الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - ج2

- عبد الرحمن السهيلي المزيد...
447 /
5

[مقدمة المحقق‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و به نستعين الحمد للّه و الصلاة و السلام على خاتم النبيين، و سيد ولد آدم أجمعين، محمد (صلوات اللّه و سلامه عليه) و على آله الذين اهتدوا بهديه إلى يوم الدين.

«أما بعد» فباسم اللّه نقدم الجزء الثانى من «الروض الأنف» للسهيلى و السيرة النبوية لابن هشام، سائلين اللّه أن يعين على التمام، و أن يجعل عملنا هذا صالحة عنده. إنه سميع مجيب.

القاهرة- حلوان- مدينة الزهراء

19 من رمضان سنة 1387

20 من ديسمبر سنة 1967

عبد الرحمن الوكيل‏

6

[ «أمهات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)»:]

«أمهات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)»:

قال ابن هشام: فولد عبد اللّه بن عبد المطلب رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- سيّد ولد آدم، محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، صلوات اللّه و سلامه و رحمته و بركاته عليه و على آله. و أمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر.

و أمها: برّة بنت عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار بن قصىّ بن كلاب ابن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر.

و أم برّة: أمّ حبيب بنت أسد بن عبد العزّى بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر.

و أم أم حبيب: برّة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدىّ بن كعب ابن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.

قال ابن هشام: فرسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- أشرف ولد آدم حسبا، و أفضلهم نسبا من قبل أبيه، و أمه (صلى الله عليه و سلم).

[ «حديث مولد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)». إشارة إلى ذكر احتفار زمزم:]

«حديث مولد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)».

إشارة إلى ذكر احتفار زمزم:

قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال:

و كان من حديث رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- ما حدثنا به زياد بن عبد اللّه البكّائى، عن محمد بن إسحاق المطّلبى: بينما عبد المطّلب بن هشام نائم فى الحجر، إذ أتى، فأمر بحفر زمزم، و هى دفن بين صنمى قريش: إساف و نائلة، عند

7

منحر قريش. و كانت جرهم دفنتها حين ظعنوا من مكة، و هى: بئر إسماعيل ابن إبراهيم- (عليهما السلام)- التي سقاه اللّه حين ظمئ و هو صغير، فالتمست له أمّه ماء فلم تجده، فقامت إلى الصّفا تدعو اللّه، و تستغيثه لإسماعيل، ثم أتت المروة ففعلت مثل ذلك. و بعث اللّه تعالى جبريل (عليه السلام)، فهمز له بعقبه فى الأرض، فظهر الماء، و سمعت أمه أصوات السّباع فخافتها عليه، فجاءت تشتدّ نحوه، فوجدته يفحص بيده عن الماء من تحت خدّه و يشرب، فجعلته حسيّا [الحسى: الحفيرة الصغيرة].

[أمر جرهم، و دفن زمزم‏]

أمر جرهم، و دفن زمزم قال ابن هشام: و كان من حديث جرهم، و دفنها زمزم، و خروجها من مكة، و من ولى أمر مكة بعدها إلى أن حفر عبد المطلب زمزم، ما حدثنا به زياد بن عبد اللّه البكّائى عن محمد بن إسحاق المطّلبىّ، قال: لما توفى إسماعيل ابن إبراهيم ولى البيت بعده ابنه نابت بن إسماعيل- ما شاء اللّه أن يليه- ثم ولى البيت بعده: مضاض بن عمرو الجرهميّ:

____________

(باب مولد النبيّ (صلى الله عليه و سلم)) ذكر نسب أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، و أن زهرة هو: ابن كلاب، و فى المعارف لابن قتيبة: أن زهرة اسم امرأة عرف بها بنو زهرة، و هذا منكر غير معروف، و إنما هو اسم جدهم- كما قال ابن إسحاق و الزّهرة فى اللغة: إشراق فى اللون، أى لون كان من بياض أو غيره، و زعم بعضهم أن الأزهر هو الأبيض خاصّة، و أن الزهر اسم للأبيض من النّوّار،

8

قال ابن هشام: و يقال: مضاض بن عمرو الجرهميّ.

قال ابن إسحاق: و بنو إسماعيل، و بنو نابت مع جدّهم: مضاض بن عمرو و أخوالهم من جرهم، و جرهم و قطوراء يومئذ أهل مكة، و هما ابنا عمّ، و كانا ظعنا من اليمن، فأقبلا سيّارة، و على جرهم: مضاض بن عمرو، و على قطوراء:

السّميدع رجل منهم. و كانوا إذا خرجوا من اليمن لم يخرجوا إلا و لهم ملك يقيم أمرهم. فلما نزلا مكة رأيا بلدا ذا ماء و شجر، فأعجبهما فنزلا به. فنزل مضاض بن عمرو بمن معه من جرهم بأعلى مكة بقعيقعان، فما حاز. و نزل السّميدع بقطوراء، أسفل مكة بأجياد، فما حاز. فكان مضاض يعشر من دخل مكة من أعلاها، و كان السّميدع يعشر من دخل مكة من أسفلها، و كلّ فى قومه لا يدخل واحد منهما على صاحبه. ثم إن جرهم و قطوراء بغى بعضهم‏

____________

و خطّأ أبو حنيفة من قال بهذا القول، و قال: إنما الزّهرة إشراق فى الألوان كلها، و أنشد فى نور الحوذان، و هو أصفر:

ترى زهر الحوذان حول رياضه‏* * * يضى‏ء كلون الأتحمىّ المورّس‏ (1)

و فى حديث يوم أحد: نظرت إلى رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و عيناه تزهران تحت المغفر.

____________

(1) الحوذان: نبات عشبى من ذوات الفلقتين. منه أنواع زرع لزهرها، و أخرى تنبت برية، و يقال: تحم الثوب: و شاه، و الأتحمى و الأتحمية، و المتحمة- بضم الميم و سكون التاء و فتح الحاء، أو بفتح التاء و تضعيف الحاء مع فتح- برد. و ورّس الثوب: صبغه بالورس، و هو نبت من الفصيلة البقلية، و هى شجرة ثمرتها قرن مغطى عند نضجه بغدد حمراء، كما يوجد عليه زغب قليل يستعمل لتلوين الملابس الحريرية لاحتوائه على مادة حمراء.

9

على بعض، و تنافسوا الملك بها، و مع مضاض يومئذ: بنو إسماعيل و بنو نابت، و إليه ولاية البيت دون السّميدع. فسار بعضهم إلى بعض، فخرج مضاض ابن عمرو من قعيقعان فى كتيبته سائرا إلى السّميدع، و مع كتيبته عدّتها من الرّماح و الدّرق و السّيوف و الجعاب، يقعقع بذلك معه، فيقال: ما سمّى قعيقعان بقعيقعان إلا لذلك. و خرج السّميدع من أجياد، و معه الخيل و الرجال، فيقال:

ما سمى أجياد: أجيادا إلا لخروج الجياد من الخيل مع السّميدع منه. فالتقوا بفاضح، و اقتتلوا قتالا شديدا، فقتل السّميدع، و فضحت قطوراء. فيقال:

ما سمّى فاضح فاضحا إلا لذاك. ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح، فساروا حتى نزلوا المطابخ: شعبا بأعلى مكة، و اصطلحوا به، و أسلموا الأمر إلى مضاض.

فلما جمع إليه أمر مكة، فصار ملكها له نحر للناس فأطعمهم، فاطّبخ الناس و أكلوا، فيقال: ما سمّيت المطابخ: المطابخ إلا لذلك. و بعض أهل العلم يزعم أنها إنما سمّيت المطابخ، لما كان تبّع نحر بها، و أطعم، و كانت منزله، فكان الذي كان بين مضاض و السّميدع أول بغى كان بمكة فيما يزعمون.

ثم نشر اللّه ولد إسماعيل بمكة، و أخوالهم من جرهم ولاة البيت و الحكام بمكة، لا ينازعهم ولد إسماعيل فى ذلك لخئولتهم و قرابتهم، و إعظاما للحرمة أن يكون بها بغى أو قتال. فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل انتشروا فى البلاد، فلا يناوءون قوما إلا أظهرهم اللّه عليهم بدينهم فوطئوهم.

____________

زمزم: و ذكر فيه خبر إسماعيل، و أمّه، و قد تقدم طرف منه. و ذكر أن جبريل- (عليه السلام)- همز بعقبه فى موضع زمزم، فنبع الماء، و كذلك زمزم‏

10

[استيلاء كنانة و خزاعة على البيت و نفى جرهم‏]

استيلاء كنانة و خزاعة على البيت و نفى جرهم‏

[ «بنو بكر يطردون جرهما»]

«بنو بكر يطردون جرهما»

ثم إن جرهما بغوا بمكة، و استحلّوا خلالا من الحرمة، فظلموا من دخلها من غير أهلها، و أكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، فرقّ أمرهم. فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، و غبشان من خزاعة ذلك، أجمعوا لحربهم و إخراجهم من مكة. فاذنوهم بالحرب فاقتتلوا، فغلبتهم بنو بكر و غبشان، فنفوهم من مكة. و كانت مكة فى الجاهليّة لا تقرّ فيها ظلما و لا بغيا، و لا يبغى فيها أحد إلا أخرجته، فكانت تسمى: النّاسّة، و لا يريدها ملك يستحلّ حرمتها إلا هلك مكانه، فيقال: إنها ما سمّيت ببكّة إلا أنها كانت تبكّ أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها شيئا.

قال ابن هشام: أخبرنى أبو عبيدة: أن بكة اسم لبطن مكة؛ لأنهم يتباكّون فيها، أى: يزدحمون، و أنشدنى:

إذا الشّريب أخذته أكّه‏* * * فخلّه حتى يبكّ بكّه‏

أى: فدعه حتى يبكّ إبله، أى يخلّيها إلى الماء، فتزدحم عليه، و هو موضع البيت و المسجد. و هذان البيتان لعامان بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم.

____________

تسمى: همزة جبريل بتقديم الميم على الزاى، و يقال فيها أيضا: هزمة جبريل، لأنها هزمة (1) فى الأرض، و حكى فى اسمها: زمازم و زمزم. حكى ذلك عن المطرز، و تسمى أيضا: طعام طعم، و شفاء سقم. و قال الجربىّ: سميت:

____________

(1) فى النهاية لابن الأثير: الهزمة: النقرة فى الصدر، و فى التفاحة إذا غمزتها بيدك: و هزمت البئر إذا حفرتها.

