تثبيت دلائل النبوة - ج2

- القاضي عبد الجبار المزيد...
405 /
313

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

باب من ذكر اعلام النبوة و دلائل الرسالة

و هو أنه كان (صلى اللّه عليه و سلم) يتوعد قريشا و هو بمكة بنصر اللّه له و ظهوره عليهم، فيقولون: أ يظن محمد أنه يغلبنا على مكه بأتباعه الفقراء و العبيد و نحن الأقوياء الأغنياء و الناس كلهم معنا و الرغبة عندنا لا عنده و البأس و النجدة لنا لا له، فتلا عليهم سورة القمر و ما أنزل اللّه بأمة أمة من الأمم التي يعرفونها إلى أن قال: «أ كفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر، أم يقولون نحن جميع منتصر، سيهزم الجمع و يولون الدبر» (1).

فهزمت جموعهم، و كانت العقبى له كما أخبر و فصل، و قد كان في ظاهر الرأي و الحزم و موجب التدبير أن تكون العقبى لهم لا له، و هم الغالبون لا هو، لأنهم و اليهود و النصارى و تلك القبائل يد واحدة عليه و في العداوة له، و الكثرة و الثروة و البأس و النجدة و الكراع و السلاح معهم لا معه، فلن يغلبهم إلا أن يكون من قبل اللّه و رسولا للّه كما أخبر.

____________

(1) القمر 43

314

و باب آخر [ما أشار إليه الرسول و هو في حال ضعفه من أن دينه سيغلب على الأديان كلها و يقهر الملوك جميعا.]

و هو أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال حين دعا إلى اللّه و في حال وحدته و ضعفه:

إن اللّه أرسلني و وعدني أن يظهر ديني على الأديان كلها، فيكون سلطاني أقهر من سلطان كسرى و قيصر، فأغلب الملوك، و يعلو ملكي و ملك أنصاري و أتباعي كل ملك في الأرض. ثم ما رضي بهذا القول حتى جعله كتابا يقرأ و قرآنا مخلدا يتلى، يعرفه العدو و الوليّ فقال: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ/ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً» (1) و قال أيضا:

«يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (2) فكان كما قال و كما أخبر، فلم يرض أن أظهر دينه بالحجة حتى جعل أهله العالين بالقدرة و الظاهرين بالمنعة و القاهرين الملوك و الجبابرة بالعز و الملكة. ثم ما رضي حتى أورده على وجه يغيظ و يغضب و يبعث على الممانعة و الدفع و المغالبة، و على وجه يجعل العدوّ على أهبة، بخلاف تدبير حزمة الملوك و دهاة الجبابرة. فأخبر بهذا و ديانات العرب قائمة و ملوكهم على جزيرة العرب كلها مستولية، و هي جزيرة عظيمة فيها عدة ملوك، كل واحد منهم عظيم الشأن، ثم ديانات اليهود و ملوكهم، و ديانات النصارى و الروم و ملوكهم بالشام و مصر و المغرب و الجزيرة و أرمينية، إلى غير ذلك، و ديانات الفرس و ممالكها، و هي كانت أعظم ممالك الأرض و أوسعها ملكا و أشدها بأسا، و ممالك الهند. فغلب ملوك العرب في جزيرتها، و غلب ملوك اليهود و ممالك الفرس كلها، و ممالك النصرانية و الروم، فلم يبق ملك بحيث تناله الحوافر

____________

(1) الفتح 28

(2) التوبة 32

315

و الأخفاق و الاقدام إلا أزاله عنه و أخرجه منه، و أسنده إلى عقاب يعتصم بها، و معاقل يأوى إليها، و قلاع و مطامير و خلجان و بحار يمتنعون بها. ثم ركب البحار إليهم، فأخرج الروم من الشام و مصر و أرض المغرب و لعلها مسيرة سنين، و هي اليوم في أيدي عدة ملوك، و غلب على أرمينية، و صار ملوكها يؤدون الجزية، و سار الاسلام حتى نزل على القسطنطينية و هي محصّنة/ ممنّعة بالبحار و الخلجان و الجبال و الأسوار، فمذ غزاهم خلفاؤه و أصحابه كانوا في ذلة و في شعاب و رءوس مضايق قد سخت نفوسهم عن عيون ممالكهم و استسلموا، و كانوا كأعراب يطلبون النجعة أو كلصوص يطلبون الغرّة و يطرقون النيام، أو كصعاليك ينتظرون الفتنة بين المسلمين فينتهزون الفرصة، فأما أن يكون ملك يظهر لهم و يقيم بإزائهم و يعاديهم الحرب و يناوئهم كما كان ذلك بين ملوك الفرس و الروم و ملوك الترك و الهند فلا.

فما ضربت ملوك الروم وتدا في بلادها فضلا عن بلاد المسلمين منذ غزاهم أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى سني نيف و خمسين و ثلاثمائة للهجرة في زمن الديلم، و السلطان بالشام إذ ذاك سيف الدولة على بن حمدان، و هو معروف الديانة و الطوية للاسلام و الغزاة و أهل السيرة و العنف بالرعية، و مما كان يلجئهم بالجور الى الهرب إلى الروم، و شرح ذلك يطول.

و كانت الروم تقول قد كفانا بأس المسلمين و شغلهم عنا و ألجأهم إلينا، و هو ملكنا الأكبر و دمستقنا الأعظم‏ (1).

فأما ممالك السند و الهند و أصحاب الفيلة و البأس و العز و في البر و البحر، فأخذ من ممالكهم في البر و ركب إليهم في البحر مما يطول شرحه، فحازه‏

____________

(1) الدمستق هو لفظ استعمله العرب مرادفا لكلمةgouverneur - أي حاكم- في اللغات الأجنبية.

316

و صار من بلدان الاسلام كمولتان و المنصورة و غيرها من المدن و الأمصار البحرية ما هو معروف، و شرحه يطول، و من طلبه و جده. فقد اعتبر العلماء و أهل التحصيل فما وجدوا أحدا جاء مجي‏ء نبينا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) في الوحدة و الفقر و الفاقة و منافرة/ الأمم كلها و معاداتها، حتى ما اعتصم بمخلوق و لا صوب ملكا و لا جبارا كان في زمانه كما تقدم شرح ذلك، ثم صار أمره في القهر و الغلبة ما صار أمره إليه. فإن ظاهر الأمر و موجب التدبير و العقل أن ذلك لا يتم و لا يكون، و أنه هو المغلوب المقهور المقتول إلا أن يكون من قبل اللّه الذي لا يغلبه شي‏ء. فإن أمره (صلى اللّه عليه و سلم) كان كريشة دفعت الجبال فسيرتها و طيرتها، أو كزجاجة وضعت على الجبال فطحشتها و سوتها بالأرض. فتأمل هذه الآية العظيمة، و كل آياته عظام.

و ما قلنا إنه نبىّ لأن دعوته قامت و دولته اتسعت، و لكن لما قدمنا و شرحنا من وحدته و فقره و تبرئه من الأمم و إكفارهم و إسخاطهم كما قد فسرنا غير مرة، و مجي‏ء ذلك كما قال و أخبر من أنه مع هذه الحالات سيظهره اللّه عز و جل، و قد علم ذلك من سمع أخباره و دعوته باضطرار، أنه أخبر بذلك جميعه في أول أمره قبل أن يكون شي‏ء (1) منه و أن الأمر كان كما أخبر.

و معروف من سيرته أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يعرض نفسه على القبائل و في المواسم ليتبعوه، و يشرط عليهم في دعوته عداوة الأمم كلها و محاربة الملوك، فيقال له:

إن الكسور من ملوك الفرس لا ترضى بهذا و لا تصبر عليه و لا نحن من رجال معاداتهم و معاداة غيرهم من الملوك، فيقول: أ رأيتم إن منحكم اللّه ملكهم و أفرشكم نساءه أ تطيعونه و تعبدونه؟ فيتعجبون من هذا القول، و يقول‏

____________

(1) في الاصل: شيئا

317

بعضهم لبعض: ما هذا إلا مجنون واحد وحده لا يغلب على دار بمكة و قد ناصبه قومه و هو/ يقول هذا، و يقول بعضهم ما هو إلا عاقل، فإن كان رسولا للّه كما قال فسيكون ذلك، فيقال: بمن يكون هذا، و أين خزائن الملوك و عساكرها و غضبها لملكها و أنفتها و كبرياؤها و نخوتها حتى يترك هذا يغلبها، و لهذا قال اللّه تعالى: «وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا» (1).

و لشهرة هذا القول منه قبل أن يتلو به القرآن، أنه (عليه السلام) لما توفي و ارتدت العرب، جال أهل مكة جولة، و همّوا بالردة، فاستخفى عتّاب بن أسيد عامل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على مكة (2)، فقام سهيل بن عمرو فيهم خطيبا و نهاهم عن ذلك، فقالوا: محمد قد مات و الناس قد رجعوا عن دينه، فقال لهم سهيل: إن يكن محمد قد مات فإن اللّه لم يمت. و قد علمتم أني أكثركم قتبا في برّ و جارية في بحر، فأقروا أميركم، و أنا ضامن إن لم يتم هذا الأمر أن أردّها عليكم جذعة و إن كنت أعلم أن هذا الدين سيمتد من طلوع الشمس إلى غروبها. قالوا و من أين علمت، قال: إني رأيت رجلا واحدا وحيدا لا مال له و لا عزّ، قام في ظلّ هذا البيت فقال: اني رسول اللّه، و إني سأظهر، فكنا بين ضاحك و هازل و راجم و مستجهل، فما زال أمره ينمى و يصعد حتى دنّا له طوعا و كرها، و اللّه لو كان من عند غير اللّه لكان كالكسرة في يدي أي فتى من فتيان قريش، و إن هذا، و أشار إلى أبي سفيان، ليعلم من هذا الأمر مثل ما أعلم، و لكن قد ختم على قلبه حسد بني عبد المطلب.

و سهيل بن عمرو هو أحد رجال قريش و عقلائها و خطبائها و ذو الرأي‏

____________

(1) القصص 57

(2) هو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، من أشراف العرب في صدر الإسلام، أسلم يوم فتح مكة و استعمله النبي عليها عند خروجه إلى حنين سنة 8 ه. و بقي واليا عليها إلى في خلافه عمر، توفي سنة 13 ه.

318

منها، و هو صاحب القضية يوم الحديبية، و له تلك الناظرة و المجادلة، و كان أحد أعداء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و المجردين في ذلك، و كان إذا تلا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) القرآن بمكة يقوم خطيبا و كأنّ كلامه يخرج من/ صدع صخرة، فينثال الناس عليه. و هو القائل و هو على باب عمر مع وجوه قريش و سادات العرب و قد حجبوا، فخرج آذن عمر فيقول: أين بلال؟ أين عمار؟ أين صهيب؟

فينهض هؤلاء الموالي مكرمين و يحجب أولئك، فرآهم سهيل و قد تمعّرت وجوههم‏ (1) فقال لهم: مالكم تتمعر وجوهكم، هؤلاء قوم دعوا و دعينا، فأسرعوا و أبطأنا، و لئن غبطتهم اليوم بباب عمر، لما أعدّ اللّه لهم غدا في الجنة أفضل.

و لما أبى أبو بكر الصديق قبول الصلاة و الجهاد ممن منع الزكاة. قال له أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا خليفة رسول اللّه، من نقاتل و من ندع. لا طاقة لنا بحرب العرب كلها، اقبل من هؤلاء الصلاة ودع الزكاة فلعلهم إذا رغبوا في الصلاة أن يرغبوا في الزكاة. حتى إذا فرغوا من قولهم تكلم أبو بكر فقال: الحمد للّه الذي هدى فكفى، و خلق فسوّى، و أغنى و أفنى، إن اللّه جل ثناؤه بعث محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) و الاسلام غريب شريد قد رث حبله و ولىّ أهله، و مقت اللّه أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا و لا يصرف عنهم سوءا حين غيّروا أو حرفوا، و العرب الأميّون صفر من اللّه، أضلهم دينا و أشدهم عيشا، فجمعهم اللّه بمحمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فنصرهم من أنفسهم، و وعدهم بالنصر على عدوهم. فلما توفي اللّه محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، ركب الشيطان مركبه الذي كان أنزله عنه فأخذ بحبل رقهم‏ «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ،

____________

(1) جاء في اللسان: غضب فلان فتمعر لونه و وجهه: تغير و علته صفرة.

319

أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ، وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» (1) و قد ارتدّ من حولكم و منعوا شاتهم و بعيرهم، و لم يكونوا في دينهم أزهد منهم يومهم هذا، و لم تكونوا في دينكم أرغب من يومكم هذا،/ و اللّه لا نبرح نقاتل على أمر اللّه جل و عزّ حتى ينجز اللّه لنا وعده و يفي لنا بعهده، فيقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة، و يبقى من بقي منا خليفة ربّه في أهله، مطيعين متوكلين، قضاء لا خلف له‏ «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً، يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً، وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ (2)» و قال اللّه: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» (3). و اللّه لينجزنّ اللّه لنا ما وعدنا في كتابه، و ليظهرنّ ديننا على جميع الأديان، و ليمكننّ لنا في الأرض كما وعدنا في كتابه، و هو اليقين الذي لا خلف له.

