تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج2

- ابن جرير الطبري المزيد...
657 /
5

الجزء الثاني‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ذكر الخبر عن اصحاب الكهف‏

و كان اصحاب الكهف فتية آمنوا بربهم، كما وصفهم الله عز و جل به من صفتهم في القرآن المجيد، فقال لنبيه محمد ص:

«أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً».

و الرقيم هو الكتاب الذى كان القوم الذين منهم كان الفتيه، كتبوه في لوح بذكر خبرهم و قصصهم، ثم جعلوه على باب الكهف الذى اووا اليه، او نقروه في الجبل الذى اووا اليه، او كتبوه في لوح و جعلوه في صندوق خلفوه عندهم، إِذْ أَوَى‏ الفتاه‏ إِلَى الْكَهْفِ‏.

و كان عدد الفتيه- فيما ذكر ابن عباس- سبعه، و ثامنهم كلبهم.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمه، عن ابن عباس: «ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ‏»، قال: انا من القليل، كانوا سبعه.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا ان ابن عباس كان يقول: انا من أولئك القليل الذين استثنى الله تعالى، كانوا سبعة وَ ثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ‏

6

قال: و كان اسم احدهم- و هو الذى كان يلى شرا الطعام لهم، الذى ذكره الله عنهم انهم قالوا اذهبوا من رقدتهم: «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ‏».

حدثنى عبد الله بن محمد الزهري، قال: حدثنا سفيان، عن مقاتل:

«فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ»- اسمه يمنيخ.

و اما ابن إسحاق فانه قال- فيما حدثنا به ابن حميد- قال: حدثنا سلمه، عنه: اسمه يمليخا.

و كان ابن إسحاق يقول: كان عدد الفتيه ثمانية، فعلى قوله كان كلبهم تاسعهم و كان- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق- يسميهم فيقول: كان احدهم- و هو اكبرهم و الذى كلم الملك عن سائرهم- مكسملينا، و الآخر محسملينا، و الثالث يمليخا، و الرابع مرطوس، و الخامس كسوطونس، و السادس بيرونس، و السابع رسمونس، و الثامن بطونس، و التاسع قالوس و كانوا احداثا.

و قد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن ابى نجيح، عن مجاهد، قال: لقد حدثت انه كان على بعضهم من حداثة أسنانهم وضح الورق و كانوا من قوم يعبدون الأوثان من الروم، فهداهم الله للإسلام، و كانت شريعتهم شريعه عيسى في قول جماعه من سلف علمائنا

7

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو- يعنى ابن قيس الملائى- في قوله: «أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ‏»، كانت الفتيه على دين عيسى بن مريم(ص)على الاسلام، و كان ملكهم كافرا و كان بعضهم يزعم ان امرهم و مصيرهم الى الكهف كان قبل المسيح، و ان المسيح اخبر قومه خبرهم، فان الله عز و جل ابتعثهم من رقدتهم بعد ما رفع المسيح، في الفتره بينه و بين محمد ص، و الله اعلم اى ذلك كان.

فاما الذى عليه علماء اهل الاسلام فعلى ان امرهم كان بعد المسيح.

فاما انه كان في ايام ملوك الطوائف، فان ذلك مما لا يدفعه دافع من اهل العلم باخبار الناس القديمه.

و كان لهم في ذلك الزمان ملك يقال له: دقينوس، يعبد الأصنام- فيما ذكر عنه- فبلغه عن الفتيه خلافهم اياه في دينه، فطلبهم فهربوا منه بدينهم، حتى صاروا الى جبل لهم يقال له- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن ابى نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس- نيحلوس.

و كان سبب ايمانهم و خلافهم به قومهم- فيما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، قال: أخبرني اسماعيل بن سدوس،- انه سمع وهب بن منبه يقول: جاء حوارى عيسى بن مريم الى مدينه اصحاب الكهف، فاراد ان يدخلها، فقيل له: ان على بابها صنما لا يدخلها احد الا سجد له، فكره ان يدخلها، فاتى حماما، و كان فيه قريبا من تلك المدينة، فكان يعمل فيه، يؤاجر نفسه من صاحب الحمام.

و راى صاحب الحمام في حمامه البركه، و در عليه الرزق، فجعل يعرض عليه الاسلام و جعل يسترسل اليه و علقه فتية من اهل المدينة و جعل يخبرهم‏

8

خبر السماء و الارض و خبر الآخرة، حتى آمنوا به و صدقوه، و كانوا على مثل حاله في حسن الهيئة، و كان يشرط على صاحب الحمام ان الليل لي، لا تحول بيني و بين الصلاة إذا حضرت فكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة، فدخل بها الحمام، فعيره الحوارى، فقال: أنت ابن الملك و تدخل و معك هذه الكذا! فاستحيا، فذهب فرجع مره اخرى، فقال له مثل ذلك، و سبه و انتهره، و لم يلتفت حتى دخل، و دخلت معه المرأة فماتا في الحمام جميعا، فاتى الملك فقيل له: قتل صاحب الحمام ابنك.

فالتمس فلم يقدر عليه فهرب قال من كان يصحبه: فسموا الفتيه، فالتمسوا فخرجوا من المدينة، فمروا بصاحب لهم في زرع له، و هو على مثل امرهم فذكروا انهم التمسوا، و انطلق معهم و معه الكلب، حتى آواهم الليل الى الكهف، فدخلوه فقالوا: نبيت هاهنا الليلة ثم نصبح ان شاء الله، فترون رأيكم فضرب على آذانهم، فخرج الملك في اصحابه يتبعونهم، حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما اراد رجل ان يدخل ارعب، فلم يطق احد ان يدخل، فقال قائل: ا ليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ قال:

بلى، قال: فابن عليهم باب الكهف، فدعهم فيه يموتوا عطشا و جوعا.

ففعل فغبروا- بعد ما بنى عليهم باب الكهف- زمانا بعد زمان.

ثم ان راعيا ادركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف فادخلته غنمي من المطر! فلم يزل يعالجه حتى فتح ما ادخل فيه، و رد الله اليهم ارواحهم في اجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا احدهم بورق يشترى لهم طعاما، فكلما اتى باب مدينتهم راى شيئا ينكره، حتى دخل على رجل، فقال: بعنى بهذه الدراهم طعاما، قال: و من اين لك هذه الدراهم! قال:

خرجت و اصحاب لي أمس، فآوانا الليل حتى أصبحوا، فأرسلوني، فقال:

9

هذه الدراهم كانت على عهد الملك فلان فانى لك بها! فرفعه الى الملك- و كان ملكا صالحا- فقال: من اين لك هذه الورق؟ قال: خرجت انا و اصحاب لي أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا و كذا، ثم أمروني ان اشترى لهم طعاما قال: و اين أصحابك؟ قال: في الكهف، قال:

فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف، فقال: دعوني ادخل الى اصحابى قبلكم، فلما راوه و دنا منهم ضرب على اذنه و آذانهم، فجعلوا كلما دخل رجل ارعب، فلم يقدروا على ان يدخلوا اليهم، فبنوا عندهم كنيسه، و اتخذوها مسجدا يصلون فيه.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمه، قال: كان اصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، رزقهم الله الاسلام، فتفردوا بدينهم، و اعتزلوا قومهم، حتى انتهوا الى الكهف، فضرب الله على سمخانهم فلبثوا دهرا طويلا، حتى هلكت امتهم، و جاءت أمه مسلمه، و كان ملكهم مسلما، و اختلفوا في الروح و الجسد، فقال قائل: تبعث الروح و الجسد جميعا، و قال قائل: تبعث الروح، و اما الجسد فتأكله الارض، فلا يكون شيئا فشق على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المسوح، و جلس على الرماد، ثم دعا الله عز و جل، فقال: يا رب، قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم ما يبين لهم، فبعث الله اصحاب الكهف، فبعثوا احدهم يشترى لهم طعاما، فدخل السوق، فجعل ينكر الوجوه و يعرف الطرق، و يرى الايمان بالمدينة ظاهرا، فانطلق و هو مستخف، حتى اتى رجلا يشترى منه طعاما، فلما نظر الرجل الى الورق أنكرها- قال: حسبت انه قال: كأنها اخفاف الربع- يعنى الإبل الصغار- قال له الفتى: ا ليس ملككم فلان؟ قال: بل ملكنا فلان، فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه الى الملك، فسأله فاخبره الفتى خبر اصحابه، فبعث الملك في الناس، فجمعهم فقال: انكم قد اختلفتم في الروح و الجسد،

10

و ان الله عز و جل قد بعث لكم آيه، فهذا رجل من قوم فلان- يعنى ملكهم الذى مضى- فقال الفتى: انطلقوا بي الى اصحابى، فركب الملك، و ركب معه الناس، حتى انتهى الى الكهف، فقال الفتى: دعوني ادخل الى اصحابى، فلما ابصرهم ضرب الله على اذنه و على آذانهم، فلما استبطئوه دخل الملك و دخل الناس معه، فإذا اجساد لا ينكرون منها شيئا غير انها لا ارواح فيها.

فقال الملك: هذه آيه بعثها الله لكم.

قال قتادة: و غزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمه، فمروا بالكهف، فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام اصحاب الكهف، فقال ابن عباس:

لقد ذهبت عظامهم منذ اكثر من ثلاثمائة سنه.

قال ابو جعفر: فكان منهم:

11

يونس بن متى‏

- فكان فيما ذكر- من اهل قريه من قرى الموصل يقال لها: نينوى، و كان قومه يعبدون الأصنام، فبعث الله اليهم يونس بالنهى عن عبادتها، و الأمر بالتوبة الى الله من كفرهم، و الأمر بالتوحيد فكان من امره و امر الذين بعث اليهم ما قصه الله في كتابه، فقال عز و جل: «فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى‏ حِينٍ‏» و قال: «وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى‏ فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ‏».

و قد اختلف السلف من علماء أمه نبينا محمد(ص)في ذهابه لربه مغاضبا و ظنه ان لن يقدر عليه، و في حين ذلك.

فقال بعضهم: كان ذلك منه قبل دعائه القوم الذين ارسل اليهم، و قبل ابلاغه إياهم رساله ربه، و ذلك ان القوم الذين ارسل اليهم لما حضرهم عذاب الله امر بالمصير اليهم، ليعلمهم ما قد اظلهم من ذلك، لينيبوا مما هم عليه مقيمون مما يسخطه الله، فاستنظر ربه المصير اليهم، فلم ينظره، فغضب لاستعجال الله اياه للنفوذ لأمره و ترك انظاره‏

12

ذكر من قال ذلك:

حدثنى الحارث، قال: حدثنا الحسن الاشيب، قال: سمعت أبا هلال محمد بن سليم، قال: حدثنا شهر بن حوشب، قال: أتاه جبريل ع- يعنى يونس- و قال: انطلق الى اهل نينوى، فانذرهم ان العذاب قد حضرهم قال: التمس دابه، قال: الأمر اعجل من ذلك، قال:

التمس حذاء، قال: الأمر اعجل من ذلك، قال: فغضب، فانطلق الى السفينة فركب، فلما ركب احتبست السفينة لا تقدم و لا تأخر قال:

فساهموا قال: فسهم، فجاء الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت:

أيا حوت، انا لم نجعل يونس لك رزقا، انما جعلناك له حرزا و مسجدا، فالتقمه الحوت، فانطلق به من ذلك المكان حتى مر به على الأيلة، ثم انطلق حتى مر به على دجلة، ثم انطلق به حتى القاه في نينوى.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ابو هلال، قال:

حدثنا شهر بن حوشب، عن ابن عباس، قال: انما كانت رساله يونس بعد ما نبذه الحوت.

