تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج1

- ابن جرير الطبري المزيد...
632 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله الاول قبل كل أول، و الآخر بعد كل آخر، و الدائم بلا زوال، و القائم على كل شي‏ء بغير انتقال، و الخالق خلقه من غير اصل و لا مثال، فهو الفرد الواحد من غير عدد، و هو الباقى بعد كل احد، الى غير نهاية و لا أمد له الكبرياء و العظمه، و البهاء و العزه، و السلطان و القدره، تعالى عن ان يكون له شريك في سلطانه او في وحدانيته نديد، او في تدبيره معين او ظهير، او ان يكون له ولد، او صاحبه او كف‏ء احد، لا تحيط به الاوهام، و لا تحويه الاقطار، و لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، و هو يدرك الابصار، و هو اللطيف الخبير.

احمده على آلائه، و اشكره على نعمائه، حمد من افرده بالحمد، و شكر من رجا بالشكر منه المزيد، و استهديه من القول و العمل لما يقربني منه و يرضيه، و أومن به ايمان مخلص له التوحيد، و مفرد له التمجيد.

و اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده النجيب، و رسوله الامين، اصطفاه لرسالته، و ابتعثه بوحيه، داعيا خلقه الى عبادته، فصدع بامره، و جاهد في سبيله، و نصح لامته، و عبده حتى أتاه اليقين من عنده، غير مقصر في بلاغ، و لا و ان في جهاد، صلى الله عليه افضل صلاه و أزكاها، و سلم‏

4

اما بعد، فان الله جل جلاله، و تقدست اسماؤه، خلق خلقه من غير ضرورة كانت به الى خلقهم، و أنشأهم من غير حاجه كانت به الى انشائهم، بل خلق من خصه منهم بامره و نهيه، و امتحنه بعبادته، ليعبدوه فيجود عليهم بنعمه، و ليحمدوه على نعمه فيزيدهم من فضله و مننه، و يسبغ عليهم فضله و طوله، كما قال عز و جل: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ‏».

فلم يزده خلقه إياهم- إذ خلقهم- في سلطانه على ما لم يزل قبل خلقه إياهم مثقال ذره، و لا هو ان افناهم و اعدمهم ينقصه افناؤه إياهم ميزان شعره، لأنه لا تغيره الاحوال، و لا يدخله الملال، و لا ينقص سلطانه الأيام و الليال، لأنه خالق الدهور و الأزمان، فعم جميعهم في العاجل فضله و جوده، و شملهم كرمه و طوله، فجعل لهم اسماعا و ابصارا و أفئدة، و خصهم بعقول يصلون بها الى التمييز بين الحق و الباطل، و يعرفون بها المنافع و المضار، و جعل لهم الارض بساطا ليسلكوا منها سبلا فجاجا، و السماء سقفا محفوظا، و بناء مسموكا، و انزل لهم منها الغيث بالإدرار، و الأرزاق بالمقدار، و اجرى لهم فيها قمر الليل و شمس النهار يتعاقبان بمصالحهم دائبين، فجعل لهم الليل لباسا، و النهار معاشا، و خالف- منا منه عليهم و تطولا- بين قمر الليل و شمس النهار، فمحا آيه الليل و جعل آيه النهار مبصره، كما قال جل جلاله و تقدست اسماؤه: «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا

5

مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا».

و ليصلوا بذلك الى العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم في ساعات الليل و النهار و الشهور و السنين، من الصلوات و الزكوات و الحج و الصيام و غير ذلك من فروضهم، و حين حل ديونهم و حقوقهم، كما قال عز و جل: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‏»، و قال: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ‏».

انعاما منه بكل ذلك على خلقه، و تفضلا منه به عليهم و تطولا، فشكره على نعمه التي أنعمها عليهم من خلقه خلق عظيم، فزاد كثيرا منهم من آلائه و أياديه، على ما ابتدأهم به من فضله و طوله، كما وعدهم جل جلاله بقوله: «وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ»، و جمع لهم الى الزيادة التي زادهم في عاجل دنياهم، الفوز بالنعيم المقيم، و الخلود في جنات النعيم، في آجل آخرتهم و اخر لكثير منهم الزيادة التي وعدهم فمدهم الى حين مصيرهم اليه و وقت قدومهم عليه، توفيرا منه كرامته عليهم يوم تبلى السرائر و كفر نعمه خلق منهم عظيم، فجحدوا آلاءه و عبدوا سواه، فسلب كثيرا منهم ما ابتدأهم به من الفضل و الاحسان، و أحل‏

6

بهم النقمه المهلكه في العاجل، و ذخر لهم العقوبة المخزيه في الأجل، و متع كثيرا منهم بنعمه ايام حياتهم استدراجا منه لهم، و توقيرا منه عليهم اوزارهم، ليستحقوا من عقوبته في الأجل ما قد اعد لهم.

نعوذ بالله من عمل يقرب من سخطه، و نسأله التوفيق لما يدنى من رضاه و محبته.

قال ابو جعفر: و انا ذاكر في كتابي هذا من ملوك كل زمان، من لدن ابتدأ ربنا جل جلاله خلق خلقه الى حال فنائهم، من انتهى إلينا خبره ممن ابتداه الله تعالى بآلائه و نعمه فشكر نعمه، من رسول له مرسل، او ملك مسلط، او خليفه مستخلف، فزاده الى ما ابتداه به من نعمه في العاجل نعما، و الى ما تفضل به عليه فضلا، و من اخر ذلك له منهم، و جعله له عنده ذخرا و من كفر منهم نعمه فسلبه ما ابتداه به من نعمه، و عجل له نقمه و من كفر منهم نعمه فمتعه بما انعم به عليه الى حين وفاته و هلاكه، مقرونا ذكر كل من انا ذاكره منهم في كتابي هذا بذكر زمانه، و جمل ما كان من حوادث الأمور في عصره و ايامه، إذ كان الاستقصاء في ذلك يقصر عنه العمر، و تطول به الكتب، مع ذكرى مع ذلك مبلغ مده اكله، و حين اجله، بعد تقديمى امام ذلك ما تقديمه بنا اولى، و الابتداء به قبله احجى، من البيان عن الزمان: ما هو؟ و كم قدر جميعه، و ابتداء اوله، و انتهاء آخره؟ و هل كان قبل خلق الله تعالى اياه شي‏ء غيره؟ و هل هو فان؟ و هل بعد فنائه شي‏ء غير وجه المسبح الخلاق، تعالى ذكره؟

و ما الذى كان قبل خلق الله اياه؟ و ما هو كائن بعد فنائه و انقضائه؟ و كيف‏

7

كان ابتداء خلق الله تعالى اياه؟ و كيف يكون فناؤه؟ و الدلالة على ان لا قديم الا الله الواحد القهار، الذى له ملك السموات و الارض و ما بينهما و ما تحت الثرى بوجيز من الدلالة غير طويل، إذ لم نقصد بكتابنا هذا قصد الاحتجاج لذلك، بل لما ذكرنا من تاريخ الملوك الماضين و جمل من اخبارهم، و ازمان الرسل و الأنبياء و مقادير اعمارهم، و ايام الخلفاء السالفين و بعض سيرهم، و مبالغ ولاياتهم، و الكائن الذى كان من الاحداث في اعصارهم ثم انا متبع آخر ذلك كله- ان شاء الله و أيد منه بعون و قوه- ذكر صحابه نبينا محمد(ص)و اسمائهم و كناهم و مبالغ انسابهم و مبالغ اعمارهم، و وقت وفاه كل انسان منهم، و الموضع الذى كانت به وفاته ثم متبعهم ذكر من كان بعدهم من التابعين لهم باحسان، على نحو ما شرطنا من ذكرهم ثم ملحق بهم ذكر من كان بعدهم من الخلف لهم كذلك، و زائد في أمورهم للإبانة عمن حمدت منهم روايته، و تقبلت اخباره، و من رفضت منهم روايته و نبذت اخباره، و من وهن منهم نقله، و ضعف خبره و ما السبب الذى من اجله نبذ من نبذ منهم خبره، و العله التي من أجلها و هن من و هن منهم نقله.

و الى الله عز و جل انا راغب في العون على ما اقصده و انويه، و التوفيق لما التمسه و ابغيه، فانه ولى الحول و القوه، و صلى الله على محمد نبيه و آله و سلم تسليما.

و ليعلم الناظر في كتابنا هذا ان اعتمادى في كل ما احضرت ذكره فيه مما شرطت انى راسمه فيه، انما هو على ما رويت من الاخبار التي انا ذاكرها فيه، و الآثار التي انا مسندها الى رواتها فيه، دون ما ادرك بحجج العقول، و استنبط

8

بفكر النفوس، الا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من اخبار الماضين، و ما هو كائن من أنباء الحادثين، غير واصل الى من لم يشاهدهم و لم يدرك زمانهم، الا باخبار المخبرين، و نقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، و الاستنباط بفكر النفوس فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، او يستشنعه سامعه، من اجل انه لم يعرف له وجها في الصحة، و لا معنى في الحقيقة، فليعلم انه لم يؤت في ذلك من قبلنا، و انما اتى من قبل بعض ناقليه إلينا، و انا انما أدينا ذلك على نحو ما ادى إلينا

9

القول في الزمان ما هو

قال ابو جعفر: فالزمان هو ساعات الليل و النهار، و قد يقال ذلك للطويل من المده و القصير منها، و العرب تقول: اتيتك زمان الحجاج امير، و زمن الحجاج امير- تعنى به: إذ الحجاج امير و تقول: اتيتك زمان الصرام و زمن الصرام- تعنى به وقت الصرام و يقولون أيضا: اتيتك ازمان الحجاج امير، فيجمعون الزمان، يريدون بذلك ان يجعلوا كل وقت من اوقات امارته زمانا من الازمنه، كما قال الراجز:

جاء الشتاء و قميصي اخلاق* * * شراذم يضحك منه التواق‏

فجعل القميص اخلاقا، يريد بذلك وصف كل قطعه منه بالأخلاق، كما يقولون: ارض سباسب، و نحو ذلك.