11

قال ابن إسحاق: فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمىّ بغزالى الكعبة و بحجر الركن، فدفنهما فى زمزم، و انطلق هو و من معه من جرهم إلى اليمن، فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة و ملكها حزنا شديدا، فقال عمرو ابن الحارث بن مضاض فى ذلك، و ليس بمضاض الأكبر:

و قائلة و الدمع سكب مبادر* * * و قد شرقت بالدمع منها المحاجر

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا* * * أنيس و لم يسمر بمكّة سامر

فقلت لها و القلب منىّ كأنما* * * يلجلجه بين الجناحين طائر

بلى نحن كنّا أهلها، فأزالنا* * * صروف اللّيالى، و الجدود العواثر

و كنّا ولاة البيت من بعد نابت‏* * * نطوف بذاك البيت، و الخير ظاهر

و نحن ولينا البيت من بعد نابت‏* * * بعزّ، فما يحظى لدينا المكاثر

ملكنا فعزّزنا فأعظم بملكنا* * * فليس لحىّ غيرنا ثمّ فاخر

أ لم تنكحوا من خير شخص علمته‏* * * فأبناؤه منّا، و نحن الأصاهر

فإن تنثن الدّنيا علينا بحالها* * * فإنّ لها حالا، و فيها التّشاجر

فأخرجنا منها المليك بقدرة* * * كذلك- يا للنّاس- تجرى المقادر

أقول إذا نام الخلىّ، و لم أنم‏* * * : إذا العرش: لا يبعد سهيل و عامر

و بدّلت منها أوجها لا أحبّها* * * قبائل منها حمير و يحابر

____________

زمزم، بزمزمة الماء، و هى صوته، و قال المسعودى: سمّيت زمزم؛ لأن الفرس كانت تحج إليها فى الزمن الأوّل، فزمزمت عليها. و الزّمزمة: صوت يخرجه الفرس من خياشيمها عند شرب الماء. و قد كتب عمر- رضى اللّه عنه- إلى عماله: أن انهوا الفرس عن الزّمزمة، و أنشد المسعودى:

12

و صرنا أحاديثا و كنّا بغبطة* * * بذلك عضّتنا السّنون الغوابر

فسحّت دموع العين تبكى لبلدة* * * بها حرم أمن، و فيها المشاعر

و تبكى لبيت ليس يؤذى حمامه‏* * * يظلّ به أمنا، و فيه العصافر

و فيه وحوش- لا ترام- أنيسة* * * إذا خرجت منه، فليست تغادر

قال ابن هشام: «فأبناؤه منا»، عن غير ابن إسحاق.

قال ابن إسحاق: و قال عمرو بن الحارث أيضا يذكر بكرا و غبشان، و ساكنى مكة الذين خلفوا فيها بعدهم:

يا أيها النّاس سيروا إن قصركم‏* * * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا

حثّوا المطىّ، و أرخوا من أزمّتها* * * قبل الممات، و قضّوا ما تقضّونا

كنّا أناسا كما كنتم، فغيّرنا* * * دهر، فأنتم كما كنّا تكونونا

قال ابن هشام: هذا ما صحّ له منها. و حدثني بعض أهل العلم بالشعر:

أن هذه الأبيات أوّل شعر قيل فى العرب، و أنها وجدت مكتوبة فى حجر باليمن، و لم يسمّ لى قائلها.

____________

زمزمت الفرس على زمزم‏* * * و ذاك فى سالفها الأقدم‏ (1)

____________

(1) الزمزمة أيضا: تراطن الفرس على أكلهم، و هم صموت لا يستعملون اللسان و لا الشفة، لكنه صوت تديره فى خياشيمهم و حلوقهم، فيفهم بعضهم عن بعض.

و البيت فى ص 242 ج 1 المسعودى. و نص قول المسعودى: «كانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام، و تطوف به تعظيما له، و لجدها إبراهيم (عليه السلام) و تمسكا بهديه، و حفظا لأنسابها، و كان آخر من حج منهم: ساسان بن بابك.

13

..........

____________

و ذكر البرقي عن ابن عباس- رضى اللّه عنه- أنها سميت: زمزم لأنها زمّت بالتراب؛ لئلا يأخذ الماء يمينا و شمالا، و لو تركت لساحت على الأرض حتى تملأ كلّ شي‏ء. و قال ابن هشام: و الزمزمة عند العرب: الكثرة و الاجتماع قال الشاعر:

و باشرت معطنها المدهثما* * * و يمّمت زمزومها المزمزما (1)

سبب نزول هاجر و إسماعيل مكة: المدهثم: اللّيّن، و كان سبب إنزال هاجر و ابنها إسماعيل بمكة و نقلها إليها من الشام أنّ سارّة بنت عمّ إبراهيم- (عليه السلام)- شجر بينها و بين هاجر أمر، و ساء ما بينهما، فأمر إبراهيم أن يسير بها إلى مكة، فاحتملها على البراق‏ (2) و احتمل معه قربة بماء و مزود تمر، و سار بها

____________

(1) فى الأصل: المدهشم، و هو خطأ. و المعطن هو للابل كالوطن للناس و لكنه غلب على مبركها. و الزمزوم: الجماعة من الإبل عددها مائة. و قد ذكر اللسان عن ابن برى أن زمزم لها اثنا عشر اسما: زمزم، مكتومة، مضنونة، شباعة «بضم الشين و فتح الباء» سقيا «بضم السين و سكون القاف» الرّواء: «بفتح الراء و الواو» ركضة جبريل، هزمة جبريل، شفاء سقم، طعام طعام، حفيرة عبد المطلب. أقول:

و ذكر لها اسم آخر هو برّة. و فى اللسان أيضا: الزمزمة بكسر الزاى: الجماعة من الناس، و فرس يزمزم فى صوته إذا كان يطرب.

(2) لم يرد له ذكر فى المرويات الصحيحة، و لم يرد فى حديث يعتد به أن إبراهيم حمل هاجر إلى هنالك ليرضى سارة، بل الذي ورد أنه حملها بأمر اللّه ليقضى اللّه أمره سبحانه. و ليس إبراهيم بالرجل الذي يضع أمر امرأته فوق أمر ربه، أو يرتكب مثل هذا ترضية لامرأته.

14

..........

____________

حتى أنزلها بمكة فى موضع البيت‏ (1)، ثم ولىّ راجعا عوده على بدئه‏ (2)، و تبعته هاجر (3) و هى تقول: اللّه أمرك أن تدعنى، و هذا الصبىّ فى هذا البلد الموحش، و ليس معنا أنيس؟! فقال: نعم، فقالت: إذا لا يضيعنا (4)، فجعلت تأكل من التّمر، و تشرب من ماء القربة، حتى نفد الماء، و عطش الصبى، و جعل ينشغ للموت‏ (5)، و جعلت هى تسعى من الصفا إلى المروة، و من المروة إلى الصفا؛ لترى أحدا، حتى سمعت صوتا عند الصّبيّ، فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غوث، ثم جاءت الصبىّ، فإذا الماء ينبع من تحت خدّه، فجعلت تغرف بيديها، و تجعل فى القربة. قال النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)-: لو تركته لكانت عينا، أو قال:

نهرا معينا، و كلمها الملك، و هو جبريل- (عليه السلام)- و أخبرها أنها مقر ابنها و ولده إلى يوم القيامة (6)، و أنها موضع بيت اللّه الحرام، ثم ماتت.

____________

(1) فى رواية للبخارى: «وضعها عند البيت عند دوحة فوق الزمزم فى أعلى المسجد، و ليس بمكة يومئذ أحد، و ليس بها ماء».

(2) كان راجعا إلى الشام.

(3) فى رواية ابن جريج: «فأدركته بكداء بفتح الكاف، أو كدى بضم الكاف و القصر.

(4) فى رواية: أنها نادته ثلاثا، و أنه أجابها فى الثالثة، و أنها قالت له:

حسبى، أو: رضيت باللّه،

(5) يشهق و يعلو صوته و ينخفض كالذى ينازع. و فى روايات: و جعلت تنظر إليه يتلوى. أو يتلبّط، أو يتلبّظ.

(6) فى رواية للبخارى: «فقال لها الملك: لا تخافوا الضّيعة، فإن هذا بيت اللّه يا بنى هذا الغلام، و أبوه، و إن اللّه لا يضيع أهله».

15

..........

____________

هاجر، و إسماعيل- (عليه السلام)- ابن عشرين سنة، و قبرها فى الحجر، و ثمّ قبر إسماعيل- (عليه السلام)- و كان الحجر قبل بناء البيت زربا لغنم إسماعيل (صلى الله عليه و سلم)(1) و يقال: إن أول بلد ميرت منه أمّ إسماعيل (عليه السلام)، و ابنها التمر: القرية التي كانت تعرف بالفرع من ناحية المدينة، و اللّه أعلم‏

قطورا و جرهم و السميدع: فصل: و ذكر نزول جرهم، و قطورا على أم إسماعيل هاجر، و جرهم: هو قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، و يقال: جرهم بن عابر، و قد قيل: إنه كان مع نوح (عليه السلام) فى السفينة، و ذلك أنه من ولد ولده، و هم من العرب العاربة، و منهم تعلم إسماعيل العربية.

و قيل: إن اللّه تعالى أنطقه بها إنطاقا، و هو ابن أربع عشرة سنة (2).

____________

(1) من زيادة أبى جهم.

(2) لقحطان ولد اسمه: جرهم. أما جدهم الأكبر، أو الأولى، فمن العرب البائدة. و لما ملك يعرب اليمن ولى أخاه جرهم بن قحطان الحجاز، و تداول ملكه بنوه بعده إلى أن أنزل إبراهيم (عليه السلام) ابنه إسماعيل. و يقول ابن قنيبة فى المعارف ص 10: و من ولد أرفخشد: يقطن، و هو أبو جرهم بن يقطن، و جرهم هو ابن عم يعرب، و كانت جرهم ممن سكن اليمن و تكلم بالعربية، ثم نزلوا مكة. فكانوا بها، و قطورا: بنو عم لهم، و يقول ابن عبد البر: «و سار جرهم بن قحطان بولده، فنزلوا مكة، فهؤلاء و نسلهم يدعون العرب العاربة، و بنو إسماعيل يسمون العرب المستعربة لأنهم تعلموا منهم و تكلموا بلغتهم» ص 14 القصد و الأمم. و فى نهاية الأرب عن بنى قحطان: «الذي عليه جمهور النسب أنهم بنو قحطان بن عامر بن شالخ»، و ذكر عن عامر أنه أصل عرب اليمن، و إليه تنسب القحطانية، ثم يقول:

قال فى العبر: «و اسمه فى التوراة: يقطن، فعرب بقحطان. و شذ بعضهم، فقال: إنه ابن قحطان بن الهميسع بن أبين بن قيدار بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم عليه‏

16

..........

