حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - ج4

- السيد هاشم البحراني المزيد...
635 /
5

[المنهج السابع في الإمام السادس أبي عبد اللّه الصادق جعفر بن محمّد ابن علي بن الحسين بن علي أبي طالب (ع)

بسم الله الرحمن الرحيم‏ و به نستعين

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطّاهرين.

و بعد فهذا المنهج السّابع في الإمام السادس أبي عبد اللّه الصادق جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) و فيه ثلاثون بابا.

الباب الأوّل- في شأنه (عليه السلام) في الأمر الأوّل.

الباب الثاني- في علّة تسميته الصادق (عليه السلام).

الباب الثالث- في شدّة يقينه و تعظيمه للّه جل جلاله.

الباب الرّابع- في أنّ علمه (عليه السلام) عن اللّه سبحانه و عن رسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم).

الباب الخامس- في أنّ نشره للعلوم و الفتيا بأمر اللّه جل و عزّ إسمه و شأنه.

الباب السّادس- في سعة مجلسه للعلم و أخذ علماء الأمّة عنه و رجوعهم إليه (عليه السلام).

6

الباب السابع- في مجلس له (عليه السلام) مع أبي حنيفة و غيره من المخالفين.

الباب الثامن و هو من الباب الأوّل من طريق المخالفين.

الباب التاسع- في الرّواية عنه (عليه السلام) بالعدد.

الباب العاشر- في أنّ مجلسه (عليه السلام) أنبل المجالس.

الباب الحادي عشر- في حلمه (عليه السلام) و عفوه.

الباب الثّاني عشر- في أمره مع المنصور.

الباب الثّالث عشر- في إبتلائه بالمرض.

الباب الرّابع عشر- في عبادته (عليه السلام).

الباب الخامس عشر- في جوده (عليه السلام).

الباب السّادس عشر- في صدقته و كيفيّة إعطاء السائل.

الباب السابع عشر- في مطعمه مشربه (عليه السلام).

الباب الثامن عشر- في آداب المائدة من ذكر اللّه تعالى عزّ و جلّ و غير ذلك.

الباب التاسع عشر- في إكرامه (عليه السلام) الضيف.

الباب العشرون- في عمله (عليه السلام) بيده و تعرضه للرزق و حسن تقدير المعيشة.

الباب الحادي و العشرون- في لباسه (عليه السلام).

الباب الثاني و العشرون- فيما يقوله من الدعاء عند قرائة القرآن، و عند رؤية هلال شهر رمضان، و عند النوم و الإنتباه، و إذا أصبح و إذا خرج من المنزل و غير ذلك.

7

الباب الثالث و العشرون- فيما يقوله (عليه السلام) إذا خرج إلى مكة، و عند نحر الهدي و في الكعبة و الخروج منها و عند دخوله على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و دعاؤه لزوّار الحسين (عليه السلام).

الباب الرابع و العشرون- في تعظيم الناس له (عليه السلام) و قبول شفاعته.

الباب الخامس و العشرون- في الأخذ من الشارب و التمشّط.

الباب السادس و العشرون- في الحمّام و عمله (عليه السلام) فيه و التنوّر و أخذ الإبط.

الباب السابع و العشرون- في أنّه (عليه السلام) لا تأخذه في اللّه تعالى لومة لائم في إظهار الحق.

الباب الثامن و العشرون- في أنّه (عليه السلام) وصيّ أبيه (عليه السلام).

الباب التاسع و العشرون- في صبره (عليه السلام) و رضاه بقضاء اللّه تعالى بأحسن القبول.

الباب الثلاثون- في حديثه (عليه السلام) مع القدري.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الباب الأول في شأنه (عليه السلام) في الأمر الأوّل‏

1- محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد، عن عبد اللّه بن إسحق العلوي، عن محمّد بن زيد الرّزامي، عن محمّد بن سليمان الدّيلمي، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل، قال: إنّه لمّا كانت الليلة الّتي علق فيها بجدّي أتى آت جدّ أبي بكاس فيه شربة أرقّ من الماء، و ألين من الزبد، و أحلى من الشهد، و أبرد من الثّلج و أبيض من اللبن، فسقاه إيّاه و أمره بالجماع، فقام فجامع فعلق بجدّي و لمّا أن كانت الليلة الّتي علق فيها بأبي أتى آت جدّي فسقاه كما سقى جدّ أبي و أمره بمثل الّذي أمره، فقام فجامع فعلق بأبي، و لمّا أن كانت الليلة التي علق فيها بي أتى آت أبي فسقاه بما سقاهم، و أمره بالّذي أمرهم به فقام فجامع فعلق بي، و لمّا أن كانت الليلة الّتي علق فيها بإبني أتاني آت كما أتاهم ففعل بي كما فعل بهم، فقمت و يعلم اللّه أنّي مسرور (1) بما يهب اللّه لي، فجامعت فعلق بإبني هذا المولود، فدونكم فهو و اللّه صاحبكم من بعدي يعني موسى (عليه السلام).

____________

(1) في المصدر: فقمت بعلم اللّه و إنّي مسرور.

10

و هذا الحديث بتمامه قد تقدّم و غيره من الأحاديث في هذا المعنى في الباب الأوّل من المنهج الخامس في أبي الحسن عليّ بن الحسين (عليه السلام) فتؤخذ الأحاديث من هناك. (1)

____________

(1) الكافي ج 1/ 386 ح 1.

11

الباب الثاني في علة تسميته (عليه السلام) بالصادق‏

1- إبن بابويه، قال: حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا محمّد بن هرون الصوفي، قال: حدّثنا أبو بكر عبيد اللّه بن موسى الحبّال الطبري، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين الخشّاب، قال:

حدّثنا محمّد بن الحصين، قال: حدّثنا المفضّل إبن عمر، عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالي، عن علي، بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): إذ ولد إبني جعفر ابن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب فسمّوه الصادق، فإنّه سيكون في ولده سمي له يدّعي الإمامة بغير حقّها و يسمى كذّابا. (1)

2- و عنه، قال: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه الورّاق، قال: حدّثنا محمّد ابن هارون الصوفي، عن عبد اللّه بن موسى، عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا صفوان بن يحيى عن إبراهيم‏ (2) بن أبي زياد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي خالد الكابلي، قال: دخلت‏

____________

(1) علل الشرايع: 234 ح 1، و عنه البحار ج 47/ 8 ح 2.

(2) ابراهيم بن أبي زياد الكرخي البغدادي الكوفي أبو أيّوب من ثقاة الاماميّة و من ابناء العجم روى عن أبي حمزة الثمالي و روى عنه صفوان و ابن أبي عمير. كان من أصحاب الصادق (عليه السلام) كما في رجال الشيخ- جامع الرواة ج 1-.

12

على سيّدي عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) فقلت له: يابن رسول اللّه أخبرني بالّذين فرض اللّه عزّ و جلّ طاعتهم و مودّتهم و أوجب على عباده الإقتداء بهم بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم).

فقال لي يا كابلي‏ (1) إنّ اولي الأمر الّذين جعلهم اللّه عزّ و جلّ أئمّة للناس و أوجب عليهم طاعتهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) «ثمّ الحسن، ثم الحسين إبناء عليّ بن أبي طالب» ثم انتهى الأمر إلينا ثمّ سكت.

فقلت يا سيّدي‏ (2) روي لنا أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إنّ الأرض لا تخلو من حجّة للّه جلّ و عزّ على عباده، فمن الحجّة و الإمام بعدك؟

فقال: إبني محمّد و إسمه في التوراة باقر يبقر العلم بقرا، هو الحجّة و الإمام بعدي، و من بعد محمّد إبنه جعفر، و إسمه عند أهل السماء الصّادق.

فقلت له: يا سيّدي فكيف صار إسمه الصّادق، و كلكم صادقون.

قال: حدّثني أبي عن أبيه (عليه السلام): أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: إذا ولد إبني جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فسمّوه الصّادق، فإنّ الخامس من ولده الّذي إسمه جعفر يدّعي الإمامة إجتراء على اللّه عزّ و جلّ و كذبا عليه، فهو عند اللّه جعفر الكذّاب المفتري على اللّه و المدّعي لما ليس له‏

____________

(1) في بعض النسخ: يا كنكر.

(2) في البحار: فقلت له: يا سيّدي عن أمير المؤمنين أنّه قال: لا تخلو الأرض من حجّة.

