تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج5

- ابن جرير الطبري المزيد...
626 /
5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ثم‏

و ثلاثين‏

ذكر ما كان فيها من الاحداث و موادعه الحرب بين على و معاويه‏

فكان في أول شهر منها- و هو المحرم- موادعه الحرب بين على و معاويه، قد توادعا على ترك الحرب فيه الى انقضائه طمعا في الصلح، فذكر هشام ابن محمد، عن ابى مخنف الأزدي، قال: حدثنى سعد ابو المجاهد الطائي، عن المحل بن خليفه الطائي، قال: لما توادع على و معاويه يوم صفين، اختلف فيما بينهما الرسل رجاء الصلح، فبعث على عدى بن حاتم و يزيد ابن قيس الارحبى و شبث بن ربعي و زياد بن خصفه الى معاويه، فلما دخلوا حمد الله عدى بن حاتم، ثم قال: اما بعد، فانا أتيناك ندعوك الى امر يجمع الله عز و جل به كلمتنا و أمتنا، و يحقن به الدماء، و يومن به السبل، و يصلح به ذات البين ان ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقه، و أحسنها في الاسلام أثرا، و قد استجمع له الناس، و قد ارشدهم الله عز و جل بالذي رأوا، فلم يبق احد غيرك و غير من معك، فانته يا معاويه لا يصبك الله و أصحابك بيوم مثل يوم الجمل فقال معاويه: كأنك انما جئت متهددا، لم تات مصلحا! هيهات يا عدى، كلا و الله انى لابن حرب، ما يقعقع لي بالشنان، اما و الله انك لمن المجلبين على ابن عفان رضى الله عنه، و انك لمن قتلته، و انى لأرجو ان تكون ممن يقتل الله عز و جل به هيهات يا عدى ابن حاتم! قد حلبت بالساعد الأشد فقال له شبث بن ربعي و زياد بن خصفه- و تنازعا جوابا واحدا: أتيناك فيما يصلحنا و إياك، فاقبلت تضرب لنا الأمثال! دع ما لا ينتفع به من القول و الفعل، و أجبنا فيما يعمنا و إياك نفعه و تكلم يزيد بن قيس، فقال: انا لم ناتك الا لنبلغك ما بعثنا به إليك، و لنؤدي عنك ما سمعنا منك، و نحن على ذلك لم ندع ان ننصح لك، و ان نذكر ما ظننا ان لنا عليك به حجه، و انك راجع به الى الألفة و الجماعه‏

6

ان صاحبنا من قد عرفت و عرف المسلمون فضله، و لا اظنه يخفى عليك، ان اهل الدين و الفضل لن يعدلوا بعلى، و لن يميلوا بينك و بينه، فاتق الله يا معاويه، و لا تخالف عليا، فانا و الله ما رأينا رجلا قط اعمل بالتقوى، و لا ازهد في الدنيا، و لا اجمع لخصال الخير كلها منه.

فحمد الله معاويه و اثنى عليه، ثم قال: اما بعد، فإنكم دعوتم الى الطاعة و الجماعه، فاما الجماعه التي دعوتم إليها فمعنا هي، و اما الطاعة لصاحبكم فانا لا نراها، ان صاحبكم قتل خليفتنا، و فرق جماعتنا، و آوى ثارنا و قتلتنا، و صاحبكم يزعم انه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه، ا رايتم قتله صاحبنا؟

ا لستم تعلمون انهم اصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به، ثم نحن نجيبكم الى الطاعة و الجماعه.

فقال له شبث: ايسرك يا معاويه انك امكنت من عمار تقتله! فقال معاويه: و ما يمنعني من ذلك! و الله لو امكنت من ابن سميه ما قتلته بعثمان، و لكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان فقال له شبث: و اله الارض و اله السماء، ما عدلت معتدلا، لا و الذى لا اله الا هو لا تصل الى عمار حتى تندر الهام عن كواهل الأقوام، و تضيق الارض الفضاء عليك برحبها.

فقال له معاويه: انه لو قد كان ذلك كانت الارض عليك اضيق.

و تفرق القوم عن معاويه، فلما انصرفوا بعث معاويه الى زياد بن خصفه التيمى، فخلا به، فحمد الله و اثنى عليه، و قال: اما بعد يا أخا ربيعه، فان عليا قطع أرحامنا، و آوى قتله صاحبنا، و انى اسالك النصر عليه باسرتك و عشيرتك، ثم لك عهد الله جل و عز و ميثاقه ان اوليك إذا ظهرت اى المصرين احببت.

قال ابو مخنف: فحدثني سعد ابو المجاهد، عن المحل بن خليفه، قال: سمعت زياد بن خصفه يحدث بهذا الحديث، قال: فلما قضى‏

7

معاويه كلامه حمدت الله عز و جل و اثنيت عليه، ثم قلت: اما بعد، فانى على بينه من ربى و بما انعم على، فلن أكون ظهيرا للمجرمين، ثم قمت.

فقال معاويه لعمرو بن العاص- و كان الى جنبه جالسا: ليس يكلم رجل منا رجلا منهم فيجيب الى خير ما لهم عضبهم الله بشر! ما قلوبهم الا كقلب رجل واحد.

قال ابو مخنف: فحدثني سليمان بن ابى راشد الأزدي، عن عبد الرحمن ابن عبيد ابى الكنود، ان معاويه، بعث الى على حبيب بن مسلمه الفهري و شرحبيل بن السمط و معن بن يزيد بن الاخنس، فدخلوا عليه و انا عنده، فحمد الله حبيب و اثنى عليه، ثم قال: اما بعد، فان عثمان بن عفان رضى الله عنه كان خليفه مهديا، يعمل بكتاب الله عز و جل، و ينيب الى امر الله تعالى، فاستثقلتم حياته، و استبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتله عثمان- ان زعمت انك لم تقتله- نقتلهم به، ثم اعتزل امر الناس فيكون‏ أَمْرُهُمْ شُورى‏ بَيْنَهُمْ، يولى الناس امرهم من اجمع عليه رأيهم.

[فقال له على بن ابى طالب: و ما أنت لا أم لك و العزل و هذا الأمر! اسكت فإنك لست هناك و لا باهل له! فقام و قال له: و الله لتريني بحيث تكره فقال على: و ما أنت و لو اجلبت بخيلك و رجلك! لا ابقى الله عليك ان ابقيت على، احقره و سوءا! اذهب فصوب و صعد ما بدا لك‏].

[و قال شرحبيل بن السمط: انى ان كلمتك فلعمرى ما كلامي الا مثل كلام صاحبي قبل، فهل عندك جواب غير الذى اجبته به؟ فقال على:

نعم لك و لصاحبك جواب غير الذى اجبته به فحمد الله و اثنى عليه ثم قال:

اما بعد، فان الله جل ثناؤه بعث محمدا(ص)بالحق، فانقذ به من الضلالة، و انتاش به من الهلكة، و جمع به من الفرقة، ثم قبضه الله اليه و قد ادى ما عليه ص، ثم استخلف الناس أبا بكر

8

رضى الله عنه، و استخلف ابو بكر عمر رضى الله عنه، فأحسنا السيرة، و عدلا في الامه، و قد وجدنا عليهما ان توليا علينا- و نحن آل رسول الله ص- فغفرنا ذلك لهما، و ولى عثمان رضى الله عنه فعمل بأشياء عابها الناس عليه، فساروا اليه فقتلوه، ثم أتاني الناس و انا معتزل أمورهم، فقالوا لي: بايع، فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع، فان الامه لا ترضى الا بك!، و انا نخاف ان لم تفعل ان يفترق الناس، فبايعتهم، فلم يرعني الا شقاق رجلين قد بايعانى، و خلاف معاويه الذى لم يجعل الله عز و جل له سابقه في الدين، و لا سلف صدق في الاسلام، طليق ابن طليق، حزب من هذه الأحزاب، لم يزل لله عز و جل و لرسوله(ص)و للمسلمين عدوا هو و أبوه حتى دخلا في الاسلام كارهين، فلا غرو الا خلافكم معه، و انقيادكم له، و تدعون آل نبيكم(ص)الذين لا ينبغى لكم شقاقهم و لا خلافهم، و لا ان تعدلوا بهم من الناس أحدا الا انى ادعوكم الى كتاب الله عز و جل و سنه نبيه(ص)و أماته الباطل، و احياء معالم الدين، اقول قولي هذا و استغفر الله لي و لكم، و لكل مومن و مؤمنة، و مسلم و مسلمه.

فقالا: اشهد ان عثمان رضى الله عنه قتل مظلوما، فقال لهما: لا اقول انه قتل مظلوما، و لا انه قتل ظالما، قالا: فمن لم يزعم ان عثمان قتل مظلوما فنحن منه برآء، ثم قاما فانصرفا فقال على: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏ وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَ ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏» ثم اقبل على على اصحابه فقال: لا يكن هؤلاء اولى بالجد في ضلالهم منكم بالجد في حقكم و طاعه ربكم‏].

قال ابو مخنف: حدثنى جعفر بن حذيفة، من آل عامر بن جوين،

9

ان عائذ بن قيس الحزمرى واثب عدى بن حاتم في الراية بصفين- و كانت حزمر اكثر من بنى عدى رهط حاتم- فوثب عليهم عبد الله بن خليفه الطائي البولانى عند على، فقال: يا بنى حزمر، على عدى تتوثبون! و هل فيكم مثل عدى او في آبائكم مثل ابى عدى! ا ليس بحامى القربه و مانع الماء يوم رويه؟ اليس بابن ذي المرباع و ابن جواد العرب؟! ا ليس بابن المنهب ماله، و مانع جاره؟! اليس من لم يغدر و لم يفجر، و لم يجهل و لم يبخل، و لم يمنن و لم يجبن؟! هاتوا في آبائكم مثل ابيه، او هاتوا فيكم مثله.

او ليس افضلكم في الاسلام! او ليس وافدكم الى رسول الله ص! اليس براسكم يوم النخيله و يوم القادسية و يوم المدائن و يوم جلولاء الوقيعه و يوم نهاوند و يوم تستر؟! فما لكم و له! و الله ما من قومكم احد يطلب مثل الذى تطلبون فقال له على بن ابى طالب: حسبك يا بن خليفه، هلم ايها القوم الى، و على بجماعه طيّئ، فاتوه جميعا، فقال على: من كان راسكم في هذه المواطن؟ قالت له طيّئ: عدى فقال له ابن خليفه:

فسلهم يا امير المؤمنين، ا ليسوا راضين مسلمين لعدي الرياسة؟ ففعل، فقالوا: نعم، فقال لهم: عدى احقكم بالراية فسلموها له، فقال على- و ضجت بنو الحزمر-: انى أراه راسكم قبل اليوم، و لا ارى قومه كلهم الا مسلمين له غيركم، فاتبع في ذلك الكثرة فأخذها عدى، فلما كان ازمان حجر بن عدى طلب عبد الله بن خليفه ليبعث به مع حجر- و كان من اصحابه- فسير الى الجبلين، و كان عدى قد مناه ان يرده، و ان يطلب فيه، فطال عليه ذلك، فقال:

و تنسوننى يوم الشريعه و القنا* * * بصفين في اكتافهم قد تكسرا

10

جزى ربه عنى عدى بن حاتم* * * برفضى و خذلاني جزاء موفرا

ا تنسى بلائي سادرا يا بن حاتم* * * عشيه ما اغنت عديك حزمرا

فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا* * * و كنت انا الخصم الألد العذورا

فولوا و ما قاموا مقامى كأنما* * * راونى ليثا بالاباءه مخدرا

نصرتك إذ خام القريب و أبعط البعيد* * * و قد افردت نصرا موزرا

فكان جزائي ان اجرد بينكم* * * سجينا، و ان اولى الهوان و اوسرا

و كم عده لي منك انك راجعي* * * فلم تغن بالميعاد عنى حبترا

تكتيب الكتائب و تعبئه الناس للقتال‏

[قال: و مكث الناس حتى إذا دنا انسلاخ المحرم امر على مرثد بن الحارث الجشمى فنادى اهل الشام عند غروب الشمس: الا ان امير المؤمنين يقول لكم: انى قد استدمتكم لتراجعوا الحق و تنيبوا اليه، و احتججت عليكم بكتاب الله عز و جل، فدعوتكم اليه، فلم تناهوا عن طغيان، و لم تجيبوا الى حق، و انى قد نبذت إليكم على سواء، ان الله لا يحب الخائنين‏].

ففزع اهل الشام الى امرائهم و رؤسائهم، و خرج معاويه و عمرو بن العاص في الناس يكتبان الكتائب و يعبيان الناس، و أوقدوا النيران، و بات على ليلته كلها يعبى الناس، و يكتب الكتائب، و يدور في الناس يحرضهم.