و قال آخرون: كان ذلك منه بعد دعائه من ارسل اليهم الى ما امره الله بدعائهم اليه، و تبليغه إياهم رساله ربه، و لكنه وعدهم نزول ما كان حذرهم من باس الله في وقت وقته لهم، ففارقهم إذ لم يتوبوا و لم يراجعوا طاعه الله و الايمان، فلما أظل القوم عذاب الله، فغشيهم- كما وصف الله في تنزيله- تابوا الى الله، فرفع الله عنهم العذاب، و بلغ يونس سلامتهم و ارتفاع العذاب الذى كان وعدهموه، فغضب من ذلك، و قال: وعدتهم وعدا، فكذب وعدى! فذهب مغاضبا ربه، و كره الرجوع اليهم و قد جربوا عليه الكذب‏

13

ذكر بعض من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن ابى سلمه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعثه الله تعالى- يعنى يونس- الى اهل قريته، فردوا عليه ما جاءهم به، و امتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك اوحى الله اليه: انى مرسل عليهم العذاب في يوم كذا و كذا، فاخرج من بين اظهرهم فاعلم قومه الذى وعدهم الله من عذابه إياهم، فقالوا: ارمقوه، فان هو خرج من بين أظهركم فهو و الله كائن ما وعدكم فلما كانت الليلة التي وعدوا العذاب في صبيحتها ادلج وراءه القوم، فحذروا فخرجوا من القرية الى براز من ارضهم، و فرقوا بين كل دابه و ولدها، ثم عجوا الى الله و استقالوه فاقالهم و تنظر يونس الخبر عن القرية و أهلها حتى مر به مار، فقال: ما فعل اهل القرية؟ فقال: فعلوا ان نبيهم لما خرج من بين اظهرهم عرفوا انه صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم الى براز من الارض، و فرقوا بين كل ذات ولد و ولدها، ثم عجوا الى الله و تابوا اليه، فقبل منهم، و اخر عنهم العذاب قال: فقال يونس عند ذلك و غضب: و الله لا ارجع اليهم كذابا ابدا، وعدتهم العذاب في يوم، ثم رد عنهم! و مضى على وجهه مغاضبا لربه فاستزله الشيطان.

حدثنى المثنى بن ابراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال:

حدثنا عبد الله بن ابى جعفر، عن ابيه، عن الربيع بن انس، قال:

حدثنا رجل قد قرأ القرآن في صدره في اماره عمر بن الخطاب، فحدث عن قوم يونس حيث انذر قومه فكذبوه، فاخبرهم انه مصيبهم العذاب و فارقهم، فلما رأوا ذلك و غشيهم العذاب، لكنهم خرجوا من مساكنهم، و صعدوا

14

في مكان رفيع، و انهم جاروا الى ربهم، و دعوه مخلصين له الدين ان يكشف عنهم العذاب، و ان يرجع اليهم رسولهم، قال: ففي ذلك انزل الله تعالى:

«فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى‏ حِينٍ‏».

فلم يكن قريه غشيها العذاب ثم امسك عنها الا قوم يونس خاصه، فلما راى ذلك يونس، لكنه ذهب عاتبا على ربه، و انطلق مغاضبا، و ظن ان لن يقدر عليه، حتى ركب سفينه، فأصاب أهلها عاصف من الريح فقالوا:

هذه بخطيئة احدكم و قال يونس- و قد عرف انه هو صاحب الذنب: هذه بخطيئتي، فالقونى في البحر و انهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم، «فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ‏»، فقال لهم: قد أخبرتكم ان هذا الأمر بذنبي و انهم أبوا عليه ان يلقوه في البحر، حتى أفاضوا بسهامهم الثانيه، «فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ‏» فقال لهم: قد أخبرتكم ان هذا الأمر بذنبي، و انهم أبوا عليه ان يلقوه في البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثالثه، «فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ‏» فلما راى ذلك القى نفسه في البحر، و ذلك تحت الليل، فابتلعه الحوت «فَنادى‏ فِي الظُّلُماتِ‏»- و عرف الخطيئة- «أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏» و كان قد سبق له من العمل الصالح، فانزل الله فيه فقال: «فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏»، و ذلك ان العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، «فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ‏» و القى على ساحل البحر، و انبت الله عليه شجره من يقطين- و هي فيما ذكر- شجره القرع يتقطر عليه‏

15

من اللبن، حتى رجعت اليه قوته ثم رجع ذات يوم الى الشجرة فوجدها قد يبست، فحزن و بكى عليها، فعوتب فقيل له: ا حزنت على شجره، و بكيت عليها و لم تحزن على مائه الف او زياده اردت هلاكهم جميعا! ثم ان الله اجتباه من الضلالة، فجعله من الصالحين، ثم امر ان ياتى قومه و يخبرهم ان الله قد تاب عليهم فعمد اليهم، حتى لقى راعيا، فسأله عن قوم يونس و عن حالهم، و كيف هم؟ فاخبره انهم بخير، و انهم على رجاء ان يرجع اليهم رسولهم، فقال له: فاخبرهم انى قد لقيت يونس.

فقال: لا استطيع الا بشاهد، فسمى له عنزا من غنمه، فقال: هذه تشهد لك انك قد لقيت يونس، قال: و ما ذا؟ قال: و هذه البقعة التي أنت فيها تشهد لك انك قد لقيت يونس قال: و ما ذا؟ قال: و هذه الشجرة تشهد لك انك قد لقيت يونس و انه رجع الراعى الى قومه فاخبرهم انه لقى يونس فكذبوه و هموا به شرا، فقال: لا تعجلوا على حتى اصبح، فلما اصبح غدا بهم الى البقعة التي لقى فيها يونس فاستنطقها، فاخبرته انه لقى يونس، و سال العنز، فاخبرتهم انه لقى يونس، و استنطقوا الشجرة، فاخبرتهم انه قد لقى يونس ثم ان يونس أتاهم بعد ذلك قال:

«وَ أَرْسَلْناهُ إِلى‏ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى‏ حِينٍ‏».

حدثنى الحسين بن عمرو بن محمد العنقزى، قال: حدثنا ابى، عن إسرائيل، عن ابى إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: حدثنا ابن مسعود في بيت المال، قال: ان يونس كان وعد قومه العذاب، و اخبرهم انه يأتيهم الى ثلاثة ايام، ففرقوا بين كل والده و ولدها، ثم خرجوا فجاروا الى الله، و استغفروه، فكف الله عنهم العذاب، و غدا يونس ينتظر العذاب، فلم ير شيئا، و كان من كذب و لم يكن له بينه قتل‏

16

فانطلق مغاضبا «فَنادى‏ فِي الظُّلُماتِ‏»، قال: ظلمه بطن الحوت، و ظلمه الليل، و ظلمه البحر.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عمن حدثه عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمه زوج النبي ص، قال: سمعت أبا هريرة يقول: [قال رسول الله ص: لما اراد الله حبس يونس في بطن الحوت اوحى الله الى الحوت ان خذه و لا تخدش له لحما، و لا تكسر عظما، فأخذه، ثم هوى به الى مسكنه من البحر.

فلما انتهى به الى اسفل البحر، سمع يونس حسا، فقال في نفسه: ما هذا؟

فاوحى الله اليه و هو في بطن الحوت: ان هذا تسبيح دواب البحر قال:

فسبح و هو في بطن الحوت، قال: فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا، انا لنسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبه قال: ذلك عبدى يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح الذى كان يصعد إليك منه في كل يوم و ليله عمل صالح! قال: نعم، قال: فشفعوا له عند ذلك فامر الحوت، فقذفه في الساحل كما قال الله: «وَ هُوَ سَقِيمٌ‏»، و كان سقمه الذى وصفه الله به، انه القاه الحوت على الساحل كالصبي المنفوس، قد بشر اللحم و العظم‏].

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن يزيد ابن زياد، عن عبد الله بن ابى سلمه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خرج به- يعنى الحوت- حتى لفظه في ساحل البحر، فطرحه مثل الصبى المنفوس، لم ينقص من خلقه شي‏ء.

حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنى ابو صخر،

17

قال: أخبرني ابن قسيط انه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء، فانبت الله عليه يقطينه، فقلنا: يا أبا هريرة، و ما اليقطينة؟ قال: شجره الدباء، هيأ الله له ارويه وحشيه، تاكل من حشاش الارض- او هشاش الارض- فتفشح عليه، فترويه من لبنها كل عشيه و بكره، حتى نبت.

و مما كان أيضا في ايام ملوك الطوائف:

18

ارسال الله رسله الثلاثة

الذين ذكرهم في تنزيله، فقال: «وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ‏»، الآيات التي ذكر تعالى ذكره في خبرهم.

و اختلف السلف في امرهم، فقال بعضهم: كان هؤلاء الثلاثة- الذين ذكرهم الله في هذه الآيات، و قص فيها خبرهم- أنبياء و رسلا ارسلهم الى بعض ملوك الروم، و هو انطيخس، و القرية التي كان فيها هذا الملك الذى ارسل الله اليه فيها هؤلاء الرسل أنطاكية.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: كان من حديث‏

9

صاحب يس‏

9

- فيما حدثنا محمد بن إسحاق- قال: مما بلغه عن كعب الاحبار، و عن وهب بن منبه اليماني، انه كان رجلا من اهل أنطاكية، و كان اسمه حبيبا و كان يعمل الحرير، و كان رجلا سقيما قد اسرع فيه الجذام، و كان منزله عند باب من أبواب المدينة قاصيا، و كان مؤمنا ذا صدقه، يجمع كسبه إذا امسى- فيما يذكرون- فيقسمه نصفين، فيطعم نصفا عياله، و يتصدق بنصف، فلم يهمه سقمه و لا عمله و لا ضعفه حين طهر قلبه، و استقامت فطرته، و كان بالمدينة التي هو بها، مدينه أنطاكية، فرعون من الفراعنة يقال له انطيخس بن انطيخس بن انطيخس، يعبد الأصنام، صاحب شرك‏

19

فبعث الله المرسلين، و هم ثلاثة: صادق و صدوق و شلوم، فقدم الله اليه و الى اهل مدينته منهم اثنين، فكذبوهما، ثم عزز الله بثالث.

و قال آخرون: بل كانوا من حواريي عيسى بن مريم، و لم يكونوا رسلا لله، و انما كانوا رسل عيسى بن مريم، و لكن ارسال عيسى بن مريم إياهم، لما كان عن امر الله تعالى ذكره اياه بذلك، اضيف إرساله إياهم الى الله، فقيل:

«إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ‏».

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: «وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ‏» قال: ذكر لنا ان عيسى بن مريم بعث رجلين من الحواريين الى أنطاكية، مدينه بالروم، فكذبوهما، فاعزهما بثالث، «فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ‏»، الآية.

رجع الحديث الى حديث ابن إسحاق، فلما دعته الرسل، و نادته بأمر الله، و صدعت بالذي امرت به، و عابت دينهم و ما هم عليه، قال اصحاب القرية لهم: «إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ‏» قالت لهم الرسل: «طائِرُكُمْ مَعَكُمْ‏»، اى اعمالكم، «أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ‏» فلما اجمع هو و قومه على قتل الرسل بلغ ذلك حبيبا، و هو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى اليهم‏

20

يذكرهم الله، و يدعوهم الى اتباع المرسلين، فقال: «يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ‏» اى لا يسألونكم أموالكم على ما جاءوكم به من الهدى، و هم لكم ناصحون فاتبعوهم تهتدوا بهداهم.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد: قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: لما انتهى- يعنى حبيبا- الى الرسل، قال: هل تسألون على هذا من اجر؟ قالوا: لا، فقال عند ذلك: «يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ‏».

رجع الحديث الى حديث ابن إسحاق: ثم ناداهم بخلاف ما هم عليه من عباده الأصنام، و اظهر لهم دينه و عباده ربه، و اخبرهم انه لا يملك نفعه و لا ضره غيره، فقال: «وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً» الى قوله: «إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ‏».

