حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - ج5

- السيد هاشم البحراني المزيد...
514 /
1

-

2

هوية الكتاب اسم الكتاب: حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الاطهار (عليهم السلام)- ج 5-.

تأليف: السيّد هاشم بن سليمان البحراني (رحمه اللّه).

تحقيق: الشيخ غلام رضا مولانا البروجردي.

صفّ الحرف و نشر: مؤسّسة المعارف الإسلاميّة.

الطبعة: الاولى 1415 ه ق.

المطبعة:

العدد: 2000 نسخة.

3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

4

جميع حقوق الطبع و النشر محفوظة لمؤسّسة المعارف الإسلاميّة ايران- قم المقدّسة ص. ب- 768/ 37185 تلفون 732009

5

[المنهج الحادي عشر]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

و منه نستمدّ الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطّاهرين.

و بعد فهذا المنهج الحادي عشر في الإمام العاشر أبي الحسن الثالث عليّ ابن محمّد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر ابن عليّ زين العابدين بن الحسين الشهيد بن عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليهم السلام) و فيه ثلاثة عشر بابا.

الباب الأوّل- في ميلاده (عليه السلام).

الباب الثاني- في علمه (عليه السلام).

الباب الثالث- في رسالته (عليه السلام) الى اهل الاهواز.

الباب الرّابع- في رفعه (عليه السلام) شأن العلماء.

الباب الخامس- في عبادته (عليه السلام).

الباب السّادس- في ورعه (عليه السلام).

الباب السابع- في جوده (عليه السلام).

الباب الثامن- حديثه (عليه السلام) مع المتوكّل في إسلام أبي طالب (عليه السلام).

6

الباب التاسع- في صبره (عليه السلام) و مقامات له مع المتوكل.

الباب العاشر- في حديثه (عليه السلام) مع زينب الكذابة.

الباب الحادي عشر- في حديثه (عليه السلام) مع الهندي اللاعب لعنه اللّه.

الباب الثّاني عشر- في حديث تل المخالي.

الباب الثّالث عشر- في نص أبيه عليه (عليه السلام) بالامامة و انه وصيّه (عليه السلام).

7

الباب الاول في ميلاده (عليه السلام)

1- محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القاسم، عن الحسن بن راشد، قال:

سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ اللّه تبارك و تعالى إذا أحبّ أن يخلق الامام أمر ملكا فأخذ شربة (1) من ماء تحت العرش فيسقيها أباه‏ (2) فمن ذلك يخلق الإمام فيمكث‏ (3) أربعين يوما و ليلة في بطن امّه لا يسمع الصوت، ثمّ يسمع بعد ذلك الكلام، فإذا ولد بعث‏ (4) اللّه ذلك الملك فيكتب بين عينيه:

وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ (5) فاذا مضى الإمام الذي كان قبله‏ (6) رفع لهذا منار (7) من نور ينظر فيه‏ (8) إلى أعمال‏

____________

(1) في البحار: أمر ملكا ان يأخذ شربة.

(2) في البحار في ص 36: إيّاها و في ص 39: إيّاه.

قال المجلسي في ص 36 بعد ذكر الحديث عن تفسير القمي: قوله «إيّاها» أي أمّ الامام، و في بعض النسخ:

«إيّاه» و في بعضها: «أباه» بالباء الموحّدة و مفادهما واحد.

(3) في البحار: و يمكث.

(4) في البحار: بعث.

(5) سورة الأنعام: 115.

(6) في البحار: من قبله.

(7) في البحار: منارا.

(8) في البحار: ينظر به.

8

الخلائق فبهذا (1) يحتجّ اللّه على خلقه. (2)

____________

(1) أي بمثل هذا الرجل المتصف بتلك الأوصاف يحتجّ اللّه على خلقه و يوجب طاعته على الناس.

(2) الكافي ج 1/ 387 ح 2، و أخرجه في البحار ج 25/ 39 ح 9 عن البصائر: 128، و في ص 36 ح 3 عن تفسير القمي: 202.

9

الباب الثاني في علمه (عليه السلام)

1- عليّ بن إبراهيم بن هاشم، في «تفسيره» قال: حدّثني أبي، عن المحمودي‏ (1)، و محمّد بن عيسى بن عبيد، عن محمّد بن إسماعيل الرازي‏ (2)، عن محمّد بن سعيد (3)، انّ يحيى بن أكثم سأل موسى بن محمّد (4) عن مسائل، و فيها: أخبرنا عن قول اللّه عزّ و جلّ: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً (5) فهل يزوّج اللّه عباده الذكران؟ و قد عاقب قوما فعلوا ذلك؟ فسأل موسى أخاه أبا الحسن العسكري (عليه السلام).

____________

(1) المحمودي: محمد بن أحمد بن حمّاد أبو علي المروزي من أصحاب أبي جعفر، و أبي الحسن الهادي و العسكري (عليهم السلام)، توفي أبوه أبو العبّاس أحمد في زمن الهادي (عليه السلام) فكتب لابنه: «قد مضى أبوك رضي اللّه عنه و عنك، و هو عندنا على حالة محمودة، و لن تبعد من تلك الحال» فلقّب المحمودي.

(2) محمّد بن إسماعيل الرازي بن احمد بن بشير البرمكي المعروف بصاحب الصومعة روى عن الإمام الجواد (عليه السلام)، و روى عن محمّد بن سعيد، و سليمان بن جعفر الجعفري، و روى عنه محمد بن عيسى، و المحمودي و السيّاري و سهل بن زياد، سكن قم، وثّقه النجاشي- معجم رجال الحديث ج 15/ 94-.

(3) هو محمد بن سعيد الآذربيجاني، روى عن موسى المبرقع بن أبي جعفر (عليه السلام) و روى عنه علي بن محمد و محمد بن اسماعيل الرازي البرمكي.- معجم الرجال ج 16/ 110-.

(4) موسى بن محمّد: أخو أبي الحسن الثالث (عليهما السلام) المعروف بموسى المبرقع، و كانت امّه أمّ ولد، توفي بقم و دفن بها، و يقال لولده: الرضويّون.

(5) الشورى: 50.

10

و كان من جواب أبي الحسن (عليه السلام) أمّا قوله: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً فإنّ اللّه تبارك و تعالى يزوّج ذكرانا من المطيعين إناثا من الحور العين، و إناث المطيعات من الإنس من ذكران المطيعين‏ (1)، و معاذ اللّه أن يكون الجليل على ما لبست على نفسك تطلّبا للرخصة لارتكاب المآثم، قال: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (2) اي لم يتب‏ (3).

2- في كتاب «الاختصاص» عن محمّد بن عيسى بن عبيد البغدادي، عن موسى بن محمّد بن عليّ بن موسى، سأل أخاه عليّ بن محمّد (عليه السلام) ببغداد في دار القطن‏ (4)، قال: قال موسى لأخيه أبي الحسن العسكري (عليه السلام) كتب إليّ يحيى بن أكثم يسألني عن عشر مسائل لأفتيه فيها، فضحك ثمّ قال: فهل أفتيته؟ قلت لا، قال: و لم؟ قلت: لم اعرفها، قال: و ما هي؟

قال: كتب إليّ أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏ (5) أ نبيّ اللّه عزّ و جلّ كان محتاجا إلى علم آصف؟

و أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ‏

____________

(1) كأنّه جواب تنزيلي، يعني اذا فرضنا كفرض السائل أنّ كلمة (يزوّجهم) بمعنى ينكحهم. يمكن أخذ المراد بطريق جائز كما بيّنه الامام (عليه السلام)، و إلّا ظاهر (يزوّجهم) بقرينة ما سبق بمعنى التثنّي.

(2) سورة الفرقان: 69.

(3) تفسير القمي ج 2/ 279- تفسير البرهان ج 4/ 129.

(4) دار القطن: محلّة كانت ببغداد من نهر طابق بالجانب الغربي بين الكرخ و نهر عيسى بن علي ينسب إليها الحافظ أبو الحسن الدار قطني المتوفى (385).

(5) سورة النمل: 40.

11

سُجَّداً (1) أسجد يعقوب و ولده ليوسف و هم أنبياء؟ و أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏ (2) من المخاطب بالآية؟ فإن كان المخاطب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أ ليس قد شك فيما انزل، و إن كان المخاطب به غيره فعلى غيره إذا انزل القرآن.

و أخبرني عن قول اللّه‏ وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ‏ (3) ما هذه الأبحر و أين هي؟

و أخبرني عن قول اللّه‏ وَ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ‏ (4) فاشتهت نفس آدم البرّ فأكل و أطعم فكيف عوقب فيها على ما تشتهي الأنفس؟

و أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ‏ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً (5) فهل يزوّج اللّه عباده الذّكران؟ و قد عاقب اللّه قوما فعلوا ذلك.

و أخبرني عن شهادة المرأة جازت وحدها؟ و قد قال اللّه عزّ و جلّ‏ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ‏ (6) و أخبرني عن الخنثى و قول علي (عليه السلام) فيها: تورث الخنثى من المبال من ينظر اذا بال؟ و شهادة الجار إلى نفسه‏ (7) لا تقبل، مع أنّه عسى أن يكون رجلا و قد نظر إليه النساء و هذا ممّا لا يحلّ‏

____________

(1) سورة يوسف: 100.