و قد كانت ردة العرب بعد وفاته (عليه السلام) بألوان الردة: منهم من ادّعى النبوة، و منهم من كانت ردته بتعطيل الشريعة كلها، و منهم من كانت ردته بمنع الزكاة على أن يقيم الصلاة و يجاهد مع المسلمين، فإن لم يقبل منهم ذلك صاروا مع العدو على المسلمين، و أغاروا على المدينة، و زحفوا حتى شارفوا المدينة، و خافهم المسلمون، فسألوا أبا بكر أن يقبل ذلك منهم مدة إلى أن ينكشف ما بالمسلمين، فأبى، فقيل له ما نراك تنحاش لما قد بلغ‏

____________

(1) آل عمران 144

(2) النور 55

(3) الفتح 28

320

من الناس و لما يتوقع من إغارة العدو. فقال أبو بكر ما دخلني إشفاق من شرّ و لا دخلني في الدين وحشة إلى أحد منذ ليلة الغار، فإن رسول اللّه حين رأى إشفاقي عليه و على الدين قال: هون عليك أبا بكر، (1) فإن اللّه قد قضى لهذا الأمر بالنصر و التمام. فقبلوا منه و رجعوا الى قوله، و قاتلوا العرب كلها فغلبوهم/ و قهروهم مع قلة المسلمين و كثرتهم، لتعلم معرفتهم بما أخبرهم به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الظهور و ثقتهم بذلك.

فلما فرغ أبو بكر من العرب أرسل إلى أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على فارس و الروم أن اللّه قد وعدكم الفتح، و أن يظهر دينه على كل دين، و أن يستخلفكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم، و اللّه متم أمره، و مصدق رسوله، و لكن أخوف ما أخاف علينا أن يصرف اللّه ذلك إلى غيرنا لتقصير يكون منّا، فجدّوا و بادروا لتحوزوا ثوابها. ثم قال لهم: إن بلادهم خرسة يعني خراسان، فقد سمعنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يذكرها و يخبر أنكم ستفتحونها.

فذكرها و هي أقصى ممالك فارس و أوسعها بلادا و أكثرها رجالا و أشدها بأسا. و لما صار النعمان بن مقرن مع النفر الذين معه من المسلمين إلى يزدجرد ابن شهريار ملك فارس برسالة عمر بن الخطاب يدعونه الى الاسلام و أداء الجزية أو القتال، فقال لهم يزدجرد: لا أعرف أمة أقلّ و لا أشقى منكم.

ثم ذكر من ذلّة العرب و سوء حالها ما يطول، ثم قال: تقولون لفارس، و ملكها أعزّ ملوك الأرض، و ملوك الأرض كلها تخضع لها: تعطوننا الجزية، يا كلاب، لو لا أنكم رسل لقتلتكم، سأتقدم إلى رستم، يعني صاحب‏

____________

(1) في الأصل: أهون عليك‏

321

جيشه، بأن يدفنكم و أميركم، يعني سعد بن أبي وقاص، و كان نازلا بالعذيب يريد ملك فارس، بأن يدفنكم في خندق القادسية، ثم أرسل إلى بلادكم فاستأصلكم و أصنع بكم أشد مما صنعه سابور بكم. و أخذ يتعجب من ضعف أجسامهم و رثاثة سلاحهم و كسوتهم.

فقالوا له: إنا قد فهمنا ما ذكرت أيها الملك من القلة و استطالة الملوك علينا/ و لكن اللّه بعث فينا رجلا منا يدعونا إلى اللّه، و وصفوا له الاسلام و حال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و وحدته و فقره، و أنه وعد أن يغلبنا و يغلب الأمم، فعجبنا من قوله، و تلقيناه بالجهل و الرد و التكذيب، فلم تزل مواعيده تصدق، فما أخلف في شي‏ء قاله. و قد وعدنا ممالككم و أرضكم و دياركم، و لن يخلف قوله. فأجيبوا إلى دينه فإنه دين يحسن فيه الحسن و يقبح فيه القبيح، نخلف فيكم كتاب اللّه فتجاهدون من يليكم فتفوزون، و إلا فالجزية نقبلها منكم عن يد و أنتم صاغرون، فإنكم إن تقاتلوا ينصرنا اللّه عليكم. فقال: ما تريدون بقولكم عن يد؟ قالوا عن يد منّا عليك في قبولها منك، فازداد غيظه و قال: قوموا يا كلاب عني، و جرى لهم معه ما يطول، و إنما أردنا ذكر ثقتهم بهذا الوعد.

و لما سار رستم بجيوشه إلى سعد بن أبي وقاص و هو في المسلمين، أرسل رستم طلائعه و قال لهم: بادروا، و من وقع بأيديكم من العرب فأسرعوا به إليّ. فجاءوا برجل من المسلمين، فقال رستم للترجمان: قل له ما جاء بكم إلى بلادنا؟ فقال المسلم: لنأخذ موعود اللّه، فقال رستم: و ما هو؟ قال المسلم: أنفسكم و أموالكم و دياركم، فقال رستم الملك له: يا كلاب، كأنا قد وضعنا في أيديكم، فقال له العربي: أعمالكم وضعتكم في أيدينا، انك لست تحاول البشر و إنما نحاول القدر، فقال له رستم: أما أنت فتقتل‏

322

الساعة، فقال له المسلم: أنا أقتل فأصير إلى الجنة، و من بقي من المسلمين يظهر عليكم.

و لما نزل الملك رستم القادسية، أرسل إلى سعد أن أرسل إليّ من يبلغني عنك و يبلغك عني، فأرسل إليه رجلا واحدا، فجلس له على سريره، و أحدق به جنوده و هو في عشرين و مائة ألف/ في خيول و فيلة و شدة و بأس. فقال رستم للمسلم: قل لي ما جئتم تطلبون- و ظن رستم أن المسلمين سيرهبون لما يرون من جنوده- فقال له المسلم: إنك لا تسمع مني أو تنزل إليّ أو أصعد إليك، فهاله ذلك منه و هو رجل واحد، فلما صار معه وصف له الإسلام و رغبه فيه، فقال له رستم: مثلكم معشر العرب مع فارس مثل رجل كان له كرم فدخلته الثعالب فتغافل عنها فطمعت فيه، فسدّ عليها المثاغب ثم قتلها عن آخرها، (1) و كذا يكون أمركم معنا، و ذكر من كان يولونه على العرب و غلبتهم لهم، ثم قال: هاتوا يا أشقياء جمالكم هذه نوقرها لكم تمرا و برّا و نكسوكم فإنكم عراة و ترجعون، فهو خير لكم، فإنه لا طاقة لكم بالملوك، و خاصة ملك فارس. فقال له المسلم مثل قول أصحابه من حال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و كيف كان ابتداؤها و ما وعد به، فانصرف.

ثم عاود رستم سعدا فيمن يرسله إليه، فأرسل إليه رجلا واحدا، و كان رث الهيئة و اللبسة و السلاح، فسأله رستم عما جئتم له، فوصف له مثل ما وصف أصحابه، و قال مثل ما قالوا، فسأله رستم عن الاسلام، فوصف أصوله و حدوده- و الترجمان يترجم عنه- فأقبل رستم على من حوله من الملوك و القواد و الوزراء و الأساورة، فقال: أ لا ترون إلى حسن ما يصف من هذا الدين، و إلى هؤلاء كيف لا يختلف قولهم مع كثرتهم، فقالوا له: نعيذك باللّه‏

____________

(1) الثغب هو الأخدود تحتفره المسائل من عل، فإذا انحطت حفرت أمثال القبور و الدبار.

323

أيها الملك أن تستحسن دين هؤلاء، أ ما ترى عريهم و وسخهم و رثاثة سلاحهم و لباسهم، فقال لهم رستم: أنتم قوم عنيتم بالملابس و الماكل و المشارب و عنوا بالأحساب، انظروا إلى عقولهم و بصائرهم و صبرهم. و جرى له معهم أكثر مما جرى لهم مع الملك الكبير يزدجرد مما يطول/ شرحه.

و هم يذكرون هذا الوعد مع كثرتهم، و لا يختلف قولهم، و كانت الملوك تمتحنهم بمثل هذا لينظروا هل يختلف قولهم، و هل هناك زلة أو هفوة لصاحبهم فتظهر من بعضهم على طول المدة، أو تميل بهم الرغبة إلى عاجل الدنيا مع تعجل السلامة، و هل يهولهم ما يرون من العتاد و العدة و ما يسمعونه من التهديد بالقتل، فما وجدوا عندهم شيئا من ذلك، و كانت قرة أعينهم بما آتاهم اللّه من البصيرة في دينهم، كما قد قال سليمان (عليه السلام): «فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ» (1).

و لقد كتب أمير المؤمنين عمر إلى سعد: سرت في العرب و نزلت على الفرس، ما تنتظر؟ ناجز القوم. فكتب إليه سعد يذكر له عدد فارس و بأسها و شدتها و عتادها و عدتها، و ضعف من معه و قلتهم و رثاثة سلاحهم، فكتب إليه عمر: بهذا وعدنا، قال اللّه: «سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ» (2) فاشكر اللّه يا سعد أن سمعته بأذنك، و رأيته بعينك، و باشرته بيدك.

و كم كان للمسلمين مثل ذلك مع ملوك الروم بحمص و دمشق و أنطاكية و مصر و غيرها، و ما كانت الرسل تقوله لهم عند المجادلة أن نبينا قد وعدنا بظهور دينه على الأديان، و أنه قد أخبرنا و أنذرنا و بشرنا بأمور كثيرة فما

____________

(1) النمل 36

(2) الفتح 16

324

أخلفنا في شي‏ء قط، و ما جرى لهم معهم يطول شرحه، و هو مذكور في مواضعه، و إنما ذكرنا هذا القول لأن من قطعته هذه الآيات فتحيّر فلم يجد متعلقا فأخذ يقول فيها عند صحتها: هذه المواعيد لم تكن في أول الأمر، و إنما يقال هذا فيمن أخلف مواعيده و ظهر كذبه في شي‏ء بعد شي‏ء، فأما من مكث ثلاثين سنة يخبر بما في هذا القرآن، ثم ينحو مثله من الأخبار، فلم يخلف في شي‏ء منه، كيف يقال/ فيه‏ (1) مثل هذا، و لو كان قد قال هذا القول قبل موته بساعة لما خرج من أن يكون آية و دلالة على نبوته و أنه شي‏ء قد انتقضت العادة به، فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) ما خلف بيوت الأموال و لا مروج الكراع و لا خزائن السلاح، بل مات فقيرا، و مرض و عنده سبعة دنانير، فقال: ما كان يقول محمد لربه لو لقيه و هذه عنده، فقسمها و تصدق بها.

و قد حمى نفسه و نساءه و أهله و ولده عن الدنيا كما هو معروف، و ما خلف في أصحابه و عليهم إلا البصائر فقط، و قد ارتدت العرب بعده إلا و مسجدين: مكة و المدينة، فنهض أصحابه بالأمر و ليس معهم إلا التقوى و البصائر، و إنما يقول مثل هذا من لا يعرف الفرس و الروم و قديمها و شدة بأسها و حزمها و ضبطها و يسرها و كثرة جنودها و تقادم الملك فيها و ضنّها بملكها. و حال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و سيرته و ما خلفه، و كيف كانت حال العرب في المهانة الضعف و القلة عند ملوك الفرس و الروم و الهند و غيرهم، و شرح ذلك يطول.

فما غلبت العرب إلا بالتقوى و لا عزت إلا بالاسلام. و لقد كانت الفرس تنفذ إلى جزيرة العرب فيما يكرهونه بالرجل الواحد و بالنفر اليسير. و كذا الروم فينفذ أمرهم، و لهذا مزق كسرى أبرويز كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و وجّه باثنين في إشخاصه إليه. فأما عند الحرب فما كانوا ينفذون إلى الجمع الكبير من العرب إلا بالنفر اليسير، و لقد عجبت العجم و العرب من انكسار السريّة

____________

(1) في الأصل: في‏

325

الذين أنفذهم كسرى بسبب النعمان بن المنذر يوم ذي قار، حتى قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) «هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، و بي نصروا».

ثم عاد الأمر الى خلاف ذلك، فكان النفر من أصحاب/ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يلقون الجمع الكثير فينصرون عليهم، حتى كان الرجل وحده يسير إلى بلد من بلدانهم فيأخذه مع رثاثة سلاحهم و قلة عتادهم و عدتهم، و لقد قال أبو أمامة الباهلي صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في زمن بني أمية و قد رأى لهم رايات و تهويلات:

ما تصنعون بهذا ثكلتكم أمهاتكم؟ و اللّه لقد أخذ هذا الملك الذي في أيديكم رجال ما كان لسيوفهم قباع، و اللّه ما كانت مجانّهم إلا برادع جمالهم.

و كان عمر أمير المؤمنين كثيرا [ما] (1) يقوم في الصحابة خطيبا، فيذكر لهم ما كانت فيه العرب من القلة و الذلة و الفقر و الشقاء و شدة العيش و استطالة الأمم عليها، ثم إلى أي شي‏ء آل أمرها إليه برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و يقول: إنما أقول هذا لكم لأني سمعت اللّه يقول لموسى: «وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ» (2)، و يأمرهم بلزوم طاعة اللّه، فبها غلبوا الأمم و قهروا الملوك، حتى صار ملكهم أعز من كل ملك في الأرض، و دينهم أظهر الأديان و أهيبها و أجلها، و أنهم ما لزموا ذلك لا يزالون ظاهرين قاهرين.