____________

و أما قطورا، فهو قطورا بن كركر.

و أما السّميدع الذي ذكره، فهو السميدع بن هوثر- بثاء مثلثة- قيدها البكرى- بن لاى بن قطورا بن كركر بن عملاق، و يقال: إن الزّبّاء الملكة كانت من ذرّيته، و هى بنت عمرو بن أذينة بن ظرب بن حسّان، و بين حسان، و بين السّميدع آباء كثيرة، و لا يصح قول من قال: إن حسان ابنه لصلبه، لبعد زمن الزباء من السّميدع، و قد ذكرنا الاختلاف فى اسمها فى غير هذا الموضع، و ذكر الحارث بن مضاض الأكبر بن عمرو بن سعد بن الرّقيب بن هىّ بن بنت‏ (1) جرهم.

جياد و قعيقعار: فصل: و ذكر ولاية جرهم البيت الحرام دون بنى إسماعيل إلى أن بغوا فى الحرم، و كان أول بغى فى الحرم ما ذكره من حرب جرهم لقطورا.

و أما أجياد فلم يسمّ بأجياد من أجل جياد الخيل، كما ذكر لأن جياد الخيل لا يقال فيها: أجياد، و إنما أجياد: جمع جيد (2).

____________

- السلام. قال أبو عبيد: و ليس كذلك. قال فى العبر: و على هذا يكون جميع العرب من ولد إسماعيل (عليه السلام)، لأن عدنان و قحطان يستدعيان بطون العرب القحطانية و العدنانية» ص 396 ط 1959.

(1) هكذا فى الأصل. و فى اللسان عن ابن برى: «و يقال فى النسب: عمرو ابن الحارث بن مضاص بن هىّ بن بىّ «بفتح الهاء و الباء و تضعيف الياء فى الكلمتين ابن جرهم». و هى بن بى: كناية عمن لا يعرف، و لا يعرف أبوه، و قيل: كان من ولد آدم، ثم انقرض نسله.

(2) العنق، و جمعه أيضا: جيود. و فى اللسان: أجياد: أرض بمكة، و جبل-

17

..........

____________

و ذكر أصحاب الأخبار أن مضاضا ضرب فى ذلك الموضع أجياد مائة رجل من العمالقة، فسمى الموضع: بأجياد، و هكذا ذكر ابن هشام فى غير هذا الكتاب، و من شعب أجياد تخرج دابة الأرض التي تكلّم الناس قبل يوم القيامة، كذلك روى عن صالح مولى التّوأمة عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص‏ (1)، و ذكر غيره فى أخبار مكة أن قعيقعان سمى بهذا الاسم حين نزل تبع مكة، و نحر عندها و أطعم، و وضع سلاحه و أسلحة جنده بهذا المكان، فسمى: قعيقعان بقعقعة السّلاح فيه- و اللّه أعلم.

جرهم تسرق مال الكعبة: فصل: و ذكر استحلال جرهم لحرمة الكعبة، فمن ذلك أن إبراهيم (عليه السلام)، كان احتفر بئرا قريبة القعر عند باب الكعبة، كان يلقى فيها ما يهدى إليها، فلما فسد أمر جرهم سرقوا مال الكعبة مرّة بعد مرة، فيذكر أن رجلا منهم دخل البئر ليسرق مال الكعبة، فسقط عليه حجر من شفير البئر فحبسه فيها، ثم أرسلت على البئر حيّة لها رأس كرأس الجدى، سوداء المتن، بيضاء البطن، فكانت تهيب من دنا من بئر الكعبة، و قامت فى البئر- فيما ذكروا- نحوا من خمسمائة عام، و سنذكر قصة رفعها عند بنيان الكعبة إن شاء اللّه.

____________

قال ابن الأثير: و أكثر الناس يقولونه: جياد بكسر الجيم، و حذف الهمزة.

قال: جياد- بكسر الجيم- موضع بأسفل مكة معروف من شعابها. و بهذا يصح قول ابن هشام، أما فرس جواد، فجمعه جياد.

(1) لم يرد هذا فى حديث صحيح. و الحديث الذي فى مسلم لا يشير إلى مكان خروج هذه الدابة، و لا يذكر عنها سوى أنها دابة. و الإنسان: دابة. أما ما ورد عنها من صفات أخرى، فأكثره إسرائيليات رددها وهب بن منبه.

(م 2- الروض الأنف ج 2)

18

..........

____________

بين جرهم و خزاعة: فصل: فلما كان من بغى جرهم ما كان، و افق تفرّق سبأ من أجل سيل العرم، و نزول حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر أرض مكة، و ذلك بأمر طريفة الكاهنة، و هى امرأة عمرو بن مزيقياء (1) و هى من حمير، و بأمر عمران ابن عامر أخى عمرو، و كان كاهنا أيضا، فنزلها هو و قومه، فاستأذنوا جرهما أن يقيموا بها أياما، حتى يرسلوا الرّوّاد، و يرتادوا منزلا حيث رأوا من البلاد، فأبت عليهم جرهم، و أغضبوهم، حتى أقسم حارثة ألا يبرح مكة إلا عن قتال و غلبة، فحاربتهم جرهم، فكانت الدّولة لبنى حارثة عليهم، و اعتزلت بنو إسماعيل، فلم تكن مع أحد من الفريقين، فعند ذلك ملكت خزاعة- و هم بنو حارثة- مكة، و صارت ولاية البيت لهم، و كان رئيسهم عمرو بن لحىّ الذي تقدم ذكره قبل، فشرّد بقية جرهم، فسار فلّهم فى البلاد، و سلّط عليهم الذّرّ و الرّعاف‏ (2)، و أهلك بقيتهم السيل بإضم، حتى كان آخرهم موتا امرأة رئيت تطوف بالبيت بعد خروجهم منها بزمان، فعجبوا من طولها و عظم خلقتها، حتى قال لها قائل: أ جنّيّة أنت أم إنسية؟!، فقالت: بل إنسية من جرهم، و أنشدت رجزا فى معنى حديثهم، و استكرت بعيرا من رجلين من جهينة، فاحتملاها على‏

____________

(1) فى جمهرة «ابن حزم»: عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء ص 453. و فى الاشتقاق «لابن دريد»: ولد حارثة عامرا و هو ماء السماء، و ولد عامر عمرا «بفتح العين و سكون الميم» و هو مزيقياء» فعمرو- إذن- هو مزيقياء لا ابن مزيقياء 435.

(2) الذر: صغار النمل، و الرعاف: الدم.

19

..........

____________

البعير إلى أرض خيبر، فلما أنزلاها بالمنزل الذي رسمت لهما، سألاها عن الماء، فأشارت لهما إلى موضع الماء، فولّيا عنها، و إذا الذّرّ قد تعلّق بها، حتى بلغ خياشيمها و عينيها، و هى تنادى بالويل و الثّبور حتى دخل حلقها، و سقطت لوجهها، و ذهب الجهنيّان إلى الماء، فاستوطناه، فمن هنالك صار موضع جهينة بالحجاز و قرب المدينة، و إنما هم من قضاعة، و قضاعة: من ريف العراق.

غربة الحارث بن مضاص: فصل: رجع الحديث. و كان الحارث بن مضاض ابن عمرو بن سعد بن الرّقيب بن هىّ بن نبت بن جرهم الجرهمى قد نزل بقنونا (1) من أرض الحجاز، فضلّت له إبل، فبغاها حتى أتى الحرم، فأراد دخوله، ليأخذ إبله، فنادى عمرو بن لحىّ: من وجد جرهميّا، فلم يقتله، قطعت يده، فسمع بذلك الحارث، و أشرف على جبل من جبال مكة، فرأى إبله تنحر، و يتوزّع لحمها، فانصرف بائسا خائفا ذليلا، و أبعد فى الأرض، و هى غربة الحارث بن مضاض التي تضرب بها المثل، حتى قال الطائى:

غربة (2)تقتدى بغربة قيس ب* * * ن زهير و الحارث بن مضاض‏

و حينئذ قال الحارث الشعر الذي رسمه ابن إسحاق و هو قوله:

____________

(1) سبق هذا، و بيان الصواب فيه عن هى فى ص 15 من هذا الجزء. و قنونى «بوزن فعوعل، بفتح القاف و النون و سكون الواو» من أودية السّراة، تصب إلى البحر فى أوائل أرض اليمن، من جهة مكة قرب حلشى «بفتح فسكون» و تكتب بالياء حسب القاعدة، و لكن تركتها كما هى.

(2) غربة بفتح الغين: النوى و البعد، و بضمها: النزوح عن الوطن.

20

..........

____________

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا. الشعر، و فيه:

و نبكى لبيت ليس يؤذى حمامه‏* * * تظلّ به أمنا، و فيه العصافر (1)

أراد: العصافير، و حذف الياء ضرورة، و رفع العصافير على المعنى، أى:

و تأمن فيه العصافير، و تظل به أمنا، أى: ذات أمن، و يجوز أن يكون أمنا جمع آمن مثل: ركب جمع: راكب، و فيه: و لم يسمر بمكة سامر: السامر: اسم الجماعة يتحدثون بالليل، و فى التنزيل: (سامرا تهجرون) المؤمنون: 67 و الحجون‏ (2) بفتح الحاء على فرسخ و ثلث من مكة، قال الحميدىّ: كان سفيان ربما أنشد هذا الشعر، فزاد فيه بعد قوله: فليست تغادر:

و لم يتربّع واسطا و جنوبه‏* * * إلى السّرّ من وادى الأراكة حاضر

و أبدلنى ربّى بها دار غربة* * * بها الجوع باد، و العدوّ المحاصر (3)

____________

(1) فى السيرة: يظل بدلا من: تظل.

(2) و الحجون كما فى المراصد: بأعلى مكة عند مقبرة أهلها، و فى ياقوت عن الأصمعي: أنه الجبل المشرف الذي بحذاء مسجد البيعة على شعب الجزارين.

