم الانسان.

21

و ولى أخاهما الحكم بن سعيد على قرى عرينة، و هى فدك و غيرها.

و ولى أخاهم أبان بن سعيد على مدينة الخط بالبحرين، و هى التي تنسب إليها الرماح.

و ولى العلاء بن الحضرمى حليف بنى سعيد بن العاص على القطيف بالبحرين.

و ولى عمرو بن العاص على عمان و أعمالها.

و ولى عثمان بن أبى العاص الثقفى على الطائف.

و ولى محمية بن جزء بن عبد يغوث بن عويج بن عمرو بن زبيد الزبيدى على الأخماس التي بحضرته، (صلى اللّه عليه و سلم)، قيل: و هو حليف بنى جمح.

و ولى على بن أبى طالب، (كرم اللّه وجهه)، على الأخماس باليمن، و القضاء بها.

و ولى معيقيب بن أبى فاطمة الدوسى حليف بنى أمية بن عبد شمس على خاتمه (صلى اللّه عليه و سلم).

و ولى عدى بن حاتم على صدقات بنى أسد.

و ولى مالك بن نويرة اليربوعى على صدقات بنى حنظلة بن زيد مناة ابن تميم.

و ولى قيس بن عاصم المنقرى، و الزبرقان بن بدر على صدقات بنى سعد ابن زيد مناة بن تميم.

و ولى عمر بن الخطاب على بعض من الصدقات أيضا، و جماعة كثيرة على الصدقات أيضا، لأنه كان على كل قبيلة وال يقبض صدقاتها.

و ولى أبا بكر الصديق على موسم سنة تسع، و خليفته على ولاية الأمور كلها أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه.

22

فصل‏

كان عمرو بن عبسة السلمى صديق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى الجاهلية (1).

و كان عياض بن حمار بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع ابن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم، حرمى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى الجاهلية، و يعنى ذلك أن قريشا كانت من الحمس، و كانت بنو مجاشع من الحلة، و هما دينان من أديان العرب فى الجاهلية، فكان الحل لا يطوف بالبيت إلا عريانا إلا أن يعيره رجل من الحمس ثيابا يطوف بها؛ فكان عياض يطوف فى ثياب رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم) و عياض هذا: ابن عم الأقرع ابن حابس بن عقال لحا.

و كان الضحاك بن سفيان الكلابى سيافه، (صلى اللّه عليه و سلم)؛ و باللّه التوفيق.

كتابه (صلى اللّه عليه و سلم)

على بن أبى طالب، و عثمان، و عمر، و أبو بكر، و خالد بن سعيد بن العاص، و أبى بن كعب الأنصاري، و حنظلة بن الربيع الأسيدى، و يزيد ابن أبى سفيان، و زيد بن ثابت الأنصاري من بنى النجار، و معاوية بن أبى سفيان.

و كان زيد بن ثابت من ألزم الناس لذلك، ثم تلاه معاوية بعد الفتح.

فكانا ملازمين الكتابة بين يديه، (صلى اللّه عليه و سلم)، فى الوحى و غير ذلك، لا عمل لهما غير ذلك.

____________

(1) يقول بعض المؤرخين إنه لم يكن صديقا للرسول( عليه السلام) فى الجاهلية و إنما كان سباقا إلى الإسلام حتى قيل إنه كان ربع الإسلام عند إسلامه.

23

فصل‏

كان قيس بن سعد بن عبادة الساعدى من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير.

و وقف المغيرة بن شعبة الثقفى على رأسه بالسيف يوم الحديبية.

و كان بلال بن رباح على نفقاته.

و كانت أم أيمن دايته.

و كان أنس بن مالك خادمه.

و كان ذؤيب بن حلحلة بن عمرو الخزاعى، والد الفقيه قبيصة بن ذؤيب، صاحب بدن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) التي أهدى، و الناظر عليها.

و قد أذن عليه رباح الأسود مولاه، و أبو موسى الأشعرى.

و كان ابن أم مكتوم الأعمى، و هو من بنى عامر بن لؤيّ، و اسمه عمرو ابن قيس بن زائدة بن الأصم، و اسمه جندب، بن هزم بن رواحة بن حجر ابن عبد بن معيص بن عامر بن لؤيّ: مؤذنه مع بلال.

و حجمه أبو طيبة من الأنصار.

و كان شعراؤه الذين يذبون عن الإسلام بألسنتهم: كعب بن مالك الأسلمى، و عبد اللّه بن رواحة من بنى الحارث بن الخزرج، و حسان بن ثابت من بنى النجار، كلهم من الخزرج من الأنصار.

و خطيبه ثابت بن قيس بن الشماس.

و فارسه أبو قتادة الأنصاري.

و ضيفه أبو أيوب خالد بن زيد من بنى النجار.

24

و اتخذ (صلى اللّه عليه و سلم) خاتم ذهب، ثم رماه و تبرأ منه؛ و اتخذ خاتم فضة، فصه منه، نقشه: محمد، رسول، اللّه، ثلاثة أسطر: كان يحبسه فى خنصره المقدس فى يساره، و ربما فى يمينه المقدسة، يجعل فصه إلى باطن كفه، و نهى أن ينقش أحد على نقشه، كما نهى أن يتكنى أحد بكنيته، فلا يحل شي‏ء من ذلك. فلم يزل الخاتم فى يده إلى أن مات، ثم فى يد أبى بكر، ثم عمر، ثم فى يد عثمان، فلما كان فى السنة السادسة من خلافته سقط من يده فى بئر أريس؛ فنزحت البئر، و أخرج منها أكوام من طين، فلم يوجد الخاتم، فإنا اللّه و إنا إليه راجعون، فإنه كان أثرا مباركا فذهب.

رسله (صلى اللّه عليه و سلم)

بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قبل الفتح و بعد الحديبية، رسله إلى الملوك:

1- فبعث دحية بن خليفة الكلبى، إلى قيصر ملك الروم، و اسمه هرقل.

2- و بعث عبد اللّه بن حذافة السهمى إلى كسرى أبرويز بن هرمز، ملك الفرس.