و كانت ملوك الفرس و الروم تعجب من انهزام عساكرها الخشنة المعدة القوية الشديدة من بين أيدي المسلمين، مع قلتهم و ضعفهم و قلة آلتهم و سلاحهم، حتى لقد قال رستم الملك لما عبر العتيق لحرب سعد بالقادسية:

أين عسكر هؤلاء الكلاب، فقيل له: أشخص بصرك إلى هذه الجهة تره، فقال لما أشخص بصره: قال: أرى سوادا فأين هو من السواد، فقيل له:

هو السواد، فعجب و قال: و هذا هو كله، قالوا: نعم، قال: و قد بذلنا

____________

(1) زيادة مني اقتضاها سياق الكلام‏

(2) ابراهيم 5

326

لهم الصلح فما أجابوا و هذا قدر عسكرهم، لا تقتلوهم و ادفنوا هؤلاء الكلاب أحياء، استقلالا لهم. فلما قامت الحرب/ نزعوا برادع جمالهم يستخفون بها، و قدموا ابن أمّ مكتوم و هو أعمى و معه رايتهم، فصاروا عنده كالضحكة، و الطمع فيهم أشد، و احتقاره لهم أكثر. فلما رأى صبرهم تحير، حتى قال لجواسيسه: يا ويلكم، أيّ ناس هؤلاء، أ ما يملّون ما هم فيه، أ ما يطلبون الراحة، أ ما يشغلهم أكل. قيل: إنهم إذا قاموا من منامهم ابتدءوا بأكلهم، قال:

و ما يأكلون، قيل له: مع كل واحد منهم خشبة يأكلها، يعني بذلك السّواك، لأن الجاسوس كان يراهم يستاكون عند القيام من النوم فظن أن ذلك طعامهم، لأن الفرس و الروم لا تعرف السّواك.

و لما قدمت منهزمة الروم على هرقل و هو بأنطاكية استعظم انهزامهم، و كان عنده أن المسلمين هم الذين ينهزمون، و أنه يصير إلى المدنية فيستأصلهم، فقال لهم: أخبروني ويلكم عن هؤلاء القوم الذين تقاتلونهم، أ ليسوا بشرا مثلكم، قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم، قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن، قال: فما لكم تنهزمون كلما لقيتموهم، فقال شيخ منهم: من أجل انهم يقومون بالليل و يصومون بالنهار، و يوفون بالعهد، و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، و يتناصفون، و من أجل أنّا نزني، و نركب الحرام، و ننقض العهد، و نغضب و نظلم، و نأمر بما يسخط اللّه، و ننهي عما يرضي اللّه، و نفسد في الأرض. قال: أنت صدقتني.

و كانت نصارى العرب بين تغلب و تنوخ و بلخ و غسان و غيرها من القبائل تعين الروم و الفرس على المسلمين، و كانوا ينغمسون في المسلمين لأنهم عرب فيظنهم المسلمون منهم، فيرجعون بأخبارهم إلى الروم، فيحدثونهم عن عسكرهم، و عن أمرائهم و رؤسائهم، كشرحبيل بن حسنة، و معاذ بن‏

327

جبل، و خالد بن الوليد/ و أبي عبيدة بن الجراح و هو أمير الأمراء، (1) و أنهم لا يبينون من جندهم بشي‏ء، و أن كل واحد منهم هو الذي يقوم على فرسه و يخدم أهل عسكره، و أن الذين في عسكرهم من بني هاشم و هم أهل بيت نبيّهم و رهط أبي بكر و ولد عمر في العسكر كضعفاء الناس، لا يبينون من غيرهم بشي‏ء. و أن من سرق قطعوه، و من قتل قتلوه، و من افترى جلدوه، و من كذب أسقطوه و أبعدوه و إن كان ابن نبيّهم أو ابن أميرهم.

و أنهم في الحدود و الحقوق سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى في دينهم. و أنهم رهبان بالليل و فرسان بالنهار. و يحدثونهم بحب النصارى لهم، و تشبثهم بهم، و أنهم أحب إليهم من ملوك النصرانية، و أن أهل حمص بكوا لرحيل أبي عبيدة بن الجراح عندهم لما تكاثرت عليه ملوك الروم، فقيل لأهل حمص:

تبكون على هؤلاء و هم اعداؤكم في الدين، و الذين يجيئونكم ملوككم و أهل دينكم، فيقولون: هؤلاء أهل الأمانة و الوفاء و قول الحق و العمل به، و قد أمناهم:- فهل سمعتم بمن يأمنه عدوه- دماؤنا محقونة، و أموالنا موفورة، و سبلنا آمنة، و أعراضنا مصونة، و أهل ديننا يفتضّون أبكارنا، و يشربون خمورنا، و يأكلون و دوابهم أقواتنا و علف مواشينا، و يسخروننا لمعونتهم.

فكان سرورهم بملك المسلمين لهم عظيما، و هكذا كانت رجال الفرس.

فإن عمر حين ملكهم أقرّهم على أديانهم و أموالهم، و أخذ الجزية منهم، و فرض على أرضهم القفيز و الدرهم‏ (2)، و صدقهم في ادّعائهم، و استعمل عليهم و في أرضهم و خراجهم حذيفة بن اليمان، و سلمان الفارس، و عمار

____________

(1) ورد التعريف بهؤلاء الاعلام فيما سبق من الكتاب‏

(2) أنواع من المكاييل‏

328

بن ياسر، و عثمان بن حنيف‏ (1)، و أمثالهم، و وصاهم بهم، و حرص الفرس به أن يستعملهم عليهم و ضمنوا التوفير، و قالوا نحن أعلم بهم، فلم يفعل، فسقط/ عن الفرس رسوم ملوكهم عليهم من حق النوروز و المهرجان و الكسور و الأجور و حق الخزن و غير ذلك، فأيسروا و سمنوا و صاروا كشحم الكلى، فأحبّوا الاسلام و المسلمين فما رأوا سوءا، إلى أن كتب زاذان فرّوخ- رجل منهم- للحجاج فسار بهم سيرة ملوكهم فقالوا: ما زلنا مع المسلمين بخير حتى دخل بيننا و بينهم رجل منا، فكنا كما يقال: إن فأسا طرح بين شجر فقال بعضهم لبعض: ما لهذه بيننا؟ فقالت شجرة منهن: ما علينا منها بأس ما لم يدخل فيها شي‏ء منّا.

و كانت ملوك الفرس و الروم يعجبون من سلطان المسلمين و أنه يقوم بدرّة و مرقعة و يغلب الجبابرة و أهل الملك القديم، و أصحاب التدبير و السياسة و الترتيب، و أصحاب الكنوز، و أتاهم عن عمر أن كنوزهم تحمل الية فيقسمها و لا يخزنها. و أن قائلا قال له: يا أمير المؤمنين لو ادّخرت من هذا

____________

(1) حذيفة بن اليمان هو حذيفة بن حسل بن جابر العبسي، أبو عبد اللّه، و اليمان لقب حسل: صحابي من الولاة الشجعان الفاتحين، كان صاحب سر الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) في المنافقين، توفي سنة 36 ه.

الأعلام 2: 180

سلمان الفارسي: من كبار الصحابة، كان صاحب رأي و علم بالشرائع، و هو الذي دل المسلمين على حفر الخندق في غزوة الاحزاب، توفي سنة 37 ه الاعلام 3: 169

عمار بن ياسر الكناني: صحابي من السابقين الى الاسلام و الجهر به، شهد بدرا و أحد و الخندق و بيعة الرضوان، و تولى الكوفة أيام عمر، توفي سنة 37 ه. الاعلام 5: 191

عثمان بن حنيف الانصاري، صحابي، ولي أكثر من ولاية، توفي بعد سنة 41 ه.

الاعلام 4: 365

329

المال ذخرا ليكون إن كان، فقال له: كلمة ألقاها الشيطان على لسانك، أما إنها لن تضرني و لكنها فتنة لمن بعدي، يدّخر لكون إن كان تقوى اللّه و طاعته و طاعة رسوله، و قسم المال و لم يقبل منه. و كان يأخذ عماله بإنصاف الناس و رعايتهم و خدمتهم و أن يعودوا العبيد و الضعفاء إلى غير ذلك مما يطول.

و لما انكشف ملوك الروم من الشام و مصر، و احتجزوا من المسلمين بالمضايق و الدروب، أخذوا في مداراته و مراسلاته، و طمعوا في كفه و استعطافه بالرفق، فكانت رسلهم ترد المدينة مع نفر من المسلمين في ثغورهم، فلا يرون له قصرا و لا منزلا يتميز به من سائر الناس، بل يرون منازلهم كقامة رجل من جريد النخل، و ربما لم يجدوه في بيته و لا في مسجده، فيسأل المسلمون الذين معهم: أين/ أمير المؤمنين؟ فيقولون: هاهنا كان آنفا و ما ندري أين مضى، فيمشون مع رسل الروم يطلبونه في المدينة فيجدونه وحده في طرف من الأطراف مشغولا بشأن المسلمين، فيقول الروم للمسلمين: هذا الذي أخرج الروم و الفرس من ممالكها، لا قصر له و يمشي وحده حافيا، أ ما يخاف هؤلاء الملوك؟ فيقول المسلمون لهم: هو أعز على المسلمين من ذلك، فيرجعون إلى ملوكهم بخبره، فيسألون بينهم و في حكمائهم، هل رأوا و بلغهم أن سلطانا بهذه‏ (1) العزة و الغلبة قام بدرّة و مرقّعة، فيقولون: لا، ما سمعنا و لا ظننّا و لو لا أنا رأينا ما صدقنا.

و قد كان يزدجرد بن شهريار ملك فارس قال لرستم صاحب جيشه و قد سأله رستم عن النعمان بن مقرن و الذين كانوا معه و كيف رآهم، فقال له يزدجرد: ما ظننت أن في العرب أمثالهم، ما تقصر عقولهم عن عقول فارس، وجدتهم على بصيرة و يقين من أمرهم، و لقد وعدوا أمرا لا ينتهون عنه أو

____________

(1) في الأصل: بهذا

330

يبلغوه أو يهلكوا. و لما ظفر سعد برستم، و هزم جيوش الفرس، صار إلى المدائن، و هرب يزدجرد إلى نهاوند، كان يجاري خواصه، و يكثر تعجبهم من ضعف العرب و غلبهم الجبابرة الأقوياء أهل الملك القديم و التدبير السديد من الروم و الفرس، و شدة جرأتهم عليهم و إقدامهم عليهم في وقت واحد، لا يكون لهم عندهم من الهيبة ما يصمدون لملك ملك حتى إذا افرغوا منه تفرغوا لغيرة، بل تفوقوا عليهم كأنهم ملك واحد أو سلطان واحد فأصابوهم، مع سوء التدبير و اطراح الحزم خلافا لما يفعله حزمة الملوك، فيقول يزدجرد: ما أظن صاحبهم إلا رسولا للّه كما ادعى، فلو لم يكن من/ آياته إلا طاعة العرب له و قد كانوا منتشرين يأكل بعضهم بعضا.

و انما رماهم يزدجرد بن شهريار بسوء التدبير و سوء الاختيار، أنهم قصدوا الملوك كلهم، و أثاروا أهل الأرض كلهم على أنفسهم ضربة واحدة، و ما هكذا كانت تسير الملوك، بل كانوا يقصدون لبعض الوجوه و يدارون غيرها، و يتقون كل جنبة جنبة منه، هذا قول يزدجرد بن شهريار.

و سار يزدجرد بن شهريار من نهاوند إلى فارس، و رتب عماله و أصحابه في الممالك كلها، و أنه يستثير بالفرس كلها بخراسان و يستنصر بالترك و يرجع، فيخرج العرب من ممالكه، و يصير الى بلادهم فيقتل عمر ملكهم و يستأصلهم. و خرج من فارس إلى سجستان، و منها الى مرو، و منها الى خاقان ملك الترك، و استنصره و صاهره، و عيونه و جواسيسه تختلف الى العرب، و رسله إلى الملوك في ممالكه، يشدّ منهم و يأمرهم بجهاد العرب، و يعدهم بنصرهم و الرجوع إليهم، و هم يعذلون الفرس و المجوس الذين ادّوا الجزية و صبروا على العرب، و كانت العرب و ملك المسلمين احب إليهم من ملوك الفرس لما قدمنا، و لأن ملوك الفرس كانوا يسمون أنفسهم الأرباب و غيرهم‏

331

العبيد، و كذا كانت كتبهم من الأرباب إلى العبيد.