(3) أما واسط: فقيل: إن للعرب سبعة مواضع، يقال لكل منها: واسط، منها:

واسط نجد فى شعر خداش بن زهير، و واسط الحجاز فى شعر كثير، و واسط الجزيرة فى شعر الأخطل. و واسط اليمامة فى شعر الأعشى، و واسط العراق:

و هناك غير ذلك. و واسط أيضا بمكة. قيل: قرن كان أسفل من جمرة العقبة بين المأزمين. فضرب حتى ذهب، و قيل: تلك الناحية بركة السرى إلى العقبة، و تسمى:

واسط المقيم. و قيل إنه الجبل الذي يجلس عنده المساكين إذا ذهبت إلى منى.

و السر: بطن الوادى. و و أذى الأراك: قرب مكة. و فى معجم البلدان و نهاية الأرب ج 16 ص 34 وضع هذا بعد البيت: و صرنا أحاديثا، و روايته هكذا:-

21

..........

____________

واسط و عامر و جرهم: قال الحميدىّ: واسط: الجبل الذي يجلس عنده المساكين، إذا ذهبت إلى منى. و قوله فيه:

لا يبعد سهيل و عامر

عامر: جبل من جبال مكة، يدل على ذلك قول بلال رضى اللّه عنه: و هل يبدون لى عامر و طفيل‏ (1). على رواية من رواه هكذا، و جرهم هذا هو الذي تتحدّث بها العرب فى أكاذيبها، و كان من خرافاتها فى الجاهلية أن جرهما ابن لملك أهبط من السماء لذنب أصابه، فغضب عليه من أجله، كما أهبط هاروت و ماروت، ثم ألقيت فيه الشهوة، فتزوج امرأة، فولدت له جرهما، قال قائلهم:

لاهمّ إن جرهما عبادكا* * * الناس طرف، و هم تلادكا

[بهم قديما عمرت بلادكا] (2)

من كتاب الأمثال للأصبهانى:

____________

-

و بدلنا كعب بها دار غربة* * * بها الذئب يعوى، و العدو المكاشر

و فى مروج الذهب ج 2 ص 50: «المحاصر». و فيه بعد: «و كنا ولاة البيت» هذا البيت:

و كنا لإسماعيل صهرا و وصلة* * * و لما تدر فيها علينا الدوائر

(1) طفيل: جبل بمكة.

(2) ما بين قوسين عن الطبرى ص 285 ج 2 و هذا الرجز ينسب إلى عامر ابن الحارث، و القصيدة منسوبة فى الطبرى لعامر بن الحارث بن مضاض يقول الطبرى: إن اللّه بعث على جرهم الرعاف و النمل، فأفناهم، فاجتمعت خزاعة-

22

..........

____________

مكة و أسماؤها: فصل: و ذكر مكة و بكّة، و قد قيل فى بكّة ما ذكره من أنها تبك الجبابرة، أى تكسرهم و تقدعهم، و قيل: من التّباكّ، و هو:

الازدحام، و مكّة من تمكّكت العظم، إذا اجتذبت ما فيه من المخ، و تمكّك الفصيل ما فى ضرع الناقة، فكأنها تجتذب إلى نفسها ما فى البلاد من الناس و الأقوات التي تأتيها فى المواسم، و قيل: لما كانت فى بطن واد، فهى تمكّك الماء من جبالها و أخاشبها عند نزول المطر، و تنجذب إليها السيول، و أما قول الراجز الذي أنشده ابن هشام:

إذا الشّريب أخذته أكّة* * * فخلّه حتى يبكّ بكّة (1)

فالأكّة: الشدة، و أكاك الدهر: شدائده.

____________

- ليجلوا من بقى، فاقتتلوا، فلما أحس عامر بن الحارث بالهزيمة، خرج بغزالتى الكعبة و حجر الركن يلتمس التوبة، و هو يقول: «لاهم إن جرهما» الخ. فلم تقبل- كما فى الطبرى- توبته، فألقى غزالى الكعبة، و حجر الركن فى زمزم، كما جاء فى السيرة، ثم دفنها، و خرج من بقى من جرهم إلى أرض من أرض جهينة، فجاءهم سيل أتىّ، فذهب بهم.

(1) فى اللسان: مكّ- وزن رد- الفصيل ما فى ضرع أمه يمكّه- وزن يرد- مكّا و امتك- بفتح التاء و تضعيف الكاف- و تمكمكه، و مكمكه: امتص جميع ما فيه. و شربه كله .. و مك العظم و امتكه و تمكمكه، و تمكمكه امتص ما فيه من المخ. و الرجز المذكور لعامان بن كعب التميمى- كما ذكر ابن هشام، و فى الروض: الشريت بدلا من الشريب، و هو خطأ، و فيه يبك بدلا من تبك.

و معنى الشريب- كما فى اللسان- الذي يسقى إبله مع إبلك. يقول: فخله يورد إبله الحوض. فتباك عليه أى: تزدحم، فيسقى إبله سقية. و للأكة معان أخر.

منها: سكون الريح و ضيق الحلق و فورة شديدة فى القيظ. انظر اللسان. و تعليق الأستاذ هارون على المادة فى معجم ابن فارس.

23

..........

____________

و ذكر أنه كان يقال لها: النّاسّة، و هو من نست‏ (1) الشي‏ء إذا أذهبته، و الرواية فى الكتاب بالنون، و ذكر الخطابى [فى غريبه‏] أنه يقال لها: الباسّة أيضا بالباء، و هو من بسّت الجبال بسّا، أى: فتت و ثرّيت، كما يثرّى السّويق، قال الراجز:

لا تخبزا خبزا و بسّا بسّا (2)

يقول: لا تشتغلا بالخبز، و ثرّيا الدقيق و التقماه‏ (3). يقال: إن هذا البيت للص أعجله الهرب.

و ذكر أبو عبيدة أن الخبز: شدة السّوق، و البسّ: ألين منه، و بعده:

____________

(1) النّسس- بفتح النون- المضاء فى كل شي‏ء، و خص بعضهم به السرعة فى الورد، و هو السوق و الزجر الشديد. و فى اللسان: و أنسست الدابة: أعطشتها و الناسّة من أسماء مكة لقلة مائها، و كأنها تسوق و تدفع من يبغى بها.

(2) و بعده فى اللسان: «و لا تطيلا بمناخ حبسا». و البس: اتخاذ البسيسة و هو أن يلت السويق أو الدقيق أو الأقط المطحون بالسمن أو بالزيت، ثم يؤكل و لا يطبخ. و قال يعقوب: هو أشد من اللت بللا. و ذكر أبو عبيدة أن لصا من غطفان، أراد أن يخبز فخاف أن يعجل عن ذلك، فأكله عجينا، و لم يجعل أبو عبيدة البس من السوق اللين. و فى تعليق للأستاذ هرون على معجم ابن فارس ذكر أن الرجز للهفوان العقيلى أحد لصوص العرب. و قد فسر السهيلى البيت بما فسره به ابن فارس.

(3) ثرى الدقيق- بفتح الثاء و تضعيف الراء- صب عليه الماء. هذا و قد قيل عن بكة إنها اسم للبقعة التي فيها الكعبة، و ذهب إليه مالك و ابن عباس. و قيل اسم لها و لما حول البيت، و مكة: اسم لما وراء ذلك، و قيل: إنها المسجد و البيت و مكة اسم للحرم كله ص 601 القرى للمحب الطبرى.

24

..........

____________

ما ترك السّير لهن نسّا

و من أسماء مكة أيضا: الرأس، و صلاح، و أم رحم، و كوثى، و أما التي يخرج منها الدجال، فهى: كوثى ربّى‏ (1) و منها كانت أم إبراهيم (عليه السلام)، و قد تقدم اسمها، و أبوها هو الذي احتفر نهر كوثى، قاله الطبرى.

أسطورة: فصل: و ذكر قول الحارث بن مضاض:

يا أيها الناس سيروا إن قصركم‏* * * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا (2)

و ذكر ابن هشام أنها وجدت بحجر باليمن، و لا يعرف قائلها، و ألفيت فى كتاب أبى بحر سفيان بن العاصى خبرا لهذه الأبيات، و أسنده أبو الحرث محمد بن أحمد الجعفىّ عن عبد اللّه بن عبد السلام البصرى، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن سليمان التّمّار، قال أخبرنى ثقة عن رجل من أهل اليمامة، قال:

وجد فى بئر باليمامة ثلاثة أحجار، و هى بئر طسم وجد يس فى قرية يقال لها:

معنق، بينها و بين الحجر ميل، و هم من بقايا عاد، غزاهم تبّع، فقتلهم، فوجدوا فى حجر من الثلاثة الأحجار مكتوبا:

____________

(1) صلاح: كقطام و قد تصرف. و كوثى تكتب بالياء لا بالألف كما كان فى الروض، و فى المراصد عن كوثى: أنها ثلاثة مواضع بسواد العراق بأرض بابل و بمكة منزل بنى عبد الدار خاصة، و كوثى بالعراق فى موضعين: كوثى الطريق، و كوثى ربّى و بها مشهد إبراهيم الخليل (عليه السلام)، و هما قريتان، و بينهما تلول من رماد، يقال: إنها رماد النار التي أوقدها نمروذ لإحراقه.

(2) هى فى الطبرى ح 8 ص 285 مع تقديم و تأخير.

25

..........

____________

يا أيها الملك الذي‏* * * بالملك ساعده زمانه‏

ما أنت أول من علا* * * و علا شئون الناس شانه‏

أقصر عليك مراقبا* * * فالدهر مخذول أمانه‏

كم من أشمّ معصّب‏* * * بالتاج مرهوب مكانه‏

قد كان ساعده الزما* * * ن، و كان ذا خفض جنانه‏

تجرى الجداول حوله‏* * * للجند مترعة جفانه‏

قد فاجأته منيّة* * * لم ينجه منها اكتنانه‏

و تفرقت أجناده‏* * * عنه، و ناح به قيانه‏

و الدهر من يعلق به‏* * * يطحنه، مفترشا جرانه‏

و الناس شتّى فى الهوى‏* * * كالمرء مختلف بنانه‏

و الصّدق أفضل شيمة* * * و المرء يقتله لسانه‏

و الصمت أسعد للفتى‏* * * و لقد يشرّفه بيانه‏

و وجد فى الحجر الثانى مكتوبا أبيات:

كلّ عيش تعلّه‏* * * ليس للدهر خلّه‏

يوم بؤسى و نعمى‏* * * و اجتماع و قلّه‏

حبّنا العيش و التكا* * * ثر جهل و ضلّه‏

بينما المرء ناعم‏* * * فى قصور مظلّه‏

فى ظلال و نعمة* * * ساحبا ذيل حلّه‏

لا يرى الشمس ملغضا* * * رة إذ زلّ زلّه‏

26

..........