13

بأهل، المخالف على أبيه، و الحاسد على‏ (1) أخيه الّذي‏ (2) يروم كشف سرّ اللّه عند غيبة وليّ اللّه عزّ و جل.

ثمّ بكى عليّ بن الحسين (عليه السلام) بكاءا شديدا ثمّ قال: كأنّي بجعفر الكذّاب و قد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر وليّ اللّه و المغيّب في حفظ اللّه، و الموكّل بحرم أبيه، جهلا منه بولادته، و حرصا منه على قتله إن ظفر به، طمعا في ميراث أخيه‏ (3) حتى يأخذه بغير حقّ.

قال أبو خالد: فقلت له: يابن رسول اللّه و إنّ ذلك لكائن؟ فقال: إيّ و ربّي إنّه لمكتوب عندنا في الصحيفة الّتي فيها ذكر المحن الّتي تجري علينا بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم).

قال أبو خالد: (فقلت:) يا ابن رسول اللّه ثمّ ماذا يكون؟ قال: تمتدّ الغيبة بولّي اللّه عزّ و جلّ الثّاني عشر من أوصياء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة بعده (عليهم السلام).

يا أبا خالد إنّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته، و المنتظرين لظهوره أفضل من أهل كلّ زمان، لأنّ اللّه تبارك و تعالى أعطاهم من العقول و الأفهام و المعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، و جعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) بالسيف، أولئك هم المخلصون حقّا و شيعتنا

____________

(1) في البحار: و الحاسد لأخيه.

(2) في البحار: ذلك الذي يكشف سرّ اللّه.

(3) في البحار و المصدر: أبيه حتى يأخذه بغير حقّه.

14

صدقا، و الدعاة إلى دين اللّه عزّ و جلّ سرّا و جهرا و قال عليّ بن الحسين (عليه السلام): إنتظار الفرج من أفضل العمل. (1)

____________

(1) كمال الدين: 319 ح 2 و عنه اعلام الورى: 384، و البحار ج 36/ 386 ح 1 عنه و عن الاحتجاج: 317، و قطعة منه في اثبات الهداة ج 3/ 9 ح 11 عن الكمال.

15

الباب الثالث في شدّة يقينه (عليه السلام) و تعظيمه للّه جلّ جلاله و لرسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و خشوعه و خوفه‏

1- إبن بابويه قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل رضي اللّه قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، عن أبيه، قال: حدّثنا أبو أحمد (1) محمّد بن زياد الأزدي قال:

سمعت مالك بن أنس فقيه المدينة يقول: كنت أدخل على الصّادق (عليه السلام) جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فيقدّم لي مخدّة و يعرف لي قدرا و يقول: يا مالك إنّي احبك فكنت اسّر بذلك و أحمد اللّه عزّ و جلّ عليه قال: و كان (عليه السلام) لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إمّا صائما و إمّا قائما، و إمّا ذاكرا، و كان من عظماء العبّاد و أكابر، الزهّاد الذين يخشون اللّه عزّ و جلّ، و كان كثير الحديث، طيّب المجالسة، كثير الفوائد، فإذا قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) إخضرّ مرة و إصفرّ مرة اخرى حتى ينكره من يعرفه، و لقد حججت معه سنة فلمّا إستوت به‏

____________

(1) هو ابو أحمد محمّد بن أبي عمير زياد بن عيسى الازدي البغدادي من أوثق الناس عند الخاصّة و العامّة، حبس في أيام الرشيد أربع سنين ليدلّ على أصحاب الامام الكاظم (عليه السلام) و ضرب أسواطا فلم يدلّ، توفي سنة (217).- معجم الرجال ج 14 رقم 10020-.

16

راحلته عند الإحرام كان كلّما همّ بالتلبية إنقطع الصوت في حلقه و كاد أن يخرّ من راحتله فقلت: قل يابن رسول اللّه، و لا بدّ لك من أن تقول.

فقال: يا بن أبي عامر كيف أجسر أن أقول: لبيّك أللهمّ لبيّك و أخشى أن يقول عزّ و جلّ: لا لبيّك و لا سعديك‏ (1).

2- محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن‏ (2) بن علي بن يقطين، عن أسد (3) بن أبي العلاء عن محمّد بن الفضيل، عمّن رأى أبا عبد اللّه (عليه السلام) و هو محرم، قد كشف عن ظهره حتّى أبداه للشمس، و هو يقول: لبيّك في المذنبين لبيّك‏ (4).

3- ابن بابويه قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، قال:

حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: حدّثنا محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، قال كان الصادق (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء:

إلهي كيف أدعوك و قد عصيتك! و كيف لا أدعوك و قد عرفتك! حبّك في قلبي و إن كنت عاصيا، مددت إليك يدا بالذنوب مملوّة، و عيناي بالرجاء ممدودة، مولاي أنت عظيم العظماء و أنا أسير الاسراء، أنا

____________

(1) أمالي الصدوق: 143 ح 3، علل الشرايع: 234 ح 4، و الخصال: 167 ح 219 و عنها البحار:

47/ 16 ح 1 و عن مناقب ابن شهراشوب ج 4/ 275.

(2) الحسن بن علي بن يقطين بن موسى مولى بني هاشم كان ثقة فقيها متكلّما، روى عن الكاظم و الرضا (عليهما السلام)، و له كتاب مسائل الكاظم (عليه السلام)- جامع الرواة ج 1/ 218-.

(3) أسد (أو اسيد) بن أبي العلاء عدّة الشيخ في رجاله من أصحاب الكاظم (عليه السلام).

(4) الكافي ج 4/ 336 ح 4 و عنه الوسائل ج 9/ 55 ح 9.

17

أسير بذنبي، مرتهن بجرمي، إلهي لئن طالبتني بذنبي لاطالبنّك بكرمك، و لئن طالبتني بجريرتي لاطالبنّك بعفوك، و لئن أمرت بي إلى النار لاخبرنّ أهلها أنّي كنت أقول: لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، أللّهمّ إن الطاعة تسرّك و المعصية لا تضرّك، فهب لي ما يسرّك و إغفر لي ما لا يضرّك يا أرحم الراحمين‏ (1).

4- محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد، عن إبراهيم بن إسحق الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عمر بن يزيد، قال: أتى رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقتضيه، و أنا عنده حاضر، فقال له: ليس عندنا اليوم شي‏ء و لكن يأتينا خطر و وسمة (2). فتباع و نعطيك إن شاء اللّه.

فقال له الرّجل: عدني.

فقال له: كيف أعدك و أنا لما لا أرجو أرجى منّي لما أرجو (3).

5- و عنه عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن إبن سنان، عن أبي هارون مولى آل جعدة (4) قال: كنت جليسا لأبي عبد اللّه (عليه السلام) بالمدينة ففقدني أيّاما، ثمّ إنّي جئت إليه، فقال لي: لم أرك منذ أيّام يا أبا هارون؟

____________

(1) امالي الصدوق: 292 ح 2 و عنه البحار ج 94/ 92 ح 5.

(2) الوسمة (بكسر السين و سكونها): نبات يختضب به.

(3) الكافي: ج 5/ 96 ح 5 و عنه البحار ج 47/ 58 ح 110 و في الوسائل ج 13/ 86 ح 4 عنه و عن التهذيب ج 6/ 187 ح 15.

(4) أبو هارون: هو موسى بن عمير المكفوف مولى آل جعدة بن هبيرة، ابن امّ هاني اخت أمير المؤمنين (عليه السلام)، كان من أصحاب أبي جعفر الباقر (عليه السلام)- قاموس الرجال ج 10/ 212-.

18

فقلت: ولد لي غلام.

فقال: بارك اللّه لك فيه فما سميّته؟

قلت: سمّيته محمّدا قال: فأقبل بخدّه نحو الأرض و هو يقول:

محمّد محمّد محمّد حتّى كاد يلصق خدّه بالأرض، ثمّ قال: بنفسي و بولدي و بأهلي و بأبوي و بأهل الأرض كلّهم جميعا الفداء لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، لا تسبّه، و لا تضربه و لا تسي‏ء إليه، و إعلم أنّه ليس في الأرض دار فيها إسم فيها إسم محمّد إلّا و هي تقدّس كلّ يوم‏ (1).

6- و عنه عن أبي علي الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا عن إبن‏ (2) فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول و ذكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: أللهمّ إنّك تعلم أنّه أحبّ إلينا من الآباء و الامّهات و الماء البارد (3).