ثم كانت أصول دياناتهم‏ (1) على ما ألقاه زرادشت إلى الملك بستاسف بن لهوا سف أن اللّه خلق الدنيا، فلما خلقها استحسنها، ثم فكر هل هاهنا ضد يدخل عليه، قال: و الفكر ردي‏ء، فتألف من فكره إبليس، فمثل بين يديه، و ما زال يخلق الظلام و الأجسام الشريرة كالحيات و العقارب و الأمراض و الأسقام/ فيقيم بإزاء كل خلق للّه خلقا لنفسه، فلما خلق اللّه الفار خلق إبليس بإزائه السنور، إلى غير ذلك من الخرافات السخيفات مما هو مذكور عندهم، و قد ذكره للناس عنهم و أخذوه منهم إلى قولهم: و أن اللّه نزل من السماء إلى الأرض لمحاربة إبليس بملائكته، و أن إبليس لقيه بشياطينه فحاربه أكثر من ألف سنة، و أن إبليس هزمه و حاصره في بعض البساتين، و أن الملائكة سعت بينهم في الصلح فتهادنا سبعة آلاف سنة على أن يرجع إلى مستقر ملكه في سمائه و يترك إبليس في الأرض يصنع ما يشاء إلى انقضاء مدة الهدنة، و أن الملائكة أخذت سيف كل واحد منهما فعدّلوهما. فهذا هو أصل دينهم، و فيه من السخف و الجهل و الحمق ما هو أكثر من هذا مما (2) هو مذكور في أماكنه.

و أما الفروع‏ (3)، فتجنب الماء، و التطهير بالأبوال، و تعظيم الماء و النار و الأرض، و تطهير الحائض و النفساء ببول البقر، يتولى ذلك منهم الهربذ، يجردها و يباركها و يباشر غسل فرجها بيده، و يرى بعينيه، و يأخذ منها من الأجر ما هو معروف مذكور، و في يده ريشة من ريش النسر يدخلها في فرجها ثم يخرجها لينظر زعم نقيت أم لا، و شرع لهم وطء المغنيات، و فرض‏

____________

(1) كتب في هامش الصفحة: أصول ديانات المجوس‏

(2) في الأصل: ما

(3) كتب في الهامش: فروع المجوس‏

332

على زوج المرأة إذا أراد السفر أن يوكل من يرضى، و شرع لهم نكاح الأمهات و البنات، و أوجب عليهم طاعة الملوك و الانقياد لهم في كل ما يأمرونهم، و أمرهم بإقامة النوروز و أنه أعظم الأعياد، و زعم لهم أن الشياطين كانوا ظاهرين مختلطين بالناس يؤذونهم كل الأذى، و أن إبليس أخذ المقادير و النهايات و هو الذي تسميه الفرس قيما، و زعم أن إبليس أخذ المقادير و النهايات/ من الناس فصاروا (1) يأكلون فلا يشبعون، و يشربون فلا يروون، و يذهبون لحوائجهم فلا يهتدون، و أنه أخذ الأنوار فأظلمت الدنيا عليهم، إلى أمور كثيرة يزعم أن إبليس بلغها منهم يطول شرحها. و أن جمشاذ الفارس استأمن إلى إبليس و صار في عسكره، و تنصح له، و خدمه و قرب منه، و تقرب إليه بكل شي‏ء لتخليص الناس من شره، و أنه لما اختص به طلب المقادير و النهايات التي أخذها إبليس فلم يجدها في خزائنه، و إذا ابليس لشدة كيده قد ابتلعها لئلا تصل يد أحد إليها. ففطن لذلك جمشاذ الفارسي، فرأى إبليس و هو معه في أرض الهند نائما وحده منفردا من عسكره، فأعدّ خيولا، و أدخل يده في دبره و أخذ المقادير و النهايات و استوى على الخيول، فلما صار بأرض فارس أضاءت الدنيا و تندّت الأرض بعد اليبس و رجع إلى الناس المقادير و النهايات، فلهذا صاروا يوقدون النيران و يصبون المياه و يظهرون السرور و يتوفرون على اللذات في النواريز. و أن يد جمشاذ هذا الفارسيّ اسودّت اسودادا قبيحا فاحشا لإدخاله إياها في دبر إبليس، فغسلها بكل شي‏ء فما نقيت، فشكا الى اللّه ذلك، فأوحى إليه غسلها ببول البقر فنقيت، قالوا: لهذا شرع زردشت غسل الحائض و النفساء ببول البقر. و زعموا أن جمشاذ هذا كان قبل زردشت، و حرّم عليهم افتضاض الأبكار لأجل الطعن في الدّم‏

____________

(1) في الاصل: صاروا

333

و هو الذي يسمونه سولاسم، فمن يمسك بدينه منهم يتوقى ذلك و يحتال لافتضاضها، إما أن تتولى هي ذلك‏ (1)/ لنفسها بإصبعها أو بغيره إلى أن ينقضي الدم. و لهم في فروعهم فواحش آخر، مثل: أكل الميتة، و هو ما يشدونه من البقر الشد الوثيق و يأمرونها بصعود الجبل و يقولون لها: قد أمرناك و أعذرنا إليك فلم تفعلي، فيضربونها إلى أن تموت، ثم يأكلونها، و هذا الذي يسمونه يزدان كشت، تفسيره، قتيل اللّه، إلى غير ذلك من حمقهم. فلما جاءهم الاسلام، كان حذيفة و سلمان و غيرهما من الأفراد لا شغل لهم الا قراءة القرآن و درسه و تعليمه، و الظهور للناس، و المشي في الأسواق، و الجلوس في الطرقات.

فكانوا يسألونهم عما يقرءون و عما في كتابهم فيفسرونه للتراجمة و لمن يفهم، فيذكرونه لهم، و يرجعون الى عقولهم فيما يسمعون من جلال اللّه عز و جل و عظمته و آياته في كل شي‏ء في مثل قوله: «وَ فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ» (2)، و ما في قوله في سورة الروم: و من آياته، و من آياته، و من آياته، غير مرة، إلى غير ذلك.

و علم الصحابة به أعظم من علم من بعدهم، فنظر القوم إلى أصول صحيحة يشهد العقل بها، و فروع زكية تدعو الى التمسك بأصولها، و وجدوا الصحابة يعلمون بما يقولون، فأسلموا، و تبادروا إلى الإسلام طوعا من تلقاء أنفسهم، و جاهدوا في سبيل اللّه كما قد عرف الناس، و بقايا ذلك اليوم بخراسان خاصة.

و هذه كانت سبيل النصارى بمصر و الشام و أرمينية، فديانات النصرانية في الأصول على تلك الجهالات و الكذب كما قد تقدم لك ذكره،/ و فروعهم في‏

____________

(1) مكررة في الأصل‏

(2) الذاريات 21

334

النجاسة و القذارة كما قد عرفت، و رأوا من الصحابة في المذاكرة بالقرآن و المواظبة على درسه، فأسلموا اختيارا و طوعا من تلقاء أنفسهم، و جاهدوا في سبيل اللّه عز و جل.

و أما خاص المجوس بجور و إصطخر (1)، فعندهم أن اللّه مات جل اللّه عن قولهم‏ (2) و أنه خلف ابنين، أحدهما غلب على السماء و هو الخير، و أن الآخر غلب على الأرض و هو الشرير. و قد كان عامل لعمر رضي اللّه عنه كتب إليه يعتذر من قلة المال و يقول: أسلم الناس و قلت الجزية، فأنكر عليه عمر هذا الاعتذار و كتب إليه: إن اللّه بعث محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) هاديا و لم يبعثه جابيا، و صرفه و لم يستعمله لحزنه على قلة المال و حرصه على الجباية (3).

و كان خلفاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقولون لعمالهم: ارعوا الناس و لا تجبوهم، فإن اللّه بعثنا رعاة و لم يبعثنا جباة، و إن من بعدنا من الأمراء سيصيرون جباة لا رعاة، فإذا فعلوا ذلك ذهب الحياء و الوفاء و قلت البركات، فالزموا الاسلام.

و لما دخل عمر الشام تسامع به النصارى و من بها من ملوك الروم ممن أقام على الذمة، فأحبوا أن يروه، فخرجوا على براذينهم و خيولهم في زيهم و مراكبهم و ملابسهم، فرأوا المسلمين يدخلون أولا، أولا، فيقولون لهم: أين الملك؟ فيقولون لهم: هو في الساقة. و تلقاه أبو عبيدة و الأمراء، فجاء على‏

____________

(1) جور: مدينة بفارس بينها و بين شيراز عشرون فرسخا. معجم البلدان 2: 181 و اصطخر: بلدة بفارس كانت من أعيان مدتها. معجم البلدان 1: 211

(2) كتب في الهامش: اعتقاد مجوس جور و اصطخر

(3) كتب في الهامش: كتب عمر رضي اللّه عنه الى عامل جورحين اعتذر إليه أن الناس سلموا و قلت الجزية.

335

جمله و معه مولى على جمل آخر، فانتهى إلى ماء فنزل و نزع جرموقيه‏ (1) و أخذ برأس بعيره و خاض الماء، فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت صنيعا عند أهل هذه الأرض، كأنّ أبا عبيدة كره له كل هذا التواضع و التبذل و هو سلطان المسلمين، و عدوّه/ كثير، و هم يرونه، و قد سلبهم ملكهم و عزهم، و عيونهم و جواسيسهم معه يرون ذلك و يبلغونه ملك الروم، و للروم عناية شديدة بمعرفة حال عدوهم، و ظنونهم سيئة، و تيقظهم دائم، حتى أن لهم إلى هذه الغاية مع ضعف الاسلام و ذهاب أهله جواسيس و عيونا متوالية إلى أقاصي خراسان، و في كل الاسلام، و من يصير لهم في مكة في كل سنة فيشهد الموسم و يرجع إليهم بالخبر.

فقال عمر لأبي عبيدة: هاه، رافعا بها صوته، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، كنتم أذل الأمم، فأعزكم اللّه بالاسلام، و مهما تطلبوا العز بغيره يذللكم اللّه.

و لما ورد الشام و قدم الجابية و هو على جمل أورق، تلوح صلعته من الشمس، ليس عليه عمامة و لا قلنسوة، بين عمودين، و وطؤه فرو كبش نجديّ، و هو وطؤه إذا ركب، و فراشه إذا نزل، و حقيبته شملة محشوة ليفا، هي وسادته إذا توسد، عليه قميص من كرابيس قد انخرق بعضه. و لقيه أمراء و الأجناد في مواكبهم، فكلما لقيه أمير منهم فسلم عليه قال له امض، فردّه، و لقيه الاسقف، فقال حين رآه لاساقفته: ثكلتكم أمهاتكم، هل رأيتم رهبانية أو ديرانية أو سياحة مثل هذا، هذا ملك الأرض، فانظروا إليه و إلى حاله.

____________

(1) الجرموق: هو ما يلبس فوق الخف. القاموس 3: 217

336

و قد كان قال لعامله على أذرعات‏ (1) و قد قدم عليه، و على عمر قميص من كرابيس، فقال لعامله: خذ هذا فاعتله و ارفعه، ففعل، و قطع عليه قميصا قبطيا فأتاه به و قال: هذا قميصك و هذا قميص قطعته عليه لتلبسه، فمسه فوجده لينا فقال: لا حاجة لنا به. و لما قدم دمشق و صار في يوم الجمعة نام عمر فجاء عامله على دمشق فسألهم/ ما يريد أمير المؤمنين أن يلبس إلى الصلاة، و هل يلبس غير لباسه الذي كان عليه، قالوا: لا، ما يلبس غيره، فكره ذلك عامله و خاف أن تزدريه البطارقة و ملوك الشام بعد هيبته في صدورهم و صوته فيهم، فأمرهم عامله أن يغسلوا قميصه، فإنه إذا قام من نومه فوجده رطبا لم يلبسه أعطيناه غيره فلا يجد بدا من أن يلبس. فلما انتبه عمر [و] (2) أراد أن يمضي إلى المسجد للجمعة دعا بقميصه فوجده رطبا قد غسل، فلامهم‏ (3) في ذلك، قالوا: نأتيك بغيره، قال: لا ألبس غيره؛ فعصره و لبسه و صعد المنبر و قد كان أبطأ من أجل القميص، فجعل يعصر ما بقي فيه من الماء و هو على المنبر، و يمدّ كمه فلا يبلغ أصابعه، و هو قميص غليظ، و قال لهم: إنما حبسني أن قميصي هذا غسل، فلما نظروا إليه و إلى هيبته أقبلوا يبكون و ينتحبون من كل ناحية و يقولون: و لا رهبانية ابن مريم، و لا رهبانية ابن مريم، مرتين، ما رأينا ملكا في رهبانية أعجب من هذا.

و قال الروم: هذا الذي غلب فارس و الروم و أخذ كنوز كسرى و قيصر، فقال عامل عمر: فكان و اللّه الذي فعل أهيب في صدورهم و أبلغ مما أردنا، و جاءت هيبة الدين و التقوى.

____________

(1) بلد في أطراف الشام معجم البلدان 1: 13

(2) زيادة مني اقتضاها السياق‏

(3) في الاصل: لامهم‏

337

و هذه كانت سيرة خلفائه و أعوانهم كبني مقرن، و أبي عبيدة، و معاذ ابن جبل، و شرحبيل بن حسنة، و عتبة بن غزوان، و سعد بن أبي وقاص، و أمثالهم من السابقين و التابعين بإحسان، لا يحصون لكثرتهم. و الذين رغبوا فيما أحلّه اللّه لهم و أباحهم إياه كعبد الرحمن بن عوف و أمثاله، فقد كانوا يبذلون و ينفقون في سبيل الخير، ثم لا يعرفون من التواضع من/ عبيدهم و لا يفرق بينهم و بين عبيدهم و فقرائهم، فكانوا كما قد قيل فيهم لا يحوي رجاؤك ما حوت أيمانهم، و لا تسري همتك إلى حيث سرت أقدامهم، لم يزدهم اللّه رفعة و تشريفا إلا ازدادوا هيبة و إجلالا، و لا تسليطا و تمكينا إلا ازدادوا عن الدنيا عزوفا و منها تقللا، و لا تقريبا و اختصاصا إلا ازدادوا من رعيتهم قربا و بالمساكين رأفة و عليهم حدبا و بهم رحمة.