قال ابو مخنف: [حدثنى عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن ابيه، ان عليا كان يأمرنا في كل موطن لقينا فيه معه عدوا فيقول: لا تقاتلوا القوم‏

11

حتى يبدءوكم، فأنتم بحمد الله عز و جل على حجه، و ترككم إياهم حتى يبدؤكم حجه اخرى لكم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا، و لا تجهزوا على جريح، و لا تكشفوا عوره، و لا تمثلوا بقتيل، فإذا وصلتم الى رحال القوم فلا تهتكوا سترا و لا تدخلوا دارا الا باذن، و لا تأخذوا شيئا من أموالهم الا ما وجدتم في عسكرهم، و لا تهيجوا امراه بأذى، و ان شتمن اعراضكم، و سببن أمراءكم و صلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى و الأنفس‏].

قال ابو مخنف: و حدثنى اسماعيل بن يزيد، عن ابى صادق، عن الحضرمى، قال: [سمعت عليا يحرض الناس في ثلاثة مواطن: يحرض الناس يوم صفين، و يوم الجمل، و يوم النهر، يقول: عباد الله، اتقوا الله، و غضوا الابصار، و اخفضوا الأصوات، و أقلوا الكلام، و وطنوا انفسكم على المنازله و المجاولة و المبارزه و المناضلة و المجالدة و المعانقه و المكادمة و الملازمة، فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ‏ وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏ اللهم الهمهم الصبر، و انزل عليهم النصر، و اعظم لهم الاجر].

فاصبح على من الغد، فبعث على الميمنه و الميسره و الرجاله و الخيل قال ابو مخنف: فحدثني فضيل بن خديج الكندى ان عليا بعث على خيل اهل الكوفه الاشتر، و على خيل اهل البصره سهل بن حنيف، و على رجاله اهل الكوفه عمار بن ياسر، و على رجاله اهل البصره قيس بن سعد و هاشم ابن عتبة و معه رايته، و مسعر بن فدكي التميمى على قراء اهل البصره، و صار اهل الكوفه الى عبد الله بن بديل و عمار بن ياسر.

قال ابو مخنف: و حدثنى عبد الله بن يزيد بن جابر الأزدي،

3

عن القاسم مولى يزيد بن معاويه، ان معاويه بعث على ميمنته ابن ذي الكلاع الحميرى،، و على ميسرته حبيب بن مسلمه الفهري، و على مقدمته يوم اقبل من دمشق‏

12

أبا الأعور السلمى- و كان على خيل اهل دمشق- و عمرو بن العاص على خيول اهل الشام كلها، و مسلم بن عقبه المري على رجاله اهل دمشق، و الضحاك بن قيس على رجاله الناس كلها و بايع رجال من اهل الشام على الموت، فعقلوا انفسهم بالعمائم فكان المعقلون خمسه صفوف، و كانوا يخرجون و يصفون عشره صفوف، و خرج اهل العراق احد عشر صفا فخرجوا أول يوم من صفين فاقتتلوا و على من خرج يومئذ من اهل الكوفه الاشتر، و على اهل الشام حبيب بن مسلمه، و ذلك يوم الأربعاء، فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار، ثم تراجعوا و قد انتصف بعضهم من بعض، ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل و رجال حسن عددها و عدتها، و خرج اليه ابو الأعور، فاقتتلوا يومهم ذلك، يحمل الخيل على الخيل، و الرجال على الرجال، ثم انصرفوا و قد كان القوم صبر بعضهم لبعض و خرج اليوم الثالث عمار بن ياسر، و خرج اليه عمرو بن العاص، فاقتتل الناس كأشد القتال، و أخذ عمار يقول: يا اهل العراق، ا تريدون ان تنظروا الى من عادى الله و رسوله و جاهدهما، و بغى على المسلمين، و ظاهر المشركين، فلما راى الله عز و جل يعز دينه و يظهر رسوله اتى النبي(ص)فاسلم، و هو فيما نرى راهب غير راغب، ثم قبض الله عز و جل رسوله ص! فو الله ان زال بعده معروفا بعداوة المسلم، و هواده المجرم فاثبتوا له و قاتلوه فانه يطفئ نور الله، و يظاهر أعداء الله عز و جل.

فكان مع عمار زياد بن النضر على الخيل، فأمره ان يحمل في الخيل، فحمل، و قاتله الناس و صبروا له، و شد عمار في الرجال، فأزال عمرو بن العاص عن موقفه و بارز يومئذ زياد بن النضر أخا له لامه يقال له عمرو بن معاويه بن المنتفق بن عامر بن عقيل- و كانت أمهما امراه من بنى يزيد- فلما التقيا تعارفا فتواقفا، ثم انصرف كل واحد منهما عن صاحبه، و تراجع الناس.

فلما كان من الغد خرج محمد بن على و عبيد الله بن عمر في جمعين عظيمين، فاقتتلوا كأشد القتال ثم ان عبيد الله بن عمر ارسل الى ابن الحنفيه:

13

ان اخرج الى، فقال: نعم، ثم خرج يمشى، فبصر به امير المؤمنين فقال:

من هذان المتبارزان؟ فقيل: ابن الحنفيه و عبيد الله بن عمر، فحرك دابته ثم نادى محمدا، فوقف له، فقال: امسك دابتى، فأمسكها، ثم مشى اليه على فقال: ابرز لك، هلم الى، فقال: ليست لي في مبارزتك حاجه، فقال: بلى، فقال: لا، فرجع ابن عمر فاخذ ابن الحنفيه يقول لأبيه:

يا أبت، لم منعتني من مبارزته؟ فو الله لو تركتني لرجوت ان اقتله، فقال:

لو بارزته لرجوت ان تقتله، و ما كنت آمن ان يقتلك، فقال: يا أبت او تبرز لهذا الفاسق! و الله لو أبوه سالك المبارزه لرغبت بك عنه، [فقال على: يا بنى، لا تقل في ابيه الا خيرا] ثم ان الناس تحاجزوا و تراجعوا.

قال: فلما كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن عباس و الوليد بن عقبه فاقتتلوا قتالا شديدا، و دنا ابن عباس من الوليد بن عقبه، فاخذ الوليد يسب بنى عبد المطلب، و أخذ يقول: يا بن عباس، قطعتم أرحامكم، و قتلتم امامكم، فكيف رايتم الله صنع بكم؟! لم تعطوا ما طلبتم، و لم تدركوا ما املتم، و الله ان شاء مهلككم و ناصر عليكم فأرسل اليه ابن عباس: ان ابرز لي، فأبى.

و قاتل ابن عباس يومئذ قتالا شديدا، و غشى الناس بنفسه.

ثم خرج قيس بن سعد الأنصاري و ابن ذي الكلاع الحميرى فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انصرفا، و ذلك في اليوم السادس.

ثم خرج الاشتر، و عاد اليه حبيب بن مسلمه اليوم السابع، فاقتتلا قتالا شديدا، ثم انصرفا عند الظهر، و كل غير غالب، و ذلك يوم الثلاثاء.

قال ابو مخنف: حدثنى مالك بن اعين الجهنى عن زيد بن وهب، ان عليا قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا! فقام في الناس عشيه الثلاثاء، ليله الأربعاء بعد العصر، فقال: الحمد لله الذى لا يبرم ما نقض، و ما ابرم لا ينقضه الناقضون، لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه، و لا تنازعت الامه في شي‏ء من امره، و لا جحد المفضول ذا الفضل فضله، و قد ساقتنا و هؤلاء القوم الأقدار، فلفت بيننا في هذا المكان، فنحن من ربنا بمراى و مسمع، فلو شاء عجل النقمه، و كان منه التغيير، حتى‏

14

يكذب الله الظالم، و يعلم الحق اين مصيره، و لكنه جعل الدنيا دار الاعمال، و جعل الآخرة عنده هي دار القرار، ليجزى الذين أساءوا بما عملوا و يجزى الذين أحسنوا بالحسنى الا انكم لاقو القوم غدا، فأطيلوا الليلة القيام، و أكثروا تلاوة القرآن، و سلوا الله عز و جل النصر و الصبر، و القوهم بالجد و الحزم، و كونوا صادقين ثم انصرف، و وثب الناس الى سيوفهم و رماحهم و نبالهم يصلحونها، و مر بهم كعب بن جعيل التغلبى و هو يقول:

اصبحت الامه في امر عجب* * * و الملك مجموع غدا لمن غلب‏

فقلت قولا صادقا غير كذب* * * ان غدا تهلك اعلام العرب.

[قال: فلما كان من الليل خرج على فعبى الناس ليلته كلها، حتى إذا اصبح زحف بالناس، و خرج اليه معاويه في اهل الشام، فاخذ على يقول:

من هذه القبيلة؟ و من هذه القبيلة؟ فنسبت له قبائل اهل الشام، حتى إذا عرفهم و راى مراكزهم قال للازد: اكفوني الأزد، و قال لخثعم: اكفوني خثعم‏] و امر كل قبيله من اهل العراق ان تكفيه أختها من اهل الشام الا ان تكون قبيله ليس منها بالشام احد فيصرفها الى قبيله اخرى تكون بالشام، ليس منهم بالعراق واحد، مثل بجيله لم يكن منهم بالشام الا عدد قليل، فصرفهم الى لخم ثم تناهض الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا نهارهم كله، ثم انصرفوا عند المساء و كل غير غالب، حتى إذا كان غداه الخميس صلى على بغلس قال ابو مخنف: حدثنى عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن ابيه، قال:

ما رايت عليا غلس بالصلاة أشد من تغليسه يومئذ، ثم خرج بالناس الى اهل الشام فزحف اليهم، فكان يبدوهم فيسير اليهم، فإذا راوه قد زحف اليهم استقبلوه بوجوههم.

قال ابو مخنف: حدثنى مالك بن اعين، عن زيد بن وهب الجهنى، ان عليا خرج اليهم غداه الأربعاء فاستقبلهم فقال: اللهم رب السقف المرفوع، المحفوظ المكفوف، الذى جعلته مغيضا لليل و النهار، و جعلت‏

15

فيه مجرى الشمس و القمر و منازل النجوم، و جعلت سكانه سبطا من الملائكة، لا يسامون العباده و رب هذه الارض التي جعلتها قرارا للأنام، و الهوام و الانعام، و ما لا يحصى مما لا يرى و مما يرى من خلقك العظيم و رب الفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس، و رب السحاب المسخر بين السماء و الارض، و رب البحر المسجور المحيط بالعالم، و رب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا، و للخلق متاعا، ان أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغى، و سددنا للحق، و ان أظهرتهم علينا فارزقني الشهاده، و اعصم بقية اصحابى من الفتنة.

قال: و ازدلف الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا كأشد القتال يومهم حتى الليل، لا ينصرف بعضهم عن بعض الا للصلاة، و كثرت القتلى بينهم، و تحاجزوا عند الليل و كل غير غالب، فأصبحوا من الغد، فصلى بهم على غداه الخميس، فغلس بالصلاة أشد التغليس، ثم بدا اهل الشام بالخروج، فلما راوه قد اقبل اليهم خرجوا اليه بوجوههم، و على ميمنته عبد الله بن بديل، و على ميسرته عبد الله بن عباس، و قراء اهل العراق مع ثلاثة نفر: مع عمار ابن ياسر، و مع قيس بن سعد، و مع عبد الله بن بديل، و الناس على راياتهم و مراكزهم، و على في القلب في اهل المدينة بين اهل الكوفه و اهل البصره، و عظم من معه من اهل المدينة الانصار، و معه من خزاعة عدد حسن، و من كنانه و غيرهم من اهل المدينة.

ثم زحف اليهم بالناس، و رفع معاويه قبة عظيمه قد القى عليها الكرابيس و بايعه عظم الناس من اهل الشام على الموت، و بعث خيل اهل دمشق فاحتاطت بقبته، و زحف عبد الله بن بديل في الميمنه نحو حبيب بن مسلمه، فلم يزل يحوزه، و يكشف خيله من الميسره حتى اضطرهم الى قبة معاويه عند الظهر

16

قال ابو مخنف: حدثنى مالك بن اعين، عن زيد بن وهب الجهنى، ان ابن بديل قام في اصحابه فقال: الا ان معاويه ادعى ما ليس اهله، و نازع هذا الأمر من ليس مثله، و جادل بالباطل ليدحض به الحق، و صال عليكم بالاعراب و الأحزاب، قد زين لهم الضلالة، و زرع في قلوبهم حب الفتنة، و لبس عليهم الأمر، و زادهم رجسا الى رجسهم، و أنتم على نور من ربكم، و برهان مبين فقاتلوا الطغاة الجفاة، و لا تخشوهم، فكيف تخشونهم و في ايديكم كتاب الله عز و جل طاهرا مبرورا! «أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ‏»، و قد قاتلناهم مع النبي(ص)مره، و هذه ثانيه، و الله ما هم في هذه باتقى و لا ازكى و لا ارشد، قوموا الى عدوكم بارك الله عليكم! فقاتل قتالا شديدا هو و اصحابه.