اى آمنت بربكم، الذى كفرتم به، فاسمعوا قولي فلما قال لهم ذلك وثبوا عليه وثبه رجل واحد فقتلوه، و استضعفوه لضعفه و سقمه، و لم يكن احد يدفع عنه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى ابن إسحاق، عن بعض اصحابه، ان عبد الله بن مسعود كان يقول: وطئوه بارجلهم، حتى خرج قصبه من دبره.

و قال الله له: ادخل الجنه، فدخلها حيا يرزق فيها، قد اذهب الله عنه سقم الدنيا و حزنها و نصبها، فلما افضى الى (رحمه الله) و جنته و كرامته، قال: «يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ‏» و غضب الله له لاستضعافهم اياه غضبه لم يبق معها من القوم شيئا فعجل لهم النقمه بما استحلوا منه و قال: «وَ ما أَنْزَلْنا عَلى‏ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَ ما كُنَّا مُنْزِلِينَ‏»، يقول: ما كابدناهم بالجموع،

21

اى الأمر ايسر علينا من ذلك «إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ‏» فأهلك الله ذلك الملك و اهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الارض، فلم يبق منهم باقيه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن الحسن ابن عماره، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم ابى القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، انه كان يقول: كان اسم صاحب يس حبيبا، و كان الجذام قد اسرع فيه.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن ابى مخلد، قال: كان اسم صاحب يس حبيب بن مرى.

و كان فيهم:

22

شمسون‏

و كان من اهل قريه من قرى الروم، قد هداه الله لرشده، و كان قومه اهل أوثان يعبدونها فكان من خبره و خبرهم- فيما ذكر- ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن المغيره بن ابى لبيد، عن وهب بن منبه اليماني: ان شمسون كان فيهم رجلا مسلما، و كانت أمه قد جعلته نذيره، و كان من اهل قريه من قراهم، كانوا كفارا يعبدون الأصنام، و كان منزله منها على اميال غير كثيره، و كان يغزوهم وحده و يجاهدهم في الله، فيصيب منهم و فيهم حاجته، فيقتل و يسبى، و يصيب المال، و كان إذا لقيهم لقيهم بلحى بعير لا يلقاهم بغيره، فإذا قاتلوه و قاتلهم، و تعب و عطش انفجر له من الحجر الذى مع اللحى ماء عذب فيشرب منه حتى يروى، و كان قد اعطى قوه في البطش، و كان لا يوثقه حديد و لا غيره، و كان على ذلك يجاهدهم في الله و يغزوهم، و يصيب منهم حاجته، لا يقدرون منه على شي‏ء، حتى قالوا: لن تأتوه الا من قبل امراته، فدخلوا على امراته، فجعلوا لها جعلا، فقالت: نعم انا اوثقه لكم، فاعطوها حبلا وثيقا، و قالوا: إذا نام فاوثقى يده الى عنقه حتى نأتيه فنأخذه فلما نام اوثقت يده الى عنقه بذلك الحبل، فلما هب جذبه بيده، فوقع من عنقه، فقال لها: لم فعلت؟ فقالت: اجرب به قوتك، ما رايت مثلك قط! فأرسلت اليهم انى قد ربطته بالحبل فلم اغن عنه شيئا، فأرسلوا إليها بجامعه من حديد، فقالوا: إذا نام فاجعليها في عنقه، فلما نام جعلتها في عنقه، ثم أحكمتها، فلما هب جذبها، فوقعت من يده و من عنقه، فقال لها: لم فعلت هذا؟ قالت: اجرب به قوتك، ما رايت مثلك في الدنيا يا شمسون!

23

ا ما في الارض شي‏ء يغلبك! قال: لا، الا شي‏ء واحد، قالت: و ما هو؟

قال: ما انا بمخبرك به، فلم تزل به تسأله عن ذلك- و كان ذا شعر كثير- فقال لها: ويحك! ان أمي جعلتني نذيره، فلا يغلبني شي‏ء ابدا، و لا يضبطنى الا شعرى فلما نام اوثقت يده الى عنقه بشعر راسه، فاوثقه ذلك، و بعثت الى القوم، فجاءوا فاخذوه، فجدعوا انفه و أذنيه، و فقئوا عينيه، و وقفوه للناس بين ظهراني المئذنة- و كانت مئذنه ذات أساطين، و كان ملكهم قد اشرف عليها بالناس لينظروا الى شمسون، و ما يصنع به- فدعا الله شمسون حين مثلوا به و وقفوه ان يسلطه عليهم، فامر ان يأخذ بعمودين من عمد المئذنة التي عليها الملك و الناس الذين معه فيجذبهما، فجذبهما فرد الله عليه بصره و ما أصابوا من جسده، و وقعت المئذنة بالملك و من عليها من الناس، فهلكوا فيها هدما

24

ذكر خبر جرجيس‏

و كان جرجيس- فيما ذكر- عبدا لله صالحا من اهل فلسطين، ممن ادرك بقايا من حواريي عيسى بن مريم، و كان تاجرا يكسب بتجارته ما يستغنى به عن الناس، و يعود بالفضل على اهل المسكنه و انه تجهز مره الى ملك بالموصل، كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه و غيره من اهل العلم: انه كان بالموصل داذانه، و كان قد ملك الشام كله، و كان جبارا عاتيا لا يطيقه الا الله تعالى و كان جرجيس رجلا صالحا من اهل فلسطين، و كان مؤمنا يكتم ايمانه في عصبه معه صالحين، يستخفون بايمانهم، و كانوا قد أدركوا بقايا من الحواريين فسمعوا منهم، و أخذوا عنهم و كان جرجيس كثير المال، عظيم التجارة، عظيم الصدقه، فكان ياتى عليه الزمان يتلف ماله في الصدقه حتى لا يبقى منه شي‏ء، حتى يصير فقيرا، ثم يضرب الضربه فيصيب مثل ماله أضعافا مضاعفه، فكانت هذه حاله في المال و كان انما يرغب في المال، و يعمره و يكسبه من اجل الصدقه، لو لا ذلك كان الفقر أحب اليه من الغنى.

و كان لا يامن ولايه المشركين عليه مخافه ان يؤذوه في دينه، او يفتنوه عنه، فخرج يؤم ملك الموصل، و معه مال يريد ان يهديه له، لئلا يجعل لأحد من تلك الملوك عليه سلطانا دونه، فجاءه حين جاءه، و قد برز في مجلس له، و عنده عظماء قومه و ملوكهم، و قد اوقد نارا، و قرب أصنافا من اصناف العذاب الذى كان يعذب به من خالفه، و قد امر بصنم يقال له:

افلون فنصب، فالناس يعرضون عليه، فمن لم يسجد له القى في تلك النار، و عذب باصناف ذلك العذاب فلما راى جرجيس ما يصنع فظع به‏

25

و اعظمه، و حدث نفسه بجهاده، و القى الله في نفسه بغضه و محاربته، فعمد الى المال الذى اراد ان يهديه له فقسمه في اهل ملته حتى لم يبق منه شيئا، و كره ان يجاهده بالمال، و أحب ان يلى ذلك بنفسه، فاقبل عليه عند ما كان أشد غضبا و أسفا، فقال له: اعلم انك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئا و لا لغيرك، و ان فوقك ربا هو الذى يملكك و غيرك، و هو الذى خلقك و رزقك، و هو الذى يحييك و يميتك، و يضرك و ينفعك، و أنت قد عمدت الى خلق من خلقه- قال له: كن فكان- أصم ابكم، لا ينطق و لا يبصر و لا يسمع، و لا يضر و لا ينفع، و لا يغنى عنك من الله شيئا، فزينته بالذهب و الفضه لتجعله فتنه للناس، ثم عبدته دون الله، و اجبرت عليه عباد الله، و دعوته ربا.

فكلم الملك جرجيس بنحو هذا، من تعظيم الله و تمجيده، و تعريفه امر الصنم، و انه لا تصلح عبادته فكان من جواب الملك اياه مسألته اياه عنه، و من هو؟ و من اين هو؟ فأجابه جرجيس ان قال: انا عبد الله و ابن عبده و ابن امته، أذل عباده و افقرهم اليه، من التراب خلقت، و فيه اصير و اخبره ما الذى جاء به و حاله و انه دعا ذلك الملك جرجيس الى عباده الله و رفض عباده الأوثان و ان الملك دعا جرجيس الى عباده الصنم الذى يعبده، و قال:

لو كان ربك الذى تزعم انه ملك الملوك كما تقول، لرئى عليك اثره كما ترى اثرى على من حولي من ملوك قومى.

فأجابه جرجيس بتمجيد الله و تعظيم امره و قال له- فيما قال: اين تجعل طرقبلينا، و ما نال بولايتك، فانه عظيم قومك، من الياس، و ما نال الياس بولاية الله! فان الياس كان بدؤه آدميا يأكل الطعام، و يمشى في الاسواق، فلم تتناه به كرامة الله حتى انبت له الريش، و البسه النور،

26

فصار إنسيا ملكيا، سمائيا ارضيا، يطير مع الملائكة و حدثنى: اين تجعل مجليطيس، و ما نال بولايتك: فانه عظيم قومك، من المسيح بن مريم و ما نال بولاية الله! فان الله فضله على رجال العالمين، و جعله و أمه آيه للمعتبرين.

ثم ذكر من امر المسيح ما كان الله خصه به من الكرامه و قال أيضا: و حدثنى:

اين تجعل أم هذا الروح الطيب التي اختارها الله لكلمته، و طهر جوفها لروحه، و سودها على امائه؟ فأين تجعلها و ما نالت بولاية الله، من ازبيل و ما نالت بولايتك؟ فإنها إذ كانت من شيعتك و ملتك أسلمها الله عند عظيم ملكها الى نفسها، حتى اقتحمت عليها الكلاب في بيتها، فانتهشت لحمها و ولغت دمها، و جرت الثعالب و الضباع اوصالها! فأين تجعلها و ما نالت بولايتك من مريم ابنه عمران و ما نالت بولاية الله! فقال له الملك: انك لتحدثنا عن أشياء ليس لنا بها علم، فاتنى بالرجلين اللذين ذكرت امرهما، حتى انظر إليهما، و اعتبر بهما، فانى انكر ان يكون هذا في البشر.

فقال له جرجيس: انما جاءك الانكار من قبل الغرة بالله، و اما الرجلان فلن تراهما و لن يرياك، الا ان تعمل بعملهما، فتنزل منازلهما.

فقال له الملك: اما نحن فقد أعذرنا إليك، و قد تبين لنا كذبك، لأنك فخرت بامور عجزت عنها، و لم تات بتصديقها ثم خير الملك جرجيس بين العذاب و بين السجود لأفلُّون، فيثيبه! فقال له جرجيس: ان كان افلون هو الذى رفع السماء- و عدد عليه أشياء من قدره الله- فقد اصبت و نصحت لي، و الا فاخسا ايها النجس الملعون! فلما سمعه الملك يسبه و يسب آلهته غضب من قوله غضبا شديدا، و امر بخشبه فنصبت له للعذاب، و جعلت عليه امشاط الحديد، فخدش بها

27

جسده حتى تقطع لحمه و جلده و عروقه، ينضح خلال ذلك بالخل و الخردل.

فلما راى ذلك لم يقتله، امر بسته مسامير من حديد فاحميت حتى إذا جعلت نارا، امر بها فسمر بها راسه حتى سال منه دماغه فلما راى ذلك لم يقتله، امر بحوض من نحاس، فاوقد عليه حتى إذا جعله نارا امر به فادخل في جوفه، و اطبق عليه، فلم يزل فيه حتى برد حره.