و من قولهم للزمان: زمن قول اعشى بنى قيس بن ثعلبه:

و كنت امرا زمنا بالعراق* * * عفيف المناخ طويل التغن‏

يريد بقوله: زمنا زمانا، فالزمان اسم لما ذكرت من ساعات الليل و النهار على ما قد بينت و وصفت‏

10

القول في كم قدر جميع الزمان من ابتدائه الى انتهائه و اوله الى آخره‏

اختلف السلف قبلنا من اهل العلم في ذلك، فقال بعضهم: قدر جميع ذلك سبعه آلاف سنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا يحيى بن يعقوب، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الدنيا جمعه من جمع الآخرة، سبعه آلاف سنه، فقد مضى سته آلاف سنه و مائتا سنه، و ليأتين عليها مئون من سنين، ليس عليها موحد.

و قال آخرون: قدر جميع ذلك سته آلاف سنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابو هشام، قال: حدثنا معاويه بن هشام، عن سفيان، عن الاعمش، عن ابى صالح، قال: قال كعب: الدنيا سته آلاف سنه.

حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا اسمعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنى عبد الصمد بن معقل، انه سمع وهبا يقول: قد خلا من الدنيا خمسه آلاف سنه و ستمائه سنه، و انى لاعرف كل زمان منها، ما كان فيه من الملوك و الأنبياء قلت لوهب بن منبه: كم الدنيا؟ قال: سته آلاف سنه‏

11

قال ابو جعفر: و الصواب من القول في ذلك ما دل على صحته الخبر الوارد عن رسول الله ص، و ذلك ما حدثنا به محمد بن بشار و على بن سهل، قالا: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: [سمعت رسول الله(ص)يقول: اجلكم في اجل من كان قبلكم، من صلاه العصر الى مغرب الشمس‏].

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: [سمعت النبي(ص)يقول: الا انما اجلكم في اجل من خلا من الأمم، كما بين صلاه العصر الى مغرب الشمس‏].

حدثنا الحسن بن عرفه، قال: حدثنى عمار بن محمد، ابن اخت سفيان الثوري، ابو اليقظان، عن ليث بن ابى سليم، عن مغيره بن حكيم، عن عبد الله بن عمر، قال: [قال رسول الله ص: ما بقي لامتى من الدنيا الا كمقدار الشمس إذا صليت العصر].

حدثنى محمد بن عوف، قال: حدثنا ابو نعيم، قال: حدثنا شريك، قال: سمعت سلمه بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: [كنا جلوسا عند النبي(ص)و الشمس مرتفعه على قعيقعان بعد العصر، فقال:

ما اعماركم في اعمار من مضى الا كما بقي من هذا النهار فيما مضى منه‏].

حدثنا ابن بشار و محمد بن المثنى- قال ابن بشار: حدثنى خلف ابن موسى، و قال ابن المثنى: حدثنا خلف بن موسى- قال: حدثنى ابى، عن قتادة، عن انس بن مالك ان رسول الله(ص)خطب اصحابه يوما- و قد كادت الشمس ان تغيب، و لم يبق منها الا شق يسير- [فقال: و الذى‏

12

نفس محمد بيده ما بقي من دنياكم فيما مضى منها الا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه، و ما ترون من الشمس الا اليسير].

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن عيينه، عن على بن زيد، عن ابى نضره، عن ابى سعيد، قال: [قال النبي(ص)عند غروب الشمس: انما مثل ما بقي من الدنيا فيما مضى منها كبقيه يومكم هذا فيما مضى منه‏].

حدثنا هناد بن السرى و ابو هشام الرفاعى، قالا: حدثنا ابو بكر بن عياش، عن ابى حصين، عن ابى صالح، عن ابى هريرة، قال: [قال رسول الله ص: بعثت انا و الساعة كهاتين- و اشار بالسبابة و الوسطى‏].

حدثنا ابو كريب، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابى بكر، عن ابى حصين، عن ابى صالح، عن ابى هريرة، عن النبي بنحوه.

حدثنا هناد، قال: حدثنا ابو الأحوص و ابو معاويه، عن الاعمش، عن ابى خالد الوالبى، عن جابر بن سمره، قال: [قال رسول الله ص: بعثت انا و الساعة كهاتين‏].

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا عثام بن على، عن الاعمش، عن ابى خالد الوالبى، عن جابر بن سمره، [قال: كأني انظر الى اصبعى رسول الله ص- و اشار بالمسبحة و التي تليها- و هو يقول:

بعثت انا و الساعة كهذه من هذه‏].

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنى يحيى بن واضح، قال: حدثنا فطر، عن ابى خالد الوالبى، عن جابر بن سمره، قال: [قال رسول الله ص: بعثت من الساعة كهاتين‏]- و جمع بين إصبعيه السبابة و الوسطى‏

13

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبه، قال: سمعت قتادة يحدث، قال: حدثنا انس بن مالك، قال: [قال رسول الله ص: بعثت انا و الساعة كهاتين‏] قال شعبه:

سمعت قتادة يقول في قصصه: كفضل إحداهما على الاخرى، قال: لا ادرى اذكره عن انس او قاله قتادة.

حدثنا خلاد بن اسلم، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال:

حدثنا شعبه، عن قتادة، قال: حدثنا انس بن مالك، قال: [قال رسول الله ص: بعثت انا و الساعة كهاتين‏].

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا شعبه، عن قتادة، عن انس بن مالك، عن النبي(ص)مثله، و زاد في حديثه:

و اشار بالوسطى و السبابة.

حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا أيوب بن سويد، عن الأوزاعي، قال: حدثنا اسمعيل بن عبيد الله، قال: قدم انس بن مالك على الوليد بن عبد الملك، فقال له الوليد: ما ذا سمعت رسول الله(ص)يذكر به الساعة؟ قال: [سمعت رسول الله(ص)يقول:

أنتم و الساعة كهاتين،] و اشار بإصبعيه.

حدثنى العباس بن الوليد، قال: أخبرني ابى، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنى اسمعيل بن عبيد الله، قال: قدم انس بن مالك على الوليد بن عبد الملك، فقال له الوليد: ما ذا سمعت من رسول الله(ص)يذكر به الساعة؟ [قال: سمعت رسول الله(ص)يقول: أنتم و الساعة كتين‏].

حدثنى ابن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثنا عمرو بن ابى سلمه،

14

عن الأوزاعي، قال: حدثنى اسمعيل بن عبيد الله، قال: قدم انس بن مالك على الوليد بن عبد الملك، فذكر مثله حدثنى محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ابيه، قال: حدثنى معبد، حدث انس، [عن رسول الله(ص)انه قال: بعثت انا و الساعة كهاتين،] و قال بإصبعيه: هكذا.

حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبه، عن ابى التياح، عن انس، قال: [قال رسول الله ص:

بعثت انا و الساعة كهاتين:] السبابة و الوسطى قال ابو موسى: و اشار وهب بالسبابة و الوسطى حدثنى عبد الله بن ابى زياد، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال:

حدثنا شعبه، عن ابى التياح و قتادة، عن انس، قال: [قال رسول الله ص: بعثت انا و الساعة كهاتين،] و قرن بين إصبعيه.

حدثنى محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا ابو حازم، قال: حدثنا سهل بن سعد، قال: [رايت رسول الله(ص)قال بإصبعيه هكذا، الوسطى و التي تلى الابهام: بعثت انا و الساعة كهاتين‏].

حدثنا محمد بن يزيد الادمى، قال: حدثنا ابو ضمره، عن ابى حازم، عن [سهل بن سعد الساعدي ان رسول الله(ص)قال: بعثت و الساعة كهاتين- و ضم بين إصبعيه الوسطى، و التي تلى الابهام- و قال: ما مثلي و مثل الساعة الا كفرسي رهان، ثم قال: ما مثلي و مثل الساعة الا كمثل رجل بعثه قوم طليعه، فلما خشي ان يسبق الاح بثوبه: اتيتم، اتيتم، انا ذاك انا ذاك‏].

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا خالد، عن محمد بن جعفر، عن ابى حازم، عن سهل بن سعد، قال: [قال رسول الله ص:

بعثت انا و الساعة كهاتين،] و جمع بين إصبعيه‏

15

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثنى ابو حازم، عن سهل بن سعد، قال: [قال رسول الله ص: بعثت انا و الساعة هكذا،] و قرن بين إصبعيه: الوسطى و التي تلى الابهام.

حدثنى ابن عبد الرحيم البرقي، عن سهل بن سعد، قال: حدثنا ابن ابى مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنى ابو حازم، عن سهل بن سعد، قال: [قال رسول الله ص: بعثت انا و الساعة كهاتين،] و جمع بين إصبعيه.

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا ابو نعيم، عن بشير بن المهاجر، قال: حدثنى عبد الله بن بريده، عن ابيه، قال: [سمعت رسول الله(ص)يقول: بعثت انا و الساعة جميعا، ان كادت لتسبقني‏].