و لقد قال عبد اللّه بن سلام و غيره لأولئك الذين شغبوا على عثمان، كحرقوص بن زهير، و خالد بن ملجم، و سودان بن حمران‏ (1): يا قوم، إن سلطانكم يقوم بالدرة، و ما سمعنا بسلطان يقوم بالدرة قبله، و إن قتلتموه لم يقم إلا بالسيف، لا تسلوا سيف اللّه عليكم، فو اللّه إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم، إن مدينتكم محفوفة بملائكة اللّه مذحلّها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و إلى اليوم، و اللّه لئن قتلتموه لتتركنها، فلا تطردوا جيرانكم من الملائكة.

و قد قلنا قبل هذا انما لم نجعل زهد رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم) و خلفائه و أصحابه دليلا على صحة الاسلام و نبوة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فإن ذلك إنما يدل عليه ما قدّمنا من الأدلة و أمثاله، و لكن استدللنا بزهدهم على محبتهم لنبيّهم، و أن ظاهرهم كباطنهم، و سريرتهم كعلانيتهم، و على بصيرتهم في دينهم، و أنه لم يكن لنبي من الأنبياء (عليهم السلام) صحابة مثلهم، و أنهم خير أمة أخرجت للناس.

____________

(1) انظر لتفصيل حادث مقتل عثمان رضي اللّه عنه، الطبري، أحداث سنة 35 ه.

338

و اعلم أنك لا تكاد تعدم من يطعن فيما معك من هذه الأخبار لجهله.

فإن هذه الأخبار التي معك من كلام الوليد بن المغيرة الى غير ذلك، كلها قد جاءت مجيئا صحيحا كالقرآن، و إن/ كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك. أ لا ترى أن لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الغزوات و السرايا و البعوث أكثر من خمسين و لا تعرف العامة و من جرى مجراهم منها خمسة، و هم يعرفون أبا بكر الصديق في الصحابة و لا يعرفون أبا طلحة و أبا قتادة (1). و يعرفوه من أزواجه خديجة و عائشة و لا يعرفون سودة بنت زمعة و صفية بنت حيي و غيرهن من أزواجه‏ (2) فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) تزوج خمس عشرة و مات عن تسع، و كان له من خديجة أربع بنات: زينب و رقية و أم كلثوم و فاطمة (3)، و كان له تسعة أعمام و لا يعرف العامة منهم أكثر من ثلاثة، و كان له سبع عمات و لا يعرفون إلا واحدة، و مثل هذا كثير. و لسنا نريد بقولنا هاهنا العامة كالملاحين و الحمالين و الفلاحين، و لكنا نريد من لم يباشر هذه الصنعة و إن كان من الخلفاء و الوزراء أو القواد و الكتاب و كائن من كان.

فإن قيل: فإن هذا الدين و إن ظهر على الأديان كلها و كان أقواها و أعزها فما استأصلها و لا قلع أصولها، فقد بقي في يد الروم بقية من ممالكها و إن كان الاسلام قد أخذ أكثرها و عامتها، و بقي في يد الهند بقية، قيل له: إنه لم يقل أنه مستأصل الديانات و لا الممالك كلها حتى لا يبقى شيئا منها، بل قال:

____________

(1) أبو طلحة هو زيد بن سهل بن الأسود النجاري الأنصاري، صحابي شجاع، شهد العقبة و بدرا و أحدا و الخندق و سائر المشاهد، توفي سنة 34 ه. طبقات ابن سعد 3: 64

أما عن أبي قتادة فلعله يقضي قتادة ابن النعمان الانصاري و هو صحابي بدري، شهد المشاهد كلها مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، توفي سنة 23 ه. الاعلام 6: 27

(2) كتب في الهامش: عدد زوجات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)

(3) كتب في الهامش: عدد بنات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)

339

ليظهره على الدين كلّه، و قد ظهر و غلب، فصار أعزها و أظهرها و أقواها، فقد استوفى الخبر شرطه؛ و مع هذا فقد فرض الجهاد على أمته إلى يوم القيامة، فدلّ أنه تبقى من الشرك بقية، فقد أحدق الصدق بكل ما قالوا، فما هاهنا عيب يكون لطاعن.

فإن قيل: إن الرّوم/ قد ارتجعت أكثر ممالكها التي أخذها المسلمون منها، حتى لو قدّر ما ارتجعوه من جزائر البحر و ما في البر من الثغور الشامية و الجزيرية و أرمينية و أذربيجان، لكان يكون في الكوفة إلى بخارى بلدان عامرة، ثم من بالاحساء و المغرب و ما يلي المغرب إلى أن يقارب العراق يعتقدون عداوة الأنبياء كلّهم و يخصون نبيّكم محمدا بفضل عداوة، و يجردون في القصد إلى إماتة شريعته و استئصال دعوته كما قد عرف ذلك من تصفح و اعتبر، و كما لهم من الآثار في قتل المسلمين و الحجّاج، و غزو مكة و الكوفة و البصرة و باليمن و بالشرق و الغرب، و إن تستروا بالباطن، فكيف يكون الآن ظاهرا على الأديان كلها.

قيل له: إنه لو ارتد جميع أهل الدين حتى لا يبقى عليه أحد من الناس كلهم، لما قدح ذلك في الخبر الذي خبر أنه يظهر على الأديان كلها، لأن ذلك الخبر و تلك المعجزة قد صارت إلى ما قال و كما أخبر، فظهر على الأديان كلها فلما استوفت شرائطها و انتهت إلى حدودها فما قصرت عن شي‏ء قاله (عليه السلام) أو شرطه.

ثم في غلبة الروم و القرامطة و غيرهم من أعداء الاسلام على ما غلبوا دلالة أخرى على نبوته عظيمة، فإنه قد مرّ، أن بعد مضي أصحابه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، و في آخر الزمان، ستضعف بصائر أهل ذلك الزمان، و يكرهون الموت، و يشتد حبهم للدنيا و حرصهم على البقاء، فسيظهر عليهم‏

340

عدوهم و يغلبهم. و الأخبار في ذلك أصح و أقوى من كل قويّ، و هي كثيرة، و مجيئها كمجي‏ء القرآن، حتى أنه (صلى اللّه عليه و سلم) حين وقت المواقيت، وقت ميقاتا لأهل العراق و العراق إذ ذاك في أيدي الفرس، و وقت ميقاتا لأهل الشام و الشام إذ ذاك في يد الروم، و كذا غيرها من الأمصار، و ذكر ظهور أمته عليهم و استقامة/ الأمور لهم، ثم ذكر اضطرابها، حتى يقول: و منعت مصر إردبّها و دينارها، و منعت العراق درهمها و قفيزها، و منعت الشام كذا، حتى يجي‏ء في الأثر، ليخرجنّكم كما أخرجتموهم كفرا كفرا، يعني بلدا بلدا و قرية قرية، لأن أهل الشام يسمون القرى الكفور، فيقولون: كفر طاب و كفر ثوبا و كفر كذا لقرى كثيرة. حتى يذكر آخر الزمان، و ان الأمم تتمالأ على أمته كما تتمالأ الأكلة على قصعتها، فقيل يا رسول اللّه أمن قلة يؤتون، فقال: لا، إنهم أكثر ما يكونون و لكن الوهن و الفشل، فقيل: يا رسول اللّه ما الوهن و الفشل، قال: حبّ الدنيا و كراهة الموت‏ (1).

و قد وجد أهل الاعتبار ذلك، فإن بابك الخرّمي صاحب الخرميّة من البذ من أرمينية و أذربيجان، ابتدأ في أول أمره و تستر بأنه من المسلمين و يدعو إلى الاسلام و إلى المهدي من أهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، (2) فلما قوى و ظهر كان من أمره ما هو معروف، فكدّ السلطان في زمانه و أتعبه، فكان المعتصم ابن الرشيد، فأرسل بابك إلى ملك الروم و هاداه و لاطفه و تقرب إليه ببغض الاسلام و المسلمين، و أنه إنما تستر بالاعتزاء إلى المهدي حيلة عليهم و سخرية منهم، و قال: إني قد شغلت ملك العرب عنك فما يتفرغ لغزوك فإن فرغ‏

____________

(1) للاطلاع على نموذج من هذه الأحاديث التي تكلم فيها الرسول (عليه السلام) عن البلاد التي سيفتحها المسلمون و عن مستقبل الاسلام، انظر فيض القدير للمناوي 4: 96- 102

(2) امتدت فتنة بابك الخرمي زمنا طويلا في عهد المأمون و المعتصم و كان خروجه سنة 201 و منتهاه سنة 221 ه.

341

مني تفرغ لك، فانتهز الفرصة لتنهنهه عني و أنهنهه عنك، ففعل ملك الروم ذلك، و سار حتى فتح ربطره و كان له من الأثر في المسلمين ما هو معروف.

و كان له مع صاحب الزّنج من الحرب مثل ذلك أيام المعتمد، فإن صاحب الزّنج شغل السلطان عن ملك الروم فأعانه ملك الروم، و انتهز الفرصة و سار فأخذ لؤلؤة من أيدي المسلمين، و هي بلد عظيم و مصر جليل.

و كان صاحب الزنج يدّعي أنه المهدي،/ و آثاره معروفة، و سيرته في المسلمين معلومة في أن آمنهم ثم قتلهم بعد الأمان و قتل الأطفال، إلى غير ذلك.

و كان يذكر أنه علويّ، و لقد أخذ أبا يعقوب الشحام فقال له‏ (1): لم لا تجي‏ء أنت و أصحابك فتجاهدون معي و تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر، و لكنكم معشر المعتزلة منافقون تقولون بما لا تفعلون، فقال له أبو يعقوب:

أجيب عن هذا و أنا آمن، قال: نعم، قال: أنا آمن قبل الجواب و بعد الجواب على نفسي و أهلي و مالي، قال: نعم فتوثق منه ثم قال له: أخبرني أيّما خير، أنت أو عليّ بن أبي طالب، قال: بل عليّ، قال: فأيما شر من عاداك أو عادى عليّ بن أبي طالب، قال بل من عادى عليّا. قال:

فهل بلغك أنه آمنهم ثم قتلهم، لقد حاربوه فما قتل لهم أسيرا و لا أجهز لهم على جريح و لا اتبع لهم موليّا و لا سبى لهم ذرية و لا هجم لهم على منزل، و لقد كانت الخوارج مقيمة معه فما بدأهم بحرب و هم يكفرونه، فقد كان ينبغي أن تسلك سبيله لأنك أنت تدعي أنك من شيعته، فقال له: لو لا أني قد آمنتك، و لو لا ما بيني و بينك لقتلتك. فقام أبو يعقوب و خرج و هرب و لم يأمنه. و قد كان صاحب الزنج قبل أن يملك البصرة يغشى العلماء و يجلس إليهم‏

____________

(1) من كبار رجال الاعتزال انظر المنية و الأمل (طبقات المعتزلة لابن المرتضى)

342

و يتقرب من قلوبهم‏ (1).

و هذه كانت سبيل سعيد الذي خرج بالمغرب أيام المقتدر (2)، فإنه لما تمكن برقادة من أرض المغرب‏ (3)، و صار في جيوش، راسل ملك الروم و هاداه و تودده و أغراه بالمسلمين، و بشره بأنه يملك ممالكهم كلها و يستأصل ملك بني العباس، و أن له إخوانا على مثل رأيه باليمن و بالبحرين و بالكوفة و في الجبال و بخراسان، و أنه قد سلطه عليهم. و كان يبشره بالمكاره التي تنزل بالمسلمين، و سيّر جيشا له عظيما مع ابن له إلى مصر ليأخذها، و عرّف الروم هذا، فسيّروا جيشا إلى الثغور، و كان هؤلاء ينصرون أولئك في الثغور، و شغلوا/ المسلمين و شتتوهم. و كان هذا بعد الثلاثمائة للهجرة.

و كان عندهم أن أبا سعيد الحسن بن بهرام الجنابيّ صاحب البحرين يعينهم فإنه كان على رأيهم و مواطئا لهم‏ (4)، و كان عندهم أنه إذا انقضت سنة ثلاثمائة ظفروا و ظهروا على الاسلام كله، و أن سعيدا الذي بالمغرب هو المهديّ و هو الذي يغلب و يظهر. و كانوا يكاتبون الشيعة بالعراق في كل مكان بذلك، و يقولون لهم: انتظرونا و كونوا على أهبة فإنا لا نتأخر. فاتفق قتل أبي سعيد الجنابي في سنة إحدى و ثلاثمائة، و أخلف ما ظنوه، و انهزم أولئك الذين نزلوا على مصر و رجعوا إلى المغرب، و رجعت الروم بسبي عظيم من المسلمين، و كان ذلك في سنة اثنين و ثلاثمائة. ثم عادوا إلى مصر بأعظم من تلك الجيوش‏

____________

(1) الزنج أو الزط قوم من أخلاط الناس غلبوا على طريق البصرة و عاثوا فيها، و لما استقر الحكم للمأمون سنة 205 ه بعث إليهم عددا من قواده فتفرقوا و لكنه لم يقض على فتنتهم قضاء تاما حتى فعل ذلك المعتصم سنة 219 ه.