فلما راى ذلك لم يقتله، دعا به فقال: ا لم تجد ا لم هذا العذاب الذى تعذب به! فقال له جرجيس: ا ما اخبرتك ان لك ربا هو اولى بك من نفسك! قال: بلى قد أخبرتني، قال: فهو الذى حمل عنى عذابك، و صبرنى ليحتج عليك فلما قال له ذلك ايقن بالشر، و خافه على نفسه و ملكه، و اجمع رايه على ان يخلده في السجن، فقال الملا من قومه: انك ان تركته طليقا يكلم الناس اوشك ان يميل بهم عليك، و لكن مر له بعذاب في السجن يشغله عن كلام الناس فامر فبطح في السجن على وجهه، ثم اوتد في يديه و رجليه اربعه أوتاد من حديد، في كل ركن منها وتد، ثم امر باسطوان من رخام، فوضع على ظهره حمل ذلك الاسطوان سبعه رجال فلم يقلوه، ثم اربعه عشر رجلا فلم يقلوه، ثم ثمانية عشر رجلا فاقلوه، فظل يومه ذلك موتدا تحت الحجر.

فلما ادركه الليل ارسل الله اليه ملكا- و ذلك أول ما أيد بالملائكة، و أول ما جاءه الوحى- فقلع عنه الحجر، و نزع الأوتاد من يديه و رجليه، و اطعمه و سقاه، و بشره و عزاه، فلما اصبح اخرجه من السجن، و قال له:

الحق بعدوك فجاهده في الله حق جهاده، فان الله يقول لك: ابشر و اصبر، فانى ابتليك بعدوي هذا سبع سنين، يعذبك و يقتلك فيهن اربع مرار، في كل ذلك ارد إليك روحك، فإذا كانت القتله الرابعه تقبلت روحك و اوفيتك اجرك فلم يشعر الآخرون الا و قد وقف جرجيس على رؤوسهم يدعوهم الى الله.

فقال له الملك: ا جرجيس! قال: نعم، قال: من اخرجك من السجن؟

28

قال: أخرجني الذى سلطانه فوق سلطانك فلما قال له ذلك ملي‏ء غيظا، فدعا باصناف العذاب حتى لم يخلف منها شيئا، فلما رآها جرجيس تصنف له، اوجس في نفسه خيفة و جزعا، ثم اقبل على نفسه يعاتبها باعلى صوته، و هم يسمعون فلما فرغ من عتابه نفسه مدوه بين خشبتين، و وضعوا عليه سيفا على مفرق راسه، فوشروه حتى سقط بين رجليه، و صار جزلتين، ثم عمدوا الى جزلتيه، فقطعوهما قطعا و له سبعه اسد ضاريه في جب، و كانت صنفا من اصناف عذابه، ثم رموا بجسده إليها، فلما هوى نحوها امر الله الأسد فخضعت برءوسها و أعناقها، و قامت على براثنها، لا تالو ان تقيه الأذى، فظل يومه ذلك ميتا، فكانت أول ميته ذاقها فلما ادركه الليل جمع الله له جسده الذى قطعوه بعضه على بعض، حتى سواه ثم رد فيه روحه و ارسل ملكا فاخرجه من قعر الجب، و اطعمه و سقاه، و بشره و عزاه.

فلما أصبحوا قال له الملك: يا جرجيس، قال: لبيك! قال: اعلم ان القدره التي خلق آدم بها من تراب هي التي أخرجتك من قعر الجب، فالحق بعدوك ثم جاهده في الله حق جهاده، و مت موت الصابرين.

فلم يشعر الآخرون الا و قد اقبل جرجيس، و هم عكوف على عيد لهم قد صنعوه فرحا- زعموا بموت جرجيس- فلما نظروا الى جرجيس مقبلا، قالوا:

ما اشبه هذا بجرجيس! قالوا: كأنه هو؟ قال الملك: ما بجرجيس من خفاء، انه لهو! ا لا ترون الى سكون ريحه، و قله هيبته قال جرجيس: بلى، انا هو حقا! بئس القوم أنتم! قتلتم و مثلتم، فكان الله- و حق له- خيرا و ارحم منكم.

احيانى و رد على روحي هلم الى هذا الرب العظيم الذى أراكم ما أراكم.

فلما قال لهم ذلك، اقبل بعضهم على بعض، فقالوا: ساحر سحر ايديكم و اعينكم عنه فجمعوا له من كان ببلادهم من السحره، فلما جاء السحره، قال الملك لكبيرهم: اعرض على من كبير سحرك ما تسرى به عنى، قال له:

ادع لي بثور من البقر، فلما اتى به نفث في احدى أذنيه فانشقت باثنتين، ثم نفث في الاخرى، فإذا هو ثوران، ثم امر ببذر فحرث و بذر، و نبت‏

29

الزرع، و اينع و حصد، ثم داس و ذرى، و طحن و عجن، و خبز و اكل ذلك في ساعه واحده كما ترون! قال له الملك: هل تقدر على ان تمسخه لي دابه؟ قال الساحر: اى دابه امسخه لك؟ قال: كلبا، قال: ادع لي بقدح من ماء، فلما اتى بالقدح نفث فيه الساحر، ثم قال للملك: اعزم عليه ان يشربه، فشربه جرجيس حتى اتى على آخره، فلما فرغ منه قال له الساحر: ما ذا تجد؟ قال: ما أجد الا خيرا، قد كنت عطشت فلطف الله لي بهذا الشراب، فقوانى به عليكم فلما قال له ذلك اقبل الساحر على الملك فقال: اعلم ايها الملك، انك لو كنت تقاسى رجلا مثلك إذا كنت غلبته، و لكنك تقاسى جبار السموات، و هو الملك الذى لا يرام! و قد كانت امراه مسكينه، سمعت بجرجيس و ما يصنع من الأعاجيب، فاتته و هو في أشد ما هو فيه من البلاء، فقالت له: يا جرجيس، انى امراه مسكينه، لم يكن لي مال و لا عيش الا ثور كنت احرث عليه فمات، و جئتك لترحمني و تدعو الله ان يحيى لي ثوري فذرفت عيناه ثم دعا الله ان يحيى لها ثورها، و أعطاها عصا، فقال: اذهبى الى ثورك، فاقرعيه بهذه العصا و قولي له: احى باذن الله فقالت: يا جرجيس مات ثوري منذ ايام، و تفرقته السباع، و بيني و بينك ايام، فقال: لو لم تجدى منه الا سنا واحده ثم قرعتها بالعصا لقام باذن الله فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها، فكان أول شي‏ء بدا لها من ثورها احد روقيه و شعر ذنبه، فجمعت أحدهما الى الآخر، ثم قرعتهما بالعصا التي أعطاها، و قالت كما امرها، فعاش ثورها، و عملت عليه حتى جاءهم الخبر بذلك.

فلما قال الساحر للملك ما قال، قال رجل من اصحاب الملك- و كان اعظمهم بعد الملك: اسمعوا منى ايها القوم احدثكم، قالوا: نعم، فتكلم، قال: انكم قد وضعتم امر هذا الرجل على السحر، و زعمتم انه سحر ايديكم عنه و اعينكم فاراكم انكم تعذبونه، و لم يصل اليه عذابكم! و أراكم انكم‏

30

قد قتلتموه فلم يمت، فهل رايتم ساحرا قط قدر ان يدرأ عن نفسه الموت، او أحيا ميتا قط! ثم قص عليهم فعل جرجيس، و فعلهم به، و فعله بالثور و صاحبته، و احتج عليهم بذلك كله، فقالوا له: ان كلامك لكلام رجل قد اصغى اليه، قال: ما زال امره لي معجبا منذ رايت منه ما رايت، قالوا له: فلعله استهواك! قال: بل آمنت و اشهد الله انى بري‏ء مما تعبدون فقام اليه الملك و صحابته بالخناجر، فقطعوا لسانه، فلم يلبث ان مات، و قالوا:

اصابه الطاعون، فاعجله الله قبل ان يتكلم فلما سمع الناس بموته افزعهم، و كتموا شانه، فلما رآهم جرجيس يكتمونه برز للناس، فكشف لهم امره، و قص عليهم كلامه، فاتبعه على كلامه اربعه آلاف و هو ميت، فقالوا: صدق، و نعم ما قال! ي(رحمه الله)! فعمد اليهم الملك فاوثقهم، ثم لم يزل يلون لهم العذاب و يقتلهم بالمثلات.

حتى افناهم.

فلما فرغ منهم اقبل على جرجيس، فقال له: هلا دعوت ربك.

فأحيا لك أصحابك، هؤلاء الذين قتلوا بجريرتك! فقال له جرجيس ما خلى بينك و بينهم حتى خار لهم فقال رجل من عظمائهم يقال له مجليطيس:

انك زعمت يا جرجيس ان الهك‏ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، و انى سائلك امرا ان فعله الهك آمنت بك و صدقتك، و كفيتك قومى هؤلاء، هذه تحتنا اربعه عشر منبرا حيث ترى، و مائدة بيننا عليها اقداح و صحاف، و كل صنع من الخشب اليابس، ثم هو من اشجار شتى، فادع ربك ينشئ هذه الانيه و هذه المنابر، و هذه المائدة، كما بداها أَوَّلَ مَرَّةٍ،* حتى تعود خضرا نعرف كل عود منها بلونه و ورقه و زهره و ثمره.

فقال له جرجيس: قد سالت امرا عزيزا على و عليك، و انه على الله لهين فدعا ربه، فما برحوا مكانهم حتى اخضرت تلك المنابر، و تلك الانيه كلها، فساخت عروقها، و البست اللحاء، و تشعبت، و نبت ورقها و زهرها و ثمرها، حتى عرفوا كل عود منها باسمه و لونه و زهره و ثمره.

فلما نظروا الى ذلك انتدب له مجليطيس، الذى تمنى عليه ما تمنى،

31

فقال: انا اعذب لكم هذا الساحر عذابا يضل عنه كيده فعمد الى نحاس فصنع منه صوره ثور جوفاء واسعه، ثم حشاها نفطا و رصاصا و كبريتا و زرنيخا، ثم ادخل جرجيس مع الحشو في جوفها، ثم اوقد تحت الصورة، فلم يزل يوقد حتى التهبت الصورة، و ذاب كل شي‏ء فيها و اختلط، و مات جرجيس في جوفها فلما مات ارسل الله ريحا عاصفا، فملأت السماء سحابا اسود مظلما، فيه رعد لا يفتر، و برق و صواعق متداركات، و ارسل الله اعصارا فملأت بلادهم عجاجا و قتاما، حتى اسود ما بين السماء و الارض و اظلم، و مكثوا أياما متحيرين في تلك الظلمه، لا يفصلون بين الليل و النهار.

و ارسل الله ميكائيل فاحتمل الصورة التي فيها جرجيس، حتى إذا أقلها ضرب بها الارض ضربا، فزع من روعته اهل الشام أجمعون، و كلهم يسمعه في ساعه واحده، فخروا لوجوههم صعقين من شده الهول، و انكسرت الصورة، فخرج منها جرجيس حيا، فلما وقف يكلمهم انكشفت الظلمه، و اسفر ما بين السماء و الارض، و رجعت اليهم انفسهم فقال له رجل منهم يقال له طرقبلينا: لا ندري يا جرجيس أنت تصنع هذه العجائب أم ربك؟

فان كان هو الذى يصنعها، فادعه يحى لنا موتانا، فان في هذه القبور التي ترى أمواتا من أمواتنا، منهم من نعرف و منهم من مات قبل زماننا، فادعه يحيهم حتى يعودوا كما كانوا و نكلمهم، و نعرف من عرفنا منهم، و من لا نعرف أخبرنا خبره فقال له جرجيس: لقد علمت ما يصفح الله عنكم هذا الصفح، و يريكم هذه العجائب الا ليتم عليكم حججه، فتستوجبوا بذلك غضبه ثم امر بالقبور فنبشت و هي عظام و رفات و رميم ثم اقبل على الدعاء فما برحوا مكانهم، حتى نظروا الى سبعه عشر إنسانا: تسعه رهط و خمس نسوه و ثلاثة صبيه، فإذا شيخ منهم كبير، فقال له جرجيس:

ايها الشيخ، ما اسمك؟ فقال: اسمى يوبيل، فقال: متى مت؟ قال:

في زمان كذا و كذا، فحسبوا فإذا هو قد مات منذ أربعمائة عام‏

32

فلما نظر الى ذلك الملك و صحابته، قالوا: لم يبق من اصناف عذابكم شي‏ء الا قد عذبتموه، الا الجوع و العطش، فعذبوه بهما فعمدوا الى بيت عجوز كبيره فقيره، كان حريزا، و كان لها ابن اعمى ابكم مقعد، فحصروه في بيتها فلا يصل اليه من عند احد طعام و لا شراب فلما بلغه الجوع، قال للعجوز: هل عندك طعام او شراب؟ قالت: لا و الذى يحلف به، ما عهدنا بالطعام منذ كذا و كذا،، و ساخرج و التمس لك شيئا قال لها جرجيس: هل تعرفين الله؟ قالت له: نعم، قال: فإياه تعبدين؟ قالت:

لا، قال: فدعاها الى الله فصدقته، و انطلقت تطلب له شيئا، و في بيتها دعامه من خشبة يابسه تحمل خشب البيت، فاقبل على الدعاء، فما كان كشي‏ء حتى اخضرت تلك الدعامه، فانبتت كل فاكهة تؤكل او تعرف، او تسمى حتى كان فيما انبتت اللياء و اللوبياء.