3- و بعث عمرو بن أمية الضمرى، إلى النجاشى ملك الحبشة.

4- و بعث حاطب بن أبى بلتعة اللخمى، إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، و مصر.

5- و بعث عمرو بن العاص؛ إلى جيفر و عياذ ابنى الجلندى الأزديين، ملكى عمان.

6- و بعث سليط بن عمرو أحد بنى عامر بن لؤيّ، إلى هوذة بن على، الملك على اليمامة، و إلى ثمامة بن أثال، الحنفيين.

25

7- و بعث العلاء بن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى العبدى ملك البحرين.

8- و بعث شجاع بن وهب الأسدي، من أسد خزيمة، إلى الحارث ابن أبى شمر الغسانى، و ابن عمه جبلة بن الأيهم، ملكى البلقاء من عمل دمشق.

9- و بعث المهاجر بن أبى أمية المخزومى، إلى الحارث بن عبد الملك الحميرى، أحد مقاولة اليمن.

10- و بعث معاذ بن جبل إلى جملة اليمن، داعيا إلى الإسلام، فأسلم جميع ملوكهم، كذى الكلاع و ذى ظليم و ذى زرود و ذى مران و غيرهم.

و أسلم سائر الملوك الذين ذكرنا قبل أنهم أرسل إليهم( عليه السلام). و أسلم قومهم، حاشا قيصر و المقوقس و هوذة و كسرى و الحارث بن أبى شمر و النجاشى، و هو غير الذي هاجر إليه أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، مات ذلك (رضوان اللّه عليه) مسلما، و أتى الوحى إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بموته، فنعاه إلى المسلمين، و خرج بهم إلى البقيع، وصف أصحابه صفوفا، و صلى عليه، و كبر عليه أربعا، و كان يكتم قومه إسلامه خوفا منهم.

و تأخر إسلام ثمامة بن أثال، ثم أسلم مختارا بعد ذلك.

و أما قيصر فهم بالإسلام، فغلبه قومه، فلم يسلم.

و أما المقوقس فقارب، و هادى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، مأبورا و هو عبد مجبوب، و البغلة الشهباء، التي كانت تسمى الدلدل، و جاريتين: إحداهما مارية أم ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) (1)، و الأخرى أختها سيرين، وهبها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن، فهو ابن خالة إبراهيم‏

____________

(1) و من أجلها قال عليه الصلاة و السلام: «أوصيكم بأهل مصر خيرا فإن لكم فيهم نسبا و صهرا»

26

ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و أما البغلة فكان يركبها إلى أن مات، ثم كانت عند على بن أبى طالب إلى أن مات، قيل: ثم صارت عند عبد اللّه بن جعفر ابن أبى طالب، و كان يجش لها الشعير لطول عمرها، إلى أن نفقت أيام معاوية.

و أما كسرى فكان أقبح القوم ردا، و مزق كتابه، فدعا عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فمزق اللّه ملكه أولا، ثم ملك الفرس جملة. و كان (صلوات اللّه و سلامه عليه) له رسل كثير إلى قبائل العرب.

نساؤه (صلى اللّه عليه و سلم)

أول أزواجه (صلى اللّه عليه و سلم): خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب، تزوجها عليه الصلاة و السلام و هو ابن خمس و عشرين سنة، و ماتت رضى اللّه عنها قبل الهجرة بثلاث سنين، و لم يتزوج غيرها حتى ماتت. و كانت قبله عند عتيق بن عابد بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، فولدت له عبد اللّه، ثم خلف عليها أبو هالة، و اسمه هند بن زرارة بن النباش ابن عدى بن حبيب بن صرد بن سلامة بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، فولدت له ابنين ذكرين، و هما: هند و الحارث، و ابنة اسمها زينب. فأما هند بن هند فشهد أحدا، و سكن البصرة، و روى عنه الحسن بن على ابن أبى طالب. و أما الحارث فقتله أحد الكفار عند الركن اليمانى.

فلما ماتت خديجة تزوج( عليه السلام) سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، و كانت قبله عند ابن عمها السكران بن عمرو بن عبد شمس؛ فمات عنها.

ثم تزوج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عائشة بنت أبى بكر الصديق، و اسمه عبد اللّه، ابن أبى قحافة، و اسمه عثمان، بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، ابن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، لم يتزوج بكرا غيرها. تزوجها بمكة

27

و هى بنت ست سنين، و بنى بها بعد الهجرة بسبعة أشهر فى شوال، و هى بنت تسع سنين، و بقيت معه تسع سنين و خمسة أشهر، و ماتت سنة ثمان و خمسين.

ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب بعد الهجرة بسنتين و أشهر، و كانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمى، فمات عنها، و توفيت سنة خمس و أربعين، و صلى عليها مروان، و هو أمير المدينة.

ثم تزوج زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد اللّه بن عمرو بن عبد اللّه ابن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، و كانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، قتل يوم بدر. و توفيت زينب فى حياته بعد ضمه لها بشهرين، و قال الزهرى: بل كانت عند عبد اللّه بن جحش الأسدي المستشهد يوم أحد.

و تزوج أم سلمة، و اسمها هند، بنت أبى أمية، و اسمه حذيفة، ابن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤيّ.

و كانت قبله عند أبى سلمة، و اسمه عبد اللّه. بن عبد الأسد المخزومى، فولدت له عمر. و سلمة، و درة، و زينب؛ و هى آخر نسائه موتا، ماتت سنة تسع و خمسين، و كذلك ذكر أبو حسان الحسن بن عثمان الزيادى فى تأريخه: أنها توفيت فى سنة تسع و خمسين، و قال ابن أبى خيثمة: قبل معاوية بسنة. و قال عطاء: آخرهن موتا صفية، و هذا و هم.

