تحفة الأزهار و زلال الأنهار في نسب أبناء الأئمة الأطهار‏ - ج3

- ضامن بن شدقم الحسيني المدني‏ المزيد...
513 /
9

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيد المرسلين، و على آله الطيبين الطاهرين، و صحبه المنتجبين.

و بعد:

هذا هو القسم الثاني من المجلد الثاني من كتاب (تحفة الازهار، و زلال الانهار في نسب ابناء الائمة الاطهار، عليهم صلوات الملك الغفار) حسب تجزئة المؤلف.

و كما ذكرت في مقدمة المجلد الاول و القسم الاول من المجلد الثاني: ان حصيلة الجهد الجهيد الذي بذلته من اجل الحصول على نسخة كاملة من هذا المصنف النفيس، كانت الحصيلة نسخة كاملة من الكتاب، تتكرر احيانا، و تنفرد بعض فصولها احيانا اخرى، و لكنها متنوعة الخطوط، متفاوتة الجودة، مختلفة الشأن و القيمة، منها ما هو بخط المؤلف، و منها ما هو منقول من اصل المؤلف، و منها ما هو مكتوب من قبل ناسخين لم يدققوا النظر، و لم يحسنوا القراءة، فصحفوا، و حرفوا، و شوهوا الاصل إلى ابعد الحدود.

و نتيجة لهذا التنوع الكبير في اجزاء الكتاب و قطعه المتفرقة فقد قسمته إلى ثلاثة اقسام:

القسم الاول: ما كان مكتوبا بخط المؤلف.

و هي نسخة تقع ب 430 ورقة و عليها تملكه و ختمه، محفوظة في مكتبة السيد محمد مشكوة المهداة إلى مكتبة جامعة طهران تحت رقم (992).

10

و هي نفس النسخة التي رآها السيد محسن الامين العاملي في مكتبة الشيخ ضياء الدين بن الشيخ فضل اللّه النوري في طهران، و ظنّ- و كان ظنه صحيحا- انها بخط المؤلف. (انظر اعيان الشيعة 10/ 85).

و قد اشير اليها في: الذريعة 3/ 419، اعيان الشيعة 26/ 304، فهرست كتابخانه مشكوة 2/ 532.

و مما يظهر ان هذه النسخة كانت في الاصل اوراقا، ثمّ تبعثرت و تفرقت فصارت اشتاتا، و حين جمعت لتجليدها حدث خلط في جمع الاوراق، فتقدم بعضها و تأخر البعض الآخر، و ضاعت منها اوراق كثيرة شملت المجلد الاول كله تقريبا عدا المقدمة و بعض الاوراق، كما شمل الفقدان بعض الاوراق من المجلد الثاني بقسميه الحسيني و الموسوي.

اضافة إلى ذلك، فهي بخط ردي‏ء، مطموسة بعض الاسطر و الكلمات و الهوامش و يبدو ان بعضها قد اضافها المؤلف إلى الكتاب بعد مدة من تأليفه، كما ان هناك فراغات في بعض المواضع ابقاها بياضا ليملأها في المستقبل.

و قد حصلت على نسخة مصورة منها في مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف الاشرف برقم 64- 67، و التي وردت في فهرست المخطوطات المصورة في المكتبة المذكورة ص 57.

ثمّ قمت بتفريق اوراقها ورقة، ورقة، و جمعتها من جديد على ضوء النسخ التي حصلت عليها، و التي كانت قد نقلت عنها من قبل. فاصبحت نسخة متسلسلة عدا نواقصها، و جعلتها اصل عملي في التحقيق، و لجأت إلى النسخ المنقولة عنها لغرض ضبط النص و اكمال النقص.

و قد رمزت اليها بحرف- أ-.

القسم الثاني: ما كان منقولا على اصل المؤلف:

و يقع في ثلاثة مجلدات لجزئين من تجزئة المؤلف، حيث ان المؤلف قسم عمله إلى جزئين و اسمى كل جزء (مجلد):

اولهما: ذرية الإمام الحسن بن علي بن ابي طالب (عليهما السّلام).

ثانيهما: ذرية الإمام الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهما السّلام). و يقع في مجلدين.

11

و قد وصفت هذه المجلدات الثلاثة كلّ في محله عند مقدمة المجلد المحقق.

القسم الثالث: ما كتب باقلام الناسخين:

و هي نسخ متعددة للجزء الثاني من الكتاب بمجلديه، و ليس فيها ما يتعلق بالجزء الاول، و هي منقولة على نسخ منقولة عن اصل المؤلف، أي لم تكن قد نسخت على اصل المؤلف مباشرة، و فيها اختصار، و اختزال و تصحيف، و اضافات، و لم الجأ اليها إلّا عند الضرورة الملحة في قراءة بعض الاسماء.

و قد وصفتها عند مقدمة كلّ مجلد محقق.

بعد هذا التقسيم و الحالة هذه، و بعد نشر المجلد الاول، و القسم الاول المختص بنسب ابناء الإمام الحسن بن علي بن ابي طالب (عليهما السّلام) و القسم الاول من المجلد الثاني المختص بنسب ابناء الإمام الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهما السّلام) و الذي يستمر حتى ابناء الإمام علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السّلام). اضع القسم الثاني من المجلد الثاني هذا المختص بنسب ابناء الإمام محمد الباقر بن الإمام علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السّلام).

و قد رجعت في نشره الى خمس نسخ:

الاولى: و هي التي بخط المؤلف، و عليها تملكه و ختمه، و الذي يخص منها هذا الجزء يكاد يكون كاملا لو لا نقص بعض مقدمته التي تضمنت فقرات من سيرة الإمام الباقر (عليه السّلام) و بعض الاوراق الداخلية.

و كما ذكرت آنفا، فقد رمزت لها بحرف- أ-.

الثانية: نسخة مكتبة المغفور له الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا بن الشيخ عباس آل كاشف الغطاء و هي بخط نسخ معتاد.

تقع في 186 ورقة، و مسطرتها 23 سطرا قياس 20* 5/ 13 سم محفوظة في المكتبة المذكورة.

ذكرها الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة 3/ 419.

و قد رمزت لها بحرف- ب-.

و عليها تملك نصه: (قد وقفت على ولدي محمد بهاء الدين و على ما سيولد له ان شاء اللّه تعالى،

12

و جعلت لنفسي النظر فيه من حياتي. و كتب بيده شرف الدين محمد مكي بن محمد طالب بن شمس الدين بن الحسن بن زين الدين من ذرية الشريف ابي عبد اللّه الشهيد محمد بن مكي المطلبي الحائري ... الخزرجي العاملي).

الثالثة: كتبها السيد حسون بن السيد احمد الحسني البراقي، و قد فرغ من كتابتها في سنة 1318 ه/ 1900 م.

و قد نقلها الناسخ على نسخة الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا آل كاشف الغطاء، و اختزل منها و اختصر.

تقع في 296 صفحة، و مسطرتها 21 سطرا قياس 22* 5/ 15 سم محفوظة في الدار المذكورة برقم 10693.

و قد رمزت اليها بحرف- ج-.

الرابعة: نسخة مكتبة المغفور له الشيخ محمد الحسين بن الشيخ علي آل كاشف الغطاء، كتبها السيد حسون بن السيد احمد الحسني البراقي، و قد فرغ من كتابتها في 23 جمادي الآخرة سنة 1326 ه، و هي ضمن الجزء الثاني بقسميه.

و قد نقلها الناسخ على نسخة الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا آل كاشف الغطاء و اختزل منها و اختصر.

تقع في 1. 1 ورقة، و مسطرتها 30 سطرا قياس 4* 34 سم محفوظة في المكتبة المذكورة.

و قد اطلعت عليها دون ان استفيد منها شيئا.

الخامسة: نسخة اخرى، كتبها السيد حسون بن السيد احمد الحسني البراقي، فرغ من كتابتها في سنة 1346 ه/ 1927 م، و قد نقلها على نسخة مكتبة الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا آل كاشف الغطاء، و اختزل منها و اختصر.

تقع في 274 صفحة، و مسطرتها 24 سطرا قياس 21* 5/ 13 سم محفوظة في دار صدام للمخطوطات برقم 1382.

و قد اشير اليها في فهرست مخطوطات التاريخ و التراجم و السير في مكتبة المتحف العراقي ص 102- 103.

13

و قد اطلعت عليها دون ان استفيد منها شيئا.

اما منهجي في التحقيق فهو كما ذكرته في مقدمة المجلد الاول.

و في الختام لا يسعني إلّا ان اتقدم بخالص شكري، و جزيل امتناني، لجميع من ساهم و اعان على تحصيل اصول الكتاب و تصوير مخطوطاته، و تقديم مراجع تحقيقه، و اخص منهم بالذكر:

- الشيخ محمد شريف آل كاشف الغطاء.

- الدكتور الشيخ عباس آل كاشف الغطاء.

- السيد جواد الحكيم- مدير مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف.

- الاستاذ اسامة ناصر النقشبندي- مدير دار صدام للمخطوطات في بغداد و لكافة العاملين في هذه المؤسسات الكريمة.

سائلا العلي القدير لهم ولي و لسائر العاملين في حقل احياء التراث كل توفيق و عون و تسديد.

الكوفة

كامل سلمان الجبوري‏

14

الصفحة الاولى من الموجود من نسخة- أ- التي بخط المؤلف‏

15

الصفحة الاخيرة من الموجود من نسخة- أ-

16

الصفحة الثانية من نسخة- ب-

17

الصفحة الاخيرة من نسخة- ب-

18

الصفحة الاولى من نسخة- ج-

19

الصفحة الاخيرة من نسخة- ج-

20

الصفحة الاولى من نسخة- د-

21

الصفحة الاخيرة من نسخة- د-

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

[الباب الرابع: عقب الإمام محمد بن علي بن الحسين الباقر (عليه السّلام) و فيه فصول:] (1)

____________

(1). غير موجود في النسختين و ما اثبتنا حسب السياق.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

الفصل الاول في مولد [ابي جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليهم السّلام)‏]

باقر العلم و جامعه و شاهره و رافعه، و متفوق درّه و راضعه، صفي القلب، زكي العمل، طاهر النفس، شريف الاخلاق، العامر بطاعة اللّه تعالى قلبه، الراسخ في مقام التقوى قدمه و ميثاقه، ابي جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليهم السّلام):

قال الشيخ المفيد (رحمه اللّه) في ارشاده: كان الباقر محمد بن علي خليفة ابيه من بين اخوته، و وصيه و القائم بالإمامة من بعده، و برز على جماعتهم في العلم و الزهد و السؤدد، و كان انبههم ذكرا، و اجلهم في العامة و الخاصة، و اعظمهم قدرا، و لم يظهر عن احد من ولد الحسن و الحسين (عليهما السّلام) من علم الدين و الآثار و السنة و علم القرآن و السيرة و فنون الاداب ما ظهر عن ابي جعفر (عليه السّلام)، و روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة و وجوه التابعين، و رؤساء فقهاء المسلمين، و صار بالفضل به علما لاهله، تضرب به الامثال، و تسير بوصفه الآثار و الاشعار (1).