(2) سورة يونس: 94.

(3) سورة لقمان: 27.

(4) سورة الزخرف: 71.

(5) سورة الشورى: 50.

(6) سورة الطلاق: 2.

(7) في تفسير البرهان: لنفسه.

12

فكيف هذا؟

و أخبرني عن رجل أتى قطيع غنم فرأى الراعي ينزو (1) على شاة منها فلمّا بصر بصاحبها فصاح‏ (2) بها خلّى سبيلها فانسابت بين الغنم لا يعرف الراعي أيّها كانت و لا يعرف صاحبها أيّها تذبح.

و أخبرني عن قول علي (عليه السلام) لابن جرموز (3) بشّر قاتل ابن صفيّة (4) بالنار فلم لم يقتله و هو إمام؟ و من ترك حدّا من حدود اللّه فقد كفر إلّا من علّة.

و أخبرني عن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة و هي من صلاة النهار، و إنمّا يجهر في صلاة الليل؟

و أخبرني عنه (عليه السلام) لم قتل أهل صفين و أمر بذلك مقبلين و مدبرين، و أجهز على جريحهم و يوم الجمل غيّر حكمه لم يقتل من جريحهم و لا من دخل دارا و لم يجهز على جريحهم و لم يأمر بذلك، و من ألقى سيفه أمنه لم فعل ذلك؟ فإن كان الاوّل صوابا كان الثاني خطأ.

قال: اكتب «قلت: و ما أكتب؟ قال اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم و أنت‏

____________

(1) نزا عليه: سفده.

(2) في البحار عن تحف العقول: فلمّا بصر بصاحبها خلّى سبيلها فدخلت.

(3) عمرو بن جرموز: الشاعر، كان في عسكر الاحنف بن قيس في وقعة الجمل فلمّا ترك الزبير الحرب مرّ بذلك العسكر، و نزل في وقت الصلاة ليصلّي فقتله ابن جرموز غيلة، و أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال للحاجب: استأذن لقاتل الزبير، فقال (عليه السلام): ائذن له و بشّره بالنار.- مقتبس عن الكامل لابن الاثير ج 3/ 125.

(4) ابن صفيّة: هو الزبير بن العوّام بن خويلد الاسدي المقتول بوادي السباع على 7 فراسخ من البصرة سنة (36) ه و صفيّة امّه بنت عبد المطلب و عمّة النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم).

13

فألهمك اللّه الرشد ألقاني‏ (1) كتابك بما امتحنتنا به من بغيتك‏ (2) لتجد إلى الطعن سبيلا ان قصرنا فيه و اللّه يكافيك على نيتك، و قد شرحنا مسألتك فأصغ إليها سمعك و حلّ بها فهمك‏ (3) و اشغل بها قلبك فقد ألزمتك الحجّة و السلام.

سألت عن قول اللّه عزّ و جل في كتابه‏ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ‏ (4) فهو آصف بن برخيا، و لم يعجز سليمان عن معرفة ما عرف آصف و لكنه أحبّ أن يعرف أمّته من الجنّ و الانس أنّه الحجّة من بعده، و ذلك من علم سليمان أودعه آصف بأمر اللّه ففهّمه اللّه ذلك لئلّا يختلف في إمامته، و دلالته، كما فهّم سليمان في حياة داود لتعرف إمامته و نبوته من بعده لتأكيد الحجة على الخلق.

و أمّا سجود يعقوب و ولده فإنّ السجود لم يكن ليوسف كما أنّ السجود من الملائكة لم يكن لآدم، و إنّما كان منهم طاعة للّه و تحيّة لآدم فجد يعقوب و ولده شكرا للّه باجتماع شملهم، أ لم تر أنّه يقول في شكره في ذلك الوقت: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ‏ (5) الى آخر الآية.

و أمّا قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏ (6) من المخاطب في ذلك، رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لم يكن في شك مما انزل إليه، و لكن قالت الجهلة: كيف لم يبعث اللّه نبيا من‏

____________

(1) في البحار عن تحف العقول: أتاني كتابك.

(2) في البحار عن تحف العقول: من تعنّتك.

(3) في البحار عن تحف العقول: و ذلّل لها فهمك، و في نسخة: فأذل لها فهمك.

(4) سورة النمل: 40.

(5) سورة يوسف: 101.

(6) سورة يونس: 94.

14

الملائكة؟ أم كيف‏ (1) لم يفرّق بينه و بين خلقه‏ (2) بالاستغناء عن المأكل و المشرب و المشي في الأسواق فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى نبيّه‏ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏ تفحّص بمحضر من الجهلة هل بعث اللّه رسولا قبلك إلّا و هو يأكل و يشرب و يمشي في الاسواق، و لك بهم أسوة، و إنّما قال:

إن كنت في شك و لم يكن‏ (3) للنصفة، كما قال اللّه تعالى: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏ (4) و لو قال: نبتهل فنجعل لعنة اللّه عليكم لم يكونوا يجوزوا للمباهلة (5) و قد علم اللّه أن نبيّه مؤدّ عنه رسالته‏ (6)، و ما هو من الكاذبين، و كذلك عرف النبي أنّه صادق فيما يقول، و لكن أحب أن ينصفهم من نفسه.

و أمّا قوله: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ‏ (7) فهو كذلك لو أنّ أشجار الدنيا أقلام و البحر مداد له سبعة أبحر (8) حتى فجرت الارض عيونا فغرق أصحاب الطوفان نفدت قبل أن تنفد كلمات اللّه عزّ و جلّ و هي عين الكبريت، و عين اليمن‏ (9)

____________

(1) في البحار عن تحف العقول بدل (أم كيف): إذ لم يفرّق.

(2) في البحار عن تحف العقول: بين نبيّه و بيننا.

(3) في المصدر: لم يكن شك.

(4) سورة آل عمران: 61.

(5) في البحار: و لو قال عليكم لم يجيبوا الى المباهلة.

(6) في البحار: يؤدي عنه رسالاته.

(7) سورة لقمان: 27.

(8) في البحار عن تحف العقول: و البحر يمدّه سبعة ابحر و انفجرت الارض عيونا لنفدت.

(9) في البحار: و عين النمر.

15

و عين البرهوت‏ (1) و عين الطبرية و حمّة (2) ماسيدان‏ (3) و تدعى المنيات‏ (4) و حمّة إفريقية و تدعى بسلان‏ (5) و عين باحوران‏ (6) و نحن الكلمات التي لا تنفد و لا تدرك فضائلنا و لا تستقصي.

و أمّا الجنّة ففيها من المآكل و المشارب و الملاهي و الملابس ما تشتهي الانفس‏ (7) و تلذّ الاعين و أباح الله ذلك كلّه لآدم، و الشجرة التي نهى اللّه عنها آدم و زوجته أن يأكلا منها شجرة الحسد (8) عهد إليهما أن لا ينظرا إلى من فضّل اللّه عليهما (9)، و على كلّ خلائقه بعين الحسد فنسي و نظر بعين الحسد و لم يجد له عزما.

و أمّا قوله‏ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً (10) فإنّ اللّه تبارك و تعالى يزوّج‏

____________

(1) البرهوت (بفتح الباء الموحّدة و الراء و ضم الهاء): واد أو بئر بحضر موت.

(2) الحمّة (بفتح الحاء المهملة و الميم المشدّدة): العين الحادّة- الماء الذي يستشفى به.

(3) في البحار: ماسبذان، و في نسخة: ماسبندان.

(4) في نسخة: تدعى لسان.

(5) في نسخة: بسبلان.

(6) في البحار ج 4/ 151 عن الاحتجاج: عين باجوران، و في نسخة: باحوران.

(7) في نسخة من البحار: ما تشتهيه الأنفس.

(8) قيل: المراد بالحسد الغبطة التي لا تنبغي له، قال المجلسي (قدّس سرّه) في ذيل الحديث المرويّ عن المعاني و العيون: اعلم أنّهم اختلفوا في الشجرة المنهيّة فقيل: كانت السنبلة، و قيل: الكرمة، و قيل: شجرة الكافور كما رواه الشيخ في التبيان عن علي (عليه السلام). و في الرواية المروية عن الرضا (عليه السلام): الحسد، كما في هذه الرواية أيضا.

(9) في البحار: أن لا ينظرا الى من فضّل اللّه على خلائقه بعين الحسد.

(10) سورة الشورى: 50.

16

ذكران المطيعين إناثا من الحور، و معاذ اللّه أن يكون عنى الجليل ما لبّست‏ (1) على نفسك تطلب الرخص لارتكاب المآثم‏ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (2) إن لم يتب.

و أمّا قول عليّ (عليه السلام): بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار لقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار و كان ممّن خرج يوم النهروان و لم يقتله أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبصرة لأنّه علم أنّه يقتل في فتنة النهروان.