____________

لم يقلها، و بدّلت‏* * * عزّة المرء ذلّه‏

آفة العيش و النع* * * يم كرور الأهلّه‏

وصل يوم بليلة* * * و اعتراض بعلّه‏

و المنايا جواثم‏* * * كالصّقور المدلّه‏

بالذى تكره النف* * * وس عليها مطلّه‏

و فى الحجر الثالث مكتوبا:

يا أيّها الناس سيروا إن قصركم‏* * * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا

حثّوا المطىّ، و أرخوا من أزمّتها* * * قبل الممات و قضّوا ما تقضّونا

كنا أناسا كما كنتم فغيّرنا* * * دهر فأنتم كما كنّا تكونونا

و ذكر أبو الوليد الأزرقى فى كتابه فى فضائل مكة زيادة فى هذه الأبيات و هى:

قد مال دهر علينا ثم أهلكنا* * * بالبغى فينا و بزّ الناس ناسونا

إن التفكر لا يجدى بصاحبه‏* * * عند البديهة فى علم له دونا

قضّوا أموركم بالحزم إن لها* * * أمور رشد رشدتم ثم مسنونا

و استخبروا فى صنيع الناس قبلكم‏* * * كما استبان طريق عنده الهونا

كنا زمانا ملوك الناس قبلكم‏* * * بمسكن فى حرام اللّه مسكونا

و وجد على حائط قصير بدمشق لبنى أمية مكتوبا:

يا أيها القصر الذي كانت‏* * * تحفّ به المواكب‏

27

[استبداد قوم من خزاعة بولاية البيت‏]

استبداد قوم من خزاعة بولاية البيت قال ابن إسحاق: ثم إن غبشان من خزاعة و ليت البيت دون بنى بكر بن عبد مناة، و كان الذي يليه منهم: عمرو بن الحارث الغبشانى، و قريش إذ ذاك حلول و صرم، و بيوتات متفرّقون فى قومهم من بنى كنانة، فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم حليل بن حبشيّة بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعىّ.

قال ابن هشام: يقال حبشية بن سلول.

____________

أين المواكب و المض* * * ارب و النجائب و الجنائب‏

أين العساكر و الدّس* * * اكر و المقانب و الكتائب‏

ما بالهم لم يدفعوا* * * لما أتت عنك النّوائب‏

ما بال قصرك واهيا* * * قد عاد منهد الجوانب‏

و وجد فى الحائط الآخر من حيطانها جوابها:

يا سائلى عمّا مضى‏* * * من دهرنا و من العجائب‏

و القصر إذ أودى، فأضحى‏* * * بعد منهد الجوانب‏

و عن الجنود أولى العقو* * * د، و من بهم كنا نحارب‏

و بهم قهرنا عنوة* * * من بالمشارق و المغارب‏

و تقول: لم لم يدفعوا* * * لما أتت عنك النّوائب‏

هيهات لا ينجى من المو* * * ت الكتائب و المقانب‏

28

[تزوج قصى بن كلاب حبى بنت حليل‏]

تزوج قصى بن كلاب حبى بنت حليل قال ابن إسحاق: ثم إن قصىّ بن كلاب خطب إلى حليل بن حبشية بنته حبّى، فرغب فيه حليل فزوّجه، فولدت له عبد الدار. و عبد مناف، و عبد العزّى، و عبدا. فلما انتشر ولد قصىّ، و كثر ماله، و عظم شرفه، هلك حليل.

[ «قصى يتولى أمر البيت»:]

«قصى يتولى أمر البيت»:

فرأى قصىّ أنه أولى بالكعبة، و بأمر مكة من خزاعة و بنى بكر، و أن قريشا قرعة إسماعيل بن إبراهيم و صريح ولده. فكلّم رجالا من قريش، و بنى كنانة، و دعاهم إلى إخراج خزاعة و بنى بكر من مكة، فأجابوه. و كان ربيعة ابن حرام من عذرة بن سعد بن زيد قد قدم مكة بعد ما هلك كلاب، فتزوّج فاطمة بنت سعد بن سيل، و زهرة يومئذ رجل، و قصىّ فطيم، فاحتملهما إلى بلاده، فحملت قصيّا معها، و أقام زهرة، فولدت لربيعة رزاحا. فلما بلغ قصىّ، و صار رجلا أتى مكة، فأقام بها، فلما أجابه قومه إلى ما دعاهم إليه، كتب إلى أخيه من أمّه، رزاح بن ربيعة، يدعوه إلى نصرته، و القيام معه، فخرج رزاح بن ربيعة، و معه إخوته: حنّ بن ربيعة، و محمود بن ربيعة، و جلهمة بن ربيعه، و هم لغير أمه فاطمة، فيمن تبعهم من قضاعة فى حاجّ العرب، و هم مجمعون لنصرة قصىّ. و خزاعة تزعم أن حليل بن حبشية أوصى بذلك قصيا و أمره به حين انتشر له من ابنته من الولد ما انتشر. و قال: أنت أولى‏

____________

..........

29

بالكعبة، و بالقيام عليها، و بأمر مكّة من خزاعة، فعند ذلك طلب قصىّ ما طلب، و لم نسمع ذلك من غيرهم، فاللّه أعلم أىّ ذلك كان.

[ما كان يليه الغوث بن مر من الإجازة للناس بالحج‏]

ما كان يليه الغوث بن مر من الإجازة للناس بالحج و كان الغوث بن مرّ بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر يلى الإجازة للناس بالحجّ من عرفة، و ولده من بعده، و كان يقال له و لولده: صوفة.

و إنما ولى ذلك الغوث بن مرّ، لأن أمّه كانت امرأة من جرهم، و كانت لا تلد، فنذرت للّه إن هى ولدت رجلا: أن تصدّق به على الكعبة عبدا لها يخدمها، و يقوم عليها، فولدت الغوث، فكان يقوم على الكعبة فى الدّهر الأوّل مع أخواله من جرهم، فولى الإجازة بالناس من عرفة، لمكانه الذي كان به من الكعبة، و ولده من بعده حتى انقرضوا. فقال مرّ بن أدّ لوفاء نذر أمّه:

إنى جعلت ربّ من بنيّه‏* * * ربيطة بمكّة العليّة

فباركنّ لى بها أليّه‏* * * و اجعله لى من صالح البريّه‏

و كان الغوث بن مرّ- فيما زعموا- إذا دفع بالناس قال:

لاهمّ إنى تابع تباعه‏* * * إن كان إثم فعلى قضاعه‏

قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير عن أبيه قال:

كانت صوفة تدفع بالناس من عرفة، و تجيز بهم إذا نفروا من منى، فإذا كان يوم النّفر أتوا لرمى الجمار، و رجل من صوفة يرمى للناس، لا يرمون‏

____________

..........

30

حتى يرمى. فكان ذوو الحاجات المتعجّلون يأتونه، فيقولون له: قم فارم حتى نرمى معك، فيقول: لا و اللّه، حتى تميل الشمس، فيظلّ ذوو الحاجات الذين يحبّون التعجل يرمونه بالحجارة، و يستعجلونه بذلك، و يقولون له:

ويلك! قم فارم، فيأبى عليهم، حتى إذا مالت الشمس، قام فرمى، و رمى الناس معه.

قال ابن إسحاق: فإذا فرغوا من رمى الجمار، و أرادوا النّفر من منى، أخذت صوفة بجانبى العقبة، فحبسوا الناس و قالوا: أجيزى صوفة، فلم يجز أحد من الناس حتّى يمرّوا، فإذا نفرت صوفة و مضت، خلّى سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم، فكانوا كذلك، حتى انقرضوا، فورثهم ذلك من بعدهم بالقعدد بنو سعد بن زيد مناة بن تميم، و كانت من بنى سعد فى آل صفوان بن الحارث بن شجنة.

قال ابن هشام: صفوان بن جناب بن شجنة عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.

قال ابن إسحاق: و كان صفوان هو الذي يجيز للناس بالحجّ من عرفة، ثم بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام، كرب بن صفوان، و قال أوس بن تميم بن مغراء السّعدى:

لا يبرح النّاس ما حجّوا معرّفهم‏* * * حتى يقال: أجيزوا آل صفوانا

قال ابن هشام: هذا البيت فى قصيدة لأوس بن مغراء.

____________

..........

31

[ما كانت عليه عدوان من إفاضة المزدلفة]

ما كانت عليه عدوان من إفاضة المزدلفة و أما قول ذى الإصبع العدوانى، و اسمه: حرثان بن عمرو، و إنما سمّى ذا الإصبع؛ لأنه كان له إصبع فقطعها.

عذير الحىّ من عدوا* * * ن كانوا حيّة الأرض‏

بغى بعضهم ظلما* * * فلم يرع على بعض‏

و منهم كانت السّادا* * * ت و الموفون بالقرض‏

و منهم من يجيز النّا* * * س بالسّنّة و الفرض‏

و منهم حكم يقضى‏* * * فلا ينقض ما يقضى‏

و هذه الأبيات فى قصيدة له- فلأن الإضافة من المزدلفة كانت فى عدوان- فيما حدثني زياد بن عبد اللّه البكّائى عن محمد بن إسحاق- يتوارثون ذلك كابرا عن كابر. حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام أبو سيّارة، عميلة بن الأعزل، ففيه يقول شاعر من العرب:

نحن دفعنا عن أبى سيّاره‏* * * و عن مواليه بنى فزاره‏

حتى أجاز سالما حماره‏* * * مستقبل القبلة يدعو جاره‏

قال: و كان أبو سيارة يدفع بالناس على أتان له؛ فلذلك يقول:

سالما حماره.

____________

..........

32

..........

____________

قصى و خزاعة و ولاية البيت:

فصل: فى حديث قصى ذكر فيه أن قريشا قرعة ولد إسماعيل، هكذا بالقاف، و هى الرواية الصحيحة، و فى بعض النسخ: فرعة بالفاء، و القرعة بالقاف هى: نخبة الشى، و خياره، و قريع الإبل: فحلها، و قريع القبيلة: سيدها، و منه اشتق الأقرع بن حابس و غيره ممن سمّى من العرب بالأقرع.