7- و عنه عن عليّ بن إبراهيم، عن صالح‏ (4) بن السندي، عن جعفر ابن بشير، عن صباح‏ (5) الحذّاء، عن أبي اسامة، قال: زاملت أبا عبد اللّه‏

____________

(1) الكافي ج 6/ 39 ح 2 و عنه الوسائل ج 15/ 126 ح 4.

(2) إبن فضّال: قال المامقاني في تنقيح الرجال: هو على بن الحسن ابن فضّال، و قد يطلق على أخويه: أحمد و محمّد و على أبيه، و قال التستري: بل لا يطلق إلّا على أبيه أي الحسن بن فضّال- قاموس الرجال ج 10/ 256-.

(3) الكافي 6/ 380 ح 2 و عنه الوسائل ج 17/ 186 و عن المحاسن: 571 ح 10 و أخرجه في البحار ج 66/ 455 ح 37 عن المحاسن.

(4) صالح بن السندي له كتاب. عدّة الشيخ فيمن لم يرو عنهم.

(5) صباح الحذّاء بن صبيح الفزاري إمام مسجد دار اللؤلؤ بالكوفة ثقة عين، روى عن الصادق (عليه السلام)- رجال النجاشي: 143-.

19

(عليه السلام) قال: فقال لي: إقرء، قال: فافتتحت سورة من القرآن فقرأتها فرّق و بكى.

ثمّ قال: يا أبا اسامة أرعوا (1) قلوبكم بذكر اللّه عزّ و جلّ، و إحذروا النكت، فإنّه يأتي على القلب تارات أو ساعات الشك من صباح، ليس فيه إيمان و لا كفر، شبه الخرقة البالية أو العظم النخر.

يا أبا أسامة أليس ربما تفقّدت قلبك فلا تذكر به خيرا و لا شرا و لا تدري أين هو؟

قال: قلت له: بلى إنّه ليصيبني و أراه يصيب الناس، قال: أجل ليس يعرى منه أحد.

قال: فإذا كان ذلك فاذكروا اللّه عزّ و جل و إحذروا النكت، فإنّه إذا أراد بعبد خيرا نكت إيمانا، و إذا أراد به غير ذلك نكت غير ذلك.

قال: قلت: ما غير ذلك جعلت فداك ما هو؟

قال: إذا أراد كفرا نكت كفرا (2).

____________

(1) في الوسائل: يا ابا اسامة ادعوا قلوبكم.

(2) الكافي ج 8/ 168 ح 188 و عنه الوسائل ج 4/ 1190 ح 1.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

الباب الرابع في أنّ علمه (عليه السلام) عن اللّه سبحانه و عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)

1- الشيخ في «أماليه» قال: أخبرنا محمّد بن محمّد، يعني المفيد، قال: أخبرني المظفّر (1) بن أحمد البلخي، قال: حدّثنا أبو عليّ محمّد بن همام الإسكافي، قال: أخبرني أبو جعفر أحمد (2) بن مابندار، أنّ منصور بن العبّاس القصباني حدّثهم عن الحسن بن علي الخزّاز، عن عليّ بن عقبة، عن سالم بن أبي حفصة، قال: لمّا هلك أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السلام) قلت لأصحابي: أنظروني حتى أدخل علي أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فاعزّيه به، فدخلت عليه فعزّيته، ثمّ قلت: إنّا للّه و إنا إليه راجعون، ذهب و اللّه من كان يقول: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فلا يسئل عن من بينه و بين رسول اللّه‏

____________

(1) المظفر بن محمّد البلخي الخراساني ابو الجيش المتكلّم، كان عارفا بالأخبار من غلمان أبي سهل النوبختي له مصنّفات في الإمامة و في المثالب، و نقض الرسالة العثمانية للجاحظ، و كان شاعرا مجوّدا في أهل البيت (عليهم السلام) توفّي سنة (367) ه- قاموس الرجال ج 9/ 10-.

(2) أبو جعفر أحمد بن ما بنداد أو ما بندار كما في أمالي المفيد، عنونه العلّامة في الإيضاح آخذا من النجاشي في عنوان محمّد بن همام الإسكافي و هذا ابن عمّ أبيه.

22

(صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، و اللّه لا يرى مثله أبدا.

قال: فسكت أبو عبد اللّه (عليه السلام) ساعة ثمّ قال: قال اللّه تعالى:

إنّ من عبادي من يتصدّق بشقّ من تمرة فأربيّها له كما يرّبي أحدكم فلوه حتى أجعلها له مثل جبل أحد فخرجت إلى أصحابي، فقلت: ما رأيت أعجب من هذا، كنّا نستعظم قول أبي جعفر (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) بلا واسطة، فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام):

قال اللّه تعالى بلا واسطة (1).

و رواه المفيد في «أمالية» عن سالم بن أبي حفصة عن الصّادق (عليه السلام) بالسند و المتن.

2- ابو عليّ الطبرسي في «إعلام الورى» و عليّ بن عيسى في «كشف الغمة» إن الصادق (عليه السلام) كان يقول: حديثي حديث أبي، و حديث أبي حديث جدّي، و حديث جدّي حديث عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، و حديث عليّ حديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و حديث رسول اللّه قول اللّه عزّ و جلّ‏ (2).

____________

(1) أمالي الطوسي ج 1/ 125- بحار الانوار ج 47/ 337 ح 12 عن امالي المفيد: 354 ح 7.

(2) إعلام الورى: 277، كشف الغمة ج 2/ 170.

23

الباب الخامس في أنّ نشره (عليه السلام) للعلم و الفتيا بأمر اللّه جلّ جلاله‏

1- الشيخ في «أماليه» قال: حدّثنا أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه الغضايري، قال: أخبرنا أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمي، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن الحسين الكناني، عن جدّه عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) إنّ اللّه جلّ إسمه أنزل على نبيّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) كتابا قبل أن يأتيه الموت، فقال: يا محمّد هذا الكتاب وصيّتك الى النجيب من أهلك.

قال: و من النجيب من أهلي يا جبرائيل؟

فقال: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و كان على الكتاب خواتيم من ذهب، فدفعه النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى عليّ (عليه السلام) و أمره أن يفكّ خاتما منها و يعمل بما فيه ففكّ عليّ (عليه السلام) خاتما منها و عمل بما فيه، ثمّ دفعه إلى إبنه الحسن (عليه السلام) ففكّ خاتما و عمل بما فيه، ثمّ دفعه إلى اخيه الحسين (عليه السلام) ففكّ خاتما و عمل بما فيه، فوجد فيه: أن اخرج بقوم إلى الشهادة و لا شهادة لهم إلّا

24

معك و إشر نفسك للّه عزّ و جلّ ففعل: ثم دفعه إلى علي بن الحسين (عليه السلام)، ففكّ خاتما فوجد فيه: أصمت و إلزم منزلك و أعبد ربك حتى ياتيك اليقين، ففعل، ثمّ دفعه إلى محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) ففكّ خاتما فوجد فيه: حدّث الناس و أفتهم و لا تخافنّ أحدا إلّا اللّه فإنّه لا سبيل لأحد عليك، ثم دفعه إليّ ففككت خاتما فوجدت فيه: حدّث الناس و أفتهم و انشر علوم أهل بيتك و صدّق آبائك الصالحين و لا تخافنّ أحدا إلّا اللّه، فأنت في حرز و أمان، ففعلت ثم أدفعه إلى موسى ابن جعفر، و كذلك يدفعه إلى من بعده، ثمّ كذلك إلى القائم‏ (1) المهدي‏ (2).

و الروايات في معنى هذا الحديث تقدّم ذكرها في الباب الثالث من منهج السّادس في أبي جعفر (عليه السلام).

____________

(1) في كمال الدين: إلى يوم قيام المهدي (عليه السلام).

(2) أمالي الطوسي ج 2/ 56- البحار ج 36/ 192 ح 1 عن كمال الدين: 376 و أمالي الصدوق:

341.

25

الباب السادس في سعة مجلسه (عليه السلام) للعلم و أخذ علماء العامّة منه و رجوعهم اليه‏

1- محمّد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن عليّ بن الحكم عن معاوية بن وهب عن زكريا بن إبراهيم، قال:

كنت نصرانيّا فأسلمت و حججت، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) بمنى، و الناس حوله كأنّه معلّم صبيان، هذا يسأله و هذا يسأله‏ (1).