قال ابو مخنف: حدثنى عبد الرحمن بن ابى عمره الأنصاري، عن ابيه و مولى له، [ان عليا حرض الناس يوم صفين، فقال:

ان الله عز و جل قد دلكم على تجاره تنجيكم من عذاب اليم، تشفى بكم على الخير: الايمان بالله عز و جل و برسوله (ص)، و الجهاد في سبيل الله تعالى ذكره، و جعل ثوابه مغفره الذنب، و مساكن طيبه في جنات عدن ثم اخبركم انه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، و قدموا الدارع، و أخروا الحاسر، و عضوا على الاضراس، فانه انبى للسيوف عن الهام، و التووا

17

في اطراف الرماح، فانه اصون للأسنة و غضوا الابصار فانه اربط للجاش، و اسكن للقلوب، و أميتوا الأصوات فانه اطرد للفشل، و اولى بالوقار راياتكم فلا تميلوها و لا تزيلوها، و لا تجعلوها الا بأيدي شجعانكم، فان المانع للذمار، و الصابر عند نزول الحقائق، هم اهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم و يكنفونها، يضربون حفافيها خلفها و امامها، و لا يضعونها أجزأ امرؤ وقذ قرنه- رحمكم الله- و آسى أخاه بنفسه، و لم يكل قرنه الى أخيه، فيكسب بذلك لائمه، و ياتى به دناءة و انى لا يكون هذا هكذا! و هذا يقاتل اثنين، و هذا ممسك بيده يدخل قرنه على أخيه هاربا منه، او قائما ينظر اليه! من يفعل هذا يمقته الله عز و جل، فلا تعرضوا لمقت الله سبحانه فإنما مردكم الى الله، قال الله عز من قائل لقوم: «لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا» و ايم الله لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة و استعينوا بالصدق و الصبر، فان بعد الصبر ينزل الله النصر]

. الجد في الحرب و القتال‏

قال ابو مخنف: حدثنى ابو روق الهمدانى، ان يزيد بن قيس الارحبى حرض الناس فقال: ان المسلم السليم من سلم دينه و رايه، و ان هؤلاء القوم و الله ان يقاتلوننا

18

على اقامه دين رأونا ضيعناه، و احياء حق رأونا امتناه، و ان يقاتلوننا الا على هذه الدنيا ليكونوا جبابره فيها ملوكا، فلو ظهروا عليكم- لا اراهم الله ظهورا و لا سرورا- لزموكم بمثل سعيد و الوليد و عبد الله بن عامر السفيه الضال، يخبر احدهم في مجلسه بمثل ديته و ديه ابيه وجده، يقول: هذا لي و لا اثم على، كأنما اعطى تراثه عن ابيه و أمه، و انما هو مال الله عز و جل، افاءه علينا بأسيافنا و ارماحنا، فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين، الحاكمين بغير ما انزل الله، و لا يأخذكم في جهادهم لوم لائم، فإنهم ان يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم و دنياكم، و هم من قد عرفتم و خبرتم، و ايم الله ما ازدادوا الى يومهم هذا الا شرا.

و قاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنه قتالا شديدا حتى انتهى الى قبة معاويه ثم ان الذين تبايعوا على الموت أقبلوا الى معاويه، فأمرهم ان يصمدوا لابن بديل في الميمنه، و بعث الى حبيب بن مسلمه في الميسره، فحمل بهم و بمن كان معه على ميمنه الناس فهزمهم، و انكشف اهل العراق من قبل الميمنه حتى لم يبق منهم الا ابن بديل في مائتين او ثلاثمائة من القراء، قد اسند بعضهم ظهره الى بعض، و انجفل الناس، فامر على سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من اهل المدينة، فاستقبلتهم جموع لأهل الشام عظيمه، فاحتملتهم حتى الحقتهم بالميمنة، و كان في الميمنه الى موقف على في القلب اهل اليمن فلما كشفوا انتهت الهزيمة الى على، فانصرف يتمشى نحو الميسره، فانكشفت عنه مضر من الميسره، و ثبتت ربيعه.

قال ابو مخنف: حدثنى مالك بن اعين الجهنى، عن زيد بن وهب‏

19

الجهنى، قال: مر على معه بنوه نحو الميسره، و معه ربيعه وحدها، و انى لأرى النبل يمر بين عاتقه و منكبه، و ما من بنيه احد الا يقيه بنفسه، فيكره على ذلك، فيتقدم عليه، فيحول بين اهل الشام و بينه، فيأخذه بيده إذا فعل ذلك فيلقيه بين يديه او من ورائه، فبصر به احمر- مولى ابى سفيان، او عثمان، او بعض بنى اميه- [فقال على: و رب الكعبه، قتلني الله ان لم اقتلك او تقتلني!] فاقبل نحوه، فخرج اليه كيسان مولى على، فاختلفا ضربتين، فقتله مولى بنى اميه، و ينتهزه على، فيقع بيده في جيب درعه، فيجبذه، ثم حمله على عاتقه، فكأني انظر الى رجيلتيه، تختلفان على عنق على، ثم ضرب به الارض فكسر منكبه و عضديه، [و شد ابنا على عليه: حسين و محمد، فضرباه بأسيافهما، حتى برد، فكأني انظر الى على قائما و الى شبليه يضربان الرجل، حتى إذا قتلاه و اقبلا الى أبيهما، و الحسن قائما قال له: يا بنى، ما منعك ان تفعل كما فعل اخواك؟ قال: كفيانى يا امير المؤمنين‏] ثم ان اهل الشام دنوا منه و و الله ما يزيده قربهم منه سرعه في مشيه، [فقال له الحسن: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي الى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوك من أصحابك؟ فقال: يا بنى، ان لأبيك يوما لن يعدوه و لا يبطئ به عند السعى، و لا يعجل به اليه المشى، ان اباك و الله ما يبالى اوقع على الموت، او وقع الموت عليه‏].

قال ابو مخنف: حدثنى فضيل بن خديج الكندى، [عن مولى للأشتر، قال: لما انهزمت ميمنه العراق و اقبل على نحو الميسره، مر به الاشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنه، فقال له على: يا مالك، قال: لبيك،

20

قال: ائت هؤلاء القوم فقل لهم: اين فراركم من الموت الذى لن تعجزوه، الى الحياه التي لن تبقى لكم! فمضى فاستقبل الناس منهزمين، فقال لهم هذه الكلمات التي قالها له على‏] و قال: الى ايها الناس، انا مالك بن الحارث، انا مالك بن الحارث، ثم ظن انه بالأشتر اعرف في الناس، فقال: انا الاشتر، الى ايها الناس فاقبلت اليه طائفه، و ذهبت عنه طائفه، فنادى:

ايها الناس، عضضتم بهن آبائكم! ما اقبح ما قاتلتم منذ اليوم! ايها الناس، أخلصوا الى مذحجا، فاقبلت اليه مذحج، فقال: عضضتم بصم الجندل! ما ارضيتم ربكم، و لا نصحتم له في عدوكم، و كيف بذلك و أنتم أبناء الحروب، و اصحاب الغارات، و فتيان الصباح، و فرسان الطراد، و حتوف الاقران، و مذحج الطعان، الذين لم يكونوا يسبقون بثارهم، و لا تطل دماؤهم، و لا يعرفون في موطن بخسف، و أنتم حد اهل مصركم، و اعد حي في قومكم، و ما تفعلوا في هذا اليوم، فانه ماثور بعد اليوم، فاتقوا ماثور الأحاديث في غد، و اصدقوا عدوكم اللقاء فان الله مع الصادقين و الذى نفس مالك بيده ما من هؤلاء- و اشار بيده الى اهل الشام- رجل على مثال جناح بعوضة من محمد(ص)أنتم ما احسنتم القراع، اجلوا سواد وجهى يرجع في وجهى دمى.

عليكم بهذا السواد الأعظم، فان الله عز و جل لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السيل مقدمه قالوا: خذ بنا حيث احببت و صمد نحو عظمهم فيما يلى الميمنه، فاخذ يزحف اليهم، و يردهم، و يستقبله شباب من همدان- و كانوا ثمانمائه مقاتل يومئذ- و قد انهزموا آخر الناس، و كانوا قد صبروا في الميمنه حتى اصيب منهم ثمانون و مائه رجل، و قتل منهم احد عشر رئيسا، كلما قتل منهم رجل أخذ الراية آخر، فكان الاول كريب بن شريح، ثم شرحبيل ابن شريح، ثم مرثد بن شريح، ثم هبيرة بن شريح، ثم يريم بن شريح،

21

ثم سمير بن شريح، فقتل هؤلاء الإخوة السته جميعا ثم أخذ الراية سفيان ابن زيد، ثم عبد بن زيد، ثم كريب بن زيد، فقتل هؤلاء الإخوة الثلاثة جميعا، ثم أخذ الراية عميرة بن بشير، ثم الحارث بن بشير، فقتلا، ثم أخذ الراية وهب بن كريب أخو القلوص، فاراد ان يستقبل، فقال له رجل من قومه: انصرف بهذه الراية- رحمك الله- فقد قتل اشراف قومك حولها، فلا تقتل نفسك و لا من بقي من قومك، فانصرفوا و هم يقولون: ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت، ثم نستقدم نحن و هم فلا ننصرف حتى نقتل او نظفر فمروا بالأشتر و هم يقولون هذا القول، فقال لهم الاشتر:

الى انا احالفكم و أعاقدكم على الا نرجع ابدا حتى نظفر او نهلك فاتوه فوقفوا معه، ففي هذا القول قال كعب بن جعيل التغلبى:

و همدان رزق تبتغى من تحالف‏

و زحف الاشتر نحو الميمنه، و ثاب اليه ناس تراجعوا من اهل الصبر و الحياء و الوفاء، فاخذ لا يصمد لكتيبه الا كشفها، و لا لجمع الا حازه و رده، فانه لكذلك إذ مر بزياد بن النضر يحمل الى العسكر، فقال: من هذا؟ فقيل: زياد بن النضر، استلحم عبد الله بن بديل و اصحابه في الميمنه، فتقدم زياد فرفع لأهل الميمنه رايته، فصبروا، و قاتل حتى صرع، ثم لم يمكثوا الا كلا شي‏ء حتى مر بيزيد بن قيس الارحبى محمولا نحو العسكر، فقال الاشتر: من هذا؟ فقالوا: يزيد بن قيس، لما صرع زياد ابن النضر رفع لأهل الميمنه رايته، فقاتل حتى صرع، فقال الاشتر: هذا و الله الصبر الجميل، و الفعل الكريم، ا لا يستحى الرجل ان ينصرف لا يقتل‏

22

و لا يقتل، او يشفى به على القتل! قال ابو مخنف: حدثنى ابو جناب الكلبى، عن الحر بن الصياح النخعى، ان الاشتر يومئذ كان يقاتل على فرس له في يده صفيحة يمانيه، إذا طاطاها خلت فيها ماء منصبا، و إذا رفعها كاد يعشى البصر شعاعها، و جعل يضرب بسيفه و يقول:

الغمرات ثم ينجلينا

قال: فبصر به الحارث بن جمهان الجعفى و الاشتر متقنع في الحديد، فلم يعرفه، فدنا منه فقال له: جزاك الله خيرا منذ اليوم عن امير المؤمنين، و جماعه المسلمين! فعرفه الاشتر، فقال يا بن جمهان، مثلك يتخلف عن مثل موطني هذا الذى انا فيه! فنظر اليه ابن جمهان فعرفه، فكان من اعظم الرجال و اطوله- و كان في لحيته خفه- قليله- فقال: جعلت فداك! لا و الله ما علمت بمكانك الا الساعة، و لا افارقك حتى اموت قال:

و رآه منقذ و حمير ابنا قيس الناعطيان، فقال منقذ لحمير: ما في العرب مثل هذا، ان كان ما ارى من قتاله على نيته، فقال له حمير: و هل النيه الا ما تراه يصنع! قال: انى اخاف ان يكون يحاول ملكا قال ابو مخنف: حدثنى فضيل بن خديج، عن مولى للأشتر:، انه‏

23

لما اجتمع اليه عظم من كان انهزم عن الميمنه حرضهم، ثم قال: عضوا على النواجذ من الاضراس، و استقبلوا القوم بهامكم، و شدوا شده قوم موتورين ثارا بابائهم و إخوانهم، حناقا على عدوهم، قد وطنوا على الموت انفسهم كيلا يسبقوا بوتر، و لا يلحقوا في الدنيا عارا، و ايم الله ما و تر قوم قط بشي‏ء أشد عليهم من ان يوتروا دينهم، و ان هؤلاء القوم لا يقاتلونكم الا عن دينكم ليميتوا السنه، و يحيوا البدعة، و يعيدوكم في ضلاله قد اخرجكم الله عز و جل منها بحسن البصيره فطيبوا عباد الله أنفسا بدمائكم دون دينكم، فان ثوابكم على الله، و الله عنده جنات النعيم و ان الفرار من الزحف فيه السلب للعز، و الغلبه على الفي‏ء، و ذل المحيا و الممات، و عار الدنيا و الآخرة.