حدثنى محمد بن عمر بن هياج، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن، قال: حدثنى عبيده بن الأسود، عن مجالد، عن قيس بن ابى حازم، عن المستورد بن شداد الفهري، [عن النبي(ص)انه قال: بعثت في نفس الساعة، سبقتها كما سبقت هذه هذه،] لاصبعيه السبابة و الوسطى، و وصف لنا ابو عبد الله، و جمعهما.

حدثنى احمد بن محمد بن حبيب، قال: حدثنا ابو نصر، قال:

حدثنا المسعودى، عن اسماعيل بن ابى خالد، عن الشعبى، عن ابى جبيرة، قال: [قال رسول الله ص: بعثت مع الساعة كهاتين،- و اشار بإصبعيه الوسطى و السبابة- كفضل هذه على هذه‏].

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا اسماعيل، عن شبيل بن عوف، عن ابى جبيرة، عن اشياخ من الانصار، قالوا:

16

[سمعنا رسول الله(ص)يقول: جئت انا و الساعة هكذا]- قال الطبرى: و أرانا تميم، و ضم السبابة و الوسطى و قال لنا: اشار يزيد بإصبعيه السبابة و الوسطى و ضمهما- [و قال: سبقتها كما سبقت هذه هذه في نفس من الساعة، او في نفس الساعة].

فمعلوم إذ كان اليوم اوله طلوع الفجر و آخره غروب الشمس، و كان صحيحا عن نبينا ص، ما رويناه عنه قبل، انه قال بعد ما صلى العصر: ما بقي من الدنيا فيما مضى منها الا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه.

و انه قال لأصحابه: بعثت انا و الساعة كهاتين- و جمع بين السبابة و الوسطى- سبقتها بقدر هذه من هذه، يعنى الوسطى من السبابة و كان قدر ما بين اوسط اوقات صلاه العصر- و ذلك إذا صار ظل كل شي‏ء مثليه- على التحرى انما يكون قدر نصف سبع اليوم، يزيد قليلا او ينقص قليلا، و كذلك فضل ما بين الوسطى و السبابة، انما يكون نحوا من ذلك و قريبا منه.

و كان صحيحا مع ذلك عن رسول الله(ص)ما حدثنى احمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنى عمى عبد الله بن وهب، قال:

حدثنى معاويه بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن ابيه جبير بن نفير، انه سمع أبا ثعلبه الخشني صاحب النبي(ص)يقول: [ان رسول الله(ص)قال: لن يعجز الله هذه الامه من نصف يوم،] و كان معنى قول النبي ذلك ان لن يعجز الله هذه الامه من نصف يوم الذى مقداره الف سنه- كان بينا ان اولى القولين- اللذين ذكرت في مبلغ قدر مده جميع الزمان، اللذين أحدهما عن ابن عباس، و الآخر منهما عن كعب- بالصواب، و أشبههما بما دلت عليه الاخبار الوارده عن رسول الله(ص)قول ابن عباس، الذى روينا عنه انه قال: الدنيا جمعه من جمع الآخرة سبعه آلاف سنه‏

17

و إذ كان ذلك كذلك، و كان الخبر عن رسول الله(ص)صحيحا انه اخبر عن الباقى من ذلك في حياته انه نصف يوم، و ذلك خمسمائة عام، إذ كان ذلك نصف يوم من الأيام التي قدر اليوم الواحد منها الف عام- كان معلوما ان الماضى من الدنيا الى وقت قول النبي(ص)ما رويناه عن ابى ثعلبه الخشنى عنه، كان قدر سته آلاف سنه و خمسمائة سنه، او نحوا من ذلك و قريبا منه و الله اعلم.

فهذا الذى قلنا- في قدر مده ازمان الدنيا، من مبدأ أولها الى منتهى آخرها- من اثبت ما قيل في ذلك عندنا من القول، للشواهد الدالة التي بيناها على صحه ذلك.

و قد روى عن رسول الله(ص)خبر يدل على صحه قول من قال: ان الدنيا كلها سته آلاف سنه، لو كان صحيحا سنده لم نعد القول به الى غيره، و ذلك ما حدثنى به محمد بن سنان القزاز، قال: حدثنا عبد الصمد ابن عبد الوارث، حدثنا زبان، عن عاصم، عن ابى صالح، عن ابى هريرة، ان [رسول الله(ص)قال: الحقب ثمانون عاما، اليوم منها سدس الدنيا].

فبين في هذا الخبر ان الدنيا كلها سته آلاف سنه، و ذلك ان اليوم الذى هو من ايام الآخرة إذا كان مقداره الف سنه من سنى الدنيا، و كان اليوم الواحد من ذلك سدس الدنيا، كان معلوما بذلك ان جميعها سته ايام من ايام الآخرة، و ذلك سته آلاف سنه.

و قد زعم اليهود ان جميع ما ثبت عندهم- على ما في التوراة مما هو فيها من لدن خلق الله آدم الى وقت الهجره، و ذلك في التوراة التي هي في ايديهم اليوم- اربعه آلاف سنه و ستمائه سنه و اثنتان و اربعون سنه، و قد ذكروا تفصيل ذلك بولادة رجل رجل، و نبى نبى، و موته من عهد آدم الى هجره نبينا محمد ص‏

18

و ساذكر تفصيلهم ذلك ان شاء الله، و تفصيل غيرهم ممن فصله من علماء اهل الكتب و غيرهم من اهل العلم بالسير و اخبار الناس إذا انتهيت اليه ان شاء الله.

و اما اليونانية من النصارى فإنها تزعم ان الذى ادعته اليهود من ذلك باطل، و ان الصحيح من القول في قدر مده ايام الدنيا- من لدن خلق الله آدم الى وقت هجره نبينا محمد(ص)على سياق ما عندهم في التوراة التي هي في ايديهم- خمسه آلاف سنه و تسعمائة سنه و اثنتان و تسعون سنه و اشهر و ذكروا تفصيل ما ادعوه من ذلك بولادة نبى نبى، و ملك ملك، و وفاته من عهد آدم الى وقت هجره رسول الله ص، و زعموا ان اليهود انما نقصوا ما نقصوا من عدد سنى ما بين تاريخهم و تاريخ النصارى دفعا منهم لنبوه عيسى بن مريم(ع)إذ كانت صفته و وقت مبعثه مثبته في التوراة و قالوا: لم يأت الوقت الذى وقت لنا في التوراة ان الذى صفته صفه عيسى يكون فيه، و هم ينتظرون- بزعمهم- خروجه و وقته.

و احسب ان الذى ينتظرونه و يدعون ان صفته في التوراة مثبته، هو الدجال الذى وصفه رسول الله(ص)لامته، و ذكر لهم ان عامه اتباعه اليهود، فان كان ذلك هو عبد الله بن صياد، فهو من نسل اليهود.

و اما المجوس فإنهم يزعمون ان قدر مده الزمان من لدن ملك جيومرت الى وقت هجره نبينا(ص)ثلاثة آلاف سنه و مائه سنه و تسع و ثلاثون سنه، و هم لا يذكرون مع ذلك نسبا يعرف فوق جيومرت، و يزعمون انه آدم ابو البشر،(ص)و على جميع أنبياء الله و رسله.

ثم اهل الاخبار بعد في امره مختلفون، فمن قائل منهم فيه مثل قول المجوس، و من قائل منهم انه تسمى بآدم بعد ان ملك الأقاليم السبعه، و انه انما هو جامر بن يافث ابن نوح، كان بنوح(ع)برا و لخدمته ملازما، و عليه حدبا شفيقا، فدعا الله له و لذريته نوح- لذلك من بره به و خدمته له- بطول العمر، و التمكين في‏

19

البلاد، و النصر على من ناواه و إياهم، و اتصال الملك له و لذريته، و دوامه له و لهم، فاستجيب له فيه، فاعطى جيومرت ذلك و ولده، فهو ابو الفراس، و لم يزل الملك فيه و في ولده الى ان زال عنهم بدخول المسلمين مدائن كسرى، و غلبه اهل الاسلام إياهم على ملكهم.

و من قائل غير ذلك، و سنذكر ان شاء الله ما انتهى إلينا من القول فيه إذا انتهينا الى ذكرنا تاريخ الملوك و مبالغ اعمارهم، و انسابهم و اسباب ملكهم‏

20

القول في الدلالة على حدوث الأوقات و الأزمان و الليل و النهار

قد قلنا قبل ان الزمان انما هو اسم لساعات الليل و النهار، و ساعات الليل و النهار انما هي مقادير من جرى الشمس و القمر في الفلك، كما قال الله عز و جل:

«وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏».

فإذا كان الزمان ما ذكرنا من ساعات الليل و النهار، و كانت ساعات الليل و النهار انما هي قطع الشمس و القمر درجات الفلك، كان بيقين معلوما ان الزمان محدث و الليل و النهار محدثان، و ان محدث ذلك الله الذى تفرد باحداث جميع خلقه، كما قال: «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏».

و من جهل حدوث ذلك من خلق الله فانه لن يجهل اختلاف احوال الليل و النهار، بان أحدهما يرد على الخلق- و هو الليل- بسواد و ظلمه، و ان الآخر منهما يرد عليهم بنور و ضياء، و نسخ لسواد الليل و ظلمته، و هو النهار.

فإذا كان ذلك كذلك، و كان من المحال اجتماعهما مع اختلاف أحوالهما في وقت واحد في جزء واحد- كان معلوما يقينا انه لا بد من ان يكون أحدهما كان قبل الآخر منهما، و أيهما كان منهما قبل صاحبه فان الآخر منهما كان‏

21

لا شك بعده، و ذلك ابانه و دليل على حدوثهما، و انهما خلقان لخالقهما.