2- و قال الشيخ المفيد في «إرشاده»: نقل الناس عن الصادق (عليه السلام) من العلوم ما سارت به الركبان و إنتشر ذكره في البلدان. و لم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه، و كذا أهل الآثار و نقلة الأخبار، و لا نقلوا عنهم ما نقلوا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على إختلافهم في الآراء و المقالات فكانوا أربعة آلاف رجل، و كان له (عليه السلام) من الدلائل الواضحة في إمامته ما بهرت القلوب و أخرست المخالف عن‏

____________

(1) الكافي ج 2/ 160 و عنه البحار ج 47/ 374 ح 97 و ج 74/ 53 ح 11.

26

الطعن فيها بالشبهات‏ (1).

3- و قال الشيخ الفاضل محمّد بن عليّ بن شهراشوب في كتاب «الفضائل»: أخذ من مشهوري أهل العلم من جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أربعة آلاف إنسان فيهم أبو حنيفة، و مالك، و محمّد، و قد روى عنه الشافعي، و احمد، و صنّف من جواباته مأة كتاب و هي معروفة بكتب الاصول‏ (2).

4- و قال الشيخ أبو علي الطبرسي في كتاب «إعلام الورى» قال:

كان الصّادق (عليه السلام) أعلم أولاد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) في زمانه بالإتّفاق و أنبئهم ذكرا و أعلاهم قدرا و أعظمهم مقاما عند الخاصّة و العامّة، و لم ينقل عن أحد من سائر العلوم ما نقل عنه، و إنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسامي الرواة عنه من الثقاة على اختلافهم في المقالات و الديانات فكانوا أربعة آلاف رجل‏ (3).

5- و ذكر الشيخ الطوسي في «الفهرست» و النجاشي في كتاب «الرجال» أن لأحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة «كتاب الرجال» فيمن روى عن الصادق (عليه السلام)(4).

6- و قال كمال الدين محمّد بن طلحة الشامي في كتاب «مطالب السؤل» و هو من أعيان علماء العامّة: أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد

____________

(1) ارشاد المفيد: 270 و عنه كشف الغمة ج 2/ 166.

(2) روى في المناقب في ج 4/ 247- 248 ما يدل على ذلك.

(3) إعلام الورى: 276.

(4) الفهرست للطوسي: 28 رقم 76- رجال النجاشي: 94 رقم 233.

27

الصادق بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) ذو علوم جمّة، و عبادة موفورة، و أوراد متواصلة، و زهادة بيّنة، و تلاوة كثيرة و يتبع معاني القرآن الكريم، و يستخرج من بحره جواهره، و يستنتج عجائبه، و يقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكّر الآخرة و إستماع كلامه يزهد في الدنيا، و الإقتداء بهداه يورث الجنة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، و طهارة أفعاله يصدع أنّه من ذرية الرسالة، نقل عنه الحديث و إستفاد منه العلم جماعة من أعيان الأئمة و أعلامهم، مثل يحيى‏ (1) بن سعيد الأنصاري و إبن جريح‏ (2)، و مالك بن انس، و الثوري، و إبن عيينة، و أبي حنيفة، و شعبة، و أبي أيوب السجستاني، و غيرهم، و أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها و فضيلة إكتسبوها (3).

7- و من أعيان العامّة المالكي في «فصول المهمّة» قال: كان جعفر ابن محمّد الصّادق (عليهما السلام) من بين أخوته خليفة أبيه و وصيّه و القائم بالإمامة من بعده، برز على جماعة بالفضل، و كان أنبههم ذكرا و أجلّهم قدرا، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان و إنتشر صيته، و ذكره في سائر البلدان، و لم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث، روى عنه جماعة من أعيان الامّة و أعلامهم‏

____________

(1) يحيى بن سعيد بن قيس المدني الانصاري توفي سنة (143)- تاريخ بغداد ج 14/ 101.

(2) ابن جريح: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح المكّي ولد سنة «80» و توفي سنة «150».

(3) مطالب السئول ج 2/ 55 و عنه كشف الغمة ج 2/ 154.

28

مثل يحيى بن سعيد، و إن جريح، و مالك بن أنس، و الثوري، و إن عيينة، و أبي حنيفة، و شعبة، و أبي أيّوب السجستاني و غيرهم، وصّي إليه أبو جعفر بالإمامة و غيرها (1).

8- و من أعيان العامّة الشهرستاني في كتاب «الملل و النحل» قال:

أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق رضي اللّه عنه، و هو ذو علم غريز في الدين، و أدب كامل في الحكمة، و زهد بالغ في الدنيا، و ورع تامّ عن الشهوات، و قد أقام بالمدينة مدّة يفيد الشيعة المنتمين إليه و يفيض على الموالين له أسرار العلوم‏ (2).

قال مؤلّف هذا الكتاب: العجب كلّ العجب من المخالفين حيث ذكروا أنّ أئمّتهم و هو أبو حنيفة و مالك و غيرهما من أئمّتهم أخذوا العلم عن الصادق (عليه السلام) و يعدّون ذلك شرفا و فضيلة إكتسبوها و مع ذلك كلّه تركوا الهادي و العالم! و إتّبعوا طالب الهداية و المتعلّم، و اللّه سبحانه و تعالى قال في كتابة هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (3) و قال سبحانه‏ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ (4).

و انظر أيّها الأخ إلى ما ذكر هؤلاء المخالفون في صفات سيّدنا و إمامنا و مقتدانا الصادق (عليه السلام) من الصفات الحسنى التي لم‏

____________

(1) الفصول المهمّة: 222.

(2) الملل و النحل: 147.

(3) الزمر: 9.

(4) يونس: 35.

29

يذكروها لأئمّتهم، و لم يصلها ساداتهم، و كبرائهم الّذين بهم ضلّوا السبيل بعد ما عاينوا الحق فضلّوا أيّ تضليل فنعوذ باللّه سبحانه من العمى بعد الإستبصار، و الغواية بعد الاستظهار، و تراهم وافقونا على الحقّ و خالفونا بعد البيان، و إتّبعوا الشيطان بوساوس الخسران، و الحمد للّه ربّ العالمين و العاقبة للمتقين، و ما أشبه رجوع هؤلاء المخالفين الى هذا الإمام المنصوب من جهة اللّه جلّ جلاله الصادق (عليه السلام) برجوع أبي بكر و عمر إلى الإمام عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) كما هو مسطور في كتب المخالفين.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الباب السابع في مجلس له (عليه السلام) مع أبي حنيفة و غيره من المخالفين‏

1- ابن بابويه عن أبيه و محمّد بن الحسن قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، قال: حدّثنا أبو زهير (1) بن شبيب إبن أنس عن بعض‏ (2) أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل عليه غلام من كندة فإستفتاه في مسألة فأفتاه فيها، فعرفت الغلام و المسألة فقدمت الكوفة، فدخلت على أبي حنيفة فإذا ذاك الغلام بعينه يستفتيه في تلك المسألة بعينها فأفتاه فيها بخلاف ما أفتاه فيها أبو عبد اللّه (عليه السلام)، فقمت إليه فقلت: ويلك يا أبا حنيفة إنّي كنت العام حاجّا فأتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) مسلّما عليه فوجدت هذا الغلام يستفتيه في هذه المسألة بعينها فأفتاه بخلاف ما أفتيته.

فقال: و ما يعلم جعفر بن محمّد، أنا أعلم منه، أنا لقيت الرجال و سمعت من أفواههم، و جعفر بن محمّد صحفي، أخذ العلم من الكتب‏

____________

(1) أبو زهير بن شعيب بن أنس: مجهول.

(2) كما في البحار، و لكن في المصدر: عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

32

فقلت في نفسي: و اللّه لأحجّن و لو حبوا (1) قال: فكنت في طلب حجّة فجائتني حجّة فحججت فأتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فحكيت له الكلام، فضحك ثمّ قال (عليه السلام): عليه لعنة اللّه أمّا في قوله: إنّي رجل صحفي فقد صدق، قرأت صحف آبائي إبراهيم و موسى فقلت له: و من له بمثل تلك الصحف؟

قال: فما لبثت أن طرق الباب طارق و كان عنده جماعة من أصحابه فقال للغلام: انظر من ذا؟ فرجع الغلام فقال: أبو حنيفة.