و حمل عليهم حتى كشفهم، فالحقهم بصفوف معاويه بين صلاه العصر و المغرب، و انتهى الى عبد الله بن بديل و هو في عصبه من القراء بين المائتين و الثلثمائه، و قد لصقوا بالأرض كأنهم جثا فكشف عنهم اهل الشام، فابصروا إخوانهم قد دنوا منهم، فقالوا: ما فعل امير المؤمنين؟ قالوا: حي صالح في الميسره، يقاتل الناس امامه، فقالوا: الحمد لله، قد كنا ظننا ان قد هلك و هلكتم و قال عبد الله بن بديل لأصحابه: استقدموا بنا، فأرسل الاشتر اليه: الا تفعل، اثبت مع الناس فقاتل، فانه خير لهم و ابقى لك و لأصحابك فأبى، فمضى كما هو نحو معاويه، و حوله كأمثال الجبال، و في يده سيفان، و قد خرج فهو امام اصحابه، فاخذ كلما دنا منه رجل ضربه فقتله، حتى قتل سبعه، و دنا من معاويه فنهض اليه الناس من كل جانب، و احيط به و بطائفة من اصحابه، فقاتل حتى قتل، و قتل ناس من اصحابه، و رجعت طائفه قد جرحوا منهزمين، فبعث الاشتر ابن جمهان الجعفى فحمل على اهل الشام الذين يتبعون من نجا من اصحاب ابن بديل حتى نفسوا عنهم، و انتهوا الى الاشتر، فقال لهم: ا لم يكن رأيي لكم خيرا من رأيكم لأنفسكم! ا لم آمر كم ان تثبتوا مع الناس! و كان معاويه قال لابن بديل و هو

24

يضرب قدما: ا ترونه كبش القوم! فلما قتل ارسل اليه، فقال: انظروا من هو؟ فنظر اليه ناس من اهل الشام فقالوا: لا نعرفه، فاقبل اليه حتى وقف عليه، فقال: بلى، هذا عبد الله بن بديل، و الله لو استطاعت نساء خزاعة ان تقاتلنا فضلا على رجالها لفعلت، مدوه، فمدوه، فقال: هذا و الله كما قال الشاعر:

أخو الحرب ان عضت به الحرب عضها* * * و ان شمرت يوما به الحرب شمرا

و البيت لحاتم طيّئ و ان الاشتر زحف اليهم فاستقبله معاويه بعك و الاشعرين، فقال الاشتر لمذحج: اكفونا عكا، و وقف في همدان و قال لكنده: اكفونا الاشعرين، فاقتتلوا قتالا شديدا، و أخذ يخرج الى قومه فيقول: انما هم عك، فاحملوا عليهم، فيجثون على الركب و يرتجزون:

يا ويل أم مذحج من عك* * * هاتيك أم مذحج تبكى‏

فقاتلوهم حتى المساء ثم انه قاتلهم في همدان و ناس من طوائف الناس، فحمل عليهم فازالهم عن مواقفهم حتى الحقهم بالصفوف الخمسة المعقله بالعمائم حول معاويه، ثم شد عليهم شده اخرى فصرع الصفوف الأربعة،- و كانوا معقلين بالعمائم- حتى انتهوا الى الخامس الذى حول معاويه، و دعا معاويه بفرس فركب- و كان يقول: اردت ان انهزم فذكرت قول ابن الأطنابة من الانصار- كان جاهليا، و الأطنابة امراه من بلقين:

أبت لي عفتي و حياء نفسي* * * و اقدامى على البطل المشيح‏

و اعطائى على المكروه مالي* * * و أخذي الحمد بالثمن الربيح‏

و قولي كلما جشأت و جاشت* * * مكانك تحمدي او تستريحي‏

فمنعني هذا القول من الفرار

25

قال ابو مخنف: حدثنى مالك بن اعين الجهنى، عن زيد بن وهب، ان عليا لما راى ميمنته قد عادت الى مواقعها و مصافها و كشفت من بإزائها من عدوها حتى ضاربوهم في مواقفهم و مراكزهم، اقبل حتى انتهى اليهم [فقال: انى قد رايت جولتكم و انحيازكم عن صفوفكم، يحوزكم الطغاة الجفاة و اعراب اهل الشام، و أنتم لهاميم العرب، و السنام الأعظم، و عمار الليل بتلاوة القرآن و اهل دعوه الحق إذ ضل الخاطئون، فلو لا إقبالكم بعد ادباركم، و كركم بعد انحيازكم، وجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره، و كنتم من الهالكين، و لكن هون و جدي، و شفى بعض احاح نفسي، انى رايتكم باخره حزتموهم كما حازوكم، و أزلتموهم عن مصافهم كما ازالوكم، تحسونهم بالسيوف، تركب اولاهم اخراهم كالإبل المطرده الهيم، فالان فاصبروا، نزلت عليكم السكينة و ثبتكم الله عز و جل باليقين، ليعلم المنهزم انه مسخط ربه، و موبق نفسه، ان في الفرار موجده الله عز و جل عليه، و الذل اللازم، و العار الباقى، و اعتصار الفي‏ء من يده، و فساد العيش عليه و ان الفار منه لا يزيد في عمره، و لا يرضى ربه، فموت المرء محقا قبل اتيان هذه الخصال، خير من الرضا بالتانيس لها، و الاقرار عليها].

قال ابو مخنف: حدثنا عبد السلام بن عبد الله بن جابر الأحمسي، ان رايه بجيله بصفين كانت في احمس بن الغوث بن انمار مع ابى شداد- و هو قيس بن مكشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن جابر بن على ابن اسلم بن احمس بن الغوث- و قالت له بجيله: خذ رايتنا، فقال: غيرى خير لكم منى، قالوا: ما نريد غيرك، قال: و الله لئن أعطيتمونيها لا انتهى بكم دون صاحب الترس المذهب قالوا: اصنع ما شئت،

26

فأخذها ثم زحف، حتى انتهى بهم الى صاحب الترس المذهب- و كان في جماعه عظيمه من اصحاب معاويه، و ذكروا انه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي- فاقتتل الناس هنالك قتالا شديدا، فشد بسيفه نحو صاحب الترس، فتعرض له رومي، مولى لمعاوية فيضرب قدم ابى شداد فيقطعها، و يضربه ابو شداد فيقتله، و اشرعت اليه الأسنة فقتل، و أخذ الراية عبد الله ابن قلع الأحمسي و هو يقول:

لا يبعد الله أبا شداد* * * حيث أجاب دعوه المنادى‏

و شد بالسيف على الأعادي* * * نعم الفتى كان لدى الطراد

و في طعان الرجل و الجلاد

فقاتل حتى قتل، فاخذ الراية اخوه عبد الرحمن بن قلع، فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عفيف بن اياس، فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس، و قتل حازم بن ابى حازم الأحمسي- أخو قيس بن ابى حازم- يومئذ، و قتل نعيم بن صهيب بن العليه البجلي يومئذ، فاتى ابن عمه و سميه نعيم بن الحارث ابن العليه معاويه- و كان معه- فقال: ان هذا القتيل ابن عمى، فهبه لي ادفنه، فقال: لا تدفنه فليس لذلك أهلا، و الله ما قدرنا على دفن ابن عفان رضى الله عنه الا سرا قال: و الله لتاذنن في دفنه او لألحقن بهم و لادعنك.

قال معاويه: ا ترى اشياخ العرب قد احالتهم أمورهم، فأنت تسألني في دفن ابن عمك! ادفنه ان شئت او دع فدفنه.

قال ابو مخنف: حدثنى الحارث بن حصيره الأزدي، عن اشياخ من النمر من الأزد، ان مخنف بن سليم لما ندبت الأزد للازد، حمد الله و اثنى عليه ثم قال: ان من الخطا الجليل، و البلاء العظيم، انا صرفنا الى قومنا و صرفوا إلينا، و الله ما هي الا أيدينا نقطعها بأيدينا، و ما هي الا اجنحتنا نجدها بأسيافنا، فان نحن لم نؤاس جماعتنا، و لم نناصح صاحبنا كفرنا، و ان‏

27

نحن فعلنا فعزنا أبحنا، و نارنا اخمدنا، فقال له جندب بن زهير: و الله لو كنا آباءهم و ولدناهم- او كنا ابناءهم و ولدونا- ثم خرجوا من جماعتنا، و طعنوا على امامنا و إذا هم الحاكمون بالجور على اهل ملتنا و ذمتنا، ما افترقنا بعد ان اجتمعنا حتى يرجعوا عما هم عليه، و يدخلوا فيما ندعوهم اليه، او تكثر القتلى بيننا و بينهم.

فقال له مخنف- و كان ابن خالته: أعز الله بك النيه، و الله ما علمت صغيرا و كبيرا الا مشئوما، و الله ما ميلنا الرأي قط أيهما ناتى او أيهما ندع- في الجاهلية و لا بعد ان أسلمنا- الا اخترت أعسرهما و انكدهما، اللهم ان تعافى أحب إلينا من ان تبتلى، فأعط كل امرئ منا ما يسألك.

و قال ابو بريده بن عوف: اللهم احكم بيننا بما هو ارضى لك يا قوم انكم تبصرون ما يصنع الناس، و ان لنا الأسوة بما عليه الجماعه ان كنا على حق، و ان يكونوا صادقين فان أسوة في الشر- و الله ما علمنا- ضرر في المحيا و الممات و تقدم جندب بن زهير، فبارز راس ازد الشام، فقتله الشامي، و قتل من رهطه عجل و سعد ابنا عبد الله من بنى ثعلبه، و قتل مع مخنف من رهطه عبد الله و خالد ابنا ناجد، و عمرو و عامر ابنا عويف، و عبد الله بن الحجاج و جندب بن زهير، و ابو زينب بن عوف بن الحارث، و خرج عبد الله بن ابى الحصين الأزدي في القراء الذين مع عمار بن الحارث، و خرج عبد الله بن ابى الحصين الأزدي في القراء الذين مع عمار بن ياسر فاصيب معه.

قال ابو مخنف: و حدثنى الحارث بن حصيره، عن اشياخ النمر، ان عقبه بن حديد النمرى قال يوم صفين: الا ان مرعى الدنيا قد اصبح هشيما، و اصبح شجرها خضيدا، و جديدها سملا، و حلوها مر المذاق.

الا و انى أنبئكم نبا امرئ صادق: انى قد سئمت الدنيا و عزفت نفسي عنها،

28

و قد كنت اتمنى الشهاده، و اتعرض لها في كل جيش و غاره، فأبى الله عز و جل الا ان يبلغني هذا اليوم الا و انى متعرض لها من ساعتي هذه، قد طمعت الا أحرمها، فما تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى الله؟ خوفا من الموت القادم عليكم، الذاهب بانفسكم لا محاله، او من ضربه كف بالسيف تستبدلون الدنيا بالنظر في وجه الله عز و جل و موافقه النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين في دار القرار! ما هذا بالرأي السديد ثم مضى فقال:

يا اخوتى، قد بعت هذه الدار بالتي امامها، و هذا وجهى إليها لا يبرح وجوهكم، و لا يقطع الله عز و جل رجاءكم فتبعه اخوته: عبيد الله و عوف و مالك، و قالوا:

لا نطلب رزق الدنيا بعدك، فقبح الله العيش بعدك! اللهم انا نحتسب أنفسنا عندك! فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا قال ابو مخنف: حدثنى صله بن زهير النهدي، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: شهدت صفين مع الحى و معنا شمر بن ذي الجوشن الضبابي، فبارزه ادهم بن محرز الباهلى، فضرب ادهم وجه شمر بالسيف، و ضربه شمر ضربه لم تضرره، فرجع شمر الى رحله فشرب شربه- و كان قد ظمئ- ثم أخذ الرمح، فاقبل و هو يقول:

انى زعيم لأخي باهله* * * بطعنه ان لم أصب عاجله‏

او ضربه تحت القنا و الوغى* * * شبيهه بالقتل او قاتله‏

ثم حمل على ادهم فصرعه، ثم قال: هذه بتلك.

قال ابو مخنف: حدثنى عمرو بن عمرو بن عوف بن مالك الجشمى ان بشر بن عصمه المزنى كان لحق بمعاويه، فلما اقتتل الناس بصفين بصر

29

بشر بن عصمه بمالك بن العقديه- و هو مالك بن الجلاح الجشمى، و لكن العقديه غلبت عليه- فرآه بشر و هو يفرى في اهل الشام فريا عجيبا، و كان رجلا مسلما شجاعا، فغاظ بشرا ما راى منه، فحمل عليه فطعنه فصرعه، ثم انصرف، فندم لطعنته اياه جبارا، فقال:

و انى لأرجو من مليكى تجاوزا* * * و من صاحب الموسوم في الصدر هاجس‏

دلفت له تحت الغبار بطعنه* * * على ساعه فيها الطعان تخالس‏

فبلغت مقالته ابن العقديه، فقال:

الا أبلغا بشر بن عصمه اننى* * * شغلت و الهانى الذين امارس‏

فصادفت منى غره و أصبتها* * * كذلك و الابطال ماض و خالس‏

ثم حمل عبد الله بن الطفيل البكائى على جمع لأهل الشام، فلما انصرف حمل عليه رجل من بنى تميم- يقال له قيس بن قره، ممن لحق بمعاويه من اهل العراق- فيضع الرمح بين كتفي عبد الله بن الطفيل، و يعترضه يزيد ابن معاويه، ابن عم عبد الله بن الطفيل، فيضع الرمح بين كتفي التميمى، فقال: و الله لئن طعنته لاطعننك، فقال: عليك عهد الله و ميثاقه لئن رفعت السنان على ظهر صاحبك لترفعن سنانك عنى! فقال له: نعم، لك بذلك عهد الله، فرفع السنان عن ابن الطفيل، و رفع يزيد السنان عن التميمى، فقال: ممن أنت؟ قال: من بنى عامر، فقال له: جعلني الله فداكم! أينما الفكم الفكم كراما، و انى لحادى عشر رجلا من اهل بيتى و رهطى قتلتموهم اليوم، و انا كنت آخرهم فلما رجع الناس الى الكوفه عتب على يزيد بن الطفيل في بعض ما يعتب فيه الرجل على ابن عمه، فقال له:

ا لم ترني حاميت عنك مناصحا* * * بصفين إذ خلاك كل حميم‏

و نهنهت عنك الحنظلى و قد اتى* * * على سابح ذي ميعه و هزيم!