و ذكر انتقال ولاية البيت من خزاعة إليه، و لم يذكر من سبب ذلك أكثر من أن قصيا رأى نفسه أحق بالأمر منهم، و ذكر غيره أن حليلا كان يعطى مفاتيح البيت ابنته حبّى، حين كبر و ضعف، فكانت بيدها، و كان قصىّ ربما أخذها فى بعض الأحيان، ففتح البيت للناس و أغلقه، و لما هلك حليل أوصى بولاية البيت إلى قصى، فأبت خزاعة أن تمضى ذلك لقصى، فعند ذلك هاجت الحرب بينه و بين خزاعة، و أرسل إلى رزاح أخيه يستنجده عليهم.

و يذكر أيضا أن أبا غبشان من خزاعة، و اسمه: سليم- و كانت له ولاية الكعبة- باع مفاتيح الكعبة من قصى بزقّ خمر، فقيل: أخسر من صفقة أبى غبشان‏ (1) ذكره المسعودى و الأصبهاني فى الأمثال.

و كان الأصل فى انتقال ولاية البيت من ولد مضر إلى خزاعة أن الحرم حين ضاق عن ولد نزار، و بغت فيه إياد أخرجتهم بنو مضر بن نزار، و أجلوهم‏

____________

(1) بضم الغين أو فتحها. و فى القاموس أيضا قصة أبى غبشان، و فيه يقول:

«ضربت به الأمثال فى الحمق و الندم و خسارة الصفقة».

33

..........

____________

عن مكة، فعمدوا فى الليل إلى الحجر الأسود، فاقتلعوه، و احتملوه على بعير فرزح البعير به، و سقط إلى الأرض، و جعلوه على آخر، فرزح أيضا، و على الثالث ففعل مثل ذلك، فلما رأوا ذلك دفنوه و ذهبوا، فلما أصبح أهل مكة، و لم يروه، و قعوا فى كرب عظيم، و كانت امرأة من خزاعة قد بصرت به حين دفن، فأعلمت قومها بذلك، فحينئذ أخذت خزاعة على ولاة البيت أن يتخلّوا لهم عن ولاية البيت، و يدلّوهم على الحجر، ففعلوا ذلك، فمن هنالك صارت ولاية البيت لخزاعة إلى أن صيّرها أبو غبشان إلى عبد مناف، هذا معنى قول الزبير.

نشأة قصى:

فصل: و ذكر أن قصيا نشأ فى حجر ربيعة بن حرام، ثم ذكر رجوعه إلى مكة، و زاد غيره فى شرح الخبر، فقال: و كان قصى رضيعا حين احتملته أمه مع بعلها ربيعة، فنشأ و لا يعلم لنفسه أبا إلا ربيعة، و لا يدعى إلا له، فلما كان غلاما يفعة أو حزوّرا (1) سابّه رجل من قضاعة، فعيّره بالدعوة، و قال:

لست منا، و إنما أنت فينا ملصق، فدخل على أمه، و قد وجم لذلك، فقالت له:

يا بنىّ صدق، إنك لست منهم، و لكن رهطك خير من رهطه، و آباؤك أشرف من آبائه، و إنما أنت قرشىّ، و أخوك و بنو عمك بمكة، و هم جيران بيت اللّه الحرام، فدخل فى سيارة حتى أتى مكة، و قد ذكرنا أن اسمه: زيد، و إنما

____________

(1) الغلام القوى.

34

..........

____________

كان قصيّا أى بعيدا عن بلده فسمى: قصيّا (1).

الغوث بن مر و صوفة:

فصل: و ذكر قصة الغوث بن مرّ، و دفعه بالناس من عرفة (2)، و قال بعض نقلة الأخبار أنّ ولاية الغوث بن مرّ كانت من قبل ملوك كندة (3).

و قوله: إن كان إثما فعلى قضاعة. إنما خصّ قضاعة بهذا؛ لأن منهم محلّين يستحلّون الأشهر الحرم، كما كانت خثعم و طىّ‏ء تفعل، و كذلك كانت النّسأة تقول إذا حرّمت صفرا أو غيره من الأشهر بدلا من الشهر الحرام- يقول قائلهم: قد حرّمت عليكم الدماء إلا دماء المحلّين.

____________

(1) قال الخطابى: «سمى قصيا لأنه قصىّ قومه. أى: تقصاهم بالشام، فنقلهم إلى مكة». و قال الرّشاطى: «ثم إن زيدا وقع بينه و بين ربيعة شر، فقيل له:

أ لا تلحق بقومك، و عيّر بالغربة، و كان لا يعرف لنفسه أبا غير ربيعة، فرجع قصى إلى أمه، و شكالها ما قيل له، فقالت له: يا بنى أنت أكرم منه نفسا و أبا، أنت ابن كلاب بن مرة، و قومك بمكة عند البيت الحرام، فأجمع قصى على الخروج، فقالت له أمه: أقم حتى يدخل الشهر الحرام، فتخرج فى حاج العرب، فلما دخل الشهر الحرام خرج مع حاج قضاعة حتى قدم مكة، فحج و أقام بمكة» ص 20 و ما بعدها ج 16 نهاية الأرب.

(2) فى السيرة: «من بعد عرفة» و فى نسخ أخرى: «من عرفة».

(3) فى القاموس: و كندة- بالكسر- و يقال: كندىّ: لقب ثور بن عفير أبو حى من اليمن، لأنه كند أباه النعمة، و لحق بأخواله، و الكند: القطع.

35

..........

____________

فصل: و أما تسمية الغوث و ولده صوفة، فاختلف فى سبب ذلك.

فذكر أبو عبيد اللّه الزّبير بن أبى بكر القاضى فى أنساب قريش له عند ذكر صوفة: البيت الواقع فى السيرة لأوس بن مغراء السّعدى، و هو:

لا يبرح الناس ما حجّوا معرّفهم البيت. و بعده:

مجد بناه لنا قدما أوائلنا* * * و أورثوه طوال الدهر أحزانا (1)

و مغراء: تأنيث أمغر، و هو الأحمر، و منه قول الأعرابى للنبى- (صلى الله عليه و سلم): أ هو هذا الرّجل الأمغر؟ ثم قال: قال أبو عبيدة: و صوفة و صوفان يقال لكل من ولى من البيت شيئا من غير أهله، أو قام بشي‏ء من خدمة البيت، أو بشي‏ء من أمر المناسك يقال لهم: صوفة و صوفان. قال أبو عبيدة:

____________

(1) أوس بن مغراء أحد بنى جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم. و قيل: أوس بن تميم بن مغراء، و له ترجمة فى الإصابة قال: و يكنى أبا المغراء، و بقى إلى أيام معاوية، و له شعر فى مدح النبيّ «ص» و بعد البيت الذي فى السيرة:

ترى ثنانا إذا ما جاء بدأهم‏* * * و بدؤهم إن أتانا كان ثنيانا

و الثّنى و الثّنيان، و كهدى و إلى: دون السيد ص 176 الأمالى ج 2 ط 2 و فى السمط عن أوس ص 795 للبكرى: «و هو القائل فى بنى صفوان بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب الذين كان فيهم الإفاضة من عرفة، فلم يذكر الحارث كما روى ابن إسحاق، و لا جناب كما روى ابن هشام، ثم روى البيت كما فى السيرة، و فى المزهر ص 487 ج 2 أن أوسا هذا غلب على نابغة بنى جعدة.

36

..........

____________

لأنه بمنزلة الصّوف، فيهم القصير و الطويل و الأسود و الأحمر، ليسوا من قبيلة واحدة. و ذكر أبو عبد اللّه أنه حدّثه أبو الحسن الأثرم عن هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ قال: إنما سمّى الغوث بن مرّ: صوفه، لأنه كان لا يعيش لأمه ولد، فنذرت: لئن عاش لتعلّقنّ برأسه صوفة، و لتجعلنّه ربيطا للكعبة، ففعلت، فقيل له: صوفة، و لولده من بعده، و هو: الرّبيط و حدث إبراهيم بن المنذر عن عمر بن عبد العزيز بن عمران، قال: أخبرنى عقال بن شبّة قال: قالت أم تميم بن مرّ- و ولدت نسوة- فقالت: للّه علىّ.

لئن ولدت غلاما لأعبّدنّه للبيت، فولدت الغوث، و هو أكبر ولد مرّ، فلما ربطته عند البيت أصابه الحرّ، فمرت به- و قد سقط و ذوى و استرخى فقالت: ما صار ابنى إلا صوفة، فسمّى صوفة (1).

____________

(1) فى القاموس عن صوفة أيضا: أو هم قوم من أفناء القبائل تجمعوا، فتشبكوا كتشبّك الصوفة. هذا و قد رواه الجوهرى: آل صوفانا. و يقول القاموس:

و الصواب. آل صفوانا، و هم قوم من بنى سعد بن زيد مناة. قال أبو عبيدة: حتى يجوز القائم بذلك من آل صفوان. و فيه أيضا وردت الشطرة الأولى: و لا يريمون فى التعريف موقفهم. و ما ذكره السهيلى عن سبب تسمية الغوث* * * نقلا عن الكلبى- يوجد فى القاموس الذي ذكر للربيط عدة معان، ثم قال: لقب الغوث ابن مر بن طابخة. و يذكر أن الولد عاش، فجعلته أمه خادما للبيت الحرام حتى بلغ، فنزعته، فلقب: الربيط. و قد سقط من هذه المادة فى القاموس كلمة «أد» من نسب الغوث على حين ذكرها فى مادة صوف. و فى القاموس أيضا: «و كان أحدهم يقوم فيقول: أجيزى صوفة، فإذا أجازت قال: أجيزى خندف. فإذا أجازت أذن للناس كلهم فى الإجازة» و عرّف القوم: و قفوا بعرفة: و البيت الأول فى السيرة موجود أيضا فى اللسان بنفس رواية القاموس «و لا يريمون إلخ» و قول أبى عبيدة عن صوفة موجود فى اللسان، و انظر ص 183 من المحبر.

37

..........