قال: أدخله، فدخل و سلّم على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فردّ عليه، ثمّ قال: أصلحك اللّه أتاذن لي في القعود؟ فأقبل على أصحابه يحدّثهم و لم يلتفت اليه ثمّ قال الثانية و الثالثة فلم يلتفت إليه، فجلس أبو حنيفة من غير اذنه.

فلمّا علم أنّه قد جلس إلتفت إليه فقال: أين أبو حنيفة؟

فقال: هو ذا أصلحك اللّه.

فقال: أنت فقيه أهل العراق؟

قال: نعم، قال: فبما تفتيهم؟

قال: بكتاب اللّه و سنّة نبيّه.

قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب اللّه حق معرفته و تعرف الناسخ و المنسوخ؟ قال: نعم.

قال: يا ابا حنيفة لقد إدّعيت علما ويلك ما جعله اللّه ذلك إلّا عند

____________

(1) حبوا: بلا اجرة.

33

أهل الكتاب الذين انزل عليهم، ويلك و لا هو إلّا عند الخاصّ من ذريّة نبينا (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و ما ورثك اللّه من كتابه حرفا، فإن كنت كما تقول: و لست كما تقول، فأخبرني عن قول اللّه عز و جل: سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏ (1) أين ذلك من الأرض؟

قال: أحسبه ما بين مكّة و المدينة، فإلتفت أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى أصحابه فقال: تعلمون أنّ الناس يقطع عليهم بين المدينة و مكّة فتؤخذ أموالهم و لا يؤمنون على أنفسهم و يقتلون؟

قالوا: نعم.

قال: فسكت أبو حنيفة.

فقال: يا أبا حنيفة أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (2) اين ذلك من الأرض؟

قال: الكعبة.

قال: أفتعلم أنّ الحجّاج‏ (3) بن يوسف حين وضع المنجنيق على إبن الزبير في الكعبة فقتله كان آمنا فيها؟

قال: فسكت، ثمّ قال له: يا أبا حنيفة إذا ورد عليك شي‏ء ليس في كتاب اللّه و لم يات به خبر و لا أثر (4) كيف تصنع؟

فقال: أصلحك اللّه أقيس و أعمل فيه برأيي قال: يا أبا حنيفة إنّ‏

____________

(1) سورة سبأ: 18.

(2) سورة آل عمران: 97.

(3) حجّاج بن يوسف بن الحكم الثقفي السفّاك المعروف ولد بالطائف سنة «40» و هلك بواسط سنة «95»- وفيات الأعيان ج 1/ 123-.

(4) فى المصدر و البحار: و لم تأت به الآثار و السنّة.

34

أوّل من قاس إبليس الملعون، قاس على ربّنا تبارك و تعالى، فقال‏ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏ (1) فسكت أبو حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة أيّما أرجس البول أو الجنابة؟

فقال: البول؟

فقال: فما بال الناس يغتسلون من الجنابة و لا يغتسلون من البول؟

فسكت، فقال: يا أبا حنيفة أيّما أفضل الصّلوة أم الصّوم.

قال: الصلوة.

قال: فما بال الحائض تقضي صومها و لا تقضي صلوتها؟

فسكت.

فقال: يا أبا حنيفة أخبرني عن رجل كانت له امّ ولد و له منها إبنة و كانت له حرّة لا تلد فزارت الصبيّة بنت أم الولد أباها فقام الرجل بعد فراغه من صلوة الفجر فواقع أهله التي لا تلد و خرج إلى الحمام فأرادت الحرّة ان تكيد امّ الولد و إبنتها عند الرجل فقامت إليها بحرارة ذلك الماء فوقعت عليها و هي نائمة فعالجتها كما يعالج الرجل المراة فعلقت، أي شي‏ء عندك فيها قال: لا و اللّه ما عندي فيها شي‏ء.

فقال: يا أبا حنيفة أخبرني عن رجل كانت له جارية فزوّجها من مملوك له و غاب المملوك فولد له من أهله مولود و ولد للمملوك مولود من امّ ولد له فسقط البيت على الجاريتين و مات المولى من الوارث؟

فقال: جعلت فداك لا و اللّه ما عندي فيها شي‏ء.

____________

(1) الاعراف: 12.

35

فقال أبو حنيفة: أصلحك اللّه إنّ عندنا قوما بالكوفة يزعمون أنّك تأمرهم البراءة من فلان و فلان و فلان.

فقال: ويلك يا أبا حنيفة لم يكن هذا معاذ اللّه، فقال: أصلحك اللّه إنّهم يعظّموه الأمر فيهما.

قال: فما تأمرني؟

قال: تكتب إليهم، قال: بماذا؟

قال: تسألهم الكفّ عنهما.

قال: لا يطيعوني.

قال: بلى أصلحك اللّه إذا كنت أنت الكاتب و أنا الرسول أطاعوني.

فقال: يا أبا حنيفة أبيت إلّا جهلا، كم بيني و بين الكوفة من الفراسخ؟

قال: أصلحك اللّه ما لا يحصى.

فقال: كم بيني و بينك؟

قال: لا شي‏ء.

قال: أنت دخلت علي في منزلي فاستأذنت في الجلوس ثلاث مرّات فلم آذن لك فجلست بغير إذن خلافا عليّ كيف يطيعوني أولئك و هم هناك و أنا ههنا؟!

قال: فقبل رأسه و خرج و هو يقول: أعلم الناس و لم نره عند عالم.

فقال: أبو بكر الحضرمي: جعلت فداك الجواب في المسئلتين الاوليين.

36

فقال (عليه السلام): يا أبا بكر سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏ فقال: مع قائمنا أهل البيت، و أمّا قوله: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً فمن بايعه و دخل معه و مسح على يده و دخل في عقد أصحابه كان آمنا (1).

2- و عنه قال: حدّثنا الحسين بن أحمد، عن أبيه، عن محمّد بن أحمد، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه الرازي عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن سفيان‏ (2) الجريري، عن معاذ (3) بن بشر، عن يحيى العامري، عن إبن أبي ليلى‏ (4) قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و معي النّعمان‏ (5)، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): من الّذي معك؟ فقلت: جعلت فداك هذا.

رجل من أهل الكوفة له نظر و نقاد (6) و رأي يقال له: النعمان، قال:

فلعلّ هذا الّذي يقيس الأشياء برأيه.

فقلت: نعم، فقال: يا نعمان هل تحسن أن تقيس رأسك؟

فقال: لا.

فقال: ما أراك أن تحسن شيئا و لا فرضك إلّا من عند غيرك، فهل‏

____________

(1) علل الشرايع ج 1/ 90- بحار الأنوار ج 2/ 292 ح 13 عن العلل.

(2) هو سفيان بن ابراهيم بن مزيد الجريري مولى كوفّي كان من أصحاب الصادق (عليه السلام)- رجال الشيخ: 170-.

(3) و في رواية اخرى كما في العلل و البحار: معاذ بن عبد اللّه، عن بشير بن يحيى العامري، و على أيّ تقدير لم أظفر على ترجمة لهما.

(4) هو محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار الكوفي القاضي ولد سنة (74) و مات بالكوفة سنة (148) ه.

(5) هو النعمان بن، ثابت ابو حنيفة الكوفي امام الحنفيّة ولد بالكوفة سنة (80) و مات سنة (150) ه- الاعلام ج 9/ 4-.

(6) في بحار الأنوار في حديث آخر: له رأي و بصيرة و نفاذ.

37

عرفت كلمة أوّلها كفر و آخرها إيمان؟

قال: لا.

قال: فهل عرفت ما الملوحة في العينين، و المرارة في الاذنين، و البرودة في المنخرين، و العذوبة في الشفتين؟

قال: لا.

قال إبن أبي ليلى: فقلت: جعلت فداك فسّر لنا جميع ما وصفت.

قال: حدّثني أبي عن آبائه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ اللّه تبارك و تعالى خلق عيني إبن آدم من شحمتين فجعل فيهما الملوحة، و لولا ذلك لذابتا، فالملوحة تلفظ ما يقع في العين من القذى، و جعل المرارة في الاذنين حجابا من الدماغ، فليس من دابّة تقع فيه إلّا إلتمست الخروج، و لولا ذلك لوصلت إلى الدماغ، و جعلت العذوبة في الشفتين منّا من اللّه عزّ و جلّ على إبن آدم فيجد بذلك عذوبة الريق و طعم الطعام و الشراب، و جعل البرودة في المنخرين لئلّا تدع في الرأس شيئا إلّا اخرجته، قلت: فما الكلمة التي أوّلها كفر و آخرها إيمان؟

قال: قول الرجل لا إله إلّا اللّه فأولها كفر و آخرها إيمان.