و أمّا قولك: عليّ (عليه السلام) قتل أهل صفين مقبلين و مدبرين، و أجهز (3) على جريحهم و يوم الجمل لم يتبع مولّيا و لم يجهز (4) على جريح، و كلّ من ألقى سيفه آمنه و من دخل داره آمنه فإنّ أهل الجمل قتل إمامهم و لم يكن لهم فئة يرجعون إليها و إنّما رجع القوم إلى منازلهم غير محاربين و لا محتالين و لا متجسسين و لا منابلين‏ (5) و قد رضوا بالكفّ عنهم فكان الحكم رفع السيف و الكفّ عنهم إذ لم يطلبوا عليه أعوانا.

و أهل صفين يرجعون الى فئة مستعدّة و امام لهم منتصب يجمع لهم السلاح من الدروع و الرماح و السيوف و يستعد لهم العطاء و يهيّى‏ء لهم الانبال‏ (6) و يتفقّد جريحهم، و يجبر كسيرهم، و يداوي جريحهم، و يحمل رجلتهم،

____________

(1) ما لبّست: أي ما دلّست على نفسك و ذلك إيعاز الى ما كان يشتهر به يحيى بن أكثم من اللواط.

(2) سورة الفرقان: 69.

(3) في المصدر: و أجاز على جريحهم.

(4) في المصدر: و لم يجز على جريح.

(5) في المصدر: و لا منابذين، و في نسخة من البحار: و لا مبارزين.

(6) في المصدر: الانزال اي الارزاق.

17

و يكسو حاسرهم‏ (1) و يردّهم فيرجعون الى محاربتهم و قتالهم، لا يساوي بين الفريقين، و لو لا عليّ و حكمه لأهل صفين و الجمل لما عرف الحكم في عصاة اهل التوحيد، لكنّه شرح ذلك لهم فمن رغب عنه يعرض على السيف أو يتوب عن ذلك.

و أمّا شهادة المرأة التي جازت وحدها فهي القابلة جائز شهادتها مع الرضا و ان لم يكن رضا فلا أقلّ من امرأتين تقوم مقام الرجل للضرورة لانّ الرجل لا يمكنه أن يقوم مقامها فان كانت وحدها قبل مع يمينها.

و أمّا قول عليّ (عليه السلام) في الخنثى: إنّه يورث من المبال فهو كما قال، و ينظر إليه قوم عدول فيأخذ كلّ واحد منهم المرآة فيقوم الخنثى خلفهم عريانا و ينظرون في المرآة فيرون الشبح فيحكمون عليه.

و أما الرجل الذي قد نظر الى الراعي قد نزى على شاة فان عرفها ذبحها و أحرقها، و ان لم يكن يعرفها قسّمها نصفين و ساهم‏ (2) بينهما فإن وقع السهم على أحد النصفين فقد نجا الآخر، ثمّ يفرّق الذي وقع عليه السهم بنصفين و يقرع بينهما بسهم، فان وقع على احد النصفين نجا الآخر، فلا يزال كذلك حتى تبقى اثنتان فيقرع بينهما فأيّهما وقع السهم لها تذبح و تحرق و قد نجت سائرها.

و أما صلاة الفجر و الجهر بالقراءة لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يغلّس بها (3) فقراءتها من الليل، و قد أنباتك بجميع ما سألتنا فاعلم ذلك تولّى‏

____________

(1) الحاسر: من لا درع له.

(2) ساهم: قارع.

(3) كان يغلّس بها اي يصلّي بالغلس اي ظلمة آخر الليل.

18

اللّه حفظك و الحمد للّه ربّ العالمين. (1)

3- عليّ بن ابراهيم بن هاشم في «تفسيره» قال: حدّثني أبي قال: أمر المعتصم ان يحفر بالبطانية بئر، فحفروا ثلاثمائة قامة فلم يظهر الماء فتركه و لم يحفره.

فلمّا ولّى المتوكّل‏ (2) أمر أن يحفر ذلك البئر أبدا حتى يظهر الماء، فحفروا حتى وضعوا في كلّ مائة قامة بكرة حتى انتهوا الى صخرة فضربوها بالمعول فانكسرت، فخرج منها ريح باردة فمات من كان بقربها، فأخبروا المتوكّل بذلك فلم يعلم ما ذاك، فقالوا: سل ابن الرضا عن ذلك، و هو أبو الحسن عليّ ابن محمد العسكري (عليهم السلام) فكتب إليه يسأله عن ذلك؟

فقال أبو الحسن (عليه السلام): تلك بلاد الاحقاف، و هم قوم عاد الّذين اهلكهم اللّه بالرّيح الصّرصر. (3)

4- محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن احمد، عن جعفر (4) بن رزق اللّه قال قدم الى المتوكّل برجل نصرانيّ فجر بأمراة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: قد (5) هدم ايمانه شركه‏

____________

(1) اختصاص المفيد: 88 و مثله باختلاف يسير في البحار ج 10/ 386 ح 1.

(2) المتوكّل: جعفر بن محمد بن هارون بن المهدي بن المنصور العباسي، ولد ببغداد سنة (206) ه و بويع بعد وفاة اخيه الواثق سنة (232) ه، و هو الذي هدم قبر الامام الحسين (عليه السلام) سنة (236) ه و قتل سنة (247) ه- الكامل لابن الاثير ج 7/ 11-.

(3) تفسير القمي ج 2/ 297، و روى الحديث عنه البحار ج 11/ 353 صدر الحديث 4، و تفسير البرهان ج 4/ 176 ح 2، و تفسير نور الثقلين ج 5/ 17 ح 28.

(4) في المصدر: عن جعفر بن رزق اللّه أو رجل عن جعفر بن رزق اللّه.

(5) في البحار: قال يحيى بن اكثم: الايمان يمحو ما قبله.

19

و فعله، و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، و قال بعضهم: يفعل به كذا و كذا، فأمر المتوكل بالكتاب الي ابي الحسن الثالث (صلوات اللّه عليه) و سؤاله عن ذلك، فلمّا قرأ الكتاب كتب: يضرب حتى يموت، فأنكر يحيى بن أكثم و أنكر فقهاء العسكر ذلك، و قالوا: يا أمير المؤمنين سل عن هذا فإنّه لم ينطق به كتاب و لم تجي‏ء به سنّة.

فكتب إليه: إنّ فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا و قالوا: لم تجي‏ء به سنّة و لم ينطق به كتاب فبيّن لنا لم أوجبت عليه الضرب حتى يموت؟

فكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ‏ (1) فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات. (2)

5- محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن ابراهيم، عن بعض أصحابه ذكره قال: لمّا سمّ المتوكّل نذر إن عوفي أن يتصدّق بمال كثير، فلمّا عوفي سأل الفقهاء عن حدّ المال الكثير فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: مائة الف، و قال بعضهم: عشرة آلاف، فقالوا فيه أقاويل مختلفة، فاشتبه عليه الأمر، فقال‏ (3) رجل من ندمائه يقال له: صفوان: أ لا تبعث إلى هذا الأسود فتسأله عنه؟ فقال له‏

____________

(1) سورة غافر: 84- 85.

(2) الكافي ج 7/ 238 ح 2 و عنه تفسير البرهان ج 4/ 104 ح 2 و في الوسائل ج 18/ 407 ح 2 عنه و عن التهذيب ج 10/ 38 الحديث 135 مثله، و الفقيه ج 4/ 37 نحوه مختصرا، و الاحتجاج: 454، و أخرجه في البحار ج 50/ 172 و ج 79/ 54 ح 44 عن المناقب لابن شهر اشوب ج 4/ 405 مختصرا.

(3) في تفسير القمي: فلمّا اختلفوا قال له عبادة: ابعث الى ابن عمّك علي بن محمد بن علي الرضا (عليهم السلام).

20

المتوكّل.

من تعني ويحك؟ فقال له: ابن الرضا فقال له: و هو يحسن من هذا شيئا؟

فقال: إن أخرجك من هذا فلي عليك كذا و كذا و إلّا فاضربني مائة مقرعة. (1)

فقال المتوكّل: قد رضيت، يا جعفر بن محمود صر إليه و سله عن حدّ المال الكثير فصار جعفر بن محمود إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد (عليه السلام) فسأله عن حدّ المال الكثير فقال له: الكثير ثمانون، فقال له جعفر بن محمود: يا سيّدي يسألني عن العلّة فيه فقال أبو الحسن (صلوات اللّه عليه): إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول‏ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ (2) فعددنا تلك المواطن فكانت ثمانين. (3)

و رواه عليّ بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره عن محمد بن عمرو (4) الحديث. (5)

____________

(1) المقرعة (بكسر الميم و سكون القاف): السوط.

(2) سورة التوبة: 25.

(3) قال الشهيد في «الدروس»: لو نذر الصدقة من ماله بشي‏ء كثير فثمانون درهما لرواية أبي بكر الحضرمي عن أبي الحسن (عليه السلام)، و لو قال: بمال كثير ففي قضية الهادي (عليه السلام) مع المتوكل ثمانون، و ردّها ابن ادريس الى ما يعامل به درهما او دينارا.

