تحفة الأزهار و زلال الأنهار في نسب أبناء الأئمة الأطهار‏ - ج2

- ضامن بن شدقم الحسيني المدني‏ المزيد...
557 /
5

[مقدمة الناشر]

بسم الله الرحمن الرحيم

تزخر خزائن مكتباتنا بالمخطوطات القيّمة التي تضمّ ثقافة ثرّة لإيران الإسلامية، و هي في جوهرها مآثر العماء و النوابغ العظام و التي تمثّل هويّتنا نحن الإيرانيين. و إنّ المهمّة الملقاة على عاتق كل جيل أن يبجّل هذا التراث الثمين و يبذل قصارى جهده لإحيائه و بعثه للتعرف إلى تاريخه و ثقافته و أدبه و ماضيه العلمي.

و رغم جميع الجهود التي بذلت خلال العقود الأخيرة لاكتشاف الكنوز المخطوطة لتراث هذه الأرض و التحقيق و البحث اللذين انصبّا في هذا المضمار، و نشر مئات الكتب و الرسائل القيّمة، فإنّ الطريق ما يزال طويلا حيث توجد آلاف الكتب و الرسائل المخطوطة المحفوظة في المكتبات داخل البلاد و خارجها ممّا لم يتمّ اكتشافه و نشره.

كما أنّ كثيرا من النصوص التراثية و رغم طبعها عدّة مرّات لم ترق إلى مستوى الأسلوب العلمي المتوخّى للنشر، بل هي بجاجة إلى إعادة تحقيقها و تصحيحها.

إنّ إحياء و نشر الكتب و الرسائل المخطوطة هو الواجب الملقى على عواتق المحققين و المؤسسات الثقافية، و إنّ وزارة الثقافة و الإرشاد الإسلامي و انطلاقا من أهدافها الثقافية، أسست مركزا لتسهم من خلاله و بدعمها لجهود المحققين و الباحثين و بمشاركة الناشرين، في نشر التراث المخطوط، و لتقدم للنخبة المثقّفة مجموعة قيّمة من النصوص التراثية و مصادر التحقيق.

مركز نشر التراث المخطوط

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

فهرس الكتاب‏

مقدمة المحقّق 9

مقدمة المصنف 23

الباب الثاني: عقب الإمام الحسين علي بن أبي طالب (عليهما السّلام) 25

الفصل الأول 27

الفصل الثاني- في الإشارة و النص من ابي محمد الحسن السبط بن امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السّلام) 37

الفصل الثالث- في ما ورد من النص عن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله في محبته للحسين (عليه السّلام) و فضائله 39

الفصل الرابع- في ثواب زيارة ابي عبد اللّه الحسن (عليه السّلام) 40

الفصل الخامس- في توجه الحسين (عليه السّلام) من المدينة إلى مكة 43

فصل في دخول الحسين (عليه السّلام) إلى كربلاء 71

فصل فيمن تجرّأ على اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله باخذه لسلب الحسين (عليه السّلام) 96

فصل في اقدام القوم و هجومهم بعد قتلهم الحسين (عليه السّلام) على حرمه 97

في حضور علي بن الحسين (عليه السّلام) و اهل بيته و شيعتهم عند عبيد اللّه بن زياد 104

في حضور رأس الحسين (عليه السّلام) بين يدي يزيد 114

فصل في حضور علي بن الحسين (عليه السّلام) و كلامه ليزيد بن معاوية بالشام 122

في بيان ما يحتاج إلى بيانه في موضع دفن الرأس الشريف 130

في ذكر اولاد ابي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) 131

الباب الثالث: عقب الإمام علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليه السّلام) زين العابدين 133

الفصل الأول- في مولد زين العباد و امام الزهّاد 135

8

الفصل الثاني- في الإشارة و النص على علي بن الحسين من ابيه (عليهما السّلام): 147

الفصل الثالث- في مناقب ابي الحسن علي بن الحسين (عليه السّلام): 148

الفصل الرابع- في وفاة ابي الحسن علي بن الحسين (عليه السّلام): 154

الفصل الخامس- في ذكر اولاد ابي الحسن علي بن الحسين (عليه السّلام): 155

فصل في سنة تولي احمد بن سعد نقابة السادة الاشراف بني حسين اهل المدينة من قبل سلطان الحرمين المحرمين الشريف حسن بن ابي نمي بن محمد بن بركات الحسني 297

مراجع التحقيق 547

أ- المخطوطة 547

ب- المطبوعة 548

ج- المجلات 557

9

[مقدمة المحقق‏]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيد المرسلين محمد، و على آله الطيبين الطاهرين، و صحبه المنتجبين.

و بعد:

هذا هو المجلّد الثاني من كتاب (تحفة الأزهار، و زلال الأنهار، في نسب ابناء الأئمة الأطهار، عليهم صلوات الملك الغفار) حسب تجزئة المؤلف. و كما ذكرت في مقدمة المجلد الأول: ان حصيلة الجهد الجهيد الذي بذلته من اجل الحصول على نسخة كاملة من هذا المصنف النفيس، كانت الحصيلة نسخة كاملة من الكتاب، تتكرر احيانا، و تنفرد بعض فصولها احيانا اخرى، و لكنها متنوعة الخطوط، متفاوته الجودة، مختلفة الشأن و القيمة، منها ما هو بخط المؤلف، و منها ما هو منقول من أصل المؤلف، و منها ما هو مكتوب من قبل ناسخين لم يدققوا النظر، و لم يحسنوا القراءة فصحّفوا و حرّفوا و شوّهوا الاصل إلى أبعد الحدود.

و نتيجة لهذا التنوع الكبير في اجزاء الكتاب و قطعه المتفرقة فقد قسمت مخطوطاته إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما كان مكتوبا بخط المؤلف.

و هي نسخة تقع ب 430 ورقة و عليها تملكه و ختمه، محفوظة في مكتبة السيد محمد مشكوة المهداة إلى مكتبة جامعة طهران تحت رقم (992).

و هي نفس النسخة التي رآها السيد محسن الأمين العاملي في مكتبة الشيخ ضياء الدين بن الشيخ فضل اللّه النوري في طهران، و ظن- و كان ظنه صحيحا- انها بخط المؤلف. (انظر: اعيان‏

10

الشيعة 10/ 85).

و قد اشير إليها في:

الذريعة 3/ 419، اعيان الشيعة 26/ 304، فهرست كتابخانه مشكوة 2/ 532.

و مما يظهر ان هذه النسخة كانت في الأصل اوراقا، ثمّ تبعثرت و تفرقت فصارت اشتاتا، و حين جمعت لتجليدها حدث خلط في جمع الأوراق، فتقدم بعضها و تأخر البعض الآخر، و ضاعت منها اوراق كثيرة شملت المجلد الأول كله تقريبا عدا المقدمة و بعض الأوراق، كما شمل الفقدان بعض الأوراق من المجلد الثاني بقسميه، الحسيني و الموسوي.

اضافة إلى ذلك، فهي بخط ردى‏ء، مطموسة بعض الأسطر و الكلمات و الهوامش و يبدو انّ بعضها قد اضافها المؤلف إلى الكتاب بعد مدة من تأليفه، كما انّ هناك فراغات في بعض المواضع ابقاها بياضا ليملأها في المستقبل.

و قد حصلت على نسخة مصورة منها في مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف الأشرف برقم 64- 67، و التي اوردت في فهرست المخطوطات المصورة في المكتبة المذكورة ص 57.

ثمّ قمت بتفريق اوراقها ورقة، ورقة، و جمعتها من جديد على ضوء النسخ التي حصلت عليها، و التي كانت قد نقلت عنها من قبل. فاصبحت نسخة متسلسلة عدا نواقصها، و جعلتها اصل عملي في التحقيق، و لجأت إلى النسخ المنقولة عنها لغرض ضبط النص و اكمال النقص.

و قد رمزت إليها بحرف- أ-.

القسم الثاني: ما كان منقولا على أصل المؤلف:

و يقع في ثلاثة مجلدات لجزئين من تجزئة المؤلف، حيث إن المؤلف قسم عمله إلى جزئين و اسمى كل جزء (مجلدا):

اولهما- ذرية الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام).

ثانيهما- ذرية الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام) و يقع في مجلدين.

و قد وصفت هذه المجلدات الثلاثة كل في محله عند مقدمة المجلد المحقق.

11

القسم الثالث: ما كتب بأقلام الناسخين:

و هي نسخ متعددة للجزء الثاني من الكتاب بمجلديه، و ليس فيها ما يتعلق بالجزء الأول، و هي منقولة على نسخ منقولة عن أصل المؤلف، أي لم تكن قد نسخت على اصل المؤلف مباشرة، و فيها اختصار و اختزال، و تصحيف، و اضافات. و لم الجأ اليها الا عند الضرورة الملحة في قراءة بعض الأسماء.

و قد وصفتها عند مقدمة كل مجلد محقق.

بعد هذا التقسيم و الحالة هذه، و بعد نشر المجلد الأول المختص بنسب الإمام الحسن السبط بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام) اضع المجلد الثاني هذا المختص بنسب ابناء الإمام الحسين الشهيد ابن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام).

و قد رجعت في نشره إلى ثلاث نسخ:

الأولى: و هي التي بخط المؤلف، و عليها تملكه و ختمه، و الذي يخص منها هذا الجزء يكاد يكون كاملا لو لا نقص مقدمته التي تضمنت سيرة الإمام الحسين (عليه السّلام) و بعض الأوراق الداخلية.

و كما ذكرت آنفا، فقد رمزت لها بحرف- أ-.

الثانية: نسخة مكتبة الإمام الشيخ محمد الحسين بن الشيخ علي آل كاشف الغطاء في النجف عليها تملك محمد بن الحاج عيسى كبة سنة 1260 ه. و هي بخط نسخ معتاد.

تقع ب 176 ورقة و مسطرتها 23 سطرا، قياس 20* 5/ 13 سم محفوظة في المكتبة المذكورة.

ذكرها الشيخ آغا بزرگ الطهراني في الذريعة 3/ 419 و أشار إلى انّها في مكتبة الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا آل كاشف الغطاء.

و قد رمزت إليها بحرف- ب-.

الثالثة: نسخة غير كاملة، ايضا بخط السيد حسون بن السيد احمد الحسني البراقي.

تأريخ نسخها 23 جمادى الآخرة 1326 ه. و هي ضمن مجلد جمع المجلد الثاني بقسميه، ناقصة الأول، و فيها اختصار و اختزال من قبل الناسخ.

تقع ب 46 ورقة، مسطرتها 30 سطرا، قياس 24* 34 سم محفوظة في مكتبة الإمام الشيخ‏

12

محمد الحسين كاشف الغطاء في النجف.

و قد رمزت اليها بحرف- ج-.

الرابعة: نسخة غير كاملة، اختصر بعض منها و اختزل كاتبها السيد حسون بن السيد احمد الحسني البراقي.

تقع ب 83 ورقة، مسطرتها 22 سطرا قياس 24* 18 سم و هي منقولة على نسخة مكتبة الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء. محفوظة حاليا في دار صدام للمخطوطات ببغداد تحت رقم 10643.

و قد اطلعت عليها دون ان استفيد منها شيئا.