قال ابو جعفر: اللياء نبت بالشام له حب يؤكل و ظهر للدعامه فرع من فوق البيت اظله و ما حوله و اقبلت العجوز، و هو فيما شاء يأكل رغدا، فلما رات الذى حدث في بيتها من بعدها، قالت: آمنت بالذي أطعمك في بيت الجوع، فادع هذا الرب العظيم ليشفى ابنى، قال: ادنيه منى، فادنته منه، فبصق في عينيه فابصر، فنفث في أذنيه فسمع، قالت له: اطلق لسانه و رجليه، رحمك الله! قال: اخريه، فان له يوما عظيما و خرج الملك يسير في مدينته، فلما نظر الى الشجرة، قال لأصحابه: انى ارى شجره بمكان ما كنت اعرفها به، قالوا له: تلك الشجرة نبتت لذلك الساحر الذى اردت ان تعذبه بالجوع، فهو فيما شاء قد شبع منها، و شبعت الفقيره و شفى لها ابنها فامر بالبيت فهدم، و بالشجرة لتقطع، فلما هموا بقطعها ايبسها الله تعالى كما كانت أول مره، فتركوها، و امر بجرجيس فبطح على‏

33

وجهه و اوتد له اربعه أوتاد، و امر بعجل فاوقر اسطوانا ما حمل، و جعل في اسفل العجل خناجر و شفارا، ثم دعا بأربعين ثورا، فنهضت بالعجل نهضه واحده، و جرجيس تحتها، فتقطع ثلاث قطع، ثم امر بقطعه فاحرقت بالنار، حتى إذا عادت رمادا بعث بذلك الرماد رجالا فذروه في البحر، فلم يبرحوا مكانهم حتى سمعوا صوتا من السماء يقول: يا بحر، ان الله يأمرك ان تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب، فانى اريد ان اعيده كما كان ثم ارسل الله الرياح فاخرجته من البحر، ثم جمعته حتى عاد الرماد صبره كهيئته قبل ان يذروه، و الذين ذروه قيام لم يبرحوا ثم نظروا الى الرماد يثور كما كان، حتى خرج منه جرجيس مغبرا ينفض راسه، فرجعوا، و رجع جرجيس معهم، فلما انتهوا الى الملك اخبروه خبر الصوت الذى احياه، و الريح التي جمعته فقال له الملك: هل لك يا جرجيس فيما هو خير لي و لك! فلو لا ان يقول الناس انك قهرتنى و غلبتني لاتبعتك و آمنت بك، و لكن اسجد لأفلُّون سجده واحده، او اذبح له شاه واحده، ثم انا افعل ما يسرك.

فلما سمع جرجيس هذا من قوله طمع ان يهلك الصنم حين يدخله عليه، رجاء ان يؤمن له الملك حين يهلك صنمه، و ييئس منه، فخدعه جرجيس، فقال: نعم، إذا شئت فأدخلني على صنمك اسجد له، و اذبح له، ففرح الملك بقوله، فقام اليه فقبل يديه و رجليه و راسه، و قال: انى اعزم عليك الا تظل هذا اليوم، و لا تبيت هذه الليلة الا في بيتى و على فراشي، و مع اهلى حتى تستريح و يذهب عنك وصب العذاب، فيرى الناس كرامتك على.

فاخلى له بيته، و اخرج منه من كان فيه فظل فيه جرجيس، حتى إذا ادركه الليل، قام يصلى، و يقرا الزبور- و كان احسن الناس صوتا- فلما سمعته امراه الملك استجابت له، و لم يشعر الا و هي خلفه تبكى معه، فدعاها

34

جرجيس الى الايمان فآمنت، و امرها فكتمت ايمانها فلما اصبح غدا به الى بيت الأصنام ليسجد لها، و قيل للعجوز التي كان سجن في بيتها: هل علمت ان جرجيس قد فتن بعدك، و اصغى الى الدنيا، و اطمعه الملك في ملكه، و قد خرج به الى بيت اصنامه ليسجد لها! فخرجت العجوز في اعراضهم، تحمل ابنها على عاتقها، و توبخ جرجيس، و الناس مشتغلون عنها فلما دخل جرجيس بيت الأصنام، و دخل الناس معه، نظر فإذا العجوز و ابنها على عاتقها اقرب الناس منه مقاما، فدعا ابن العجوز باسمه، فنطق بإجابته، و ما تكلم قبل ذلك قط، ثم اقتحم عن عاتق أمه يمشى على رجليه سويتين، و ما وطي‏ء الارض قبل ذلك قط بقدميه، فلما وقف بين يدي جرجيس قال: اذهب، فادع لي هذه الأصنام، و هي حينئذ على منابر من ذهب، واحد و سبعون صنما، و هم يعبدون الشمس و القمر معها، فقال له الغلام: كيف اقول للأصنام؟ قال: تقول لها: ان جرجيس يسألك و يعزم عليك بالذي خلقك الا ما جئته فلما قال لها الغلام ذلك، اقبلت تدحرج الى جرجيس، فلما انتهت اليه ركض الارض برجله، فخسف بها و بمنابرها، و خرج ابليس من جوف صنم منها هاربا فرقا من الخسف، فلما مر بجرجيس، أخذ بناصيته، فخضع له برأسه و عنقه، و كلمه جرجيس فقال له: أخبرني أيتها الروح النجسه، و الخلق الملعون، ما الذى يحملك على ان تهلك نفسك، و تهلك الناس معك، و أنت تعلم انك و جندك تصيرون الى جهنم! فقال له ابليس: لو خيرت بين ما اشرقت عليه الشمس، و اظلم عليه الليل، و بين هلكه بنى آدم و ضلالتهم او واحد منهم طرفه عين، لاخترت طرفه العين على ذلك كله، و انه ليقع لي من الشهوة في ذلك و اللذه مثل جميع ما يتلذذ به جميع الخلق ا لم تعلم يا جرجيس ان الله اسجد لأبيك آدم جميع الملائكة، فسجد له: جبريل، و ميكائيل، و اسرافيل، و جميع الملائكة

35

المقربين، و اهل السموات كلهم، و امتنعت من السجود، فقلت: لا اسجد لهذا الخلق و أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ!* فلما قال هذا خلاه جرجيس، فما دخل ابليس منذ يومئذ جوف صنم، مخافه الخسف، و لا يدخله بعدها- فيما يذكرون- ابدا.

و قال الملك: يا جرجيس خدعتني و غررتنى، و اهلكت آلهتي، فقال له جرجيس: انما فعلت ذلك عمدا لتعتبر و لتعلم انها لو كانت آلهه كما تقول إذا لامتنعت منى، فكيف ثقتك ويلك بآلهة لم تمنع أنفسها منى! و انما انا مخلوق ضعيف لا املك الا ما ملكنى ربى قال: فلما قال هذا جرجيس، كلمتهم امراه الملك، و ذلك حين كشفت لهم ايمانها، و باينتهم بدينها، و عددت عليهم افعال جرجيس، و العبر التي اراهم و قالت لهم: ما تنتظرون من هذا الرجل الا دعوه فتخسف بكم الارض فتهلكوا، كما هلكت أصنامكم الله الله ايها القوم في انفسكم! فقال لها الملك: ويحا لك اسكندره! ما اسرع ما اضلك هذا الساحر في ليله واحده! و انا اقاسيه منذ سبع سنين، فلم يطق منى شيئا.

قالت له: ا فما رايت الله كيف يظفره بك، و يسلطه عليك، فيكون له الفلج و الحجه عليك في كل موطن! فامر بها عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التي كان علق عليها، فعلقت بها، و جعلت عليها الأمشاط التي جعلت على جرجيس فلما المت من وجع العذاب قالت: ادع ربك يا جرجيس يخفف عنى، فانى قد المت من العذاب فقال: انظري فوقك فلما نظرت ضحكت، فقال لها: ما الذى يضحكك؟ قالت: ارى ملكين فوقى، معهما تاج من حلى الجنه ينتظران به روحي ان تخرج، فإذا خرجت زيناها بذلك التاج، ثم صعدا بها الى الجنه، فلما قبض الله روحها اقبل جرجيس على الدعاء، فقال: اللهم أنت الذى أكرمتني بهذا البلاء، لتعطيني به فضائل الشهداء! اللهم فهذا آخر ايامى الذى وعدتني فيه الراحة من بلاء الدنيا، اللهم فانى اسالك الا تقبض روحي، و لا ازول من مكاني هذا حتى تنزل بهذا القوم المتكبرين من سطواتك و نقمتك ما لا قبل لهم به، و ما تشفى به صدري، و تقر به عيني، فإنهم ظلموني و عذبوني اللهم و اسالك الا يدعو

36

بعدي داع في بلاء و لا كرب فيذكرني، و يسألك باسمى الا فرجت عنه و رحمته و اجبته، و شفعتني فيه.

فلما فرغ من هذا الدعاء، امطر الله عليهم النار، فلما احترقوا عمدوا اليه فضربوه بالسيوف غيظا من شده الحريق، ليعطيه الله تعالى بالقتله الرابعه ما وعده‏

3

فلما احترقت المدينة بجميع ما فيها، و صارت رمادا، حملها الله من وجه الارض حتى أقلها، ثم جعل عاليها سافلها، فلبثت زمانا من الدهر يخرج من تحتها دخان منتن، لا يشمه احد الا سقم سقما شديدا، الا انها اسقام مختلفه، لا يشبه بعضها بعضا، فكان جميع من آمن بجرجيس، و قتل معه اربعه و ثلاثين ألفا، و امراه الملك رحمها الله! و نرجع الان الى:

37

ذكر الخبر عن ملوك الفرس و سنى ملكهم‏

لسياق تمام التاريخ، إذ كنا قد ذكرنا الجلائل من الأمور التي كانت في ايام ملوك الطوائف في الفرس، و بنى إسرائيل، و الروم، و العرب، الى عهد أردشير.

ذكر ملك أردشير بن بابك‏

و لما مضى من لدن ملك الاسكندر ارض بابل في قول النصارى و اهل الكتب الاول خمسمائة سنه و ثلاث و عشرون سنه، و في قول المجوس مائتان و ست و ستون سنه، وثب أردشير بن بابك شاه ملك خير بن ساسان الاصغر بن بابك، بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ساسان بن بهمن الملك بن اسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب بن كيوجى بن كيمنش- و قيل في نسبه: أردشير بن بابك بن ساسان بن بابك بن زرار بن بهافريذ بن ساسان الاكبر، بن بهمن بن اسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب- بفارس طالبا- بزعمه- بدم ابن عمه دارا بن دارا بن بهمن بن اسفنديار، الذى حارب الاسكندر، فقتله حاجباه، مريدا- فيما يقول- رد الملك الى اهله، و الى ما لم يزل عليه ايام سلفه و آبائه الذين مضوا قبل ملوك الطوائف، و جمعه لرئيس واحد و ملك واحد.