ولد بالمدينة في ثالث صفر سنة سبع و خمسين من الهجرة، قبل قتل جده الحسين (عليه السّلام) بثلاث سنين، و هو هاشمي من هاشميين، علوي، من علويين‏ (2).

أمه أم عبد اللّه بنت الحسن بن علي بن ابي طالب (عليهما السّلام)(3).

و كنيته ابو جعفر.

____________

(1). الارشاد 261.

(2). الفصول المهمة 197، الارشاد 262.

(3). ورد في بعض مسودات نسخة أ: (فاطمة).

26

و القابه ثلاثة: الباقر، و الشاكر، و الهادي، اشهرها الباقر (1).

انما (2) لقب بالباقر لكثرة توسعه في العلوم، و البقر: التوسع في الشي‏ء.

و فيه قال الشاعر (3):

يا باقر العلم لأهل التقى* * * و خير من لبّى على الأجبل‏

[الفصل الثاني في الاشارة و النص على إمامة أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السّلام)‏]

و روى ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لجابر بن عبد اللّه الانصاري: يا جابر ستعيش حتى تدرك رجلا من ولدي، اسمه اسمي، يبقر العلم بقرا، فاذا لقيته فاقرئه مني السلام‏ (4).

قال الشيخ المفيد طاب ثراه في ارشاده: روى ميمون [القداح‏] عن ابي عبد اللّه جعفر عن ابيه محمد الباقر (عليهما السّلام) قال: دخلت على جابر بن عبد اللّه الانصاري فسلمت عليه فرد علي السلام، ثمّ قال لي: من انت؟ و ذلك بعد ان كف بصره، فقلت: محمد بن علي بن الحسين، فقال: جعلت فداك ادن مني، فدنوت منه، فقبل يدي، ثمّ اهوى إلى رجلي فقبلهما، فتنحيت عنه، ثمّ قال: ان جدك رسول اللّه يقرؤك السلام، فقلت: و على جدي رسول اللّه مني السلام و رحمة اللّه و بركاته، و كيف ذلك يا جابر؟ قال: كنت معه ذات يوم، فقال لي: يا جابر لعلك ان تبقى حتى تلقى رجلا من ولدي يقال له محمد بن علي بن الحسين يوهب له النور و الحكمة فاقرئه مني السلام‏ (5).

و روي عن جابر بن عبد اللّه في حديث مجرد، قال: قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يا جابر يوشك ان تبقى حتى تلقى رجلا من ولد ابني الحسين يقال له محمد، يبقر الدين بقرا، فاذا لقيته فاقرأه مني السلام‏ (6).

____________

(1). ما بين المعقوفين ساقط في الاصل و اكملته من المصادر الاخرى على نفس النهج الذي سلكه المؤلف.

(2). غير موجود في أ، و من هنا يبدأ العمل بنسخة ب لوحدها.

(3). في الارشاد 262: المقرضي.

(4). وردت في بعض مسودات نسخة، أ المتفرقة، كما وردت ايضا في الارشاد 262، و فيه اختلاف يسير.

(5). الارشاد 292.

(6). ن. م 262.

27

و روي ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لجابر بن عبد اللّه الانصاري: يا جابر انك لن تموت حتى تلقى سيد العابدين علي بن الحسين و ابنه محمدا الباقر، فاذا لقيت محمدا الباقر، فسر اليه، و قبل ما بين عينيه، و اقرئه مني السلام، و سله ان يلصق بطنه ببطنك فان ذلك امان لك من النار، و قل له جدك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول: يا باقر علوم الاولين و الآخرين من النبيين و المرسلين، بوركت صغيرا و كبيرا، و حيا و ميتا، فاذا فعلت ذلك يا جابر فاوص و اكتب وصيتك، فانك راحل إلى ربك. قال:

فلم يزل جابر واثقا حتى قيل له ان عليا زين العابدين ولد له مولود سماه محمدا، فمضى إليه مباركا له، فادى الى محمد الباقر ما اوصاه به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال له الباقر: يا جابر اكتب وصيتك، فانك راحل الى ربك عز و جل، فبكى و قال: يا سيدي من علمك بهذا و قد عهد اليّ جدك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم). فقال: يا جابر لقد اعطاني اللّه تعالى علم ما كان و ما يكون و ما هو كائن الى يوم القيامة، ثمّ مضى جابر و كتب وصيته فادركته الوفاة (رحمه اللّه)(1).

قال شيخ الطائفة محمد بن يعقوب الكليني في اصوله: عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن ابان بن تغلب، عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ان جابر بن عبد اللّه الانصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و كان رجلا منقطعا الينا أهل البيت فكان يقول في مجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو متعمم بعمامة سوداء، و كان ينادي: يا باقر العلم، يا باقر العلم، فيقول أهل المدينة ان جابرا ليهجر، فيقول: لا و اللّه لست اهجر، و لكني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول لي يا جابر انك لن تموت حتى تدرك رجلا من نسلي، اسمه اسمي، و شمائله شمائلي، سيبقر العلم بقرا، فذاك الذي دعاني إلى ما اقول، قال فبينما جابر يتردد ذات يوم في بعض طرق المدينة، اذ مر بكتاب فيه محمد الباقر، فقال: اقبل ايها الغلام، فاقبل عليه، فقال له: ادبر فادبر، ثمّ قال له اقبل، فاقبل، ثمّ قال: صدق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و اللّه ان هذه شمائل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و الذي نفسي بيده، يا غلام ما اسمك، فقال محمد بن علي بن الحسين، فضمه اليه و قبل رأسه و ما بين عينيه، و جعل يقول: جعلت فداك، بابي و أمي، ان جدك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أوصاني ان اقرأك منه السلام، و يقول لك ذلك، فرجع الباقر (عليه السّلام) إلى ابيه و اخبره، فقال (عليه السّلام): يا بني قد فعلها جابر؟

____________

(1). مناقب آل ابي طالب 3: 358 عن: تاريخ بغداد للخطيب، و فضائل الصحابة لابي السعادات مع اختلاف يسير.

28

قال: نعم، قال: الزم بيتك، فلم يزل جابر يتردد اليه طرفي النهار و هو كذلك يأتيه اكراما لصحبته برسول اللّه فيقول اهل المدينة، و اعجباه من جابر و تردده إلى هذا الغلام‏ (1).

و احسن ما قال فيه بعض الادباء (2):

اذا طلب الناس علم القران* * * كانت قريش عليه عيالا

و ان قيل اين ابن النبي* * * قلت بذاك فروعا طوالا

نجوم تهلل للمادحين* * * جبال تورث علما جبالا

[الفصل الثالث‏] (3) في مناقب ابي جعفر محمد الباقر بن علي زين العابدين (عليهما السّلام)

: محمد بن يعقوب الكليني في اصوله: محمد بن يحيى، عن احمد بن محمّد، عن عبد اللّه بن احمد، عن صالح بن مزيد، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن ابي الصباح عن ابي جعفر محمد (عليه السّلام) قال: كانت امي قاعدة عند جدار فتصدع الجدار و سمعنا هدة شديدة فاشارت بيدها إليه و قالت لا و حق المصطفى ما اذن اللّه لك في السقوط، فبقي متعلقا في الجو حتى جازته فتصدق ابي (عليه السّلام) بمائة دينار و قال ابو الصباح و ذكر ابو عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام) ان جدته ام ابيه كانت صديقة لم تدرك في آل الحسن امرأة مثلها (4).

عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد، عن علي بن الحكيم، عن مثنى الخياط (5)، عن ابي بصير قال: دخلت على ابي جعفر محمد بن علي (عليه السّلام) فقلت: انتم ورثة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال: نعم، ثمّ قال: ادن مني فدنوت منه فمسح بيده على عيني و وجهي فابصرت الشمس و السماء و الارض و كل شي‏ء و ما كنت ابصر قبل ذلك، فقال لي يا ابا بصير اتحب ان تكون هكذا و لك ما للناس و عليك ما هو عليهم يوم القيامة، او تعود كما كنت و لك الجنة خالصا: فقلت: جعلت فداك بل اعود كما

____________

(1). الكافي 1: 390- 391 مع اختلاف يسير.

(2). في الارشاد 262 لمالك بن أعين الجهني.

(3). استبدلنا كلمة (فصل) في الاصل بكلمة (الفصل الثالث) و هكذا دأبنا في كلمة فصل اينما وردت في عناوين الموضوعات.

(4). الكافي 1: 390.

(5). في الكافي: الحناط.

29

كنت، فمسح بيده على عيني و وجهي فصرت لم ابصر من ذلك شيئا، ثمّ اني حدثت ابن ابي عمير بذلك فقال: اشهد باللّه ان هذا حقّ كما ان النهار حق‏ (1).

محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد (2)، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن علي، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن مسلم قال: كنت عند ابي جعفر محمد بن علي (عليه السّلام) ذات يوم اذ وقع زوج ورشان على الحائط و هدلا هديلهما، فرد ابو جعفر محمد (عليه السّلام) عليهما كلامهما ساعة ثمّ نهضا فطارا على الحائط فهدل الذكر على الانثى ساعة ثمّ نهضا، فقلت جعلت فداك بابي و امي يابن رسول اللّه ما قالا؟ فقال: يا ابن مسلم كل شي‏ء من خلق اللّه تعالى من طير او بهيمة او غيره فيه روح فهو اسمع لنا و اطوع من بني آدم، ان هذا الورشان ظن بامرأته سوءا، فحلفت له ما فعلت فلم يرض منها، فقالت: اما ترضى بمحمد بن علي (عليه السّلام)؟ قال: بلى، فاتيا الي فاخبرته بعفتها و انه ظالم لها فصدقها. (3)

و منها: ما روى عن جابر الجعفي قال: رايت في منامي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد ناولني رطبا فعددته فوجدته عشرين رطبة، فلما اصبحت مضيت إلى ابي محمد الباقر (عليه السّلام) فوجدت بين يديه طبقا فيه رطب في غير اوانه، فقال جابر: لا اله إلّا اللّه هذا تاويل رؤياي قد جعلها ربي حقا، فقبض 6 منه قبضة فدفعها اليّ فعددتها فوجدتها عشرين رطبة، فقلت: يا مولاي [لو] زدتني لكان احسن، فقال 6: يا جابر لو زادك جدي رسول اللّه في الرطب الذي اعطاك اياه في منامك لزدتك منه في يقظتك، قال جابر: و اللّه لم اكن قصصت عليه الرؤيا و لا على غيره‏ (4).