و قد علمت ان نسخا اخرى من هذا القسم قد اودعت في مكتبات و خزائن اخرى، و كلها منقولة عن هذه النسخ.

اما منهجي في التحقيق فهو كما ذكرته في مقدمة المجلد الأول.

و في الختام لا يسعني الّا ان اتقدم بجزيل شكري و امتناني لجميع من ساهم و اعان على تحصيل اصول الكتاب و تصوير مخطوطاته، و تقديم مراجع تحقيقه و اخص منهم بالذكر:

- الشيخ محمد شريف آل كاشف الغطاء.

- السيد جواد الحكيم- مدير مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف.

- الاستاذ اسامة ناصر النقشبندي- مدير دار صدام للمخطوطات في بغداد، و لكافة العاملين في هذه المؤسسات الكريمة.

سائلا العليّ القدير لهم ولي و لسائر العاملين في حقل احياء التراث كل توفيق و عون و تسديد.

و ما توفيقي الّا باللّه ...

كامل سلمان الجبوري‏

الكوفة في:

الجمعة 3 شعبان 1417 ه

3 كانون الأول 1996 م‏

13

الصفحة الأولى من الموجود في نسخة- أ- التي بخط المؤلف‏

14

الصفحة الأخيرة من الموجود في نسخة- أ-

15

الصفحة الاولى من نسخة- ب-

16

الصفحة الثانية من نسخة- ب-

17

الصفحة الأخيرة من نسخة- ب-

18

الصفحة الاولى من الموجود من نسخة- ج-

19

الصفحة ما قبل الاخيرة من نسخة- ج-

20

الصفحة الاخيرة من نسخة- ج-

21

الصفحة الاولى من نسخة- د-

22

الصفحة الأخيرة من نسخة- د-

23

[مقدمة المصنف‏]

بسم اللّه تعالى‏ (1) الحمد للّه الذي لاندّ له فيبارى، و لا ضد له فيجارى، و لا شريك له فيدارى، بسط الأرض قرارا، و اجرى فيها انهارا، و اخرج منها زرعا و ثمارا، و انشأ ليلا و نهارا، و صلى اللّه على رسوله محمد الذي اصبح‏ (2) وادى النبوة برسالته معطارا، و على اخيه و ابن عمه الذي لا يتمارى، و ارضاه بمرتضاه نسبا و حسبا و صهرا، و حباه بأكرم الاطايب و الأكارم فخرا و ذكرا، و فطم بفواطم حسنيه اعلم الخلق عزا و قدرا، المنزهين عن الرجس، المؤيدين بروح القدس، المتفرعين من الدوحة النبوية، و الاصول الطاهرة الهاشمية، الراقين إلى معارج ذروة المجد الشامخ، المنتجبين من العنصر الفاخر الباذخ، المخصوصين من الكريم اللطيف بالطور و النجم و هل اتى و الفرقان، اعلام الورى، و منار الهدى، و ذوى التقى، قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (3)، و صحبه المتمسكين بالعروة الوثقى، المقتفين لآثاره بنشر القبول، السادة النجباء، من شرف العناية الالهية، و مهب الرعاية الصمدية، ما اضحك ثغور الرياض مدامع السحاب، طوبى لهم و حسن مآب، هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ (4)، رب اغفر لي و لوالدي يوم يقوم الحساب، اسألك اللهم الاتصال بالعترة النبوية و العمل بالكتاب، انك انت الكريم الوهاب.

و بعد:

فيقول الفقير المعترف بذنبه لربه القدير، الراجي عفو ربه الغني، ذو القدر العلي، ضامن بن شدقم‏

____________

(1). من البسملة و حتى نهاية ترجمة الإمام الحسين بن علي (عليهما السّلام) من نسخة ب فقط ساقطة من نسخة أ. و قد اشرنا في نهاية الموضوع إلى ذلك.

(2). هكذا في ب.

(3). الشورى/ 23.

(4). ابراهيم/ 52.

24

بن علي بن حسن النقيب بن علي النقيب بن حسن الشهيد بن علي بن شدقم الشدقمي الحمزي الحسيني المدني: هو انه لما منّ اللّه تعالى عليّ باتمام المجلد الأول من تحفة الأزهار، و زلال الأنهار، في نسب ابناء الأئمة الأطهار (صلوات اللّه عليهم) مدى الليل و النهار، فحداني الشوق إلى الحاق الجلد الثاني، و هو مختص بنسب ابناء أبي عبد اللّه الحسين، السبط الثاني، عليه أفضل الصلاة و السلام من الملك المتعالي، و قد رتبته على ما تقدم من الترتيب المذكور في الجلد الأول المختص بنسب اولاد أبي محمد الحسن السبط (عليه السّلام).

25

[الباب الثاني: عقب الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام)‏] و فيه فصول:]

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

الفصل الأول‏

في مولد السيد السند، الإمام الهمام، و المولى النجيب القمقام، زين المحافل و المنابر، الزكي الطيب الطاهر، معدن الجود و الكرم و السخاء الفاخر، العابد الراكع الساجد، السبط الشهيد الزاهد، سبط رسول اللّه محمد المصطفى، و شبل حيدرة علي المرتضى، و قرة عين البتول فاطمة الزهراء، الهادى [إلى‏] سبيل الرشاد، المفضل من الاله على سائر العباد، الساقي لشيعته الرحيق يوم المعاد، جليل الفضائل عظيم الشأن، البدر المنير الباكي عليه الانس و الجان، الموضح طرق الحق و آيات الأحكام و البرهان، الطهر الطاهر و المطهر، من كل رجس من الاله العزيز الأكبر، السيد النجيب و المولى العظيم، النور الأزهر، الذي قصرت عن احصاء فضائله سائر الأنام، و كلّت السن جريان الأقلام، و جفت محابر ديوان البحار مدادا و الأشجار اقلاما، الراغب في الآخرة عن الدنيا على بر و معاند مدى الليالي و الأيام، البدر الساطع المنير، الهزبر الضيغم النحرير، الفائق نوره في الآفاق، قتيل الكفرة الفجرة ذوى النفاق، الممنوع عن الحق ظلما و جورا، المغصوب المسلوب قهرا، المفجوع المحروق الجنان على الأهل و الاولاد باكي العينين، حزين الفؤاد، الطعين المخضّب بالدماء من ذوي النفاق و العناد، مقطوع الوريدين، محزوز الودجين، غريب الغرباء، بالطف يسير الكربلا (1)، مسلوب الردا، المذبوح من القفا، مسبيّ الأهل و الولد و النسا، ابن مكة و منى، و زمزم و الصفا، و الآية (2) الوثقى، ثمرة فؤاد خاتم الأنبياء، محمد المصطفى، و قرة عيني البتول فاطمة الزهراء، سيدة نساء الدنيا، و سبط خديجة الكبرى، ابو الأئمة التسعة السادة النجباء، صاحب المحن و ما اشتدت من الكروب و البلاء، المدفون بغير رأس بأرض كربلاء، الإمام الهمام بالحق، السالك نهج الصدق، ابو عبد اللّه الحسين بن‏

____________

(1). هكذا في ب.

(2). هكذا في ب.

28

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما أفضل الصلاة و أزكى السلام، من الاله الملك العلام.

قال جدي حسن المؤلف طاب ثراه: مولده الشريف بالمدينة المنورة لخمس خلون من شهر شعبان سنة ثلاث من الهجرة، في زمن ملك الأكاسرة يزدجرد بن برويز بن شهريار، و كان وضع امه به بعد مضي ستة اشهر من وضعها باخيه الحسن (عليه السّلام)، فلم يكن الحسن اسن منه الّا بها، و ذلك لان اللّه عزّ و جلّ نزّهها من الطمث و دم النفاس، حيث عصمها.

قال: و لم يولد قبله مولود لستة أشهر غير عيسى بن مريم (عليه السّلام)، و هو قول اللّه تعالى: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (1).

قال: و روي عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السّلام) قال: ان عيسى بن مريم (عليه السّلام) مكث في بطن امه تسع ساعات فجعل اللّه تعالى مكان كل ساعة شبرا.

و ذكر في كامل الزيارات و الكافي‏ (2) لم قط يعيش مولود لستة اشهر غير الحسين (عليه السّلام)، و من قبله يحيى بن زكريا (عليه السّلام).

قال: و روي ان فاطمة الزهراء (عليها السّلام) كرهت حملها به و وضعها له، و ذلك لما سيأتي ان شاء اللّه، فنزلت هذه الآية: وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَ إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏ (3).

قال: فلو قال و اصلح لي ذريتي لكانت ذريته كلهم ائمة، و لكن اتى بفي الظرفية اي من ذريتي.

قال علي بن ابراهيم في تفسيره هذه الآية: انّما عني بها سبحانه الحسن و الحسين (عليهما السّلام) ثمّ عطف بها على الحسين (عليه السّلام) و هو قوله تعالى‏ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً، وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً و ذلك لان جبرئيل (عليه السّلام) هبط على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و بشره بالحسين (عليه السّلام) قبل حمل امّه به و اخبره انّه يصاب في نفسه و ولده و يقتل، فجزع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و امير المؤمنين (عليه السّلام) و فاطمة (عليها السّلام) لذلك، فهبط جبرئيل (عليه السّلام) ثانية و بشره بأنّ اللّه عزّ و جلّ جعل الامامة في ولده و عقبه، ان يرده في الدنيا و ينصره على اعدائه،

____________

(1). الاحقاف/ 15.

(2). اصول الكافي 1/ 386.

(3). الاحقاف/ 15.

29

فيقتلهم و يملك الأرض برحبها و هو قوله تعالى: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ‏ (1).

و قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ (2).

و تولى امارة (3) جده رسول اللّه و اذن في اذنه اليمنى، و اقام في اليسرى و عق عنه كبشا، و سمّاه حسينا، و كنّاه ابا عبد اللّه، و لقبه بالشهيد و السبط و الطيّب و سيد شباب اهل الجنة.

قال الفقيه ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (رحمه اللّه) في علل الشرائع، بسنده المتصل إلى أبي الحسن علي الرضا (عليه السّلام) قال: كان الحسين (عليه السّلام) لم يرضع من امّه فاطمة (عليها السّلام) و لا من غيرها، حتى يأتيه جده رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيضع لسانه في فيه فيمصه حتى يروى اليوم و اليومين و الثلاث، فانبت اللّه لحمه من لحم جده رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(4)، و أرضعته ام‏

____________

(1). القصص/ 5، تفسير القمي 2/ 297.

(2). الأنبياء/ 105.

(3). هكذا في ب.

(4). في علل الشرائع 1/ 205- 206 الرواية كما يلي: حدثنا احمد بن الحسن (رحمه اللّه) قال: حدثنا احمد بن يحيى قال: حدثنا بكر بن عبد اللّه بن حبيب قال: حدثنا تميم بن بهلول قال: حدثنا علي بن حسان الواسطي، عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) جعلت فداك من أين جاء لولد الحسين الفضل على ولد الحسن و هما يجريان في شرع واحد؟

قال: لا اراكم تأخذون به، ان جبرئيل (عليه السّلام) نزل على محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ما ولد الحسين بعد، فقال له: يولد لك غلام تقتله امّتك من بعدك.