و من الدلالة أيضا على حدوث الأيام و الليالى انه لا يوم الا و هو بعد يوم كان قبله، و قبل يوم كائن بعده، فمعلوم ان ما لم يكن ثم كان، انه محدث مخلوق، و ان له خالقا و محدثا.

و اخرى، ان الأيام و الليالى معدودة، و ما عد من الأشياء فغير خارج من احد العددين: شفع او وتر، فان يكن شفعا فان أولها اثنان، و ذلك تصحيح القول بان لها ابتداء و أولا، و ان كان وترا فان أولها واحد، و ذلك دليل على ان لها ابتداء و أولا، و ما كان له ابتداء فانه لا بد له من مبتدئ، هو خالقه‏

22

القول في هل كان الله عز و جل خلق قبل خلقه الزمان و الليل و النهار شيئا غير ذلك من الخلق قد قلنا قبل: ان الزمان انما هو ساعات الليل و النهار، و ان الساعات انما هي قطع الشمس و القمر درجات الفلك.

فإذا كان ذلك كذلك، و كان صحيحا عن رسول الله(ص)ما حدثنا هناد بن السرى، قال: حدثنا ابو بكر بن عياش، عن ابى سعد البقال، عن عكرمه، عن ابن عباس- قال هناد: و قرات سائر الحديث على ابى بكر- ان اليهود أتت النبي(ص)فسألته عن خلق السموات و الارض فقال: خلق الله الارض يوم الأحد و الاثنين، و خلق الجبال يوم الثلاثاء و ما فيهن من منافع، و خلق يوم الأربعاء الشجر و الماء و المدائن و العمران و الخراب، فهذه اربعه، ثم قال: «قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ‏»، لمن سال قال: و خلق يوم الخميس السماء، و خلق يوم الجمعه النجوم و الشمس و القمر و الملائكة، الى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أول ساعه من هذه الثلاث الساعات الآجال من يحيا و من يموت، و في الثانيه القى الآفة على كل شي‏ء مما ينتفع به الناس، و في الثالثه آدم و اسكنه الجنه، و امر ابليس بالسجود له‏

23

و اخرجه منها في آخر ساعه ثم قالت اليهود: ثم ما ذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش، قالوا: قد اصبت لو اتممت: قالوا: ثم استراح، فغضب النبي(ص)غضبا شديدا، فنزل: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ‏».

حدثنى القاسم بن بشر بن معروف و الحسين بن على الصدائى، قالا: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني اسماعيل بن اميه، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمه، عن ابى هريرة قال: [أخذ رسول الله(ص)بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، و خلق فيها الجبال يوم الأحد، و خلق الشجر يوم الاثنين، و خلق المكروه يوم الثلاثاء، و خلق النور يوم الأربعاء، و بث فيها الدواب يوم الخميس، و خلق آدم بعد العصر من يوم الجمعه، آخر خلق خلق، في آخر ساعه من ساعات الجمعه، فيما بين العصر الى الليل‏].

حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنى محمد بن زيد، قال: حدثنى ابو سلمه بن عبد الرحمن بن عوف، قال:

أخبرني ابن سلام و ابو هريرة، فذكرا عن النبي(ص)الساعة التي في يوم الجمعه، و ذكرا انه قالها، قال عبد الله بن سلام: انا اعلم اى ساعه هي، بدا الله في خلق السموات و الارض يوم الأحد، و فرغ في آخر ساعه من يوم الجمعه، فهى في آخر ساعه من يوم الجمعه.

حدثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمه: [ان اليهود قالوا للنبي ص: ما يوم الأحد؟ فقال رسول‏

24

الله ص: خلق الله فيه الارض و بسطها، قالوا: فالاثنين؟ قال: خلق الله فيه آدم، قالوا: فالثلاثاء؟ قال: خلق فيه الجبال و الماء و كذا و كذا و ما شاء الله، قالوا: فيوم الأربعاء؟ قال: الأقوات، قالوا: فيوم الخميس؟ قال: خلق السموات، قالوا: فيوم الجمعه؟ قال: خلق الله في ساعتين الليل و النهار، ثم قالوا:

السبت- و ذكروا الراحة- قال: سبحان الله! فانزل الله: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ‏]».

فقد بين هذان الخبران اللذان رويناهما عن رسول الله(ص)ان الشمس و القمر خلقا بعد خلق الله أشياء كثيره من خلقه، و ذلك ان حديث ابن عباس عن رسول الله(ص)و رد بان الله خلق الشمس و القمر يوم الجمعه فان كان ذلك كذلك، فقد كانت الارض و السماء و ما فيهما- سوى الملائكة و آدم- مخلوقه قبل خلق الله الشمس و القمر، و كان ذلك كله و لا ليل و لا نهار، إذ كان الليل و النهار انما هو اسم لساعات معلومه من قطع الشمس و القمر درج الفلك.

و إذا كان صحيحا ان الارض و السماء و ما فيهما، سوى ما ذكرنا، قد كانت و لا شمس و لا قمر- كان معلوما ان ذلك كله كان و لا ليل و لا نهار.

و كذلك حديث ابى هريرة عن [رسول الله ص، لأنه اخبر عنه انه قال: خلق الله النور يوم الأربعاء،] يعنى بالنور الشمس ان شاء الله.

فان قال لنا قائل: قد زعمت ان اليوم انما هو اسم لميقات ما بين طلوع الفجر الى غروب الشمس، ثم زعمت الان ان الله خلق الشمس و القمر بعد ايام من أول ابتدائه خلق الأشياء التي خلقها، فاثبت مواقيت، و سميتها بالأيام، و لا شمس و لا قمر، و هذا ان لم تات ببرهان على صحته، فهو كلام ينقض بعضه بعضا!

25

قيل: ان الله سمى ما ذكرته أياما، فسميته بالاسم الذى سماه به، و كان وجه تسميه ذلك أياما، و لا شمس و لا قمر، نظير قوله عز و جل: «وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا» و لا بكره و لا عشى هنالك، إذ كان لا ليل في الآخرة و لا شمس و لا قمر، كما قال جل و عز: «وَ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ‏».

فسمى تعالى ذكره يوم القيامه يوما عقيما، إذ كان يوما لا ليل بعد مجيئه، و انما اريد بتسميه ما سمى أياما قبل خلق الشمس و القمر قدر مده الف عام من اعوام الدنيا، التي العام منها اثنا عشر شهرا من شهور اهل الدنيا، التي تعد ساعاتها و أيامها بقطع الشمس و القمر درج الفلك، كما سمى بكره و عشيا لما يرزقه اهل الجنه في قدر المده التي كانوا يعرفون ذلك من الزمان في الدنيا بالشمس و مجراها في الفلك، و لا شمس عندهم و لا ليل و بنحو الذى قلنا في ذلك قال السلف من اهل العلم.

ذكر بعض من حضرنا ذكره ممن قال ذلك:

حدثنى القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى الحجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد انه قال: يقضى الله عز و جل امر كل شي‏ء الف سنه الى الملائكة، ثم كذلك حتى يمضى الف سنه، ثم يقضى امر كل شي‏ء ألفا، ثم كذلك ابدا، قال: «فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ» قال: اليوم ان يقول لما يقضى الى الملائكة الف سنه: كن فيكون، و لكن سماه يوما، سماه كما شاء كل ذلك‏

26

عن مجاهد، قال: و قوله تعالى: «وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏» قال: هو هو سواء.

و بنحو الذى ورد عن رسول الله(ص)من الخبر، بان الله جل جلاله خلق الشمس و القمر بعد خلقه السموات و الارض و أشياء غير ذلك، ورد الخبر عن جماعه من السلف انهم قالوه.

ذكر الخبر عمن قال ذلك منهم:

حدثنا ابو هشام الرفاعى، حدثنا ابن يمان، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، عن ابن عباس:

«فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏».

قال: قال الله عز و جل للسموات: اطلعى شمسى و قمرى، و اطلعى نجومى.

و قال للأرض: شققى انهارك، و اخرجى ثمارك، فقالتا: أتينا طائعين.

حدثنا بشر بن معاذ،: قال حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة:

«وَ أَوْحى‏ فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها»، خلق فيها شمسها و قمرها و نجومها و صلاحها.

فقد بينت هذه الاخبار التي ذكرناها عن رسول الله(ص)و عمن ذكرناها عنه ان الله عز و جل خلق السموات و الارض قبل خلقه الزمان و الأيام و الليالى، و قبل الشمس و القمر و الله اعلم‏

27

القول في الإبانة عن فناء الزمان و الليل و النهار و ان لا شي‏ء يبقى غير الله تعالى ذكره‏

و الدلالة على صحه ذلك قول الله تعالى ذكره: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏»، و قوله تعالى: «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏» فان كان كل شي‏ء هالك غير وجهه- كما قال جل و عز- و كان الليل و النهار ظلمه او نورا خلقهما لمصالح خلقه، فلا شك انهما فانيان هالكان، كما اخبر، و كما قال: «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ‏» يعنى بذلك انها عميت فذهب ضوءها، و ذلك عند قيام الساعة، و هذا ما لا يحتاج الى الاكثار فيه، إذ كان مما يدين بالاقرار به جميع اهل التوحيد من اهل الاسلام و اهل التوراة و الانجيل و المجوس، و انما ينكره قوم من غير اهل التوحيد، لم نقصد بهذا الكتاب قصد الإبانة عن خطا قولهم فكل الذين ذكرنا عنهم انهم مقرون بفناء جميع العالم حتى لا يبقى غير القديم الواحد، مقرون بان الله عز و جل محييهم بعد فنائهم، و باعثهم بعد هلاكهم، خلا قوم من عبده الأوثان، فإنهم يقرون بالفناء، و ينكرون البعث‏

28

القول في الدلالة على ان الله عز و جل القديم الاول قبل شي‏ء و انه هو المحدث كل شي‏ء بقدرته تعالى ذكره فمن الدلالة على ذلك انه لا شي‏ء في العالم مشاهد الا جسم او قائم بجسم، و انه لا جسم الا مفترق او مجتمع، و انه لا مفترق منه الا و هو موهوم فيه الائتلاف الى غيره من اشكاله، و لا مجتمع منه الا و هو موهوم فيه الافتراق، و انه متى عدم أحدهما عدم الآخر معه، و انه إذا اجتمع الجزءان منه بعد الافتراق، فمعلوم ان اجتماعهما حادث فيهما بعد ان لم يكن، و ان الافتراق إذا حدث فيهما بعد الاجتماع، فمعلوم ان الافتراق فيهما حادث بعد ان لم يكن.

