تسلية المجالس و زينة المجالس - ج2

- السيد محمد الكركي الحائري‏ المزيد...
568 /
7

المجلس الرابع في خصائص الامام الثاني سبط المصطفى، و رابع أصحاب الكساء، ذي المآثر و المنن، مولانا و سيّدنا أبي محمد الحسن،

و ذكر شي‏ء من فضائله المختصّة به و المشتركة مع جدّه و أبيه و امّه و أخيه (صلوات اللّه عليهم أجمعين)

الخطبة:

الحمد للّه الّذي جعل حمده سبيلا موصلا إلى نعيم جنّته، و سببا متّصلا بعميم رحمته، و شكره وسيلة لشاكره إلى المزيد من نعمته، و ذكره شرفا لذاكره في سرّه و علانيته، و بنى قواعد دينه على توحيده و معرفته، و أخذ عباده بتقديسه و تنزيهه عمّا لا يليق بربوبيّته، و نصب لهم أعلاما يهتدي بها المتردّد في تيه حيرته، و أطلع في سماء العرفان أنجما ينجو بزواهرها ضالّهم في ظلمة شبهته، و جعل تلك الأعلام الواضحة، و الأنجم اللائحة، عبادا مكرمين من خواصّه، و أولياء معصومين قد صفاهم و اصطفاهم بإخلاصه.

أوّلهم نبيّ تمّمت به الرسالة و النبوّة، و إمام انتهت إليه الرئاسة و الفتوّة، لمّا جعله سبحانه أشدّ خلقه بسطة في العلم و الجسم و القوّة، و اختصّه الرسول بالوصيّة و الخلافة و الاخوّة، ثبت في العقل و النقل عموم رئاسته، و قبح في‏

8

الحقيقة و الطريقة تقديم من قصر عن رتبته.

نحمد ربّنا على ما أطلعنا عليه من سرّه المكنون، و علمه المخزون، و نزّهنا عن اتّباع كلّ ناعق بالباطل، و زاهق بغير الحقّ قائل، و بنى على حبّ آله قواعد عقائدنا، و ركز في جبلّتنا معرفة سادتنا و أئمّتنا، و انّهم اولوا الأمر الّذين ألزم عباده بطاعتهم، و حثّ أنامه على متابعتهم، فمن سلك غير سبيلهم، و اهتدى بغير دليلهم، قاده سوء اختياره إلى الشقاوة السرمديّة، و أوقعه ضلال سعيه في الهلكة الأبديّة.

لا نشكّ في كفر من تقدّمهم غاصبا، و تسمّى بغير اسمه كاذبا، و استوجب اللعنة بإلحاده في دين اللّه، و استحقّ العقوبة بجحده ولاية اللّه، و توالى في اللّه أولياءهم، و تعادى في اللّه أعداءهم، و يلعن الحانث صدّيقهم، و الناكث فاروقهم، و الثالث زهوقهم، و الرابع زنديقهم، الّذي كان إسلامه نفاقا، و دينه شقاقا، و طبعه غدرا، و معتقده كفرا، الباغي بحربه، و الكافر بربّه، و الخارج على إمام الحقّ بجنده، و الباغي على وليّ الخلق بحسده، و المدبّر في قتل السيّد الزكيّ، قرّة عين النبيّ، و ثمرة قلب الوصيّ، و المديف له قواتل سمومه بغدره، و المفسد رؤساء جنوده بمكره.

اللّهمّ العنه و العن كلّ منقاد طوعا لأمره، و كلّ شاكّ في ضلاله و كفره.

9

فصل فيما ورد في فضل السيّد الشكور، و الامام الصبور، سبط خير المرسلين، و رهط إمام المتّقين، و نجل سيّد الوصيّين، و نتيجة سيّدة نساء العالمين، رابع الخمسة الميامين، و ثالث الأولياء المنتجبين، الّذي جعله اللّه و أخاه أشرف خلقه أجمعين.

الجدّ النبيّ، و الأب الوصيّ، و الامّ الزهراء، و الدار البطحاء، فضله معروف، و كرمه موصوف، يخل الغيث بفيض كفّه، و يخجل البحر بسبب عرفه، اصوله كريمة، و أياديه عميقة، و حبّه فرض واجب، و ودّه حكم لازب، و طاعته تمام الايمان، و معصيته سبيل الخسران، الناطق بالحكمة، و المؤيّد بالعصمة، إمام الامّة، و ثاني الأئمّة، من حبّه من النيران جنّة، و اتّباعه سبيل موصل إلى نعيم الجنّة، و ولاؤه على أهل الأرض فرض لا سنّة، ذو النسب الطاهر، و الحسب الفاخر، و المجد الأعبل، و الشرف الأطول، و العلم المأثور، و الحلم المشهور، الّذي تردّى بالمجد و اتّزر، و تصدّى للبذل و اشتهر، و ظهر عنه العلم و انتشر، و بخدمته الأمين جبرئيل افتخر.

آل عمران تشهد للرسول بنبوّته يوم المباهلة، و سورة الانسان تنبئ عن كمال فضيلته حين المفاضلة، و أحزاب المجد بحجّة آية تطهيرها لعصمته‏

10

ناصرة، و أبصار الفخر إلى نضرة بهجته يوم الكساء ناظرة، شاطر اللّه ماله مرارا، و آثر المسكين و اليتيم و الأسير بقوّته إيثارا، و كان للمسلمين نورا و منارا، و للعارفين غيثا مدرارا، تشمخ المنابر فخرا إن علاها بقدمه، و تشرق المحاضر سرورا إذا غمرها بكرمه، موات الآمال يحيى بوابل جوده، و أموات الافضال تنشر بهاطل جوده، و الرئاسة العامّة تتجلّى على رفعة إمامته، و المناقب التامّة تخطر بين يدي زعامته.

من اتّخذه بضاعة ربحت تجارته في الدنيا و الآخرة، و من تولّى عن أمره إلى غيره معاندة أضحت كرّته خاسرة، رضيت به و بأهل بيته سادة عمّن سواهم، و وسمت جبهتي بميسم العبوديّة لجلال علاهم، فإن رقموني في دفاتر عبيدهم، و أثبتوني في جرائد عديدهم، فذلك غاية مرادي و أقصى مناي. و إن طردوني عن أبواب كرمهم، و محوني من جرائد خدمهم، فيا شقوتي و خيبة مسعاي.

اللّهمّ نوّر قلبي بحبّهم، و اشرح صدري بقربهم، و لا تخلني من حياطتهم، و لا تصرف وجهي عن وجههم، و الحظني بعين عنايتهم، و لا تنزع منّي بركة رأفتهم، إنّك على كلّ شي‏ء قدير.

محمد بن إسحاق، بالاسناد: جاء أبو سفيان إلى علي (عليه السلام)، فقال:

يا أبا الحسن، جئتك في حاجة.

قال: و فيما جئتني؟

قال: تمشي معي إلى ابن عمّك محمد فتسأله أن يعقد لنا عقدا، و يكتب لنا كتابا.

فقال أمير المؤمنين: لقد عقد لك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عقدا لا يرجع عنه أبدا، و كانت فاطمة من وراء الستر، و الحسن يدرج بين يديها و هو

11

طفل من أبناء أربعة عشر شهرا (1)، فقال: يا بنت محمد، قولي لهذا الطفل يكلّم لي جدّه فيسود بكلامه العرب و العجم.

فأقبل الحسن (عليه السلام) على أبي سفيان و ضرب بإحدى يديه على أنفه و الاخرى على لحيته، ثمّ أنطقه اللّه سبحانه بأن قال: يا أبا سفيان، قل: لا إله إلّا اللّه، محمد رسول اللّه، حتى أكون لك شفيعا.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الحمد للّه الّذي جعل من ذرّيّة محمد المصطفى نظير يحيى بن زكريّا، آتاه‏ (2) الحكم صبيّا.

[في استجابة دعائه و هيبته (عليه السلام)‏]

و استغاث الناس إليه (عليه السلام) من زياد بن أبيه، فرفع يده و قال: اللّهمّ خذ لنا و لشيعتنا من زياد بن أبيه، و أرنا فيه نكالا عاجلا، إنّك على كلّ شي‏ء قدير.

قال: فخرج خراج في إبهام يمينه؛ و يقال: السلعة (3)، و ورم إلى عنقه، فمات لا (رحمه اللّه). (4)

قال محمد بن إسحاق: ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما بلغ الحسن بن عليّ، كان يبسط له بساط على باب داره فإذا خرج و جلس انقطع الطريق، فما يراه أحد من خلق اللّه إلّا قام إجلالا له، فإذا علم قام‏

____________

(1) وردت هذه القصّة في كتب السير عند ذكر فتح مكّة سنة ثمان للهجرة حين جاء أبو سفيان إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليبرم عهد المشركين و يزيد في مدّته.

و قد قيل كان عمر الحسن (عليه السلام) خمس سنين، و في الكامل في التاريخ: 2/ 241 انّه غلام.

(2) في المناقب: وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا سورة مريم: 12.

(3) في المناقب: خراج في إبهام يمينه يقال لها: السلعة.

(4) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 6- 7، عنه البحار: 43/ 326 ح 6.

12

فدخل داره فيمرّ الناس، و لقد رأيته في طريق مكّة ماشيا فما أحد من خلق اللّه رآه إلّا نزل و مشى.

[أنّه كان (عليه السلام) يسمع الوحي فيحفظه، و إخباره (عليه السلام) بمقتله على يد زوجته‏]

أبو السعادات في الفضائل: إنّ الشيخ أبو الفتوح أملى في المدرسة الناجية أنّ الحسن بن عليّ (عليه السلام) كان يحضر مجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو ابن سبع سنين فيسمع الوحي فيحفظه، فيأتي إلى امّه فيلقي إليها ما حفظه، فلمّا دخل عليها أمير المؤمنين (عليه السلام) وجد عندها علما بالتنزيل، فسألها عن ذلك، فقالت: من ولدك الحسن، فتخفّى يوما في الدار و قد دخل الحسن فأراد أن يلقيه إليها فارتج‏ (1) عليه، فعجبت‏ (2)، فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) و ضمّه إليه و قبّله.

و في رواية: يا امّاه، قلّ بياني، و كلّ لساني، لعلّ سيّدا يرعاني. (3)

الحسين بن أبي العلاء، عن جعفر بن محمد (عليه السلام): قال الحسن بن عليّ (عليه السلام) لأهل بيته: يا قوم، إنّي أموت بالسمّ كما مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فقال له أهل بيته: و من الّذي يسمّك؟

قال: جاريتي أو امرأتي.

فقالوا له: أخرجها من ملكك عليها لعنة اللّه.

____________

(1) ارتج على القارئ ... إذا لم يقدر على القراءة كأنّه اطبق عليه، كما يرتج الباب، و كذلك ارتج عليه. و لا تقل: ارتجّ عليه بالتشديد. «الصحاح: 1/ 317- رتج-».

(2) في المناقب: فعجبت امّه من ذلك، فقال: لا تعجبين يا امّاه، فإنّ كبيرا يسمعني و استماعه قد أوقفني، فخرج ...

(3) مناقب ابن شهرآشوب: 4/ 7- 8، عنه البحار: 43/ 338 ح 11.

13

فقال: هيهات من إخراجها و منيّتي على يدها، مالي منها محيص، و لو أخرجتها لم يقتلني غيرها، كان قضاء مقضيّا و أمرا واجبا من اللّه؛ فما ذهبت الأيّام حتّى بعث معاوية إلى زوجته بالسمّ.