فقال: يا جبرئيل، لا حاجة لي فيه، فخاطبه ثلاثا ثمّ دعا عليا فقال له: ان جبرئيل (عليه السّلام) يخبرني عن اللّه عز و جل انّه يولد لك غلام تقتله امّتك من بعدك، فقال: لا حاجة لي فيه يا رسول اللّه، فخاطب عليا (عليه السّلام) ثلاثا، ثمّ قال: انّه يكون فيه و في ولده الامامة و الوراثة و الخزانة، فارسل إلى فاطمة (عليها السّلام): انّ اللّه يبشّرك بغلام تقتله امّتي من بعدي، فقالت فاطمة: ليس لي حاجة فيه يا ابت، فخاطبها ثلاثا، ثمّ ارسل إليها: لابد ان يكون فيه الامامة و الوراثة و الخزانة، فقالت له: رضيت عن اللّه عز و جل، فعلقت و حملت بالحسين، فحملت ستة اشهر، ثمّ وضعته، و لم يعش مولود قط لستة اشهر غير الحسين بن علي و عيسى بن مريم (عليهما السّلام)، فكفلته ام سلمة. و كان رسول اللّه يأتيه في كل يوم فيضع لسانه في فم الحسين (عليه السّلام) فيمصه حتى يروى، فانبت اللّه تعالى لحمه من لحم رسول اللّه (عليه السّلام)، و لم يرضع من فاطمة (عليها السّلام) و لا من غيرها لبنا قط، فلما انزل اللّه تبارك و تعالى فيه: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي‏. فلو قال: اصلح لي ذريتي كانوا كلهم ائمة، لكن خص هكذا.

30

الفضل، و كفلته ام سلمة.

و كان نقش خاتمه (عليه السّلام): من طلب الدنيا تعب، و قيل: انّ اللّه بالغ امره قد جعل اللّه لكل شي‏ء قدرا.

قال محمد بن يعقوب الكليني في اصوله: عن محمد بن يحيى، [عن علي‏] بن اسماعيل، عن محمد بن عمرو الزيات، عن رجل من اصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: نزل جبرئيل (عليه السّلام) إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قال: يا محمد، ربّك عز و جل يقرؤك السلام، و يبشّرك بمولود [يولد] من فاطمة اسمه الحسين (عليه السّلام) تقتله امّتك من بعدك، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): و على ربي السلام، يا اخي جبرئيل لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله امّتي من بعدي. فعرج جبرئيل (عليه السّلام) ثمّ هبط و قال مثل ذلك، و انّ اللّه جاعل في ذريته الامامة و الخزانة و الولاية و الوصية و ميراث النبوة، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) رضيت بأمر اللّه و قضاه، ثمّ انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لعلي (عليه السّلام): ان جبرئيل (عليه السّلام) بشّرني عن اللّه عز و جل بمولود يولد لك من فاطمة تقتله قوم من امّتي بعدي، فقال (عليه السّلام): يا نبي اللّه لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله قوم من امّتك بعدك، فقال: انّ اللّه عز و جل قد جعل فيه و في ذريته الامامة و الولاية، الخزانة، فقال (عليه السّلام): رضيت يا رسول اللّه بأمر اللّه و قضائه، ثمّ ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لفاطمة (عليها السّلام): ابشّرك بما بشرني به جبرئيل (عليه السّلام) عن اللّه عز و جل بمولود يولد لك فتقتله قوم من امّتي بعدي، فقالت (عليها السّلام):

يا نبي اللّه لا حاجة لي في مولود لي تقتله امّتك من بعدك، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): انّ اللّه عز و جل قد جعل فيه و في ذريته الامامة و الولاية و الخزانة.

قالت: رضيت يا رسول اللّه بأمر اللّه و قضائه‏ (1).

قال الفقيه ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (رحمه اللّه): حدثنا احمد بن الحسن قال: حدثنا احمد بن يحيى، قال: حدثنا بكر بن عبد اللّه بن حبيب قال: حدثنا تميم بن بهلول قال: حدثنا علي بن حسان الواسطي: عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي قال: قلت لأبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام): جعلت فداك يابن رسول اللّه، من أين جاء لولدك الفضل على ولد اخيك الحسن (عليه السّلام) و انتما تجريان في شرع واحد.

____________

(1). الكافي 1/ 286 و فيه اختلاف قليل.

31

فقال (عليه السّلام): الا انبّئكم ما تأخذون به!

فقلنا: بلى يا ابن رسول اللّه.

قال: ان جبرئيل (عليه السّلام) نزل على جدي رسول اللّه و قال: السلام عليك يا محمد: ربك يقرؤك السلام و يبشّرك بغلام اسمه الحسين ... الحديث مثله‏ (1).

قال: روي عن جابر الجعفي برفع سنده إلى أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) قال: دخلت ذات يوم على جدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و عمري ثلاث سنوات، فضمني إليه و قبل ما بين عيني، ثمّ تنفس الصعداء، و هملت عيناه، ثمّ قال لي: فديتك يا قتيل الفجرة، إلى اللّه اشكو عظم مصيبتي فيك. فلما سمعت كلامه عرض لي البكاء فبكيت، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لا تبك يا حسين، اضحك اللّه سنك و سني فيك، يا حسين الا اخبرك بما اخبرني به جبرئيل (عليه السّلام) عن اللّه عز و جل؟ فقلت: بلى يا رسول اللّه، فقال: انّ اللّه تبارك و تعالى خلقك من نور لا يطفى ابدا، و وجها لا يهلك ابدا، و يخلق اللّه تعالى من صلبك تسعة انوار، ائمة ابرارا، فيك و فيهم حكم القضا، و نظام كل نظام، و زمام كل زمام، ثمّ قال (عليه السّلام): فمنذ سمعت كلامه ما حزنت قط ابدا.

قال الشيخ فخر الدين طريح النجفي (رحمه اللّه): (روي عن ابن عباس رضى اللّه عنه قال: لما ولد الحسين (عليه السّلام) امر اللّه تعالى جبرئيل (عليه السّلام) ان يهبط إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في الف ملك من الملائكة المقربين ليهنئوا بولادته سيدة نساء العالمين لهذا الوافد الأمين، فهبط و معه الملائكة على جزيرة من جزائر البحر، فرأى به ملكا اسمه فطرس قد ارسله اللّه تعالى بامر فابطأ، فغضب عليه فكسر جناحه و القاه في تلك الجزيرة، فلم يزل بها مدة سبعمائة عام يعبد اللّه عز و جل إلى ان ولد الحسين (عليه السّلام)، فلما مر به جبرئيل و الملائكة (عليهم السّلام) قال له: يا اخي جبرائيل إلى أين تريد؟.

قال: انّ اللّه تبارك و تعالى انعم على نبيه محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بمولود من ابنته فاطمة (عليها السّلام) فبعثني و هؤلاء الملائكة لنهنئه به.

قال: يا اخي انّي قد مكثت في هذه الجزيرة سبعمائة عام و قد ضاق صدري و عيل صبري، فأريد أن تحملني إليه لعل محمدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يدعو لي بالعافية، و يشفع لي عند اللّه عز و جل في جبر

____________

(1). علل الشرائع 1/ 205- 206 و في الرواية اختلاف، و قد نقلتها نصا في هامش سابق.

32

جناحي المكسور.

قال: فحمله جبرئيل (عليه السّلام) على طرف ريشة من جناحه حتى دخل به على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هنأه بمولد الحسين (عليه السّلام) من اللّه عز و جل و كذا الملك فطرس و الملائكة اجمعين، و اخبره بحال الملك فطرس.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): جبرائيل، قل له يقوم و يمسح بجناحه المكسور هذا المولود، وعد إلي فقام و مسح جناحه على الحسين (عليه السّلام) فعوفي من ساعته.

فقال فطرس: يا رسول اللّه ان امّتك تقتل ولدك هذا، و له مكافآت، يا محمد لا يزوره زائر الّا بلغته صوته.

ثمّ ارتفع إلى السماء ببركة الحسين (عليه السّلام) و هو يقول: من مثلي و انا عتيق الحسين و ابوه علي بن ابي طالب و امّه فاطمة و جده رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

قال ابن عباس رضى اللّه عنه: و هذا الملك فطرس لا يعرف بين الملائكة الا مولى الحسين (عليه السّلام)) (1).

و قال ابو جعفر الطوسي في مصباح الأنوار: (انّ اللّه عز و جل لما غضب على هذا الملك فطرس، خيره بين عذاب الدنيا و عذاب الآخرة، فاختار عذاب الدنيا، فكسر جناحه و القاه في تلك الجزيرة، فكان معلقا باشفار عينيه سبعمائة عام، لا يمر به حيوان من تحته الّا احترق من دخان يصعد منه غير منقطع، فلما احس بوصول جبرئيل و الملائكة نازلين من السماء، كان ما كان من امره باذن اللّه تعالى عز و جل اكراما منه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و سبطه (عليه السّلام)) (2).

و روي عن ابن عباس (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: لما ولد الحسن (عليه السّلام) امر اللّه تعالى جبرئيل (عليه السّلام) بالهبوط إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بلفافة خضراء من الجنة، و لما ولد الحسين (عليه السّلام) امر اللّه تعالى جبرئيل بالهبوط إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بلفافة حمراء من الجنة. فسأله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عنهما. فقال: اما الحسن فيقتل مسموما، و اما الحسين فيقتل مذبوحا ظلما و عدوانا كما يذبح الكبش، فيستحلون دمه و يسبون نساءه، فيسخط اللّه تعالى على قاتله.

____________

(1). المنتخب 1/ 101- 102 مع اختلاف قليل في النص.

(2). المنتخب 1/ 102 مع اختلاف قليل/ مصباح الأنوار. مناقب آل ابي طالب 3/ 228- 229 عن مصباح الأنوار ايضا.

33

قال: روى عن انس بن مالك عن ام سلمة رضي اللّه عنها قالت: ان ملك القطر استأذن الملك الأعلى في النزول إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فاذن له، فنزل إليه في بيتي. فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لي: ام سلمة لا يدخل علينا احد، فأتى الحسين (عليه السّلام) و دخل عليه، فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يلثم فاه و يقبله، فقال له الملك اتحبه يا رسول اللّه؟ قال: نعم. قال: ان امّتك ستقتله، و ان شئت اريتك المكان الذي يقتل فيه، فمد يده فجاء بسهلة من تراب احمر، فاعطاه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فناولني كفا منه و قال لي: ان هذا من تراب الأرض التي يقتل فيها الحسين، فمتى صار دما (1) عبيطا! فاعلمي انه قتل، فاخذته و وضعته [في‏] قارورة عندي، و ان يوم رحل فيه الحسين (عليه السّلام) ما كان يوم اعظم منه.

قال: و روي ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خرج في سفر له، فلمّا انتهى به المسير إلى بعض الطريق وقف جواده، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): انّا للّه و انّا إليه راجعون، ثمّ دمعت عيناه فبكى بكاء شديدا، فسئل عن ذلك فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ان هذا اخي جبرئيل (عليه السّلام) اخبرني عن ارض يقال لها كربلاء، يقتل فيها ولدي الحسين، و كأنّي انظر إليه و إلى مصرعه و مدفنه بها، و كأنّي انظر إلى اصحابه حوله مطروحين مصروعين و كأنّي انظر إلى السبايا محمولين على اقتاب المطايا، و هم عرايا، و قد اهدي برأس ولدي إلى يزيد لعنه اللّه، فو اللّه ما ينظر احد إلى رأس الحسين (عليه السّلام) و يفرح مسرورا الا و فارق اللّه تعالى بين قلبه و لسانه و عذبه عذابا اليما.