و تزوج زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير ابن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، و كانت قبله (صلى اللّه عليه و سلم) عند زيد بن حارثة مولاه، و هى أول نسائه موتا بعده، ماتت فى أول خلافة عمر، و هى التي‏

28

زوجها اللّه تعالى منه‏ (1)، و لما فتحت البلاد و آتاها عمر ما فرض لها بكت و أعولت و دعت إلى اللّه عز و جل أن لا يريها عاما قابلا حتى تلقى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على ما فارقته من التقلل فى الدنيا، فماتت قبل تمام العام.

ثم تزوج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، و اسمه حبيب، بن الحارث بن عابد بن مالك بن جذيمة، و هو المصطلق، من خزاعة. و كانت قبله عند رجل من بنى عمها، اسمه عبد اللّه بن جحش الأسدي، و توفيت سنة ست و خمسين فى ربيع الأول، و صلى عليها مروان، قاله الواقدى.

ثم تزوج أم حبيبة، و اسمها رملة، و قيل هند، بنت أبى سفيان صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس، فيما بعد الحديبية، سيقت إليه من بلاد الحبشة، و كانت هنالك مهاجرة مسلمة، و كانت قبله تحت عبيد اللّه بن جحش الأسدي، فارتد إلى النصرانية، ثم مات إلى النار. قيل: إن النجاشى أصدقها أربعمائة دينار ذهبا، و ماتت فى خلافة أخيها معاوية، سنة أربع و أربعين، فيما قاله أبو حسان الزيادى، و قال أيضا مثله الواقدى.

و تزوج إثر فتح خيبر صفية بنت حيى بن أخطب، من بنى النضير، من ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هرون بن عمران أخى موسى بن عمران( عليهما السلام)، و هو عمران بن قاهاث بن لاوى بن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يعقوب بن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إسحاق بن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إبراهيم رسول اللّه و خليله.

و كانت قبله تحت كنانة بن أبى الحقيق. قال الواقدى (رحمه اللّه تعالى): و فى سنة خمسين ماتت صفية بنت حيى، و قاله أيضا أبو حسان الزيادى.

____________

(1) و فيها نزلت آية سورة الأحزاب 37: «فلما قضى زيد منها و طرا زوجناكها لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم ...).

29

ثم تزوج ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن هرم بن رويبة بن عبد اللّه بن هلال بن عامر بن صعصعة، و هى خالة خالد بن الوليد و عبد اللّه ابن عباس. و كانت قبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عند ابى رهم بن عبد العزى ابن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ. و قال عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبى طالب: بل كانت تحت حويطب بن عبد العزى أخى أبى رهم.

و هى آخر من تزوج (صلى اللّه عليه و سلم)، تزوجها بمكة فى عمرة القضاء بعد إحلاله، و بنى بها بسرف، و بها ماتت أيام معاوية، و ذلك سنة إحدى و خمسين، قاله خليفة. و قبرها هناك معروف.

و بعث فى الجونية ليتزوجها، فدخل عليها ليخطبها، فاستعاذت باللّه منه، فأعاذها، و لم يتزوجها، و ردها إلى أهلها.

و لم يصح عنه( عليه السلام) أنه طلق امرأة قط، إلا حفصة بنت عمر، ثم راجعها، بأمر اللّه له بمراجعتها.

و أراد (صلى اللّه عليه و سلم) طلاق سودة بنت زمعة، إذ أسنت، و توقع أن لا يوفيها حقها؛ فرغبت أن يمسكها، و يجعل يومها لعائشة بنت أبى بكر، فأمسكها.

و لم يبق من نسائه أمهات المؤمنين امرأة إلا تخيرته؛ إذ أنزل اللّه تعالى آية التخيير (1)، و من ذكر غير هذا فقد ذكر الباطل المتيقن.

____________

(1) و هى الآية 29، و الآية 30 من سورة الأحزاب: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ ...» إلى قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً».

30

و صح أن صدقاته لنسائه كان لكل امرأة خمسمائة درهم، هذا الثابت فى ذلك، إلا صفية، فإنه أعتقها و جعل عتقها صداقها، لا صداق لها غير ذلك البتة، فصارت سنة بعده( عليه السلام).

و أولم على زينب بنت جحش بشاة واحدة فكفت الناس، قال أنس ابن مالك: و لم نره أولم على امرأة من نسائه بأكثر من ذلك.

و أولم على صفية وليمة ليس فيها شحم و لا لحم، إنما كان السويق و التمر و السمن.

و أولم على بعض نسائه، لم تسم لنا، بمدين من شعير، فكفى ذلك كل من حضر.

و كان ينفق على نسائه كل سنة عشرين وسقا من شعير، و ثمانين وسقا من تمر. هكذا رويناه من طريق فى غاية الصحة، و روينا من طريق فيها ضعف: أن هذا العدد لكل واحدة منهن فى العام، فاللّه أعلم، فقد كان لكل واحدة منهن الإماء و العبيد و العتقاء فى حياته، (صلى اللّه عليه و سلم) و رضى عن جميعهن رضوانا يوجب لهن الجنة.

أولاده (صلى اللّه عليه و سلم)

كل أولاده من ذكر و أنثى فمن خديجة بنت خويلد، حاشا إبراهيم، فإنه من مارية القبطية التي أهداها له المقوقس، لم يولد له من غيرها.

فالذكور من ولده:

القاسم، و به كان يكنى، هو أكبر ولده، عاش أياما يسيرة، ولد له قبل النبوة.

31

و ولدان آخران اختلف فى اسم أحدهما، إلا أنه لا يخرج الرواية فى ذلك عن «عبد اللّه» و «الطاهر» و «الطيب».

و روينا من طريق هشام بن عروة عن أبيه: أنه كان له ولد اسمه عبد العزى قبل النبوة، و هذا بعيد، و الخبر مرسل، و لا حجة فى مرسل.

و أما إبراهيم فولد بالمدينة و عاش عامين غير شهرين، و مات قبل موت أبيه (صلى اللّه عليه و سلم) بثلاثة أشهر، يوم كسوف الشمس.

و بناته:

زينب؛ أكبر بناته، تزوجها أبو العاصى، اسمه القاسم، بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، و كانت خديجة أم المؤمنين خالة ابى العاصى. لم يكن لزينب زوج غير أبى العاصى، و ماتت عنده سنة ثمان من الهجرة، قاله خليفة.