و إذا كان الأمر فيما في العالم من شي‏ء كذلك، و كان حكم ما لم يشاهد و ما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم او قائم بجسم، و كان ما لم يخل من الحدث لا شك انه محدث بتاليف مؤلف له ان كان مجتمعا، و تفريق مفرق له ان كان مفترقا و كان معلوما بذلك ان جامع ذلك ان كان مجتمعا، و مفرقه ان كان مفترقا من لا يشبهه، و من لا يجوز عليه الاجتماع و الافتراق، و هو الواحد القادر الجامع بين المختلفات، الذى لا يشبهه شي‏ء، و هو على كل شي‏ء قدير- فبين بما وصفنا ان بارئ الأشياء و محدثها كان قبل كل شي‏ء، و ان الليل و النهار و الزمان و الساعات محدثات، و ان محدثها الذى يدبرها و يصرفها قبلها، إذ كان من المحال ان يكون شي‏ء يحدث شيئا الا و محدثه قبله، و ان في قوله تعالى ذكره:

«أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ‏»، لابلغ الحجج،

29

و ادل الدلائل- لمن فكر بعقل، و اعتبر بفهم- على قدم بارئها، و حدوث كل ما جانسها، و ان لها خالقا لا يشبهها.

و ذلك ان كل ما ذكر ربنا تبارك و تعالى في هذه الآية من الجبال و الارض و الإبل فان ابن آدم يعالجه و يدبره بتحويل و تصريف و حفر و نحت و هدم، غير ممتنع عليه شي‏ء من ذلك ثم ان ابن آدم مع ذلك غير قادر على ايجاد شي‏ء من ذلك من غير اصل، فمعلوم ان العاجز عن ايجاد ذلك لم يحدث نفسه، و ان الذى هو غير ممتنع ممن اراد تصريفه و تقليبه لم يوجده من هو مثله، و لا هو اوجد نفسه، و ان الذى انشاه و اوجد عينه هو الذى لا يعجزه شي‏ء اراده، و لا يمتنع عليه احداث شي‏ء شاء احداثه، و هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ.

فان قال قائل: فما تنكر ان تكون الأشياء التي ذكرت من فعل قديمين؟

قيل: أنكرنا ذلك لوجودنا اتصال التدبير و تمام الخلق، فقلنا: لو كان المدبر اثنين، لم يخلوا من اتفاق او اختلاف، فان كانا متفقين فمعناهما واحد، و انما جعل الواحد اثنين من قال بالاثنين و ان كانا مختلفين كان محالا وجود الخلق على التمام و التدبير على الاتصال، لان المختلفين، فعل كل واحد منهما خلاف فعل صاحبه، بان أحدهما إذا أحيا أمات الآخر، و إذا اوجد أحدهما افنى الآخر، فكان محالا وجود شي‏ء من الخلق على ما وجد عليه من التمام و الاتصال.

و في قول الله عز و جل ذكره: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ‏»، و قوله عز و جل: «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَتَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏»

30

ابلغ حجه، و اوجز بيان، و ادل دليل على بطول ما قاله المبطلون من اهل الشرك بالله، و ذلك ان السموات و الارض لو كان فيهما اله غير الله، لم يخل امرهما مما وصفت من اتفاق و اختلاف و في القول باتفاقهما فساد القول بالتثنيه، و اقرار بالتوحيد، و احاله في الكلام بان قائله سمى الواحد اثنين و في القول باختلافهما، القول بفساد السموات و الارض، كما قال ربنا جل و عز: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» لان أحدهما كان إذا احدث شيئا و خلقه كان من شان الآخر اعدامه و ابطاله، و ذلك ان كل مختلفين فافعالهما مختلفه، كالنار التي تسخن، و الثلج الذى يبرد ما أسخنته النار و اخرى، ان ذلك لو كان كما قاله المشركون بالله لم يخل كل واحد من الاثنين اللذين اثبتوهما قديمين من ان يكونا قويين او عاجزين، فان كانا عاجزين فالعاجز مقهور و غير كائن إلها و ان كانا قويين فان كل واحد منهما بعجزه عن صاحبه عاجز، و العاجز لا يكون إلها و ان كان كل واحد منهما قويا على صاحبه عاجز، و العاجز لا يكون إلها و ان كان كل واحد منهما قويا على صاحبه، فهو بقوة صاحبه عليه عاجز، تعالى ذكره عما يشرك المشركون! فتبين إذا ان القديم بارئ الأشياء و صانعها هو الواحد الذى كان قبل كل شي‏ء، و هو الكائن بعد كل شي‏ء، و الاول قبل كل شي‏ء، و الآخر بعد كل شي‏ء، و انه كان و لا وقت و لا زمان، و لا ليل و لا نهار، و لا ظلمه و لا نور الا نور وجهه الكريم و لا سماء و لا ارض، و لا شمس و لا قمر و لا نجوم، و ان كل شي‏ء سواه محدث مدبر مصنوع، انفرد بخلق جميعه بغير شريك و لا معين و لا ظهير، سبحانه من قادر قاهر! و قد حدثنى على بن سهل الرملي، قال: حدثنا زيد بن ابى الزرقاء، عن جعفر، عن يزيد بن الأصم، عن ابى هريرة، [ان النبي(ص)قال:

31

انكم تسألون بعدي عن كل شي‏ء، حتى يقول القائل: هذا الله خلق كل شي‏ء فمن ذا خلقه!].

حدثنى على، حدثنا زيد، عن جعفر، قال: قال يزيد بن الأصم:

حدثنى نجبه بن صبيغ، قال: كنت عند ابى هريرة فسألوه عن هذا فكبر و قال:

ما حدثنى خليلى بشي‏ء الا قد رايته- او انا انتظره قال جعفر: فبلغني انه قال: إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا: الله خالق كل شي‏ء، و الله كان قبل كل شي‏ء، و الله كائن بعد كل شي‏ء.

فإذا كان معلوما ان خالق الأشياء و بارئها كان و لا شي‏ء غيره، و انه احدث الأشياء فدبرها، و انه قد خلق صنوفا من خلقه قبل خلق الازمنه و الأوقات، و قبل خلق الشمس و القمر اللذين يجريهما في افلاكهما، و بهما عرفت الأوقات و الساعات، و ارخت التاريخات، و فصل بين الليل و النهار، فلنقل: فيم ذلك الخلق الذى خلق قبل ذلك؟ و ما كان اوله؟

32

القول في ابتداء الخلق ما كان اوله‏

صح الخبر عن رسول الله(ص)بما حدثنى به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنى معاويه بن صالح- و حدثنى عبيد بن آدم بن ابى اياس العسقلاني، قال: حدثنا ابى، قال:

حدثنا الليث بن سعد، عن معاويه بن صالح- عن أيوب بن زياد، قال:

حدثنى عباده بن الوليد بن عباده بن الصامت، قال: أخبرني ابى، قال:

قال ابى عباده بن الصامت: [يا بنى سمعت رسول الله(ص)يقول:

ان أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن‏].

حدثنى احمد بن محمد بن حبيب، قال: حدثنا على بن الحسن بن شقيق، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن ابى بزه، عن سعيد بن جبير، عن [ابن عباس انه كان يحدث ان رسول الله(ص)قال: ان أول شي‏ء خلق الله القلم، و امره ان يكتب كل شي‏ء].

حدثنى موسى بن سهل الرملي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن ابى بزه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن رسول الله(ص)بنحوه.

حدثنى محمد بن معاويه الأنماطي، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا عبد الواحد بن سليم، قال: سمعت عطاء، قال: سالت الوليد بن عباده بن الصامت: كيف كانت وصيه ابيك حين حضره الموت؟ قال: دعانى فقال:

33

اى بنى، اتق الله و اعلم انك لن تتقى الله، و لن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، و القدر خيره و شره، [انى سمعت رسول الله(ص)يقول: ان أول ما خلق الله عز و جل خلق القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب و ما اكتب؟ قال:

اكتب القدر، قال: فجرى القلم في تلك الساعة بما كان و بما هو كائن الى الأبد].

و قد اختلف اهل السلف قبلنا في ذلك، فنذكر أقوالهم، ثم نتبع البيان عن ذلك ان شاء الله تعالى.