30

قال ابو مخنف: حدثنى فضيل بن خديج، قال: خرج رجل من اهل الشام يدعو الى المبارزه، فخرج اليه عبد الرحمن بن محرز الكندى، ثم الطمحى، فتجاولا ساعه ثم ان عبد الرحمن حمل على الشامي فطعنه في ثغره نحره فصرعه، ثم نزل اليه فسلبه درعه و سلاحه، فإذا هو حبشي، فقال: انا لله! لمن اخطرت نفسي! لعبد اسود! و خرج رجل من عك يسال المبارزه، فخرج اليه قيس بن فهدان الكنانى، ثم البدني، فحمل عليه العكي فضربه و احتمله اصحابه فقال قيس بن فهدان:

لقد علمت عك بصفين اننا* * * إذا التقت الخيلان نطعنها شزرا

و نحمل رايات الطعان بحقها* * * فنوردها بيضا و نصدرها حمرا

قال ابو مخنف: و حدثنى فضيل بن خديج ان قيس بن فهدان كان يحرض اصحابه فيقول: شدوا إذا شددتم جميعا، و إذا انصرفتم فاقبلوا معا، و غضوا الابصار، و أقلوا اللفظ، و اعتوروا الاقران، و لا يؤتين من قبلكم العرب قال: و قتل نهيك بن عزير- من بنى الحارث بن عدى و عمرو بن يزيد من بنى ذهل، و سعيد بن عمرو- و خرج قيس بن يزيد و هو ممن فر الى معاويه من على، فدعا الى المبارزه، فخرج اليه اخوه ابو العمرطه بن يزيد، فتعارفا، فتواقفا و انصرفا الى الناس، فاخبر كل واحد منهما انه لقى أخاه.

قال ابو مخنف: حدثنى جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوين الطائي، ان طيئا يوم صفين قاتلت قتالا شديدا، فعبيت لهم جموع كثيره، فجاءهم حمزه بن مالك الهمدانى، فقال: ممن أنتم، لله أنتم! فقال عبد الله ابن خليفه البولانى- و كان شيعيا شاعرا خطيبا: نحن طيّئ السهل، و طيّئ‏

31

الرمل، و طيّئ الجبل، الممنوع ذي النخل، نحن حماه الجبلين، الى ما بين العذيب و العين، نحن طيّئ الرماح، و طيّئ النطاح، و فرسان الصباح.

فقال حمزه بن مالك: بخ بخ! انك لحسن الثناء على قومك، فقال:

ان كنت لم تشعر بنجده معشر* * * فاقدم علينا ويب غيرك تشعر

ثم اقتتل الناس أشد القتال، فاخذ يناديهم و يقول: يا معشر طيّئ، فدى لكم طارفى و تالدى! قاتلوا على الاحساب، و أخذ يقول:

انا الذى كنت إذا الداعي دعا* * * مصمما بالسيف ندبا اروعا

فانزل المستلئم المقنعا* * * و اقتل المبالط السميدعا

و قال بشر بن العسوس الطائي ثم الملقطى:

يا طيّئ السهول و الاجبال* * * الا انهدوا بالبيض و العوالي‏

و بالكماه منكم الابطال* * * فقارعوا ائمه الجهال‏

السالكين سبل الضلال

ففقئت يومئذ عين ابن العسوس، فقال في ذلك:

الا ليت عيني هذه مثل هذه* * * فلم امش في الأناس الا بقائد

و يا ليتنى لم ابق بعد مطرف* * * و سعد و بعد المستنير بن خالد

فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم* * * إذا الحرب ابدت عن خدام الخرائد

32

و يا ليت رجلي ثم طنت بنصفها* * * و يا ليت كفى ثم طاحت بساعدي‏

قال ابو مخنف: حدثنى ابو الصلت التيمى، قال: حدثنى اشياخ محارب انه كان منهم رجل يقال له خنثر بن عبيده بن خالد، و كان من اشجع الناس، فلما اقتتل الناس يوم صفين، جعل يرى اصحابه منهزمين، فاخذ ينادى: يا معشر قيس، أطاعه الشيطان آثر عندكم من طاعه الرحمن! الفرار فيه معصية الله سبحانه و سخطه، و الصبر فيه طاعه الله عز و جل و رضوانه، فتختارون سخط الله تعالى على رضوانه، و معصيته على طاعته! فإنما الراحة بعد الموت لمن مات محاسبا لنفسه و قال:

لا والت نفس امرى ولى الدبر* * * انا الذى لا ينثني و لا يفر

و لا يرى مع المعازيل الغدر

.

فقاتل حتى ارتث: ثم انه خرج مع الخمسمائة الذين كانوا اعتزلوا مع فروه بن نوفل الاشجعى، فنزلوا بالدسكرة و البندنيجين، فقاتلت النخع يومئذ قتالا شديدا، فاصيب منهم يومئذ بكر بن هوذة و حيان بن هوذة و شعيب بن نعيم من بنى بكر النخع، و ربيعه بن مالك بن وهبيل، و ابى بن قيس أخو علقمه بن قيس الفقيه، و قطعت رجل علقمه يومئذ، فكان يقول: ما أحب ان رجلي اصح ما كانت، و انها لمما أرجو به حسن الثواب من ربى عز و جل و قال: لقد كنت أحب ان ارى في نومى أخي او بعض إخواني، فرايت أخي في النوم فقلت: يا أخي، ما ذا قدمتم عليه؟

فقال لي: انا التقينا نحن و القوم، فاحتججنا عند الله عز و جل، فحججناهم، فما سررت منذ عقلت سروري بتلك الرؤيا

33

قال ابو مخنف: حدثنى سويد بن حيه الأسدي، عن الحضين ابن المنذر، [ان أناسا كانوا أتوا عليا قبل الوقعه فقالوا له: انا لا نرى خالد بن المعمر الا قد كاتب معاويه، و قد خشينا ان يتابعه فبعث اليه على و الى رجال من اشرافنا، فحمد الله و اثنى عليه ثم قال: اما بعد يا معشر ربيعه، فأنتم انصارى و مجيبو دعوتي و من اوثق حي في العرب في نفسي، و قد بلغنى ان معاويه قد كاتب صاحبكم خالد بن المعمر، و قد اتيت به، و جمعتكم لاشهدكم عليه و لتسمعوا أيضا ما اقوله ثم اقبل عليه، فقال: يا خالد بن المعمر، ان كان ما بلغنى حقا فانى اشهد الله و من حضرني من المسلمين انك آمن حتى تلحق بأرض العراق او الحجاز او ارض لا سلطان لمعاوية فيها، و ان كنت مكذوبا عليك، فان صدورنا تطمئن إليك فحلف بالله ما فعل،] و قال رجال منا كثير: لو كنا نعلم انه فعل امثلناه، فقال شقيق بن ثور السدوسي: ما وفق خالد بن المعمر ان نصر معاويه و اهل الشام على على و ربيعه، فقال زياد بن خصفه التيمى: يا امير المؤمنين، استوثق من ابن المعمر بالايمان لا يغدرنك.

فاستوثق منه، ثم انصرفنا [فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من قبل الميمنه، فجاءنا على حتى انتهى إلينا و معه بنوه، فنادى بصوت عال جهير، كغير المكترث لما فيه الناس: لمن هذه الرايات؟ قلنا: رايات ربيعه، فقال:

بل هي رايات الله عز و جل، عصم الله أهلها، فصبرهم، و ثبت اقدامهم.

ثم قال لي: يا فتى، الا تدنى رايتك هذه ذراعا؟ قلت: نعم و الله و عشره اذرع، فقمت بها فأدنيتها، حتى قال: ان حسبك مكانك، فثبت حيث أمرني، و اجتمع اصحابى‏].

قال ابو مخنف: حدثنا ابو الصلت التيمى، قال: سمعت اشياخ الحى‏

34

من تيم الله بن ثعلبه يقولون: ان رايه ربيعه، اهل كوفتها و بصرتها، كانت مع خالد بن المعمر من اهل البصره قال: و سمعتهم يقولون: ان خالد ابن المعمر و سفيان بن ثور السدوسي اصطلحا على ان وليا رايه بكر بن وائل من اهل البصره الحضين بن المنذر الذهلي، و تنافسا في الراية، و قالا:

هذا فتى منا له حسب، نجعلها له حتى نرى من رأينا.

ثم ان عليا ولى خالد بن المعمر بعد رايه ربيعه كلها قال: و ضرب معاويه لحمير بسهمهم على ثلاث قبائل، لم تكن لأهل العراق قبائل اكثر عددا منها يومئذ: على ربيعه و همدان و مذحج، فوقع سهم حمير على ربيعه، فقال ذو الكلاع: قبحك الله من سهم! كرهت الضراب! فاقبل ذو الكلاع في حمير و من تعلقها، و معهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب في اربعه آلاف من قراء اهل الشام، و على ميمنتهم ذو الكلاع، فحملوا على ربيعه، و هم ميسره اهل العراق، و فيهم ابن عباس، و هو على الميسره، فحمل عليهم ذو الكلاع و عبيد الله بن عمر حمله شديده بخيلهم و رجلهم، فتضعضعت رايات ربيعه الا قليلا من الاخيار و الابدال قال: ثم ان اهل الشام انصرفوا، فلم يمكثوا الا قليلا حتى كروا، و عبيد الله بن عمر يقول: يا اهل الشام، ان هذا الحى من اهل العراق قتله عثمان بن عفان رضى الله عنه، و انصار على بن ابى طالب، و ان هزمتم هذه القبيلة ادركتم ثاركم في عثمان و هلك على بن ابى طالب و اهل العراق، فشدوا على الناس شده، فثبتت لهم ربيعه، و صبروا صبرا حسنا الا قليلا من الضعفاء و الفشله، و ثبت اهل الرايات و اهل الصبر منهم و الحفاظ، فلم يزولوا، و قاتلوا قتالا شديدا.

فلما راى خالد بن المعمر ناسا من قومه انصرفوا انصرف، و لما راى اصحاب الرايات قد ثبتوا و راى قومه قد صبروا رجع و صاح بمن انهزم، و امرهم بالرجوع،

35

فقال: من اراد من قومه ان يتهمه، اراد الانصراف فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا و قال هو: لما رايت رجالا منا انهزموا رايت ان استقبلهم و اردهم إليكم، و اقبلت إليكم فيمن أطاعني منهم، فجاء بأمر مشبه قال ابو مخنف: حدثنى رجل من بكر بن وائل، عن محرز بن عبد الرحمن العجلى، ان خالدا قال يومئذ: يا معشر ربيعه، ان الله عز و جل قد اتى بكل رجل منكم من منبته و مسقط راسه، فجمعكم في هذا المكان جمعا لم يجمعكم مثله منذ نشر كم في الارض، فان تمسكوا بايديكم، و تنكلوا عن عدوكم، و تزولوا عن مصافكم لا يرض الله فعلكم، و لا تقدموا من الناس صغيرا او كبيرا الا يقول: فضحت ربيعه الذمار، و حاصت عن القتال، و اتيت من قبلها العرب، فإياكم ان يتشاءم بكم العرب و المسلمون اليوم و انكم ان تمضوا مقبلين مقدمين، و تصيروا محتسبين فان الاقدام لكم عاده، و الصبر منكم سجيه، و اصبروا و نيتكم صادقه ان تؤجروا، فان ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا و كرامة الآخرة، و لن يضيع الله اجر من احسن عملا.