(2) سيأتي تفصيل ذلك في موقعه من الكتاب.

(3) بلدة كانت بالمغرب، بينها و بين القيروان أربعة أيام. معجم البلدان 3: 55

(4) سبق التعريف بالجنابى هذا، انظر الجزء الأول الصفحة 129

343

في سنة سبع و ثلاثمائة، و عادت الروم إلى الثغور و حرقوا و سبوا، و خرّب هؤلاء بالاسكندرية و الصعيد و نهبوا و انهزموا و رجعوا، و أخذ الروم ملطية و ثغورها (1)، فهنأهم هؤلاء الذين بالمغرب بذلك، و بشروهم بما يفعله أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي بالمسلمين و بالحجّاج، و بقلع الحجر، و بسبي المسلمين، و بقتل الحجّاج، و بسلب الكعبة، و أنا قد شغلنا المسلمين بأنفسهم عن غزوكم؛ حتى كتب ملك الروم إلى المسلمين كتابا بذلك و أظهر الشماتة بما نزل بالبصرة و بالكوفة و بمكة و بغيرها من وقائع القرامطة بالمسلمين و إذلالهم الاسلام. و قد أجاب عن هذا الكتاب أحمد بن يحي بن المنجم نديم السلطان، و أجاب عنه عيسى بن داود ابن الجراح وزير السلطان.

و أولاد أولئك الذين كانوا بالمغرب إلى هذه الغاية مقيمون على مسالمة الروم و مقاربتهم و مهادنتهم و التقرب إليهم و الشغل بإفساد المسلمين و الاسلام.

فإن غزا الروم أحد من المسلمين من نواحي الشام و مصر و جاءوا بسبي أو أسير أخذهم هذا السلطان منهم و خلع عليهم و وصلهم و برهم و أكرمهم و أنزلهم أجل المنازل و قال لهم: من أقام منكم عندنا/ فله الكرامة و من شاء فليرجع فله الحباء و الصيانة، و يراسلون ملك الروم بأنا ما نغزوكم و لا نتعرض لكم، و ما نقدر أن نكاشف في المنع من غزوكم كل المكاشفة، و لا نرد كل أحد عن ذلك، و قد علمتم أن من وصل إلينا منكم رددناه مكرما إليكم، و من آثر المقام كان في عز و في كفاية، و لنا جيوش و عساكر في البر و البحر قد جاورناكم سيما مذ صرنا بنواحي الشام، و مصر، و اذا قصدتم لناحية فيها

____________

(1) بلدة من بلاد الروم مشهورة تتاخم الشام، فتحها المسلمون، ثم استعادها الروم سنة 323 ه. ثم عادت للمسلمين مع الدولة العثمانية.

معجم البلدان 5: 192

344

عساكرنا رحلوا عنها و خلوها لكم. و لهم معهم أكثر من هذا التفصيل، و إنما أردنا أن نذكر صحة قوله (عليه السلام) أن أمته في آخر الزمان تكون إلى حب الدنيا و البقاء فيخذلون، و تجتمع عليهم الأمم، و هذا باب من معجزاته.

و باب آخر [حول الآية الكريمة «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ»]

و هو قوله: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (1). و كانت قريش و العرب قد تفرغوا لمكارهه و تركوا كل شغل، و أفردوا كل قوم بضرب من مكروهه كما كانت تفعل اليهود ذلك به، فكانت خمسة من مشيخة قريش قد تفرغوا للاستهزاء و المنع في المواسم و المحافل من أن يستمع منه أو يصغى إلى القول منه، و هم‏ (2): الوليد بن المغيرة المخزوميّ، و العاص بن وائل السهميّ، و الأسود بن المطلب الأسدي، و الأسود بن عبد يغوث الزهري، و الحارث بن الطلاطلة (3)، فبلغوا منه في الاذلال، فشكاهم إلى اللّه عز و جل فأرسل إليه جبريل (عليه السلام) فقال له:

إن اللّه تعالى قد أمرني بطاعتك فمر فيهم بما أحببت، فاستند إلى الكعبة، فمرّ به الوليد، فأومى إلى أخمص رجله، و كان قد مر برجل من خزاعة و هو يريش نبلا له، فوطئ على فصل منها، و كان من ذلك مريضا ثم اندمل، فانتقض به عند ذلك و مات.

ثم مر به الأسود بن المطلب/ و بيد النبيّ (عليه السلام) ورقة خضراء،

____________

(1) الحجر 94

(2) كتب في الهامش: خمسة من مشيخة قريش قد تفرغوا للاستهزاء برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و منع الناس من استماعهم منه (عليه السلام).

(3) الطلاطلة: الداهية، و هو اسم أمه.

345

فرمى بها في وجهه و قال: اللهم أعم بصره، و أثكله ولده، فعمي بصره و قتل بنوه: زمعة، و عقيل، و الحرث بن زمعة. و مر به العاص بن وائل، فأومى إلى رجله، فركب حمارا يريد الطائف فطرحه الحمار فدخلت في رجله شوكة فمات.

و مر به الحارث بن الطلاطلة، فأومى إلى بطنه فأكل سمكا مملوحا و نام، فلما كان جوف الليل عطش، فقام إلى قربة فيها ماء، فوضع فاه على فيها فشرب، فما روى حتى انشق بطنه و مات. و قد علمنا أن كان هناك من كان يستهزى‏ء به، و أن قوله عز و جل: «إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (1) قد كفيهم، و قد قرأ ذلك عليهم، فعلمنا أن كان هناك مستهزئين و قد كفيهم.

و باب آخر [حول الآية الكريمة «فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ»]

قوله عز و جل‏ (فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) (2) فذكرهم بعصمة اللّه له منعة لهم من قتله مع وحدته و كثرة أعدائه و حرصهم على قتله و استئصاله و إطفاء نوره، فصرفهم اللّه عن ذلك، و قد راموه غير مرة و حرضوا عليه.

فانظر إلى هذا الادلال و إلى هذه الثقة بمنع اللّه منه، فإن هذا قول يغيظ و يغضب و يحرضهم على مكروهه و يبعثهم على قتله و يزيدهم حرصا على استئصاله، و هذا من الآيات العظام، و هو أعظم من صرف اللّه كيد فرعون عن موسى، فإن بني‏ (3) اسرائيل بمصر و هم ستمائة ألف على دين موسى‏

____________

(1) الحجر 95

(2) هود 55

(3) في الأصل: بنو

346

و تصويبه سوى المشايخ و النساء و الأطفال و إن كانوا مغلوبين بسلطان فرعون.

و طول مقام موسى مع فرعون بعد ادعاء النبوة سنة واحدة، و محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أقام بمكة خمسة عشرة سنة، و جاءهم وحيدا منفردا بدينه، خالف الأمم كلها من أهل زمانه، و لم يعتصم. بمخلوق، و لا صوّب أحدا من الأمم و لا من الملوك الجبابرة.

فإن قيل: أو ليس كان عمه أبو طالب يمنع منه، قيل: ليس في هذا قدح فيما ذكرنا، لأنه ما قال أن/ أحدا لا يدفع عني و لا يسوؤه ما نزل بي، و إنما قال في حال وحدته، لا أقتل و لا تقتلونني مع كيدكم لي، و إن ربي أخبرني بذلك، و هو قال لي: «وَ إِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ» (1) و هو قال لي: قل لهم: «فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ» و هو قال لي: «وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» فلو منع نصفهم من قتله لما قدح ذلك في خبره، و دفع أبي طالب عنه يؤكد أمر حجته، فإنه قد كان على غير دينه، و كان على دين أعدائه، و مع هذا كان يدفع عنه و يقول لقريش: هو الأمين الكريم الوفيّ الذي عرفتموه، و تشفع إليهم في الكف عنه، و قد كانوا مع هذا يضربونه حتى يغمى عليه، و يسحبونه، فيقول لبناته و هنّ يبكين: إن أباكنّ لا يقتل بل يؤذى، و يقول هذا للناس كلهم و يناله عمه أبو لهب و النضر بن الحارث بن كلدة، و أبي بن خلف، و أمية بن خلف، و عقبة بن أبي معيط، و غيرهم من قريش، مع حرص أبي طالب في الدفع عنه، فيقول (صلى اللّه عليه و سلم):

لا تنالون مني أكثر من هذا، و العقبى تكون لي، و لن أقتل و لا أموت حتى أظهر. فيزدادون غيظا عليه، و يجددون عزمهم على قتله، و يقول أبو جهل لبني مخزوم: لأقتلنّ محمدا، فإن شئتم حينئذ فأسلموني إلى بني عبد مناف و إن‏

____________

(1) الاسراء 60

347

شئتم فدعوا. فقالوا نحن لا نسلمك لشي‏ء أبدا. فأرصد لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أن وجده ساجدا، فأخذ صخرة و مشى إليه، فلما دنا ليرضح رأسه بالصخرة التزقت الصخرة بكفه و ولى هاربا، فأنزل اللّه فيه: «أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى‏ عَبْداً إِذا صَلَّى‏- حتى قال:- فَلْيَدْعُ نادِيَهُ» (1) لأنه معروف العداوة سيد مطاع.

فانظر كيف يقول له: «فليدع ناديه سندع الزبانية»، و قد أرصدوا له للقتل مرات لا يحصيها إلا اللّه، و كان أشد ما عليهم إذا قرأ القرآن و فيه عيبهم و عيب آلهتهم، مثل قوله في سورة ص، و ياسين، و الفرقان، و ما أشبه ذلك،/ فإنهم كانوا يثورون له و يفورون من أجله، و كان ذلك شديدا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لوحدته و ضعفه، و لما يعرف من بأسهم و غلظ أكبادهم حتى يقول اللّه: «وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً، وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً، وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً» (2). و إنما قال:

«جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً» (3) لما كان يصيبهم من الغضب و الغيظ عند تلاوته القرآن، فأضاف ذلك إلى نفسه لهذا المعنى، لا أنه جعل على قلوبهم أكنة و لا في آذانهم وقرا، و هذا كقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): (شيبتني هود و اخواتها) (4)، لما كان يلحقه عند الفكر فيما يتلوه منها من خشية اللّه و خوف نقماته، لا أن هود و أخواتها كانت تفعل فيه الشيب. و مثله قوله (عليه السلام):

(حبّك للشي‏ء يعمي و يصم) (5) لا أن الحبّ يفعل العمى و الصمم، و لكنه‏

____________

(1) العلق 9

(2) الإسراء 45

(3) الأنعام 25

(4) فيض القدير 4: 169

(5) فيض القدير 4: 372

348

اذا أحبّ الشي‏ء ذهب مكبّا على وجهه فلم يتثبت، فتبصر عينيه و لا يصغي فيسمع قول من ينصح له، و قد قال اللّه عز و جل‏ «فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً» (1)، و النذير لا يفعل فيهم النفور، و لكنهم لما نفروا عند إنذاره نسب نفورهم إليه، و هذا من الاستعارة الحسنة، و هو معروف في اللغة.

فسلامته (صلى اللّه عليه و سلم) منهم و هذه حالهم و حاله كمن قال: الدلالة على صدقي أني أخوض هذه النار العظيمة و ألبث فيها و أخرج منها سليما، فهذه كانت حال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع هذه الأمم، فإنه أقام بعد ادعاء النبوة بمكة خمسة عشرة سنة بين هذه الشدائد المتوالية و الأهوال المتصلة، و هو يخرج إلى المواسم، و يقوم في المحافل، و يبرز إلى القبائل، و يعرض نفسه، و يذكر ما يدعو إليه، و هو وحده و معه أبو بكر الصديق أو أبو بكر و عليّ/ بن أبي طالب.

و قريش ترصده و تتبعه برجالها و دهاتها في التنفير عنه و الصد عنه، فأين كان أبو طالب، و كم يكون أبو طالب مع هذه القبائل و العشائر و هم يتوعدونه و هو لا يلين و لا يفتر.

و لقد كان عمه أبو طالب يعزله فيما أتاه من مخالفة دين آبائه و يسأله أن يكف عنهم و أن يلين لهم، و يضرع له و يطاوله و يدبره في كل جهة، و يخوفه بأسهم‏ (2) و سطوتهم و أنه لا يأمن قبلهم، فلا يلين، و يقول يا عم:

ما كان لي أن أراهن في أمر اللّه، حتى يبكي (صلى اللّه عليه و سلم) من طول معاتبة عمّه له و يقول: ما كنت لأفعل. فإذا قال له إني أخاف عليك منهم، إني غير آمن عليك مكر قريش و إن دافعت عنك، فيقول (صلى اللّه عليه و سلم): إن ربي قد ضمن لي‏

____________

(1) فاطر 42

(2) في الأصل: بأسه، و لعل الصحيح ما أثبتناه‏

349

صرفهم عني، فيقول أبو طالب: يا ابن أخي، ما اطوع ربك لك، فيقول:

له: و أنت يا عم لو أطعته أطاعك.