فقال الحسن لها: هل عندك شربة لبن؟

فقالت: نعم، فأتت باللبن و فيه السمّ الّذي بعث به معاوية، فلمّا شربه وجد مسّ [السمّ‏] (1) في بدنه، فقال: يا عدوّة اللّه، قتلتيني قاتلك اللّه، أما و اللّه لا تصيرين منّي خلفا، و لا تصيبين‏ (2) من الفاسق اللعين عدوّ اللّه خيرا أبدا. (3)

محمد الفتّال النيشابوري في كتاب مونس الحزين: بالاسناد عن عيسى ابن الحسن، عن الصادق (عليه السلام): قال بعضهم للحسن بن عليّ في احتمال الشدائد من معاوية، فقال (صلوات اللّه عليه) كلاما معناه: لو دعوت اللّه سبحانه لجعل العراق شاما و الشام عراقا، و لجعل الرجل امرأة و المرأة رجلا.

فقال السائل‏ (4): و من يقدر على ذلك؟

فقال (عليه السلام): انهضي، أ لا تخجلين و تستحين أن تقعدي بين الرجال؟ فوجد الرجل نفسه امرأة بيّنة كالنساء، ثمّ قال: قد صارت عيالك رجلا و يقاربك و تحملين منها و تلدين‏ (5) ولدا خنثى، فكان كما قال (عليه السلام)، ثمّ إنّهما تابا و جاءا إليه، فدعا لهما، فأعادهما اللّه تعالى إلى الحالة الاولى. (6)

____________

(1) من المناقب.

(2) في المناقب: لا تصيبين منّي خلفا، و لا تنالين.

(3) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 8، عنه البحار: 43/ 327 ذ ح 6.

(4) في المناقب: الشاميّ.

(5) في المناقب: و تقاربك و تحمل عنها و تلد.

(6) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 8- 9، عنه البحار: 43/ 327 ضمن ح 6.

14

قال أحدهما (عليهما السلام) في قوله: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (1): نحن الّذين نعلم، و عدوّنا لا يعلم، و شيعتنا اولوا الألباب. (2)

[قيل للحسن (عليه السلام): إنّ فيك عظمة، قال: لا، العظمة للّه‏]

و قيل للحسن (عليه السلام): إنّ فيك عظمة.

قال: لا، العظمة للّه، بل فيّ عزّة، قال اللّه تعالى: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (3).

و قال واصل بن عطاء: كان الحسن (عليه السلام) عليه سيماء الأنبياء، و بهاء الملوك. (4)

محمد بن أبي عمير (5): عن رجاله، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، عن الحسن بن علي (عليه السلام) قال: إنّ للّه سبحانه مدينتين: إحداهما في المشرق و الاخرى في المغرب، عليهما سور من حديد، و على كلّ مدينة ألف [ألف‏] (6) باب، لكلّ باب مصراعان‏ (7) من ذهب، و فيهما سبعون ألف لغة، يتكلّم كلّ واحد بخلاف لغة صاحبه، و أنا أعرف جميع اللغات و ما فيهما و ما بينهما و ما عليهما حجّة للّه غيري و غير أخي الحسين (عليه السلام). (8)

____________

(1) سورة الزمر: 9.

(2) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 9.

(3) سورة المنافقون: 8.

(4) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 9، عنه البحار: 43/ 338 ح 12.

(5) كذا الصحيح، و في الأصل و المناقب: محمد بن عمير.

(6) من المناقب.

(7) كذا في المناقب، و في الأصل: مصراع.

(8) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 9- 10، عنه البحار: 43/ 337 ح 7، و عوالم العلوم:

16/ 109 ح 6 و عن بصائر الدرجات: 339 و ص 493 ح 11.

15

[في قضائه (عليه السلام)، و خطبة له (عليه السلام)‏]

الكليني في كتابه الكافي‏ (1): انّه جاء في حديث عمرو بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل الحسن عن امرأة جامعها زوجها، فقامت بحرارة جماعه فساحقت جارية بكرا، و ألقت النطفة إليها، فحملت.

فقال (عليه السلام): أمّا في العاجل فتؤخذ المرأة بصداق هذه البكر، لأنّ الولد لا يخرج منها حتى تذهب عذرتها، ثمّ ينتظر بها حتى تلد فيقام عليها الحدّ و يؤخذ الولد فيردّ إلى صاحب النطفة، و تؤخذ المرأة ذات الزوج فترجم.

قال: فاطلع أمير المؤمنين (عليه السلام) فرآهم يضحكون، فقصّوا عليه القصّة، فقال: ما أحكم إلّا بما حكم به الحسن.

و في رواية: لو أنّ أبا الحسن لقيهم ما كان عنده إلّا ما قال الحسن. (2)

محمد بن سيرين: أنّ عليّا (عليه السلام) قال لابنه الحسن: أجمع الناس، فلمّا اجتمعوا قام (صلوات اللّه عليه) فخطب الناس، فحمد اللّه و أثنى عليه، و تشهّد، ثمّ قال: أيّها الناس، إنّ اللّه اختارنا [لنفسه‏] (3)، و ارتضانا لدينه، و اصطفانا على خلقه، و أنزل علينا كتابه و وحيه، و أيم اللّه لا ينقصنا أحد من حقّنا شيئا إلّا انتقصه اللّه من حقّه، في عاجل دنياه و آجل آخرته، و لا يكون علينا دولة إلّا كانت لنا العاقبة وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ‏ (4)، ثمّ نزل و جمع بالناس، و بلّغ أباه، فقبّل بين عينيه، و قال: بأبي أنت و امّي‏ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ‏

____________

و أخرجه في البحار: 27/ 41 ح 2، و ج 57/ 326 ح 6 عن البصائر بطريقيه.

(1) الكافي: 7/ 202 ح 1، عنه البحار: 43/ 352 ح 30، و عوالم العلوم: 16/ 109 ح 5.

(2) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 10- 11.

(3) من المناقب.

(4) سورة ص: 88.

16

بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (1).

في كتاب العقد لابن عبد ربّه الأندلسي و كتاب المدائني أيضا: قال عمرو بن العاص لمعاوية: لو أمرت الحسن بن علي أن يخطب على المنبر، فلعلّه يحصر فيكون ذلك وضعا من قدره عند الناس، فأمر الحسن بذلك.

فلمّا صعد المنبر تكلّم فأحسن، ثمّ قال: أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب، أنا ابن أوّل المسلمين إسلاما، و امّي فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين.

و عن ابن عبد ربّه أيضا: أنّه قال: لو طلبتم ابنا لنبيّكم ما بين لابتيها (2) لم تجدوا غيري و غير أخي.

فناداه معاوية: يا أبا محمد، حدّثنا بنعت الرطب- و أراد بذلك أن يخجّله و يقطع عليه كلامه-، فقال: نعم تلقحه الشمال، و تخرجه الجنوب، و تنضجه الشمس، و يطيّبه‏ (3) القمر.

و في رواية المدائني: الريح تنضجه‏ (4)، و الليل يبرّده و يطيّبه.

و في رواية المدائني قال: فقال عمرو: انعت لنا الخرأة.

قال: نعم، تبعد الممشى في الأرض الصحصح‏ (5) حتى تتوارى من القوم،

____________

(1) سورة آل عمران: 34.

(2) أي ما أحاطت به الحرّتان من المدينة.

(3) كذا في المناقب، و في الأصل: و يصنعه.

(4) في المناقب: تنفخه.

(5) كذا في المناقب، و في الأصل: الصحيح. و الصحصح: ما استوى من الأرض و كان‏

17

و لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها، و لا تمسح باللقمة و الرمّة- يريد العظم و الروث- و لا تبل في الماء الراكد. (1)

[في خشيته من ربّه، و حجّه و صدقته (عليه السلام)‏]

و في روضة الواعظين: انّ الحسن (عليه السلام) كان إذا توضّأ ارتعدت مفاصله، و اصفرّ لونه، فقيل له في ذلك. فقال: حقّ على كلّ من وقف بين يدي ربّ العرش أن يصفرّ لونه، و ترتعد مفاصله.

و كان (صلوات اللّه عليه) إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه و يقول: اللّهمّ ضيفك‏ (2) ببابك، يا محسن، قد أتاك المسي‏ء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك، يا كريم.

و عن الصادق (عليه السلام): أنّ الحسن (عليه السلام) حجّ خمسا و عشرين حجّة على قدميه.

و بالاسناد (3) عن القاسم بن عبد الرحمن، عن محمد بن علي (عليه السلام): قال الحسن (عليه السلام): إنّي لأستحيي من ربّي أن ألقاه و لم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرّة من المدينة على رجليه.

و في كتابه‏ (4) بالاسناد: انّ الحسن (عليه السلام) قاسم ربّه ماله نصفين.

و عن شهاب بن عامر أنّ الحسن قاسم ربّه ماله مرّتين حتّى تصدّق بفرد نعله.

____________

أجرد.

(1) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 11- 12، عنه البحار: 43/ 355 ح 33.

(2) كذا في المناقب، و في الأصل: صفيّك.

(3) حلية الأولياء: 2/ 37.

(4) أي حلية الأولياء لأبي نعيم الاصفهاني.

18

و في رواية: أنّه تصدّق ثلاث مرّات يقاسم ربّه ماله حتى إنّه كان ليعطي نعلا و يمسك نعلا، و يعطي خفّا و يمسك خفّا.

و كان يمشي في طريق مكّة، و إنّ النجائب لتقاد معه. (1)

روي أنّه دخلت على الحسن (عليه السلام) امرأة جميلة و هو في صلاته فأوجز في صلاته، ثمّ قال لها: أ لك حاجة؟

قالت: نعم.

قال: و ما هي؟

قالت: قم فأصب منّي فإنّي وفدت و لا بعل لي.

قال: إليك عنّي لا تحرقيني بالنار و نفسك، فجعلت تراوده عن نفسه و هو يبكي و يقول: ويحك إليك عنّي، و اشتدّ بكاؤه، فلمّا رأت ذلك بكت لبكائه، فدخل الحسين (عليه السلام) و رآهما يبكيان، فجلس يبكي، و جعل أصحابه يأتون و يجلسون و يبكون حتى كثر البكاء و علت الأصوات، فخرجت الأعرابيّة، و قام القوم، و لبث الحسين (عليه السلام) بعد ذلك و هو لا يسأل الحسن عن ذلك إجلالا له، فبينا الحسن (عليه السلام) ذات يوم‏ (2) نائما إذ استيقظ و هو يبكي، فقال الحسين (عليه السلام): ما شأنك، يا أخي؟

قال: رؤيا رأيتها.

قال: و ما هي؟

قال: لا تخبر أحدا ما دمت حيّا.

____________

(1) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 14، عنه البحار: 43/ 339 ح 13.

(2) في المناقب: ليلة.

19

قال: نعم.

قال: رأيت يوسف (عليه السلام) في المنام فجئت أنظر إليه فيمن نظر، فلمّا رأيت حسنه بكيت، فنظر إليّ في الناس، فقال: ما يبكيك، يا أخي، بأبي و امّي؟

فقلت: ذكرتك و امرأة العزيز، و ما ابتليت به من أمرها، و ما لقيت في السجن، و حرقة الشيخ يعقوب، فبكيت من ذلك، و كنت أتعجّب منه.

فقال (عليه السلام): فهلّا تعجّبت ممّا كان من المرأة البدويّة بالأبواء؟

[في شعره و سخائه (عليه السلام)‏]

و للحسن (عليه السلام):

ذري كدر الأيّام إنّ صفاءها* * * تولّى بأيّام السرور الذواهب‏

و كيف يغرّ الدهر من كان بينه* * * و بين الليالي محكمات التجارب‏

و له (عليه السلام):

قل للمقيم بغير (1)دار إقامة* * * حان الرحيل فودّع الأحبابا

إنّ الّذين لقيتهم و صحبتهم* * * صاروا جميعا في القبور ترابا

و من سخائه (عليه السلام) أنّه سأله رجل فأعطاه خمسين ألف درهم و خمسمائة دينار و قال: ائت بحمّال يحمل لك، فأعطى الحمّال طيلسانه، و قال:

هذا الكرى للحمّال.