و مات أبو العاصى فى خلافة عمر. فولدت زينب لأبى العاصى: عليا، و مات مراهقا، و أمامة، تزوجها على بن أبى طالب بعد فاطمة فلم تلد له، و مات عنها، فتزوجها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فماتت عنده و لم تلد له.

و كان لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): رقية، تزوجها عثمان بن عفان، لم يكن لها زوج غيره، فولدت له ابنا اسمه: عبد اللّه، مات و له أربع سنين، ثم ماتت رقية بعد يوم بدر بثلاثة أيام.

و كان له (صلى اللّه عليه و سلم) أيضا: فاطمة (رضوان اللّه عليها)، و تزوجها أمير المؤمنين على بن أبى طالب (كرم اللّه وجهه)، فولدت له: الحسن، فهو أكبر ولده-

32

و الحسين، و زينب، و أم كلثوم، و ابنا مات صغيرا اسمه المحسن. تزوج زينب بنت على عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب، فولدت له على بن عبد اللّه، له عقب.

و تزوج أم كلثوم عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، فولدت له زيدا، لا عقب له و لا لأمه. و ماتت فاطمة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بستة أشهر، و لم يكن لها زوج غير على.

و كان لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أم كلثوم، و هى أصغر بناته، كانت مملكة بعتبة بن أبى لهب فلم يدخل بها فطلقها، فتزوجها عثمان بن عفان، فماتت عنده فى حياة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، سنة تسع من الهجرة، قاله خليفة بن خياط، و لم تلد له.

أخلاقه (صلى اللّه عليه و سلم)

كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على خلق عظيم، كما وصفه ربه تعالى‏ (1). و كان (صلوات اللّه عليه و سلامه) أحلم الناس، و أشجع الناس، و أعدل الناس، و أعف الناس، لم تمس قط يده امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرم منه.

و كان عليه الصلاة و السلام أسخى الناس، لا يثبت عنده دينار و لا درهم، فإن فضل، و لم يجد من يعطيه و يجنه الليل، لم يأو منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه اللّه تعالى إلا قوت عامه فقط، من أيسر ما يجد

____________

(1) فى الآية رقم 4 من سورة القلم: «وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ».

33

من الشعير و التمر، و يضع سائر ذلك فى سبيل اللّه تعالى. لا يسأل اللّه شيئا إلا أعطاه، ثم يعود على قوت عامه فيؤثر منه حتى يحتاج قبل انقضاء العام.

يخصف النعل، و يرقع الثوب، و يخدم فى مهنة أهله، و يقطع اللحم معهن.

أشد الناس حياء، لا يثبت بصره فى وجه أحد. يجيب دعوة العبد و الحر.

و يقبل الهدايا و لو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب، و يكافئ عليها و يأكلها و لا يقبل الصدقة و لا يأكلها.

تستتبعه الأمة و المسكين، فيتبعهما حيث دعواه.

و لا يغضب لنفسه، و يغضب لربه، و ينفذ الحق و إن عاد ذلك بالضرر عليه و على أصحابه.

عرض عليه الانتصار بالمشركين، و هو فى قلة و حاجة إلى إنسان واحد يزيده فى عدد من معه، فأبى و قال: إنا لا نستنصر بمشرك.

و وجد أصحابه قتيلا من خيارهم و فضلاء أصحابه، يهد البلاد العظيمة و العساكر الكثيرة فقد مثله منهم، فلم يحف‏ (1) لهم من أجله على أعدائه من اليهود الذين وجده مقتولا بينهم، بل وداه مائة ناقة من صدقات المسلمين، و إن بأصحابه لحاجة إلى بعير واحد يتقوون به.

و ودى بنى جديمة، و هم غير موثوق بإيمانهم، إذ وجب بأمر اللّه تعالى ذلك.

____________

(1) فى الأصل: يجف. و حاف عليه: ظلمه و جار عليه.

34

يعصب الحجر على بطنه من الجوع، و مرة يأكل ما وجد، لا يرد ما حضر، و لا يتكلف ما لم يحضر، و لا يتورع عن مطعم حلال، إن وجد تمرا دون خبز أكله، و إن وجد شواء أكله، و إن وجد خبز بر أكله، و إن وجد حلواء أو عسلا أكله، و إن وجد لبنا دون خبز اكتفى به، و إن وجد بطيخا أو رطبا أكله.

لا يأكل متكئا و لا على خوان، منديله باطن قدميه. لم يشبع من خبز بر ثلاثا تباعا حتى لقى اللّه تعالى، إيثارا على نفسه، لا فقرا، و لا بخلا.

يجيب الوليمة، و يعود المرضى، و يشهد الجنائز.

يمشى وحده بين يدى أعدائه بلا حارس.

أشد الناس تواضعا، و أسكتهم فى غير كبر، و أبلغهم فى غير تطويل، و أحسنهم بشرا.

لا يهوله شي‏ء من أمور الدنيا. و يلبس ما وجد، فمرة شملة، و مرة برد حبرة يمانيا، و مرة جبة صوف، ما وجد من المباح، لبس خاتم فضة، فصه منه، يلبسه فى خنصره الأيمن، و ربما فى الأيسر.

يردف خلفه عبده أو غيره. يركب ما أمكنه، مرة فرسا، و مرة بعيرا، و مرة حمارا، و مرة بغلة شهباء، و مرة راجلا حافيا بلا رداء و لا عمامة و لا قلنسوة.

يعود كذلك المرضى فى أقصى المدينة. يحب الطيب، و يكره الريح الردية.

يجالس الفقراء، و يواكل المساكين، و يلزم أهل ... (1) فى أخلاقهم، و يستألف أهل الشرف بالبر لهم.

____________

(1) هنا سقط فى الأصل و لعلها (المروءة).

35

يصل ذوى رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم، لا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر.