____________

بنو سعد و زيد مناة:

فصل: و ذكر وراثة بنى سعد إجازة الحاج بالقعدد من بنى الغوث ابن مرّ، و ذلك أن سعدا هو: ابن زيد مناة بن تميم بن مرّ، و كان سعد أقعد بالغوث بن مرّ من غيره من العرب‏ (1)، و زيد مناة بن تميم يقال فيه:

مناة و مناءة بالهمز (2)، و تركه، و يجوز أن يكون- إذا همز- مفعلة من ناء ينوء، و يجوز أن يكون: فعالة من المنيئة، و هى: المدبغة، كما قالت امرأة من العرب لأخرى: [تقول لك أمّى‏]: أعطينى نفسا أو نفسين أمعس به منيئتى، فإنى أفدة.

النّفس: قطعة من الدّباغ، و المنيئة: الجلد فى الدباغ، و أفدة: مقاربة لاستتمام ما تريد صلاحه و تمامه من ذلك الدباغ‏ (3) و أنشد أبو حنيفة:

____________

(1) القعدد بضم القاف و سكون العين و ضم الدال أو فتحها: القريب من الجد الأكبر، أو أملك القرابة فى النسب، و القربى. و أقعدهم: أقربهم إلى جده الأكبر.

و انظر ص 257 من المحبر لابن حبيب، ص 40 من شرح الخشى.

(2) و فى اللسان عن مناة: و مناة: صخرة، و فى الصحاح: صنم كان لهذيل و خزاعة بين مكة و المدينة يعبدونها من دون اللّه من قولك: منوت الشي‏ء- أى: اختبرته ...

و عبد مناة بن أد بن طابخة. و زيد مناة بن تميم بن مر يمد و يقصر. قال هو بر الحارثى‏

ألا هل أتى التّيم بن عبد مناءة* * * على الشّن‏ء فيما بيننا ابن تميم‏

و فيه تخطئة من قال: مناة بالهاء، و غلطوا الطائى فى قوله: إحدى بنى بكر ابن عبد مناه.

(3) فى إصلاح المنطق أن الذي قص هذا هو الأصمعي، و فيه، و فى اللسان:

أمعس به، بدلا من: أمعس بها، كما فى الروض. و فسر نفسا أو نفسين بقوله:

38

..........

____________

إذا أنت باكرت المنيئة باكرت‏* * * قضيب أراك بات فى المسك منقعا

و أنشد يعقوب:

إذا أنت باكرت المنيئة باكرت‏* * * مداكا لها من زعفران و إثمدا (1)

اشتقاق المزدلفة:

فصل: و أما قوله: فلأن الإفاضة من المزدلفة كانت فى عدوان فالمزدلفة: مفتعلة من الازدلاف، و هو الاجتماع. و فى التنزيل: (وَ أَزْلَفْنا ثَمَ‏

____________

- قدر دبغة أو دبغتين، و فى اللسان: أفد الشي‏ء يأفد أفدا فهو أفد:

دنا و حضر و أسرع، و الأفد: المستعجل؛ و المنيئة عند الفارسى: مفعلة بكسر العين من اللحم النيئ، و منأ تأبى ذلك، و هى عند غيره كما ذكر السهيلى. و المنيئة:

الجلد أول ما يدبغ، ثم هو: أفيق، ثم: أديم. و أمعس: أدلك و أحرك، و فى اللسان:

منأ الجلد يمنؤه منأ: إذا أنقعه فى الدباغ، و هى فى اللسان فعيلة، و فى تهذيب إصلاح المنطق للتبريزى: «و آفدة أى: سريعة. يقع فى بعض النسخ: الأفئدة: التي تشتكى فؤادها، و قيل: السريعة، و قيل. المعيبة. قال أبو العلاء: ينبغى أن يقال: فائدة للتى تشتكى فؤادها، و الصواب أن يفسر: آفدة بالسريعة» انظر اللسان و معجم ابن فارس و إصلاح المنطق لابن السكيت، ص 94 و تهذيبه للتبريزى ص 145.

(1) الشعر لحميد بن ثور و قبله:

فأقسم لو لا أن حدبا تتابعت‏* * * علىّ، و لم أبرح بدين مطردا

لزاحمت مكسالا كأن ثيابها* * * تجن غزالا بالخميلة أغيدا

يخاطب زوجته فيقسم: لو لا أن حدبا، و هى السنون المجدبة- واحدتها: حدباء- تتابعت عليه، و استدان و طالبه الغرماء، و طردوه لزاحمت مكسالا، و هى المرأة الثقيلة الأرداف، الناعمة الجسم، أى: تزوجت امرأة أحسن منك، كأن ثيابها تستر-

39

..........

____________

الْآخَرِينَ) و قيل: بل الازدلاف: هو الاقتراب، و الزّلفة: القربة، فسميت مزدلفة؛ لأن الناس يزدلفون فيها إلى الحرم، و فى الخبر: أن آدم (عليه السلام) لمّا هبط إلى الأرض‏ (1) لم يزل يزدلف إلى حوّاء، و تزدلف إليه، حتى تعارفا بعرفة، و اجتمعا بالمزدلفة فسميت: جمعا، و سميت: المزدلفة (2).

ذو الإصبع و آل ظرب:

و أما ذو الإصبع‏ (3) الذي ذكره فهو: حرثان بن عمرو، و يقال فيه: حرثان ابن الحارث بن محرّث بن ربيعة بن هبيرة بن ثعلبة بن ظرب، و ظرب هو:

و الدعامر بن الظّرب الذي كان حكم العرب، و ذكر ابن إسحاق قصته فى الخنثى، و فيه يقول الشاعر [المتلمّس‏]:

____________

غزالا. و الأغيد: المنثنى. ثم قال: إذا أنت باكرت دباغ الجلود باكرت هى الطيب و المداك، و هو الحجر الذي يسحق عليه الطيب. و الأثمد: الكحل. أى باكرت هى الطيب و الاكتحال. انظر ص 145 تهذيب إصلاح المنطق.

(1) الرأى الراجح أن جنة آدم كانت فى الأرض.

(2) لم يرد هذا فى حديث صحيح.

(3) سبب تسميته فى الاشتقاق ص 268 و اسمه: حرثان، و نسبه فى الأغانى:

حرثان بن الحارث بن محرث بن ثعلبة بن سيار بن ربيعة بن هيرة بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر ابن نزار، و فى الجمهرة لابن حزم هو: حرثان بن محرث، و نسبه فى أمالى المرتضى مختلف أيضا فهو: حرثان بن محرث بن الحارث بن ربيعة بن وهب بن ثعلبة و قيل: محرث بن حرثان. و قيل: حرثان بن حويرث، و قيل: حرثان بن حارثة ابن ظرب إلخ.

40

..........

____________

لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا* * * و ما علّم الإنسان إلا ليعلما (1)

و كان قد خرف، حتى تفلّت ذهنه، فكانت العصا تقرع له إذا تكلم فى نادى قومه تنبيها له؛ لئلا تكون له السقطة فى قول أو حكم. و كذلك كان ذو الإصبع، كان حكما فى زمانه، و عمر ثلاثمائة سنة، و سمى ذا الإصبع؛ لأن حيّة نهشته فى أصبعه.

و جدّهم ظرب: هو عمرو بن عياذ بن يشكر بن بكر بن عدوان، و اسم عدوان: تيم، و أمه: جديلة بنت أدّ بن طابخة، و كانوا أهل الطائف، و كثر عددهم فيها حتى بلغوا زهاء سبعين ألفا، ثم هلكوا ببغى بعضهم على بعض، و كان ثقيف‏

____________

(1) بيت الشعر «لذى الحلم الخ» هو للمتلمس، و كان ابن الظرب قد كبر، فقال له ابنه الثانى: إنك ربما أخطأت فى الحكم، فيحمل عنك، قال: فاجعلوا لى أمارة أعرفها، فإذا زغت، فسمعتها رجعت إلى الحكم و الصواب، فكان يجلس قدام بيته، و يقعد ابنه فى البيت و معه العصا، فإذا زاغ، أو هفا قرع له الجفنة، فرجع إلى الصواب. هذا و ربيعة تدعيه لعبد اللّه بن عمرو بن الحارث بن همام، و اليمن تدعيه لربيعة بن مخاشن، و هو ذو الأعواد، و فى اللسان: أن هذا الحكم هو عمرو بن حممة الدوسى الذي قضى بين العرب ثلاثمائة سنة، و الأصبغ: مثلثة الهمزة، و مع كل حركة تثلث الياء، ففيه تسع لغات، و العاشر: أصبوع، و حكام العرب فى الجاهلية هم: أكثم بن صيفى، و حاجب بن زرارة، و الأقرع بن حابس، و ربيعة بن مخاشن و ضمرة بن أبى ضمرة لتميم، و عامر بن الظرب، و غيلان بن سلمة لقيس، و عبد المطلب و أبو طالب و العاصى بن وائل و العلاء بن حارثة لقريش. و ربيعة ابن حذار لأسد، و يعمر بن الشدّاخ و صفوان بن أمية، و سلمى بن نوفل لكنانة و حكيمات العرب: صحر بنت لقمان و هند بنت الحسن، و جمعة بنت حابس و ابنة عامر بن الظرب، و انظر ص 181 من المحبر.

41

..........

____________

و هو قسىّ بن منبّه صهرا لعامر بن الظّرب، كانت تحته زينب بنت عامر، و هى أم أكثر ثقيف، و قيل: هى أخت عامر، و أختها ليلى بنت الظرب هى:

أم دوس بن عدنان، و سيأتى طرف من خبره فيما بعد- إن شاء اللّه- فلما هلكت عدوان، و أخرجت بقيتهم ثقيف من الطائف، صارت الطائف بأسرها لثقيف إلى اليوم.

و قوله: حيّة الأرض: يقال فلان حية الأرض، و حية الوادى إذا كان مهيبا يذعر منه، كما قال حسان:

يا محكم بن طفيل قد أتيح لكم‏* * * للّه درّ أبيكم حية الوادى‏

يعنى بحية الوادى: خالد بن الوليد رضى اللّه عنه.

فصل: و قوله: عذير الحىّ من عدوان‏ (1). نصب عذيرا على الفعل المتروك إظهاره، كأنه يقول: هاتوا عذيره، أى: من يعذره، فيكون العذير بمعنى:

العاذر، و يكون أيضا بمعنى: العذر مصدرا كالحديث و نحوه.

أبو سيارة:

و ذكر أبا سيّارة، و هو عميلة بن الأعزل فى قول ابن إسحاق، و قال غيره:

اسمه: العاصى. قاله الخطابى. و اسم الأعزل: خالد، ذكره الأصبهاني، و كانت‏

____________

(1) عدة القصيدة التي فى السيرة هى فى الأغانى: اثنا عشر بيتا فى ترجمة ذى الإصبع، و القصيدة عن تفرق عدوان و تشتتهم فى البلاد مع كثرتهم. و فى اللسان عن حية الوادى: إذا كان شديد الشكيمة حاميا لحوزته، و قال عن بيت ذى الإصبع الأول: «أراد أنهم كانوا ذوى إرب و شدة لا يضيعون ثأرا».