(4) في المصدر المطبوع: محمد بن عمير.

(5) الكافي ج 7/ 463 ح 21، تفسير القمي ج 1/ 284 و عنهما البرهان ج 2/ 111 و 112 ح 1- 2 و في الوسائل ج 16/ 186 ح 1 عنهما و عن تحف العقول: 481 و الاحتجاج: 453 نحوه، و التهذيب ج 8/ 309 ح 24 و في البحار ج 104/ 217 ح 7 عن تفسير القمي و في ج 50/ 162 ح 41 عن مناقب ابن شهر اشوب ج 4/ 402.

21

الباب الثالث في رسالته (عليه السلام) إلى أهل الأهواز

1- الطبرسي في «الاحتجاج» قال: و ممّا أجابه ابو الحسن عليّ بن محمد العسكري (عليه السلام) في رسالته الى أهل الاهواز حين سألوه عن الجبر و التفويض أن قال: اجتمعت الامّة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع فرقها فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون، و على تصديق ما أنزل اللّه مهتدون، و لقول النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لا تجتمع أمّتي على ضلالة، فأخبر أنّ ما اجتمعت عليه الامّة و لم يخالف بعضها بعضا هو الحقّ فهذا معنى الحديث لا ما تأوّله الجاهلون و لا ما قاله المعاندون من ابطال حكم الكتاب و اتّباع حكم الاحاديث المزوّرة(1) و الروايات المزخرفة و اتّباع الاهواء المردية المهلكة التي تخالف نصّ الكتاب و تحقيق الآيات الواضحات النيّرات و نحن نسأل اللّه أن يوفّقنا للصواب و يهدينا الى الرشاد.

ثمّ قال (عليه السلام): فاذا شهد الكتاب بصدق‏ (2) خبر و تحقيقه فأنكرته طائفة من الامّة و عارضته بحديث من هذه الاحاديث المزوّرة فصارت بإنكارها و دفعها الكتاب كفّارا ضلالا.

و أصحّ خبر ما عرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع عليه من‏

____________

(1) المزوّرة: الأحاديث المتزيّنة بالكذب او الاحاديث الكاذبة.

(2) في البحار: فاذا شهد الكتاب بتصديق خبر.

22

رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) حيث قال: إنّي مستخلف فيكم خليفتين كتاب اللّه و عترتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي و إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، و اللفظة الاخرى عنه في هذا المعنى بعينه قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي و إنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا.

فلمّا وجدنا شواهد هذا الحديث نصا في كتاب اللّه مثل قوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ (1) ثمّ اتفقت روايات العلماء في ذلك لامير المؤمنين (عليه السلام) أنّه تصدّق بخاتمه و هو راكع فشكر اللّه ذلك له و أنزل الآية فيه.

ثمّ وجدنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قد أبانه من اصحابه بهذه اللفظة: «من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه» و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) «عليّ يقضي ديني، و ينجز موعدي، و هو خليفتي عليكم بعدي» و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) حيث استخلفه على المدينة فقال: يا رسول اللّه أ تخلّفني على النساء و الصبيان؟ فقال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي.

فعلمنا أنّ الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار، و تحقيق هذه الشواهد فيلزم الامّة (2) الاقرار بها اذا كانت هذه الاخبار وافقت القرآن و وافق القرآن هذه الاخبار فلمّا وجدنا ذلك موافقا لكتاب اللّه، وجدنا كتاب اللّه لهذه الاخبار موافقا و عليها دليلا، كان الاقتداء بهذه الاخبار فرضا لا يتعدّاه إلّا أهل العناد و الفساد.

____________

(1) سورة المائدة: 55.

(2) في بعض النسخ: فلزم الامّة.

23

ثم قال (عليه السلام): و مرادنا و قصدنا الكلام في الجبر و التفويض و شرحهما و بيانهما، و إنّما قدّمنا ما قدّمنا ليكون اتفاق الكتاب و الخبر اذا اتفقا دليلا لما أردناه، و قوّة لما نحن مبيّنوه من ذلك إن شاء اللّه.

فقال الجبر و التفويض بقول الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) عند ما سئل عن ذلك فقال: لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين، قيل فما ذا يا ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ فقال: صحّة العقل، و تخلية السرب، و المهلة في الوقت، و الزاد قبل الراحلة، و السبب المهيّج للفاعل على فعله فهذه خمسة اشياء فاذا نقص العبد منها خلّة (1) كان العمل عنه مطرّحا بحسبه، و أنا أضرب لكلّ باب من هذه الابواب الثلاثة و هي: الجبر و التفويض و المنزلة بين المنزلتين، مثلا يقرّب المعنى للطالب و يسهّل له البحث من شرحه و يشهد به القرآن محكم آياته و يحقّق تصديقه عند ذوي الالباب و باللّه العصمة و التوفيق.

ثم قال (عليه السلام): فأمّا الجبر فهو قول من زعم ان اللّه عزّ و جلّ جبر العباد على المعاصي و عاقبهم عليها، و من قال بهذا القول فقد ظلم اللّه و كذّبه و ردّ عليه قوله: وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (2).

و قوله جلّ ذكره: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (3) مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنّه مجبور على المعاصي فقد احال بذنبه على اللّه عزّ و جلّ و ظلمه في عقوبته له، و من ظلّم ربه فقد كذّب كتابه، و من كذّب كتابه لزمه الكفر باجماع الامّة و المثل المضروب في ذلك: في‏

____________

(1) الخلّة (بضم الخاء المعجمة و فتح اللام المشدّدة): الخصلة.

(2) سورة الكهف: 49.

(3) سورة الحج: 10.

24

مثل رجل ملّك عبدا مملوكا لا يملك إلّا نفسه و لا يملك عرضا (1) من عروض الدنيا، و يعلم مولاه ذلك منه، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها و لم يملّكه ثمن ما يأتيه به، و علم المالك أنّ على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلّا بما يرضى به من الثمن، و قد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل و النصفة و إظهار الحكمة و نفي الجور، فأوعد عبده إن لم يأته الحاجة أن يعاقبه.

فلمّا صار العبد الى السوق، و حاول اخذ الحاجة التي بعثه المولى للإتيان بها، وجد عليها مانعا يمنعه منها إلّا بالثمن و لا يملك العبد ثمنها فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته فاغتاظ مولاه لذلك و عاقبه على ذلك، فإنّه كان ظالما متعدّيا مبطلا لما وصف من عدله و حكمته و نصفته، و إن لم يعاقبه كذّب نفسه، أ ليس يجب أن لا يعاقبه؟ و الكذب و الظلم ينفيان العدل و الحكمة تعالى اللّه عمّا يقول المجبّرة علوّا كبيرا.

ثم قال العالم (عليه السلام) بعد كلام طويل: فأمّا التفويض الذي أبطله الصادق (عليه السلام) و خطّأ من دان به فهو قول القائل: إنّ اللّه تعالى فوّض إلى العباد اختيار أمره و نهيه و أهملهم‏ (2)، و هذا الكلام دقيق لم يذهب الى غوره و دقّته إلّا الائمّة المهديّة (عليهم السلام) من عترة آل الرسول (صلوات اللّه عليه و عليهم) ، فإنّهم قالوا: لو فوّض اللّه إليهم على جهة الاهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه و استوجبوا به من الثواب، و لم يكن عليهم فيما اجترموا من العقاب إذا كان الاهمال واقعا.

____________

(1) العرض (بفتح العين و سكون الراء): المتاع و كلّ شي‏ء سوى الدراهم و الدنانير.

(2) أهمله: تركه و لم يستعمله عمدا أو نسيانا.

25

و تنصرف هذه المقالة على معنيين: إمّا أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبل اختيارهم بآرائهم ضرورة، كره ذلك أم أحبّ، فقد لزمه الوهن، أو يكون جلّ و تقدّس عجز عن تعبّدهم بالأمر و النهي على إرادته، ففوّض أمره و نهيه إليهم و أجراهما على محبّتهم إذ عجز عن تعبّدهم بالأمر و النهي على إرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر و الايمان.

و مثل ذلك: مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه و يعرف له فضل ولايته، و يقف عند أمره و نهيه و ادّعى مالك العبد: أنّه قادر قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده و نهاه، و وعده على اتّباع أمره عظيم الثواب و أوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه و لم يقف عند أمره و نهيه، فأيّ أمر أمره به أو نهي نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى، بل كان العبد يتّبع ارادة نفسه.

و بعثه في بعض حوائجه و فيما الحاجة له فصار العبد بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه، و قصد إرادة نفسه و اتّبع هواه، فلمّا رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه فإذا هو خلاف ما أمره، فقال العبد: اتّكلت على تفويضك الأمر إليّ فاتّبعت هواي و إرادتي لأنّ المفوّض إليه غير محضور عليه لاستحالة اجتماع التفويض و الحظر (1) ثم قال (عليه السلام): فمن زعم أنّ اللّه فوّض قبول أمره و نهيه الى عباده فقد أثبت عليه العجز و أوجب عليه قبول كلّ ما عملوا من خير أو شرّ، و أبطل أمر اللّه تعالى و نهيه.