يمزح و لا يقول إلا حقا، يضحك فى غير قهقهة، و يرى اللعب المباح فلا ينكره، و يسابق أهله على الأقدام، و يرفع الأصوات عليه فيصبر.

له لقاح‏ (1) و غنم، يتقوت هو و أهله من ألبانها. و له عبيد و إماء، لا يتفضل عليهم فى مأكل و لا ملبس.

و لا يمضى له وقت فى غير عمل للّه تعالى، أو فيما لا بد له من صلاح نفسه.

يخرج إلى بساتين أصحابه، و يقبل البر اليسير، و يشرب النبيذ الحلو، و لا يحقر مسكينا لفقره و زمانته، و لا يهاب ملكا لملكه، يدعو هذا و هذا إلى إلى اللّه تعالى مستويا.

أطعم السم، و سحر، فلم يقتل من سمه، و لا من سحره، إذ لم ير عليهما قتلا، و لو وجب ذلك عليهما لما تركهما.

قد جمع اللّه له السيرة الفاضلة، و السياسة التامة.

و هو (صلى اللّه عليه و سلم) أمى لا يقرأ و لا يكتب، و نشأ فى بلاد الجهل و الصحارى، فى بلد فقر، و ذى رعية غنم.

و رباه اللّه تعالى محفوفا باللطف، يتيما لا أب له، و لا أم، فعلمه اللّه جميع محاسن الأخلاق‏ (2)، و الطرق الحميدة. و أوحى إليه جل و علا أخبار

____________

(1) أى له أبل حلوب.

(2) يقول( عليه السلام): «أدبنى ربى فأحسن تأديبى».

36

الأولين و الآخرين، و ما فيه النجاة و الفوز فى الآخرة، و الغبطة و الخلاص فى الدنيا، و لزوم الواجب، و ترك الفضول من كل شي‏ء.

وفقنا اللّه تعالى لطاعته عليه الصلاة و السلام فى أمره، و التأسي به فى فعله، إلا فيما يخص به، آمين، آمين.

جمل من التاريخ‏

كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ينفرد متقربا إلى اللّه عز و جل فى غار معروف بغار حراء، حبب إليه عليه صلوات اللّه و سلامه ذلك، لم يأمره بذلك أحد من الناس، و لا رأى من يفعل ذلك فتأسى به، و إنما أراده اللّه تعالى لذلك، فكان يبقى فيه عليه الصلاة و السلام الأيام و الليالى، ففيه أتاه الوحى.

و أول ما أتاه جاءه الملك فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ؛ فغطه حتى بلغ منه الجهد (1)، ثم أرسله، فقال: اقرأ؛ فقال: ما أنا بقارئ؛ فغطه الثانية كذلك، ثم أرسله، فقال: اقرأ، مرتين أو ثلاثا، فقال له:

ما ذا أقرأ؟ فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ (2). و هذا أول ما نزل من القرآن.

فأتى بها النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) خديجة أم المؤمنين، فكانت أول من آمن. ثم آمن من الصبيان على، ثم آمن من الرجال أبو بكر الصديق ابن أبى قحافة و اسمه عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ ابن غالب بن فهر. و قيل: أول من آمن بعد خديجة أم المؤمنين: أبو بكر.

____________

(1) غطه: أى ضمه ضما شديدا ليختبره جبريل.

(2) سورة العلق الآيات 1- 5.

37

ثم على بن أبى طالب، و اسم أبيه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر. و زيد بن حارثة، و بلال.

ثم أسلم عمرو بن عبسة السلمى، و خالد بن سعيد بن العاصى بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف. و سعد بن أبى وقاص، و اسم أبى وقاص مالك ابن وهيب بن عبد مناف بن قصى بن كلاب.

ثم عثمان بن عفان بن أبى العاصى بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصى بن كلاب.

و الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب.

و عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة ابن كلاب.

و طلحة بن عبيد اللّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.

و خالد بن سعيد، و عمرو بن عبسة، و سعد بن أبى وقاص: من أولهم إسلاما، و كان سائر من ذكرنا بدعاء أبى بكر الصديق لهم إلى الإسلام. و قد قيل إن سعدا أيضا أسلم بدعاء أبى بكر، غير خالد و عمرو، فإنهما أسلما سابقين بدعائه( عليه السلام).

ثم أسلم أبو عبيدة، و اسمه عامر بن عبد اللّه بن الجراح بن هلال بن أهيب ابن ضبة بن الحارث بن فهر.

و أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة:

38

و عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ. و إخوته قدامة، و عبد اللّه، و السائب.

و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤيّ. و كان أبوه زيد قد رفض الأوثان فى الجاهلية و وحد اللّه عز و جل، و أخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة.

و أسماء بنت أبى بكر الصديق.

و فاطمة بنت الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، أخت عمر بن الخطاب، زوجة سعيد بن زيد.

و عمير بن أبى وقاص، أخو سعد بن أبى وقاص:

و عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة، حليف بنى زهرة، و كان يرعى غنما لعقبة بن أبى معيط، و كان سبب إسلامه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حلب من غنمه شاة حائلا فدرت‏ (1).

و مسعود بن ربيعة بن عمرو بن سعد بن عبد العزى بن حمالة بن غالب ابن محلم بن عائذة بن يثيع بن مليح بن الهون بن خزيمة بن مدركة، و هم القارة و سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن ابن عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر.

و عياش بن أبى ربيعة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة.

____________

(1) الشاة الحائل هى غير الحامل.

39

و امرأته أسماء بنت مخربة التميمية.

و خنيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ، و هو زوج حفصة بنت عمر بن الخطاب قبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و عامر بن ربيعة العنزى، من عنز وائل. حليف آل الخطاب.

و عبد اللّه بن جحش بن رئاب بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. حليف بنى أمية بن عبد شمس.

و أخوه أبو أحمد بن جحش، و كان أعمى.

و جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب. و امرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك الخثعمي.

و حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ابن عمرو بن هصيص بن كعب.

و امرأته بنت المجلل بن عبد اللّه بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر.

و أخوه حطاب بن الحارث.