فقال بعضهم في ذلك بنحو الذى روى عن رسول الله(ص)فيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى واصل بن عبد الأعلى الأسدي، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن الاعمش، عن ابى ظبيان، عن ابن عباس، قال: أول ما خلق الله من شي‏ء القلم فقال له: اكتب، فقال: و ما اكتب يا رب؟ قال: اكتب القدر، قال: فجرى القلم بما هو كائن من ذلك الى قيام الساعة، ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات.

حدثنا واصل بن عبد الأعلى، قال: حدثنا وكيع، عن الاعمش، عن ابى ظبيان، عن ابن عباس نحوه.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن ابى عدى، عن شعبه، عن سليمان، عن ابى ظبيان، عن ابن عباس، قال: أول ما خلق الله من شي‏ء القلم، فجرى بما هو كائن.

حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الاعمش، عن ابى ظبيان- او مجاهد-، عن ابن عباس بنحوه‏

34

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، قال: حدثنا معمر، حدثنا الاعمش ان ابن عباس قال: ان أول شي‏ء خلق القلم.

حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن ابى الضحا مسلم بن صبيح، عن ابن عباس، قال: ان أول شي‏ء خلق ربى عز و جل القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما هو كائن الى ان تقوم الساعة.

و قال آخرون: بل أول شي‏ء خلق الله عز و جل من خلقه النور و الظلمه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه بن الفضل، قال: قال ابن إسحاق:

كان أول ما خلق الله عز و جل النور و الظلمه، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمه ليلا اسود مظلما، و جعل النور نهارا مضيئا مبصرا.

قال ابو جعفر: و اولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول ابن عباس، للخبر الذى ذكرت عن [رسول الله(ص)قبل، انه قال:

أول شي‏ء خلق الله القلم‏].

فان قال لنا قائل: فإنك قلت: اولى القولين- اللذين أحدهما ان أول شي‏ء خلق الله من خلقه القلم، و الآخر انه النور و الظلمه- قول من قال: ان أول شي‏ء خلق الله من خلقه القلم، فما وجه الرواية عن ابن عباس التي حدثكموها ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن ابى هاشم، عن مجاهد، قال: قلت لابن عباس: ان ناسا يكذبون بالقدر، فقال: انهم يكذبون بكتاب الله، لاخذن بشعر احدهم فلانفضن به، ان الله تعالى ذكره كان على عرشه قبل ان يخلق شيئا، فكان أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن الى يوم القيامه،

35

و انما يجرى الناس على امر قد فرغ منه؟.

و عن ابن إسحاق، التي حدثكموها ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: يقول الله عز و جل: «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ»، فكان كما وصف نفسه عز و جل، إذ ليس الا الماء عليه العرش، و على العرش ذو الجلال و الاكرام، فكان أول ما خلق الله النور و الظلمه؟

قيل: اما قول ابن عباس: ان الله تبارك و تعالى كان عرشه على الماء قبل ان يخلق شيئا، فكان أول ما خلق الله القلم- ان كان صحيحا عنه انه قاله- فهو خبر منه ان الله خلق القلم بعد خلقه عرشه، و قد روى عن ابى هاشم هذا الخبر شعبه، و لم يقل فيه ما قال سفيان، من ان الله عز و جل كان على عرشه، فكان أول ما خلق القلم، بل روى ذلك كالذي رواه سائر من ذكرنا من الرواه عن ابن عباس انه قال: أول ما خلق الله عز و جل القلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنى عبد الصمد، قال: حدثنا شعبه، قال: حدثنا ابو هاشم، سمع مجاهدا قال: سمعت عبد الله- لا يدرى ابن عمر او ابن عباس- قال: ان أول ما خلق الله القلم فقال له: اجر، فجرى القلم بما هو كائن، و انما يعمل الناس اليوم فيما قد فرغ منه.

و كذلك قول ابن إسحاق الذى ذكرناه عنه معناه ان الله خلق النور و الظلمه بعد خلقه عرشه، و الماء الذى عليه عرشه و قول رسول الله(ص)الذى رويناه عنه اولى قول في ذلك بالصواب، لأنه كان اعلم قائل في ذلك قولا بحقيقته و صحته، [و قد روينا عنه(ع)انه قال: أول شي‏ء خلقه الله عز و جل القلم‏] من غير استثناء منه شيئا من الأشياء انه تقدم خلق الله اياه خلق القلم، بل عم [بقوله ص: ان أول شي‏ء خلقه الله القلم،] كل‏

36

شي‏ء، و ان القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشا و لا ماء و لا شيئا غير ذلك.

فالرواية التي رويناها عن ابى ظبيان و ابى الضحا، عن ابن عباس، اولى بالصحة عن ابن عباس من خبر مجاهد عنه الذى رواه عنه ابو هاشم، إذ كان ابو هاشم قد اختلف في روايه ذلك عنه شعبه و سفيان، على ما قد ذكرت من اختلافهما فيها.

و اما ابن إسحاق فانه لم يسند قوله الذى قاله في ذلك الى احد، و ذلك من الأمور التي لا يدرك علمها الا بخبر من الله عز و جل، او خبر من رسول الله ص، و قد ذكرت الرواية فيه عن رسول الله ص‏

37

القول في الذى ثنى خلق القلم‏

ثم ان الله جل جلاله خلق بعد القلم- و بعد ان امره فكتب ما هو كائن الى قيام الساعة- سحابا رقيقا، و هو الغمام الذى ذكره جل و عز ذكره في محكم كتابه فقال: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ‏»، و ذلك قبل ان يخلق عرشه، و بذلك ورد الخبر عن رسول الله ص.

حدثنا ابن وكيع و محمد بن هارون القطان، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمه، عن يعلى بن عطاء، [عن وكيع بن حدس، عن عمه ابى رزين، قال: قلت: يا رسول الله، اين كان ربنا قبل ان يخلق خلقه؟ قال:

كان في عماء، ما تحته هواء، و ما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء] حدثنى المثنى بن ابراهيم، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه ابى رزين العقيلي، قال:

38

[قلت: يا رسول الله، اين كان ربنا عز و جل قبل ان يخلق السموات و الارض؟

قال: في عماء، فوقه هواء، و تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء].

حدثنا خلاد بن اسلم، حدثنا النضر بن شميل، قال: حدثنا المسعودى، أخبرنا جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، [عن ابن حصين- و كان من اصحاب رسول الله ص- قال: اتى قوم رسول الله(ص)فدخلوا عليه، فجعل يبشرهم و يقولون: أعطنا، حتى ساء ذلك رسول الله ص، ثم خرجوا من عنده و جاء قوم آخرون، فدخلوا عليه فقالوا: جئنا نسلم على رسول الله ص، و نتفقه في الدين، و نسأله عن بدء هذا الأمر، قال: فاقبلوا البشرى إذ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا، قالوا: قبلنا، فقال رسول الله ص: كان الله لا شي‏ء غيره، و كان عرشه على الماء و كتب في الذكر قبل كل شي‏ء، ثم خلق سبع سموات‏] ثم أتاني آت فقال: تلك ناقتك قد ذهبت، فخرجت ينقطع دونها السراب، و لوددت انى تركتها.

حدثنى ابو كريب، حدثنا ابو معاويه، عن الاعمش عن جامع ابن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن الحصين، قال: [قال رسول الله ص: أقبلوا البشرى يا بنى تميم، فقالوا: قد بشرتنا فأعطنا فقال:

أقبلوا البشرى يا اهل اليمن، فقالوا: قد قبلنا، فأخبرنا عن هذا الأمر كيف كان؟ فقال رسول الله ص: كان الله عز و جل على العرش، و كان قبل كل شي‏ء، و كتب في اللوح كل شي‏ء يكون‏] قال: فأتاني آت فقال:

يا عمران، هذه ناقتك قد حلت عقالها، فقمت، فإذا السراب ينقطع بيني و بينها، فلا ادرى ما كان بعد ذلك‏

39

ثم اختلف في الذى خلق تعالى ذكره بعد العماء، فقال بعضهم: خلق بعد ذلك عرشه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى محمد بن سنان، حدثنا ابو سلمه، قال: حدثنا حيان ابن عبيد الله، عن الضحاك بن مزاحم، قال، قال ابن عباس: ان الله عز و جل خلق العرش أول ما خلق، فاستوى عليه.

و قال آخرون: خلق الله عز و جل الماء قبل العرش، ثم خلق عرشه فوضعه على الماء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى بن هارون الهمدانى، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط بن نصر، عن السدى في خبر ذكره، عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن عبد الله بن مسعود- و عن ناس من اصحاب رسول الله ص- قالوا: ان الله عز و جل كان عرشه على الماء، و لم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء.

حدثنى محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنى عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: ان العرش كان قبل ان يخلق السموات و الارض على الماء، فلما اراد ان يخلق السموات و الارض قبض من صفاه الماء قبضه، ثم فتح القبضه فارتفعت دخانا، ثم قضاهن سبع سموات في يومين، و دحا الارض في يومين، و فرغ من الخلق اليوم السابع.

و قد قيل: ان الذى خلق ربنا عز و جل بعد القلم الكرسي، ثم خلق بعد الكرسي العرش، ثم بعد ذلك خلق الهواء و الظلمات، ثم خلق الماء، فوضع عرشه عليه‏

40

قال ابو جعفر: و اولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: ان الله تبارك و تعالى خلق الماء قبل العرش، لصحه الخبر الذى ذكرت قبل عن ابى رزين العقيلي عن [رسول الله(ص)انه قال حين سئل:

اين كان ربنا عز و جل قبل ان يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء، ما تحته هواء، و ما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء،] فاخبر(ص)ان الله خلق عرشه على الماء و محال إذ كان خلقه على الماء ان يكون خلقه عليه، و الذى خلقه عليه غير موجود، اما قبله او معه، فإذا كان ذلك كذلك، فالعرش لا يخلو من احد امرين، اما ان يكون خلق بعد خلق الله الماء، و اما ان يكون خلق هو و الماء معا فاما ان يكون خلقه قبل خلق الماء، فذلك غير جائز صحته على ما روى عن ابى رزين، عن النبي ص.