و جاءه بعض الأعراب فقال: أعطوه ما في الخزانة، فوجدوا فيها عشرون ألف درهم، فدفعها إلى الأعرابي.

فقال الأعرابي: هلّا تركتني أبوح بحاجتي و اظهر مدحتي؟!

____________

(1) كذا في المناقب، و في الأصل: تغيّر.

20

فأنشأ (صلوات اللّه عليه):

نحن اناس عطاؤنا خضل‏ (1)* * * يرتع فيه الرجاء و الأمل‏

تجود قبل السؤال أنفسنا* * * خوفا على ماء وجه من يسل‏

لو علم البحر فضل‏ (2)نائلنا* * * لغاض من بعد فيضه خجل‏ (3)

أبو جعفر المدائني- في حديث طويل-: قال: خرج الحسن و الحسين و عبد اللّه بن جعفر حجّاجا ففاتهم أثقالهم، فجاعوا و عطشوا، فرأوا في بعض الشعاب خباء رثّا و عجوزا فاستسقوها.

فقالت: اطلبوا هذه الشويهة، ففعلوا و استطعموها فقالت: ليس إلّا هي فليقم أحدكم فليذبحها حتى أصنع لكم طعاما، فذبحها أحدهم، ثمّ شوت لهم من لحمها، و أكلوا و قيّلوا عندها، فلمّا نهضوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فإذا نحن انصرفنا و عدنا فالممي بنا فإنّا صانعون بك خيرا، ثمّ رجلوا.

فلمّا جاء زوجها و عرف الحال أوجعها ضربا، ثمّ مضت الأيّام و أضرّت بها الحال فرحلت حتى اجتازت بالمدينة، فبصر بها الحسن (عليه السلام) فأمر لها بألف شاة و أعطاها ألف دينار، و بعث معها رسولا إلى الحسين (عليه السلام) فأعطاها مثل ذلك، ثمّ بعثها إلى عبد اللّه بن جعفر فأعطاها مثل ذلك.

و دخل عليه رجل‏ (4) فقال: يا ابن رسول اللّه، إنّي عصيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1) الخضل: كلّ شي‏ء ند يترشّف نداه.

(2) كذا في المناقب، و في الأصل: علم.

(3) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 14- 16، عنه البحار: 43/ 340 ح 14.

(4) في المناقب: و دخل الغاضريّ عليه (عليه السلام).

21

فقال (عليه السلام): بئس ما فعلت، كيف فعلت؟

فقال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا يفلح قوم ملكت عليهم امرأة، و قد ملكت عليّ امرأتي فأمرتني أن أشتري غلاما (1)، فاشتريته و قد أبق منّي.

فقال (صلوات اللّه عليه): اختر أحد ثلاثة: إن شئت قيمة عبد. فقال: هاهنا لا تتجاوز! قد اخترت، فأعطاه ذلك.

و قال أنس: حيّت‏ (2) جارية للحسن (عليه السلام) بطاقة ريحان، فقال لها:

أنت حرّة لوجه اللّه، فقلت له في ذلك، فقال: أدّبنا اللّه سبحانه و قال: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها (3) و كان أحسن منها إعتاقها. (4)

[في عفوه (عليه السلام)‏]

و روى المبرّد قال: رآه شاميّ راكبا فجعل يلعنه و الحسن (عليه السلام) لا يردّ، فلمّا فرغ أقبل عليه الحسن و ضحك و قال: أيّها الشيخ، أظنّك غريبا و لعلّك شبّهتني، فلو استعنتنا أعنّاك‏ (5)، و لو سألتنا أعطيناك، و لو استرشدتنا أرشدناك، و لو استحملتنا حملناك، و إن كنت جائعا أشبعناك، و إن كنت عريانا كسوناك، و إن كنت محتاجا أغنيناك، و إن كنت طريدا أويناك، و إن كنت ذا حاجة قضيناها لك، فلو كنت حرّكت رحلك إلينا، و كنت ضيفا لنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعا رحبا، و جاها عريضا، و مالا كثيرا.

____________

(1) في المناقب: عبدا.

(2) كذا في المناقب، و في الأصل: جاءت.

(3) سورة النساء: 86.

(4) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 16- 18، عنه البحار: 43/ 341 ح 15.

(5) في المناقب: فلو استعتبتنا أعتبناك. أي لو استرضيتنا فرضّيناك.

22

فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثمّ قال: أشهد أنّك خليفة اللّه في أرضه، اللّه أعلم حيث يجعل رسالته، و كنت أنت و أبوك أبغض خلق اللّه إليّ، فالآن أنت أحبّ الخلق إليّ، و حوّل رحله إليه، و كان ضيفه إلى أن ارتحل، و صار معتقدا محبّتهم. (1)

[في شبهه (عليه السلام) برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)‏]

و روى البخاري و الموصلي: قال إسماعيل بن خالد لأبي جحيفة: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟

قال: نعم، و كان الحسن (عليه السلام) يشبهه.

أبو هريرة [قال‏] (2): دخل الحسن يوما و هو معتمّ فظننت أنّ‏ (3) النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد بعث.

و روى الغزالي: انّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال للحسن: أشبهت خلقي و خلقي. (4)

دعا أمير المؤمنين (عليه السلام) محمد بن الحنفيّة يوم الجمل فأعطاه رمحه و قال له: اقصد بهذا الرمح قصد الجمل، فذهب فمنعوه بنو ضبّة، فلمّا رجع انتزع الحسن الرمح من يده، و قصد قصد الجمل، و طعنه برمحه، و رجع إلى والده، و على الرمح أثر الدم، فتمغّر وجه محمد من ذلك، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تأنف فإنّه ابن النبيّ و أنت ابن عليّ. (5)

____________

(1) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 19، عنه البحار: 43/ 344 ذ ح 16.

(2) من المناقب.

(3) كذا في المناقب، و في الأصل: أنّ.

(4) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 20- 21، عنه البحار: 43/ 293- 294.

(5) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 21، عنه البحار: 32/ 187 ح 137، و ج 43/ 345 ذ ح 17.

23

و طاف الحسن (عليه السلام) بالبيت يوما فسمع رجلا يقول: هذا ابن فاطمة الزهراء، فالتفت إليه فقال: قل: هذا ابن عليّ بن أبي طالب، فأبي خير من امّي. (1)

[مفاخرة الحسن (عليه السلام) مع معاوية]

و تفاخرت قريش و الحسن (عليه السلام) ساكت لا ينطق، فقال له معاوية:

[يا] (2) أبا محمد مالك لا تنطق؟ فو اللّه ما أنت بمشوب الحسب، و لا بكليل اللسان.

فقال الحسن (عليه السلام): ما ذكروا فضيلة إلّا ولي محضها و لبابها. (3)

أخبار أبي حاتم‏ (4): إنّ معاوية فخر يوما، فقال: أنا ابن بطحاء مكّة، أنا ابن أغزرها (5) جودا، و أكرمها جدودا، و أنا ابن من ساد قريشا فضلا ناشئا و كهلا.

فقال الحسن (عليه السلام): يا معاوية، أ عليّ تفتخر؟! أنا ابن عروق الثرى، أنا ابن مأوى التقى، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا، بالفضل السابق، و الحسب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة اللّه، و معصيته معصية اللّه، فهل لك أب كأبي تباهيني به، و قديم كقديمي تساميني به؟ قل: نعم، أو لا.

فقال معاوية: بل أقول: لا، و هي لك تصديق. (6)

____________

(1) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 21، عنه البحار: 43/ 345 صدر ح 18.

(2) من المناقب.

(3) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 21، عنه البحار: 44/ 103 ح 10.

(4) كذا في المناقب، و في الأصل: أمثال أبي حازم.

(5) كذا في المناقب، و في الأصل: أعرفها.

(6) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 21- 22، عنه البحار: 44/ 103 ح 11 و عن كشف الغمّة: 1/ 575.

24

و قال معاوية يوما للحسن (عليه السلام): أنا خير منك.

قال: و كيف ذاك، يا ابن هند؟

قال: لأنّ الناس قد اجتمعوا عليّ و لم يجمعوا عليك.

قال الحسن: هيهات هيهات لشرّ ما علوت، يا ابن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان؛ بين مطيع و مكره، فالطائع لك عاص للّه، و المكره معذور بكتاب اللّه، و حاشى للّه أن أقول أنا خير منك فلا خير فيك، و لكنّ اللّه برّأني من الرذائل كما برّأك من الفضائل.

كتاب الشيرازي: روى سفيان الثوري، عن واصل، عن الحسن، عن ابن عبّاس في قوله سبحانه: وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ (1) أنّه جلس الحسن بن علي (عليه السلام) و يزيد بن معاوية يأكلان الرطب، فقال يزيد: يا حسن، إنّي مذ كنت ابغضك.

فقال الحسن: يا يزيد، اعلم أنّ إبليس شارك أباك في جماعه فاختلط الماء ان فأورثك ذلك عداوتي، لأنّ اللّه سبحانه يقول: وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ و شارك الشيطان حربا عند جماعه فولد له صخر، فلذلك كان يبغض جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

هرب سعيد بن سرح‏ (2) من زياد إلى الحسن (عليه السلام)، فكتب الحسن إليه يشفع فيه.

[كتاب زياد بن أبي سفيان إلى الحسن (عليه السلام)‏]

فكتب زياد إلى الحسن:

____________

(1) سورة الإسراء: 64.

(2) كذا في المناقب، و في الأصل: سعد بن أبي شرح.

25

من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة.

أمّا بعد:

فقد أتاني كتابك تبدأ فيه باسمك قبل اسمي و أنت طالب حاجة، و أنا سلطان و أنت سوقة (1)، و ذكر نحوا من ذلك.

فلمّا قرأ الحسن الكتاب تبسّم و أنفذ بالكتاب إلى معاوية، فكتب معاوية إلى زياد لعنه اللّه يؤنّبه و يأمره أن يخلّي عن أخي سعيد و ولده و امرأته و ردّ ماله و بناء ما قد هدمه من داره، ثمّ قال:

و أمّا كتابك إلى الحسن باسمه و اسم امّه لا تنسبه إلى أبيه، و امّه بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ذلك أفخر له إن كنت تعقل. (2)

[في تواضعه (عليه السلام)‏]

كتاب الفنون‏ (3) عن أحمد المؤدّب و نزهة الأبصار: أنّه مرّ الحسن (عليه السلام) بقوم فقراء و قد وضعوا كسيرات لهم على الأرض و هم يلتقطونها و يأكلونها، فقالوا له: هلمّ يا ابن رسول اللّه إلى الغذاء، فنزل و قال: إنّ اللّه لا يحبّ المستكبرين‏ (4)، و جعل يأكل معهم حتى اكتفوا و الزاد على حاله ببركته، ثمّ دعاهم إلى منزله‏ (5) و أطعمهم و كساهم. (6)

و في العقد: أنّ مروان بن الحكم قال للحسن بن عليّ (عليه السلام) بين‏

____________

(1) السوقة: الرعيّة.

(2) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 22- 23، عنه البحار: 44/ 104 ح 12 و عن كشف الغمّة:

1/ 573.

(3) كذا في المناقب، و في الأصل: العيون.

(4) اقتباس من قوله تعالى في سورة النحل: 23.