قال صاحب عمدة الاخيار: عن قيس بن النعمان قال: خرجت ذات يوم إلى البقيع فرأيت صبيا جالسا على قبر يبكي بكاء شديدا، و وجهه يسطع شعاع نور، فقلت ايها الصبي ما الذي عملت به من الحزن الذي افردك بالخلوة بحال الموتى و البكاء على اهل البلى، و انت بالحداثة مشغول عن اختلاف الازمان، و حنين الاحزان فرفع رأسه إلى السماء ثمّ اطرق ساعة، ثمّ قال:

____________

(1). الكافي: 1: 391.

(2). في الكافي: عن محمد بن احمد.

(3). الكافي 1/ 291- 292.

(4). وردت هذه الرواية في نسخة أ، مع اختلاف يسير في اللفظ. و بعده في ب بياض يتسع لعشرة اسطر.

30

ان الصبي صبي العقل لا الصّغر* * * ازرى بذي العقل فينا من ذوي الكبر

يا هذا انك خلي الذهن من الفكر، سليم الاحشاء من الحرقة، امنت ان تقارب الاجل بطول الامل، ان الذي افردني بالخلوة في محال اهل البلى قوله تعالى: فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى‏ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ‏ (1)، فقلت: بابي و امي من انت؟ فقال (عليه السّلام): ان من شقاوة اهل البلاء قلة معرفتهم باولاد الانبياء، انا محمد بن علي بن الحسين، و هذا قبر ابي، فاي شي‏ء ا ... (2) من قبره، و اي وحشة تكون معه، ثمّ قال:

ما غاض دمعي عند نازلة* * * إلّا جعلتك للبكا سببا

اني اجل ترابا قد حللت به* * * من ان ارى لسوء زماننا نسبا

فاذا ذكرتك ميّتا سفحت* * * منّى الدموع ففاض و انسكبا (3)

فانصرفت عنه و ما زلت مواظبا لزيارة القبور.

روي عن مفلح‏ (4) مولى محمد بن علي (عليه السّلام) قال: خرجت مع مولاي (عليه السّلام) بالحج، فدخلنا المسجد الحرام، فنظر إلى البيت الشريف و بكى بكاء شديدا بصوت مرتفع، فقلت له: بابي أنت و امي ان الناس ينظرون اليك، و انت رافع صوتك بالتضرع للّه عز و جل ألا تخفض صوتك قليلا؟

فقال (عليه السّلام): يا مفلح‏ (5) لم لا ابكي برفع صوتي لعل اللّه ينظر اليّ بعين رحمته فافوز بما عنده غدا. ثمّ انه (عليه السّلام) طاف بالبيت سبعا، و صلى خلف المقام، ثمّ رفع رأسه من سجوده فرأيت موضع سجوده قد ساحت دموعه عليه‏ (6).

و كان (عليه السّلام) اذا ضحك قال: اللهم لا تمقتني‏ (7).

من حديث روى عن سالم بن ابي حفصة قال: قال محمد الباقر (عليه السّلام): من عرى قلبه خالصا مخلصا للّه اشغله عمن سواه.

____________

(1). يس 51.

(2). بياض في ب.

(3). وردت هذه الابيات باختلاف يسير منسوبة للإمام علي بن ابي طالب (عليه السّلام) في انوار العقول من اشعار وصي الرسول بتحقيقنا، مقطوعة رقم 36، انظر: دستور معالم الحكم 198- 199/ تذكرة الخواص 176/ مناقب آل ابي طالب 1:

207.

(4). في مطالب السؤول: افلح.

(5). في مطالب السؤول: افلح.

(6) مطالب السؤول: 2: 52.

(7). ن. م. ص.

31

و قال (عليه السّلام): ان اهل التقوى ايسر اهل الدنيا مؤنة و اكثر معونة، ان شئت ذكروك، و ان ذكرت اعانوك.

و قال (عليه السّلام): ما دخل قلب امرئ شي‏ء من الكبر إلّا نقص من عقله بقدر ما دخل قلبه من ذلك.

و قال (عليه السّلام): ما رقرقت عين بمائها إلّا حرم اللّه تعالى على جسد صاحبها النار، فان سالت على الخدين لم يرتق وجهه قتر و لا ذلة و لا من شي‏ء إلّا و لم حرا معه فان اللّه تعالى يكفر بها فوز الخطايا و لو ان باكيا بكى في حرم اللّه عزّ و جلّ لحرم اللّه تعالى عز و جل تلك الامة على النار.

و قال (عليه السّلام): ما من عبادة افضل من عفة بطن أو فرج، و ما من شي‏ء احب إلى اللّه عز و جل من ان يسئل، و ما يدفع القضاء إلّا بالدعاء، و ان اسرع الخير ثوابا البر، و اسرع الشر عقوبة البغي، و كفى بالمرء عيبا ان يبصر من الناس ما يعمي عليه من نفسه و ان يأمر [بما لا يفعله و ان ينهى‏] الناس على ما لا يستطيع التحول عنه و ان يؤذي جليسه بما لا يعنيه‏ (1).

و قال (عليه السّلام): اذا رأيتم القاري يحب الغنا فهو صاحب دنيا، و اذا رأيتموه ملازم السلطان فهو لص فاتهموه.

و قال (عليه السّلام): الايمان ثابت في القلب و اليقين خطرات تثمر في القلب فيصير كأنه زبر الحديد، و يخرج فيصير كأنه خرقة بالية.

[الفصل الرابع في احتجاج ابي جعفر محمد الباقر (عليه السّلام)‏] (2)

قال ابو منصور احمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي، قال ابو حمزة الثمالي، قال ابو الربيع حججت مع ابي جعفر محمد بن علي (عليه السّلام) سنة حج هشام بن عبد الملك [و كان معه نافع مولى عمر بن الخطاب‏] فنظر نافع إلى الباقر (عليه السّلام) [و كان‏] جالسا في ركن البيت الحرام و الناس مجتمعون حوله.

فقال نافع لهشام: احب ان امضي اليه و امتحنه بمسائل يعجز عنها، لا يجيبني عنها إلّا نبي او

____________

(1). مطالب السؤول 2: 53.

(2). ما بين المعقوفين غير موجود في النسختين و ما اثبتنا حسب السياق و بعده يبدأ العمل بالنسختين.

32

وصي نبي.

قال: اذهب إليه.

فاتاه و قال: يا محمد اني قرأت التوراة و الانجيل و الزبور و الفرقان، و عرفت جميع ما فيها من الحلال و الحرام، و حل الاشكال، فاتيتك لاسألك.

فقال (عليه السّلام): سل عما بدا لك و باللّه التوفيق.

قال: اخبرني ما بين عيسى و محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كم من سنة؟

فقال (عليه السّلام): اجيبك بقولي ام بقولك.

قال: بالقولين.

فقال (عليه السّلام): اما بقولي فخمسمائة عام، و اما بقولك فستمائة عام.

قال: اخبرني عن قوله تعالى‏ وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏ (1)، من الذي يسأل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)؟

فقال (عليه السّلام): اما قرأت قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (2) فكان من الآيات التي اراها اللّه تعالى لنبيه محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حيث أسرى به إلى بيت المقدس [أنه‏] قد حشر الاولين و الآخرين من النبيين و المرسلين، ثمّ نزل جبرئيل (عليه السّلام) فاذن شفعا و أقام شفعا و قال في اذانه (حي على خير العمل) فتقدم النبي و صلى بالقوم، فلما انصرف قال تعالى‏ وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا الآية، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (على ما تشهدون و ما أنتم تعبدون) (3) فقالوا: نشهد ان لا اله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أنك محمد رسول اللّه أخذت على ذلك عهودنا و مواثيقنا.

قال نافع: صدقت. أخبرني يا أبا جعفر عن قوله تعالى‏ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، وَ السَّماواتُ وَ بَرَزُوا لِلَّهِ‏ (4) أي الارضين تبدل؟

قال (عليه السّلام): خبزة بيضاء تأكلونها حتى يفرغ اللّه تعالى من حساب الخلائق.

____________

(1). الزخرف 45.

(2). الاسراء 1.

(3). إلى هنا ينتهي العمل بالنسختين و يبدأ العمل بنسخة ب لوحدها.

(4). ابراهيم 48.

33

قال: إنهم عن الاكل لمشغولون.

فقال (عليه السّلام): إنهم حينئذ أشغل أم هم في النار.

قال: بل هم في النار.

فقال (عليه السّلام): ان اللّه عزّ و جلّ قال: وَ نادى‏ أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ‏ (1) ما شغلهم اذ دعوا إلى الطعام فاطعموا الزقوم و دعوا بالشراب فسقوا ماء حميما.

قال: صدقت و اللّه، أخبرني متى كان اللّه؟

قال (عليه السّلام): ويلك أخبرني متى لم يكن حتّى أخبرك متى كان سبحانه، لم يزل و لا يزال فردا صمدا لم يتخذ صاحبة و لا ولدا، و لا جسم و لا صورة و لا يحس و لا يمس و لا يدرك بالحواس الخمس و لا تدركه الاوهام، و لا تنقصه الدهور، و لا يغيره الزمان، لا تدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير.

قال: صدقت و اللّه يابن رسول اللّه، ثمّ انه ذهب إلى هشام، قال: ما صنعت؟

قال: دعني من مقالك و اللّه إنه ابن رسول اللّه حقا، و أعلم الناس حقا (2).

و منها: ما روي عن المداني قال: بينما محمد الباقر ذات يوم جالس بفناء الكعبة اذ أتاه رجل اعرابي، فقال: يا هذا أخبرني هل رأيت اللّه حيث عبدته؟

فاطرق رأسه قليلا ثمّ قال (عليه السّلام): ما كنت أعبد ربا لم أره!.

قال: كيف رأيته؟!

قال (عليه السّلام): لم تره الابصار بمشاهدة العيان، و لكن تراه القلوب بحقائق الايمان، لا تدركه الحواس و لا يقاس بالناس، معروف بالآيات منعوت بالعلامات، بان عن الاشياء و بانت الاشياء عنه، ليس كمثله شي‏ء في الارض و لا في السماء، ذلك هو اللّه الذي لا إله إلّا هو السميع العليم.

فقال الاعرابي: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ‏ (3).

____________

(1). الاعراف 50.

(2). الاحتجاج 2: 59- 60.

(3). الاحتجاج 2: 54 و فيه اختلاف بالسند و النص./ الانعام 124.

34

قال الشيخ المفيد (رحمه اللّه) في ارشاده: أخبرني الشريف أبو محمد [الحسن بن محمد] قال: حدثنا (1) جدي، قال: حدثنا (2) الزبير بن أبي بكر، قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزهري قال: لما حج هشام بن عبد الملك دخل المسجد الحرام متكئا على يد سالم مولاه، فرأى محمدا الباقر (عليه السّلام) جالسا بالمسجد فقال سالم: يا أمير المؤمنين هذا محمد بن علي بن الحسين، فقال [هشام‏] المفتنون به أهل العراق!

قال: نعم.