و امرأته فكيهة بنت يسار.

و معمر بن الحارث بن عمرو بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ابن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ.

و السائب بن عثمان بن مظعون بن حبيب.

40

و المطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب.

و امرأته رملة بنت أبى عوف بن صبرة بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ.

و النحام و اسمه نعيم بن عبد اللّه بن أسيد بن عبد مناف بن عوف بن عبيد ابن عويج بن عدى بن كعب بن لؤيّ.

و عامر بن فهيرة أزدى، أمه فهيرة مولاة أبى بكر الصديق.

و أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن يثيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو، من خزاعة، امرأة خالد بن سعيد بن أبى العاصى.

و حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود أخو سليط بن عمرو، المذكور قبل.

و أبو حذيفة مهشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.

و واقد بن عبد اللّه بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم، حليف بنى عدى بن كعب.

و خالد، و عاقل، و عامر، و إياس بنو البكير بن عبد ياليل بن ناشب ابن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، حلفاء لبنى عدى ابن كعب.

و عمار بن ياسر، عنسى من مذحج، مولى لبنى مخزوم.

و صهيب بن سنان من بنى النمر بن قاسط، حليف آل جدعان من بنى تيم بن مرة.

41

و الأرقم بن أبى الأرقم، و اسمه عبد مناف، بن أبى جندب، و اسمه أسد، ابن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم.

ثم عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط، و قيل:

به أتم اللّه أربعين من الصحابة، و لعل ذلك كان و عمرو بن عبسة لم يكن بمكة و عمير بن أبى وقاص كان صغيرا، و لعل أيضا بينهم مثل هذا.

و أول من أهراق دما فى سبيل اللّه فسعد بن أبى وقاص، و كان مع قوم من المسلمين يصلون، فاطلع عليهم قوم من المشركين، فقاتلوهم، فضرب سعد رجلا منهم بلحى جمل فشجه‏ (1).

ثم أعلن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالدعاء إلى اللّه عز و جل، و جاهرته قريش بالعداوة و الأذى، إلا أن أبا طالب عمه كان حدبا عليه، مانعا له، و هو باق على دين قومه.

و كان المجاهرون لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالأذى و العداوة، أولهم و أشدهم من قومه: عمه أبو لهب، و اسمه عبد العزى بن عبد المطلب، أحد المستهزئين.

و ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.

و من بنى عبد شمس بن عبد مناف: عتبة، و شيبة، ابنا ربيعة بن عبد شمس.

و عقبة بن أبى معيط بن أبى عمرو بن ربيعة بن أمية بن عبد شمس، أحد المستهزئين.

و أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أحد المستهزئين.

____________

(1) ضربه فشجه أى ضربه بعظم رأس جمل فشج رأسه.

42

و الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، أحد المستهزئين.

و معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس.

و من بنى عبد الدار بن قصى: النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة ابن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى.

و من بنى عبد العزى بن قصى: الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى أحد المستهزئين.

و ابنه: ربيعة بن الأسود.

و أبو البخترى العاصى بن هشام بن أسد بن عبد العزى بن قصى و من بنى زهرة بن كلاب: ابن خاله، و هو الأسد بن عبد يغوث ابن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب.

و من بنى مخزوم بن يقظة بن مرة: أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة ابن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم.

و أخوه: العاصى بن هشام.

و عمهما: الوليد بن المغيرة، و الدخال بن الوليد.

و ابنه: أبو قيس بن الوليد.

و ابن عمه: قيس بن الفاكه بن المغيرة.

و ابن عمهم: زهير بن أبى أمية بن المغيرة، أخو أم سلمة أم المؤمنين.

و الأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم.

و صيفى بن السائب، من بنى عابد بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم.

43

و من سهم بن هصيص بن كعب بن لؤيّ: العاصى بن وائل بن هاشم‏ (1) ابن سعيد بن سهم بن هصيص، والد عمرو.

و ابن عمه: الحارث بن عدى بن سعيد بن سهم بن هصيص.

و منبه، و نبيه، ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم ابن هصيص.

و من بنى جمح: أمية، و أبى، ابنا خلف بن وهب بن حذافة بن جمح ابن هصيص بن كعب بن لؤيّ.

و أنيس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح، أخو أبى محذورة.

و الحارث بن الطلاطلة الخزاعى.

و عدى بن الحمراء الثقفى.

فاشتد هؤلاء و رؤساء سائر قبائل قريش على من أسلم منهم، يعذبون من لا منعة عنده، و يؤذون من لا يقدرون على عذابه، و الإسلام على هذا يفشو فى الرجال و النساء.

و لقى أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من العذاب أمرا عظيما. و رزقهم اللّه تعالى على ذلك من الصبر أمرا عظيما، لما ذخر اللّه عز و جل لهم فى الآخرة من الكرامة، فطعن الفاسق عدو اللّه أبو جهل سمية أم عمار بن ياسر بحربة فى قبلها فقتلها، (رضوان اللّه عليها).

و كان سادات بلال من بنى جمح يأخذونه و يبطحونه على الرمضاء فى حر

____________

(1) و فيما يقول الرسول عليه الصلاة و السلام: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة».

44

مكة، يلقون على بطنه الصخرة العظيمة، ثم يأخذونه و يلبسونه فى ذلك الحر الشديد درع حديد، و يضعون فى عنقه حبلا، و يسلمونه إلى الصبيان يطوفون به، و هو فى كل ذلك صابر محتسب، لا يبالى بما لقى فى ذات اللّه تعالى، (رضوان اللّه عليه).

و أسلم ياسر والد عمار. و أسلم سلمة بن الوليد. و الوليد بن الوليد بن المغيرة. و أبو حذيفة مهشم بن عتبة بن ربيعة، و غيرهم.

و أعتق أبو بكر بلال بن رباح، و أمه حمامة، مولدة، و أعتق عامر بن فهيرة، و أعتق أم عبيس، و زنيرة، و النهدية و ابنتها، و جارية لبنى عدى ابن كعب، كان عمر بن الخطاب يعذبها على الإسلام، و ذلك قبل أن يسلم.