ثمّ قال: يا نعمان إيّاك و القياس فقد حدّثني أبي عن آبائه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: من قاس شيئا من دين اللّه بشي‏ء قرنه اللّه عزّ و جلّ مع إبليس في النار، فإنّه أوّل من قاس على ربّه فدع الرأي و القياس، فإنّ الدين لم يوضع بالقياس و الرأي‏ (1).

____________

(1) علل الشرايع ج 1/ 91 ح 6- و عنه بحار الانوار ج 2/ 295 ح 14-.

38

3- و عنه عن أبيه قال: حدّثنا محمّد بن يحيى، قال: حدّثنا محمد ابن أحمد، عن إبراهيم بن هاشم، عن أحمد بن عبد اللّه العقيلي القرشي، عن عيسى بن عبد اللّه القرشي، رفع الحديث قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له: يا أبا حنيفة بلغني عنك أنّك تقيس؟

قال: نعم أنا أقيس.

قال: لا تقس فإنّ أوّل من قاس إبليس حين قال: خلقتني من نار و خلقته من طين، فقاس ما بين النار و الطين، و لو قاس‏ (1) نوريّة آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين و صفاء أحدهما على الآخر، و لكن قس لي رأسك: أخبرني عن اذنيك ما لهما مرّتان؟

قال: لا أدري.

قال: فأنت لا تحسن أن تقيس رأسك فكيف تقيس الحلال و الحرام قال: يا بن رسول اللّه أخبرني ما هو؟.

قال: إنّ اللّه عز و جل جعل الاذنين مرّتين لئلا يدخلهما شي‏ء إلّا مات و لولا ذلك لقتل ابن آدم الهوامّ، و جعل الشفتين عذبتين ليجد إبن آدم طعم الحلو و المرّ، و جعل العينين مالحتين لأنّهما شحمتان و لولا ملوحتهما لذابتا، و جعل الأنف باردا سائلا لئلا يدع في الرأس داء إلّا أخرجه و لولا ذلك لثقل الدماغ و تدود (2).

____________

(1) في البحار: و لو قاس نورية آدم بنوريّة النار عرف ما بين. النورين و ضياء أحدهما على الآخر.

(2) علل الشرايع ج 1/ 86 ح 1 و عنه البحار ج 2/ 291 ح 10 و صدره في الوسائل ج 18/ 28 ح 24 و أخرج صدره في البحار ج 2/ 288 ح 5 عن الاحتجاج ج 1/ 362 و في البرهان ج 2/ 4 ح 2 عن الكافي ج 1/ 58 ح 5.

39

4- و عنه قال: حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدّثنا أبو زرعة، قال: حدثنا هشام‏ (1) بن عمار قال: حدّثنا محمد بن عبد اللّه القرشي، عن إبن شبرمة (2) قال:

دخلت انا و أبو حنيفة على جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فقال لأبي حنيفة: إتّق اللّه و لا تقس الدين برأيك، فإنّ أوّل من قاس إبليس، أمره اللّه عز و جل بالسجود لآدم فقال: أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين، ثمّ قال: أتحسن ان تقيس رأسك من بدنك؟

قال: لا، قال جعفر (عليه السلام): فأخبرني لأيّ شي‏ء جعل اللّه الملوحة في العينين، و المرارة في الاذنين، و الماء المنتن في المنخرين، و العذوبة في الشفتين؟

قال: لا أدري، قال جعفر (عليه السلام): لأنّ اللّه تبارك و تعالى خلق العينين فجعلهما شحمتين و جعل الملوحة فيهما منّا منه على إبن آدم، و لولا ذلك لذابتا، و جعل الاذنين مرّتين و لولا ذلك لهجمت الدوابّ و أكلت دماغه، و جعل الماء في المنخرين ليصعد منه النفس و ينزل و يجد منه الريح الطيبة من الخبيثة و جعل العذوبة في الشفتين ليجد إبن آدم لذّة مطعمه و مشربه.

ثمّ قال جعفر (عليه السلام) لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أوّلها شرك و آخرها إيمان.

قال: لا أدري.

____________

(1) هشام بن عمّار السلمي أبو الوليد الخطيب الدمشقي المتوفى سنة (245) ه.

(2) عبد اللّه بن شبرمة القاضي الكوفي المتوفى سنة (144) ه.

40

قال: هي كلمة لا إله إلا اللّه لو قال لا إله كان شرك (و لو قال: إلّا اللّه كان إيمان).

ثمّ قال جعفر (عليه السلام): ويحك أيّهما أعظم قتل النفس او الزنا؟

قال: قتل النفس، قال: فإنّ اللّه عزّ و جلّ قد قبل في قتل النفس شاهدين و لم يقبل في الزنا إلّا أربعة، ثم قال (عليه السلام): أيّهما أعظم الصلوة أم الصوم؟

قال: الصلوة.

قال: فيما بال الحائض تقضي الصيام و لا تقضي الصلوة فكيف يقوم لك القياس، فاتق اللّه و لا تقس‏ (1).

5- و عنه عن أبيه (ره) قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي عن محمّد بن علي، عن عيسى بن عبد اللّه القرشي، رفعه قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له: يا أبا حنيفة بلغني أنّك تقيس؟

قال: نعم أنا أقيس.

فقال: ويلك لا تقس إنّ أوّل من قاس إبليس.

قال: خلقتني من نار، و خلقته من طين، قاس ما بين النار و الطين، و لو قاس نورية آدم بنور النار عرف فضل ما بين النورين و صفاء أحدهما على الاخر، و لكن قس لي رأسك من جسدك، أخبرني عن اذنيك مالهما

____________

(1) علل الشرايع ج 1/ 86 ح 2 و عنه البحار ج 2/ 291 ح 11 و الوسائل ج 18/ 29 ح 25 و ص 159 ح 5 عن حلية الأولياء.

41

مرّتان و عن عينيك مالهما مالحتان و عن شفتيك مالهما عذبتان، و عن أنفك ماله بارد؟

فقال: لا أدري فقال له: أنت لا تحسن أن تقيس رأسك فكيف تقيس الحلال و الحرام؟

فقال يابن رسول اللّه أخبرني كيف ذلك؟ فقال: انّ اللّه تبارك و تعالى جعل الاذنين مرّتين لئلا يدخلهما شي‏ء إلا مات، و لو لا ذلك لقتلت الدوابّ إبن آدم، و جعل العينين مالحتين لأنّهما شحمتان، و لولا ملوحتهما لذابتا، و جعل الشفتين عذبتين ليجد إبن آدم طعم الحلو و المرّ، و جعل الأنف باردا سائلا لئلّا يدع في الرأس داء إلّا أخرجه و لولا ذلك لثقل الدماغ و تدوّد.

قال أحمد بن أبي عبد اللّه: و روي بعضهم أنّه قال: في الاذنين لامتناعهما من العلاج، و قال: في موضع ذكر الشفتين: فان عذب الريق ليميّز به بين الطعام و الشراب و قال في ذكر الأنف: لولا برد ما في الأنف و إمساكه الدماغ لسال الدماغ من حرارته‏ (1).

6- و قال أحمد بن أبي عبد اللّه: و رواه معاذ بن عبد اللّه، عن بشير بن يحيى العامري، عن إبن أبي ليلى قال: دخلت أنا و النّعمان على جعفر بن محمّد (عليه السلام) فرحّب بنا و قال: يابن أبي ليلى من هذا الرجل؟

قلت: جعلت فداك هذا رجل من أهل الكوفة له رأي و نظر و نقاد.

قال: فلعلّه الذي يقيس الأشياء برأيه، ثم قال له: يا نعمان هل‏

____________

(1) علل الشرايع ج 1/ 87 ح 3 و عنه البحار ج 2/ 291 ذيل ح 10.

42

تحسن تقيس رأسك؟

قال: لا قال (عليه السلام): فما أراك تحسن تقيس شيئا و لا تهتدي إلّا من عند غيرك، فهل عرفت ممّا الملوحة في العينين، و المرارة في الاذنين و البرودة في المنخرين و العذوبة في الفم؟

قال: لا.

فقال (عليه السلام): فهل عرفت كلمة أوّلها كفر و آخرها إيمان قال:

لا.

قال إبن أبي ليلى: فقلت: جعلت فداك لا تدعنا في عمى ممّا وصفت لنا.