ثم قال: إنّ اللّه خلق الخلق بقدرته و ملّكهم استطاعة ما تعبّدهم به من الامر و النهي و قبل منهم اتّباع أمره، و رضي بذلك و نهاهم عن معصيته، و ذمّ من عصاه و عاقبه عليها و للّه الخيرة في الامر و النهي، يختار ما يريد و يأمر به، و ينهى‏

____________

(1) في البحار: و التحصير.

26

عمّا يكره، و يثيب و يعاقب بالاستطاعة التي ملّكها عباده لاتّباع أمره و اجتناب معاصيه، لأنّه العدل، و منه النصفة و الحكومة و بالغ الحجّة بالاعذار و الانذار و إليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده.

اصطفى محمّدا (صلوات اللّه عليه و آله) و بعثه بالرسالة إلى خلقه، و لو فوّض اختيار اموره إلى عباده لأجاز لقريش اميّة بن أبي الصلت‏ (1) و أبي مسعود.

الثقفي‏ (2) إذ كانا عندهم أفضل من محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لما قالوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏ (3) يعنونهما بذلك، فهذا هو القول بين القولين ليس بجبر و لا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله عباية بن ربعي الاسدي عن الاستطاعة.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): تملكها من دون اللّه أو مع اللّه؟ فسكت عباية بن ربعي فقال له: قل يا عباية، قال: و ما أقول؟ قال: إن قلت تملكها مع اللّه قتلتك، و ان قلت تملكها من دون اللّه قتلتك، قال: و ما اقول يا أمير

____________

(1) أميّة بن عبد اللّه أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي، شاعر، جاهلي حكيم من أهل الطائف، قدم دمشق قبل الاسلام و كان مطلعا على الكتب القديمة يلبس المسوح تعبّدا، و هو ممّن حرّموا على انفسهم الخمر و نبذوا عبادة الاوثان في الجاهلية، و لمّا بعث النبي (صلى اللّه عليه و آله) في مكة قدم اميّة بها و سمع منه آيات و قال لقريش: أشهد أنّه على الحقّ قالوا له: فهل تتبعه؟ فقال حتى أنظر في أمره، و خرج إلى الشام، حتى حدثت وقعة بدر و علم اميّة بقتل ابني خال له فيها فامتنع من الاسلام حتى مات سنة (9) ه بالطائف- الاعلام ج 1/ 364-.

(2) أبو مسعود عروة بن مسعود بن معتب: صحابي مشهور، كان كبيرا في قومه بالطائف، استاذن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أن يرجع إلى قومه و يدعوهم إلى الاسلام، فقال (ص): أخاف أن يقتلوك، قال: لو وجدوني نائما ما أيقظوني فاذن له فرجع و دعاهم إلى الاسلام فخالفوه و رماه أحدهم بسهم فقتله سنة (9) ه- الاعلام ج 5/ 18-.

(3) الزخرف: 31.

27

المؤمنين؟ قال: تقول: تملكها باللّه الذي يملكها من دونك فإن ملّكها كان ذلك من عطائه، و إن سلبكها كان ذلك من بلائه، و هو المالك لما ملكك و المالك لما عليه أقدرك أ ما سمعت الناس يسألون الحول و القوة حيث يقولون: لا حول و لا قوة إلّا باللّه.

فقال الرجل: و ما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال: لا حول لنا عن معاصي اللّه إلّا بعصمة اللّه، و لا قوة لنا على طاعة اللّه إلّا بعون اللّه قال: فوثب الرجل و قبّل يديه و رجليه.

ثم قال (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ‏ (1) و في قوله: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ‏ (2) و في قوله: أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ (3) و في قوله:

وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ‏ (4) و في قوله: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ‏ (5) و قول موسى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ‏ (6) و قوله: لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ‏ (7) و قوله‏ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ‏ (8) و قوله: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما

____________

(1) سورة محمد «ص»: 31.

(2) الأعراف: 182.

(3) العنكبوت: 2.

(4) العنكبوت، 34.

(5) طه: 85.

(6) الأعراف: 155.

(7) المائدة: 48.

(8) آل عمران: 152.

28

بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ (1) و قوله: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (2) و قوله:

وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ‏ (3) و قوله: وَ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ‏ (4) إنّ جميعها جاءت في القرآن بمعنى الاختيار.

ثم قال (عليه السلام) فان قالوا: ما الحجّة في قول اللّه تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ (5) و ما أشبه ذلك؟ قلنا: فعلى مجاز هذه الآية يقتضي معنيين: أحدهما أنّه إخبار عن كونه تعالى قادرا على هداية من يشاء و ضلالة من يشاء، و لو أجبرهم على أحدهما لم يجب لهم ثواب و لا عليهم عقاب على ما شرحناه.

و المعنى الآخر؟ أنّ الهداية منه: التعريف كقوله تعالى: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ (6) و ليس كل آية مشتبهة في القرآن كانت الآية حجّة على حكم الآيات اللّاتي امر بأخذها و تقليدها و هي قوله:

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ‏ (7) الآية و قال: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ‏

____________

(1) القلم: 17.

(2) هود: 7.

(3) البقرة: 124.

(4) محمّد «ص»: 4.

(5) سورة النحل: 93.

(6) سورة فصّلت: 17.

(7) سورة آل عمران: 7.

29

أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ (1) وفقنا اللّه و إياكم لما يحبّ و يرضى، و يقرّب لنا و لكم الكرامة و الزلفى، و هدانا لما هو لنا و لكم خير و أبقى، إنّه الفعّال لما يريد، الحكيم الجواد المجيد. (2)

____________

(1) سورة الزمر: 17- 18.

(2) الاحتجاج: 450 و عنه البحار ج 5/ 20 ح 30 و صدره في البحار ج 2/ 225 ح 3 و العوالم ج 3/ 572 ح 72، و تفسير البرهان ج 3/ 483 ح 19 و قطعة منه في البحار ج 35/ 184 ح 2.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الباب الرابع في رفعه (عليه السلام) شأن العلماء

1- الطبرسي في «الاحتجاج» قال: روي عن الحسن العسكري (عليه السلام) أنّه اتّصل بأبي الحسن عليّ بن محمد العسكري (عليه السلام) أنّ رجلا من فقهاء شيعته كلّم بعض النصّاب فأفحمه بحجّته حتى أبان عن فضيحته، فدخل على عليّ بن محمد (عليه السلام) و في صدر مجلسه دست‏ (1) عظيم منصوب، و هو قاعد خارج الدست، و بحضرته خلق عظيم من العلويّين و بني هاشم، فما زال يرفعه حتى أجلسه في ذلك الدست، و اقبل عليه، فاشتدّ ذلك على اولئك الاشراف، فأمّا العلويّة (2) فأجلوه عن العتاب، و أمّا الهاشميون فقال له شيخهم: يا ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) هكذا تؤثر عاميّا على سادات بني هاشم من الطالبيّين و العبّاسيين؟

فقال (عليه السلام): إيّاكم أن تكونوا من الذين قال اللّه تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى‏ كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ‏ (3) أ ترضون بكتاب اللّه عزّ و جلّ حكما؟ قالوا: بلى.

قال: أ ليس اللّه يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي‏

____________

(1) الدست (بفتح الدال المهملة و السين المهملة الساكنة) فارسيّة: الوسادة.

(2) في نسخة: العلويّون.

(3) سورة آل عمران: 23.

32

الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ‏ إلى قوله: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‏ (1) فلم يرض للعالم المؤمن إلّا أن يرفع على المؤمن من غير العالم، كما لم يرض للمؤمن إلّا أن يرفع على من ليس بمؤمن، أخبروني عنه قال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‏ أو قال يرفع اللّه الذين اوتوا شرف النسب درجات؟ أو ليس قال اللّه:

هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (2) فكيف تنكرون رفعي لهذا لما رفعه اللّه؟ إنّ كسر هذا لفلان الناصب بحجج اللّه التي علّمه إيّاها لأفضل له من كلّ شرف في النسب.

فقال العباسي: يا ابن رسول اللّه قد شرّفت علينا و قصّرتنا عمن ليس له نسب كنسبنا، و ما زال منذ أوّل الاسلام يقدّم الافضل في الشرف على من دونه فيه.

فقال (عليه السلام): سبحان اللّه أ ليس العبّاس بايع لأبي بكر و هو تيمي و العبّاس هاشمي؟ أو ليس عبد اللّه بن عبّاس كان يخدم عمر بن الخطاب و هو هاشمي أبو الخلفاء و عمر عدوي؟ و ما بال عمر أدخل البعداء من قريش في الشورى و لم يدخل العبّاس؟ فإن كان رفعنا لمن ليس بهاشميّ على هاشميّ منكرا فأنكروا على العباس بيعته لأبي بكر، و على عبد اللّه بن العبّاس خدمته لعمر بعد بيعته، فإن كان ذلك جائزا فهذا جائز فكأنما القم‏ (3) الهاشمي حجرا. (4)

____________

(1) سورة المجادلة: 11.

(2) سورة الزمر: 9.