و قيل إن أبا قحافة قال: يا بنى أراك تعتق رقابا ضعافا فلو أعتقت قوما جلدا يمنعونك؛ فقال له أبو بكر: يا أبة إنى أريد ما أريد. قيل: ففيه أنزل اللّه تعالى: وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى‏ (1). إلى آخر السورة.

رضوان اللّه و رحمته و بركاته على الصديق.

فلما كثر المسلمون و اشتد العذاب و البلاء عليهم أذن اللّه تعالى لهم فى الهجرة إلى أرض الحبشة، و هى فى غربى مكة، و بين البلدين صحارى السودان، و البحر الآخذ من اليمن إلى القلزم.

فكان أول من خرج من المسلمين فارا بدينه إلى أرض الحبشة: عثمان بن عفان مع زوجته رقية بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس مراغما لأبيه، هاربا و معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك‏

____________

(1) سورة الليل الآيتان 17، 18.

45

ابن حسل بن عامر بن لؤيّ، مسلمة مراغمة لأبيها، فارة بدينها إلى اللّه تعالى، فولدت له بأرض الحبشة محمد بن أبى حذيفة.

و من بنى أسد بن عبد العزى: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى.

و من بنى عبد الدار بن قصى: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار.

و من بنى زهرة بن كلاب: عبد الرحمن بن عوف بن الحارث بن زهرة.

و من بنى مخزوم: أبو سلمة عبد اللّه بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه ابن عمر بن مخزوم. و معه امرأته أم سلمة هند بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم أم المؤمنين.

و من بنى جمح: عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح.

و من بنى عدى بن كعب: عامر بن ربيعة حليف آل الخطاب. و معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة بن غانم بن عبد اللّه بن عوف بن عبيد بن عويج ابن عدى بن كعب.

و من بنى عامر بن لؤيّ: أبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ. و امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤيّ.

و قد قيل: إن أول من هاجر إلى أرض الحبشة أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك.

46

و من بنى الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء، و هو سهيل بن وهب ابن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث.

ثم خرج بعدهم جعفر بن أبى طالب، و معه امرأته أسماء بنت عميس، فولدت هناك بنيه: محمدا، و عبد اللّه، و عونا.

و عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس. و معه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرق بن خمل بن شق بن رقبة بن مخدج الكنانى.

و أخوه خالد بن سعيد. معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر ابن بياضة بن يثيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو، من خزاعة، فولدت له هناك سعيدا، و ابنة حبة، و هى أم خالد التي تزوجها الزبير بعد ذلك، فولدت له خالد بن الزبير، و عمرو بن الزبير.

و من حلفائهم من بنى أسد بن خزيمة: عبد اللّه بن جحش بن رئاب ابن يعمر بن صبرة.

و أخوه عبيد اللّه، معه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان أم المؤمنين، فتنصر هنالك، و مات مرتدا.

و قيس بن عبد اللّه، رجل منهم، معه امرأته بركة بنت يسار، مولاة أبى سفيان بن حرب بن أمية.

و معيقيب بن أبى فاطمة، عديد (1) لبنى العاص بن أمية، و هو من دوس.

____________

(1) العديد: هو حليف القوم و ليس منهم.

47

و قد ذكر قوم فيمن هاجر إلى الحبشة أبا موسى الأشعرى، و أنه كان حليف عتبة بن ربيعة، و ليس كذلك، لكنه خرج فى عصابة من قومه مهاجرا من بلاده بأرض اليمن يريد المدينة، فركب البحر، فرمتهم السفينة إلى أرض الحبشة، فأقام هنالك حتى أتى إلى المدينة مع جعفر بن أبى طالب.

و كان أيضا ممن هاجر إلى أرض الحبشة: عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور، أخى سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر، حليف بنى نوفل ابن عبد مناف، و هو الذي بنى البصرة و أسسها أيام عمر.

و الأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد.

و يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن الأسد.

و عمرو بن أمية بن الحارث بن أسد.

و طليب بن عمير بن وهب بن أبى كثير بن عبد بن قصى. و قد انقرض جميع بنى عبد بن قصى.

و سويبط بن سعد حريملة بن مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار.

و جهم، و يقال جهيم، بن قيس بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار. معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بن جذيمة بن أقيش ابن عامر بن بياضة بن يثيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو، من خزاعة، و ابناه: عمرو بن جهم، و خزيمة بن جهم:

و أبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.

و فراس بن النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار.

48

و عامر بن أبى وقاص، أخو سعد بن أبى وقاص.

و المطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة؛ معه امرأته رملة بنت أبى عوف بن صبيرة بن سعيد، ولدت له هنالك عبد اللّه ابن المطلب.

و عبد اللّه بن مسعود، و أخوه عتبة بن مسعود.

و المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرد بن عمرو ابن سعد بن دهير بن لؤيّ بن ثعلبة بن مالك بن الشريد بن أبى أهون بن فائش ابن دريم بن القين بن أهود بن بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، و هو المقداد بن الأسود حليف بنى زهرة.

و الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة؛ معه امرأته ريطة بنت الحارث بن جبيلة بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، فولدت له هنالك: موسى، و زينب، و عائشة، و فاطمة.

و عمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، عم طلحة ابن عبيد اللّه.

و شماس بن عثمان بن الشريد بن هرمى بن عامر بن مخزوم بن يقظة بن مرة؛ و اسم شماس هذا: عثمان، و هو ابن أخت ربيعة.

و هبار بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم.

و أخوه عبد اللّه بن سفيان.

و هشام بن أبى حذيفة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم.

و عياش بن أبى ربيعة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم.

49

و معتب بن عوف بن عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو، من خزاعة، و هو معتب بن حمراء حليف بنى مخزوم.

و السائب بن عثمان بن مظعون، و عماه: قدامة و عبد اللّه ابنا مظعون.