(5) في المناقب: ضيافته.

(6) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 23، عنه البحار: 43/ 351 ح 28.

26

يدي معاوية: أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن. و يقال: إنّ ذلك من الخرق.

فقال (عليه السلام): ليس كما بلغك و لكنّا معشر بني هاشم أفواهنا عذبة و شفاهنا طيّبة (1)، فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهنّ، و أنتم معشر بني اميّة فيكم بخر شديد، فنساؤكم يصرفن أفواههنّ و أنفاسهنّ إلى أصداغكم، فإنّما يشيب منكم موضع العذار من أجل ذلك.

[أبيات للحسن (عليه السلام)‏]

فقال مروان: أما إنّ يا بني هاشم فيكم خصلة سوء.

قال: و ما هي؟

قال: الغلمة (2).

قال: أجل، نزعت من نسائنا و وضعت في رجالنا، و نزعت الغلمة من رجالكم و وضعت في نسائكم، فما قام لامويّة إلّا هاشمي، ثمّ خرج، و أنشد (صلوات اللّه عليه):

و مارست هذا الدهر خمسين حجّة* * * و خمسا ارجّي قابلا بعد قابل‏

فما أنا في الدنيا بلغت جسيمها* * * و لا في الّذي أهوى كدحت بطائل‏

و قد أشرعتني في المنايا أكفّها (3)* * * و أيقنت أنّي رهن موت معاجل‏

(4)

____________

(1) في المناقب: طيّبة أفواهنا، عذبة شفاهنا.

(2) الغلمة: شهوة الجماع.

(3) استظهر في هامش البحار: فقد أشرعت فيّ المنايا أكفها.

(4) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 23- 24، عنه البحار: 44/ 105 ح 13.

27

قيل لمجنون: الحسن كان أفضل أم الحسين؟

قال: الحسن، لقوله سبحانه: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً (1) و لم يقل: حسينة. (2)

[صعوده (عليه السلام) على كتف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في صلاته‏]

روى أبو يعلى الموصلي في المسند: عن ثابت البناني، عن أنس و عبد اللّه ابن شيبة (3)، عن أبيه أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قام إلى صلاة و الحسن متعلّق به، فوضعه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى جانبه و صلّى، فلمّا سجد أطال السجود فرفعت رأسي من بين القوم فإذا الحسن على كتف النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا سلّم قال له القوم: يا رسول اللّه، لقد سجدت في صلاتك سجدة ما كنت تسجدها، كأنّما يوحى إليك.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): لم يوح إليّ، و لكنّ ابني كان على كتفي فكرهت أن اعجّله حتى نزل.

و في رواية اخرى أنّه قال: إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن اعجّله حتى يقضي حاجته.

و في رواية اخرى: قال: كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي بنا و هو ساجد فيجي‏ء الحسن و هو صبيّ صغير حتى يصير على ظهره أو رقبته فيرفعه رفعا رفيقا، فلمّا صلّى صلاته قالوا: يا رسول اللّه، إنّك لتصنع بهذا الصبيّ شيئا لم تصنعه بأحد!

فقال: هذا ريحانتي.

____________

(1) سورة البقرة: 201.

(2) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 24.

(3) كذا في المناقب، و في الأصل: شبيب.

28

[في محبّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للحسن (عليه السلام)‏]

و عن أبي هريرة: قال: ما رأيت الحسن قطّ إلّا فاضت عيناي بدموعها، و ذلك انّه أتى يوما يشتدّ حتى قعد في حجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فجعل يقول في لحية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هكذا و هكذا و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يفتح فمّه، ثمّ يدخل فمّه في فمّه، و يقول: اللّهمّ إنّي احبّه فأحبّه و أحبّ من يحبّه، يقولها ثلاث مرّات.

عبد الرحمن بن أبي ليلى: كنّا عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فجاء الحسن و أقبل يتمرّغ عليه فرفع قميصه و قبّل زبيبته. (1)

الخدريّ: إنّ الحسن (عليه السلام) جاء و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي فأخذ بعنقه و هو جالس، فقام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و إنّ الحسن ليمسك بيديه حتى ركع.

و عن أبي هريرة: كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يقبّل الحسن، فقال الأقرع بن حابس: إنّ لي عشرة من الولد ما قبّلت أحدا منهم.

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من لا يرحم لا يرحم. (2)

[في ميلاده و تسميته (عليه السلام)‏]

و روي من طرق العامّة، و رواه أصحابنا رضي اللّه عنهم في كتبهم: عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، و عن عليّ بن الحسين، و عن أسماء بنت عميس، قالت: لمّا ولدت فاطمة الحسن (عليهما السلام) جاءني النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: يا أسماء، هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها، و قال: يا

____________

(1) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 24- 25، عنه البحار: 43/ 294 ح 55.

و انظر ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) من القسم غير المطبوع من طبقات ابن سعد: 40 ح 40، ففيه مصادر كثيرة للحديث.

(2) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 25، عنه البحار: 43/ 295 ح 56.

29

أسماء، أ لم أعهد إليكم ألّا تلفّوا المولود في خرقة صفراء؟ فلففته في خرقة بيضاء و دفعته إليه، فأذّن في اذنه اليمنى، و أقام في اليسرى، و قال لعليّ: أيّ شي‏ء سمّيت ابني هذا؟

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما كنت لأسبقك باسمه، و قد كنت احبّ أن اسمّيه حربا.

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و أنا لا احبّ أن أسبق ربّي باسمه، ثمّ هبط جبرئيل، فقال: السلام عليك يا محمد، العليّ الأعلى يقرؤك السلام، و يقول: عليّ منك بمنزلة هارون من موسى و لا نبيّ بعدك، سمّ ابنك هذا باسم ابن هارون.

قال: و ما اسم ابن هارون، يا جبرئيل؟

قال: شبّر.

قال: لساني عربيّ.

قال: سمّه الحسن.

قال: فلمّا كان يوم سابعه عقّ عنه بكبشين أملحين، و أعطى القابلة فخذا، و حلق رأسه، و تصدّق بوزن الشعر ورقا، و طلى رأسه بالخلوق‏ (1)، ثمّ قال:

يا أسماء، الدم فعل الجاهليّة.

قالت: فلمّا ولد الحسين فعل مثل ذلك. (2)

____________

(1) الخلوق: طيب معروف مركّب يتّخذ من الزعفران و غيره من أنواع الطيب و تغلب عليه الحمرة و الصفرة.

(2) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 25- 26، عنه البحار: 43/ 238 ح 4 و عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2/ 25 ح 5، و صحيفة الرضا (عليه السلام): 240 ح 146.

30

قال الباقر (عليه السلام)- في خبر-: فوزنوا الشعر فكان وزنه درهما و نصفا. (1)

الصادق (عليه السلام) و ابن عبّاس و أبو هريرة أيضا: إنّ فاطمة عادت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه الّذي عوفي منه و معها الحسن (عليه السلام) و الحسين (عليه السلام)، فأقبلا يغمزان ممّا يليهما من يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى اضطجعا على عضديه و ناما، فلمّا انتبها خرجا في ليلة ظلماء مدلهمّة ذات رعد و برق و قد أرخت السماء عزاليها، فسطع لهما نور، فلم يزالا يمشيان في ذلك النور و يتحدّثان حتى أتيا حديقة بني النجّار فاضطجعا و ناما، إلى تمام الحديث‏ (2)، و هذا الحديث أوردته مستوفى من أمالي الشيخ الجليل أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمّي رضي اللّه عنه عند ذكر ما تمّ للأعمش مع أبي جعفر المنصور الدوانيقي قبل هذا المجلس، فلا حاجة لإعادته.

و كان مولده (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان عام احد سنة ثلاث من الهجرة؛ و قيل: سنة اثنتين، و جاءت به فاطمة (عليها السلام) يوم السابع من مولده في خرقة من حرير الجنّة، و كان جبرئيل أتى بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فسمّاه حسنا، و عقّ عنه كبشا، فعاش مع جدّه سبع سنين و أشهرا؛ و قيل: ثمان، و مع أبيه (صلوات اللّه عليه) ثلاثين سنة، و بعده تسع سنين، و في رواية: عشر سنين.

و كان (صلوات اللّه عليه) ربع القامة، و له محاسن كثّة (3).

____________

1 و 2 مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 26.

3 كذا في المناقب، و في الأصل: كثير.

و يقال: كثّ اللحية: إذا اجتمع شعرها و كثر نبته و جعد من غير طول.

31

و أصحابه‏ (1) أصحاب أبيه.

و بابه: قيس بن ورقاء (2) المعروف بسفينة و رشيد الهجري؛ و يقال: و ميثم التمّار.

و بويع بعد أبيه يوم الجمعة الحادي و العشرين [من‏] (3) شهر رمضان في سنة أربعين.

و كان أمير جيشه عبيد اللّه بن العبّاس، ثمّ قيس بن سعد بن عبادة.

و كان عمره لمّا بويع سبعا و ثلاثين سنة، فبقي في خلافته أربعة أشهر و ثلاثة أيّام، و وقع الصلح بينه و بين معاوية لعنه اللّه في سنة إحدى و أربعين، ثمّ خرج (عليه السلام) إلى المدينة فأقام بها عشر سنين.

و سمّاه اللّه تعالى الحسن، و سمّاه في التوراة شبّرا.

و كنيته: أبو محمد و أبو القاسم.

و ألقابه: السيّد، و السبط، و الأمين، و الحجّة، و البرّ، و التقيّ، و الزكيّ، و المجتبى، و السبط الأوّل، و الزاهد.

و امّه فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ظلّ مظلوما، و مات مسموما.

[في وفاته (عليه السلام)‏]

و قبض بالمدينة بعد مضيّ عشر سنين من ملك معاوية، فكان في سني إمامته أوّل ملك معاوية، و مرض (صلوات اللّه عليه) أربعين يوما و مضى لليلتين‏

____________

(1) البحار: 44/ 112 ح 6 عن المناقب.

(2) كذا في المناقب، و في الأصل: بن أبي ورقاء.

(3) من المناقب.

32

بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة؛ و قيل: سنة تسع و أربعين و عمره سبعة و أربعون سنة و أشهر؛ و قيل: ثمان و أربعون؛ و قيل: في تمام سنة خمسين من الهجرة.

و كان معاوية بذل لجعدة بنت محمد بن الأشعث الكندي و هي ابنة أمّ فروة اخت‏ (1) أبي بكر بن أبي قحافة عشرة آلاف دينار، و إقطاع عشرة ضياع من سقي سورا (2) و سواد الكوفة على أن تسمّ الحسن (عليه السلام) و تولّى الحسين (عليه السلام) غسله و تكفينه و دفنه، و قبره بالبقيع عند جدّته فاطمة بنت أسد. (3)

[في ذكر أولاده و زوجاته (عليه السلام)‏]

و أولاده خمسة (4) عشر ذكرا و بنت واحدة، عبد اللّه و عمر و القاسم امّهم أمّ ولد، و الحسين الأثرم و الحسن امّهما خولة بنت منظور بن رباب الفزاريّة، و عقيل و الحسن امّهما أمّ بشير بنت أبي مسعود الخزرجيّة، و زيد و عمر من الثقفيّة، و عبد الرحمن من أمّ ولد، و طلحة و أبو بكر امّهما أمّ إسحاق بنت طلحة التيمي، و أحمد و إسماعيل و الحسن الأصغر، ابنته أمّ الحسن فقط؛ و يقال: و أمّ الحسين و كانتا من أمّ بشير الخزاعيّة، و فاطمة من أمّ إسحاق بنت طلحة، و أمّ عبد اللّه و أمّ سلمة و رقيّة لامّهات أولاد.