قال: اذهب إليه، فقل له يقول لك أمير المؤمنين ما الذي يأكل الناس و يشربون إلى ان يفصل بينهم يوم القيامة؟ فمضى إليه و بلغه.

فقال (عليه السّلام):: يحشر الناس مثل [قرص‏] التقى فيها أنهار متفجرة، يأكل الناس و يشربون حتى يفرغ من الحساب.

فعاد سالم إلى هشام و بلغه، فقال: اللّه أكبر، اذهب فقل له: ما اشغلهم عن الاكل و الشرب يومئذ؟ فمضى إليه و بلغه.

فقال (عليه السّلام): هم في النار اشغل و لم [يشغلوا إلى‏] ان قالوا أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ‏ (3).

فسكت هشام‏ (4) و لم يعد إليه بسؤال.

قال: و روي عن عمرو بن عبيد قال: دخلت على أبي جعفر محمد الباقر (عليه السّلام) ذات يوم لامتحنه، فقلت يا ابن رسول اللّه ما معنى قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما (5).

قال (عليه السّلام): كانت السماء رتقا لا تنزل القطر، و كانت الارض رتقا لا يخرج فيها النبات، ففتق اللّه سبحانه السماء بالقطر و فتق الارض بالنبات و من .... (6) فقال تعالى‏ وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما

____________

(1). في الارشاد: «حدثني».

(2). في الارشاد: «حدثني».

(3). الاعراف 50.

(4). الارشاد 264- 265.

(5). الانبياء 30.

(6). بياض في أ.

35

تُوعَدُونَ‏ (1) و قال تعالى‏ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً (2).

قال: أخبرني جعلت فداك عن قوله تعالى‏ وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى‏ (3) ما غضب اللّه تعالى؟

قال (عليه السّلام): غضب اللّه عقابه يا عمرو، من ظن اللّه تعالى يغره شي‏ء فقد كفر (4).

قال: روي عن أبي بصير قال: كان أبو جعفر محمد الباقر (عليه السّلام) جالسا ذات يوم في الحرم و حوله عصابة من مواليه، اذ أقبل طاووس اليماني في جماعة من أصحابه، فقال لابي جعفر (عليه السّلام): أخبرني متى هلك ثلث الناس؟

قال (عليه السّلام): و همت يا شيخ أردت ان تقول متى هلك ربع الناس؟

قال: نعم.

قال (عليه السّلام): يوم قتل قابيل أخاه هابيل كانوا أربعة: آدم و حواء و قابيل و هابيل فقتل قابيل هابيل ربعهم.

قال: فأيهما كان أبا للناس القاتل أم المقتول؟

فقال (عليه السّلام): لا واحد منهما بل أبوهم شيث بن آدم.

قال: فلم سمي آدم، آدم؟

قال (عليه السّلام): لانه رفعت طينته من أديم الارض السفلى.

قال: فلم سميت حواء، حواء.

قال (عليه السّلام): لانها خلقت من ضلع حي، و هو ضلع آدم (عليه السّلام).

قال: فلم سمي ابليس إبليسا؟

قال: لانه [أبلس‏] من رحمة اللّه عزّ و جلّ فلم يرجوها.

قال: فلم سمي الجن جنا؟

قال (عليه السّلام): لانهم استجنوا فلم يروا.

____________

(1). الذاريات 22.

(2). الانعام 99.

(3). طه 81.

(4). الارشاد 265/ الاحتجاج 2: 61.

36

قال: أخبرني عن أول كذبة كذبت من صاحبها؟

قال (عليه السّلام): ابليس حين قال: أنا خير منه، خلقتني من نار و خلقته من طين».

قال: أخبرني عن قوم شهدوا [شهادة الحق‏] شهادتين و كانوا كاذبين؟

قال (عليه السّلام): المنافقون‏ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ‏ (1).

قال: اخبرني عن طائر طار مرة و لم يطر قبلها و لا بعدها؟

قال (عليه السّلام): طور سيناء اطاره اللّه عزّ و جلّ على بني اسرائيل حين ظللهم بجناحه منه فيه ألوان العذاب حتى قبلوا التوراة، كما قال عزّ من قائل: وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، وَ ظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ‏ (2).

قال: أخبرني عن رسول بعثه اللّه تعالى ليس من الجن و لا من الانس و لا من الملائكة؟

قال (عليه السّلام): الغراب حين قتل قابيل أخاه هابيل، قال: رب أرني كيف أواري سوءة أخي، فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ‏ (3).

قال: أخبرني عمن أنذر قومه ليس من الجن و لا من الانس و لا من الملائكة؟

قال (عليه السّلام): النملة، و ذلك قوله تعالى‏ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (4).

قال: أخبرني عمن كذب عليه ليس من الجن و لا من الانس و لا من الملائكة؟

قال (عليه السّلام): الذئب الذي كذب عليه إخوة يوسف لقوله تعالى: ... (5).

قال: أخبرني عن شي‏ء قليله حلال و كثيره حرام؟

فقال (عليه السّلام): نهر طالوت الذي شرب منه طالوت و قومه، و هو قوله تعالى‏ إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ‏ (6).

قال: أخبرني عن صلاة مفروضة صليت من غير وضوء؟

____________

(1). المنافقون 1.

(2). الاعراف 171.

(3). المائدة 31.

(4). النمل 18.

(5). بياض في الاصل.

(6). البقرة 249.

37

فقال (عليه السّلام): هي الصلاة على النبي و آله (عليهم السّلام).

قال: أخبرني عن صوم لا يحجز عن أكل و لا شرب؟

فقال (عليه السّلام): ان مريم بنت عمران ... (1) و هو قوله تعالى‏ فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (2)

قال: أخبرني عن شي‏ء يزيد و ينقص، و عن شي‏ء يزيد و لا ينقص؟

فقال: أما الذي يزيد و ينقص فهو القمر اذا هل الهلال لم يزل في الزيادة إلى انتصاف الشهر، ثمّ يسرع في النقصان، و أما الذي يزيد و لا ينقص فهو البحر.

قال: أخبرني عن شي‏ء ينقص و لا يزيد؟

قال (عليه السّلام): [هو العمر] (3).

[الفصل الخامس‏] في كرم أبي جعفر محمد الباقر بن علي زين العابدين (عليهما السّلام)

روي عن السلمي مولى أبي جعفر (عليه السّلام) قال: كان مولاي (عليه السّلام) يعطي الخمسمائة دينار و الالف و الالفي دينار و ما يؤمل الرجل من مجالسته لعوانه و جفاء بعض الاخوان فقال (عليه السّلام): بئس الاخ يرعى أخاه غنيا و يقطعه فقيرا، ثمّ أمر غلامه بإحضار كيس فيه سبعمائة درهم فدفعه إلي، و قال لي انفذ هذا الآن، فأذا انفذته فأعلمني‏ (4).

قال الشيخ المفيد في ارشاده: حدثني الشريف أبو محمد الحسن بن محمد قال: حدثني جدي، قال: حدثنا أبو بصير (5)، قال: حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا اسود بن عامر، قال حدثنا حسان بن ... (6) عن الحسن بن كثير، قال: شكوت إلى مولاي أبي جعفر محمد الباقر (عليه السّلام) الحاجة و جفاء بعض الاخوان فقال (عليه السّلام): بئس الاخ يرعى أخاه غنيا و يقطعه فقيرا، ثمّ أمر غلامه بإحضار كيس فيه سبعمائة درهم فدفعه الي و قال لي: انفذ هذا الآن، فإذا انفذته فأعلمني،

____________

(1). بياض في الاصل.

(2). مريم 26.

(3). الاحتجاج 2: 64- 65.

(4). الارشاد 266.

(5). في الارشاد: أبو نصر.

(6). في الارشاد: حيان بن علي.

38

و كان (عليه السّلام) يدخل عليه الاخوان فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام و يكسوهم الثياب، و يهب لهم الدراهم، فاقول له يا مولاي جعلت فداك لو كففت بعض ما قد صنعت، فيقول: يا سلمي ما يؤمل في الدنيا بعد المعارف و الاخوان‏ (1).

و روي محمد بن الحسين قال: حدثنا عبيد بن الزبير قال: حدثنا (2) عن عمرو بن دينار و عبيد اللّه بن عبيد و عمير (3) قالا: ما لقينا أبا جعفر محمد الباقر (عليه السّلام) إلّا و حمل الينا النفقة و الصلة و الكسوة فيقول: هذه معدة لكم قبل ان تلقوني‏ (4).

روي أبو نعيم النخعي عن معاويه بن هشام عن سليمان بن حرم‏ (5) قال: كان أبو جعفر محمد يجيزنا بالخمسمائة و الستمائة إلى الالف درهم، و كان (عليه السّلام) لا يمل من صلة الوافدين إليه و القاصدين له و مؤمليه و راجيه‏ (6).

و روى عن عبيد اللّه بن الوليد قال: قال أبو جعفر محمد الباقر (عليه السّلام): أ يدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ منه ما يريد؟

فقلنا: لم يكن ذلك.

فقال (عليه السّلام): لستم اخوانا كما تزعمون‏ (7).

[الفصل السادس في وفاة الإمام أبي جعفر محمد الباقر (عليه السّلام)‏]

و قبض أبو جعفر محمد الباقر (عليه السّلام) بالمدينة المنورة لسبع خلون من شهر شعبان سنة 118 و الاصح سنة 114 و عمره سبع و خمسون سنة، فمنها معاصرا لجده الحسين (عليه السّلام) اثنتا عشرة سنة، و منها ثلاث عشرة سنة معاصرا لابيه بعد جده و بقي بعدهما اماما مفترض الطاعة تسع عشرة

____________

(1). مر جزء من هذا الخبر في الصفحات السابقة، الارشاد 266 و فيه اختلاف يسير.

(2). في الارشاد: حدثونا.

(3) في الارشاد: و عبد اللّه بن عبيد بن عمير.

(4). الارشاد 266.

(5). في الارشاد: قرم.

(6). الارشاد 266.

(7). مطالب السؤول 2: 53.

39

سنة، و قيل اثنتان و عشرون سنة، و قد سمّه المنصور الدوانيقي، و قيل الوليد، و قيل ابنه ابراهيم، و قيل هشام بن عبد الملك، و قيل صنوبرة. و قبره بجنب أبيه و عم أبيه الحسن السبط (عليهم السّلام) بالغرقد (1) ظاهر المدينة المنورة.

فأبو جعفر الباقر (عليه السّلام) خلف سبعة (2) بنين: أبا عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام) و عبد اللّه أمهما فروة بنت هاشم بن محمد بن أبي كرم، و عبيد اللّه و ابراهيم أمهما أم حكيم بنت أسيد بن المغيرة الثقفية درجا في حياة أبيهما، و عليا و زينب أمهما أم ولد، و أم سلمة لام ولد.