قال: نعم حدّثني أبي عن آبائه أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى خلق عيني إبن آدم شحمتين، فجعل فيهما الملوحة، و لو لا ذلك لذابتا و لم يقع فيهما شي‏ء من القذى إلّا أذابهما، و الملوحة تلقط ما يقع في العينين من القذى، و جعل المرارة في الاذنين حجابا للدماغ فليس من دابّة تقع في الاذنين إلّا إلتمست الخروج و لو لا ذلك لوصلت إلى الدماغ، و جعل البرودة في المنخرين حجابا للدماغ و لو لا ذلك لسال الدماغ، و جعل اللّه العذوبة في الفم منّا من اللّه على إبن آدم ليجد لذّة الطعام و الشراب و أمّا كلمة أوّلها كفر و آخرها إيمان فقول لا إله إلّا اللّه، أوّلها كفر و آخرها إيمان.

ثم قال: يا نعمان إيّاك و القياس، فإنّ أبي حدّثني عن آبائه أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: من قاس شيئا من الدين برأيه قرنه اللّه مع إبليس في النار، فإنّه أوّل من قاس حين قال: خلقتني من نار و خلقته‏

43

من طين، فدعوا الرأي و القياس، و ما قال قوم ليس له في دين اللّه برهان، فإنّ دين اللّه لم يوضع بالأراء و المقاييس‏ (1).

7- و عنه قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل (ره)، قال:

حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس ابن عبد الرحمان، عن داود (2) بن فرقد عن إبن شبرمة قال: ما ذكرت حديثا سمعته من جعفر بن محمّد (عليه السلام) إلّا كاد أن يتصدّع له قلبي، سمعته يقول: حدّثني أبي، عن جدّي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال إبن شبرمة: و اقسم باللّه ما كذب على أبيه، و لا كذب أبوه على جدّه، و لا كذب جدّه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): من عمل بالمقاييس فقد هلك و أهلك، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ و المحكم من المتشابه فقد هلك و أهلك‏ (3).

8- إبن بابويه في «الفقيه» قال: روي عن أبي حنيفة النعمان بن ثابت أنّه قال: لو لا جعفر بن محمّد (عليه السلام) ما علم الناس مناسك حجّهم‏ (4).

____________

(1) علل الشرايع ج 1/ 88 ح 4 و عنه البحار ج 2/ 286 ح 3 و عن الاحتجاج ج 2/ 358 و ذيله في الوسائل ج 18/ 29 ح 26.

(2) داود بن فرقد بن فرقد الكوفي مولى آل أبي السمّاك او (آل أبي السمّال) روى عن الصادق و الكاظم (عليهما السلام) و كان ثقة- جامع الرواة ج 1/ 305-.

(3) امالي الصدوق: 343 ح 16 و عنه البحار ج 2/ 298 ح 18 و عن الكافي ج 1/ 43 ح 9 أخرجه البحار أيضا ج 47/ 49 ح 79.

(4) الفقيه ج 2/ 519 ح 3112.

44

9- الشيخ أحمد بن عليّ الطبرسي في «الإحتجاج» قال: روي أنّ الصادق (عليه السلام) قال لأبي حنيفة لمّا دخل عليه: من أنت؟

قال: أبو حنيفة.

قال (عليه السلام): مفتي أهل العراق؟

قال: نعم.

قال: بما تفتيهم؟

قال: بكتاب اللّه، قال (عليه السلام): و إنّك لعالم بكتاب اللّه ناسخه و منسوخه، و محكمه و متشابهه؟

قال: نعم، قال فأخبرني عن قول اللّه عز و جل: وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏ (1) أيّ موضع هو؟ قال أبو حنيفة: هو ما بين مكة و المدينة.

فالتفت أبو عبد اللّه إلى جلسائه و قال: نشدتكم باللّه هل تسيرون بين مكّة و المدينة و لا تأمنون على دمائكم من القتل و لا على أموالكم من السرق؟ فقالوا: أللهمّ نعم.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ويحك يا أبا حنيفة إنّ اللّه لا يقول إلّا حقا أخبرني عن قول اللّه عز و جل‏ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (2) أيّ موضع هو؟

قال: ذلك بيت اللّه الحرام فالتفت أبو عبد اللّه إلى جلسائه و قال:

نشدتكم باللّه هل تعلمون أنّ عبد اللّه بن الزبير، و سعيد بن جبير دخلاه‏

____________

(1) سورة سبأ: 18.

(2) سورة آل عمران: 97.

45

فلم يأمنا القتل قالوا: أللّهم نعم.

فقال أبو عبد اللّه: ويحك يا أبا حنيفة إنّ اللّه لا يقول إلّا حقا.

فقال أبو حنيفة: ليس لي علم بكتاب اللّه إنّما أنا صاحب قياس.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فانظر في قياسك إن كنت مقيسا أيّما أعظم عند اللّه القتل أو الزنا؟

قال: بل القتل.

قال: فكيف رضي في القتل بشاهدين و لم يرض في الزنا إلّا بأربعة؟

ثم قال له: الصلوة أفضل أم الصوم؟ قال بل الصّلوة أفضل؟

قال (عليه السلام): فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلوة في حال حيضها دون الصيام، و قد أوجب اللّه تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلوة.

ثم قال له: ألبول أقذر أم المني؟

قال: البول أقذر قال (عليه السلام): يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني و قد أوجب اللّه تعالى الغسل من المني دون البول.

قال: إنّما أنا صاحب رأى قال (عليه السلام): فما ترى في رجل كان له عبد فتزوّج و زوّج عبده في ليلة واحدة، فدخلا بإمرأتيهما في ليلة واحدة ثم سافرا و جعلا إمرأتيهما في بيت واحد، و ولدتا غلامين فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين و بقي الغلامان أيّهما في رأيك المالك و أيّهما المملوك و أيّهما الوارث و أيّهما الموروث؟

46

قال: إنّما أنا صاحب حدود قال: فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح، و أقطع قطع يد رجل كيف يقام عليهما الحدّ؟

قال: إنّما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء.

قال: فأخبرني عن قول اللّه عزّ و جل لموسى و هرون حين بعثهما إلى فرعون‏ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ (1) و لعلّ منك شكّ قال: نعم.

قال: فكذلك من اللّه شكّ إذ قال: لعلّه.

قال أبو حنيفة: لا علم لي، قال (عليه السلام): تزعم أنّك تفتي بكتاب اللّه و لست ممّن ورثه، و تزعم أنّك صاحب قياس فأوّل من قاس إبليس و لم يبن دين الاسلام على القياس، و تزعم أنّك صاحب رأي و كان الرأي من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) صوابا، و من دونه خطأ، لأنّ اللّه تعالى قال‏ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ‏ (2) و لم يقل ذلك لغيره، و تزعم أنّك صاحب حدود و من انزلت عليه أولى بعلمها منك، و تزعم أنّك عالم بمباعث الأنبياء، و خاتم الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أعلم بمباعثهم منك و لولا أن يقال: دخل على إبن رسول اللّه فلم يسأله عن شي‏ء مما سألتك عن شي‏ء فقس ان كنت مقيسا.

قال أبو حنيفة: لا أتكلّم بالرأي و القياس في دين اللّه بعد هذا المجلس قال: كلا إن حبّ الرياسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك‏

____________

(1) طه: 44.

(2) المائدة: 48.

47

تمام الخبر (1).

10- الشيخ في «أماليه» قال: أخبرنا جماعة عن أبي المفضّل، قال:

حدّثنا أبو سليمان أحمد بن هوذة بن أبي هراسة الباهلي بالنهروان من كتابه، قال: حدّثنا إبراهيم إبن إسحق بن أبي بشر الأحمري بنهاوند، قال: حدّثنا عبد اللّه بن حمّاد الأنصاري عن عبد العزيز بن محمّد الدراوردي قال: دخل سفيان الثوري على أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام) و أنا عنده فقال له جعفر (عليه السلام): يا سفيان إنّك رجل مطلوب، و أنا رجل تسرّع إلي الالسن، فسل عمّا بدا لك فقال: ما أتيتك يابن رسول اللّه إلّا لأستفيد منك خيرا.