(3) مثل يضرب لمن تكلّم فأجيب بمسكتة.

(4) الاحتجاج: 454، و عنه تفسير البرهان ج 4 ص 305 ح 1.

و في البحار ج 2/ 13 ح 25 عنه و عن تفسير الامام العسكري (ع).

33

2- و روى أيضا عن علي بن محمد (عليه السلام) أنّه قال: لو لا من يبقى بعد غيبة قائمكم (عليه السلام) من العلماء الداعين إليه، و الدالّين عليه، و الذابّين عن دينه بحجج اللّه و المنقذين لضعفاء عباد اللّه من شباك‏ (1) إبليس و مردته و من فخاخ‏ (2) النواصب لما بقي أحد إلّا ارتدّ عن دين اللّه، و لكنهم هم الّذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكّانها (3) اولئك هم الأفضلون عند اللّه عزّ و جلّ. (4)

____________

(1) الشباك (بكسر الشين) جمع الشبكة التي يصاد بها.

(2) الفخاخ (بكسر الفاء) جمع الفخّ و هي المصيدة.

(3) السكّان (بفتح السين المهملة و تشديد الكاف): الدفّة و هي آلة أهمّ أجزائها خشبة عريضة تجعل في مؤخّر السفينة لإمالتها من جهة إلى اخرى.

(4) الاحتجاج: 455 و عنه البحار ج 2/ 6 ح 12 و عن تفسير الامام العسكري (عليه السلام).

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

الباب الخامس في عبادته (عليه السلام)

1- الشيخ الطوسي في «أماليه»: عن أبي محمد الفحام، قال: حدّثني عمّي عمر بن يحيى قال: حدّثنا كافور (1) الخادم قال: قال لي الامام عليّ بن محمد (عليهما السلام): اترك لي السطل الفلاني في الموضع الفلاني لأتطهّر للصلاة، و أنفذني في حاجة و قال: إذا عدت فافعل ذلك ليكون معدّا إذا تأهّبت للصلاة فاستلقى لينام و أنسيت ما قاله لي و كانت ليلة باردة فحسست به و قد قام الى الصلاة و ذكرت أنّني لم أترك السطل، فبعدت عن الموضع خوفا من لومه و تألّمت له حيث يسعى يطلب الاناء (2) فناداني نداء مغضب، فقلت: إنّا للّه أيش عذري أن أقول نسيت مثل هذا و لم أجد بدّا من إجابته.

فجئت مرعوبا فقال لي: يا ويلك أ ما عرفت رسمي أنّني لا اتطهّر إلّا بماء بارد فسخنت لي ماء و تركته في السطل، قلت و اللّه يا سيّدي ما تركت السطل و لا الماء، قال: الحمد للّه و اللّه لا تركنا رخصة و لا رددنا منحة، الحمد للّه الذي جعلنا من أهل طاعته و وفّقنا للعون على عبادته، إنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله)

____________

(1) كافور الخادم: ذكره الشيخ الطوسي في رجاله و وثّقه و عدّه من أصحاب الامام الهادي (عليه السلام) معجم رجال الحديث ج 14/ 102-.

(2) في البحار: حيث يشقى يطلب الماء.

36

يقول: إنّ اللّه يغضب على من لا يقبل رخصة (1).

2- محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن إبراهيم بن محمد الطاهري قال: مرض المتوكّل من خراج خرج به و أشرف منه على الهلاك، فلم يجسر أحد أن يمسه بحديدة، فنذرت امّه إن عوفي أن تحمل إلى أبي الحسن عليّ بن محمد (عليهما السلام) مالا جليلا من مالها، و قال له الفتح بن خاقان‏ (2): لو بعثت إلى هذا الرجل يعني أبا الحسن (عليه السلام) فسألته فإنّه لا يخلو أن يكون عنده صفة شي‏ء يفرّج اللّه بها عنك، فبعث إليه و وصف إليه علّته فردّ إليه الرسول بأن يؤخذ كسب‏ (3) الشاة فيداف‏ (4) بماء الورد فيوضع عليه فلمّا رجع الرسول و أخبرهم أقبلوا يهزءون من قوله، فقال له الفتح: هو و اللّه أعلم بما قال، و أحضر الكسب و عمل كما قال، و وضع عليه فغلبه النوم و سكن، ثم انفتح و خرج منه ما كان فيه و بشّرت امّه بعافيته، فحملت إليه عشرة آلاف دينار تحت خاتمها.

ثمّ استقل من علته‏ (5) فسعى إليه البطحائي العلوي بأنّ أموالا تحمل إليه و سلاحا، فقال لسعيد الحاجب: اهجم عليه بالليل و خذ ما تجده عنده من الاموال و السلاح و احمله إليّ.

____________

(1) أمالي الطوسي ج 1/ 304، و عنه البحار ج 50/ 126 ح 4، و أورده ابن شهرآشوب في المناقب ج 4/ 414 مختصرا.

(2) الفتح بن خاقان بن أحمد أبو محمد الاديب الشاعر فارسي الاصل من ابناء الملوك، استوزره المتوكّل العباسي و جعل له إمارة الشام على أن ينيب عنه قتل سنة (247)- الاعلام ج 5/ 331-.

(3) الكسب (بضم الكاف): عصارة الدهن.

(4) فيداف: فيخلط و يبلّ.

(5) في بعض النسخ: من غلّته.

37

قال إبراهيم بن محمد فقال لي سعيد الحاجب: صرت إلى داره بالليل و معي سلّم فصعدت السطح، فلمّا نزلت على بعض الدرج في الظلمة لم أدر كيف أصل إلى الدار فناداني: يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة، فلم ألبث أن أتوني بشمعة، فنزلت فوجدت عليه جبّة صوف و قلنسوة منها و سجّادة على حصير بين يديه فلم أشك أنّه كان يصلّي، فقال لي: دونك البيوت، فدخلتها و فتّشتها فلم أجد فيها شيئا و وجدت البدرة في بيته مختومة بخاتم أمّ المتوكّل و كيسا مختوما و قال لي: دونك المصلّى فرفعته فوجدت سيفا في جفن غير ملبس، فأخذت ذلك و صرت إليه فلمّا نظر إلى خاتم أمّه على البدرة بعث إليها فخرجت إليه.

فأخبرني بعض خدم الخاصّة: أنها قالت له: كنت قد نذرت في علتك لمّا آيست منك إن عوفيت حملت من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها إليه و هذا خاتمي على الكيس، و فتح الكيس فاذا فيه اربعمائة دينار فضمّ إلى البدرة بدرة اخرى و أمرني بحمل ذلك إليه فحملته و رددت السيف و الكيسين و قلت له: يا سيّدي عزّ عليّ بدخول دارك بغير إذنك و لكنّني مأمور فقال لي يا سعيد:

وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ (1). (2)

3- محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد عن بعض اصحابه عن أبي هاشم الجعفري قال: دخلت على أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام)

____________

(1) سورة الشعراء: 227.

(2) الكافي ج 1/ 499 ح 4 و أخرجه في البحار ج 50/ 198 ح 10 عن اعلام الورى: 344 عن محمد ابن يعقوب، و ارشاد المفيد: 329 باسناده عن الكليني، و الخرائج: 238 و دعوات الراوندي: 202 ح 555، و صدره في البحار ج 62/ 191 ح 2 عن الدعوات، و في كشف الغمّة ج 2/ 378 عن الارشاد و رواه ابن شهرآشوب في مناقبه ج 4/ 415 مختصرا، و المالكي في الفصول المهمّة: 281.

38

فجاء صبيّ من صبيانه فناوله وردة فقبّلها و وضعها على عينيه ثمّ ناولنيها ثمّ قال:

من تناول وردة أو ريحانة فقبّلها و وضعها على عينيه ثم صلّى على محمد و آل محمد- الائمّة- (صلوات اللّه عليهم) كتب اللّه له من الحسنات مثل رمل عالج‏ (1) و محى عنه من السيّئات مثل ذلك‏ (2).

____________

(1) العالج: اسم موضع كثير الرمل.

(2) الكافي ج 6/ 525 ح 5، و عنه الوسائل ج 1/ 460 ح 1.

39

الباب السادس في ورعه (عليه السلام)

1- محمد بن يعقوب، عن الحسين بن الحسن الحسني، قال: حدّثني أبو الطيّب المثنى، يعقوب بن ياسر، قال: كان المتوكل يقول: و يحكم قد أعياني أمر ابن الرضا (1) (عليه السلام)، أبى أن يشرب معي أو ينادمني، أو أجد منه فرصة في هذا، فقالوا له: فإن لم تجد منه فهذا أخوه موسى قصّاف عزّاف‏ (2) يأكل و يشرب و يتعشّق قال: ابعثوا إليه فجيئوا به حتى نموّه‏ (3) به على الناس و نقول:

ابن الرضا فكتب إليه و أشخص مكرما و تلقّاه جميع بني هاشم و القوّاد و الناس على أنّه إذا وافى أقطعه قطيعة (4) و بنى له فيها و حوّل الخمّارين و القيان‏ (5) إليه و وصله و بره و جعل له منزلا سريا (6) حتى يزوره هو فيه فلمّا وافى موسى‏ (7) تلقاه أبو الحسن (عليه السلام) في قنطرة وصيف و هو موضع يتلقى فيه القادمون،

____________

(1) المراد بابن الرضا (عليه السلام) هو أبو الحسن الثالث الامام الهادي (عليه السلام).