فقام رجل من ربيعه فقال: ضاع و الله امر ربيعه حين جعلت إليك أمورها! تأمرنا الا نزول و لا نحول حتى تقتل أنفسنا، و تسفك دماءنا! الا ترى الناس قد انصرف جلهم! فقام اليه رجال من قومه فنهروه و تناولوه بالسنتهم فقال لهم خالد: اخرجوا هذا من بينكم، فان هذا ان بقي فيكم‏

36

ضركم، و ان خرج منكم لم ينقصكم، هذا الذى لا ينقص العدد، و لا يملا البلد، برحك الله من خطيب قوم كرام! كيف جنبت السداد! و اشتد قتال ربيعه و حمير و عبيد الله بن عمر حتى كثرت بينهم القتلى، فقتل سمير بن الريان بن الحارث العجلى، و كان من أشد الناس بأسا قال ابو مخنف: حدثنى جعفر بن ابى القاسم العبدى، عن يزيد بن علقمه، عن زيد بن بدر العبدى، ان زياد بن خصفه اتى عبد القيس يوم صفين و قد عبيت قبائل حمير مع ذي الكلاع- و فيهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب- لبكر بن وائل، فقوتلوا قتالا شديدا، خافوا فيه الهلاك.

فقال زياد بن خصفه: يا عبد القيس، لا بكر بعد اليوم فركبنا الخيول، ثم مضينا فواقفناهم، فما لبثنا الا قليلا حتى اصيب ذو الكلاع، و قتل عبيد الله بن عمر رضى الله عنه، فقالت همدان: قتله هانئ بن خطاب الارحبى، و قالت حضر موت: قتله مالك بن عمرو التنعى، و قالت بكر ابن وائل: قتله محرز بن الصحصح من بنى عائش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبه، و أخذ سيفه ذا الوشاح، فاخذ به معاويه بالكوفه بكر بن وائل، فقالوا:

انما قتله رجل منا من اهل البصره، يقال له: محرز بن الصحصح، فبعث اليه بالبصرة فاخذ منه السيف، و كان راس النمر بن قاسط عبد الله بن عمرو من بنى تيم الله بن النمر

37

قال هشام بن محمد: الذى قتل عبيد الله بن عمر رضى الله عنه محرز بن الصحصح، و أخذ سيفه ذا الوشاح، سيف عمر، و في ذلك قول كعب بن جعيل التغلبى:

الا انما تبكى العيون لفارس* * * بصفين اجلت خيله و هو واقف‏

يبدل من أسماء اسياف وائل* * * و كان فتى لو أخطأته المتالف‏

تركن عبيد الله بالقاع مسندا* * * تمج دم الخرق العروق الذوارف‏

و هي اكثر من هذا و قتل منهم يومئذ بشر بن مره بن شرحبيل، و الحارث بن شرحبيل، و كانت أسماء ابنه عطارد بن حاجب التميمى تحت عبيد الله بن عمر، ثم خلف عليها الحسن بن على‏

3

. قال ابو مخنف: حدثنى ابن أخي غياث بن لقيط البكرى‏

3

ان عليا حيث انتهى الى ربيعه، تبارت ربيعه بينها، فقالوا: ان اصيب على فيكم و قد ألجأ الى رايتكم افتضحتم و قال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعه، لا عذر لكم في العرب ان وصل الى على فيكم و فيكم رجل حي، و ان منعتموه فمجد الحياه اكتسبتموه فقاتلوا قتالا شديدا حين جاءهم على لم يكونوا قاتلوا مثله، ففي ذلك قال على:

لمن رايه سوداء يخفق ظلها* * * إذا قيل قدمها حضين تقدما

يقدمها في الموت حتى يزيرها* * * حياض المنايا تقطر الموت و الدما

أذقنا ابن حرب طعننا و ضرابنا* * * بأسيافنا حتى تولى و أحجما

جزى الله قوما صابروا في لقائهم* * * لدى الموت قوما ما اعف و أكرما!

38

و اطيب اخبارا و اكرم شيمه* * * إذا كان أصوات الرجال تغمغما

ربيعه اعنى انهم اهل نجده* * * و باس إذا لاقوا جسيما عرمرما

مقتل عمار بن ياسر

قال ابو مخنف: حدثنى عبد الملك بن ابى حره الحنفي، ان عمار بن ياسر خرج الى الناس، فقال: اللهم انك تعلم انى لو اعلم ان رضاك في ان اقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته، اللهم انك تعلم انى لو اعلم ان رضاك في ان أضع ظبه سيفي في صدري ثم انحنى عليها حتى تخرج من ظهري لفعلت، و انى لا اعلم اليوم عملا هو ارضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، و لو اعلم ان عملا من الاعمال هو ارضى لك منه لفعلته.

قال ابو مخنف: حدثنى الصقعب بن زهير الأزدي، قال: سمعت عمارا يقول: و الله انى لأرى قوما ليضربنكم ضربا يرتاب منه المبطلون، و ايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا انا على الحق، و انهم على الباطل.

حدثنا محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن فضيل، قال:

حدثنا مسلم الأعور، عن حبه بن جوين العرني، قال: انطلقت انا و ابو مسعود الى حذيفة بالمدائن، فدخلنا عليه، فقال: مرحبا بكما، ما خلفتما من قبائل العرب أحدا أحب الى منكما فاسندته الى ابى مسعود، فقلنا:

يا أبا عبد الله، حدثنا فانا نخاف الفتن، فقال: عليكما بالفئه التي فيها

39

ابن سميه، [انى سمعت رسول الله(ص)يقول: تقتله الفئة الباغيه الناكبه عن الطريق، و ان آخر رزقه ضياح من لبن‏] قال حبه: فشهدته يوم صفين و هو يقول: ائتونى باخر رزق لي من الدنيا، فاتى بضياح من لبن في قدح اروح له حلقه حمراء، فما أخطأ حذيفة مقياس شعره، فقال:

اليوم القى الأحبة* * * محمدا و حزبه‏

و الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا انا على الحق و انهم على الباطل، و جعل يقول: الموت تحت الأسل، و الجنه تحت البارقه.

حدثنى محمد، عن خلف، قال: حدثنا منصور بن ابى نويره، عن ابى مخنف و حدثت عن هشام بن الكلبى، عن ابى مخنف، قال: حدثنى مالك بن اعين الجهنى، عن زيد بن وهب الجهنى، ان عمار بن ياسر (رحمه الله) قال يومئذ: اين من يبتغى (رضوان الله عليه)، و لا يئوب الى مال و لا ولد! فاتته عصابه من الناس، فقال: ايها الناس، اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان، و يزعمون انه قتل مظلوما، و الله ما طلبتهم بدمه، و لكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها و استمرءوها و علموا ان الحق إذا لزمهم حال بينهم و بين ما يتمرغون فيه من دنياهم، و لم يكن للقوم سابقه في الاسلام يستحقون بها طاعه الناس و الولاية عليهم، فخدعوا اتباعهم ان قالوا: امامنا قتل مظلوما، ليكونوا بذلك جبابره ملوكا، و تلك مكيده بلغوا بها ما ترون، و لو لا هي ما تبعهم من الناس رجلان اللهم ان تنصرنا فطالما نصرت، و ان تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم ثم مضى، و مضت تلك العصابة التي اجابته حتى دنا من عمرو فقال: يا عمرو، بعت دينك بمصر، تبا لك تبا! طالما بغيت في الاسلام عوجا و قال لعبيد الله ابن عمر بن الخطاب: صرعك الله! بعت دينك من عدو الاسلام و ابن عدوه،

40

قال: لا، و لكن اطلب بدم عثمان بن عفان رضى الله عنه، قال له: اشهد على علمي فيك انك لا تطلب بشي‏ء من فعلك وجه الله عز و جل، و انك ان لم تقتل اليوم تمت غدا، فانظر إذا اعطى الناس على قدر نياتهم ما نيتك.

حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقى، قال: أخبرنا عبيد بن الصباح، عن عطاء بن مسلم، عن الاعمش، عن ابى عبد الرحمن السلمى، قال:

سمعت عمار بن ياسر بصفين و هو يقول لعمرو بن العاص: لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول الله ص، و هذه الرابعه ما هي بأبر و لا اتقى.

حدثنا احمد بن محمد، قال: حدثنا الوليد بن صالح، قال: حدثنا عطاء بن مسلم، عن الاعمش، قال: قال ابو عبد الرحمن السلمى: كنا مع على بصفين، فكنا قد وكلنا بفرسه رجلين يحفظانه و يمنعانه من ان يحمل، فكان إذا حانت منهما غفله يحمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه، و انه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه، فالقاه اليهم، و قال: لو لا انه انثنى ما رجعت- فقال الاعمش: هذا و الله ضرب غير مرتاب، فقال ابو عبد الرحمن:

سمع القوم شيئا فادوه و ما كانوا بكذابين- قال: و رايت عمارا لا يأخذ واديا من اوديه صفين الا تبعه من كان هناك من اصحاب محمد ص، و رايته جاء الى المرقال هاشم بن عتبة و هو صاحب رايه على، فقال:

يا هاشم، أعورا و جبنا! لا خير في اعور لا يغشى الباس، فإذا رجل بين الصفين قال: هذا و الله ليخلفن امامه، و ليخذلن جنده، و ليصبرن جهده، اركب يا هاشم، فركب، و مضى هاشم يقول:

اعور يبغى اهله محلا* * * قد عالج الحياه حتى ملا

لا بد ان يفل او يفلا

41

و عمار يقول: تقدم يا هاشم، الجنه تحت ظلال السيوف، و الموت في اطراف الأسل، و قد فتحت أبواب السماء، و تزينت الحور العين.

اليوم القى الأحبة* * * محمدا و حزبه‏

فلم يرجعا و قتلا- قال: يفيد لك علمهما من كان هناك من اصحاب رسول الله ص، انهما كانا علما- فلما كان الليل قلت: لادخلن اليهم حتى اعلم: هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا! و كنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا و تحدثنا اليهم، فركبت فرسي و قد هدات الرجل، ثم دخلت فإذا انا باربعه يتسايرون: معاويه، و ابو الأعور السلمى، و عمرو بن العاص، و عبد الله بن عمرو- و هو خير الأربعة- فادخلت فرسي بينهم مخافه ان يفوتني ما يقول احد الشقين، فقال عبد الله لأبيه: يا أبت، قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا، [و قد قال فيه رسول الله(ص)ما قال! قال: و ما قال؟

قال: ا لم تكن معنا و نحن نبنى المسجد، و الناس ينقلون حجرا حجرا و لبنه لبنه، و عمار ينقل حجرين حجرين و لبنتين لبنتين، فغشى عليه، فأتاه رسول الله ص، فجعل يمسح التراب عن وجهه و يقول: ويحك يا بن سميه! الناس ينقلون حجرا حجرا، و لبنه لبنه، و أنت تنقل حجرين حجرين و لبنتين لبنتين رغبه منك في الاجر! و أنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغيه!] فدفع عمرو صدر فرسه، ثم جذب معاويه اليه، فقال: يا معاويه، اما تسمع ما يقول عبد الله! قال: و ما يقول؟ فاخبره الخبر، فقال معاويه: انك شيخ اخرق، و لا تزال تحدث بالحديث و أنت تدحض في بولك! او نحن قتلنا عمارا! انما قتل عمارا من جاء به فخرج الناس من فساطيطهم و أخبيتهم يقولون: انما قتل عمارا من جاء به، فلا ادرى من كان اعجب؟ هو او هم! قال ابو جعفر: [و قد ذكر ان عمارا لما قتل قال على لربيعه و همدان:

أنتم درعي و رمحى،] فانتدب له نحو من اثنى عشر ألفا، و تقدمهم على على بغلته فحمل و حملوا معه حمله رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صف‏

42

الا انتقض، و قتلوا كل من انتهوا اليه، حتى بلغوا معاويه، و على يقول:

اضربهم و لا ارى معاويه* * * الجاحظ العين العظيم الحاويه‏

ثم نادى معاويه، [فقال على: علا م يقتل الناس بيننا! هلم احاكمك الى الله، فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور، فقال له عمرو: انصفك الرجل، فقال معاويه: ما انصف، و انك لتعلم انه لم يبارزه رجل قط الا قتله، قال له عمرو: و ما يجمل بك الا مبارزته، فقال معاويه: طمعت فيها بعدي‏].

قال هشام، عن ابى مخنف: قال: حدثنى عبد الله بن عبد الرحمن بن ابى عمره، عن سليمان الحضرمى، قال: قلت لأبي عمره: ا لا تراهم، ما احسن هيئتهم! يعنى اهل الشام، و لا ترانا ما اقبح رعيتنا! فقال: عليك نفسك فأصلحها، و دع الناس فان فيهم ما فيهم‏

. خبر هاشم بن عتبة المرقال و ذكر ليله الهرير

قال ابو مخنف: و حدثنى ابو سلمه، ان هاشم بن عتبة الزهري دعا الناس عند المساء: الا من كان يريد الله و الدار الآخرة فالى، فاقبل اليه ناس كثير، فشد في عصابه من اصحابه على اهل الشام مرارا، فليس من وجه يحمل عليه الا صبر له و قاتل فيه قتالا شديدا، فقال لأصحابه:

43

لا يهولنكم ما ترون من صبرهم، فو الله ما ترون فيهم الا حميه العرب و صبرا تحت راياتها، و عند مراكزها، و انهم لعلى الضلال، و انكم لعلى الحق يا قوم اصبروا و صابروا و اجتمعوا، و امشوا بنا الى عدونا على تؤده رويدا، ثم اثبتوا و تناصروا، و اذكروا الله، و لا يسال رجل أخاه، و لا تكثروا الالتفات، و اصمدوا صمدهم، و جاهدوهم محتسبين، حتى يحكم الله بيننا و بينهم و هو خير الحاكمين.