و روي عن عبد اللّه بن يحيى عن ابيه، قال: سافرت مع امير المؤمنين (عليه السّلام) إلى صفين، فلما انتهينا إلى شاطي الفرات سمعته ثلاث مرات يتنفس الصعداء و يقول لابنه الحسين (عليه السّلام): صبرا يا ابا عبد اللّه، فقلت له: جعلت فداك، لماذا؟

فقال: دخلت ذات يوم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و عيناه تفيضان، فقلت له: جعلت فداك يا نبي اللّه هل اغضبك احد؟ قال: لا. فقلت: ما شأن عينيك يفيضان؟

قال: قد قام من عندي جبرئيل (عليه السّلام) و قد حدثني انّ الحسين (عليه السّلام) يقتل بشط الفرات، ثمّ قال لي:

فهل لك ان آتيك من تربته؟ فقلت: نعم، فمد يده و قبض قبضة من تراب احمر فاعطانيها، فلم املك عيني ان فاضتا.

____________

(1). في ب: (ماء) و ما اثبتنا من المصادر الأخرى.

34

قال ابو منصور احمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي (رحمه اللّه) في الاحتجاج: (قال امير المؤمنين (عليه السّلام) في بعض خطبه: سلوني قبل ان تفقدوني، فو اللّه لو تسألوني عن فتنة تضل مائة و تهدي مائة الا انبأتكم بناعقها و سائقها إلى يوم القيامة فقام إليه [رجل‏] و قال: اخبرني كم في رأسي و لحيتي من طاقة شعر؟ فقال (عليه السّلام): و اللّه لقد حدثني [خليلي‏] رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بما سألت عنه، و ان على كل طاقة شعر من رأسك ملك يلعنك، و على كل طاقة شعر من لحيتك شيطان يستفزك، و ان في بيتك سخل يقتل ابن بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و انّ ذلك مصداق ما اخبرتك به و لو لا انّ الذي سألت يعسر برهانه لاخبرتك به، و لكن آية ذلك ما نبأتك به من لعنك و سخلك الملعون، يعني به ابنه و كان في ذلك الوقت صبيا صغيرا، فلمّا كان من امر الحسين (عليه السّلام) ما كان، تولّى لقتله‏ (1).

و روي حماد بن سلمة عن سليمان القاضي قال: لما قتل الحسين (عليه السّلام) مطرت السماء دما.

و روي ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: اذا قتل الحسين (عليه السّلام) بكت السماء و بكاؤها حمرة اطواقها. و روي ان هذه الحمرة التي ترى في الشفق لم تكن قبل قتل الحسين (عليه السّلام) و انما هي قد حدثت بعد ان قتل كما حدث به جده رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم). و روي ان لم قط عهد في الشفق حمرة، و لم تظهر و لم‏ (2) تنتشر قبل قتل الحسين (عليه السّلام) و انّما هي حادثة بعد ان قتل (عليه السّلام) و ذلك من حكمة اللّه عز و جل ذكره و اراد بها الحجة على عباده، و ذلك لتنزه ذاته القدسية عن الجسمية و الجوهرية و العرضية، فانثر غضبه في وجه سمائه ليعتبر عباده فيرجع عن عصيانها لامره، و ترك ما نهى عنه، و هو قوله تعالى:

فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (3).

قال ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (ره) قال: حدثنا ابي (ره):

قال: حدثنا عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن علي بن اسماعيل عن سعدان، عن بعض رجاله، عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لما علقت فاطمة (عليها السّلام) بالحسين (عليه السّلام) قال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): انّ اللّه عز و جل قد وهب لك غلاما اسمه الحسين، يقتله قوم من امّتي بعدي، فقالت (عليها السّلام): يا نبي اللّه لا حاجة لي فيه، قال: انّ اللّه قد وعدني فيه ان يجعل الأئمة من ولده، و قبول الدعاء تحت قبته، و الشفاء بتربته، و ان‏

____________

(1). الاحتجاج 1: 388- 389 مع اختلاف بسيط.

(2). في ب: (و لا) و ما اثبتنا حسب السياق.

(3). سورة الحشر/ 2.

35

يبرى بها كل عليل، و يشفى كل سقيم، و كل من قبر في حايره دخل الجنة بغير حساب، و تفتح العميان بقبته. فقالت (عليها السّلام): رضيت يا رسول اللّه بامر اللّه و قضائه‏ (1).

قال الشيخ في المصباح: روي ان رجلا سأل الصادق (عليه السّلام) فقال: جعلت فداك اني قد سمعتك تقول: ان تربة الحسين (عليه السّلام) من الادوية المفردة، و انّها [لا] تمر بداء الا هضمته. فقال (عليه السّلام): قد كان ذلك، او قال قد قلت ذلك فما بالك، قال: انّي قد تناولتها فما انتفعت منها بشي‏ء. فقال (عليه السّلام): ان لها دعاء، فمن تناولها و لم يدع به لم يكد ينتفع بها.

فقلت: فما يقول؟

قال: تقبلها اولا قبل كل شي‏ء و تضعها على عينيك و لا تتناول منها اكثر من حمصة فمن تناول منها اكثر من ذلك فكأنّما اكل لحومنا او شرب من دمائنا، فاذا تناولت منها فقل: اسألك اللهم بحق الملك الذي قبضها، و اسألك بحق النبي الذي خزنها، و اسألك بحق الوصي الذي حل فيها، ان تصلي على محمد و آل محمد، و ان تجعلها شفاء من [كل‏] داء، و امانا من كل خوف، و حفظا من كل سوء، فاذا قلت ذلك فاشددها في شي‏ء فاقرأ سورة القدر، فان الذي تقدم هو الاستيذان و سورة القدر ختمها (2).

قال: و روي يونس بن ظبيان‏ (3) عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: طين قبر الحسين (عليه السّلام) شفاء من كل داء، فاذا اكلت منه شيئا فقل: بسم اللّه الرحمن الرحيم، بسم اللّه و باللّه و من اللّه و إلى اللّه، اللهم اجعله رزقا واسعا و علما نافعا و شفاء لما في الصدور، انك على كل شي‏ء قدير.

اللهم اني اسألك يا ربّ هذه التربة المباركة، و رب الوصي الذي و اريته فيها، صل على محمد و آل محمد، و اجعل هذا الطين شفاء من كل داء، و امنا من كل خوف انك على كل شي‏ء قدير.

و روى حنان بن سدير الصيرفي عن ابيه عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: من اكل من طين قبر الحسين (عليه السّلام) غير مستشف به فكأنما اكل من لحومنا، و شرب من دمائنا، فاذا احتاج احدكم إلى‏

____________

(1). علل الشرائع 1/ 204- 205، و العبارة من (و قبول الدعاء ..... العميان بقبته) غير واردة في العلل.

(2). كامل الزيارات 282 برواية اخرى.

(3). في ب: (الهيات) و ما اثبتنا من المراجع الأخرى. و قريب منها في كامل الزيارات 284- 285.

36

الاكل منه ليستشفي به فليقل: بسم اللّه الرحمن الرحيم، بسم اللّه و باللّه، اللهم رب هذه التربة المباركة، الطيبة الطاهرة و رب النور الذي انزلته في [ها]، و رب الجسد الذي اسكنته [فيها]، و رب الملائكة الموكلين بها، اجعلها شفاء من كل داء كذا و كذا، ثمّ اجرعه و اجرع خلفه جرعة ماء، و قل اللهم اجعله رزقا واسعا، و علما نافعا، و شفاء من كل داء و سقم، فان اللّه عز و جل يدفع بها كلما تجد من الاسقام و الألم و الهم و الغم و الأحزان.

37

[الفصل الثاني‏] في الاشارة و النص من ابي محمد الحسن السبط بن امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليهما السّلام)

قال الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ره) في اصوله: محمد بن الحسن و علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن بعض اصحابه‏ (1) عن المفضل‏ (2) بن عمر، عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لما حضرت الحسن [بن علي‏] (عليه السّلام) الوفاة قال: يا قنبر انظر إلى من وراء بابك مؤمنا من غير آل محمد.

قال: اللّه و رسوله و ابن رسول اللّه اعلم به مني.

قال: ادع لي اخي محمدا، فمضيت إليه فقال: هل حدث الّا خير؟ قلت: اجب مولاي ابا محمد الحسن (عليه السّلام) فعجّل على شسع نعله فلم يسوه، فخرج معي يعدو، فلما اتاه قام بين يديه، فقال (عليه السّلام) له:

يا محمد ليس مثلك من يغيب عن سماع كلام يحيى به الأموات و يموت به الأحياء، كونوا اوعية العلم، و مصابيح الهدى، فان ضوء النهار بعضه اضوء من بعض، اما علمت انّ اللّه تبارك و تعالى جعل ولد ابراهيم (عليه السّلام) ائمة و فضل بعضهم على بعض، و اتى داود زبورا، و قد علمت مما استأثر اللّه تعالى به محمدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يا محمد اني اخاف عليك الحسد، و انما وصف اللّه تعالى به الكافرين فقال تعالى: كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُ‏ (3) و لم يجعل اللّه تعالى للشيطان عليك سلطانا، يا محمد الا اخبرك بما سمعت من ابيك امير المؤمنين (عليه السّلام) فيك؟

قال: بلى، جعلت فداك.

قال: سمعت اباك يقول يوم البصرة من احب ان يراني في الدنيا و الآخرة فلير محمدا ولدي، يا محمد لو شئت ان اخبرك و انت نطفة في ظهر ابيك لاخبرتك.

قال: بلى.

____________

(1). في ب: (اصحابه) و صوبناه من الكافي.

(2). في ب: (الفضل) و صوبناه من الكافي.

(3). سورة البقرة/ 109.

38

قال: اما علمت ان اخاك الحسين بن علي (عليه السّلام) بعد وفاة نفسي و مفارقة روحي لجسمي، امام مفترض الطاعة من بعدي، و عند اللّه جل اسمه في الكتاب وراثة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) اضافها اللّه تعالى في وراثة ابيه و امه صلى اللّه عليهم، فعلم اللّه انّكم خيرة خلقه، فاصطفى منكم محمدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و اختار محمد عليا و اختارني علي للامامة، و اخترت انا الحسين اخى إبن علي (عليهما السّلام).

فقال محمد: جعلت فداك انت امامي و وسيلتي إلى جدك رسول اللّه محمد المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و اللّه لوددت نفسي ذهبت قبل ان اسمع منك هذا الكلام الا و انّ في رأسي كلاما [لا] تنزفه الدلاء، و لا تغيره نغمة الرياح، كالكتاب المعجم في الرق المنمنم‏ (1) اهم بابدائه، واجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل، او ما جاءت به الرسل و انه لكلام يكل به لسان الناطق، و مدّ الكاتب، و لا يبلغ فضلك، و كذلك يجزي اللّه المحسنين، و لا حول و لا قوة الّا باللّه العلي العظيم.