و ذكر ان مولده كان بقرية من قرى اصطخر يقال لها طيروده، من رستاق خير من كوره اصطخر و كان جده ساسان شجاعا شديد البطش، و انه بلغ من شجاعته و شده بطشه، انه حارب وحده ثمانين رجلا من اهل اصطخر، ذوى باس و نجده، فهزمهم و كانت امراته من نسل قوم من الملوك، كانوا بفارس، يعرفون بالبازرنجين، يقال لها: رامبهشت، ذات جمال و كمال، و كان ساسان قيما على بيت نار اصطخر، يقال له بيت‏

38

نار انا هيذ، و كان مغرما بالصيد و الفروسية، فولدت رامبهشت لساسان بابك، و طول شعره حين ولدته اطول من شبر فلما احتنك قام بأمر الناس بعد ابيه، ثم ولد له ابنه أردشير.

و كان ملك اصطخر يومئذ رجل من البازرنجين، يقال له- فيما حدثت عن هشام بن محمد- جوزهر و قال غيره: كان يسمى جزهر، و كان له خصى يقال له تيرى، قد صيره ارجبذا بدارابجرد فلما اتى لاردشير سبع سنين، سار به أبوه الى جزهر، و هو بالبيضاء، فوقفه بين يديه، و ساله ان يضمه الى تيرى، ليكون ربيبا له، و ارجبذا من بعده في موضعه فأجابه الى ذلك، و كتب بما ساله من ذلك سجلا، و صار به الى تيرى، فقبله احسن قبول، و تبناه فلما هلك تيرى تقلد أردشير الأمر، و حسن قيامه به و اعلمه قوم من المنجمين و العرافين صلاح مولده، و انه يملك البلاد فذكر ان أردشير تواضع و استكان لذلك، و لم يزل يزداد في الخير كل يوم، و انه راى في نومه ملكا جلس الى راسه، فقال له: ان الله يملكه البلاد، فليأخذ لذلك اهبته، فلما استيقظ سر بذلك، و احس من نفسه قوه و شده بطش، لم يكن يعهد مثله.

و كان أول ما فعل انه سار الى موضع من دارابجرد، يقال له جوبانان، فقتل ملكا كان بها يقال له فاسين ثم سار الى موضع يقال له كونس، فقتل ملكا كان بها يقال له منوشهر، ثم الى موضع يقال له لروير، فقتل ملكا كان بها يقال له دارا، و ملك هذه المواضيع قوما من قبله، ثم كتب الى ابيه بما كان منه، و امره بالوثوب بجزهر و هو بالبيضاء، ففعل ذلك، و قتل جزهر و أخذ تاجه، و كتب الى اردوان البهلوى ملك الجبال و ما يتصل بها، يتضرع له و يسأله الاذن في تتويج سابور ابنه بتاج جزهر فكتب اليه اردوان كتابا عنيفا، و اعلمه انه و ابنه أردشير على الخلاف بما كان من‏

39

قتلهما من قتلا- فلم يحفل بابك بذلك، و هلك في تلك الأيام، فتتوج سابور ابن بابك بالتاج، و ملك مكان ابيه، و كتب الى أردشير ان يشخص اليه.

فامتنع أردشير من ذلك، فغضب سابور من امتناعه، و جمع جموعا، و سار بهم نحوه ليحاربه، و خرج من اصطخر، فالفى بها عده من اخوته، كان بعضهم اكبر سنا منه، فاجتمعوا و احضروا التاج و سرير الملك، فسلم الجميع لاردشير، فتتوج بالتاج، و جلس على السرير، و افتتح امره بقوة و جد، و رتب قوما مراتب، و صير رجلا يقال له ابرسام بن رحفر وزيرا، و اطلق يده و فوض اليه، و صير رجلا يقال له فاهر موبذان موبذ، و احس من اخوته و قوم كانوا معه بالفتك به، فقتل جماعه منهم كثيره ثم أتاه ان اهل دارابجرد قد فسدوا عليه، فعاد إليها حتى افتتحها بعد ان قتل جماعه من أهلها ثم سار الى كرمان، و بها ملك يقال له: بلاش، فاقتتل و هو قتالا شديدا، و قاتل أردشير بنفسه حتى اسر بلاش، و استولى على المدينة، فملك أردشير على كرمان ابنا له يقال له أردشير أيضا.

و كان في سواحل بحر فارس ملك يقال له ابتنبود، كان يعظم و يعبد، فسار اليه أردشير فقتله و قطعه بسيفه نصفين، و قتل من كان حوله، و استخرج من مطامير كانت لهم كنوزا مجموعه فيها، و كتب الى مهرك، و كان ملك ايراهسان من أردشير خره، و الى جماعه من امثاله في طاعته، فلم يفعلوا، فسار اليهم، فقتل مهرك، ثم سار الى جور، فاسسها، و أخذ في بناء الجوسق المعروف بالطربال، و بيت نار هناك.

فبينا هو كذلك إذ ورد عليه رسول الاردوان بكتاب منه، فجمع أردشير الناس لذلك، و قرأ الكتاب بحضرتهم، فإذا فيه: انك قد عدوت طورك، و اجتلبت حتفك، ايها الكردى المربى في خيام الأكراد! من اذن لك في التاج الذى لبسته، و البلاد التي احتويت عليها و غلبت ملوكها و أهلها! و من امرك ببناء المدينة التي اسستها في صحراء- يريد جور- مع انا ان خليناك‏

40

و بناءها فابتن في صحراء طولها عشره فراسخ مدينه، و سمها رام‏اردشير و اعلمه انه قد وجه اليه ملك الاهواز ليأتيه به في وثاق.

فكتب اليه أردشير: ان الله حبانى بالتاج الذى لبسته، و ملكنى البلاد التي افتتحتها، و أعانني على من قتلت من الجبابرة و الملوك، و اما المدينة التي ابنيها و اسميها رام‏اردشير، فانا أرجو ان امكن منك، فابعث براسك و كنوزك الى بيت النار الذى اسسته في أردشير خره.

ثم شخص أردشير نحو اصطخر، و خلف ابرسام باردشير خره، فلم يلبث أردشير الا قليلا حتى ورد عليه كتاب ابرسام بموافاه ملك الاهواز، و انصرافه منكوبا ثم سار الى أصبهان فاسر شاذ سابور ملكها، و قتله، ثم عاد الى فارس، و توجه لمحاربه نيروفر صاحب الاهواز، و سار الى الرجان و الى بنيان و طاشان من رامهرمز، ثم الى سرق فلما سار الى ما هنالك، ركب في رهط من اصحابه، حتى وقف على شاطئ دجيل، فظفر بالمدينة، و ابتنى مدينه سوق الاهواز، و انصرف الى فارس بالغنائم، ثم ارتحل من فارس راجعا الى الاهواز على طريق جره و كازرون، ثم صار من الاهواز الى ميسان، فقتل ملكا كان بها يقال له بندو، و بنى هنالك كرخ ميسان، ثم انصرف الى فارس، و ارسل الى اردوان يرتاد موضعا يقتتلان فيه، فأرسل اليه اردوان: انى اوافيك في صحراء تدعى هرمزجان، لانسلاخ مهر ماه فوافاه أردشير قبل الوقت، و تبوأ من الصحراء موضعا، و خندق على نفسه و جنده، و احتوى على عين كانت هناك، و وافاه اردوان فاصطف القوم للقتال، و قد تقدم سابور بن أردشير دافعا عنه، و نشب القتال بينهم، فقتل سابور دارا بنداذ، كاتب اردوان بيده، فانقض أردشير من موضعه الى اردوان حتى قتله، و كثر القتل في اصحابه، و هرب من بقي على وجهه و يقال: ان أردشير نزل حتى توطأ راس اردوان بقدمه و في ذلك اليوم سمى أردشير شاهنشاه‏

41

ثم سار من موضعه الى همذان فافتتحها، و الى الجبل و اذربيجان و أرمينية و الموصل عنوه، ثم سار من الموصل الى سورستان، و هي السواد فاحتازها، و بنى على شاطئ دجلة قباله مدينه طهسبون- و هي المدينة التي في شرقى المدائن- مدينه غربيه و سماها به أردشير، و كورها و ضم إليها بهرسير، و الرومقان، و نهر درقيط، و كوثى و نهر جوبر، و استعمل عليها عمالا، ثم توجه من السواد الى اصطخر، و سار منها الى سجستان، ثم جرجان، ثم الى ابرشهر، و مرو، و بلخ، و خوارزم، الى تخوم بلاد خراسان ثم رجع الى مرو، و قتل جماعه و بعث رءوسهم الى بيت نار أناهيذ، ثم انصرف من مرو الى فارس و نزل جور، فاتته رسل ملك كوشان، و ملك طوران، و ملك مكران بالطاعة ثم توجه أردشير من جور الى البحرين، فحاصر سنطرق ملكها، و اضطره الجهد الى ان رمى بنفسه من سور الحصن، فهلك ثم انصرف الى المدائن، فأقام بها و توج سابور ابنه بتاجه في حياته.

و يقال: انه كانت بقرية يقال لها الار، من رستاق كوجران من رساتيق سيف أردشير خره ملكه تعظم و تعبد، فاجتمعت لها اموال و كنوز و مقاتله فحارب أردشير سدنتها و قتلها، و غنم اموالا و كنوزا عظاما كانت لها: و انه كان بنى ثماني مدن، منها بفارس مدينه أردشير خره، و هي جور، و مدينه رام‏اردشير، و مدينه ريو أردشير، و بالاهواز هرمز أردشير، و هي سوق الاهواز، و بالسواد به أردشير، و هي غربي المدائن، و استاباذ أردشير، و هي كرخ ميسان، و بالبحرين فنياذ أردشير، و هي مدينه الخط، و بالموصل بوذ أردشير، و هي حزه‏

42

و ذكر ان أردشير عند ظهوره كتب الى ملوك الطوائف كتبا بليغه، احتج عليهم فيها، و دعاهم الى طاعته، فلما كان في آخر امره رسم لمن بعده عهده، و لم يزل محمودا مظفرا منصورا، لا يفل له جمع، و لا ترد له رايه، و قهر الملوك حول مملكته و اذلهم، و اثخن في الارض، و كور الكور، و مدن المدن، و رتب المراتب، و استكثر من العمارة و كان ملكه من وقت قتله اردوان الى ان هلك اربع عشره سنه و قال بعضهم: كان ملكه اربع عشره سنه و عشره اشهر.

و حدثت عن هشام بن محمد، قال: قدم أردشير في اهل فارس يريد الغلبه على الملك بالعراق، فوافق بابا ملكا كان على الارمانيين، و وافق اردوان ملكا على الاردوانيين.

قال هشام: الارمانيون انباط السواد، و الاردوانيون انباط الشام.

قال: و كل واحد منهما يقاتل صاحبه على الملك، فاجتمعا على قتال أردشير فقاتلاه متساندين، يقاتله هذا يوما، و هذا يوما، فإذا كان يوم بابا لم يقم له أردشير، و إذا كان يوم اردوان لم يقم لاردشير، فلما راى ذلك أردشير صالح بابا على ان يكف عنه و يدعه و اردوان، و يخلى أردشير بين بابا و بين بلاده و ما فيها، و تفرغ أردشير لحرب اردوان، فلم يلبث ان قتله و استولى على ما كان له، و سمع له، و اطاع بابا، فضبط أردشير ملك العراق و دانت له ملوكها، و قهر من كان يناوئه من أهلها، حتى حملهم على ما اراد مما خالفهم و وافقه.

و لما استولى أردشير على الملك بالعراق كره كثير من تنوخ ان يقيموا في مملكته، و ان يدينوا له، فخرج من كان منهم من قبائل قضاعه الذين كانوا أقبلوا مع مالك و عمرو ابنى فهم، و مالك بن زهير و غيرهم، فلحقوا بالشام الى من هنالك من قضاعه.