ثم انه مضى في عصابه معه من القراء، فقاتل قتالا شديدا هو و اصحابه عند المساء حتى رأوا بعض ما يسرون به، قال: فإنهم لكذلك إذ خرج عليهم فتى شاب و هو يقول:

انا ابن ارباب الملوك غسان* * * و الدائن اليوم بدين عثمان‏

انى أتاني خبر فاشجان* * * ان عليا قتل ابن عفان‏

ثم يشد فلا ينثني حتى يضرب بسيفه، ثم يشم و يلعن و يكثر الكلام، فقال له هاشم بن عتبة: يا عبد الله، ان هذا الكلام، بعده الخصام، و ان هذا القتال، بعده الحساب، فاتق الله فإنك راجع الى الله فسائلك عن هذا الموقف و ما اردت به قال: فانى اقاتلكم لان صاحبكم لا يصلى كما ذكر لي، و أنتم لا تصلون أيضا، و اقاتلكم لان صاحبكم قتل خليفتنا، و أنتم أردتموه على قتله فقال له هاشم: و ما أنت و ابن عفان! انما قتله اصحاب محمد و أبناء اصحابه و قراء الناس، حين احدث الاحداث، و خالف حكم الكتاب، و هم اهل الدين، و اولى بالنظر في امور الناس منك و من أصحابك، و ما أظن امر هذه الامه و امر هذا الدين اهمل طرفه عين فقال له: اجل، و الله لا اكذب، فان الكذب يضر و لا ينفع قال: فان اهل هذا الأمر اعلم به، فخله و اهل العلم به قال: ما اظنك و الله الا نصحت لي، قال: و اما

44

قولك: ان صاحبنا لا يصلى، فهو أول من صلى، مع رسول الله و افقه خلق الله في دين الله، و اولى بالرسول. و اما كل من ترى معى فكلهم قارئ لكتاب الله لا ينام الليل تهجدا، فلا يغوينك عن دينك هؤلاء الأشقياء المغرورون.

فقال الفتى: يا عبد الله، انى اظنك امرا صالحا، فتخبرني: هل تجد لي من توبه؟ فقال: نعم يا عبد الله، تب الى الله يتب عليك، فانه يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيئات و يحب المتطهرين قال: فجشر و الله الفتى الناس راجعا، فقال له رجل من اهل الشام: خدعك العراقي، خدعك العراقي، قال: لا، و لكن نصح لي و قاتل هاشم قتالا شديدا هو و اصحابه، و كان هاشم يدعى المرقال، لأنه كان يرقل في الحرب، فقاتل هو و اصحابه حتى ابروا على من يليهم، و حتى رأوا الظفر، و اقبلت اليهم عند المغرب كتيبه لتنوخ فشدوا على الناس، فقاتلهم و هو يقول:

اعور يبغى اهله محلا* * * قد عالج الحياه حتى ملا

يتلهم بذى الكعوب تلا

.

فزعموا انه قتل يومئذ تسعه او عشره و حمل عليه الحارث بن المنذر التنوخي فطعنه فسقط، و ارسل اليه على: ان قدم لواءك، فقال لرسوله:

انظر الى بطنى، فإذا هو قد شق، فقال الأنصاري الحجاج بن غزيه:

فان تفخروا بابن البديل و هاشم* * * فنحن قتلنا ذا الكلاع و حوشبا

و نحن تركنا بعد معترك اللقا* * * أخاكم عبيد الله لحما ملحبا

45

و نحن أحطنا بالبعير و اهله* * * و نحن سقيناكم سماما مقشبا

هشام، عن ابى مخنف، قال: حدثنى مالك بن اعين الجهنى، عن زيد ابن وهب الجهنى، ان عليا مر على جماعه من اهل الشام فيها الوليد بن عقبه، و هم يشتمونه، فخبر بذلك، فوقف فيمن يليهم من اصحابه فقال: انهدوا اليهم، عليكم السكينة و الوقار، وقار الاسلام، و سيما الصالحين، فو الله لأقرب قوم من الجهل قائدهم و مؤذنهم معاويه و ابن النابغة، و ابو الأعور السلمى و ابن ابى معيط شارب الخمر المجلود حدا في الاسلام، و هم اولى من يقومون فينقصوننى و يجدبوننى، و قبل اليوم ما قاتلوني، و انا إذ ذاك ادعوهم الى الاسلام، و هم يدعونني الى عباده الأصنام، الحمد لله، قديما عاداني الفاسقون قعيدهم الله ا لم يقبحوا! ان هذا لهو الخطب الجليل، ان فساقا كانوا غير مرضيين، و على الاسلام و اهله متخوفين، خدعوا شطر هذه الامه، و اشربوا قلوبهم حب الفتنة، و استمالوا اهواءهم بالإفك و البهتان، قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله عز و جل، اللهم فافضض خدمتهم، و شتت كلمتهم، و ابسلهم بخطاياهم فانه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت.

قال ابو مخنف: حدثنى نمير بن وعله، عن الشعبى، ان عليا مر باهل رايه فرآهم لا يزولون عن موقفهم، فحرض عليهم الناس، و ذكر انهم غسان، [فقال: ان هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منهم النسم، و ضرب يفلق منه الهام، و يطيح بالعظام، و تسقط منه المعاصم و الأكف، و حتى تصدع جباههم بعمد الحديد، و تنتشر حواجبهم على الصدور و الاذقان اين اهل الصبر، و طلاب الاجر! فثاب اليه عصابه من‏

46

المسلمين، فدعا ابنه محمدا، فقال: امش نحو اهل هذه الراية مشيا رويدا على هينتك، حتى إذا اشرعت في صدورهم الرماح، فامسك حتى يأتيك رأيي‏].

ففعل، و اعد على مثلهم، فلما دنا منهم فاشرع بالرماح في صدورهم امر على الذين اعد فشدوا عليهم، و انهض محمدا بمن معه في وجوههم، فزالوا عن مواقفهم، و أصابوا منهم رجالا، ثم اقتتل الناس بعد المغرب قتالا شديدا، فما صلى اكثر الناس الا إيماء.

قال ابو مخنف: حدثنى ابو بكر الكندى، ان عبد الله بن كعب المرادى قتل يوم صفين، فمر به الأسود بن قيس المرادى، فقال: يا اسود، قال:

لبيك! و عرفه و هو باخر رمق، فقال: عز و الله على مصرعك، اما و الله لو شهدتك لاسيتك، و لدافعت عنك، و لو عرفت الذى اشعرك لأحببت الا يتزايل حتى اقتله او الحق بك ثم نزل اليه فقال: اما و الله ان كان جارك ليأمن بوائقك، و ان كنت لمن الذاكرين الله كثيرا، أوصني رحمك الله! فقال: اوصيك بتقوى الله عز و جل، و ان تناصح امير المؤمنين، و تقاتل معه المحلين حتى يظهر او تلحق بالله قال: و ابلغه عنى السلام، و قل له: قاتل عن المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك، فانه من اصبح غدا و المعركة خلف ظهره كان العالي، ثم لم يلبث ان مات، [فاقبل الأسود الى على فاخبره، فقال (رحمه الله)! جاهد فينا عدونا في الحياه، و نصح لنا في الوفاة].

قال ابو مخنف:

3

حدثنى محمد بن إسحاق مولى بنى المطلب، ان عبد الرحمن ابن حنبل الجمحى، هو الذى اشار على على بهذا الرأي يوم صفين.

قال هشام: حدثنى عوانه، قال: جعل ابن حنبل يقول يومئذ:

ان تقتلوني فانا ابن حنبل انا الذى قد قلت فيكم نعثل‏

47

رجع الحديث الى حديث ابى مخنف: قال ابو مخنف فاقتتل الناس تلك الليلة كلها حتى الصباح، و هي ليله الهرير، حتى تقصفت الرماح و نفد النبل، و صار الناس الى السيوف، و أخذ على يسير فيما بين الميمنه و الميسره، و يأمر كل كتيبه من القراء ان تقدم على التي تليها، فلم يزل يفعل ذلك بالناس و يقوم بهم حتى اصبح و المعركة كلها خلف ظهره، و الاشتر في ميمنه الناس، و ابن عباس في الميسره، و على في القلب، و الناس يقتتلون من كل جانب، و ذلك يوم الجمعه، و أخذ الاشتر يزحف بالميمنة و يقاتل فيها، و كان قد تولاها عشيه الخميس و ليله الجمعه الى ارتفاع الضحى، و أخذ يقول لأصحابه: ازحفوا قيد هذا الرمح، و هو يزحف بهم نحو اهل الشام، فإذا فعلوا قال: ازحفوا قاد هذا القوس، فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك، حتى مل اكثر الناس الاقدام، فلما راى ذلك الاشتر قال: أعيذكم بالله ان ترضعوا الغنم سائر اليوم، ثم دعا بفرسه، و ترك رايته مع حيان بن هوذة النخعى، و خرج يسير في الكتائب و يقول: من يشترى نفسه من الله عز و جل، و يقاتل مع الاشتر، حتى يظهر او يلحق بالله! فلا يزال رجل من الناس قد خرج اليه، و حيان بن هوذة.

قال ابو مخنف: عن ابى جناب الكلبى، عن عماره بن ربيعه الجرمي، قال: مر بي و الله الاشتر فاقبلت معه، و اجتمع اليه ناس كثير، فاقبل حتى رجع الى المكان الذى كان به الميمنه، فقام باصحابه، فقال: شدوا شده،- فدى لكم عمى و خالي- ترضون بها الرب، و تعزون بها الدين، إذا شددت فشدوا، ثم نزل فضرب وجه دابته، ثم قال لصاحب رايته: قدم بها، ثم شد على القوم، و شد معه اصحابه، فضرب اهل الشام حتى انتهى بهم الى عسكرهم، ثم انهم قاتلوه عند العسكر قتالا شديدا، فقتل صاحب رايته، و أخذ على- لما راى من الظفر من قبله- يمده بالرجال.

حدثنى عبد الله بن احمد، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى سليمان‏

48

قال حدثنى عبد الله، عن جويرية، قال: قال عمرو بن العاص يوم صفين لوردان: تدرى ما مثلي و مثلك! مثل الاشقر ان تقدم عقر، و ان تأخر نحر، لئن تاخرت لاضربن عنقك، ائتونى بقيد، فوضعه في رجليه فقال: اما و الله يا أبا عبد الله لأوردنك حياض الموت، ضع يدك على عاتقى، ثم جعل يتقدم و ينظر اليه أحيانا، و يقول: لأوردنك: حياض الموت.

رجع الحديث الى حديث ابى مخنف فلما راى عمرو بن العاص ان امر اهل العراق قد اشتد، و خاف في ذلك الهلاك، قال لمعاوية: هل لك في امر اعرضه عليك لا يزيدنا اجتماعا، و لا يزيدهم الا فرقه؟ قال: نعم، قال: نرفع المصاحف ثم نقول: ما فيها حكم بيننا و بينكم، فان ابى بعضهم ان يقبلها وجدت فيهم من يقول: بلى، ينبغى ان نقبل، فتكون فرقه تقع بينهم، و ان قالوا: بلى، نقبل ما فيها، رفعنا هذا القتال عنا و هذه الحرب الى اجل او الى حين فرفعوا المصاحف بالرماح و قالوا: هذا كتاب الله عز و جل بيننا و بينكم، من لثغور اهل الشام بعد اهل الشام! و من لثغور العراق بعد اهل العراق! فلما راى الناس المصاحف قد رفعت، قالوا: نجيب الى كتاب الله عز و جل و ننيب اليه‏

. ما روى من رفعهم المصاحف و دعائهم الى الحكومة

قال ابو مخنف: حدثنى عبد الرحمن بن جندب الأزدي، [عن ابيه ان عليا قال: عباد الله، امضوا على حقكم و صدقكم قتال عدوكم، فان معاويه و عمرو بن العاص و ابن ابى معيط و حبيب بن مسلمه و ابن ابى سرح‏

49

و الضحاك بن قيس، ليسوا باصحاب دين و لا قرآن، انا اعرف بهم منكم، قد صحبتهم اطفالا، و صحبتهم رجالا، فكانوا شر أطفال و شر رجال، و يحكم! انهم ما رفعوها، ثم لا يرفعونها و لا يعلمون بما فيها، و ما رفعوها لكم الا خديعه و دهنا و مكيده، فقالوا له: ما يسعنا ان ندعى الى كتاب الله عز و جل فنابى ان نقبله، فقال لهم: فانى انما قاتلتهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب، فإنهم قد عصوا الله عز و جل فيما امرهم و نسوا عهده، و نبذوا كتابه فقال له مسعر بن فدكي التميمى و زيد بن حصين الطائي ثم السنبسي، في عصابه معهما من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا على، أجب الى كتاب الله عز و جل إذ دعيت اليه، و الا ندفعك برمتك الى القوم، او نفعل كما فعلنا بابن عفان، انه علينا ان نعمل بما في كتاب الله عز و جل فقبلناه، و الله لتفعلنها او لنفعلنها بك قال: فاحفظوا عنى نهيي إياكم، و احفظوا مقالتكم لي، اما انا فان تطيعوني تقاتلوا، و ان تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم! قالوا له: اما لا فابعث الى الاشتر فليأتك‏].