اعلمنا علما، و اثقلنا حلما، و اقربنا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) رحما، كان فقيها قبل ان يخلق، و قرأ الوحي قبل ان ينطق، و لو علم اللّه في احد خيرا ما اصطفى محمدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فلما اختاره اللّه عز و جل اختار عليا اماما، و اختارك علي اماما، و اخترت انت الحسين (عليه السّلام) اماما، فسلمنا و رضينا من الرضا، و من تسلم به من مشكلات امرنا (2).

____________

(1). المنمنم: المزين.

(2). الكافي 1: 239- 240. و فيه عبارة ... و مدّ الكاتب (حتى لا يجد قلما و يؤتوا بالقرطاس حمما)، فلا يبلغ فضلك، زيادة عن الأصل.

39

[الفصل الثالث‏] في ما ورد من النص عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في محبته للحسين (عليه السّلام) و فضائله‏

قال الفقيه ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي رضى اللّه عنه: حدثنا ابو الحسن احمد بن ثابت الدواليبي‏ (1) قال: حدثنا محمد بن علي بن عبد الصمد الكوفي قال: حدثنا علي بن عاصم، عن ابي محمد الجواد بن علي الرضا (عليه السّلام) قال: دخل جدي الحسين (عليه السّلام) على جده رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و عنده أبي بن كعب، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) للحسين (عليه السّلام): مرحبا يا ابا عبد اللّه، يا زين السموات و الأرضين، فقال أبي: كيف يكون يا رسول اللّه زين السموات و الأرضين احد غيرك؟

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يا أبي و الذي بعثني بالحق نبيا انّ الحسين بن علي ما في السماء اكبر منه و لا في الأرض، و انّه مكتوب عن يمين العرش انّه مصباح ... (2) سفينة نجاة و امام ... و عز و فخر و علم و ذخر، و انّ اللّه تعالى ركّب في صلبه نطفة طيبة مباركة زكية، له دعوات ما يدعو بها احد مخلوق الّا حشره اللّه تعالى معه و كان شفيعه في آخرته، و فرّج اللّه تعالى عنه كربه، و قضى بها دينه، و يسّر اموره و اوضح سبله، و قواه على عدوه، و لم يهتك ستره، فقال أبي بن كعب: و ما هي يا رسول اللّه؟ قال: تقول بعد فراغك من صلواتك: اللّهم انّي اسألك بكلماتك و معاقد عرشك، و سكان سمواتك، و انبيائك و رسلك ان تستجيب لي، فقد رهقني من امري عسر، فاسألك ان تصلّي على محمد و آل محمد، و ان تجعل لي من عسري يسرا، فان اللّه عز و جل يسهل امرك و يشرح صدرك، و يلقنك حجتك، و يلهمك شهادة ان لا اله الّا اللّه عند خروج روحك.

____________

(1). في ب: (الدوايلي) و ما اثبتنا حسب المراجع الأخرى.

(2). بياض في ب.

40

[الفصل الرابع‏] في ثواب زيارة ابي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام)

قال: حدثنا محمد بن الحسن بن محمد قال: حدثنا الحسين بن الحسن بن ابان، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن اسحاق، عن هارون بن حمزة الغنوي قال: سمعت ابا عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السّلام) يقول: انّ اللّه عز و جل ذكره .......... (1) المقتول ظلما و جورا، فتقربت إلى الهودج فرأيت رقاعا تتساقط حوله من السماء، فسألت الرجل عنها فقال: هذه رقاع فيها امان من النار تنزل كل ليلة جمعة من السماء لزوّار الحسين (عليه السّلام) المخلصين له بالولاء، فطلبت منه رقعة، فقال: ليس لك منها نصيب، فقلت: لم ذا؟ (2) قال: نعم لانّك لم تعتقد امامته و لا فضل زيارته، بل تزعم انّها بدعة و كل بدعة ضلال و كل ذي ضلال فهو في النار، فقلت: هل من توبة يقبلها اللّه تعالى مني، قال: نعم، ان اللّه هو التواب الرحيم، و يعفو عن السيئات، انه هو الغفور الودود، فانتبهت من منامي فزعا مرعوبا، فرجعت تائبا إلى اللّه تعالى عز و جل ذكره عما كنت مصرّا عليه، مستغفرا مقسما باللّه ألّا افارق مشهد الحسين (عليه السّلام) ما زلت حيّا إلّا إلى حج بيت اللّه الحرام او لزيارة للمشاهد المشرفة.

[حدثني محمد بن جعفر القرشي الرزاز الكوفي، عن خاله محمد بن الحسين بن ابي الخطاب، عن محمد بن اسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن بشير الدهان قال: قلت لابي عبد اللّه (عليه السّلام): ربما فاتني الحج فاعرف عند قبر الحسين (عليه السّلام) فقال: احسنت يا بشير، ايما مؤمن اتى قبر الحسين عارفا بحقه في غير يوم عيد، كتب اللّه له عشرين حجة، و عشرين عمرة مبرورات متقبلات، و عشرين غزوة مع نبي مرسل، او امام عدل، و من اتاه في يوم عيد كتب اللّه له مائة حجة، و مائة عمرة، و مائة غزوة مع نبي مرسل او امام عدل، و من اتاه يوم عرفة عارفا بحقه كتب اللّه له الف حجة و الف عمرة متقبلات، و الف غزوة مع نبي مرسل او امام عدل. قال: فقلت له: و كيف لي بمثل الموقف؟ فنظر اليّ شبه المغضب، ثمّ قال:]

____________

(1). بياض في ب.

(2). في ب: (لماذا) و صوبته من كامل الزيارات.

41

يا بشير انّ المؤمن اذا اتى قبر الحسين (عليه السّلام) يوم عرفة و اغتسل بالفرات ثمّ توجه اليه كتب اللّه له بكل خطوة حجة بمناسكها و لا اعلم الّا قال (عليه السّلام): [و غزوة] (1).

عن [الحسين بن ثوير بن‏] ابي فاخته قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السّلام): يا حسين ان من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين، ان كان ماشيا كتب اللّه تعالى له بكل خطوة حسنة و محى بها عنه سيئة، حتى اذا صار بالحاير كتبه اللّه من المفلحين، حتى اذا قضى مناسكه كتبه اللّه من الفائزين، حتى اذا اراد الانصراف اتاه ملك فقال: ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقرئك السلام و يقول لك استأنف العمل قد غفر اللّه تعالى لك ما مضى‏ (2).

عن بشير الدهان، عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ان الرجل ليخرج إلى زيارة قبر الحسين (عليه السّلام) فله اذا خرج من عند اهله باوّل خطوة مغفرة لذنوبه، ثمّ لم يزل يقدس بكل خطوة حتى يأتيه، فاذا اتاه ناداه اللّه تعالى يا عبدي ادعني اجبك، اطلب حتى اعطيك، اسألني حاجتك اقضها لك، ثمّ قال (عليه السّلام):

و حق على اللّه عز و جل ان يعطي ما بذل‏ (3).

عن صالح، عن الحارث بن المغيرة، عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ان اللّه عز و جل جعل ملائكة موكلين بقبر الحسين (عليه السّلام)، فاذا همّ الرجل لزيارته اعطاهم ذنوبه، ثمّ اذا خطى خطوة محوها و ضاعفوا له حسناته، فما يزال حسناته تتضاعف حتى يوجب له الجنة، ثمّ اكتنفوه و قدّسوه، و ينادون ملائكة السماء ان قدّسوا زوار حبيبنا حبيب اللّه، فاذا اغتسلوا ناداهم محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يا وفد اللّه ابشروا في الجنة، ثمّ ناداهم امير المؤمنين (عليه السّلام) انا ضامن لحوائجكم، و رافع البلاء عنكم في الدنيا و الآخرة ثمّ [التقاهم النبي صلى اللّه عليه و آله‏] عن ايمانهم و عن شمايلهم حتى ينصرفوا إلى اهليهم‏ (4).

عن صالح النيلي‏ (5) قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السّلام): من اتى قبر الحسين (عليه السّلام) عارفا بحقه، كان كمن حج‏

____________

(1). كامل الزيارات 169- 170 و ما بين المعقوفين بياض في الاصل اكملته من كامل الزيارات.

(2). كامل الزيارات 132، و ما بين المعوفين سقط من ب و اكملته من الكامل.

(3). كامل الزيارات 132.

(4). و ما بين المعقوفين بياض في ب اكملته من الكامل.

(5). في ب: (صالح البنا) و صوبناه من كامل الزيارات 140.

42

مائة حجة مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(1).

روي عن ..... (2) قال: ان اللّه تعالى يخلق من عرق زوار الحسين (عليه السّلام) سبعين الف ملك يسبحون اللّه و يهللونه و يقدسونه و يستغفرون لزوار الحسين (عليه السّلام) إلى ان تقوم الساعة.

و روي عن اسحاق بن عمار قال: سمعت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: موضع قبر الحسين (عليه السّلام) منذ يوم دفن روضة من رياض الجنة، او قال (عليه السّلام): ترعة من ترع الجنة (3).

و عنه‏ (4) قال سمعته يقول: ليس [من‏] ملك في السموات و الأرض [الا و] يسأل اللّه تعالى ان يأذن له في زيارة قبر الحسين (عليه السّلام)، ففوج ينزل و فوج يعرج‏ (5).

عن داود الرقي قال: سمعت ابا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: ما خلق اللّه اكثر من الملائكة لتنزل من السماء، في كل مساء سبعون الف ملك يطوفون بالبيت ليلهم حتى اذا طلع الفجر انصرفوا إلى قبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيسلمون عليه ثمّ يأتون إلى قبر الحسين (عليه السّلام) ثمّ إلى قبر امير المؤمنين (عليه السّلام) و الحسن (عليهما السّلام) فيسلمون عليهما ثمّ يعرجون إلى السماء قبل ان تغيب الشمس‏ (6).

عن حنّان بن سدير (7) عن ابيه قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السّلام): يا سدير (8) اتزور قبر الحسين (عليه السّلام) في كل يوم؟ قلت: لا، قال: اتزوره في كل شهر؟ قلت: لا، قال: أفتزوره في كل سنة؟ قلت: لا و لكن ربما قد يكون ذلك.

[قال:] يا سدير (9) [ما] اجفاكم للحسين (عليه السّلام) و ما عليك يا سدير ان تزور قبر الحسين (عليه السّلام) في الجمعة خمس مرات، و في كل يوم مرة، قلت: جعلت فداك بيننا و بينه فراسخ كثيرة، قال: اصعد فوق سطح دارك، ثمّ التفت يمينه و يساره، ثمّ ارفع رأسك إلى السماء، ثمّ تنحا نحو القبر و تقول:

السلام عليك يا ابا عبد اللّه، السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، يكتب لك في كل زورة حجة و عمرة.

____________

(1). في كامل الزيارات آخر ص 140 رواية مشابهة لها، و لعلها نفسها و جرى عليها التصحيف.

(2). بياض في ب.

(3). كامل الزيارات 271.

(4). اي عن اسحاق بن عمار قال: سمعت (اي ابا عبد اللّه الصادق (عليه السّلام)).

(5). كامل الزيارات 114.

(6). الكامل 114 مع اختلاف قليل في اللفظ.

(7). في ب: (حسان بن سديد) و صوبناه من المراجع الأخرى.