أما عبد اللّه فكان ممن يشار اليه بالفضل و الصلاح و التقوى، روى أنه دخل على بعض بني أمية فأراد قتله، فقال: لا تقتلني أنا لك عون، و أكن لك عند اللّه غوثا يريد بذلك ان يكون ممن يشفع عند اللّه عزّ و جلّ فيشفعه، فقال له الاموي هناك في الغداة، فسقاه السم فمات منه‏ (3).

و العقب من الباقر منحصر في ابنه جعفر (عليهما السّلام).

____________

(1). في ب: (الغردق) و ما أثبتنا حسب المراجع.

(2). في الاصل: أربعة و صوبناه من الارشاد.

(3). الارشاد 270.

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

الباب [الخامس عقب الإمام أبي عبد اللّه جعفر بن محمد بن علي الصادق (عليهم السّلام)‏] و فيه فصول:

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

الفصل الاول في مولد [أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السّلام)‏]

عمود الشرف الكامل الوثيق، السيد العالم الصادق الصديق، الحليم الرحيم الشفيق، الهادي إلى سواء السبيل، الساقي شيعته من الزلال الرحيق، المبلغ أعدائه من ... (1) الحريق، الصابر القانع الشاكر لربه و حامده، الكامل ... (2) الصائم الراكع الساجد المفترض طاعته على كل عي و ماجد، المخصوص من اللّه بالشرف الرفيع، و الحسب العالي المنيف المنيع على كل رفيع و وضيع البحر الزاخر و الفضل الجميع الذي شرفت بجسده الطاهر أرض البقيع الحبر، المهذب ... (3) الممجد، الإمام بالحق أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السّلام):

قال في [الارشاد] (4): مولده الشريف بالمدينة المنورة في شهر ربيع الاول سنة 83، و قيل قبل طلوع الفجر ليوم الثلاثاء لثمان خلون من شهر رمضان لهذا العام، في زمن عبد الملك بن مروان‏ (5).

أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، و أمّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، و كان (عليه السّلام) يقول: ولدني أبو بكر مرتين‏ (6).

قال شيخ الطائفة محمد بن يعقوب الكليني في أصوله: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عبد اللّه بن أحمد، عن ابراهيم بن الحسن قال: حدثني وهب بن حفص، عن اسحاق بن حريز (7) و سعيد بن المسيب، و القاسم بن محمد بن أبي بكر و أبو خالد الكابلي، قالوا جميعا: قال أبو عبد اللّه‏

____________

(1). بياض في ب.

(2). بياض في ب.

(3). بياض في ب.

(4). في ب: (قال في العمدة) و الصواب ما أثبتنا.

(5). الارشاد.

(6). عمدة الطالب 195.

(7). في الكافي: جرير، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) كان سعيد بن المسيب و القاسم بن محمد بن أبي بكر و أبو خالد الكابلي من ثقات علي بن الحسين (عليه السّلام) قال: و كانت أمي ... الخ الخبر.

44

جعفر بن محمد كانت أمي قد آمنت و أحسنت إيمانها و اللّه يحب المحسنين، ثمّ قال (عليه السّلام): قالت أمي:

قال أبي يا أم فروة أدعو اللّه عزّ و جلّ لمذنبي شيعتنا في اليوم و الليلة ألف مرة لانا نحن فيما ينوبنا من الرزايا نصبر على ما نعلم ما ينالنا من الثواب و هم يصبرون على ما لا يعلمون‏ (1).

[الفصل الثاني‏] في اسمه و كنيته و لقبه‏

اسمه جعفر، و كنيته أبو موسى و أبو عبد اللّه، و يلقب بالصادق الامين، و عمود الشرف الكامل.

قال أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي من حديث طويل رواه بسنده عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي خالد الكابلي قال: سألت أبا الحسن عليا زين العابدين (عليه السّلام) فقلت جعلت فداك يا ابن رسول اللّه لم لقب جعفر الصادق بالصادق الامين و كلكم صادقون أمناء اللّه. فقال (عليه السّلام): حدثني أبي عن أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) عن جدي رسول اللّه قال: اذا ولد ابني جعفر فلقبوه بالصادق الامين، فان اسمه عند أهل السماء الصادق الامين، و ان الخامس من ولده اسمه جعفر سيدعي ما ليس له بحق و هي الإمامة اجتراء و كذبا على اللّه عزّ و جلّ مخالفا لابيه و حاسدا لاخيه. (2)

[الفصل الثالث‏] في الارشاة و النص من أبي جعفر محمد الباقر على ابنه جعفر الصادق (عليهما السّلام)

قال الشيخ المفيد (رحمه اللّه) في ارشاده: روى محمد بن [أبي‏] عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السّلام) قال: لمّا حضرت الوفاة أبي قال لي: يا جعفر أوصيك بأصحابي، فقلت:

جعلت فداك، و اللّه لادعنهم و لو ان الرجل يكون منهم في المصر فلا يسأل أحدا (3).

قال شيخ الطائفة محمد بن يعقوب الكليني (رحمه اللّه) في أصوله: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي الصباح الكناني قال: نظر أبو جعفر محمد إلى ابنه جعفر و هو يمشي، فقال لي: أترى هذا الغلام؟

____________

(1). الكافي 1: 393.

(2). الاحتجاج 2: 48- 49.

(3). الارشاد 271.

45

فقلت: نعم، جعلت فداك.

قال: هذا من الذين قال اللّه تعالى فيهم: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ‏ (1).

و روى علي بن الحكم عن طاهر صاحب أبي جعفر محمد بن علي قال: كنت يوما عند محمد الباقر اذ أقبل ابنه جعفر، فقال أبوه: هذا خير البرية (2).

أحمد بن مهران، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن جابر بن يزيد (3) الجعفي، قال: سئل أبو جعفر محمد بن علي (عليه السّلام) عن القائم، فضرب بيده على ابنه جعفر، و قال: هذا و اللّه قائم آل محمد. (4)

و روى عن عنبسة قال: لمّا قبض أبو جعفر محمد بن علي دخلت على ابنه جعفر و أخبرته بذلك، فقال (عليه السّلام): صدق جابر، ثمّ قال (عليه السّلام): لعلكم ترون ان كل إمام ليس هو القائم بعد الإمام الذي كان قبله‏ (5).

علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الاعلى مولى آل سام عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد قال: ان أبي استودعني ما هناك لمّا حضرته الوفاة، فقال: ادع لي شهودا فدعوت له اربعة رجال من قريش، منهم نافع مولى عبد اللّه بن عمر، فقال: اكتب هذا ما أوصى به يعقوب بنيه، يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ (6)، و أوصى محمد بن علي بن الحسين (عليه السّلام) ابنه جعفر و أمره ان يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة، و ان يعممه بعمامته، و ان يربع قبره و يرفعه أربعة أصابع، و ان يحل عنه أطماره عند دفنه، قال (عليه السّلام)، ثمّ قال (عليه السّلام) للشهود: انصرفوا رحمكم اللّه، فقلت بعد انصرافهم: جعلت فداك يا أبت ما كان هذا بأن تشهد عليه؟ فقال (عليه السّلام): يا بني كرهت ان تغلب، و ان يقال مات محمد بن علي و لم‏

____________

(1). القصص 50/ الكافي 1: 243- 244.

(2). الكافي 1: 244/ الارشاد 271.

(3). في نسخة ب: عن هشام بن سالم، عن جعفر بن يزيد، عن جابر الجعفي.

(4). الكافي 1: 244/ الارشاد 271.

(5). الكافي 1: 244.

(6). البقرة 132.

46

يوص إلى ابنه، فأردت ان تكون لك الحجة البالغة (1).

الفصل [الرابع‏] في مناقبه (عليه السّلام)

روى عن الليث بن سعد قال: حججت البيت الحرام سنة 113 فصليت به صلاة العصر و صعدت جبل أبي قبيس، فرأيت الصادق (عليه السّلام) جالسا يدعو اللّه عزّ و جلّ بخضوع و خشوع، فسمعته يقول: يا رب يا رب حتى انقطع نفسه، ثمّ قال: يا اللّه يا اللّه حتى انقطع نفسه، ثمّ قال يا حي يا حي حتى انقطع نفسه، ثمّ قال يا رحيم يا رحيم حتى انقطع نفسه، ثمّ قال يا أرحم الراحمين سبع مرات، ثمّ قال: يا رب اني اشتهي عنبا فأطعمني، اللهم ان بردتي قد خلقتا.

قال الليث: فو اللّه ما استتم كلامه إلّا و رأيت سلة عنب مملوءة و بردتين جديدتين فلمّا أراد ان يأكل قلت اني شريكك، فقال: و لماذا؟ فقلت: لانك تدعو و أنا أومن، فقال (عليه السّلام): تقدم و كل و لا تحمل شيئا، فإن طعام الجنة لا يخبأ منه شي‏ء، فتقدمت و أكلت من العنب لم قط أكلت مثله أبدا، حتى شبعت، فإذا هو ليس له عجم و السلة كما هي لم تنقص ثمّ قال (عليه السّلام) لي: خذ البردتين اليك، فقلت انهما لك و انا غني عنهما.

فقال (عليه السّلام): اذا توار عني حتى ألبسهما، فتواريت عنه فاتزر بإحديهما و ارتدى بالاخرى، ثمّ أخذ تلك البردتين اللتين كانتا على جسده بيده و نزل من الجبل فتبعته حتى وقف بالمسعى، فلقيه رجل، فقال له: قد كساك اللّه تعالى فأكسني بهذين البردتين الاوليتين، فدفعهما إليه، فقلت للرجل: من هذا؟ فقال هذا الصادق الامين جعفر بن محمد الباقر، فطلبته لاستعيد منه شيئا فلم أجده‏ (2).

و قال السيد الحميري فيه قصيدة طويلة:

تجعفرت باسم اللّه و اللّه أكبر* * * و أيقنت ان اللّه يعطي و يغفر (3)

قال الشيخ المفيد (رحمه اللّه) في ارشاده: روى أبو بصير قال: دخلت المدينة و كان معي جويرية لي‏

____________

(1). الكافي 1: 244- 245/ الارشاد 271- 272.

(2). مطالب السؤول 2: 59- 60.

(3). القصيدة كاملة مع الخبر في ديوان السيد الحميري 201- 203.

47

فاصبت منها، ثمّ خرجت إلى الحمام لاغتسل، فعارضني جماعة من اصحابنا متوجهين إلى أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام)، فمضيت معهم جنبا اختشاء ان يسبقوني بالدخول عليه، فدخلنا عليه و تمثلنا بين يديه، فنظر الي ثمّ قال: يا أبا بصير اما علمت ان بيوت الانبياء و أولاد الانبياء لا يدخلها الجنب فأطرقت رأسي حياء خجلا، فقلت: جعلت فداك يا ابن رسول اللّه، خشيت ان يفوتني أصحابي بالدخول عليك فلن أعود إلى مثلها (1).