قال: يا سفيان إنّي رأيت المعروف لا يتمّ إلّا بثلاث: تعجيله، و ستره، و تصغيره فإنّك إذا عجّلته هنّأته، و اذا سترته أتممته، و إذا أصغرته عظم عند من تسديه اليه، يا سفيان إذا أنعم اللّه على أحدكم بنعمة فليحمد اللّه عزّ و جلّ، و إذا إستبطأ الرزق فليستغفر اللّه، و إذا أحزنه أمر قال: لا حول و لا قوّة إلّا باللّه، يا سفيان ثلاث أيّما ثلاث:

نعمة الهديّة، نعمة العطيّة، الكلمة الصالحة يسمعها المؤمن فينطوي عليها حتى يهديها إلى أخيه المؤمن.

و قال (عليه السلام) المعروف كاسمه و ليس شي‏ء أعظم من المعروف إلّا ثوابه، و ليس كلّ من يحب أن يصنع المعروف يصنعه، و لا كلّ من يرغب فيه يقدر عليه، و لا كلّ من يقدر عليه يؤذن له فيه، فإذا

____________

(1) الاحتجاج ج 2/ 360 و عنه البحار ج 2/ 287 ح 4 و قطعة منه في الوسائل ج 18/ 30 ح 28.

48

إجتمعت الرغبة و القدرة و الإذن فهنالك تمّت السعادة للطالب و المطلوب اليه‏ (1).

قال مؤلف هذا الكتاب: انظر إلى هذا الكلام الذي لا يصدر إلّا عن ينبوع الحكمة و معدن الوحي و العصمة.

____________

(1) أمالي الطوسي ج 2/ 94 و عنه البحار ج 78/ 197 ح 20.

49

الباب الثامن و هو من الباب الاول‏

1- من طريق المخالفين من الجزء الرابع من «حلية الاولياء» لأبي نعيم الإصفهاني بالإسناد قال: عن «عمرو بن أبي المقدام» قال كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد (عليهما السلام) علمت أنّه من سلالة النبيين‏ (1).

2- و يليه قال الحافظ أبو نعيم: قال: عن مالك بن أنس، عن جعفر ابن محمّد بن علي بن الحسين (عليهم السلام)، قال: لمّا قال له السفيان الثوري لا أقوم حتى تحدّثني، قال له جعفر (عليه السلام)، أما إنّي احدّثك و ما كثرة الحديث لك بخير يا سفيان إذا أنعم اللّه عليك بنعمة فأحببت بقاءها و داومها فأكثر من الحمد و الشكر عليها فإنّ اللّه عزّ و جلّ قال في كتابه: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏ (2) و إذا إستبطأت الرزق فأكثر من الإستغفار فإنّ اللّه تعالى قال في كتابه: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً، وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ‏ (3) يعني في‏

____________

(1) حلية الاولياء ج 3/ 193 و عنه كشف الغمّة ج 2/ 183 و أخرجه في البحار ج 47/ 29 عن المناقب لابن شهراشوب ج 4/ 24 نقلا عن حلية الأولياء و اورده في تهذيب التهذيب ج 2/ 104.

(2) ابراهيم: 7.

(3) نوح: 10، 11 و 12.

50

الدنيا و الآخرة يجعل لكم جنات و يجعل لكم أنهارا، يا سفيان إذا حزنك أمر من سلطان أو غيره فأكثر من قول لا حول و لا قوّة إلّا باللّه فإنّها مفتاح الفرج و كنز من كنوز الجنة، فعقد سفيان بيده و قال: ثلاث و أيّ ثلاث قال جعفر، عقلها و اللّه أبو عبد اللّه و لينفعه اللّه بها (1).

3- قال أبو نعيم قال بالإسناد عن سفيان الثوري قال: دخلت على جعفر بن محمّد (عليه السلام) و عليه جبّة خز دكناء و كساء خز إيرجاني، فجعلت أنظر اليه تعجبّا فقال لي: يا ثوري مالك تنظر إلينا لعلّك تعجّبت ممّا ترى؟

قال: قلت: يابن رسول اللّه ليس هذا من لباسك و لا لباس آبائك.

فقال لي: يا ثوري كان ذلك زمان تقتّر فكانوا يعملون على قدر إقتاره و إفتقاره، و هذا زمان قد أسبل كلّ شي‏ء فيه عزاليه، ثمّ حسر عن ردن‏ (2) جبّته فإذا تحتها جبّة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل و الردن عن الردن.

فقال لي: يا ثوري لبسنا هذا للّه و هذا لكم، فما كان للّه أخفيناه و ما كان لكم أبديناه‏ (3).

4- و من الكتاب أيضا قال أبو نعيم: قال بالإسناد عن بشر، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: أوحى اللّه تعالى إلى الدنيا أن‏

____________

(1) حلية الأولياء ج 3/ 193 و اخرج صدره في كشف الغمة ج 3/ 182 و في ص 156 عن مطالب السئول: 156 الى قوله (عليه السلام): (من كنوز الجنة) و رواه في الفصول المهمّة:

223 و صفة الصفوة ج 2/ 168 مثل مطالب السئول.

(2) الردن «بضمّ الراء المهملة»: الكمّ.

(3) حلية الأولياء ج 3/ 193 و أخرجه في كشف الغمّة ج 2/ 157 عن مطالب السئول: 56.

51

أخدمي من خدمني و أتعبي من خدمك‏ (1).

5- و يليه من الكتاب أيضا بالإسناد قال: عن عمرو بن جميع، قال:

دخلت على جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أنا و إبن أبي ليلى، و أبو حنيفة، و عبد اللّه بن شبرمة بالإسناد الآتي قال: دخلت أنا و أبو حنيفة على جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فقال لابن أبي ليلى: من هذا معك؟

قال: هذا رجل له بصر و نفاذ في أمر الدين فقال له يقيس أمر الدين برأيه؟

قال: نعم.

قال: فقال جعفر (عليه السلام) لأبي حنيفة: ما إسمك؟

قال: نعمان.

قال: يا نعمان هل قست رأسك بعد؟

قال: كيف أقيس رأسي.

قال: ما أراك تحسن شيئا هل علمت ما الملوحة في العينين، و المرارة في الاذنين، و الحرارة في المنخرين، و العذوبة في الشفتين؟

قال: لا، قال: ما أراك تحسن شيئا.

قال: فهل علمت كلمة أوّلها كفر و آخرها إيمان؟

قال: لا يابن رسول اللّه أخبرني عن ذلك.

قال: أخبرني أبي عن جدّي عليّ (عليه السلام) أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم).

____________

(1) حلية الأولياء ج 3/ 194 و عنه كشف الغمّة ج 2/ 183.

52

قال: إن اللّه بفضله و منّه و رحمته جعل المرارة في الاذنين حجابا من الدوابّ ما دخلت في الرأس دابّة إلا إلتمست الوصول إلى الدماغ، فإذا ذاقت المرارة إلتمست الخروج، و إنّ اللّه بفضله و منّه و رحمته جعل الحرارة في المنخرين يستنشق بهما الريح و لولا ذلك لأنتن الدماغ و إنّ اللّه بمنّه و فضله و رحمته لابن آدم جعل العذوبة في الشفتين يجد بهما طعم كلّ شي‏ء و يسمع الناس حلاوة منطقه.

قال: فأخبرني عن الكلمة الّتي أولها كفر و آخرها ايمان.

قال: إذا قال العبد لا إله فهو كفر، و إذا قال إلّا اللّه فهو إيمان، حدّثني أبي عن جدّي أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال اللّه تعالى له: اسجد لآدم قال: أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين، فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه اللّه يوم القيامة بأبليس لأنه أتبعه بالقياس.

و زاد ابن شبرمة في حديثه:

ثم قال جعفر (عليه السلام) أيّهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟

قال: قتل النفس، قال: فإنّ اللّه عز و جل قبل في قتل النفس شاهدين و لم يقبل في الزنا إلّا أربعة، ثمّ قال: أيّهما أعظم الصلاة أم الصوم؟

قال: الصلاة.

قال: فما بال الحائض تقضي الصوم و لا تقضي الصلوة، فكيف‏

53

ويحك يقوم لك قياسك إتّق اللّه و لا تقس الدين برأيك‏ (1).

و الرواية عن الصادق (عليه السلام) من طريق المخالفين كثيرة من أرادها وقف عليها من كتبهم مثل كتاب «مطالب السئول» لكمال الدين ابن طلحة و غيره.

____________

(1) حلية الأولياء ج 3/ 196 باختلاف و عنه كشف الغمّة ج 2/ 185 و في ص 152 ح 4 عن العلل.

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}