(8). في ب: (يا سديد) و صوبناه حسب السياق.

(9). في ب: (يا سديد) و صوبناه حسب السياق.

43

[الفصل الخامس‏] في توجه الحسين (عليه السّلام) من المدينة إلى مكة

قال: روى اهل السير و التواريخ: ان معاوية بن ابي سفيان نكث ما صدر منه لامير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السّلام) و ابنه الحسن السبط (عليه السّلام) من العهود و المواثيق، فاستخلف ابنه يزيد، و بايع له اهل الشام و غيرهم، و قال: يا بنيّ اوصيك باربعة نفر بالمدينة: عبد الرحمن بن ابي بكر، و عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن الزبير، و الحسين بن علي بن ابي طالب. اما عبد الرحمن فهو صاحب دنيا فمدّه بدنياه ليكون ذلك لا لك و لا عليك. و اما عبد اللّه بن عمر فهو صاحب محراب فعامله على محرابه لتسلم منه ليكون لك و لا عليك. و اما عبد اللّه بن الزبير فاحذره كل الحذر فان له مراوغة كمراوغة الثعلب، و جثوة كجثوة الاسد الكاسر، فان حاربك فحاربه، و ان سالمك فسالمه، و ان اشار عليك فاقبل شوره، و ان ظفرت به فقطعه اربا اربا. و اما الحسين بن علي فاعلم يا بني انه سيد الناس، و امام الامة قاطبة، و اباه خير من ابيك، و امه خير من امك، و اعلم ان اهل العراق لا يتركونه حتى يأتوك به مخذولا كما سبق منهم لابيه و اخيه من قبله، فاذا ظفرت به فعليك بحفظ قرابته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(1).

قال: فلما قضى معاوية نحبه‏ (2) كتب ابنه يزيد الى والي المدينة [الوليد بن عتبة بن ابي سفيان كتابا يقول فيه و ينعى له معاوية، و يأمره ان يأخذ له البيعة عليهم، و ولى سعيد بن العاص مكة، و كتب إليه ان يأخذ البيعة، و كتب إلى سائر الامصار ان يبايعوه، ثمّ كتب إلى الوليد بن عتبة كتابا اوله:

اما بعد، يا ابا محمد، اذا قرأت كتابي هذا خذ لي البيعة عليهم من قبلك‏] (3) عامة، و من هؤلاء النفر خاصة، و من لم يبايعكما لي فانفذ الي برأسه، فطلبا البيعة فبايعه عامة الناس سوى [هؤلاء الاربعة] (4).

____________

(1). مقتل ابي مخنف 5.

(2). في 15 رجب سنة 60 ه بدمشق.

(3). بياض في ب اكملناه من مقتل ابي مخنف ص 7.

(4). بياض في ب اكملناه من مقتل ابي مخنف 7.

44

اما عبد اللّه بن الزبير ارسل اليه اخاه جعفر يقول: افزعتماني هذه الليلة فامهلاني الى الصباح و انا آتيكما غدا ان شاء اللّه تعالى فتركاه، و في اثناء الليل انهزم باخيه جعفر إلى مكة من طريق الفرع خائفا يترقب و هو يقول ربّ نجني من القوم الظالمين. و لما دخلها قال: عسى ربي ان يهديني سواء السبيل‏ (1).

و اما الحسين (عليه السّلام) قال: مثلي لا يبايع سرا، فاذا بايعت الناس فانا من جملتهم على رؤوس الاشهاد و هو احبّ لكم. فقال مروان: بماذا تفتخرون علينا الّا بفاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)؟

فقام (عليه السّلام) يريد الانصراف، فقال مروان للوليد: استغنم الفرص قبل الغصص، لا يفارقك الرجل على غير مبايعة، و الا فاضرب عنقه، فالتفت (عليه السّلام) و قال: كذبت و اللّه يابن الزرقاء، بضربك لعنقي فخرج و هو يقول:

اذا استنصر المرء امرءا لم يزل له* * * فناصره و الخاذلون سواء

انا ابن الذي قد تعلمون مكانه* * * انا العز ان حلّ النجوم خفاء

الم ينزل القرآن خلف بيوتنا* * * صباحا و من بعد الصباح مساء

ينازعني و اللّه بيني و بينه* * * يزيد و ليس الامر حيث يشاء

فيا ناصحا للّه انتم ولاته* * * و انتم على ادياننا أمناء

بأي كتاب اللّه آية أنزلت* * * تناولها من اهلها البعداء

قال: انه (عليه السّلام) مضى إلى قبر جده رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يودعه و هو يبكي مستعبرا، فاخذته سنة من النوم فرأى في منامه جده رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول له: يا بني قد لحق بي أمك و ابوك و اخوك و هم في دار الكرامة و نحن مشتاقون اليك فالوحا الوحا العجل العجل فان لك درجة عالية مغشاة بالنور ما تنالها الا بالصبر و الشهادة، فما اسرع لحوقك بنا، فانتبه (عليه السّلام) من منامه و توجه الى مكة ليوم [ليومين بقيا من رجب‏] (2).

فانشأ يقول هذه الابيات في طريقه:

اذا المرء لم يحم بنيه و عرسه* * * و نسوته كان اللئيم المسببا

____________

(1). مقتل ابي مخنف 9.

(2). بياض في الأصل اكملناه من تاريخ الطبري 6/ 190.

45

و من دون ما يبغي يزيد بنا معا* * * نخوض حياض الموت شرقا و مغربا

و نضرب ضربا كالحريق مقدما* * * اذا ما رآه القرم صار منكبا

قال: فلما دخل مكة استقبله اهلها و من بها من الحجاج و غيرهم من الأعيان و الرؤساء الاجلاء و الكبار، و سائر الناس من الاقطار و الامصار، منقادين له مبايعين، و لأمره طائعين، بين يديه مجاهدين. فاتته كتب اهل الكوفة، فهمّ بالذهاب اليهم.

(فلما (1) بلغ اهل الكوفة مسير الحسين (عليه السّلام) الى مكة و اقامته بها بقصد الخروج لطلب ما منّ اللّه تعالى به عليه اجتمع اعيانهم و رؤساؤهم و كبارهم بمنزل سليمان بن صرد الخزاعي فمنهم المسيب بن نجبة، و رفاعة بن شداد، و حبيب بن مظاهر، و عروة بن قيس، و عمرو بن الحجاج الزبيدي و غيرهم نحو مائة رجل من امثالهم فتعاهدوا و تواثقوا و تعاقدوا على كتاب اللّه على ان يكونوا للحسين اعوانا و انصارا مجاهدين بين يديه، [و] بالارواح حبا و رضا للّه عز و جل، و كتبوا الكتب بذلك و ارسلوها اليه مع عبد اللّه بن سبيع الهمداني، و عبد اللّه بن وائل، و هذا مضمونها:

بسم اللّه الرحمن الرحيم الى ابي عبد اللّه الحسين بن امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليهما السّلام) من شيعته و شيعة ابيه امير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته. اما بعد: فانا و الناس جميعا منتظرون قدومك عليهم متابعون لك مجاهدون بين يديك اعوانا و انصارا لك، لا رأى لهم في غيرك عملا بكتاب اللّه و ما صرح به جدك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فالعجل العجل يابن رسول اللّه، فاقبل علينا لعل اللّه تعالى ان يجمعنا بك على الحق الواضح المنير، و ينير بك الدين القويم، و تهدينا و الامة بك الى الصراط المستقيم انه الكريم الوهاب ذو الفضل العظيم، ثمّ لا يخفى على شريف علمك ان النعمان بن بشير في قصر الامارة لم قط اجتمعنا و اياه في جمعة و لا جماعة و لا عيد، و لو بلغنا توجهك الينا لخرجناه عنا ليلحق بالشام فان شاء اللّه نفعل ذلك حين يرد الينا كتابك ينبّئنا بقدومك علينا و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

و لما مضت عشرة ايام من شهر رمضان و صل عبد اللّه بن سبيع الهمداني و عبد اللّه بن وائل بالكتب الى الحسين (عليه السّلام) بمكة، فبعد مضيها من عندها بيومين سرحوا بنحو مائة و خمسين صحيفة

____________

(1). من هنا منقول عن الإرشاد 202- 217 بتصرف قليل.

46

من الرجل و الرجلين إلى الحسين (عليه السّلام) مع قيس بن مسهر الصيداوي، و عبد الرحمن بن عبد اللّه الارحبي، و عمارة بن عبد اللّه السلولي.

ثمّ بعد يومين كتب شبث بن ربعي، و حجار بن ابجر، و زيد (1) بن الحارث بن رويم، و عروة بن قيس، و عمرو بن الحجاج الزبيدي، و محمد بن عمرو التميمي.

اما بعد: فقد اخضر الجناب، و اينعت الثمار، فاذا شئت فاقدم على جند لك مجندة و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته. و ارسلوها مع هاني بن هاني السبيعي، و سعيد بن عبد اللّه الحنفي‏ (2)، فوفدوا عليه بمكة، فكتب (عليه السّلام) لهم الجواب بهذا المضمون:

بسم اللّه الرحمن الرحيم من الحسين بن علي امير المؤمنين (عليه السّلام) إلى الملأ من المسلمين و المؤمنين.

اما بعد: فان هاني بن هاني، و سعيد بن عبد اللّه قد قدما علي بكتابكم فكانا هما آخر من وفدا عليّ من رسلكم، ففهمت كل ما قصصتموه و مقالة [جلّكم‏] انّه ليس علينا امام فاقبل علينا لعل اللّه ان يجمعنا بك على الهدى و الحق، فاعلموا اني باعث اخي و ابن عمي و ثقتي مسلم بن عقيل فان كتب اليّ انه قد اجمع رأي ملأكم و ذوى الحجى و الفضل منكم ما قدمت الي به رسلكم و انبأت به كتبكم فاني قادم عليكم و شيكا ان شاء اللّه تعالى، فلعمري ما الامام الّا [الحاكم‏] بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، [الحابس نفسه‏] (3) على ذات اللّه و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

و سرحه مع‏ (4) مسلم بن عقيل و قيس بن مسهر الصيداوي، و عمار [ة] بن عبد [اللّه‏] السلولي، و عبد الرحمن بن عبد اللّه الارحبي، و امر مسلم بتقوى اللّه و كتمان السر بما امره به و اللطف بعباد اللّه، و ان تنظر الى القوم و اجتماع كلمتهم و عدمها و الاستبيان منهم و تعجل اليه بالجواب، فمضى حتى دخل المدينة و زار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ودعه و كذا من احب، و استأجر دليلين فاقبلا بهم ينكبان الأرض، فضلا بهم الطريق فعطشوا حتى عجزوا عن السير، فلاح لمسلم سنن الطريق فركبه مع‏

____________

(1). في الفتوح 5/ 50، و انساب الاشراف للبلاذري 5/ 338: (يزيد).

(2). في ب: (التميمي) و صوبناه من الفتوح 5/ 50.

(3). في ب: (الخائن بنفسه) و صوبناه من المراجع الأخرى.

(4). في ب: (من) و صوبناه من المراجع الأخرى.