و قتل مع الحسين (عليه السلام) من أولاده: عبد اللّه و القاسم و أبو بكر.

و المعقّبون من أولاده اثنان: زيد بن الحسن، و الحسن بن الحسن.

في كتاب قوت القلوب: انّ الحسن (عليه السلام) تزوّج مائتين و خمسين‏

____________

(1) كذا في المناقب، و في الأصل: بنت.

(2) موضع بالعراق، و هو من بلد السريانيّين.

(3) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 28- 29، عنه البحار: 44/ 134 ح 3.

(4) في المناقب: ثلاثة.

33

امرأة؛ و قيل: ثلاثمائة (1)، و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) ينضجر من ذلك. (2)

أبو عبد اللّه المحدّث في رامش‏أفزاي: إنّ هذه النساء كلّهنّ خرجن في جنازته حافيات. (3)

____________

(1) لقد تعدّدت القصص عن زوجات الحسن (عليه السلام) و طلاقه! و الّذي يبدو أنّها حيكت بعده بفترة، و إلّا فطيلة حياته (عليه السلام) لم نر معاوية و لا واحدا من زبانيته عاب الحسن (عليه السلام) بذلك، و هو الّذي كان يتسقّط عثرات الحسن (عليه السلام)، فلم يجد فيه ما يشينه، فهو ممّن أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.

و لو كان هناك بعض الشي‏ء لزمّر له معاوية و طبّل، أضف إلى ذلك كلّه أنّ المراجع التاريخية و كتب الأنساب و الرجال لا تعدّ له من النساء و الأولاد أكثر من المعتاد في ذلك العصر، فلو كان أحصن سبعين امرأة أو تسعين لكان أولاده يعدّون بالمئات.

فانظر لطبقات ابن سعد فلا تجده يسمّي للحسن (عليه السلام) أكثر من ستّ نساء و أربع امّهات أولاد. و المدائني كذلك لم يعدّ للحسن (عليه السلام) أكثر من عشر نساء كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 16/ 21.

(2) إشارة واحدة من أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت تكفي في أن يمتنع الحسن (عليه السلام) عمّا لا يرتضيه له أبوه و وليّ أمره و أمير المسلمين جميعا، و أمير المؤمنين (عليه السلام) أعرف الناس بطواعية ابنه البارّ له، و انّه المعصوم المطهّر بنصّ الكتاب و السنّة الثابتة الصحيحة، و قد نصّ هو أيضا على عصمته فيما أخرجه الحافظ أبو سعيد بن الأعرابي في معجمه الورقة 157/ أ: أخبرنا داود بن يحيى الدهقان، أخبرنا بكّار بن أحمد، أخبرنا إسحاق- يعني بن يزيد-، عن عمرو بن أبي المقدام، عن العلاء بن صالح، عن طارق بن شهاب، قال: سمعت عليّا يقول: المعصوم منّا أهل البيت خمسة: رسول اللّه و أنا و فاطمة و الحسن و الحسين.

(3) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 29- 30، عنه البحار: 44/ 168 ح 4.

34

فصل في أمره (عليه السلام) مع معاوية عليه لعنة اللّه‏

[خطبة للحسن (عليه السلام) صبيحة وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام)‏]

لمّا مات أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الحسن (عليه السلام) بالكوفة، فقال: أيّها الناس، إنّ الدنيا دار بلاء و فتنة، و كلّ ما فيها فإلى زوال و اضمحلال- إلى أن قال-: و إنّي ابايعكم على أن تحاربوا من حاربت، و تسالموا من سالمت.

فقال الناس: سمعنا و أطعنا فمرنا بأمرك يا إمام المؤمنين، فأقام بالكوفة شهرين. (1)

و روى صاحب مقاتل الطالبيّين: انّ الحسن خطب صبيحة الليلة الّتي قتل فيها أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: لقد قبض اللّه في هذه الليلة رجلا لم يسبقه الأوّلون، و لا يدركه الآخرون [بعمل‏] (2)، و لقد كان يجاهد بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقيه بنفسه، و لقد كان يوجّهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح اللّه عليه، و لقد توفّي في الليلة الّتي عرج فيها بعيسى بن مريم، و الّتي توفّي فيها يوشع بن نون، و لا خلّف صفراء و لا بيضاء إلّا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما

____________

(1) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 31، عنه البحار: 44/ 54 ح 6.

(2) من المقاتل.

35

لأهله، ثم خنقته العبرة، فبكا [و بكى‏] (1) الناس معه.

ثمّ قال: أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا الحسن ابن محمد المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله)، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى اللّه عزّ و جلّ بإذنه، و أنا ابن السراج المنير، و أنا من أهل البيت الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، و الّذين افترض اللّه مودّتهم، فقال:

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً (2) فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت.

قال: فقام ابن عبّاس رضي اللّه عنه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا، و قالوا: ما أحبّه إلينا و أحقّه بالخلافة، فبايعوه، ثمّ نزل عن المنبر.

قال: و دسّ معاوية رجلا من [بني‏] (3) حمير إلى الكوفة، و رجلا من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فدلّ على الحميري عند لحّام جرير (4)، و دلّ على القيني بالبصرة في بني سليم فأخذا و قتلا.

[كتاب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية يخبره بعلمه أنّ معاوية دسّ إليه الرجال‏]

و كتب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية:

أمّا بعد: فإنّك دسست إليّ الرجال كأنّك تحبّ اللقاء، و ما أشكّ في ذلك فتوقّعه إن شاء اللّه، و قد بلغني أنّك شمتّ بما لا يشمت‏ (5) به أهل الحجى، و إنّما مثلك في ذلك كما قال الأوّل:

____________

1 و 3 من المقاتل.

(2) سورة الشورى: 23.

4 كذا في المقاتل، و في الأصل: لجام بن حريز.

5 كذا في المقاتل: و في الأصل: انّك تسمّيت بما يسمّى.

36

و قل للّذي يبغي خلاف الّذي مضى* * * تأخّر (1)لاخرى مثلها فكأن قد

و إنّا و من قد مات منّا فكالّذي* * * يروح فيمسي في المبيت و يغتدي‏

[جواب معاوية له (عليه السلام)‏]

فأجابه معاوية:

أمّا بعد: فقد وصل إليّ كتابك، و فهمت ما ذكرت فيه، و قد علمت بما حدث فلم أفرح قطّ و لم أشمت و لم آس، و إنّ عليّ بن أبي طالب لكما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة (2):

فأنت الجواد و أنت الّذي* * * إذا ما القلوب ملأن الصدورا

جدير بطعنة يوم اللقا* * * أ تضرب فيها النساء النحورا

و ما مزيد من خليج البحا* * * ر يعلو الآكام و يعلو الجسورا (3)

بأجود منه بما عنده* * * فيعطي الالوف‏ (4)و يعطي البدورا

[كتاب عبد اللّه بن عبّاس من البصرة إلى معاوية]

قال: و كتب عبد اللّه بن عبّاس من البصرة إلى معاوية:

فأمّا بعد: فإنّك و دسّك أخا بني قين إلى البصرة تلتمس من غفلات‏ (5) قريش مثل الّذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال اميّة بن الصلت‏ (6):

لعمرك إنّي و الخزاعي طاويا (7)* * * كنعجة عاد حتفها تتحفر

أثارت عليها شفرة بكراعها* * * فضلّت بها من آخر الليل تنحر

____________

(1) في المقاتل: تجهّز.

(2) كذا في المقاتل، و في الأصل: أعشى بني تغلبة.

(3) كذا في المقاتل، و في الأصل: خليج البحور ... النحورا.

(4) كذا في المقاتل، و في الأصل غير مقروءة.

(5) كذا في المقاتل، و في الأصل: غيلان.

(6) في المقاتل: قال بن الأسكر.

(7) في المقاتل: طارقا.

37

شمت بقوم من صديقك أهلكوا* * * أصابهم يوما من الموت أصفر (1)

[جواب معاوية لابن عبّاس‏]

فكتب إليه معاوية:

أمّا بعد: فإنّ الحسن كتب إليّ بنحو ممّا كتبت، و أنبأني بما لم أحسن ظنّا و سوء رأي، و إنّك لم تصب مثلك و مثلي و لكن مثليا كما قال طارق الخزاعي:

فو اللّه ما أدري و إنّي لصادق* * * إلى أيّ من يظنّني أتعذّر (2)

اعنف إن كانت زبينة أهلكت* * * و نال بني لحيان شرّ فأنفروا

[كتاب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية]

و كتب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية:

من عبد اللّه الحسن بن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان.

سلام عليك، فإنّي أحمد اللّه الّذي لا إله إلّا هو.

أمّا بعد:

فإنّ اللّه تعالى بعث محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) رحمة للعالمين، و منّة على المؤمنين، و كافّة إلى الناس أجمعين، لينذر من كان حيّا، و يحقّ القول على الكافرين، فبلّغ رسالات اللّه و أقام على أمر اللّه حتى توفّاه اللّه و هو غير مقصّر و لا و ان حتّى‏ (3) أظهر اللّه به الحقّ، و محق به الشرك، و نصر به المؤمنين، و أعزّ به العرب، و شرّف به قريشا خاصّة، فقال سبحانه: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ‏ (4) فلمّا توفّي (صلّى اللّه عليه و آله) تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته و اسرته و أولياؤه فلا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد في الناس‏

____________

(1) في المقاتل: من الدهر أعسر.

(2) كذا في المقاتل، و في الأصل: إلى من تظنّيني له أ تعذّروا.

(3) كذا في المقاتل، و في الأصل: حين.

(4) سورة الزخرف: 44.

38

و حقّه، فرأت العرب أنّ القول ما قالت قريش و انّ الحجّة لهم في ذلك على من ينازعهم أمر محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، فأذعنت‏ (1) لهم العرب و سلّمت ذلك، ثمّ حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجّت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف و الاحتجاج، فلمّا صرنا أهل بيت محمّد و أوّلناه‏ (2) إلى محاجّتهم و طلب النصف بينهم‏ (3) باعدونا و استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا و العنت منهم لنا ظالمين عند اللّه و هو الوليّ و النصير.

و قد تعجّبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا و سلطان نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) و إن كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الاسلام فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون و الأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا من فساده، و اليوم فليعجب المتعجّب من توثّبك- يا معاوية- على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف، و لا أثر في الاسلام محمود، و أنت ابن حزب من الأحزاب، و ابن أعدى قريش لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لكنّ اللّه خيّبك، و ستردّ فتعلم لمن عقبى الدار، تاللّه لتلقين عن قليل ربّك، ثمّ ليجزينّك‏ (4) بما قدّمت يداك و ما اللّه بظلّام للعبيد.

إنّ عليّا لمّا مضى لسبيله (رحمة اللّه عليه) يوم قبض و يوم يبعث حيّا ولّاني المسلمون الأمر من بعده، فأسأل اللّه ألّا يزيدنا في الدنيا الفانية شيئا ينقصنا به غدا في الآخرة ممّا عنده من كرامته، و إنّما حملني على الكتاب إليك الاعذار

____________

(1) في المقاتل: فأنعمت.

(2) في المقاتل: و أوليائه.

(3) في المقاتل: منهم.

(4) كذا في المقاتل، و في الأصل: و لكتابه و اللّه حسبك ليجزينّك.