و روي ان السيد اسماعيل بن محمد الحميري كان كيساني المذهب، فبلغه انكار أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام)، فرجع عن مذهب الكيسانية و صار إمامي المذهب، فقال هذه الابيات شعرا:

يا راكبا نحو المدينة جسرة* * * عذافرة يطوى بها كل سبسب‏

إذا ما هداك اللّه عاينت جعفرا* * * فقل لولي اللّه أين المذهب‏ (2)

الا يا ولي اللّه و ابن وليه* * * أتوب إلى الرحمن ثمّ تأدب‏

اليك من الذنب الذي كنت مطنبا* * * أجاهد فيه دائبا كل معرب‏

و ما كان قولي في ابن حولة دائبا* * * معاندة مني لنسل المطيب‏

و لكن روينا عن وصي محمد* * * و لم يك فيما قاله بالمكذب‏

بأن ولي الامر يفقد لا يرى* * * سنين كفعل الخائف المترقب‏

فيقسم أموال العبيد كأنما* * * تغيّبه بين الصفيح المنصب‏

فإن قلت لا فالحق قولك و الذي* * * يقول بجسم غير ما متعصب‏

فان ولي الامر و العاشر الذي* * * تطلع نفسي نحوه و تطربي‏ (3)

له غيبة لابد ان سيغيبها* * * فصلى عليه اللّه من متغيب‏ (4)

قال القاضي ابن خلكان‏ (5): حدث الزبير، عن محمد بن يحيى الربيعي قال ابن شيرويه: دخلت‏

____________

(1). الارشاد 273.

(2). في الديوان فقل لولي اللّه و ابن المهذب.

(3). في الديوان: (فان ولي الامر و القائم الذي).

(4). الارشاد 283- 284/ ديوان السيد الحميري 114- 117.

(5). غير موجود في وفيات الاعيان 1: 291- 292.

48

أنا و أبو حنيفة النعمان بن ثابت على أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام) فقلت له: متعنا اللّه بك، ان هذا رجل من أهل العراق لديه فقاهة و فضل في العلوم.

فقال (عليه السّلام): لعله أبو حنيفة النعمان بن ثابت الذي يقيس الدين برأيه؟

فقال أبو حنيفة النعمان: نعم.

فقال (عليه السّلام): يا أبا حنيفة، اتق اللّه حق تقاته و لا تقس برأيك، فإن أول من قاس ابليس اللعين، لعنه اللّه، اذ أمره اللّه تعالى بالسجود لآدم (عليه السّلام) ف قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏ (1)، يا أبا حنيفة هل تحسن ان تقيس رأسك من جسدك؟

قال: لا.

قال: اخبرني عن الملوحة في العينين، و عن المرارة في الاذنين، و عن الماء في المنخر، و عن العذوبة في الشفتين، لاي شي‏ء جعل اللّه تعالى ذلك في الإنسان؟

فقال: لا أدري.

فقال (عليه السّلام): اعلم ان اللّه تعالى خلق العينين فجعلهما شحمتين‏ (2) و جعل الملوحة فيهما منافع لابن آدم و لو لا ذلك لذابتا فذهبتا، و جعل اللّه تعالى المرارة في الاذنين ... (3) هلة عليه و لو لا ذلك لهجمت الهوام عليه فأكلت دماغه، و جعل اللّه الماء في المنخرين ليصعد منه النفس و ينزل فيجد (4) منه الريح الطيبة من الريح الردية، و جعل اللّه تعالى العذوبة في الشفتين ليجد لذة المطعم و المشرب، ثمّ قال (عليه السّلام):

يا أبا حنيفة أخبرني عن كلمة أولها شرك و آخرها ايمان ما هي؟

قال: لا أدري.

فقال (عليه السّلام): اذا فاعلم ان الرجل إذا قال لا إله إلّا اللّه، فلو امسك على قول لا إله كان مشركا، فأذا اتممها احسن ايمانه. ثمّ قال (عليه السّلام): يا أبا حنيفة ايما أعظم عند اللّه عزّ و جلّ قتل النفس التي حرم اللّه تعالى أو الزنا؟

قال: قتل النفس.

____________

(1). الاعراف 12.

(2). في ب: (منجمتين) و ما اثبتنا من الاحتجاج 2/ 114.

(3). بياض في ب.

(4). في ب: (ليتحدر) و ما أثبتنا من الأحتجاج 2/ 114.

49

فقال (عليه السّلام): ان اللّه عزّ و جلّ قد رضى في القتل بشاهدين، و لم يرض في الزنا إلّا بأربعة، فكيف يقوم لك قياس، ثمّ قال (عليه السّلام): يا أبا حنيفة ايما أعظم عند اللّه عزّ و جلّ الصلاة أم الصوم؟

قال: الصلاة.

فقال (عليه السّلام): فما بال المرأة تقضي صومها و لم تقض صلاتها، اتق اللّه يا عبد اللّه و لا تقس، فإنا نقف غدا و من خالفنا بين يدي اللّه عزّ و جلّ، فنقول قال اللّه تعالى، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و تقول أنت و أصحابك سمعنا و رأينا، فيفعل اللّه تعالى بنا و بكم ما يشاء و هو احكم الحاكمين.

قال الفقيه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي في معاني الاخبار:

حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار، قال: حدثنا أبي عن أحمد بن محمد (1) بن يحيى عن عمران الاشعري العباسي قال: حدثنا أبو عبد اللّه الرازي و اسمه عبد اللّه بن أحمد، عن سجادة و اسمه الحسن بن علي بن أبي عثمان و اسمه أبو عثمان جيبة (2)، عن محمد بن وهب قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السّلام): تبع حكيم حكيما سبعمائة فرسخ في سبع كلمات، فلمّا لحق به قال: يا هذا أيما ارفع من السماء، و اوسع من الارض، و أغنى من البحر و أقسى من الحجر، و أشد حرارة من النار، و أشد بردا من الزمهرير، و أثقل من الجبال الراسيات؟ فقال [له‏]: يا هذا الحق ارفع من السماء، و العدل أوسع من الارض، و غنى النفس أغنى من البحر، و قلب الكافر أقسى من الحجر، [و الحريص الجشع‏] أشد حرارة من النار، و اليأس من روح اللّه أبرد من الزمهرير، و البهتان على البري‏ء أثقل من الجبال الراسيات‏ (3).

قال الشيخ المفيد (رحمه اللّه) في ارشاده: هو ان المنصور الدوانيقي أمر الربيع بإحضار أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام) فأحضره، فلمّا رآه قال له: قتلني اللّه ان لم اقتلك، أتلحد في سلطاني و تبغيني الغوائل؟

فقال (عليه السّلام): و اللّه ما فعلت و ما اردت، فإن كان بلغك ذلك، فما بلغك إلّا كاذب، و لو كنت فعلت فقد ظلم يوسف فغفر، و ابتلى أيوب فصبر، و أعطي سليمان فشكر، فهؤلاء أنبياء و اليهم يرجع نسبك،

____________

(1). في معاني الاخبار: محمد بن أحمد بن يحيى.

(2). في معاني الاخبار: حبيب عن محمد بن أبي حمزة عن محمد بن وهب.

(3). معاني الاخبار 177.

50

فقال: أجل، ارتفع و اجلس بإزاء، فأرتفع و جلس بإزاء، ثمّ قال له: ان فلان بن فلان اخبرني عنك بما ذكرت لك، فقال: أحضره يا أمير المؤمنين ليوافقني على ذلك، فأستحضره و قال له: الست القائل لي ما هو كيت و كيت؟ قال: نعم. فقال (عليه السّلام): يا أمير المؤمنين لي عليه الاستحلاف، فقال له:

أتحلف؟ قال: نعم، و ابتدأ باليمين فقال (ع): دعني يا امير المؤمنين ان احلفه انا، فقال: اياك و اياه، فقال (عليه السّلام): قل برئت من حول اللّه و قوته، و التجأت إلى حولي و قوتي، لقد فعل كذا و كذا جعفر، و قال كذا و كذا جعفر، فامتنع منها هنيئة ثمّ حلف بها، فما برح حتى ضرب برجله الارض و سقط ميتا، فقال (عليه السّلام): جروه برجله.

قال الربيع: فلمّا أقبل الصادق (عليه السّلام) على المنصور رأيته يحرك شفتيه، فلمّا خرج تبعته و قلت له:

جعلت فداك، و اللّه [ان‏] هذا الرجل كان شديد الغضب عليك، فبما دعوت اللّه حتى زال غضبه عنك؟ قال دعوت اللّه تعالى بهذا الدعاء يا عدتي عند شدتي، و يا غوثي عند كربتي، احرسني بعينك التي لا تنام، و اكنفني بركنك الذي لا يرام.

قال الربيع: فحفظته، فما دعوت به في شدة و كرب إلّا و فرج اللّه تعالى عني‏ (1).

و روي ان داود بن علي بن عبيد اللّه‏ (2) بن عباس قتل المعلى بن خنيس مولى الصادق (عليه السّلام) و أخذ ماله، فدخل عليه الصادق (عليه السّلام) و هو يجر رداءه فقال له: قتلت مولاي، و أخذت ماله، أما علمت ان الرجل ينام على الثكل، و لا ينام على الحرب، أما و اللّه لا دعون اللّه عليك، فقال مستهزءا به:

تتهددونا بدعائكم فمضى الصادق (عليه السّلام) إلى منزله، فلم يزل ليلته قاعدا و قائما إلى السحر يقول في مناجاته: يا ذا القوة القوية، و يا ذا المحال الشديد، و يا ذا العزة التي كل خلقك لها ذليل، اكفني هذه الطاغية و انتقم لي منه، فما كان إلّا ساعة اذ سمعنا ارتفاع الاصوات بالصياح و النحيب على موت داود بن علي‏ (3).

قال شيخ الطائفة محمد بن يعقوب الكليني في اصوله: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن الجبيري‏ (4)، عن يونس بن لهيان‏ (5) و مفضل بن عمر، و أبي مسلم‏ (6) السراج،

____________

(1). الارشاد 272- 273.

(2). في الارشاد: عبد اللّه.

(3). الارشاد 273.

(4). في الكافي: الخيبري.

(5). في الكافي: ظبيان.

(6). في الكافي: أبي سلمة.

51

و الحسين بن ثوير بن أبي فاخته، جميعا قالوا: كنا ذات يوم عند أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام) فقال: ان عندنا خزائن الارض و مفاتيحها، و لو شئت ان أقول بأحد رجلي اخرجي ما فيك من الذهب و الفضة لاخرجته، ثمّ انه (عليه السّلام): قال بإحدى رجليه فخطها في الارض خطا فتفجرت الارض، ثمّ مد يده فأخرج سبيكة من الذهب المصفى مقدار شبر، ثمّ قال (عليه السّلام): انظروا حسنا، فنظرنا فإذا نحن بسبائك كثيرة لا تحصى عددا بعضها على بعض تتلألأ كشعاع الشمس، فقال أحدنا: جعلت فداك يابن رسول اللّه، لقد أعطاكم اللّه ما أعطاكم من فضله، و شيعتكم محتاجون؟

فقال (عليه السّلام): ان اللّه عزّ و جلّ سيجمع لنا و لشيعتنا الدنيا و الاخرة فيدخلنا و يدخلهم جنات النعيم، و يدخل عدونا و عدوهم الجحيم‏ (1).