و حاطب و حطاب ابنا الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن خذافة ابن جمح، و مع حاطب زوجته بنت المجلل بن عبد اللّه بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ؛ و ابناه منها: محمد و الحارث ابنا حاطب؛ و مع حطاب زوجته فكيهة بنت يسار.

و سفيان بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، و معه ابناه: جابر و جنادة ابنا سفيان، و أمهما حسنة، و أخوهما لأمهما شرحبيل ابن حسنة؛ و هو شرحبيل بن عبد اللّه بن عمرو بن المطاع الكندى، و قيل إنه من بنى الغوث بن مر أخى تميم بن مر.

و عثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح.

و خنيس بن حذافة بن قيس.

و قيس و عبد اللّه ابنا حذافة.

و رجل من بنى تميم اسمه سعيد بن عمرو، و كان أخا بشر بن الحارث ابن قيس لأمه.

و هشام بن العاص بن وائل، أخو عمرو بن العاص.

و عمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعيد بن سهم.

و أبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم.

50

و إخوته: الحارث بن الحارث، و معمر بن الحارث، و بشر بن الحارث.

و محمية بن جزء الزبيدى، حليف لهم.

و معمر بن عبد اللّه بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد ابن عويج بن عدى بن كعب.

و عدى بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان. و ابنه النعمان بن عدى.

و مالك بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤيّ. و معه امرأته عمرة بنت السعدى بن وقدان بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ.

و عبد اللّه بن مخرمة بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود.

و سعد بن خولة من أهل اليمن، حليف لبنى عامر بن لؤيّ.

و عبد اللّه بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود.

و عماه: سليط بن عمرو، و السكران بن عمرو.

و معه: امرأته أم المؤمنين سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد ود.

و أبو عبيدة عامر بن عبد اللّه بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر.

و عياض بن غنم بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث بن فهر.

و عمرو بن الحارث بن زهير بن أبى شداد.

و عثمان بن عبد غنم بن زهير بن أبى شداد.

51

و سعد بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث ابن فهر.

ثم إن قريشا بعثت إلى النجاشى عبد اللّه بن أبى ربيعة بن المغيرة المخزومى و عمرو بن العاص، ليردا هؤلاء القوم إليهم، فعصم اللّه تعالى النجاشى من ذلك، و كان قد أسلم و لم يقدر على إظهار ذلك خوف الحبشة، فمنعهم منهما، و انصرفا خائبين.

ثم أسلم حمزة بن عبد المطلب عم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فعز الإسلام به، و بعمر، و كان قد أسلم خباب بن الأرت.

و جعل الإسلام يزيد و يفشو؛ فلما رأت ذلك كفار قريش أجمعوا على أن يتعاقدوا على بنى هاشم و بنى المطلب ابنى عبد مناف ألا يناكحوهم و لا يبايعوهم و لا يكلموهم و لا يجالسوهم، ففعلوا ذلك و كتبوا فيه صحيفة، و انحاز بنو هاشم و بنو المطلب كلهم: كافرهم و مؤمنهم، فصاروا فى شعب أبى طالب محصورين، حاشا أبا لهب و ولده، فإنهم صاروا مع قريش على قومهم، فبقوا كذلك ثلاث سنين، إلى أن تألف قوم من قريش على نقضها، فكان أحسنهم فى ذلك أثرا هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، فإنه لقى زهير بن أبى أمية بن المغيرة المخزومى، فعيره بإسلامه أخواله، و كانت أم زهير عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). فأجابه زهير إلى نقض الصحيفة، ثم مشى هشام إلى مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف، فذكره أرحام بنى هاشم و المطلب ابنى عبد مناف، فأجابه مطعم إلى نقضها. ثم مشى إلى أبى البخترى بن هشام ابن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصى، فذكره أيضا بذلك، فأجابه ثم مشى إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، فذكره‏

52

بذلك، فأجابه. فقام هؤلاء فى نقض الصحيفة، و أوحى إليهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول لجماعتهم: إن اللّه تعالى قد أرسل على تلك الصحيفة، و كانت معلقة فى الكعبة، فأكلت الأرضة كل ما فيها، حاشا ما كان فيها من اسم اللّه تعالى، فإنها لم تأكله. فقاموا بأجمعهم راجين أن يجدوها بخلاف ما قال لهم، فلما فتحوها وجدوها كما قال (صلى اللّه عليه و سلم) سواء سواء فخزوا، و قوى القوم المذكورون، فنقضوا حكم تلك الصحيفة.

و أراد أبو بكر أن يهاجر فلقيه بن الدغنة فرده.

ثم اتصل بمن كان فى أرض الحبشة من المهاجرين أن قريشا قد أسلمت، و كان هذا الخبر كذبا، فانصرف منهم قوم: منهم عثمان بن عفان، و زوجته رقية بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، و امرأته سهلة بنت سهيل، و عبد اللّه بن جحش، و عتبة بن غزوان، و الزبير بن العوام، و مصعب بن عمير، و سويبط بن سعد بن حرملة، و طليب بن عمير، و عبد الرحمن بن عوف، و المقداد بن عمرو، و عبد اللّه بن مسعود، و أبو سلمة بن عبد الأسد، و امرأته أم سلمة أم المؤمنين، و شماس بن عثمان و سلمة بن هشام بن المغيرة، و عمار بن ياسر، و عثمان و قدامة و عبد اللّه بنو مظعون، و السائب بن عثمان بن مظعون، و خنيس بن حذافة السهمى، و هشام بن العاصى بن وائل، و عامر بن ربيعة و امرأته ليلى بنت أبى حثمة، و عبد اللّه بن مخرمة بن عبد العزى من بنى عامر بن لؤيّ، و عبد اللّه بن سهيل بن عمرو، و السكران بن عمرو، و امرأته سودة بنت زمعة، و سعد بن خولة، و أبو عبيدة بن الجراح، و عمرو بن الحارث بن زهير بن أبى شداد، و سهيل بن وهب، و هو سهيل بن بيضاء، و عمرو بن أبى سرح.