و كان ناس من العرب يحدثون في قومهم الاحداث، او تضيق بهم‏

43

المعيشة، فيخرجون الى ريف العراق و ينزلون الحيرة على ثلاثة اثلاث:

ثلث تنوخ، و هو من كان يسكن المظال و بيوت الشعر و الوبر في غربي الفرات، فيما بين الحيرة و الأنبار و ما فوقها و الثلث الثانى العباد، و هم الذين كانوا سكنوا الحيرة و ابتنوا بها و الثلث الثالث الاحلاف، و هم الذين لحقوا باهل الحيرة، و نزلوا فيهم، ممن لم يكن من تنوخ الوبر، و لا من العباد الذين دانوا لاردشير.

و كانت الحيرة و الأنبار بنيتا جميعا في زمن بختنصر فخربت الحيرة لتحول أهلها عنها عند هلاك بختنصر الى الأنبار، و عمرت الأنبار خمسمائة سنه و خمسين سنه، الى ان عمرت الحيرة في زمن عمرو بن عدى، باتخاذه إياها منزلا، فعمرت الحيرة خمسمائة سنه و بضعا و ثلاثين سنه الى ان وضعت الكوفه، و نزلها الاسلام، فكان جميع ملك عمرو بن عدى مائه سنه و ثماني عشره سنه، من ذلك في زمن اردوان و ملوك الطوائف خمس و تسعون سنه، و في زمن ملوك فارس ثلاث و عشرون سنه، من ذلك في زمن أردشير بن بابك اربع عشره سنه و عشره اشهر، و في زمن سابور بن أردشير ثماني سنين و شهران‏

44

ذكر الخبر عن القائم كان بملك فارس بعد أردشير بن بابك‏

و لما هلك أردشير بن بابك، قام بملك فارس من بعده ابنه سابور.

و كان أردشير بن بابك لما افضى اليه الملك اسرف في قتل الاشكانيه، الذين منهم كان ملوك الطوائف، حتى افناهم بسبب اليه كان ساسان بن أردشير بن بهمن بن اسفنديار الاكبر، جد أردشير بن بابك، كان آلاها، انه ان ملك يوما من الدهر لم يستبق من نسل اشك بن خره أحدا، و اوجب ذلك على عقبه، و اوصاهم بالا يبقوا منهم أحدا ان هم ملكوا، او ملك منهم احد يوما فكان أول من ملك من ولد ولده و نسله أردشير بن بابك، فقتلهم جميعا، نساءهم و رجالهم، فلم يستبق منهم أحدا لعزمه جده ساسان.

فذكر انه لم يبق منهم احد، غير ان جاريه كان وجدها أردشير في دار المملكة، فاعجبه جمالها و حسنها، فسألها- و كانت ابنه الملك المقتول- عن نسبها فذكرت انها كانت خادما لبعض نساء الملك، فسألها: ا بكر أنت أم ثيب؟ فاخبرته انها بكر، فواقعها و اتخذها لنفسه، فعلقت منه، فلما امنته على نفسها لاستمكانها منه بالحبل، اخبرته انها من نسل اشك، فنفر منها و دعا هرجبذا ابرسام- و كان شيخا مسنا- فاخبره انها اقرت انها من نسل اشك، و قال: نحن اولى باستتمام الوفاء بنذر أبينا ساسان، و ان كان موقعها من قلبي على ما قد علمت، فانطلق بها فاقتلها فمضى الشيخ ليقتلها، فاخبرته انها حبلى، فاتى بها القوابل، فشهدن بحبلها، فأودعها سربا في الارض، ثم قطع مذاكيره فوضعها في حق، ثم ختم عليه، و رجع الى الملك، فقال له الملك: ما فعلت؟ قال: قد استودعتها بطن الارض، و دفع الحق اليه، و ساله ان يختم عليه بخاتمه، و يودعه بعض خزائنه ففعل، فاقامت الجاريه عند الشيخ، حتى وضعت غلاما، فكره الشيخ ان يسمى ابن الملك دونه،

45

و كره ان يعلمه به صبيا حتى يدرك، و يستكمل الأدب و قد كان الشيخ أخذ قياس الصبى ساعه ولد، و اقام له الطالع، فعلم عند ذلك ان سيملك، فسماه اسما جامعا يكون صفه و اسما و يكون فيه بالخيار إذا علم به، فسماه شاه بور، و ترجمتها بالعربية: ابن الملك، و هو أول من سمى هذا الاسم، و هو سابور الجنود بالعربية، بن أردشير و قال بعضهم: بل سماه اشه بور، ترجمتها بالعربية: ولد اشك، الذى كانت أم الغلام من نسله.

فغبر أردشير دهرا لا يولد له، فدخل عليه الشيخ الامين، الذى عنده الصبى، فوجده محزونا، فقال: ما يحزنك ايها الملك؟ فقال له أردشير:

و كيف لا احزن، و قد ضربت بسيفي ما بين المشرق و المغرب حتى ظفرت بحاجتي، و صفا لي الملك ملك آبائى، ثم اهلك لا يعقبني فيه عقب، و لا يكون لي فيه بقية! فقال له الشيخ: سرك الله ايها الملك و عمرك! لك عندي ولد طيب نفيس، فادع بالحق الذى استودعتك، و ختمته بخاتمك ارك برهان ذلك.

فدعا أردشير بالحق، فنظر الى نقش خاتمه، ثم فضه، و فتح الحق، فوجد فيه مذاكير الشيخ، و كتابا فيه: انا لما اختبرنا ابنه اشك التي علقت من ملك الملوك أردشير حين امرنا بقتلها حين حملها، لم نستحل اتواء زرع الملك الطيب، فاودعناها بطن الارض كما امرنا ملكنا، و تبرأنا اليه من أنفسنا لئلا يجد عاضه الى عضهها سبيلا، و قمنا بتقويه الحق المنزوع حتى لحق باهله، و ذلك في ساعه كذا من عام كذا فأمره أردشير عند ذلك ان يهيئه في مائه غلام و قال بعضهم: في الف غلام من اترابه و أشباهه في الهيئة و القامة، ثم يدخلهم عليه جميعا لا يفرق بينهم في زي و لا قامه و لا ادب، ففعل ذلك الشيخ، فلما نظر اليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم، و استحلاه من غير ان يكون أشير له اليه او لحن به ثم امر بهم جميعا

46

فاخرجوا الى حجره الإيوان، فأعطوا صوالجه، فلعبوا بالكره و هو في الإيوان على سريره، فدخلت الكره في الإيوان الذى هو فيه، فكاع الغلمان جميعا ان يدخلوا الإيوان، و اقدم سابور من بينهم فدخل فاستدل أردشير بدخوله عليه، و اقدامه و جراته مع ما كان من قبول نفسه له أول مره حين رآه، و رقته عليه دون اصحابه انه ابنه فقال له أردشير بالفارسيه:

ما اسمك؟ فقال الغلام: شاه بور، فقال: أردشير: شاه بور! فلما ثبت عنده انه ابنه شهر امره، و عقد له التاج من بعده.

و كان سابور قد ابتلى منه اهل فارس- قبل ان يفضى اليه الملك في حياه ابيه- عقلا و فضلا و علما، مع شده بطش، و بلاغه منطق، و رافه بالرعية و رقه فلما عقد التاج على راسه، اجتمع اليه العظماء، فدعوا له بطول البقاء، و اطنبوا في ذكر والده و ذكر فضائله، فاعلمهم انهم لم يكونوا يستدعون إحسانه بشي‏ء يعدل عنده ذكرهم والده، و وعدهم خيرا.

ثم امر بما كان في الخزائن من الأموال، فوسع بها على الناس، و قسمها فيمن رآه لها موضعا، من الوجوه و الجنود و اهل الحاجة، و كتب الى عماله بالكور و النواحي ان يفعلوا مثل ذلك في الأموال التي في ايديهم، فوصل من فضله و إحسانه الى القريب و البعيد، و الشريف و الوضيع، و الخاص و العام ما عمهم و رفغت معايشهم ثم تخير لهم العمال، و اشرف عليهم و على الرعية اشرافا شديدا، فبان فضل سيرته، و بعد صوته، و فاق جميع الملوك.

و قيل: انه سار الى مدينه نصيبين، لإحدى عشره سنه مضت من ملكه، و فيها جنود من جنود الروم، فحاصرهم حينا، ثم أتاه عن ناحيه من خراسان ما احتاج الى مشاهدته، فشخص إليها حتى احكم امرها، ثم رجع الى نصيبين و زعموا ان سور المدينة تصدع و انفرجت له فرجه دخل منها،

47

فقتل المقاتله و سبى و أخذ اموالا عظيمه كانت لقيصر هنالك، ثم تجاوزها الى الشام و بلاد الروم، فافتتح من مدائنها مدنا كثيره.

و قيل: ان فيما افتتح قالوقيه و قذوقيه، و انه حاصر ملكا كان بالروم، يقال له الريانوس بمدينه أنطاكية، فاسره و حمله و جماعه كثيره معه، و اسكنهم جندى سابور.

و ذكر انه أخذ الريانوس ببناء شاذروان تستر، على ان يجعل عرضه الف ذراع، فبناه الرومي بقوم اشخصهم اليه من الروم، و حكم سابور في فكاكه بعد فراغه من الشاذروان، فقيل انه أخذ منه اموالا عظيمه، و اطلقه بعد ان جدع انفه و قيل انه قتله.

و كان بحيال تكريت بين دجلة و الفرات مدينه يقال لها الحضر، و كان بها رجل من الجرامقة يقال له الساطرون، و هو الذى يقول فيه ابو دواد الأيادي:

و ارى الموت قد تدلى من الحضر* * * على رب اهله الساطرون‏

و العرب تسميه الضيزن و قيل: ان الضيزن من اهل باجرمى.

و زعم هشام بن الكلبى انه من العرب من قضاعه و انه الضيزن بن معاويه ابن العبيد بن الاجرام بن عمرو بن النخع بن سليح بن حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعه، و ان أمه من تزيد بن حلوان اسمها جيهله، و انه انما كان يعرف بامه و زعم انه كان ملك ارض الجزيرة، و كان معه من بنى عبيد بن الاجرام و قبائل قضاعه ما لا يحصى، و ان ملكه كان قد بلغ الشام، و انه تطرف من بعض السواد في غيبه كان غابها الى ناحيه خراسان سابور بن أردشير، فلما قدم من غيبته اخبر بما كان منه، فقال في ذلك من فعل الضيزن، عمرو بن اله بن الجدى بن الدهاء بن جشم بن حلوان‏

48

ابن عمران بن الحاف بن قضاعه:

لقيناهم بجمع من علاف* * * و بالخيل الصلادمه الذكور

فلاقت فارس منا نكالا* * * و قتلنا هرابذ شهر زور

دلفنا للاعاجم من بعيد* * * بجمع كالجزيرة في السعير

فلما اخبر سابور بما كان منه شخص اليه حتى اناخ على حصنه، و تحصن الضيزن في الحصن، فزعم ابن الكلبى انه اقام سابور على حصنه اربع سنين، لا يقدر على هدمه و لا على الوصول الى الضيزن.

و اما الأعشى ميمون بن قيس فانه ذكر في شعره انه اقام عليه حولين، فقال:

ا لم تر للحضر إذ اهله* * * بنعمى و هل خالد من نعم!