39

فيما بيني و بين اللّه سبحانه في أمرك، و لك في ذلك إن فعلت الحظّ الجسيم، و للمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل و ادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند اللّه و عند كلّ أوّاب حفيظ و من له قلب منيب، و اتّق اللّه ودع البغي و احقن دماء المسلمين فو اللّه مالك من خير في أن تلقى اللّه من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه، و ادخل في السلم و الطاعة و لا تنازع الأمر ممّن هو أحقّ به منك ليطفئ اللّه‏ (1) النائرة بذلك، و تجتمع الكلمة، و يصلح ذات البين، و إن أنت أبيت إلّا التمادي في غيّك نهدت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين.

[جواب معاوية له (عليه السلام)‏]

و أجابه‏ (2) معاوية على يدي جندب الأزدي موصل كتاب الحسن (عليه السلام):

فهمت ما ذكرت به محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) و هو أحقّ الأوّلين و الآخرين بالفضل كلّه، و ذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده فصرحت بنميمة فلان و فلان و أبي عبيدة و غيره، فكرهت ذلك لك لأنّ الامّة قد علمت أنّ قريشا أحقّ بها، و قد علمت ما جرى من أمر الحكمين، فكيف تدعوني إلى أمر إنّما تطلبه بحقّ أبيك و قد خرج أبوك منه؟

ثمّ كتب:

أمّا بعد:

فإنّ اللّه يفعل في عباده ما يشاء (3)، لا معقّب لحكمه و هو سريع‏

____________

(1) لفظ الجلالة أثبتناه من المقاتل.

(2) مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 31.

(3) اقتباس من سورة الحجّ: 18.

40

الحساب‏ (1)، فاحذر أن تكون منيّتك على يدي رعاع الناس و آيس أن تجد فينا غميزة، و إن أنت أعرضت عمّا أنت فيه و بايعتني وفيت لك بما وعدت، و أنجزت لك ما شرطت، و أكون في ذلك كما قال أعشى قيس‏ (2):

و إن أحد أسدى إليك كرامة* * * فأوف بما يدعى إذا متّ وافيا

فلا تحسد المولى إذا كان ذا غنى* * * و لا تجفه إن كان للمال نائيا

ثمّ الخلافة لك من بعدي و أنت أولى الناس بها.

و في رواية: لو كنت أعلم أنّك أقوى للأمر، و أضبط للناس، و أكبت للعدوّ، و أقوى على جمع الأموال منّي لبايعتك لأنّني أراك لكلّ خير أهلا. ثمّ قال: إنّ أمري و أمرك شبيه بأمر أبي بكر [و أبيك‏] (3) بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

ثمّ كتب:

فادخل في طاعتي [و لك الأمر من بعدي‏] (4) و لك ما في بيت مال العراق بالغا ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت، و لك خراج كور العراق يثبته معاوية لك إعانة على نفقتك‏ (5) يجيبها أمينك و يحملها إليك كلّ سنة، و لك ألّا يستولى عليك‏

____________

(1) اقتباس من سورة الرعد: 41.

(2) في المناقب: أعشى بني قيس.

و هو ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي أبو بصير، يقال له أعشى بكر بن وائل و الأعشى الكبير، توفّي سنة «7» ه. «أعلام الزركلي: 8/ 300».

(3) من المناقب.

(4) من المقاتل.

(5) في المقاتل: و لك خراج أيّ كور العراق شئت معونة لك على نفقتك.

41

بالاساءة، و لا تقضى دونك الامور، فلا تعصى في أمر أردت به طاعة اللّه عزّ و جلّ أعاننا اللّه و إيّاك على طاعته إنّه سميع مجيب.

قال جندب: فلمّا أتيت الحسن (عليه السلام) بكتاب معاوية قلت له: إنّ الرجل سائر إليك فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه و بلاده و عمله، فإمّا إنّك تقدر انّه ينقاد لك فلا و اللّه حتى ترى أعظم‏ (1) من يوم صفّين.

فقال: أفعل.

[كتاب معاوية إلى عمّاله على النواحي بعد مقتل أمير المؤمنين علي (عليه السلام)‏]

ثمّ كتب معاوية إلى عمّاله على النواحي نسخة واحدة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه معاوية أمير المؤمنين إلى فلان و فلان و من قبله من المسلمين.

سلام عليكم، فإنّي أحمد اللّه الّذي لا إله إلّا هو إليكم.

أمّا بعد:

فالحمد للّه الّذي كفاكم مئونة عدوّكم و قتلة خليفتكم إنّ اللّه بلطفه نتّج‏ (2) لعليّ بن أبي طالب رجلا من عباده فاغتاله فقتله، و ترك أصحابه متفرّقين مختلفين، و قد جاءتنا كتب أشرافهم و قادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم و عشائرهم فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي بجدكم‏ (3) و جندكم و حسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد اللّه الثأر، و بلغتم الأمل، و أهلك اللّه أهل البغي و العدوان، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

____________

(1) في المقاتل: إنّه يتناولك فلا و اللّه حتى يرى يوما أعظم.

(2) في المقاتل: أتاح.

(3) في المقاتل: بجهدكم.

42

قال: فاجتمعت العساكر إلى معاوية و سار قاصدا إلى العراق،

[خطبة للحسن (عليه السلام) بعد سماعه بتوجّه معاوية إلى العراق‏]

و بلغ الحسن خبر مسيره و انّه قد بلغ جسر منبج، فتحرّك عند ذلك و بعث حجر بن عديّ يأمر الناس بالتهيّؤ للمسير، و نادى المنادي: الصلاة جامعة، فأقبل الناس يثوبون و يجتمعون، فصعد (عليه السلام) المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال:

أمّا بعد:

فإنّ اللّه كتب الجهاد على خلقه و سمّاه كرها، ثمّ قال لأهل الجهاد من المؤمنين: وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏ (1) فلستم- أيّها الناس- بنائلين ما تحبّون إلّا بالصبر على ما تكرهون، إنّه بلغني انّ معاوية بلغه انّا كنّا أزمعنا [على‏] (2) المسير إليه فتحرّك لذلك، اخرجوا رحمكم اللّه إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر و ينظرون، و نرى و يرون‏ (3).

قال: و إنّه في كلامه يتخوّف خذلان الناس إيّاه، فسكتوا فما تكلّم منهم أحد و لا أجابه بحرف، فلمّا رأى ذلك عديّ بن حاتم قال: أنا ابن حاتم‏ (4)، سبحان اللّه! ما أقبح هذا المقام؟ ألّا تجيبون إمامكم و ابن بنت نبيّكم؟ أين خطباء مضر؟ أين المتبلغون الخوّاصون‏ (5) من أهل مصر الّذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جاء (6) الجدّ فروّاغون كالثعالب؟ أ ما يخافون مقت‏

____________

(1) سورة الأنفال: 46.

(2) من المقاتل.

(3) في المقاتل: حتى ننظر و تنظروا، و نرى و تروا.

(4) بعده- في الأصل- كلمة غير مقروءة.

(5) في المقاتل: أين خطباء مضر؟ أين المسلمون؟ أين الخوّاصون ...؟

(6) في المقاتل: جدّ.

43

اللّه و لا عيبها و عارها؟

ثمّ استقبل الحسن بوجهه و قال: أصاب اللّه بك المراشد، و جنّبك المكاره، و وفّقك لما يحمد ورده و صدره، و قد سمعنا مقالتك، و انتهينا (1) إلى أمرك، و اسمعنا و أطعنا (2) فيما قلت و رأيت، و هذا وجهي إلى معسكري فمن أحبّ أن يوافي فليواف، ثمّ مضى لوجهه، فخرج من المسجد و دابّته بالباب فركب و مضى إلى النخيلة، و أمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، و كان عديّ أوّل الناس عسكرا.

ثمّ قام قيس بن سعد بن عبادة رضي اللّه عنه و معقل الرياحي و زياد بن صعصعة (3) التميمي فأنّبوا الناس و لا موهم و حرّضوهم، و كلّموا الحسن بمثل كلام عديّ بن حاتم في الاجابة و القبول.

فقال لهم الحسن (عليه السلام): صدقتم ما زلت أعرفكم بصدق النيّة و الوفاء بالقول و المودّة الصحيحة، فجزاكم اللّه خيرا، ثمّ نزل.

و خرج الناس فعسكروا و نشطوا للخروج، و خرج الحسن إلى المعسكر و استخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب و أمره باستحثاث الناس و إشخاصهم إليه، فجعل يحثّهم حتى التأم العسكر.

ثم إنّ الحسن (عليه السلام) سار في عسكر عظيم و عدّة حسنة حتى أتى دير عبد الرحمن فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس، ثمّ دعا عبيد اللّه بن العبّاس، فقال: يا ابن عمّ، إنّي باعث معك اثني عشر ألفا من فرسان العرب و قرّاء المصر،

____________

(1) كذا في المقاتل، و في الأصل: و أتينا.

(2) في المقاتل: و سمعنا منك و أطعناك.

(3) كذا في المقاتل، و في الأصل: خصفة.

44

الرجل منهم يزيد على الكتيبة (1)، فسر بهم، و ألن لهم جانبك، و ابسط وجهك، و ادنهم من مجلسك، فإنّهم بقيّة ثقة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و سر بهم على شطّ الفرات حتى تقطع بهم الفرات‏ (2)، ثمّ سر إلى مسكن، ثمّ امض حتى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإنّي في أثرك، و ليكن خبرك عندي في كلّ يوم، و شاور هذين- يعني قيس بن سعد و سعيد بن قيس-، و إذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن اصبت [فقيس بن سعد على الناس، و إن اصيب قيس‏] (3) فسعيد بن قيس، فسار حتى نزل الفلّوجة، ثمّ أتى مسكن.

[خطبة للحسن (عليه السلام) في عسكره في ساباط]

و كان أكثر عسكر مولانا الحسن (عليه السلام) أخلاط من شيعة و محكّمة و شكّاك و أصحاب عصبيّة و فتن و نفاق، فسار (صلوات اللّه عليه) حتى أتى حمام عمر، ثمّ أخذ على دير كعب [ثم بكر] (4) فنزل ساباط، فلمّا أصبح نادى بالصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصعد المنبر فخطب و قال تجربة لهم ليظهر لهم بواطنهم:

أمّا بعد:

فإنّي أرجو أن أكون قد أصبحت بحمد اللّه و منّه و أنا أنصح خلق اللّه لخلقه، و ما أصبحت محتملا علم مسلم ضغينة، و لا مريدا له بسوء و لا غائلة، ألّا و إن لكم ما تكرهون في الجماعة خير ممّا تحبّون في الفرقة، ألا و إنّي ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، و لا تردّوا عليّ رأيي غفر اللّه لي و لكم، و أرشدني و إيّاكم لما فيه المحبّة و الرضا.

____________

(1) في المقاتل: الرجل منهم يزن الكتيبة.

(2) كذا في المقاتل، و في الأصل: التراز.

3 و 4 من المقاتل.

45

[هجوم عسكر الحسن (عليه السلام) على الامام و جرحه‏]

فقالوا: و اللّه يريد أن يصالح معاوية و يسلّم الأمر إليه، كفر و اللّه الرجل كما كفر أبوه، فثاروا عليه و أنهبوا فسطاطه حتى أخذوا مصلّاه من تحته، و نزع مطرفه عبد الرحمن بن جعال الأسدي، و طعنه جرّاح بن سنان الأسدي في فخذه فشقّه حتى خالط اربيته، و سقط الحسن (عليه السلام) بعد أن ضرب الّذي طعنه و اعتنقه فخرّا جميعا إلى الأرض، فوثب عبد اللّه بن الخطل الطائي فنزع المعول من يده فخضخضه به و أكبّ ظبيان بن عمارة عليه فقطع أنفه، ثمّ أخذوا الآجر فشدخوا وجهه و رأسه حتى قتلوه.