47

اصحابه، و لما انتهى بالمضيق من بطن الخبت كتب إلى الحسين (عليه السّلام) و عرّفه بذلك، و لم ينج الّا بنفسه:

و اني قد تطيرت بذلك فان رأى مولاي ان يعفيني عن المسير و بعث احدا غيري فذلك [ما كنا نبغي‏] (1)، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

فكتب (عليه السّلام) اليه: اما بعد: قد علمت من كتابك انّك قد خشيت من حملك لكتابي فاستعفيت من الوجه الذي وجهتك اليه، فما كان ظني بك ذلك، فامض على رشدك سالما في الأمر الذي وجهتك فيه و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

فوصل اليه الكتاب و قرأه و قال: لست اخاف على نفسي، و لكن يقضي اللّه امرا كان مفعولا، و توجه حتى نزل بأحد مياه طي، فرأى رجلا قد اصطاد ظبيا و ذبحه، فقال: هكذا نقتل عدونا ان شاء اللّه تعالى.

ثمّ توجه حتى وفد الكوفة فتلقاه اهلها بقبول حسن، و انزلوه بدار المختار بن ابي عبيدة المعروفة الآن بدار مسلم بن المسيب، فاقبلت عليه الشيعة قاطبة و بايعوه للحسين (عليه السّلام)، فالذي [اجتمع في‏] (2) ديوانه ثمانية عشر الف رجل من المشاهير، فكتب الى الحسين (عليه السّلام) و عرّفه بذلك و انه جمع له مائة الف سيف [و يأمره‏] (3) بسرعة القدوم اليه، فعلم به النعمان بن بشير الوالي على الكوفة من زمن معاوية، فامر بالصلاة جماعة ثمّ صعد المنبر و حمد اللّه و اثنى عليه و صلى على النبى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ثمّ قال:

ايها الناس، اتقوا اللّه حق تقاته و لا تسارعوا إلى الفتنة و الغرور لمفارقة الامة فتندموا و تهلكوا بما يحدث فيها من سفك الدماء و هتك الاعراض و سبي الذراري و العيال و نهب الاموال، ألا و إنّي ناصح لكم، لست بمقاتل من لا يقاتلني، و لا اثور على من لا يثور علي، و لا [أنبّه نائما من نومه‏] (4) و لا اتحرش باحد من عباد اللّه، و لا اخذ بالقرف و لا الظنة و لا التهمة، و الآن قد ابديتم صفحتكم لي، و نكثتم بيعتكم لولي نعمتكم [و خالفتم‏] (5) امامكم، فو اللّه الذي لا اله الّا هو، و لا معبود سواه،

____________

(1). بياض في ب و اكملناه من المراجع الأخرى.

(2). بياض في ب و اكملناه من المراجع الأخرى.

(3). بياض في ب و اكملناه من المراجع الأخرى.

(4). بياض في ب و اكملناه من المراجع الأخرى.

(5). بياض في ب و اكملناه من الارشاد.

48

لئن لم ترتدعوا عما هممتم به و تزجروا انفسكم الامارة بالسوء عما اصررتم عليه لاضربنكم بسيفي هذا ما ثبت قائما، و لو لم يكن لي ناصرا، اما انّي ارجو منكم من يعرف الحق فيقيمه، و يردع به الباطل.

فقال عبد اللّه بن مسلم بن شعبة (1) الحضرمي حليفا لبني امية: ايها الامير انّه لا يصلح ما ترى الا الغشم‏ (2) ان هذا الذي انت عليه فيما بينك و بين عدوك رأى المستضعفين، فقال النعمان: لست بضعيف، و لكني احب ان اكون مستضعفا في طاعة اللّه و رسوله ناصحا لهم بتأييد راية الإسلام و دوام دولة امير المؤمنين يزيد، ثمّ ان عبد اللّه بن مسلم و عمارة بن عقبة و عمر بن سعد بن ابي وقاص كتبوا الى يزيد يعرفونه بقول النعمان لهم و ضعفه عنهم.

فلما وصل اليه الكتاب و قرأه استشار سرجون مولى ابيه معاوية، فقال: لست أرى احدا سوى عبيد اللّه بن زياد، فبعث اليه بكتاب الى البصرة مع مسلم بن عمرو الباهلي:

اما بعد: فان شيعتي من اهل الكوفة بعثوا اليّ كتابا ذكروا فيه وفود مسلم بن عقيل عليهم من قبل الحسين، فاجتمعت اليه الجموع، و بايعوه له و قد شق عصا المسلمين، فمن حين وصول كتابي اليك سر عليه من غير توقف، و اطلبه طلب الخرزة (3) حتى تثقفه‏ (4) فتوثقه او تقتله او تنفذه الي و السلام.

و استخلف عبيد اللّه اخاه عثمان على البصرة، و توجه الى الكوفة مسرعا بمسلم بن عمرو الباهلي، و شريك بن الاعور الحارثي، و [حشمه‏] (5) و اهل بيته، فدخلها من باب المغنم ليلا، متنكرا على رأسه عمامة سوداء متلثما متزييا بزي الحسين (عليه السّلام) و هو يشير اليهم بالسلام من غير كلام معتقدين انه الحسين (عليه السّلام) فيقولون مرحبا قدمت خير مقدم يابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حتى بلغ قصر الامارة فصاح بهم فنزلوا و فتحوا لهم الباب، فلما اصبح دعى الناس قاطبة للصلاة بالمسجد فاجتمعوا، ثمّ انه صعد المنبر و حمد اللّه و اثنى عليه ثمّ قال:

____________

(1). في الارشاد: (ربيعة).

(2). في ب: (العنتم) و صوبناه من الارشاد.

(3). في ب: (الحوزة) و صوبناه من الارشاد.

(4). في ب: (تعفيه) و صوبناه من الارشاد.

(5). بياض في ب و اكملناه من الارشاد.

49

اما بعد: ايها الناس، اعلموا ان امير المؤمنين يزيد بن معاوية و لاني مصركم [و ثغركم و فيئكم‏] (1) و امركم، و امرني بانصاف مظلومكم‏ (2)، و اعطاء محرومكم، و الاحسان الى سامعكم و مطيعكم، كالوالد البر الرؤوف بولده، و من لم يكن كذلك فهذا سيفي طويل بيدي على من لم يطع، فمن فيكم من الحرورية و اهل الريبة الذين نرى بهم الخوف، و ركبوا العناد، و اتفقوا مع ذوى الضلال على النفاق و الشقاق، فمن جاء بهم الينا او دلنا عليهم فهو بري‏ء و عندنا عزيز محترم، و من لم يكن فليضمن لنا من عرافته الا يخالفنا، و لا يبغي علينا منهم باغ، فمن لم يفعل فقد برئت منه ذمتنا، و حل لنا دمه و ماله و سبي عياله و ذراريه، و ايما عريف لم يوجد في عرافته ما يغنيه صلبته على باب داره.

ايها الناس: فقد بذلت نصحي لكم، فمن انذر فقد اعذر، و الرأي اليكم و السلام عليكم.

فبلغ ذلك مسلم بن عقيل فتحول عن دار المختار الى دار هاني بن عروة بالليل مستخفيا، فلم يزل ابن زياد يقتل الاعيان و الرؤساء و الكبار و يرعد و يبرق و يتوعد الاخيار و دفع لمعقل مولاه ثلاثة آلاف درهم و قال له: ابذلها لمن يهديك على مسلم بن عقيل او على احد من خواصه فلم يزل يتفحص حتى دل على مسلم بن عوسجة الاسدي فرآه في المسجد يصلي، فجلس بازائه حتى فرغ، ثمّ قال له و هو يبكي اني من اهل الشام موال لاهل البيت (عليهم السّلام) فسمعت برجل من آل ابي طالب هاهنا، فاسألك ان تهديني عليه لازوره و معي نذر لمن لقيته منهم ثلاثة آلاف درهم قصدي ادفعها له ليستعين بها على اعدائه و ابايعه، فان شئت بايعتك له قبل الاجتماع به فقال ابن عوسجة:

الحمد للّه على ذلك، و اللّه لقد اسررتني بحديثك، ثمّ انه اخذ منه البيعة و قال امهلني حتى استأذن لك في الدخول عليه سرا، فمضى و اخبر مسلم بن عقيل بخبره، فامره اين يأتيه به فتوجه به اليه و بايعه ثانية. فاستحس قلب هاني بن عروة فخاف منه و قطع الغدو الى ابن زياد فاظهر ابن زياد العتب على هاني في عدم مأتاه اليه فلزموا عليه اصحابه بالغدو اليه، فمضى و دخل عليه فالتفت ابن زياد الى شريح القاضي و تمثل بقول [عمرو بن معدي كرب الزبيدي:] (3)

____________

(1). بياض في ب و اكملناه من الارشاد.

(2). في ب: (المظلوم) و صوبناه من الارشاد.

(3). بياض في ب و اكملناه من شرح النهج لابن ابي الحديد 6/ 115، 9/ 118.

50

اريد حياته و يريد قتلي* * * عذيرك من خليلك من مراد

فقال هاني: لماذا ايها الامير؟ قال: نعم، ما كان ظني بك الّا حسنا، حين بلغني عنك ما فعلت من [جرايتك‏] (1) بحفظك لاعداء امير المؤمنين في دارك و جمعك الناس لمبايعته و شراءك لهم السلاح فظننت ان يخفى عليّ ذلك، فقال: حاشا ما فعلت ذلك ابدا، قال: بلى، فطال بينهما الكلام فاستحضر معقل الخبيث و قال له: تعرف هذا، فاطرق هاني رأسه مليّا ثمّ قال: ايها الامير، اسمع مني و صدقني فيما اقوله لك، فو اللّه لا كذبت، و اللّه ما دعوت مسلم بن عقيل الى منزلي و لا علمت بشي‏ء من امره حتى دخل علي بمنزلي مستجيرا بي، فاستحييت ان اردّه اذ لا يخفى عليك المروة و الشهامة العربية، فان شئت ان اعطيك الآن موثقا مغلظا الّا اعين عليك بسوء و لا غائلة و لا حيل و لا خدع و لا غر حتى اضع يدي في يدك، و ان شئت اعطيك رهينة فمد يدك حتى امضي اليه و آمره بالخروج من داري فيمضي حيث شاء، لكي اعذر عند العرب من ذمامه و جواره.

قال: الست بهاني بن عروة؟

قال: بلى.

قال: هيهات، هيهات لا يكون ذلك ابدا، حتى تأتيني به الآن.

قال: لست و اللّه اجيبك في ضيفي ابدا و لو قطعت قطعا فانه عار علي، قال: و اللّه لتأتيني به، قال:

و اللّه لم آتيك به، فطال بينهما المجال فتخلى مسلم بن عمرو الباهلي بهاني ثمّ قال له: اني ناصح لك، لا توقع نفسك و عشيرتك في الهلاك، و ان ليس في دفعك الى السلطان نقص و لا عار.

فقال: و اللّه ما اعظم من هذه منقصة و عار في الدنيا، و الجواب عند السؤال من اللّه عز و جل و الخصيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و علي (عليه السّلام) لي، دفعي لجاري و ضيفي و انا حي صحيح القوى، شديد الساعدين، كثير الاعوان، و اللّه لم ادفعه، و لو لم يكن لي منهم ناصر فنصرتي باللّه عز و جل كافية.

فقال ابن زياد: و اللّه ان لم تأتني به لاضربن عنقك.