اقام به شاهبور الجنود* * * حولين تضرب فيه القدم‏

فما زاده ربه قوه* * * و مثل مجاوره لم يقم‏

فلما راى ربه فعله* * * أتاه طروقا فلم ينتقم‏

و كان دعا قومه دعوه* * * هلموا الى امركم قد صرم‏

فموتوا كراما بأسيافكم* * * ارى الموت يجشمه من جشم‏

ثم ان ابنه للضيزن يقال لها النضيره عركت فأخرجت الى ربض‏

49

المدينة، و كانت من اجمل نساء زمانها- و كذلك كان يفعل بالنساء إذا هن عركن- و كان سابور من اجمل اهل زمانه- فيما قيل- فراى كل واحد منهما صاحبه، فعشقته و عشقها، فأرسلت اليه: ما تجعل لي ان دللتك على ما تهدم به سور هذه المدينة و تقتل ابى؟ قال: حكمك و ارفعك على نسائي، و اخصك بنفسي دونهن قالت: عليك بحمامه ورقاء مطوقة، فاكتب في رجلها بحيض جاريه بكر زرقاء، ثم أرسلها، فإنها تقع على حائط المدينة، فتتداعى المدينة و كان ذلك طلسم المدينة لا يهدمها الا هذا، ففعل و تاهب لهم، و قالت: انا اسقى الحرس الخمر، فإذا صرعوا فاقتلهم، و ادخل المدينة ففعل و تداعت المدينة، ففتحها عنوه، و قتل الضيزن يومئذ، و أبيدت افناء قضاعه الذين كانوا مع الضيزن، فلم يبق منهم باق يعرف الى اليوم، و أصيبت قبائل من بنى حلوان، فانقرضوا و درجوا، فقال عمرو بن اله- و كان مع الضيزن:

ا لم يحزنك و الأنباء تنمى* * * بما لاقت سراه بنى عبيد!

و مصرع ضيزن و بنى ابيه* * * و احلاس الكتائب من تزيد!

أتاهم بالفيول مجللات* * * و بالابطال سابور الجنود

فهدم من اواسى الحصن صخرا* * * كان ثفاله زبر الحديد

و اخرب سابور المدينة، و احتمل النضيره ابنه الضيزن، فاعرس بها بعين التمر، فذكر انها لم تزل ليلتها تضور من خشونة فرشها، و هي من‏

50

حرير محشوه بالقز فالتمس ما كان يؤذيها، فإذا ورقه آس ملتزقه بعكنه من عكنها قد اثرت فيها قال: و كان ينظر الى مخها من لين بشرتها- فقال لها سابور: ويحك باى شي‏ء كان يغذوك ابوك؟ قالت: بالزبد و المخ و شهد الابكار من النحل و صفو الخمر قال: و ابيك لأنا احدث عهدا بك، و آثر لك من ابيك الذى غذاك بما تذكرين فامر رجلا فركب فرسا جموحا، ثم عصب غدائرها بذنبه، ثم استركضها فقطعها قطعا، فذلك قول الشاعر:

اقفر الحصن من نضيره فالمر* * * باع منها فجانب الثرثار

و قد اكثر الشعراء ذكر ضيزن هذا في اشعارهم، و اياه عنى عدى بن زيد بقوله:

و أخو الحضر إذ بناه و إذ دجلة* * * تحبى اليه و الخابور.

شاده مرمرا و جلله كلسا* * * فللطير في ذراه وكور

لم يهبه ريب المنون فباد* * * الملك عنه فبابه مهجور

و يقال ان سابور بنى بميسان شاذ سابور، التي تسمى بالنبطية ريما.

و في ايام سابور ظهر مانى الزنديق، و يقال: ان سابور لما سار الى موضع جندى سابور ليؤسسها صادف عندها شيخا يقال له بيل، فسأله: هل يجوز ان يتخذ في ذلك الموضع مدينه؟ فقال له بيل: ان الهمت الكتابه مع ما قد بلغت من السن جاز ان يبنى في هذا الموضع مدينه فقال له سابور:

بل ليكن الأمران اللذان انكرت كونهما فرسم المدينة و اسلم بيل الى معلم، و فرض عليه تعليمه الكتاب و الحساب في سنه، فخلا به المعلم و بدا بحلق راسه‏

51

و لحيته لئلا يتشاغل بهما، و جاده التعليم ثم اتى به سابور و قد نفذ و مهر، فقلده احصاء النفقة على المدينة و اثبات حسابها، و كور الناحية و سماها بهازنديو سابور، و تاويل ذلك: خير من أنطاكية، و مدينه سابور- و هي التي تسمى جندى سابور، و اهل الاهواز يسمونها بيل باسم القيم كان على بنائها و لما حضر سابور الموت ملك ابنه هرمز و عهد اليه عهدا امره بالعمل به.

و اختلف في سنى ملكه، فقال: بعضهم كان ذلك ثلاثين سنه و خمسه عشر يوما و قال آخرون: كان ملكه احدى و ثلاثين سنه و سته اشهر و تسعه عشر يوما

ذكر ملك هرمز بن سابور

ثم قام بالملك بعد سابور بن أردشير بن بابك ابنه هرمز و كان يلقب بالجرى‏ء، و كان يشبه في جسمه و خلقه و صورته باردشير، غير لاحق به في رايه و تدبيره، الا انه كان من البطش و الجرأة و عظم الخلق على امر عظيم.

و كانت أمه- فيما قيل- من بنات مهرك، الملك الذى قتله أردشير باردشير خره و ذلك ان المنجمين كانوا أخبروا أردشير انه يكون من نسله من يملك فتتبع أردشير نسله فقتلهم، و أفلتت أم هرمز و كانت ذات عقل و جمال و كمال و شده خلق، فوقعت الى البادية، و أوت الى بعض الرعاء.

و ان سابور خرج يوما متصيدا، فأمعن في طلب الصيد، و اشتد به العطش، فارتفعت له الاخبيه التي كانت أم هرمز أوت إليها، فقصدها فوجد الرعاء غيبا، فطلب الماء، فناولته المرأة، فعاين منها جمالا فائقا، و قواما عجيبا، و وجها عتيقا ثم لم يلبث ان حضر الرعاء، فسألهم سابور عنها، فنسبها بعضهم اليه، فسأله ان يزوجها منه، فساعفه، فصار بها الى منازله، و امر بها فنظفت و كسيت و حليت، و أرادها على نفسها، فكان إذا خلا بها و التمس منها ما يلتمس الرجل من المرأة امتنعت و قهرته عند المجاذبه قهرا ينكره.

و تعجب من قوتها، فلما تطاول ذلك من امرها انكره، ففحص عن امرها

52

فاخبرته انها ابنه مهرك، و انها انما فعلت ما فعلت إبقاء عليه من أردشير، فعاهدها على ستر امرها، و وطئها فولدت هرمز، فستر امره حتى أتت له سنون.

و ان أردشير ركب يوما، ثم انكفأ الى منزل سابور لشي‏ء اراد ذكره له، فدخل منزله مفاجاه، فلما استقر به القرار خرج هرمز، و قد ترعرع و بيده صولجان يلعب به و هو يصيح في اثر الكره، فلما وقعت عين أردشير عليه انكره، و وقف على المشابه التي فيه منهم، لان الكية التي في آل أردشير كانت لا تخفى، و لا يذهب امرهم على احد، لعلامات كانت فيهم، من حسن الوجوه، و عباله الخلق، و امور كانوا بها مخصوصين في اجسامهم فاستدناه أردشير، و سال سابور عنه، فخر مكفرا على سبيل الاقرار بالخطا مما كان منه، و اخبر أباه حقيقة الخبر، فسر به، و اعلمه انه قد تحقق الذى ذكر المنجمون في ولد مهرك، و من يملك منهم، و انهم انما ذهبوا فيه الى هرمز، إذ كان من نسل مهرك، و ان ذلك قد سلى ما كان في نفسه و اذهبه.

فلما هلك أردشير و افضى الأمر الى سابور ولى هرمز خراسان، و سيره إليها، فاستقل بالعمل، و قمع من كان يليه من ملوك الأمم، و اظهر تجبرا شديدا، فوشى به الوشاة الى سابور، و وهموه انه ان دعاه لم يجب، و انه على ان يبتزه الملك، و نمت الاخبار بذلك الى هرمز، فقيل: انه خلا بنفسه، فقطع يده و حسمها، و القى عليها ما يحفظها، و أدرجها في نفيس من الثياب، و صيرها في سفط، و بعث بها الى سابور، و كتب اليه بما بلغه، و انه انما فعل ما فعل، ازاله للتهمة عنه، و لان في رسمهم الا يملكوا ذا عاهة فلما وصل الكتاب بما معه الى سابور، تقطع أسفا، و كتب اليه بما ناله من الغم بما فعل، و اعتذر، و اعلمه انه لو قطع بدنه عضوا عضوا، لم يؤثر عليه أحدا بالملك.

فملكه‏

53

و قيل: انه لما وضع التاج على راسه، دخل عليه العظماء، فدعوا له فاحسن لهم الجواب، و عرفوا منه صدق الحديث، و احسن فيهم السيرة، و عدل في رعيته، و سلك سبيل آبائه، و كور كوره رام‏هرمز و كان ملكه سنه و عشره ايام‏

. ذكر ملك بهرام بن هرمز

ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام و هو بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ابن بابك.

و كان من عمال سابور بن أردشير، و هرمز بن سابور، و بهرام بن هرمز بن سابور- بعد مهلك عمرو بن عدى بن نصر بن ربيعه على فرج العرب من ربيعه و مضر و سائر من بباديه العراق و الحجاز و الجزيرة يومئذ- ابن لعمرو بن عدى، يقال له امرؤ القيس البدء، و هو أول من تنصر من ملوك آل نصر بن ربيعه و عمال ملوك الفرس، و عاش- فيما ذكر هشام بن محمد- مملكا في عمله مائه سنه و اربع عشره سنه، من ذلك في زمن سابور بن أردشير ثلاثا و عشرين سنه و شهرا، و في زمن هرمز بن سابور سنه و عشره ايام، و في زمن بهرام بن هرمز ابن سابور ثلاث سنين و ثلاثة اشهر و ثلاثة ايام، و في زمن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ثماني عشره سنه.

و كان بهرام بن هرمز- فيما ذكر- رجلا ذا حلم و تؤده، فاستبشر الناس بولايته، و احسن السيرة فيهم، و اتبع في ملكه في سياسه الناس آثار آبائه، و كان مانى الزنديق- فيما ذكر- يدعوه الى دينه، فاستبرى ما عنده، فوجده داعيه للشيطان، فامر بقتله و سلخ جلده و حشوه تبنا و تعليقه على باب من أبواب مدينه جندى سابور، يدعى باب المانى، و قتل اصحابه و من دخل في ملته.

و كان ملكه- فيما قبل- ثلاث سنين و ثلاثة اشهر و ثلاثة ايام‏

54

ذكر ملك بهرام بن بهرام بن هرمز

ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير.

و كان ذا علم- فيما قيل- بالأمور، فلما عقد التاج على راسه دعا له العظماء بمثل ما كانوا يدعون لآبائه، فرد عليهم مردا حسنا، و احسن فيهم السيرة، و قال: ان ساعدنا الدهر نقبل ذلك بالشكر، و ان يكن غير ذلك نرض بالقسم.

و اختلف في سنى ملكه، فقال بعضهم: كان ملكه ثماني عشره سنه.

و قال بعضهم: كان سبع عشره سنه‏

. ذكر ملك شاهنشاه بن بهرام‏

ثم ملك بهرام الملقب بشاهنشاه بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير، فلما عقد التاج على راسه اجتمع اليه العظماء، فدعوا له ببركه الولاية و طول العمر، فرد عليهم احسن الرد، و كان قبل ان يفضى اليه الملك مملكا على سجستان.

و كان ملكه اربع سنين‏

. ذكر ملك نرسى بن بهرام‏

ثم قام بالملك بعده نرسى بن بهرام، و هو أخو بهرام الثالث، فلما عقد التاج على راسه دخلت عليه الاشراف و العظماء، فدعوا له فوعدهم خيرا، و امرهم بمكانفته على امره، و سار فيهم باعدل السيرة، و قال يوم ملك:

انا لن نضيع شكر الله على ما انعم به علينا.

و كان ملكه تسع سنين‏

. ذكر ملك هرمز بن نرسى‏

ثم ملك هرمز بن نرسى بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير.

و كان الناس قد وحلوا منه، و أحسوا بالفظاظه و الشده، فاعلمهم انه قد