و قد قيل: ان الماء كان على متن الريح حين خلق عرشه عليه، فان كان ذلك كذلك، فقد كان الماء و الريح خلقا قبل العرش.

ذكر من قال: كان الماء على متن الريح:

حدثنى ابن وكيع، قال: حدثنا ابى، عن سفيان، عن الاعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن قوله عز و جل:

«وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ»: على اى شي‏ء كان الماء؟ قال: على متن الريح.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الاعمش، عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن قوله عز و جل:

«و كان عرشه على الماء»: على اى شي‏ء كان الماء؟ قال: على متن الريح‏

41

حدثنا القاسم بن الحسن، حدثنا الحسين بن داود، حدثنى حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.

قال: و السموات و الارض و كل ما فيهن من شي‏ء يحيط بها البحار، و يحيط بذلك كله الهيكل، و يحيط بالهيكل- فيما قيل- الكرسي.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنى عبد الصمد انه سمع وهبا يقول- و ذكر من عظمته- فقال: ان السموات و الارض و البحار لفي الهيكل، و ان الهيكل لفي الكرسي، و ان قدميه عز و جل لعلى الكرسي، و هو يحمل الكرسي، و قد عاد الكرسي كالنعل في قدميه.

و سئل وهب: ما الهيكل؟ قال: شي‏ء من اطراف السموات محدق بالأرضين و البحار كاطناب الفسطاط.

و سئل وهب عن الارضين: كيف هي؟ قال: هي سبع ارضين ممهده جزائر، بين كل ارضين بحر، و البحر محيط بذلك كله، و الهيكل من وراء البحر و قد قيل: انه كان بين خلقه القلم و خلقه سائر خلقه الف عام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنا مبشر الحلبى، عن ارطاه بن المنذر، قال: سمعت ضمره يقول: ان الله خلق القلم، فكتب به ما هو خالق و ما هو كائن من خلقه، ثم ان ذلك الكتاب سبح الله و مجده الف عام قبل ان يخلق شيئا من الخلق، فلما اراد جل جلاله خلق السموات و الارض خلق- فيما ذكر- أياما سته، فسمى كل يوم منهن باسم غير الذى سمى به الآخر

42

و قيل: ان اسم احد تلك الأيام السته ابجد، و اسم الآخر منهن هوز، و اسم الثالث منهن حطي، و اسم الرابع منهن كلمن، و اسم الخامس منهن سعفص، و اسم السادس منهن قرشت.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى الحضرمى، قال: حدثنا مصرف بن عمرو اليامى، حدثنا حفص ابن غياث، عن العلاء بن المسيب، عن رجل من كنده، قال: سمعت الضحاك ابن مزاحم يقول: خلق الله السموات و الارض في سته ايام، ليس منها يوم الا له اسم: ابجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت و قد حدث به عن حفص غير مصرف و قال: عنه، عن العلاء بن المسيب، قال: حدثنى شيخ من كنده قال: لقيت الضحاك بن مزاحم فحدثني قال: سمعت زيد بن ارقم قال: ان الله تعالى خلق السموات و الارض في سته ايام، لكل يوم منها اسم: ابجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت.

و قال آخرون: بل خلق الله واحدا فسماه الأحد، و خلق ثانيا فسماه الاثنين، و خلق ثالثا فسماه الثلاثاء، و رابعا فسماه الأربعاء، و خامسا فسماه الخميس.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن غالب بن غلاب، عن عطاء بن ابى رباح، عن ابن عباس، قال: ان الله خلق يوما واحدا فسماه الأحد، ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسا فسماه الخميس‏

43

و هذان القولان غير مختلفين، إذ كان جائزا ان تكون أسماء ذلك بلسان العرب على ما قاله عطاء، و بلسان آخرين، على ما قاله الضحاك بن مزاحم.

و قد قيل ان الأيام سبعه لا سته ذكر من قال ذلك:

حدثنى محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم، حدثنى عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه: يقول: الأيام سبعه.

و كلا القولين- اللذين روينا أحدهما عن الضحاك و عطاء، من ان الله خلق الأيام السته، و الآخر منهما عن وهب بن منبه من ان الأيام سبعه- صحيح مؤتلف غير مختلف، و ذلك ان معنى قول عطاء و الضحاك في ذلك كان ان الأيام التي خلق الله فيهن الخلق من حين ابتدائه في خلق السماء و الارض و ما فيهن الى ان فرغ من جميعه سته ايام، كما قال جل ثناؤه: «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏»، و ان معنى قول وهب بن منبه في ذلك كان ان عدد الأيام التي هي ايام الجمعه سبعه ايام لا سته.

و اختلف السلف في اليوم الذى ابتدأ الله عز و جل فيه في خلق السموات و الارض، فقال بعضهم: ابتدأ في ذلك يوم الأحد.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن الشيبانى،

3

عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قال عبد الله بن سلام: ان الله تبارك و تعالى ابتدأ الخلق، فخلق الارض يوم الأحد و يوم الاثنين‏

44

حدثنى المثنى بن ابراهيم، حدثنى عبد الله بن صالح، حدثنى ابو معشر، عن سعيد بن ابى سعيد، عن عبد الله بن سلام انه قال: ان الله عز و جل بدا الخلق يوم الأحد، فخلق الارضين في الأحد و الاثنين.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن الاعمش، عن ابى صالح، عن كعب، قال: بدا الله خلق السموات و الارض يوم الأحد و الاثنين.

حدثنى محمد بن ابى منصور الاملى، حدثنا على بن الهيثم، عن المسيب بن شريك، عن ابى روق، عن الضحاك في قوله تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏» قال: من ايام الآخرة، كل يوم مقداره الف سنه، ابتدأ الخلق يوم الأجد.

حدثنى المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا ابو عوانه، عن ابى بشر، عن مجاهد، قال: بدا الخلق يوم الأحد و قال آخرون: اليوم الذى ابتدأ الله فيه في ذلك يوم السبت.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه بن الفضل، قال: حدثنى محمد ابن ابى إسحاق، قال: يقول اهل التوراة: ابتدأ الله الخلق يوم الأحد:

و قال اهل: الانجيل: ابتدأ الله الخلق يوم الاثنين و نقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا من رسول الله ص: ابتدأ الله الخلق يوم السبت.

و قد روى عن رسول الله(ص)الذى قال كل فريق من هذين الفريقين اللذين قال أحدهما: ابتدأ الله الخلق في يوم الأحد، و قال الآخر منهما:

ابتدأ في يوم السبت، و قد مضى ذكرنا الخبرين، غير انا نعيد من ذلك في هذا

45

الموضع بعض ما فيه من الدلالة على صحه قول كل فريق منهما.

فاما الخبر عنه بتحقيق ما قال القائلون: كان ابتداء الخلق يوم الأحد، فما حدثنا به هناد بن السرى، قال: حدثنا ابو بكر بن عياش، عن ابى سعد البقال، عن عكرمه، عن ابن عباس- قال هناد: و قرات سائر الحديث- ان اليهود أتت النبي(ص)فسألته عن خلق السموات و الارض فقال: خلق الله الارض يوم الأحد و الاثنين.

و اما الخبر عنه بتحقيق ما قاله القائلون من ان ابتداء الخلق كان يوم السبت، فما حدثنى القاسم بن بشر بن معروف و الحسين بن على الصدائى، قالا:

حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني اسماعيل بن اميه، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمه، عن ابى هريرة، قال: [أخذ رسول الله(ص)بيدي، فقال: خلق الله التربة يوم السبت، و خلق الجبال يوم الأحد].

و اولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: اليوم الذى ابتدأ الله تعالى ذكره فيه خلق السموات و الارض يوم الأحد، لاجماع السلف من اهل العلم على ذلك.

فاما ما قال ابن إسحاق في ذلك، فانه انما استدل- بزعمه- على ان ذلك كذلك، لان الله عز ذكره فرغ من خلق جميع خلقه يوم الجمعه، و ذلك اليوم السابع، و فيه استوى على العرش، و جعل ذلك اليوم عيدا للمسلمين، و دليله على ما زعم انه استدل به على صحه قوله فيما حكينا عنه من ذلك هو الدليل على خطئه فيه، و ذلك ان الله تبارك و تعالى اخبر عباده في غير موضع من محكم تنزيله، انه خلق السموات و الارض و ما بينهما في سته ايام، فقال: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ‏

46

السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ‏» و قال تعالى ذكره:

«قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى‏ فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏».

و لا خلاف بين جميع اهل العلم ان اليومين اللذين ذكرهما الله تبارك و تعالى في قوله: «فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ‏» داخلان في الأيام السته اللاتي ذكرهن قبل ذلك، فمعلوم إذ كان الله عز و جل انما خلق السموات و الارضين و ما فيهن في سته ايام، و كانت الاخبار مع ذلك متظاهره عن رسول الله(ص)بان آخر ما خلق الله من خلقه آدم، و ان خلقه اياه كان في يوم الجمعه- ان يوم الجمعه الذى فرغ فيه من خلق خلقه داخل في الأيام السته التي اخبر الله تعالى ذكره انه خلق خلقه فيهن، لان ذلك لو لم يكن داخلا في الأيام السته كان انما خلق خلقه في سبعه ايام، لا في سته، و ذلك خلاف ما جاء به التنزيل، فتبين إذا- إذ كان الأمر كالذي وصفنا في ذلك- ان أول الأيام التي ابتدأ الله فيها خلق السموات و الارض و ما فيهن من خلقه يوم الأحد، إذ كان الآخر يوم الجمعه، و ذلك سته ايام، كما قال ربنا جل جلاله.