فقال هاني: و اللّه لئن فعلت لكثرت البارقة حول دارك، قال: و الهفاه أبالبارقة تخوفني! أدنوه مني، فقبض هاني على قائم سيفه، فجذب من يده.

____________

(1). بياض في ب و اكملناه من الارشاد.

51

فقال ابن زياد: الآن قد حلّ لنا دمك، فدنّوه منه فضربه على وجهه حتى كسر انفه و تناثر لحم خديه و قال: جروه و ألقوه في السجن، فالقوه و غلقوا عليه الباب و جعلوا عليه الحراس، فقال اسماء بن خارجة (1): ايها الامير امرتنا ان نأتيك بالرجل، فلمّا جئناك به، و ادخلناه عليك هشمت‏ (2) انفه، و كسرت وجهه، و استبحت حرمته فلا هذا حق اللّه عليك بعبده. فقال انك لها هنا! فأمر به فاجلسه في ناحية منه.

قال محمد بن الاشعث: قد رضينا بما امر الامير لنا و علينا، انما الامير مؤدّب ثمّ بعد ذلك سمع عمرو بن الحجاج في قومه مذحج جميعهم بهم القصر، فقال ابن زياد لشريح القاضي: ادخل علي رئيسهم هاني ثمّ اخبرهم انه حيّ، فدخل عليه فسمعه يقول يا اللّه، يا رسول اللّه، يا للمسلمين اهلكت عشيرتي؟ اين اهل الدين؟ اين اهل الايمان؟ اين اهل المصر و المدائن؟ سيل دمي على لحيتي، آه لو دخل علي من عشيرتي عشرة نفر لانقذوني، ثمّ خرج شريح و اخبرهم بانه حيّ، فحمدوا اللّه على حياته.

قال عبد اللّه بن حازم: انا و اللّه كنت رسول مسلم بن عقيل الى القصر لاتيه بخبر هاني بن عروة لما ضرب، فامرني ان اجمع له اصحابه و قد ملئت منهم الدور حوله، و كان فيها اربعة الاف رجل، فركبت فرسي و مضيت فاخذت خبره، ثمّ اتيت الى مسلم و اخبرته بحياته و قد تداعى الناس و اجتمعوا حتى امتلأ المسجد و السوق، فعقد بوجه الارباع على القبائل من كندة و مذحج و بني اسد و بني تميم و همدان فضاق الخناق بابن زياد في القصر، و ليس معه سوى الثلاثين رجلا من شرطته، و العشرين من اشراف الناس، و جعلوا يشرفون عليهم و يرمونهم بالحجارة و يعرفونهم بابن زياد.

ثمّ انه امر شهاب بن كثير ان يخرج فيمن اطاعه من مذحج، و محمد بن الاشعث فيمن اطاعه من كندة و حضر موت، و القعقاع بن شور الذهلي و شبث بن ربعي، و حجار بن ابجر السلمي، و شمر بن ذي الجوشن العامري، ليؤمنوا الطائع و يذروا العاصي فاجتمع اليهم خلق كثير من قومهم‏

____________

(1). في ب: (حسان بن اسماء) و صوبناه من الفتوح 5/ 84.

(2). في ب: (ايها الامير عبدة القوم بأمرك ان يأتوك بربهم فاتوك به آمنين، ثمّ غدرت بهم فهشمت) و صوبناه من الفتوح 5/ 84.

52

و غيرهم، فدخلوا على ابن زياد من جهة دار الروميين، فقال كثير بن شهاب: اصلح اللّه الامير قد اجتمع اليك من اشراف الناس خلق كثير، فاخرج بنا اليهم، فخرج الى المسجد و صعد المنبر و حمد اللّه و اثنى عليه، ثمّ قال:

اما بعد: ايها الناس، اعتصموا بطاعة اللّه و طاعة امامكم امير المؤمنين و لا تكسروا راية الاسلام فتفرقوا شمل المسلمين فتذلوا و ترذلوا، ثمّ تسبوا و تقتلوا، ألا و ان بكم عليّ عهد و ميثاق لا اضرّ من اطاع، و انتقم ممن عصى، الا و ان اخاك من صدقك، و قد اعذر من انذر، الا و اني ناصح لكم بالانذار، الا و ان لكم علي عهد و ميثاق، من اطاع فله العزة و الاحسان و الاحترام، و من عصى فله المذلة و الخسف و الانتقام.

فمال اليه جميع الناس حتى لم يبق مع مسلم بن عقيل سوى ثلاثين نفرا خرج الى المسجد و صلى به ثمّ خرج فلم ير معه احدا ابدا فصار هائما في الازقة لا يدري [اين‏] يذهب حتى وقف على باب امة يقال لها طوعة من بني كندة كانت للاشعث بن قيس فاعتقها ثمّ تزوج بها اسيد الحضرمي فاولدها بلالا، فسلم عليها فاجابته بالتحية، فقال: يا امة اللّه هل من ماء تسقيني؟

قال: حبا و كرامة فاتته به فاخذه و لم يشرب منه.

فقالت: لم لا تشرب؟ فتأوّه.

فقالت: اذهب الى أهلك راشدا اعفاك اللّه، ليس لك عندنا مقام.

فقال: اني غريب ليس لي عشيرة بمصركم فهل لك في اجري امل لعل اللّه ان يقدرني على مكافأتك.

قالت: و من تكون؟

قال: انا مسلم بن عقيل قد غدروني هؤلائي القوم فخذلوني بعد بيعتهم، فادخلته الدار، و فرشت له فراشا، و اتته بطعام فلم يأكل منه، فاتاها ولدها، فقال لها: مالي اراك الليلة كثيرة الدخول و الخروج لهذا البيت، فاخذت منه عهودا و مواثيق ان لا يفشي الخبر، ثمّ اخبرته به فنام، فلما اصبح مضى الى عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فاخبره بمسلم، فمضى به عبد الرحمن الى ابيه عند ابن زياد فشاوره، فعلم ابن زياد بالمشاورة، فوكزه بالقضيب.

53

فقال: قم الآن و ائتني به، و بعث معه عبيد اللّه بن عباس السلمي في سبعين رجلا من قيس، فسمع مسلم دكدكة الخيل، فخرج عليهم بسيفه و حمل عليهم فاهزمهم، فعادوا عليه، فاختلف هو و بكر بن حمران الاحمري بضربتين فضربه بكر على شفتيه فسقطت ثناياه، و ضربه مسلم ضربة منكرة حتى شج بها رأسه و ثناه باخرى على حبل العاتق فكادت تطلع على جوفه فلم يقدروا عليه حتى اشرفوا عليه من سطوح الدور، فرموه بالحجارة، و اضرموا النار و القوها عليه، فخرج عليهم، فقال له محمد بن الاشعث كف عنا و لك الامان.

فقال: ما بعد اليوم امان، فلم يزل يقاتلهم و هو يقول شعرا:

اقسمت لا اقتل الا حرّا* * * و ان رأيت الموت شيئا نكرا

و يخلط البارد [سخنا مرّا] (1)* * * ردّ شعاع الشمس و استقرا

كل امرئ يوما ملاق شرّا* * * اخاف ان اكذب او أغرا

فقال له محمد بن الاشعث: انك لا تكذب و لا تغرّ و لا تجزع، فان القوم بنو عمك، و اصلكم من شجرة واحدة، ليسوا بقاتليك و لا مهينيك، و لك الامان و العهد و الميثاق، و قد اثخن بالجراحات و عجز عن القتال، و اسند ظهره الى الجدار، فاعاد محمد عليه القول، فقال: ألي الامان؟ قال: نعم، ثمّ قال له القوم مثل ذلك، و قال عبيد اللّه بن عباس السلمي: لا ناقة لي فيها و لا جمل، و ينجي اللّه من يشاء، اما لو تؤمنوني ما وضعت يدي في ايديكم فيفعل اللّه ما يشاء، انا للّه و انا اليه راجعون، فاتوه ببغلة فحمل عليها فدمعت عيناه آيسا من نفسه.

فقال عبيد اللّه بن عباس: ان طلبت ما قد طلبت لا تبكي اذا نزلت بك نازلة، قال: ما و اللّه لنفسي بكيت و لا خفت عليها من القتل، و لكني ابكي للحسين (عليه السّلام) و من معه من اهل بيته (صلوات اللّه عليهم).

ثمّ قال لمحمد بن الاشعث: يا ابا عبد اللّه اني اراك تعجز عما اعطيتني من الامان و العهد و الميثاق من ابن زياد، فهل تستطيع ان تبعث من تأمنه الى الحسين (عليه السّلام) على لساني يبلغه اني اسرت في يد القوم فارجع باهل بيتك لا يغرك اهل الكوفة الغدارة الذين لا امان و لا عهد لهم، و انت تعلم بما قد

____________

(1). غير واضح في ب و اكملناه من الارشاد 214.

54

غدروا بأبيك، و نقضوا الايمان بعد توكيدها.

فقال ابن الاشعث: و اللّه لافعلن ذلك و لا علمن به ابن زياد، و اني قد امنتك فاقبل به حتى انتهى الى باب القصر، فوجد به عمارة بن عقبة بن ابي معيط، و عمرو بن حريث، و مسلم بن عمرو الباهلي، و كثير بن شهاب و عندهم حب ماء بارد فقال مسلم بن عقيل: اسقوني من هذا الماء. فقد كظني العطش، فقال مسلم بن عمرو: اتراه ما ابرد منه، و اللّه لا تذوق منه قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم.

قال: ويحك من انت؟

قال: انا من عرف الحق اذ انكرته و نصح لامامه اذ غششته، و اطاعه اذ خالفته، انا مسلم بن عمرو الباهلي، قال: ثكلتك امك ما اجفاك و افظك، و اقسى من الحجارة قلبك، يا ابن باهلة، و اللّه انت اولى مني بالحميم و الخلود في نار الجحيم، ثمّ انه جلس و اسند ظهره الى الجدار، فامر عمرو خادمه ان يأتيه بماء و قدح، فصب له و اعطاه اياه فشرب منه فامتلأ القدح دما من فيه، و تساقطت فيه ثناياه ثمّ ادخل على ابن زياد.

فقال له ابن الاشعث ما اوصاه به مسلم، و انه اعطاه الامان و العهد و الميثاق [فقال له:] و ما انت و الامان، لا امان لك علينا، انا قد ارسلناك لتأتينا به.

و لما دخل عليه لم يسلم‏ (1) عليه بالامرة، فقال له الحرسي لم لا تسلم على الامير بالامرة، قال:

نعم لانه يريد قتلي، فلا سلامي مانعه عني، فلم علي اكثار السلام.

فقال ابن زياد: انك لمقتول.

قال: نعم اني عالم بذلك و لكن دعني اوصي الى بعض قومي و اصلّي ركعتين.

قال: لك ذلك، فاوصى عمر بن سعد بن ابي وقاص، و قال له: يا عمر ان بيني و بينك قرابة ولي اليك حاجة فوجب لي عليك انجاحها و هي سرّ، فامتنع.

فقال ابن زياد: لم تمتنع عما يوصيك، اقبل وصيته و قم بها فانه ابن عمك، فتخلى به عن المجلس و امر ان لا يستمعها احد.

____________

(1). في ب: (ما سلم) و صوبناه من المراجع الاخرى.