قال ابو مخنف: حدثنى فضيل بن خديج الكندى، عن رجل من النخع، انه راى ابراهيم بن الاشتر دخل على مصعب بن الزبير، قال:

كنت عند على حين اكرهه الناس على الحكومة، و قالوا: ابعث الى الاشتر فليأتك، قال: فأرسل على الى الاشتر يزيد بن هاني السبيعي: ان ائتنى، فأتاه فبلغه، فقال: قل له ليس هذه الساعة التي ينبغى لك ان تزيلني فيها عن موقفى، انى قد رجوت ان يفتح لي، فلا تعجلني فرجع يزيد بن هاني الى على فاخبره، فما هو الا ان انتهى إلينا، فارتفع الرهج، و علت الأصوات من قبل الاشتر، فقال له القوم: و الله ما نراك الا امرته ان يقاتل، قال:

من اين ينبغى ان تروا ذلك! رأيتموني ساررته؟ ا ليس انما كلمته على رؤسكم‏

50

علانية، و أنتم تسمعوننى! قالوا: فابعث اليه فليأتك، و الا و الله اعتزلناك.

قال له: ويحك يا يزيد! قل له: اقبل الى فان الفتنة قد وقعت، فابلغه ذلك، فقال له: الرفع المصاحف؟ قال: نعم، قال: اما و الله لقد ظننت حين رفعت انها ستوقع اختلافا و فرقه، انها مشوره ابن العاهره، الا ترى ما صنع الله لنا! ا ينبغى ان ادع هؤلاء و انصرف عنهم! و قال يزيد بن هانئ:

فقلت له: ا تحب انك ظفرت هاهنا، و ان امير المؤمنين بمكانه الذى هو به يفرج عنه او يسلم؟ قال: لا و الله، سبحان الله! قال: فإنهم قد قالوا:

لترسلن الى الاشتر فليأتينك او لنقتلنك كما قتلنا ابن عفان فاقبل حتى انتهى اليهم فقال: يا اهل العراق، يا اهل الذل و الوهن، ا حين علوتم القوم ظهرا، و ظنوا انكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم الى ما فيها! و قد و الله تركوا ما امر الله عز و جل به فيها، و سنه من انزلت عليه ص، فلا تجيبوهم، أمهلوني عدو الفرس، فانى قد طمعت في النصر، قالوا: إذا ندخل معك في خطيئتك، قال: فحدثوني عنكم، و قد قتل أماثلكم، و بقي اراذلكم، متى كنتم محقين! ا حين كنتم تقاتلون و خياركم يقتلون! فأنتم الان إذ امسكتم عن القتال مبطلون، أم الان أنتم محقون، فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم فكانوا خيرا منكم في النار إذا! قالوا: دعنا منك يا اشتر، قاتلناهم في الله عز و جل، و ندع قتالهم لله سبحانه، انا لسنا مطيعيك و لا صاحبك، فاجتنبنا، فقال: خدعتم و الله فانخدعتم، و دعيتم الى وضع الحرب فأجبتم يا اصحاب الجباه السود، كنا نظن صلواتكم زهاده في الدنيا و شوقا الى لقاء الله عز و جل، فلا ارى فراركم الا الى الدنيا من الموت، الا قبحا يا اشباه النيب الجلاله! و ما أنتم برائين بعدها عزا ابدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون! فسبوه، فسبهم، فضربوا وجه دابته بسياطهم، و اقبل يضرب بسوطه وجوه دوابهم، [و صاح بهم على‏

51

فكفوا، و قال للناس: قد قبلنا ان نجعل القرآن بيننا و بينهم حكما،] فجاء الاشعث بن قيس الى على فقال له: ما ارى الناس الا قد رضوا، و سرهم ان يجيبوا القوم الى ما دعوهم اليه من حكم القرآن، فان شئت اتيت معاويه فسألته ما يريد، فنظرت ما يسال، قال: ائته ان شئت فسله، فأتاه فقال: يا معاويه، لأي شي‏ء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن و أنتم الى ما امر الله عز و جل به في كتابه، تبعثون منكم رجلا ترضون به، و نبعث منا رجلا، ثم نأخذ عليهما ان يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه، ثم نتبع ما اتفقا عليه، فقال له الاشعث بن قيس: هذا الحق، فانصرف الى على فاخبره بالذي قال معاويه، فقال الناس: فانا قد رضينا و قبلنا، فقال اهل الشام: فانا قد اخترنا عمرو بن العاص، فقال الاشعث و أولئك الذين صاروا خوارج بعد: فانا قد رضينا بابى موسى الأشعري، [قال على: فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصوني الان، انى لا ارى ان اولى أبا موسى‏].

فقال الاشعث و زيد بن حصين الطائي و مسعر بن فدكي: لا نرضى الا به، فانه ما كان يحذرنا منه وقعنا فيه، [قال على: فانه ليس لي بثقه، قد فارقنى، و خذل الناس عنى ثم هرب منى حتى آمنته بعد اشهر، و لكن هذا ابن عباس نوليه ذلك، قالوا: ما نبالى أنت كنت أم ابن عباس! لا نريد الا رجلا هو منك و من معاويه سواء، ليس الى واحد منكما بأدنى منه الى الآخر، فقال على: فانى اجعل الاشتر] قال ابو مخنف: حدثنى ابو جناب الكلبى، ان الاشعث قال: و هل سعر الارض غير الاشتر؟! قال ابو مخنف، عن عبد الرحمن بن جندب، عن ابيه: ان الاشعث قال: و هل نحن الا في حكم الاشتر! قال على: و ما حكمه؟ قال:

حكمه ان يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى يكون ما اردت و ما اراد، قال:

فقد ابيتم الا أبا موسى! قالوا: نعم، قال: فاصنعوا ما أردتم، فبعثوا اليه‏

52

و قد اعتزل القتال، و هو بعرض، فأتاه مولى له، فقال: ان الناس قد اصطلحوا، فقال: الحمد لله رب العالمين! قال: قد جعلوك حكما؟ قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! و جاء ابو موسى حتى دخل العسكر، و جاء الاشتر حتى اتى عليا فقال: الزنى بعمرو بن العاص، فو الله الذى لا اله الا هو، لئن ملات عيني منه لاقتلنه، و جاء الأحنف فقال: يا امير المؤمنين، انك قد رميت بحجر الارض، و بمن حارب الله و رسوله انف الاسلام، و انى قد عجمت هذا الرجل و حلبت اشطره فوجدته كليل الشفرة، قريب القعر، و انه لا يصلح لهؤلاء القوم الا رجل يدنو منهم حتى يصير في اكفهم، و يبعد حتى يصير بمنزله النجم منهم، فان أبيت ان تجعلني حكما، فاجعلني ثانيا او ثالثا، فانه لن يعقد عقده الا حللتها، و لن يحل عقده اعقدها الا عقدت لك اخرى احكم منها [فأبى الناس الا أبا موسى و الرضا بالكتاب، فقال الأحنف: فان ابيتم الا أبا موسى فادفئوا ظهره بالرجال فكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه على امير المؤمنين فقال عمرو:

اكتب اسمه و اسم ابيه، هو اميركم فاما أميرنا فلا، و قال له الأحنف:

لا تمح اسم اماره المؤمنين، فانى اتخوف ان محوتها الا ترجع إليك ابدا، لا تمحها و ان قتل الناس بعضهم بعضا، فأبى ذلك على مليا من النهار، ثم ان الاشعث بن قيس قال: امح هذا الاسم برحه الله! فمحى و قال:

على: الله اكبر، سنه بسنه، و مثل بمثل، و الله انى لكاتب بين يدي رسول الله(ص)يوم الحديبية إذ قالوا: لست رسول الله، و لا نشهد لك به، و لكن اكتب اسمك و اسم ابيك، فكتبه، فقال عمرو بن العاص:

سبحان الله! و مثل هذا ان نشبه بالكفار و نحن مؤمنون! فقال على: يا بن النابغة، و متى لم تكن للفاسقين وليا، و للمسلمين عدوا! و هل تشبه الا أمك التي وضعت بك! فقام فقال: لا يجمع بيني و بينك مجلس ابدا بعد هذا اليوم، فقال له على: و انى لأرجو ان يطهر الله عز و جل مجلسى منك و من اشباهك و كتب الكتاب‏]

53

حدثنى على بن مسلم الطوسى، قال: حدثنا حبان، قال: حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: أخبرني الأحنف، ان معاويه كتب الى على ان امح هذا الاسم ان اردت ان يكون صلح، فاستشار- و كانت له قبة يأذن لبنى هاشم فيها، و يأذن لي معهم- قال: ما ترون فيما كتب به معاويه ان امح هذا الاسم؟- قال مبارك: يعنى امير المؤمنين- [قال: برحه الله! فان رسول الله(ص)حين وادع اهل مكة كتب: محمد رسول الله، فأبوا ذلك حتى كتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقلت له: ايها الرجل مالك و ما لرسول الله ص! انا و الله ما حابيناك ببيعتنا، و انا لو علمنا أحدا من الناس أحق بهذا الأمر منك لبايعناه، ثم قاتلناك، و انى اقسم بالله لئن محوت هذا الاسم الذى بايعت عليه و قاتلتهم لا يعود إليك ابدا.

قال: و كان و الله كما قال قال: قلما وزن رايه براى رجل الا رجح عليه‏].

رجع الحديث الى حديث ابى مخنف و كتب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه على بن ابى طالب و معاويه بن ابى سفيان، قاضى على على اهل الكوفه و من معهم من شيعتهم من المؤمنين و المسلمين، و قاضى معاويه على اهل الشام و من كان معهم من المؤمنين و المسلمين، انا ننزل عند حكم الله عز و جل و كتابه، و لا يجمع بيننا غيره، و ان كتاب الله عز و جل بيننا من فاتحته الى خاتمته، نحيى ما أحيا، و نميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله عز و جل- و هما ابو موسى الأشعري عبد الله بن قيس و عمرو بن العاص القرشي- عملا به، و ما لم يجدا في كتاب الله عز و جل فالسنه العادلة الجامعه غير المفرقه و أخذ الحكمان من على و معاويه و من الجندين من العهود و الميثاق و الثقه من الناس، انهما آمنان على أنفسهما و أهلهما، و الامه لهما انصار على الذى يتقاضيان عليه، و على المؤمنين و المسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله و ميثاقه انا على‏

54

ما في هذه الصحيفة، و ان قد وجبت قضيتهما على المؤمنين، فان الا من و الاستقامة و وضع السلاح بينهم أينما ساروا على انفسهم و أهليهم و أموالهم، و شاهدهم و غائبهم، و على عبد الله بن قيس و عمرو بن العاص عهد الله و ميثاقه ان يحكما بين هذه الامه، و لا يرداها في حرب و لا فرقه حتى يعصيا، و اجل القضاء الى رمضان و ان احبا ان يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما، و ان توفى احد الحكمين فان امير الشيعة يختار مكانه، و لا يالو من اهل المعدلة و القسط، و ان مكان قضيتهما الذى يقضيان فيه مكان عدل بين اهل الكوفه و اهل الشام، و ان رضيا و احبا فلا يحضرهما فيه الا من أرادا، و يأخذ الحكمان من أرادا من الشهود، ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة،.

و هم انصار على من ترك ما في هذه الصحيفة، و اراد فيه إلحادا و ظلما اللهم انا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة.

شهد من اصحاب على الاشعث بن قيس الكندى، و عبد الله بن عباس، و سعيد بن قيس الهمدانى، و ورقاء بن سمى البجلي، و عبد الله بن محل العجلى، و حجر بن عدى الكندى، و عبد الله بن الطفيل العامري، و عقبه ابن زياد الحضرمى، و يزيد بن حجيه التيمى، و مالك بن كعب الهمدانى و من اصحاب معاويه ابو الأعور السلمى عمرو بن سفيان، و حبيب مسلمه الفهري، و المخارق بن الحارث الزبيدى، و زمل بن عمرو العذرى، و حمزه بن مالك الهمدانى، و عبد الرحمن بن خالد المخزومي، و سبيع بن يزيد الأنصاري، و علقمه بن يزيد الأنصاري، و عتبة بن ابى سفيان، و يزيد بن الحر العبسى خ.

قال ابو مخنف: حدثنى ابو جناب الكلبى، عن عماره بن ربيعه الجرمي، قال: لما كتبت الصحيفة دعى لها الاشتر فقال: لا صحبتني يميني، و لا نفعتني بعدها شمالى، ان خط لي في هذه الصحيفة اسم على صلح‏