و حمل الحسن (عليه السلام) على سرير إلى المدائن و بها سعد بن مسعود و وال عليها من قبله، و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد ولّاه عليها فأقرّه الحسن (عليه السلام).

[التحاق عبيد اللّه بن العبّاس بمعاوية، و خطبة قيس بن سعد في الناس‏]

ثمّ إنّ جماعة من رؤساء القبائل كتبوا إلى معاوية بالطاعة في السرّ و استحثّوه على المسير نحوهم و ضمنوا له تسليم الحسن (عليه السلام) إليه عند دنوّه من عسكره، و ورد عليه كتاب قيس بن سعد و كان قد أنفذه الحسن مع عبيد اللّه بن العبّاس عند مسيره من الكوفة ليلقى معاوية و جعله أميرا و بعده قيس يعلمه بما فعل عبيد اللّه بن العبّاس عند مسيره.

و قصّته إنّ معاوية نزل قرية يقال لها الجنوبيّة (1)، فأقبل عبيد اللّه حتى نزل بازائه، فلمّا كان الغد وجّه معاوية بخيل إليه، فخرج إليهم عبيد اللّه فيمن معه فضربهم حتى ردّهم إلى معسكرهم، فلمّا كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد اللّه بن العبّاس أنّ الحسن قد راسلني في الصلح و هو مسلّم الأمر إليّ، فإن دخلت في‏

____________

(1) في المقاتل: الحيوضيّة بمسكن.

46

طاعتي الآن كنت متبوعا و إلّا دخلت و أنت تابع، و لك إن جئتني الآن أن اعطيك ألف ألف درهم، اعجل في هذا الوقت نصفها، و إذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فأقبل عبيد اللّه ليلا فدخل عسكر معاوية فوفى له بما وعده، و أصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلّي بهم، فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه فصلّى بهم قيس بن سعد، ثمّ خطبهم فقال:

أيّها الناس، لا يهولنّكم و لا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الوزع، إنّ هذا و أباه و أخاه لم يأتوا بخير قطّ، إنّ أباه عمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خرج عليه يقاتله في بدر فأسّره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري و أتى به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين، و إنّ أخاه ولّاه أمير المؤمنين (عليه السلام) على البصرة فسرق مال اللّه و مال المسلمين فاشترى به الجواري، و زعم أنّ ذلك له حلال، و إنّ هذا ولّاه أمير المؤمنين (عليه السلام) على اليمن فهرب من بسر بن أرطاة و ترك ولده حتى قتلوا و صنع الآن ما صنع.

قال: فتنادى الناس: الحمد للّه الّذي أخرجه من بيننا، انهض بنا إلى عدوّنا، فنهض و خرج إليه بسر بن أرطاة في عشرين ألفا فصاحوا بهم: هذا أميركم قد بايع، و هذا الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم؟

فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا أحد شيئين‏ (1): إمّا القتال مع غير إمام، أو تبايعون بيعة ضلال؟

فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا و ضربوا أهل الشام حتى ردّوهم إلى‏

____________

(1) في المقاتل: إحدى اثنتين.

47

مضاربهم‏ (1).

[المكاتبات بين معاوية و قيس بن سعد]

فكتب معاوية إلى قيس يدعوه و يمنّيه.

فكتب إليه قيس:

لا و اللّه لا تلقاني أبدا إلّا و بيني و بينك الرمح.

فكتب إليه معاوية:

إنّما أنت يهودي بن يهودي، تشقى نفسك و تقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحبّ الفريقين إليك فبدّلك و عزلك، و إن ظهر أبغضهما إليك نكل بك، و قد كان أبوك أوتر غير قوسه، و رمى غير غرضه، فأكثر الحز و أخطأ المفصل‏ (2)، فخذله قومه و أدركه يومه، فمات بحوران طريدا غريبا، و السلام.

فكتب إليه قيس:

أمّا بعد:

فإنّما أنت وثن من هذه الأوثان، دخلت في الاسلام كرها، و أقمت عليه فرقا، و خرجت منه طوعا، و لم يجعل اللّه لك فيه نصيبا، لم تقدم إسلامك، و لم تحدث نفاقك، و لم تزل حربا للّه و لرسوله، و حزبا من أحزاب المشركين، فأنت عدوّ اللّه و عدوّ رسوله و المؤمنين من عباده، و ذكرت أبي، و لعمري ما أوتر إلّا قوسه، و لا رمى إلّا غرضه، فشغب عليه من لا يشقّ غباره، و لا يبلغ كعبه، و كان أمرا مرغوبا عنه، مزهودا فيه، و زعمت أنّي يهوديّ [بن يهوديّ‏] (3) و قد علمت‏

____________

(1) في المقاتل: مصافهم.

(2) كذا في المقاتل، و في الأصل: النصل.

(3) من المقاتل.

48

و علمنا أنّ أبي من أنصار (1) الدين الّذي خرجت عنه، و أعداء الدين الّذي دخلت فيه و صرت إليه، و السلام.

فلمّا قرأ معاوية كتابه أغاظه فأراد إجابته، فقال له عمرو: مهلا، إن كاتبته أجابك بأشأم‏ (2) من هذا، و إن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فأمسك عنه.

[إبرام الصلح بين الامام الحسن (عليه السلام) و معاوية]

قال: و جعل أهل العراق يستأمنون إلى معاوية و يدخلون عليه قبيلة بعد قبيلة، فازدادت بصيرة الحسن (عليه السلام) بنيّاتهم، فكتب معاوية بالصلح إليه و أنفذ بكتب أصحابه على يد عبد اللّه بن عامر و عبد الرحمن بن سمرة فدعواه إلى الصلح، و زهّداه في الأمر، و أعطياه ما شرط له معاوية، و ألّا يتبع أحد بما مضى، و لا ينال أحد من شيعة عليّ بمكروه، و لا يذكر عليّ إلّا بخير، و أشياء اشترطها، فأجابهما الحسن (عليه السلام) إلى ذلك و انصرف قيس بمن معه إلى الكوفة، و انصرف الحسن إليها أيضا، و أقبل معاوية قاصدا الكوفة، و أقبل إلى الحسن وجوه الشيعة و أكابر أصحاب أمير المؤمنين يلومونه و يتباكون عليه جزعا ممّا فعل. (3)

و إنّما أجاب (عليه السلام) إلى ذلك لأنّه علم أنّ أكثر عسكره منافقون‏

____________

(1) في المقاتل: و قد علمت و علم الناس أنّي و أبي من أنصار.

(2) في المقاتل: بأشدّ.

(3) مقاتل الطالبيّين: 32- 43، عنه شرح نهج البلاغة: 16/ 30.

و رواه في إرشاد المفيد: 187، عنه البحار: 43/ 362، و عوالم العلوم: 16/ 137 ح 2 و عن شرح النهج.

و أخرجه فى كشف الغمّة: 1/ 532 عن مسند أحمد بن حنبل، و في ص 537- 538 عن الارشاد، و في ص 547 عن كتاب معالم العترة الطاهرة للجنابذي.

و في البحار: 25/ 214 ح 5 عن كنز الفوائد: 2/ 458 ح 23 و ص 459 ح 34.

و انظر: مناقب ابن شهر اشوب: 4/ 31 و ما بعدها.

49

و محيلة لا يسدّ بهم ثغر، و لا ينقضي بهم أمر، و أكثرهم كانوا يكاتبون معاوية من قبل أن يخرج من الشام، و علم الحسن (عليه السلام) ذلك منهم و تحقّقه، و ربّما كانوا ينصرفون إلى معاوية إذا التقى الجمعان و يقاتلونه إلّا قليلا منهم لا يقاومه الجمهور العظيم و الجمّ الغفير، فأجاب (عليه السلام) من بعد ما علم و تحقّق احتيال معاوية و اغتياله غير انّه لم يجد بدّا من إجابته.

فقال الحسين: اعيذك من هذا باللّه، فأبى.

و أنفذ إلى معاوية عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب فتوثّق منه لتأكيد الحجّة بأن يعمل في الناس بكتاب اللّه و سنّة رسوله، و الأمر من بعده شورى، و أن [يترك سبّ عليّ، و أن يؤمن شيعته و لا يتعرّض لأحد منهم و] (1) يوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه، و يوفّر عليه حقّ كلّ سنة خمسون ألف درهم، فعاهده معاوية على ذلك و حلف على الوفاء [به‏] (2)، و شهد بذلك عبد اللّه ابن الحارث و عمرو بن أبي سلمة و عبد اللّه بن عامر بن كريز و عبد الرحمن ابن أبي سمرة و غيرهم.

و روي أنّ الحسن (عليه السلام) قال في صلح معاوية: أيّها الناس، لو طلبتم ما بين جابلقا و جابرسا رجلا جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما وجدتموه غيري و غير أخي، و إنّ معاوية نازعني حقّا هولي فتركته لصلاح الامّة و حقن دمائها، و قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، و قد رأيت أن اسالمه، و أن يكون ما صنعت حجّة على من كان يتمنّى هذا الأمر، وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏ (3).

____________

1 و 2 من المناقب.

3 سورة الأنبياء: 111.

50

و في رواية: إنّما هادنت حقنا للدماء و صيانتها، و إشفاقا على نفسي و أهلي و المخلصين من أصحابي.

و روي أنّه (عليه السلام) قال: يا أهل العراق، إنّما سمحت‏ (1) بنفسي عليكم لثلاث: قتلكم أبي، و طعنكم إيّاي في فخذي، و انتهابكم متاعي. (2)

و روى الشعبي، عن سفيان بن الليل‏ (3) قال: أتيت الحسن (عليه السلام) حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره و عنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين.

فقال: و عليك السلام، يا سفيان، انزل، فنزلت فعقلت راحلتي، ثمّ أتيت فجلست إليه، فقال: كيف قلت يا سفيان؟

قلت: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين.

فقال: ما جر هذا منك إلينا.

فقلت: إي و اللّه بأبي أنت و امّي أذللت رقابنا حتى أعطيت هذا الطاغية البيعة، و سلّمت الأمر إليه، اللعين بن اللعين، بن آكلة الأكباد، و معك مائة ألف كلّهم يموتون دونك.

قال: يا سفيان، إنّا أهل بيت إذا علمنا الحقّ تمسّكنا به، و إنّي سمعت عليّا (عليه السلام) يقول: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا تذهب الليالي‏

____________

(1) في المناقب: سخي. أي جعلني سخيّا في ترككم.

(2) مناقب ابن شهرآشوب: 4/ 33- 34، عنه البحار: 44/ 56.

(3) كذا الصحيح، و في الأصل: لبيد، و في المقاتل: بن أبي ليلى.

51

و الأيّام حتى يجتمع أمر هذه الامّة على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل و لا يشبع، لا ينظر اللّه إليه، و لا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، و لا في الأرض ناصر، و إنّه لمعاوية (1)، و إنّي عرفت انّ اللّه بالغ أمره‏ (2)، ثمّ قام إلى المسجد و قال: يا سفيان، إنّي سمعت عليّا (عليه السلام) يقول: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: يرد عليّ الحوض من أهل بيتي و من أحبّني من أمّتي كهاتين- يعني السبّابتين-.

يا سفيان، إنّ الدنيا تسع البرّ و الفاجر حتى يبعث اللّه إمام الحقّ من آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله).

قال: و سار معاوية حتى نزل النخيلة و جمع الناس فخطبهم خطبة طويلة قبل أن يدخل الكوفة، من جملتها انّه قال: ما اختلفت أمّة بعد نبيّها إلّا ظهر [أهل‏] (3) باطلها على أهل حقّها، ثمّ انتبه فندم، فقال: إلّا هذه الامّة، ثمّ قال: ألا إنّ كلّ شي‏ء أعطيته الحسن تحت قدمي هذه، و كان و اللّه غدّارا لعنة اللّه عليه.