قال القطب الراوندي في كتابه العجيب: بأسناده إلى يونس بن ... (2) قال كنت عند أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام) مع جماعة فسألته عن قوله تعالى لنبيه ابراهيم (عليه السّلام): فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً (3) هل كانت الطيور مختلفة الجنس أم متفقة؟ فقال (عليه السّلام): أ تحبون ان أريكم؟ فقلنا: نعم، فقال (عليه السّلام): يا طاووس، فإذا بطاووس اخضر أقبل فوقف بين يديه، ثمّ قال: يا غراب، فإذا بغراب أقبل فوقف بين يديه، ثمّ قال: يا بازي فإذا بباز أخضر أقبل فوقف بين يديه، ثمّ قال: يا حمامة فإذا بحمامة أقبلت فوقفت بين يديه، ثمّ انه (عليه السّلام) أمر بذبح الطيور كلها، و نتف ريشها و تقطيعها، ثمّ بخلط لحمها في بعضه بعضا، ففعل بها ذلك، ثمّ أخذ برأس الطاووس و قال: يا طاووس قم بإذن اللّه الذي خلقك، فو اللّه لقد رأينا لحمه و عظامه و ريشه يجتمع إلى بعضه حتى التزق كله، ثمّ قام بين يديه حيا، ثمّ انه (عليه السّلام) صاح بالغراب فصار كالطاووس ثمّ بالبازي ثمّ بالحمامة فصارت جميعها احياء.

و بإسناده إلى أبي الصلت الهروي، عن أبي الحسن علي الرضا (عليه السّلام) قال: قال أبي (عليه السّلام): كنت جالسا عند أبي جعفر الصادق (عليه السّلام) اذ دخل عليه بعض موالينا فقال: ان بالباب ركبا يريدون الدخول عليك، فقال لي: يا بني انظر من الباب، فنظرت فإذا انا بجماعة كثيرة محملة صناديق، و رجل راكب فرسا، فقلت: من الرجل؟ فقال: من الهند و السند أريد الإمام جعفر بن محمد (عليه السّلام)،

____________

(1). الكافي 1: 394.

(2). بياض في اصل ب.

(3). البقرة 260.

52

فأعلمت والدي بذلك، فقال (عليه السّلام): لا تأذن للنجس الخائن، فلم يزل مقيما بالباب مدة مديدة لم يؤذن له حتى تشفع له مزيد بن سليمان و محمد بن سليمان، فأذن له بالدخول، فدخل وجثا بين يديه (عليه السّلام)، قال: اصلح اللّه الإمام، اني رسول من ملك الهند بعثني اليك بكتاب مختوم و امانة محمولة اليك، ولي بها حول ببابك مقيما لم يؤذن لي في الدخول اليك، فما ذنبي يا مولاي، أ هكذا فعل الانبياء و أولادهم؟ فأمر (عليه السّلام) بأخذ الكتاب و فضه فأخذته و فضضته فإذا فيه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم إلى جعفر الصادق الامين الكامل المطهر الطاهر من الرجس. اما بعد، فهداني اللّه إلى دينك و الحمد للّه على ذلك، و قد اهدى إلي جارية لم ار أعقل منها، و لم أجد أحدا يستحقها سواك، فاخترت من وزرائي ألف رجل كلهم يصلحون للأمانة، ثمّ اخترت من الالف مائة رجل، ثمّ اخترت منها عشرة رجال، ثمّ اخترت منها رجلا واحدا هو ميزاب بن حباب، لم أر في الناس أوثق منه للأمانة، فبعثت معه تلك الجارية مع الحلي و الجواهر و الطيب.

فقال (عليه السّلام): ارجع أيها الخائن فيما ائتمنت عليه، فما كنت بالذي أقبله، فحلف له انه ما خان أمانته، فقال (عليه السّلام): ان شهد عليك بعض ثيابك فيما خنت؟ تشهد ان لا إله إلّا اللّه و ان محمدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)؟ قال: أو تعفني عن ذلك؟ قال: اذا اكتب إلى صاحبك بما فعلت، قال ان علمت شيئا فاكتب إليه.

قال (عليه السّلام)، و كان على ميزاب بن حباب فروة فأمره الصادق (عليه السّلام) ان يخلعها فخلعها، ثمّ قام (عليه السّلام) و صلى ركعتين و قال في سجوده: اللهم اني أسألك بمعاقد العز من عرشك، و منتهى الرحمة من كتابك ان تصلي على محمد و آل محمد عبدك و رسولك و أمينك في خلقك و ان تأذن لفروة هذا الهندي ان تتكلم بلسان طلق عربي مبين يسمعه من في المجلس من أوليائنا الصالحين ليكون ذلك عندهم آية من آياتك على أهل بيت نبيك ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم. قال: فرأينا الفروة انتفضت حتى صارت كالكبش ثمّ قالت: يا ابن رسول اللّه ائتمنه الملك على هذه الجارية و ما معه من الامانات و أوصاه بحفظها اليك، فلمّا وصلنا إلى بعض الصحارى أصابنا مطر فابتل جميع ما معنا ثمّ احبس اللّه تعالى المطر، و طلعت الشمس، فنادى خادما كان ملازما خدمة الجارية اسمه بشر، فقال له: امض إلى هذه المدينة و اتنا بأحسن ما فيها من الطعام فمضى الخادم و أمر ميزاب الجارية

53

ان تخرج من قبتها إلى مضرب قد نصبه في الشمس، فخرجت كاشفة عن ساقيها من وحل في الارض، فنظر إليها هذا الخائن فراودها عن نفسها فأجابته، ففجر بها و خانك يا مولاي فيما ائتمنه صاحبه فخر ميزاب على وجهه، و قال: ارحمني رحمك اللّه فاني قد اخطأت، ثمّ عاد الكبش فروة فأمره (عليه السّلام) ان يلبسها فلبسها و انتظمت في حلقة خانقة له حتى اسود وجهه ثمّ قال (عليه السّلام): أيتها الفروة خلي عنه حتى يرجع إلى صاحبه فهو اولى به منا، فانحلت عنه، و قال: اللّه اللّه فيّ. انك إن رددت الجارية انكر علي و اخشى منه العقوبة، فقال الصادق (عليه السّلام): إذا أسلم فإن اسلمت نعطك الجارية، فامتنع، فقبل (عليه السّلام) تلك الهدايا و لم يقبل الجارية، فمضى بها ميزاب إلى الملك بالهند ثمّ بعد مضي شهر أتى من الملك مكتوب إلى الصادق (عليه السّلام) فيه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم إلى جعفر الصادق الامين بن محمد الباقر، من ملك الهند، أما بعد، فقد كنت لهديت اليك جارية و معها حلي و جواهر و طيب فقبلت ما ليس له قيمة، و رددت الجارية، فأنكر قلبي ذلك، اذ ليس لكم طمع في المال، فإن الانبياء و أولادهم لابد لهم من فراسة، فنظرت إلى الرسول ميزاب بن حباب بعين الخيانة، فاخترعت كتابا و اعلمته أنه أتاني منك و عرفته فيه بخيانته، و حلفت له انه لا ينجيه مني إلّا الصدق، فأقر بما قد فعله، و قد أقرت الجارية بمثل ذلك، و اختبرت بما كان من أمر الفروة، فزادني ذلك عجبا، ثمّ ضربت عنقيهما، و أنا اشهد ان لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و ان محمدا عبده و رسوله، أرسله بالحق بشيرا و نذيرا، و اعلم اني على أثر الكتاب.

قال: فما أقام ملك الهند مدة يسيرة حتى نزل عن الملك و أسلم و أحسن اسلامه.

[الفصل الخامس‏] في وفاة أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام)

قال شيخ الطائفة محمد بن يعقوب الكليني في أصوله: سعد بن عبد اللّه و عبد اللّه جعفر، عن ابراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: قبض أبو عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السّلام) في شهر شوال سنة 148، و عمره يومئذ

54

خمس و ستون سنة، و قيل تسع و خمسون سنة، فمنها ما صحب جده اثنتا عشرة سنة، و منها ما صحب أباه بعد جده ثلاث عشرة سنة، و منها بعدهما إماما مفترض الطاعة اربع و ثلاثون سنة (1) فهذه تسع و خمسون سنة، سمه أبو جعفر المنصور بن محمد المهدي العباسي، و مشهده بازاء أبيه وجده علي زين العابدين (عليهم السّلام) بالغردق شرقي المسجد النبوي مما يلي القبلة (2).

الفصل [السادس‏] في ذكر أولاد أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام)

قال ... (3): فأبو عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام) خلف ستة بنين: أبا الحسن موسى الكاظم، و أبا محمد اسحاق المؤتمن أمهما أم ولد، و أبا محمد اسماعيل الاعرج، و محمد الديباج و يقال له المأمون، و علي العريضي، و عبد اللّه الافطح أمهم أم ولد بربرية تدعى حميدة، و لعلها أم الجميع.

و قال قوم: ان لابي عبد اللّه جعفر ولد اسمه ناصر قد ادعى اليه قوم أدعياء كذابون فنسبوا إليه و خوطبوا بالشرف و السيادة بالهراة و خراسان يعرفون ببارسا و هم على غير أصل، و لا صحة لدعواهم بإجماع علماء النسب، لان الصادق (عليه السّلام) ليس له ولد غير الستة المذكورين‏ (4) [و على هذا فإن عقبهم ستة أصول:]

الاصل الاول: عقب عبد اللّه [الافطح‏]: كان أفطح الرجلين، و يقال له الافطح، و كان أكبر ولد

____________

(1). الكافي 1: 396 مع زيادات في النص.

(2). إلى هنا ينتهي العمل بنسخة ب و يبدأ العمل بالنسختين معا.

(3). بياض في النسختين.

(4). و في نسخة ب اختلاف، فقد ورد فيها ما نصه:

(قال الشيخ المفيد (رحمه اللّه) في إرشاده: فأبو عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام) خلف [سبعة] بنين: الإمام أبا الحسن موسى الكاظم (عليه السّلام)، و أبا محمد إسحاق المؤتمن، و أبا القاسم محمدا الديباج أمهم أم ولد، و عبد اللّه [الأفطح‏]، و أبا محمد إسماعيل الأعرج، أمهما فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي (عليه السّلام)، و العباس، و أبا الحسن عليا العريضي، هو أصغر ولد أبيه، أمهما أم ولد بربرية تدعى حميدة، و لعلها أن تكون أم عبد اللّه و إسحاق و العباس. و له من البنات ثلاث: أم فروة أمها فاطمة المذكورة، و أسماء و فاطمة أمهما أم أولاد شتى (الارشاد 284- 285. و في نسخة أ لم يرد أسم العباس في أولاد الإمام (عليه السّلام).