(2) القصّاف: النديم المقيم في الاكل و الشرب، و العزاف: اللعّاب بالملاهي كالعود و الطنبور.

(3) اي نسمّي بابن الرضا حتى يزعم الناس أنّه أبو الحسن (عليه السلام).

(4) أي أعطاه قطعة من أراضي الخراج حتى يعمرها و يسكنها.

(5) القيان (بكسر القاف جمع القينة بفتحها): الجارية المغنّية.

(6) السريّ: العليّ.

(7) موسى الملقّب بالمبرقع.

40

فسلّم عليه و وفّاه حقّه، ثمّ قال له: إنّ هذا الرجل قد أحضرك ليهتك و يضع منك فلا تقرّ له أنّك شربت نبيذا قطّ، فقال له موسى: فاذا كان دعاني لهذا فما حيلتي؟ قال: فلا تضع من قدرك و لا تفعل فإنّما أراد هتكك، فأبى عليه فكرّر عليه.

فلما رأى أنّه لا يجيب قال: أما إنّ هذا مجلس لا تجتمع أنت و هو عليه أبدا فأقام ثلاث سنين، يبكر كل يوم فيقال له: قد تشاغل اليوم، فرح فيروح، فيقال: فبكّر فيبكّر فيقال: شرب دواء فما زال على هذا ثلاث سنين حتى قتل المتوكّل و لم يجتمع معه عليه. (1)

____________

(1) الكافي ج 1/ 502 ح 8 و عنه البحار ج 50/ 158 ح 49 و أخرجه في كشف الغمّة ج 2/ 381 عن ارشاد المفيد: 331 و اورده في اعلام الورى: 345 و ابن شهر اشوب في المناقب ج 4/ 409 مختصرا.

41

الباب السابع في جوده (عليه السلام)

1- ابن شهر اشوب قال: دخل أبو عمرو (1) عثمان بن سعيد، و أحمد بن إسحاق الاشعري، و علي بن جعفر الهمداني‏ (2) على أبي الحسن العسكري فشكى إليه أحمد بن إسحاق دينا عليه فقال: يا أبا عمرو- و كان وكيله- ادفع إليه ثلاثين ألف دينار و الى عليّ بن جعفر ثلاثين ألف دينار، و خذ أنت ثلاثين ألف دينار، فهذه معجزة لا يقدر عليها إلّا الملوك، و ما سمعنا بمثل هذا العطاء انتهى كلامه‏ (3).

____________

(1) أبو عمرو السمان عثمان بن سعيد العمري، و يقال له: الزيّات من اصحاب الامامين الهادي و العسكري (عليهما السلام)، ذكره الشيخ في السفراء الممدوحين و أثنى عليه و روى عدّة روايات في مدحه و جلاله و قال: خدم الامام الهادي (عليه السلام) و له إحدى عشر سنة و قال ابن شهر اشوب: كان بابا لابي جعفر الجواد (عليه السلام)، و قال العلامة في الخلاصة: إنّه كان من اصحاب أبي جعفر محمد بن علي الثاني (عليه السلام) خدمه و له احدى عشر سنة و له إليه عهد معروف، و هو ثقة جليل القدر وكيل أبي محمد (عليه السلام) و لا يخفى أنّ قول العلامة و ابن شهر اشوب لا يجتمع مع ما ذكره الشيخ الطوسي، و اللّه العالم معجم رجال الحديث ج 11/ 111-.

(2) علي بن جعفر الهمداني البرمكي عدّه الشيخ في اصحاب الامامين الهادي و العسكري (عليهما السلام) و وثقه، و عدّه في الغيبة في السفراء الممدوحين من وكلاء الامامين (عليهما السلام)- معجم رجال الحديث ج 11 ص 292-.

(3) المناقب لابن شهر اشوب ج 4/ 409 و عنه البحار ج 50/ 173 ذيل الحديث 25.

42

و قال كمال الدين بن طلحة من أعيان علماء الجمهور في «كتاب مطالب السئول» قال: و ذلك أن أبا الحسن (عليه السلام) كان يوما قد خرج من سر من رأى إلى قرية لمهمّ عرض له فجاء رجل من الاعراب يطلبه، فقيل له: قد ذهب الى الموضع الفلاني فقصده فلمّا وصل إليه، قال له: ما حاجتك؟ قال: أنا رجل من الاعراب المتمسّكين بولاء جدّك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و قد ركبني دين فادح أثقلني حمله، و لم أر من أقصد لقضائه سواك.

فقال أبو الحسن (عليه السلام) طب نفسا و قرّ عينا ثمّ أنزله فلمّا أصبح ذلك اليوم قال له (عليه السلام): اريد منك حاجة اللّه اللّه أن تخالفني فيها، فقال الاعرابي: لا اخالفك فكتب (عليه السلام) ورقة بخطّه معترفا فيها أنّ للاعرابي مالا عيّنه فيها يرجع عليّ دينه.

و قال: خذ هذا الخطّ فاذا وصلت إلى سر من رأى احضر إليّ و عندي جماعة فطالبني بما فيه و أغلظ القول عليّ في ترك إيفائك إيّاه و اللّه اللّه في مخالفتي، فقال: أفعل و أخذ الخطّ.

فلمّا وصل أبو الحسن إلى سر من رأى و حضر عنده جماعة كثيرة من أصحاب الخليفة و غيرهم حضر الاعرابي و أخرج الخطّ و طالبه و قال كما أوصاه، فألان له أبو الحسن (عليه السلام) القول، و جعل يعتذر إليه و وعده بوفائه و طيّبه نفسه.

فنقل ذلك إلى الخليفة المتوكل فأمر أن يحمل إلى أبي الحسن (عليه السلام) ثلاثون ألف دينار، فلمّا حملت إليه تركها إلى أن جاء الاعرابي، فقال:

خذ هذا المال فاقض به عن دينك و أنفق الباقي على عيالك و أهلك و أعذرنا، فقال له الاعرابي: يا ابن رسول اللّه إنّ أملي كان يقصر عن ثلث هذا، و لكن اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته و أخذ المال و انصرف، و هذه منقبة من سمع بها

43

حكم له (عليه السلام) بمكارم الاخلاق و قضى له بالمنقبة المحكوم له بشرفها بالإتقان.

و رواه المالكي أيضا في «الفصول المهمّة» من علماء العامّة أيضا (1).

____________

(1) مطالب السئول ج 2/ 76، و الفصول المهمّة: 278، و أخرجه في البحار ج 50/ 175 ح 55 عن كشف الغمّة ج 2، 374 نقلا عن مطالب السئول.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الباب الثامن حديثه (عليه السلام) مع المتوكّل في إسلام أبي طالب (عليه السلام)

1- روى عليّ بن عبد اللّه الحسني قال: ركبنا مع سيّدنا أبي الحسن (عليه السلام) الى دار المتوكّل في يوم السلام، فسلّم سيّدنا أبو الحسن (عليه السلام) و أراد أن ينهض فقال له المتوكّل: تجلس يا أبا الحسن إنّي اريد أن أسألك، فقال له (عليه السلام): سل فقال له: ما في الآخرة شي‏ء غير الجنة و النار يحلّون به الناس؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): ما يعلمه إلّا اللّه فقال له: فعن علم اللّه أسألك، و قال له: و من علم اللّه أخبرك، قال: يا أبا الحسن ما رواه الناس: إنّ أبا طالب يوقف إذا حوسب الخلائق بين الجنّة و النار و في رجله نعلان من نار يغلي منهما دماغه لا يدخل الجنّة لكفره و لا يدخل النار لكفالته رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و صدّه قريشا عنه و أيسر على يده حتى ظهر أمره.

قال له أبو الحسن (عليه السلام): ويحك لو وضع إيمان أبي طالب في كفّة و وضع إيمان الخلائق في الكفة الاخرى لرجح إيمان أبي طالب على إيمانهم جميعا.

قال له المتوكّل: و متى كان مؤمنا؟ قال له: دع ما لا تعلم و اسمع ما لا يردّه المسلمون جميعا و لا يكذّبون به، اعلم أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) حجّ حجّة الوداع فنزل بالأبطح بعد فتح مكة فلمّا جنّ عليه الليل أتى القبور قبور

46

بني هاشم و قد ذكر أباه و امّه و عمّه أبا طالب فداخله حزن شديد عظيم عليهم و رقّة.

فأوحى اللّه إليه: انّ الجنّة محرّمة على من أشرك بي و أنّي اعطيك يا محمد ما لم اعطه أحدا غيرك فادع أباك و امّك و عمّك فإنّهم يجيبونك و يخرجون من قبورهم أحياء لم يمسّهم عذابي لكرامتك عليّ فادعهم الى الإيمان و رسالتك و موالاة أخيك عليّ و الأوصياء منه إلى يوم القيامة يجيبونك و يؤمنون بك فأهب لك كلّما سألت و أجعلهم ملوك الجنة كرامة لك يا محمد.