[خطبة معاوية في النخيلة قبل دخوله الكوفة]

و قيل: إنّ معاوية صلّى بالناس الجمعة بالنخيلة، ثمّ خطب و قال: إنّي و اللّه ما قاتلتكم لتصلّوا و لا لتصوموا و لا لتحجّوا و لا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، و لكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، فأعطاني اللّه ذلك و أنتم كارهون. فأيّ تهتك أعظم‏

____________

(1) كتاب الفتن لنعيم بن حمّاد: 1/ 116 ح 267، الاختصاص: 82، اختيار معرفة الرجال:

111- 112 ح 178، الملاحم و الفتن: 24 ب 14، النهاية لابن الأثير: 2/ 362، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 4/ 108، و ج 16/ 44- 45، لسان العرب: 12/ 286، البداية و النهاية: 6/ 220، كنز العمّال: 11/ 348- 349 ح 31708، البحار: 33/ 217 ضمن ح 492، و ج 44/ 23- 24 ح 7 و ص 60 ضمن ح 7.

(2) اقتباس من سورة الطلاق: 3.

(3) من المقاتل.

52

من هذا عليه لعنة اللّه و لعنة اللاعنين؟

و قيل: إنّ الحسين (عليه السلام) دخل على أخيه باكيا ثمّ خرج ضاحكا، فقال له مواليه: ما هذا؟

قال: العجب من دخولي على إمام اريد أن اعلمه فقلت: ما دعاك إلى تسليم الخلافة؟

قال: الّذي دعا أباك فيما تقدّم.

و لمّا انقضى أمر الصلح طلب معاوية البيعة من الحسين (عليه السلام).

فقال الحسن (عليه السلام): يا معاوية، لا تكرهه فإنّه لن يبايع أبدا أو يقتل، و لن يقتل حتى يقتل أهل بيته، و لن يقتل أهل بيته حتى يقتل أهل الشام. (1)

قال: فلمّا تمّ لمعاوية ما أراد و خطب و ذكر عليّا فنال منه و من الحسن و الحسين.

فقال الحسن: أيّها الذاكر عليّا، أنا الحسن و أبي علي، و أنت معاوية و أبوك صخر، و امّي فاطمة و امّك هند، و جدّي رسول اللّه و جدّك حرب، و جدّتي خديجة و جدّتك قتيلة، و لعن اللّه أخملنا ذكرا، و ألأمنا حسبا، و شرّنا قوما (2)، و أقدمنا كفرا و نفاقا.

فقال الناس: آمين، و نحن نقول أيضا: آمين.

____________

(1) قوله: «و قيل: إنّ الحسين (عليه السلام) ... أهل الشام» في مناقب ابن شهر اشوب:

4/ 34- 35.

(2) في المقاتل: قدما.

53

قال: ثمّ إنّ معاوية دخل الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة و بين يديه خالد بن عرفطة و معه رجل يقال له حبيب بن حمّار يحمل رايته، حتى دخل الكوفة و صار إلى المسجد فدخل من باب الفيل، و اجتمع الناس إليه.

[إخبار أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنّ خالد بن عرفطة لم يمت حتى يقدم الكوفة على مقدّمة معاوية]

روى عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: بينا عليّ (عليه السلام) على المنبر يخطب إذ دخل رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة.

فقال أمير المؤمنين: و اللّه ما مات، إذ دخل رجل آخر، فقال:

يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة.

فقال (صلوات اللّه عليه): و اللّه ما مات و لا يموت حتى يدخل من باب هذا المسجد- يعني باب الفيل- براية ضلالة يحملها له حبيب بن حمّار (1)، فوثب رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا حبيب بن حمّار.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّه ما أقول، فقدم خالد بن عرفطة على مقدّمة معاوية يحمل رايته حبيب بن حمّار. (2)

قيل: و لمّا تمّ الصلح بين معاوية و الحسن أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة فأبى، و كان رجلا طويلا إذا ركب الفرس المسرف‏

____________

(1) في بعض المصادر: عمّار، و في بعضها: حمّاد، و في بعضها: جمّاز.

(2) الإيضاح لابن شاذان: 330، بصائر الدرجات: 298 ح 11، الهداية الكبرى: 161، خصائص الأئمّة: 52، إرشاد المفيد: 174، الاختصاص: 280، تيسير المطالب: 37، إعلام الورى: 177، الثاقب في المناقب: 267 ح 231، الخرائج و الجرائح: 2/ 745 ح 63، مناقب ابن شهر اشوب: 2/ 270، الملاحم و الفتن: 113، كشف اليقين: 98/ 99 ح 90، نهج الحقّ و كشف الصدق: 243، إرشاد القلوب: 225، الإصابة: 1/ 410، إثبات الهداة: 2/ 439- 440 ح 118، البحار: 41/ 288 ح 12 و ص 313، و ج 42/ 161، ح 33، و ج 44/ 259 ح 11.

54

خطّت رجلاه الأرض، فلمّا أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إنّي حلفت أن لا ألقاه إلّا بيني و بينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف فوضعه بينه و بينه ليوفي في يمينه‏ (1).

و كان قد انعزل في أربعة آلاف و أبى أن يبايع، فلمّا أتمّ الأمر لمعاوية لم يجد بدّا من ذلك و أقبل على الحسن و قال: أنا في حلّ من بيعتك.

قال: نعم، فوضع يده على فخذه و لم يمدّها إلى معاوية، فجثا معاوية على سريره، و أكبّ على قيس حتى مسح على يده فما رفع إليه قيس يده.

[خطبة للحسن (عليه السلام) بأمر معاوية]

و قيل: إنّ معاوية أمر الحسن بعد الصلح أن يخطب و ظنّ أنّه سيحصر.

فقال (عليه السلام): إنّما الخليفة من سار بكتاب اللّه و سنّة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و ليس الخليفة من سار بالجور ذاك ملك ملك ملكا يتمتّع فيه قليلا، ثمّ تنقطع لذّته و تبقى تبعته، وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏ (2).

ثمّ انصرف الحسن (عليه السلام) بعد ذلك إلى المدينة، و رجع معاوية إلى الشام، و أراد البيعة لابنه يزيد، فلم يكن عليه أثقل من أمر الحسن (عليه السلام)، فجعل يحتال على قتله، و سيأتي تمام القصّة عند ذكر وفاته (صلوات اللّه عليه). (3)

قلت: و كان سيّدنا و مولانا سبط الرسول، و مهجة البتول، ثابت الجأش، حميّ الأنف، لا تأخذه في قول الحقّ لومة لائم، و لا يثني عزيمته عن الأمر بالمعروف مخافة شاغب و لا غاشم، خذلته الغدرة الفجرة، و خانته الاثمة الكفرة، و أسلموه إلى الحتف، و ساقوه إلى الموت، و أظهروا له الطاعة و دينهم‏

____________

(1) في المقاتل: ليبرّ يمينه.

(2) سورة الأنبياء: 111.

(3) مقاتل الطالبيّين: 44- 47.

55

النفاق، و بذلوا النصيحة و طبعهم الشقاق.

و كان (عليه السلام) عالما بذلك من لئيم طبعهم، متحقّقا لغدرهم و خذلهم، متيقّنا ممالاتهم عدوّه عليه، عالما بإنفاذ رسائلهم إليه، قد مال بهم الهوى، و أغواهم حبّ الدنيا، فباعوا الآخرة الباقية، بلذّتها الزائلة الفانية.

هل أغوى ابن حرب بحربه و استحثّه على طلبه إلّا حبّ زينتها، و الافتتان بزهرتها، و طلب متاعها، و التلذّذ باستماعها، و الميل مع بنيّها، إيثارا من حطامها، و يتمتّع بزائل أيّامها، و كانت جماعة أكابرهم و رؤسائهم و أعيانهم و زعمائهم في كلّ حين لهم عيون و رسل و مكاتبات إلى اللعين بن اللعين، فعليه و عليهم لعنة اللّه و لعنة اللاعنين، و إنّما سار بهم (عليه السلام) إلى خصمه مع شدّة يقينه بغدرهم، و علمه‏ (1) بقبيح نكثهم و مكرهم، قياما للحجّة عليهم، و توجيها لقطع المعذرة منهم، لئلّا يقولوا يوم القيامة: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ‏ (2) أو يقولوا: لو سرت بنا إلى عدوّك لوجدتنا لك من الناصحين، فأقام عليهم الحجّة بمسيره، و أظهر خفيّ نفاقهم بتدبيره، و كان ذلك فرض اللّه عليه، و ما فوّض من الرئاسة العامّة إليه، مع علمه بخذلهم لأبيه و غدرهم به، فأذعن للهدنة، و أطفأ بصلحه الفتنة، و درك عليهم الحجّة فباءوا بغضب من اللّه بشملهم، و خزي في الدارين ببغيهم، و سيجازى كلّ بفعله، و لا يحيق المكر السيّئ إلّا بأهله، كلّ ذلك و هو (عليه السلام) كما وصف اللّه إباءه في محكم ذكره، و نوّه فيه بمدحه و شكره، فقال سبحانه في كتابه المبين و ذكره الحكيم: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ‏

____________

(1) كذا الصحيح، و في الأصل: علمهم.

(2) سورة الأعراف: 172.

56

فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ‏ (1).

و كذلك كان (صلوات اللّه عليه) سالكا طريق شيخه و والده، بانيا في مكارم الأخلاق على قواعده، ساعيا فيما فيه الصلاح لامّة جدّه، ناصرا مظلومهم بجهده و جدّه، كالطود الشامخ على المتكبّرين، و كالماء الرائق للمؤمنين، لا يخضع إذا قلّ ناصره، و لا يضرع إذا غلب قاهره، كما قال الأوّل:

لا يخرج القرمني غير ما بيه* * * و لا ألين لمن لا يبتغي ليني‏

و كذلك كان أخوه سيّد الشهداء، و خامس أصحاب الكساء، لا يقذع صفاته، و لا يكدر صفاءه، ذا أنف حمي و طبع أبي، لمّا كان مجده أرفع من السماك الأعزل و أعلى، رأى القتل في العزّ حياة و الحياة في الذلّ قتلا، صلّى اللّه عليهما و على جدّهما و أبيهما و امّهما.

[أنّ يزيد بن معاوية رأى زوجة عبد اللّه بن عامر بن كريز فهام بها و أراد الزواج بها، غير انّها أرادت الزواج من الحسن (عليه السلام)‏]

روي أنّ يزيد بن معاوية عليه و على أبيه و على المعتقد إسلامهما و الشاكّ في كفرهما لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين رأى زوجة عبد اللّه بن عامر بن كريز، و هي أمّ خالد بنت أبي جندل بن سهيل بن عمرو، و كانت من الجمال و الحسن في الغاية القصوى، فهام بها حتى امتنع من الطعام و الشراب، و آلى أمره إلى ملازمة الفراش من شدّة السقم و الشغف بها، فعاده أبوه لعنه اللّه، فشكا ذلك إليه و أعلمه بسبب علّته، و كان الرجل منزله المدينة، فأرسل معاوية إلى عامله عليها أن أرسل إليّ بعبد اللّه بن عامر موقّرا معظّما له، قائما بجميع ما يحتاج إليه في سفره، و فيما فيه صلاح أهله.

فلمّا وصل عبد اللّه إلى معاوية أراه من التعظيم و التبجيل ما لا مزيد عليه،

____________

(1) سورة المائدة: 54.