و عقبهم سبعة أصول:).

55

أبيه بعد أخيه اسماعيل، و لم تكن منزلته عند أبيه بمنزلة غيره من ولده في الاكرام و الاجلال، و كان متهما في الخلاف على أبيه في الاعتقاد، و يقال انه كان يخالط الحشوية، و يميل إلى مذهب المرجئية، و ادعى الإمامة بعد أبيه محتجا بأنه أكبر ولد أبيه، فتبعه جماعة من اصحاب أبيه، ثمّ رجع الاكثر منهم عنه لمّا تبين لهم من ضعف دعواه، و ايضاح القول بإمامة أخيه أبي الحسن موسى (عليه السّلام) فاتضح الحق و تبرهن الصدق، فلم يقم عبد اللّه إلّا اليسير، و هم الطائفة الملقبة بالافطحية لقولهم بإمامته‏ (1).

قال ... (2) فرقة من الزيدية، فعبد اللّه مات سنة ... (3) في بلدة بسطام و قبره معروف بازاء قبر علي بن عيسى بن آدم البسطامي، فبسطام بفتح الباء الموحدة، و السين المهملة الساكنة، و الطاء المهملة بعدها ألف ثمّ ميم، اسم بلدة كبيرة من أعمال فارس، و هي اقليم عظيم مما يلي عراق العجم و خراسان، كالحجاز.

و قد ادعى إلى عبد اللّه الافطح قوم بالهرات و خراسان يعرفون ثمة ببارسا فوافقهم على دعواهم قوم آخرون من ولد ... (4) و الامر ليس كذلك، بل هم أدعياء كذابون بإجماع علماء النسب، لانحصار العقب من جعفر في الستة المذكورة.

الاصل الثاني: عقب أبي محمد اسحاق المؤتمن بن أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام): قال ... (5)

كان يشبه جده رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و كان سيدا جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة، تقيا نقيا ميمونا عالما عاملا فاضلا كاملا فقيها محدثا صالحا ورعا، عابدا.

روى الناس عنه الحديث. روى عنه سفيان بن عيينة (6)، و ابن كاسب، و غيرهما الحديث، و كانا يقولان حدثنا الثقة الرضي أبو محمد اسحاق المؤتمن‏ (7)، و كان وطي الجناب، لين العريكة، حسن السلوك، فائقا بالطباع الحسنة، ملازما منهاج أبيه، فمالت إليه الواقفية احدى فرق الزيدية و قالوا بإمامته و لم يدعها.

قال السيد في الشجرة: فأبو محمد اسحاق المؤتمن خلف ثلاثة بنين: أبا العباس أحمد، و أبا عبد

____________

(1). الارشاد 285- 286.

(2). بياض في النسختين.

(3). بياض في النسختين.

(4). بياض في النسختين.

(5). بياض في النسختين.

(6). في أ: (عقبة).

(7). الارشاد 286.

56

اللّه الحسين، و أبا عبد اللّه محمد الحجازي (الصوفي) (1) و عقبهم ثلاث أيكات:

الايكة الاولى: عقب أبي العباس أحمد: (قال السيد في الشجرة:) (2) فأبو العباس أحمد خلف ابنين: اسحاق و أبا عبد اللّه محمدا، و عقبهما سبطان:

السبط الاول: عقب اسحاق: فإسحاق خلف عليا، ثمّ علي خلف أبا طالب محمدا، كان من ذوي الاقدار ببغداد، توفى بها بعد ان كف بصره، له عقب يعرفون ببني الالهوس‏ (3).

الايكة الثانية: عقب أبي عبد اللّه الحسين بن أبي محمد إسحاق المؤتمن:

فأبو عبد اللّه الحسين خلف محمدا، ثمّ محمد خلف أحمد، ثمّ أحمد خلف محمدا، ثمّ محمد خلف أبا عبد اللّه جعفرا، ثمّ أبو عبد اللّه جعفر خلف ابنين: أبا إبراهيم محمدا و أبا تراب زيدا، و عقبهما سبطان:

السبط الاول: عقب أبي إبراهيم محمد، كان سيدا جليل القدر، عظيم الشأن رفيع المنزلة، عاملا فاضلا كاملا اديبا ظريفا فصيحا بليغا، شاعرا عديم المال زوجه أبو الحسين عبد اللّه العمرى بن عبيد اللّه بن علي الطبيب العلوي بابنته خديجة المعروفة بأم سلمة، و كان أبو الحسين عبيد اللّه العمرى مقدما و مستوليا على خراسان، فأمده بماله و رجاله، فعلت همته، و زكت شوكته، فأخرج منها أبا الحسين عبد اللّه و استولى على خراسان، فقهر اهلها بالظلم و الجور، و سار فيهم سيرة رديئة، فنفروا من سوء فعاله، فلم يبق من العمريين إلّا القليل، فتعصبوا على اخراجه فنفوه عنهم.

فأبو إبراهيم محمد خلف جعفرا، ثمّ جعفر خلف أبا إبراهيم محمدا كان سيدا جليل القدر، رفيع المنزلة، عظيم الشأن، نقيبا بحلب، و كان زيدي المذهب، و هو ممدوح أبي العلاء المعري، حيث قال فيه هذه القصيدة:

ليت التحمل عن ذراك حلول* * * و السير عن حلب إليك رحيل‏ (4)

يا بن الذى بلسانه و بيانه* * * هدي الانام و نزّل التنزيل‏

____________

(1). ما بين القوسين ساقط من ب.

(2). ما بين القوسين ساقط من ب.

(3). في المراجع الاخرى: (الملهوس).

(4). إلى هنا ينتهي العمل بالنسختين و يبدأ العمل بنسخة ب لوحدها.

57

عن فضله نطق الكتاب و بشرت* * * بقدومه التوراة و الانجيل‏

مني إليك مع الرياح تحية* * * مشفوعة و مع الوميض رسول‏

في القلب ذكرك لا يزال و ان اتى* * * دون اللقاء سباسب و هجول‏

إن العوائق عقن عنك ركايبي* * * فلهن من طرب إليك هديل‏

اشبهن في الشوق الحمام و إنما* * * طيرانهنّ توقص و ذميل‏

من قال ان النيرات حوامل‏ (1)* * * فيعد ذلك في علاك نفول‏ (2)

يعملن فيما دونهنّ بزعمه* * * و لهن دونك مطلع و افول‏

لو لا انقطاع الوحى بعد محمد* * * قلنا محمد من أبيه بديل‏

هو مثله في الفضل الا انه* * * لم يأته برسالة جبريل‏

قل للذي عرفت حقيقته به* * * إذ لا يقام على الدليل دليل‏

ما بال سابقة يصل لجامها* * * اربت و عقد خزامها محلول‏ (3)

كالمطر يله المراح ضبابه‏ (4)* * * بالجري و هو مقيد مشكول‏

اكذا الجياد إذا ارادت موردا* * * نضب الفرات لها و غاض النيل‏

حجبت فلم يرها الذي قيدت له* * * و غدت بآناق‏ (5) البلاد تجول‏

و من العجائب ان يسير آمل‏ (6)* * * مدحا و لم يسمع بها المأمول‏

ما كان يركب غيرها لو أنه* * * عريض العريض عليه و هو خبول‏ (7)

و بصدها قصر العنان فما لها* * * يوم الدهاة (8) إلى الامير وصول‏

و العيس اصل‏ (9) ما يكون لها الصدى* * * و الماء فوق ظهورها محمول‏

____________

(1). في ديوان المعري: (عوامل).

(2). فى الديوان: (يقول).

(3). في الديوان: (... ارنت و عقد لجامها محلول).

(4). في الديوان: (كالطرف يقلقه المراح صبابة).

(5). في الديوان: (بافاق).

(6). في ب: (عامل) و ما اثبتنا من الديوان.

(7). في الديوان: (.. عرض القريض عليه و هو خيول).

(8). في الديوان: (يوم الدهان).

(9). في الديوان: (اقتل).

58

و اذا نضت عن متنها برد الصبا* * * معشوقة و إلى الجفاء تؤول‏

شابت فجد بخضابها و ابعث بها* * * عجلا إليه فللخضاب نصول‏

فهي الّتي صيغت لها من وعدك الاح* * * جال أمس و فصل الإكليل‏

فكلامك المرآة تصدق في الّذي* * * تحكي و انت الصارم المصقول‏

لا زال صفحيك النجيع و لا بدا* * * للناظرين بمضربيك فلول‏ (1)

و لما توفي أبو إبراهيم محمد بن جعفر رثاه أبو العلاء المعرّي مخاطبا لا ولاده بهذه الابيات:

بنو الحسب الوضاح و الشرف النجم‏ (2)* * * لساني إن لم ارث والدكم خصمي‏

شكوت من الايام تبديل غادر (3)* * * بواف‏ (4) و نقلا من سرور إلى هم‏

و حالا كريش النسر بينا رأيته* * * جناحا لشهم آض ريشا على سهم‏ (5)

و لا مثل فقدان الشريف محمد* * * رزية خطب أو جناية ذي جرم‏

فيا دافنيه في الثرى ان لحده* * * مقر الثريا فادفنوه‏ (6) على علم‏

و يا حاملي اعواده ان فوقه* * * سماري‏ (7) سر فاتقوا كوكب الرجم‏

و ما نعشه إلا كنعش وجدته* * * أبا لبنات لا يخفن من اليتم‏

فويح المنايا لم يبقين غاية* * * طلعن الثنايا و اطلعن على النجم‏

اعاذل ان صم القنا عن نعيه* * * فوا حسدا من بعده للقنا الصم‏

بكى السيف حتّى أخضل الدمع جفنه* * * على فارس يرويه من فارس الدهم‏

تلذ العوالي و الظبى في بنانه* * * لقاء الرزايا من فلول و من حطم‏

و باللّه ربي ما تقلد صارما* * * له مشبها (8) في يوم حرب و لا سلم‏

و لا صاح في الخيل اقدمي في عجاجة* * * اذا قيل حدى‏ (9) قال في ضنكها أمّي‏

____________

(1). ديوان المعري/ سقط الزند ط 1884 ص 58- 59.

(2). في الديوان: (الجم).

(3). في ب: (عاذر) و ما اثبتنا من الديوان.

(4). في ب: (نواق) و ما اثبتنا من الديوان.

(5). في الأصل: لحثا جالستهم الأرض مريشا على نهم. و التصويب من الديوان.

(6). في ب: (فأدفنوها) و ما اثبتنا من الديوان.

(7). في الديوان (.. ان فوقها سماوي).

(8). في الديوان: (له مشبه).

(9). في الديوان: (حيدري).