فرجع النبي (صلى اللّه عليه و آله) إلى امير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: قم يا أبا الحسن فقد أعطاني ربّي هذه الليلة ما لم يعطه احدا من خلقه في أبي و أمي و أبيك عمّي، و حدّثه بما أوحى اللّه إليه و خاطبه به، و أخذ بيده و صار الى قبورهم فدعاهم إلى الايمان باللّه و به و آله (عليهم السلام) و الاقرار بولاية عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) و الأوصياء منه فآمنوا باللّه و برسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و الائمّة منه واحدا بعد واحد الى يوم القيامة فقال لهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: عودوا إلى اللّه ربّكم و الى الجنّة فقد جعلكم اللّه ملوكها، فعادوا إلى قبورهم فكان و اللّه أمير المؤمنين يحجّ عن أبيه و أمّه و عن أب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و امّه حتى مضى و وصّى الحسن و الحسين (عليهما السلام) بمثل ذلك، و كلّ امام منّا يفعل ذلك إلى أن يظهر القائم أمره‏ (1).

فقال له المتوكّل: قد سمعت هذا الحديث و سمعت أنّ أبا طالب في ضحضاح من نار، فتقدر يا أبا الحسن أن تريني أبا طالب بصفته حتى أقول له‏

____________

(1) في مدينة المعاجز: إلى أن يظهر اللّه أمره.

47

و يقول لي؟

فقال أبو الحسن (عليه السلام): إنّ اللّه سيريك أبا طالب في منامك الليلة و تقول له و يقول لك، قال له المتوكّل: سيظهر صدق ما تقول، فإن كان حقا صدّقتك في كلّ ما تقول، قال له ابو الحسن (عليه السلام): ما أقول لك إلّا حقّا و لا تسمع منّي إلّا صدقا.

قال له المتوكّل: أ ليس في هذه الليلة في منامي؟ قال له: بلى قال: فلمّا أقبل الليل قال المتوكّل: اريد أن لا أرى أبا طالب الليلة في منامي فأقتل عليّ بن محمد بادّعائه الغيب و كذبه فما ذا أصنع، فما لي إلّا أن اشرب الخمر و آتي الذكور من الرجال و الحرام من النساء، فلعلّ أبا طالب لا يأتيني، ففعل ذلك كلّه و بات في جنابات فرأى أبا طالب في النوم فقال له: يا عمّ حدّثني كيف كان إيمانك باللّه و رسوله بعد موتك؟ فقال: ما حدّثك به ابني عليّ بن محمد في يوم كذا و كذا فقال: يا عمّ تشرحه لي فقال له أبو طالب: فإن لم أشرحه لك تقتل عليّا؟ و اللّه قاتلك، فحدّثه فأصبح فأخّر أبا الحسن (عليه السلام) ثلاثا لا يطلبه و لا يسأله.

فحدّثنا أبو الحسن (عليه السلام) بما رآه المتوكّل في منامه و ما فعله من القبائح لئلّا يرى أبا طالب في نومه، فلمّا كان بعد ثلاث أحضره، فقال له: يا أبا الحسن قد حلّ لي دمك، فقال له: و لم؟ قال في ادّعائك الغيب و كذبك على اللّه، أ ليس قلت لي: إني أرى أبا طالب في منامي تلك الليلة فأقول له و يقول لي فتطهّرت و تصدّقت و صلّيت و عقبت لكي ارى أبا طالب في منامي فأسأله فلم أره في ليلتي و عملت هذه الاعمال الصالحة في الليلة الثانية و الثالثة فلم أره فقد حلّ لي قتلك و سفك دمك.

فقال له أبو الحسن (عليه السلام): يا سبحان اللّه ويحك ما أجرأك على اللّه‏

48

ويحك سوّلت لك نفسك اللوّامة حتى أتيت الذكور من الغلمان و المحرّمات من النساء و شربت الخمر لئلّا ترى أبا طالب في منامك فتقتلني، فأتاك فقال لك و قلت له: و قصّ عليه ما كان بينه و بين أبي طالب في منامه حتى ما غادر منه حرفا (1) فأطرق المتوكّل ثمّ قال: كلّنا بنو هاشم و سحركم يا آل أبي طالب من دوننا عظيم، فنهض عنه أبو الحسن (عليه السلام). (2)

____________

(1) في مدينة المعاجز: حتى لم يغادر منه حرفا.

(2) هداية الحضيني: 65.

49

الباب التاسع في صبره (عليه السلام) و مقامات له مع المتوكّل‏

1- الطبرسي في «اعلام الورى» قال: ذكر ابن جمهور قال: حدّثني سعيد بن سهل قال: رفع زيد بن موسى‏ (1) إلى عمر بن الفرج‏ (2) مرارا يسأله أن يقدّمه على ابن أخيه و يقول: إنّه حدث و أنا عمّ أبيه، فقال عمر ذلك لأبي الحسن (عليه السلام) فقال: افعل واحدة أقعدني غدا قبله ثمّ أنظر، فلمّا كان من الغد أحضر عمر أبا الحسن (عليه السلام) فجلس في صدر المجلس، ثمّ أذن لزيد بن موسى فدخل، فجلس بين يدي أبي الحسن (عليه السلام) فلمّا كان يوم الخميس أذن لزيد بن موسى قبله، فجلس في صدر المجلس ثمّ أذن لابي الحسن (عليه السلام) فدخل فلمّا رآه زيد قام من مجلسه و أقعده في مجلسه و جلس بين يديه، فأشخص أبا الحسن (عليه السلام) المتوكّل من المدينة إلى سر من رأى، و كان السبب في ذلك أنّ عبد اللّه بن محمد و كان و الي المدينة سعي به إليه، فكتب إليه‏

____________

(1) زيد بن موسى الكاظم (عليه السلام)، كان معروفا بزيد النار لأنه خرج بالمدينة و أحرق و قتل فبعث إليه المأمون فاسر و حمل إليه فقال: اذهبوا به إلى أبي الحسن (عليه السلام) ... الى آخر ما روى الصدوق في العيون الباب (58) ح 3 و روى أيضا أنّ زيد بن موسى كان ينادم المنتصر و كان في لسانه فضل، و كان زيديّا- معجم رجال الحديث ج 7/ 359 رقم 4886-.

(2) عمر بن الفرج الرّخجي: كان عامل المتوكّل العباسي في المدينة و مكّة، ضيّق على العلويّين و منع الناس عن اكرامهم و كان يعاقب من برّهم و أحسن إليهم- مقاتل الطالبيين: 396 ط النجف-.

50

المتوكّل كتابا يدعو به فيه إلى حضور العسكر على جميل من القول، فلمّا وصل الكتاب إليه (عليه السلام) تجهز للرحيل و خرج مع يحيى بن هرثمة (1) حتى وصل إلى سر من رأى فلمّا وصل إليها تقدّم المتوكل ان يحجب عنه في منزل في خان يعرف بخان الصعاليك، فأقام فيه يومه ثمّ تقدّم المتوكّل بافراد دار له فانتقل إليها. (2)

2- محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد اللّه عن محمد بن يحيى‏ (3)، عن صالح بن سعيد، قال:

دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك في كلّ الامور أرادوا إطفاء نورك و التقصير بك، حتى أنزلوك هذا الخان الاشنع خان الصعاليك‏ (4)؟ فقال (عليه السلام): هاهنا أنت يا ابن سعيد (5)؟ ثمّ أومأ بيده و قال:

انظر، فنظرت فاذا أنا بروضات آنقات و روضات باسرات‏ (6) فيهن خيرات‏ (7) و ولدان كأنهنّ اللؤلؤ المكنون‏ (8)، و أطيار و ظباء و أنهار تفور، فحار بصري‏

____________

(1) يحيى بن هرثمة: يستفاد من حديث رواه الاربلي في كشف الغمّة ج 3 أنّه كان من الحشويّة ثم رجع و تشيّع على يدي أبي الحسن الثالث و تشهّد بالتوحيد و النبوة و الإمامة و قال: كنت كافرا فأسلمت الآن على يديك.

(2) إعلام الورى: 347 و روى ذيله في ارشاد المفيد: 333، و الفصول المهمّة: 281.

(3) في البحار: محمّد بن بحر، إن كان هو الصواب فيحتمل أنّه كان من أصحاب الامام الهادي (عليه السلام) كما في رجال البرقي.

(4) الصعلوك: الفقير، أو اللّص.

(5) هاهنا أنت: أي أنت في هذا المقام من معرفتنا فتظنّ أنّ هذه الامور تنقّص من قدرنا.

(6) الآنقات: المفرّحات، و الباسرات: الغاضّات.

(7) الخيرات (بسكون الياء المثنّاة المخفّفة) مخفّف الخيّرات بالياء المشدّدة.

(8) اي كأنهنّ لؤلؤ مصون عمّا يضرّ به في الصفاء.