و قد مات أبو طالب، و أقام (صلى اللّه عليه و سلم) بعده و هو على شدته عليهم، و أشد بكثير مما كان عليه في حياة أبي طالب، و غيظهم أشد. فإن القرآن كان يتوالى نزوله بما يكرهون، فيجيب من يجيب منهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فيتضاعف غيظهم، و يتجدد عزمهم على قتله و استئصاله، فيجدّون و يشمّرون و يسعون و يرهجون فلا يغني عنهم كيدهم شيئا، «وَ مَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ» (1).

و لقد كانوا يمكرون به المكر العظيم، كما قال اللّه تعالى: «وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ» (2) و ما كان ليقول هذا عنهم و العدو و الوليّ يسمعه إلا و هو كما حكاه عنهم.

و في هذا المعنى يقول عز و جل: «مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ» (3) أي من كان يظن أن لن ينصر اللّه محمدا في الدنيا و الآخرة و لن يفي له بما يدعي محمد عليه، فليجتهد جهده، و ليستفرغ وسعه في استئصال محمد و إطفاء نوره و طلب كذب يكون/ منه، ثم لينظر هل يجد ما يشفي غيظه، فإنه لا يجد ذلك، بل يجد ما يضاعف غيظه، و هذا أيضا من تلك الأبواب التي تبعث على قتله و تذكر باستئصاله.

و كم كان يلقي من يجيب رسول اللّه من الذل و الضرب و الهوان و التجويع‏

____________

(1) فاطر 10

(2) ابراهيم 46

(3) الحج 15

350

و التعطيش و الجفاء و السبّ و أصناف المكاره التي يطول شرحها، و هي مذكورة في مواضعها، معروفة لا يشك أهل العلم فيها. حتى يكون مثل عثمان بن عفان مع كثرة ثروته و صلته لأرحامه و شرف رهطه و حلمه و أناته لا يمكنه المقام بمكة، ففر إلى أرض الحبشة و معه رقية بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و كذلك جعفر بن أبي طالب و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، و أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان أم المؤمنين. و فر الزبير مع شرفه و شجاعته، و من شئت من الوجوه و الأشراف فما أمكنهم المقام و هذه حالهم، فكيف بالموالي و الفقراء و قريش تطلبهم، و تعبر البحار في طلبهم، و يكون لهم مع النجاشي ما هو معروف.

و من هاجر إلى المدينة اتبعوه، فإن وجدوه في الطريق ردوه قهرا، و إن وجدوه في المدينة خدعوه و سألوه زيارة أهله و عطفوه على أبويه و رغبوه في صلة رحمة و أمنوه على نفسه و دينه ما أقام معهم، فكم ممن أجابهم و اغتر بهم لما ردوه صفدوه بالحديد و عذبوه، و من أحسّ منهم بولده قد أسلم قيّده، كما فعل سهيل بن عمرو بابنه أبي جندل بعد الهجرة، و كما صنع أبو أميمه سعيد بن العاص بابنه خالد بن سعد، فإن أبا بكر الصديق لقيه و عرفه حسن الاسلام، فأجابه، فعلم أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه جماعة فأخبروه أنهم لا يجدونه، فقال: الطائف، فجاؤوا الطائف فلم يجدوه، فأخبروه أنه يكون بأعلى مكة في شعب أبي ذر قائما يصلي، فأتوا به إلى أبيه، فأنّبه و بكّته و ضربه بمقرعة/ في يده حتى كسرها على رأسه، ثم قال له: اتبعت محمدا و أنت ترى خلافه قومه، و ما جاء به من عيب آلهتهم و عيب من مضى من آبائهم، و زعمه أن للناس بعد موتهم دارا يدخلونها فيخالدون فيها، فما أعجب هذا. و أخواته و أهله يشهدون، بل هم ردوه إلى أبيه، فقال خالد قد اتبعته و صدق و اللّه محمد. و حاجّه ابنه، فغضب أبو أحيحة و نال من ابنه و شتمه، و قال: اذهب‏

351

يا لكع حيث شئت، و اللّه لأمنعنك القوت، قال: إن اللّه يرزقني ما أعيش به، فأخرجه و قال لبنيه: لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت. فخرج خالد، فلقيه أبو سفيان صخر بن حرب فقال: قد فعلتها يا خالد، ما شكرت أباك، و لقد هدمت شرفك الذي ينالك، فقال خالد: بل عمرت ذلك الشرف، قال أنت غلام حدث، لو بسط عليك العذاب لأقصرت،

و صار خالد إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فكان يلزمه، و جعل من لقيه من فوقه يؤنبونه، و يستقصرون فعل أبيه و تركه له، و أنه قد كان ينبغي له أن يبسط عليه المكروه و يواليه عليه. فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا أحيحة، ما أدري أضعفت أم ضجّعت الرأي أو أدركتك المأقة (1)، قال: و ما ذاك، قال: تركت ابنك يتبع محمدا أو أنت سيد قريش و كبيرها و المطاع فيها، فيتجرأ علينا شبابنا و يقولون: هذا ولد أبي أحيحة قد أسلم و لم يصنع به شيئا، فقال لا ما ضعفت، إني لأقوى قريش نفسا و أكثرها عددا و مالا. و أما قولك: ضجعت الرأي، فما الرأي عندك في أمره، قال حبسه و التضييق، فقال: و اللّه ضربته حتى كسرت العصا على رأسه، و حرمته القوت، فهذا أشد الأمور عليه، فلم أره حفل بواحدة منها. و أما قولك: المأقة، لقد غاظني أمر محمد أنه أوسطنا نسبا، و أنه نشأ فينا/ كأحسن ما نشأ به أحد من الشباب من حسن الحديث و أداء الأمانة و حسن الخلق، فجاء بدين محدث، فرق جماعتنا و شتت أمرنا و أذهب بهاءنا و اجترأ علينا. و أخرى إن صدقني ظني- و هو صادق- أنه خارج إلى قوم يقوي بهم ثم يدخل بهم عليكم. قال أبو جهل: لا تقل هذا، فما الفرج لنا إلا في اخراجه و تحويله عن ديارنا، فإنه إن خرج عادت ألفتنا، وعدنا لديننا

____________

(1) جاء في اللسان: ضجع في أمره و اضجع و أضجع: و هن، و الضجوع: الضعيف الرأي و المأقة: الأنفة و شدة الغضب و الحمية، و نكث العهد من الأنفة.

352

القديم الذي كان عليه آباؤنا. فخرج من عنده و هو يقول: تغيّر أبو أحيحة، ما هو إلا الكبر، ما اجترئ عليه بهذا حتى أنسوا ضعفا. ففر خالد إلى أرض الحبشة.

و إنما ذكرت لك طرفا يسيرا من صنيعهم بفتيانهم و أولادهم و مهجهم إذا اسلموا، و شدة الرؤساء منهم على من لم يبالغ في ذلك، فأمّا ما صنعوا بأبي بكر مع حلمه و نبله و سعة جاهه و كثرة خلّانه من ساداتهم، ثم بمن يليه طبقة طبقة، فأعظم من كل عظيم.

و باب آخر [حول الآية الكريمة «وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» و كيف ورثها أصحاب الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)‏]

و هو قوله عز و جل: «وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ، وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» (1). فورثها أصحاب محمد (صلى اللّه عليه و سلم) كما قال و كما أخبر، و فيه مع كونه دلالة على نبوة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) لما في الكتب التي أنزلها اللّه عليهم، ان النبيّ الأخير من ولد إسماعيل بن هاجر بن إبراهيم، القائم من فاران، هو أعز و أعلى و أقهر من جميع النبوات، و أن أتباعه الصالحين يرثون الأرض و يحيون الحق و يميتون الباطل و يذلون الجبابرة كما هو مذكور في الكتب ذكرا تقدم به الحجة عند العلماء، و قد ذكره من أسلم، مثل عبد اللّه بن سلام و من يليه طبقة طبقة، و للعلماء فيه كتب مفردة، مثل أحمد بن يحيى بن المنجم/ المعروف بالنديم، و مثل أبي عبد اللّه محمد بن زيد الواسطي الكاتب، و مثل أبي بكر الزهيري الكاتب، و مثل ابن قتيبة، و غيرهم، فإنهم ذكروا تلك المواضع من تلك‏

____________

(1) الأنبياء 105

353

الكتب، و ما فيها من البشارات و الإشارات، فإن أردتها وجدتها، و إن كان فمعك ما يغنيك عنها (1).

و في هذا أيضا دلالة على صحة إمامة أبي بكر و عمر و عثمان و عليّ و أتباعهم و شيعهم، فإن اللّه قد شهد لهم بالصلاح و هم ورثوا الأرض. فإن قيل فقد ورثها بعضهم ممن‏ (2) ليس هو في مثل حالهم عندكم، حتى انتهى ذلك إلى القرامطة و الروم و أشباههم، و من يقرب حاله من حالهم، فإنهم قد غلبوا على كثير من الأرض. قيل له: لو ملكوا الأرض كلها لم يقدح ذلك في هذا العلم و لم يؤثر في هذا الخبر، لأنه ما قال: لا يرثها إلا الصالحون، و لا تخرج من أيدي الصالحين.

و مثله قال موسى لقومه: «اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (3)، و مثله قوله: «أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها، وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى‏ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا» (4)، و قد خرجت من أيدي بني إسرائيل و ملكها بخت نصرّ و ملوك الروم و أمثالهم من الكفرة، و هذا غير مشكل.

و قوله في آخر الآية: «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» (5) يزيدك علما بأن المراد، أن الوارثين‏ (6) للأرض هم أهل دينه و القائمون بشريعته،

____________

(1) أحمد بن يحيى المنجم المتوفى سنة 327 ه أديب و شاعر و متكلم و فقيه. معجم الأدباء: 146 و محمد بن زيد الواسطي المتوفى سنة 306 ه متكلم معتزلي. الفهرست 1: 172. و أظنه يقصد ابن قتيبة، عبد اللّه بن مسلم الدينوري. المتوفى سنة 276 ه.

(2) في الاصل: من‏

(3) الأعراف 128

(4) الأعراف 137

(5) الأنبياء 107

(6) كتب في هامش الأصل: الوارث، الصواب: الوارثين.

354

و هذا خبر و بشرى و وعد، و إخبار اللّه لا يكذب، و وعده لا خلف له.

فشهد عز و جل لمن قدّمنا بالصلاح، و عند الإمامية و طبقات الرافضة أن أبا بكر و عمر و عثمان و البدريين و المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم و أعانوهم على وراثة الأرض حتى أبادوا الأمم و غلبوا ملوك الفرس و الروم و الترك و غيرهم من أمم الشرك كانوا كفارا مشركين طلاب دنيا لا طلاب دين/ و أنهم غيروا القرآن، و عطّلوا النصوص، و بدلوا الشريعة من الطهارة و الأذان و الصلاة و المواقيت و الصوم و المواريث و النكاح و الطلاق، و رفعوا ما كان و وضعوا ما لم يكن، و شهادة اللّه لهم بخلاف قول هؤلاء فيهم.

و أنت و إن كنت قد عرفك اللّه بعقلك بطلان دعاويهم عليهم فاعرفه أيضا بالسمع، فقد أتاك اللّه به في غير موضع من القرآن و من غير القرآن. و في قوله عز و جل: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» (1) دلالة أيضا على طهارتهم و عمق إيمانهم و براءة ساحتهم، فهم أظهروا الدين، و أخذوا الممالك و الأمصار ممن قبلهم، و الذين من بعدهم إلى طاعتهم رجعوا، و بأمرهم سفكوا الدماء، و بقولهم أخذوا و أعطوا، فلو كانوا مبطلين لما كان الظاهر هو دين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على الدين كله، بل كان ما ذهب إليه هؤلاء الصحابة ظاهرا، و دين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الذي تدعيه الرافضة خاملا خفيا ميتا، فإن الذي يقول الإمامية أنه الحجة و أن الحق معه قد كان مغلوبا مقهورا، قد أسكته بزعمهم الخوف عن النطق بالحق و الدعاء إلى دين النبي، و ألجأه إلى تصديق الكاذبين و تكذيب الصادقين، و موالاة المشركين. و الذي قرّره هؤلاء الصحابة من الدين و الشريعة و القرآن هو الظاهر على الأديان، القائم به الحجة إلى الآن.

____________

(1) التوبة 33، الفتح 228 الصف 9

355

فإذا قد أخلف هذا الوعد من قوله: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ»، فاعلم ذلك ففيه أتم كفاية.

و هم يقولون: ما ظهر بعد، و إنما يتم ظهوره بقيام صاحب الزمان. و جواب هذا: السكوت عنه و التعجب منه، فإنه ليس مع المكابرة مناظرة.

و قد علم المتأمل كذب من ادّعى أن دين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان في زمن أبي بكر و عمر و عثمان ذليلا ميتا قد أطفئ نوره و قلعت أصوله./ و قد علمنا أن في زمان هؤلاء كسرت الأصنام، و هدمت بيوت النيران و تعطل‏(1) النوروز و المهرجان و عيد السلامة و عيد الصليب، و تمزق التقويم‏ (2) و كسر الاصطرلاب، و لما انضاف إلى ذلك من جميل أفعالهم فقد تيقّنّا أن هذا هو المراد من دين الإسلام و هو معنى ظهوره.