فاما الاخبار الوارده عن رسول الله(ص)و عن اصحابه بان الفراغ من الخلق كان يوم الجمعه، فسنذكرها في مواضعها ان شاء الله تعالى‏

47

القول فيما خلق الله في كل يوم من الأيام السته التي ذكر الله في كتابه انه خلق فيهن السموات و الارض و ما بينهما

اختلف السلف من اهل العلم في ذلك:

فقال بعضهم ما حدثنى به المثنى بن ابراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى ابو معشر، عن سعيد بن ابى سعيد، عن عبد الله بن سلام، انه قال: ان الله بدا الخلق يوم الأحد، فخلق الارضين في الأحد و الاثنين، و خلق الأقوات و الرواسي في الثلاثاء و الأربعاء، و خلق السموات في الخميس و الجمعه، و فرغ في آخر ساعه من يوم الجمعه، فخلق فيها آدم على عجل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.

حدثنى موسى بن هارون، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا اسباط، عن السدى، في خبر ذكره عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب النبي(ص)قالوا: جعل- يعنون ربنا تبارك و تعالى- سبع ارضين في يومين: الأحد و الاثنين، و جعل فيها رواسى ان تميد بكم، و خلق الجبال فيها و اقوات أهلها، و شجرها و ما ينبغى لها في يومين: في الثلاثاء و الأربعاء، ثم استوى الى السماء و هي دخان فجعلها سماء واحده، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين: الخميس و الجمعه.

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن غالب ابن غلاب، عن عطاء بن ابى رباح، عن ابن عباس، قال: خلق الله الارض في يومين الأحد و الاثنين.

ففي قول هؤلاء خلقت الارض قبل السماء، لأنها خلقت عندهم في الأحد و الاثنين‏

48

و قال آخرون: خلق الله عز و جل الارض قبل السماء بأقواتها من غير ان يدحوها، ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا الارض بعد ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى على بن داود، قال: حدثنا ابو صالح، قال: حدثنى معاويه، عن على بن ابى طلحه، عن ابن عباس: قوله عز و جل حيث ذكر خلق الارض قبل السماء، ثم ذكر السماء قبل الارض، و ذلك ان الله خلق الارض بأقواتها من غير ان يدحوها قبل السماء، ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا الارض بعد ذلك، فذلك قوله تعالى: «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها».

حدثنى محمد بن سعد، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى عمى، قال:

حدثنى ابى، عن‏

9

ابيه‏

9

، عن ابن عباس: «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها وَ الْجِبالَ أَرْساها»، يعنى انه خلق السموات و الارض، فلما فرغ من السماء قبل ان يخلق اقوات الارض بث اقوات الارض فيها بعد خلق السماء، و ارسى الجبال- يعنى بذلك دحوها- و لم تكن تصلح اقوات الارض و نباتها الا بالليل و النهار، فذلك قوله عز و جل: «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها»، ا لم تسمع انه قال: «أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها»؟ قال ابو جعفر: و الصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله الذين قالوا:

ان الله خلق الارض يوم الأحد، و خلق السماء يوم الخميس، و خلق النجوم و الشمس و القمر يوم الجمعه لصحه الخبر الذى ذكرنا قبل عن ابن عباس، عن رسول الله(ص)بذلك و غير مستحيل ما روينا في ذلك عن ابن عباس من القول، و هو ان يكون الله تعالى ذكره خلق الارض و لم يدحها، ثم خلق السموات فسواهن، ثم دحا الارض بعد ذلك، فاخرج منها ماءها

49

و مرعاها، و الجبال أرساها، بل ذلك عندي هو الصواب من القول في ذلك، و ذلك ان معنى الدحو غير معنى الخلق، و قد قال الله عز و جل: «أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها. وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها وَ الْجِبالَ أَرْساها».

فان قال قائل: فإنك قد علمت ان جماعه من اهل التأويل قد وجهت قول الله: «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها» الى معنى مع ذلك دحاها، فما برهانك على صحه ما قلت، من ان ذلك بمعنى بعد التي هي خلاف قبل؟

قيل: المعروف من معنى بعد في كلام العرب هو الذى قلنا من انها بخلاف معنى قبل لا بمعنى مع، و انما توجه معاني الكلام الى الاغلب عليه من معانيه المعروفه في اهله، لا الى غير ذلك.

و قد قيل: ان الله خلق البيت العتيق على الماء على اربعه اركان، قبل ان يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الارض من تحته.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن عكرمه، عن ابن عباس قال: وضع البيت على الماء على اربعه اركان، قبل ان يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الارض من تحت البيت.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن الاعمش، عن بكير بن الاخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر، قال: خلق الله البيت قبل الارض بألفي سنه، و منه دحيت الارض.

و إذا كان الأمر كذلك كان خلق الارض قبل خلق السموات، و دحو

50

الارض و هو بسطها بأقواتها و مراعيها و نباتها، بعد خلق السموات، كما ذكرنا عن ابن عباس.

و قد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنى مهران، عن ابن سنان، عن ابى بكر، [قال: جاء اليهود الى النبي(ص)فقالوا:

يا محمد، أخبرنا: ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام السته؟ فقال: خلق الارض يوم الأحد و الاثنين، و خلق الجبال يوم الثلاثاء، و خلق المدائن و الأقوات و الانهار و عمرانها و خرابها يوم الأربعاء، و خلق السموات و الملائكة يوم الخميس، الى ثلاث ساعات بقين من يوم الجمعه، و خلق في أول الثلاث ساعات الآجال، و في الثانيه الآفة، و في الثالثه آدم قالوا: صدقت ان اتممت، فعرف النبي(ص)ما يريدون، فغضب، فانزل الله تعالى: «وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ‏]».

فان قال قائل: فان كان الأمر كما وصفت من ان الله تعالى خلق الارض قبل السماء، فما معنى قول ابن عباس الذى حدثكموه واصل ابن عبد الأعلى الأسدي، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن الاعمش، عن ابى ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله تعالى من شي‏ء القلم، فقال له: اكتب، فقال: و ما اكتب يا رب؟ قال: اكتب القدر، قال:

فجرى القلم بما هو كائن من ذلك الى قيام الساعة، ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات، ثم خلق النون، فدحيت الارض على ظهره، فاضطرب النون، فمادت الارض فاثبتت بالجبال، فإنها لتفخر على الارض‏

51

حدثنى واصل، قال: حدثنا وكيع، عن الاعمش، عن ابى ظبيان، عن ابن عباس نحوه.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن ابى عدى، عن شعبه، عن سليمان، عن ابى ظبيان، عن ابن عباس، قال: أول ما خلق الله تعالى القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء، فخلقت منه السموات، ثم خلق النون، فبسطت الارض على ظهر النون، فتحرك النون، فمادت الارض فاثبت بالجبال، فان الجبال لتفخر على الارض قال: و قرأ: «ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ‏».

حدثنى تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الاعمش، عن ابى ظبيان- او مجاهد- عن ابن عباس بنحوه، الا انه قال: ففتقت منه السموات.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنى سليمان، عن ابى ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله تعالى القلم فقال: اكتب، فقال: ما اكتب؟ قال: اكتب القدر، قال: فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم الى قيام الساعة ثم خلق النون، و رفع بخار الماء ففتقت منه السماء، و بسطت الارض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الارض فاثبتت بالجبال، قال: فإنها لتفخر على الارض.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن ابى الضحى مسلم بن صبيح، عن ابن عباس قال: أول شي‏ء خلق‏

52

الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما هو كائن الى ان تقوم الساعة، ثم خلق النون فوق الماء، ثم كبس الارض عليه.

قيل: ذلك صحيح على ما روى عنه و عن غيره من معنى ذلك مشروحا مفسرا غير مخالف شيئا مما رويناه عنه في ذلك.

فان قال: و ما الذى روى عنه و عن غيره من شرح ذلك الدال على صحه كل ما رويت لنا في هذا المعنى عنه؟

قيل له: حدثنى موسى بن هارون الهمدانى و غيره، قالوا: حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا اسباط بن نصر، عن السدى، عن ابى مالك، و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن عبد الله بن مسعود- و عن ناس من اصحاب رسول الله(ص)«هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ‏» قال: ان الله تعالى كان عرشه على الماء و لم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء، فلما اراد ان يخلق الخلق اخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء، فسما عليه، فسماه سماء، ثم ايبس الماء، فجعله أرضا واحده، ثم فتقها فجعلها سبع ارضين في يومين، في الأحد و الاثنين، فخلق الارض على حوت- و الحوت هو النون الذى ذكر الله عز و جل في القرآن: «ن وَ الْقَلَمِ‏»- و الحوت في الماء، و الماء على ظهر صفاه، و الصفاة على ظهر ملك، و الملك على صخره، و الصخرة على الريح- و هي الصخرة التي ذكر لقمان- ليست في السماء و لا في الارض، فتحرك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الارض، فأرسى عليها الجبال فقرت، فالجبال‏