و من عجيب الأمور أن أصحاب الزنجاني القاضي قد تستروا بالتشيع، و هم من عداوة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و الطعن عليه و إخراج الناس من دينه بكل حيلة، إذا أرادوا التشفي منه قالوا لنا: الآن انحلّ أمره و بطل دينه، و أوردوا ما قد ظهر من تعطيل الحدود و أخذ المكوس و ارتكاب المحرمات و ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و يقولون: انظروا إلى وجوه قريش و اعتصامهم بالتقويم و الاسطرلاب، و رجوعهم إلى أرباب هذه المقالات، و تدبرهم بهم دون الاستخارة بالقرآن و الرجوع إلى وصايا نبيهم، و غير ذلك مما قد ارتكبه الملوك و الخاصة. و لو استطعنا تسمية أصحاب الزنجاني و ذكر القرشيين الذين‏

____________

(1) في الأصل: تعطيل‏

(2) في الأصل: تمزيق‏

356

قد سلكوا هذه السبيل و الأمصار التي غلب عليها هذا لكان أشفى و أبين، و لكنا لا نقدر على ذلك من الخوف، و اللّه المستعان.

و باب آخر [حول الآية الكريمة «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»]

من آياته، لما أنزلت: «و أنذر عشيرتك الأقربين»، فجمعهم و قام فيهم و خطبهم و دعاهم إلى مفارقة دين آبائهم، و ذكر لهم مالهم في ذلك من نعيم الجنة إن أجابوا، و ما عليهم من عاجل العقاب إن أبوا، و أن اللّه يبعث عليهم جندا من جنوده يجاهدونهم مع رسوله و نصرة لدينه مع ما عليهم من عاجل‏ (1) العقاب، فغضبوا و نفروا و مشوا إلى أبي طالب يشكون و يتوعدون، و أنهم أكثر جندا. و قد ذكر اللّه ذلك في قوله حاكيا عنهم:

«أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً» (2) إلى قوله: «جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ»، و هذا نزل بمكة قبل الحرب فكان كما قال، فانظر في أي حال توعدهم بهزيمتهم، و على أيّ وجه أورده على قلوبهم و أثارهم و غاظهم و أوجعهم، فإنها حال كان فيها في قبضتهم و أسيرا في أيديهم، و هم القوم الذين لا صبر لهم على ضيم، و لا ينامون على وتر، و لا يقيمون على مكابرة الغيظ، كيف يقصر اللّه أيديهم عنه، و يقيه كيدهم و شرهم، و تلك حالهم، فاحفظ هذا و أمثاله.

و اعلم أن أعداء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اجتمعوا و جمعوا كيدهم و قرءوا كتابه، فزعموا أنه (صلى اللّه عليه و سلم) في ابتداء أمره و هو مقيم بمكة ما خالف قومه‏

____________

(1) في الأصل: من أجل، و لعل الصواب ما أثبتناه‏

(2) سورة ص 5

357

و لا أغضبهم و لا أغاظهم، بل كان مصوّبا و مقاربا لهم، أ لا ترون أنه قال لهم: «وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى‏ هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (1) و أنه قال لهم: (لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ) (2). قالوا: و إنما توعد بالحرب و زال عن هذا حين صار بالمدينة و في جماعة. و هذا يقوله ابن الراوندي حين اجتمع مع لاوى اليهودي، و ساعدهما أمثالهما من الأشقياء حين نظروا و دبّروا و كادوا المسلمين، فانصرفوا عن الضرورات بالتأويلات و سمّوا الكتاب الذي ضمنوه هذا و أمثاله كتاب الدامغ‏ (3).

و كل عاقل سمع الأخبار يعلم علما يقينا لا يرتاب به، أنه (صلى اللّه عليه و سلم) حين ادّعى النبوة و ساعة انتحل الرسالة كاشف بدعوة الاخلاص، و أكفر كلّ من خالفه، و ادّعى أنه يظهر و يغلب، و أنه يصير في جماعات و عساكر، و أنه يقتل أعداءه و مخالفيه و يذلهم، و أن العقبى تكون له. ثم أكّد ذلك بأن جعله قرآنا يتلى.

فمما نزل بمكة من ذلك، قوله: «أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ» (4)، و قوله: «جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ» (5)، و قوله: «وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً» (6)،

____________

(1) سبأ 24

(2) القصص 55

(3) كتب في هامش الأصل: كتاب الراوندي، و قد سبق أن عرفنا به. انظر 1: 51 من الكتاب.

(4) القمر 44

(5) ص 11

(6) يونس 65

358

أي تغلب و لا/ تغلب، و قوله: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» (1) إلى قوله: «وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ»، فإنهم قد كانوا بمكة يقاتلون أشد القتال، و كانت محنة المسلمين فيها أغلظ، فإنهم كانوا يضربون و يداسون و يحبسون و يجتمع النفر بعد النفر منهم فيدفعون عن أنفسهم، سيّما حين أسلم عمر، فإنهم عزوا به و نهنه عنهم قليلا، ثم ما أطاقوا المقام. و أمثال هذه من الآيات مما نزل بمكة كثير.

ثم في قوله: «وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى‏ هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» إكذاب لهم و تضليل لهم، و هو كقول الرجل لخصمه إذا أراد الرفق به لينقاد له و لينظر فيما معه إذا كان مدلا بحجته: أحدنا مبطل و أحدنا ضال هالك، لا يشك عاقل أن هذا تعريض بخصمه.

و كذا قوله: «لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ» هو في هذا القول أشد ما كان في في إقامة الحجة عليهم، فتأمل قوله عز و جل: «فَلِذلِكَ فَادْعُ وَ اسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ» (2) إلى قوله: «وَ الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ عَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ» إلى ما بعد ذلك، و إنما هو كقول الرجل لخصمه إذا ظهرت حجته و اتضح قوله و بان بطلان ما أتى به خصمه: ما بعد هذا كلام، و ما بعد هذا مقال، و ما بيننا حجة. و ما يحتاج إلى شاهد و لا دليل.

فمن أبين فضيحة ممن طعن على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بمثل هذا بعد أن جمعوا كيدهم و استفرغوا وسعهم، و لكنهم لشدة إفلاسهم و قلة حيلتهم و خيبة

____________

(1) الحج 39

(2) الشورى 15

359

سعيهم لم يجدوا في الطعن عليه إلا التكذّب عليه و البهت له.

و هم الذين قالوا في قوله: «وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ» (1)، قالوا: قد أظهر الشك في أمره و رجع عن قوله، و كل عاقل سمع أخباره يعلم باضطرار من قوله و قصده أن لا حقّ إلا ما كان معه/ و منه و من عنده و مع أتباعه إلى يوم القيامة، يعلم هذا من قصده قبل العلم بنبوته، و لهذا نظائر مما يذكرونه، و إنما ذكرت هذا لك لتعرف مقدار كيد الخصوم و ظهور فضيحتهم، و هؤلاء هم الغايات في التجريد في طلب معايبه و التفرغ لذلك، يمدّ بعضهم بعضا و يعين بعضهم بعضا، و لهم من يزيح عللهم بالأموال من من اليهود و النصارى و غيرهم من أعداء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ممن يتستر بالتشيع، فقد كانوا يأخذون ابن الراوندي و أمثالهم، فيزيحون عللهم، و يجمعون الكتب لهم، و يأتونهم بمن يعينهم و يكتب عنهم و لهم.

و باب آخر [حول الآية الكريمة «وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ»]

مما جاء من آياته، و ما أخبر به عن سلامته و قيام حجته و ظهور أمره و دينه على الدين كله، قوله في سورة بني إسرائيل و هي مكية: «وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً، وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً»، (2) فتأمل ما في هذا القول من امتهان الخصم و إذلاله و تهيجه و إغضابه و إثارته و العلو عليه، و أنه مفتضح لا حجة معه و لا حراك به، و هم أشد الناس حرصا على‏

____________

(1) الاحقاف 9

(2) الإسراء 81

360

تكذيبه و فضيحته و استئصاله و إطفاء نوره.

و مثله قوله: «قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما يُعِيدُ» (1) أي: قد أخرسهم حقك و أسكتهم و أماتهم فما يجدون سبيلا إلى تكذيبك، و هذا أشد على قريش و العرب من ضرب السيوف و وقع السهام، و هم المعروفون بغلظ الأكباد و الفرار من العار.

و مثله قوله: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏ وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» (2) و قوله: «وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» (3)، فتأمل في هذا فإنه قول مختصر و فيه معان عظيمة، و لقد قال/ (صلى اللّه عليه و سلم): (أوتيت جوامع الكلم و اختصر لي اختصارا).

و لو بلغهم دون هذا عن ملك الصين أو الروم لما صبروا حتى يذبّوا عن مجدهم و ينضحوا عن أنفسهم، فكيف عمّن هو معهم و في قبضتهم و منهم، و قد ادّعى ما فيه كل الرئاسة و السؤدد، و ما ترك شيئا يغيظهم و يغضبهم و يسقط من أقدارهم و أقدار آبائهم إلا و قد أتى به و ارتكبه، و ألجأهم إلى تكذيبه و إقامة حجة عليه، فما وجدوا إلى ذلك سبيلا.

و لقد كان يبلغهم أن كسرى ملك فارس يسفه أحلام العرب و يستخف عقولهم، فيقلقهم ذاك و يحزنهم، و يرسلون إليه من يستأذنه في النطق بين يديه فيما بلغهم عنه، و لا يصبرون و إن كانوا مقهورين مغلوبين و الملوك تتحيّفهم و تستركهم‏ (4)، و ليس أحد يبكي من الهجاء و يحزن من الضيم‏

____________

(1) سبأ 49

(2) النمل 80

(3) فاطر 22

(4) هكذا في الأصل و لعلها تسترقهم‏

361

غير العرب و سيما قريش، فكيف بهم مع رجل يقيم على هجومهم خمسا و عشرين سنة بكتاب يتلو فيه ليلا و نهارا مثل قوله: «أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى‏ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ»، (1) و قوله: «أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» (2) و مثل قوله: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ» (3)، و مثل قوله: و «لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ» (4)، و مثل هذا كثير، فتأمل تجده، و تأمل ما في هذا من الادلال بالحق و الدعاء إلى البحث و النظر، و عرض ما معه على عقول العقلاء لينظروا/ فيما أتاهم به، و المبطل لا يفعل هذا.

فتأمل مذاهب النصارى و المجوس فإنهم يمتنعون عن البحث و النظر و التفتيش و القياس، و كذا يصنع الفلاسفة، فإنهم ينهون أصحابهم عن المتكلمين و يقولون: هؤلاء سوفسطائية، و يقتصرون على الرضا عن أنفسهم و العجب بما معهم.

و انظر إلى هذه الطائفة: القرامطة التي قد طبقت الأرض، و فيها الملك، و استهوت الأمم، كيف يحلفون من يجيبهم على كتمان ما يلقونه إليه، و أن لا يخرج به إلى أحد، و لا يشكو ما به إلى أحد، و لا يعرض ما معه على أحد لينظر

____________

(1) الجاثية 43

(2) الفرقان 43

(3) البقرة 171

(4) الأعراف 179

362

ما عنده، هذا مع الملك القاهر و التستر بالاسلام، فتأمل ما في هذا.

و لقد ضاقت قريش ذرعا بما يسمعونه منه (صلى اللّه عليه و سلم) ليلا و نهارا، و يتربصون به الموت فلا يموت، و يرومون قتله مع وحدته فلا يتم. فأجمع رأيهم على هجرته و هجرة الأدنين من بني هاشم، مؤمنهم و كافرهم، إلا من جرّد في قصده مثل تجريدهم، و ترك مبايعتهم و مناكحتهم، و منعهم من ابتياع ما يؤكل و يشرب، و التضييق عليهم و الإساءة إليهم، و حصرهم في شعب من شعاب مكة، حتى يقتلوا محمدا أو يسلموه إليهم حتى يقتلوه أو يمثلوا به. و تحالفوا على ذلك، و كتبوه في صحيفة علقت في بيت اللّه الحرام بمكة. فمكث (صلى اللّه عليه و سلم) و من معه من أهله في ذلك الشعب أربع سنين متواليات في الحصار الشديد، لا يدخل إليهم ما يتقوتونه إلا بالحيلة و المسارقة، و لا يقدر أن يخرج منهم إنسان في حاجة إلا عن غفلة من المشركين أو ليلا.

و قد شملهم الخوف فلا يأمنون إلا من موسم إلى موسم، و أهله/ يتضرعون إليه بأن يلين لقومه من قريش و، يمسك عن عيب آلهتهم، أو يرجع عن تضليل آبائهم، و يخوفونه فلا يلين، و لا يزداد إلا شدة و صرامة. ثم أخبرهم بعد أربع سنين: أن ربي أوحى إليّ أني قد سلطت الأرضة على الصحيفة التي كتبها المشركون فأكلت كل موضع منها فيه ذكر عقوق أو قطيعة و تركت ما سوى ذلك، فقال له عمه أبو طالب و كان كافرا مقيما على دين قريش: يا ابن أخي، انظر ما تقول، فإني لست آمن إن لم يكن الأمر حقا أن يشتد علينا قومنا و يزيد أذاهم لنا، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ما قلت لك إلا حقا، فامض لشأنك.

فنزل أبو طالب و قريش في أنديتها، فلما رأوه قالوا له: نرجو أن تكون يا أبا طالب جئت لصلاح و خير، و أن يكون ابن أخيك قد أقصر عن شأنه و ما نكره من أمره، قال أبو طالب: للخير و الصلاح جئت. فلما استقر به مجلسه‏