42

..........

____________

له أتان عوراء، خطامها ليف، يقال: إنه دفع عليها فى الموقف أربعين سنة، و إياها يعنى الراجز فى قوله: حتى يجيز سالما حماره.

و كانت تلك الأتان سوداء؛ و لذلك يقول:

لاهمّ ما لي فى الحمار الأسود* * * أصبحت بين العالمين أحسد

فق أبا سيارة المحسّد* * * من شر كل حاسد إذ يحسد

و أبو سيّارة هذا هو الذي يقول: أشرق ثبير كيما نغير، و هو الذي يقول:

لا همّ إنى تابع تباعه‏ (1)

____________

(1) إن العرب لما سمعوا اللهم جرت فى كلام الخلق توهموا أنه إذا ألغيت الألف و اللام من اللّه كان الباقى: لاه، فقالوا: لاهم، و يقولون: لاه أبوك.

يريدون: للّه أبوك. و قالوا: لهنك أصلها: للّه إنك، فحذف الألف و اللام، فقال:

لاه إنك، تم ترك همزة إنك، فقال: لهنك، و قالوا: لهنا. أصلها: لاه إنا فحذف مدة لاه، و ترك همزة نا. و يرى الفراء أن لهنك أصلها: لأنك، فأبدل الهمزة هاء مثل: هراق الماء، و أراق، و أدخل اللام فى إن لليمين. و يقول ابن جنى فى الخصائص عن اللام فى قولهم: إن زيدا لقائم: إن موضعها أول الجملة و صدرها، لا آخرها و عجزها: ثم قال: و يدل على أن موضع اللام فى خبر إن أول الجملة قبل إن: أن العرب لما جفا عليها اجتماع هذين الحرفين قلبوا الهمزة هاء ليزول لفظ إن، فيزول أيضا ما كان مستكرها من ذلك فقالوا: لهنّك قائم بفتح فكسر فتضعيف، أى: لأنك قائم. ثم استشهد ببعض أبيات على هذا .. و رأيه فى هذا رأى سيبويه فى الكتاب، و ضعف رأى من قالوا: إن أصلها: للّه إنك الخصائص. ص 314 ج 1 ط 1952 و قد تقدم فى الجزء الأول ذكر هذا.

و ثبير: جبال بظاهر مكة، و الأثبرة أربعة: ثبير عينى، و ثبير الأعرج، و هما: حراء و ثبير. ثبير الأثبرة، و ثبير منى: و ماء بديار مزينة. و معنى المثل:

43

..........

____________

و كان يقول فى دعائه: اللهمّ بغّض بين رعائنا، و حبّب بين نسائنا، و اجعل المال فى سمحائنا: و هو أول من جعل الدّية مائة من الإبل، فيما ذكر أبو اليقظان، حكاه عنه حمزة بن الحسن الأصبهاني.

و قوله: و عن مواليه بنى فزارة. يعنى بمواليه: بنى عمه، لأنه من عدوان و عدوان و فزارة: من قيس عيلان، و قوله: مستقبل القبلة يدعو جاره. أى:

يدعو اللّه عز و جل، يقول: اللهم كن لنا جارا مما نخافه، أى: مجيرا.

____________

ادخل يا ثبير فى الشروق، كى نسرع إلى النّحر. قال عمر: إن المشركين كانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، و كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس «الإفاضة هنا من المزدلفة إلى منى» و المثل يضرب فى الإسراع و العجلة، و فى شرح الكافية ج 2 ص 332 «و اعلم أن من العرب من يقول: لهنّك «بفتح اللام و كسر الهاء و تضعيف النون مع فتح» لرجل صدق. قال: لهنّا لمقضىّ علينا التهاجر.

و قال: لهنى لأشقى الناس إن كنت غارما. و قد يحذف اللام، و هو قليل، قال:

ألا يا سنا برق على قلل الحمى‏* * * لهنك من برق علىّ كريم‏

و فيه ثلاثة مذاهب. أحدها لسيبويه: و هو أن الهاء بدل من همزة إن كإياك و هياك، فلما غيرت صورة إن بقلب همزتها هاء، جاز مجامعة اللام إياها بعد الامتناع، و الثانى: قول الفراء، و هو أن أصله: و اللّه إنك، كما روى عن أبى أدهم الكلابى: «له ربى لا أقول ذلك» بقصر اللام، ثم حذف حرف الجر، كما يقال: اللّه لأفعلن، و حذفت لام التعريف أيضا، كما يقال: لاه أبوك. أى:

للّه أبوك، ثم حذفت ألف فعال، كما يحذف من الممدود إذا قصر. كما يقال:

الحصاد و الحصد قال:

ألا لا بارك اللّه فى سهيل‏* * * إذ ما اللّه بارك فى الرجال‏

«و حذف مد لام اللّه. و وقف عليها بالسكون و حذف ألف إذا» ثم حذفت همزة إنك‏

44

[أمر عامر بن ظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان‏]

أمر عامر بن ظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان قال ابن إسحاق: و قوله: حكم يقضى يعنى: عامر بن ظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان العدوانى. و كانت العرب لا يكون بينها نائرة، و لا عضلة فى قضاء إلا أسندوا ذلك إليه، ثم رضوا بما قضى فيه، فاختصم إليه فى بعض ما كانوا يختلفون فيه، فى رجل خنثى، له ما للرجل، و له ما للمرأة، فقالوا: أ نجعله رجلا أو امرأة؟ و لم يأتوه بأمر كان أعضل منه.

فقال: حتى أنظر فى أمركم، فو اللّه ما نزل بى مثل هذه منكم يا معشر العرب! فاستأخروا عنه. فبات ليلته ساهرا يقلّب أمره، و ينظر فى شأنه، لا يتوجّه له منه وجه، و كانت له جارية يقال لها: سخيلة ترعى عليه غنمه، و كان يعاتبها إذا سرحت فيقول: صبّحت و اللّه يا سخيل! و إذا أراحت عليه، قال: مسّيت و اللّه يا سخيل! و ذلك أنها كانت تؤخر السّرح حتى يسبقها بعض الناس، و تؤخّر الإراحة حتى يسبقها بعض الناس. فلما رأت سهره و قلقه، و قلّه قراره على فراشه قالت:

مالك لا أبا لك! ما عراك فى ليلتك هذه؟ قال: ويلك! دعينى، أمر ليس من شأنك، ثم عادت له بمثل قولها، فقال فى نفسه: عسى أن تأتى مما أنا فيه بفرج، فقال: ويحك! اختصم إلىّ فى ميراث خنثى، أ أجعله رجلا أو امرأة؟

____________

..........

____________

و فيما قال تكلفات كثيرة. و الثالث: ما حكى المفضل بن سلمة عن بعضهم أن أصله: للّه إنك. و اللام للقسم، فعمل به ما عمل فى مذهب الفراء، و قول الفراء أقرب من هذا، لأنه يقال: لهنك لقائم بلا تعجب».

45

فو اللّه ما أدرى ما أصنع، و ما يتوجّه لى فيه وجه؟: قال: فقالت سبحان اللّه! لا أبا لك! أتبع القضاء المبال، أقعده، فإن بال من حيث يبول الرجل فهو رجل، و إن بال من حيث تبول المرأة، فهى امرأة. قال: مسّى سخيل بعدها، أو صبّحى، فرّجتها و اللّه!. ثم خرج على الناس حين أصبح، فقضى بالذى أشارت عليه به.

[غلب قصى بن كلاب على أمر مكة و جمعه أمر قريش و معونة قضاعة له‏]

غلب قصى بن كلاب على أمر مكة و جمعه أمر قريش و معونة قضاعة له قال ابن إسحاق: فلما كان ذلك العام، فعلت صوفة كما كانت تفعل، و قد عرفت ذلك لها العرب، و هو دين فى أنفسهم فى عهد جرهم و خزاعة و ولايتهم. فأتاهم قصىّ بن كلاب بمن معه من قومه من قريش و كنانة و قضاعة عند العقبة، فقال: لنحن أولى بهذا منكم، فقاتلوه، فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة، و غلبهم قصىّ على ما كان بأيديهم من ذلك.

و انحازت عند ذلك خزاعة و بنو بكر عن قصىّ، و عرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، و أنه سيحول بينهم و بين الكعبة و أمر مكّة. فلما انحازوا عنه بادأهم، و أجمع لحربهم، و خرجت له خزاعة و بنو بكر فالتقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى فى الفريقين جميعا، ثم إنهم تداعوا إلى الصلح، و إلى أن يحكّموا بينهم رجلا من العرب، فحكّموا يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن‏

____________

..........

46

ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضى بينهم بأن قصيّا أولى بالكعبة، و أمر مكة من خزاعة، و أن كل دم أصابه قصىّ من خزاعة و بنى بكر: موضوع يشدخه تحت قدميه، و أنّ ما أصابت خزاعة و بنو بكر من قريش و كنانة و قضاعة، ففيه الدّية مؤدّاة، و أن يخلّى بين قصىّ و بين الكعبة و مكة.

فسمّى يعمر بن عوف يومئذ: الشّدّاخ، لما شدخ من الدماء و وضع منها.

قال ابن هشام: و يقال: الشّدّاخ.

قال ابن إسحاق: فولى قصىّ البيت و أمر مكة، و جمع قومه من منازلهم إلى مكة، و تملّك على قومه و أهل مكة فملّكوه، إلا أنه قد أقرّ للعرب ما كانوا عليه، و ذلك أنه كان يراه دينا فى نفسه لا ينبغى تغييره، فأقرّ آل صفوان و عدوان و النّسأة و مرّة بن عوف على ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام، فهدم اللّه به ذلك كلّه. فكان قصىّ أول بنى كعب بن لؤيّ أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة، و السّقاية، و الرّفادة، و النّدوة، و اللّواء، فحاز شرف مكة كلّه. و قطع مكة رباعا بين قومه، فأنزل كلّ قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها، و يزعم الناس أن قريشا هابوا قطع شجر الحرم فى منازلهم، فقطعها قصىّ بيده و أعوانه، فسمّته قريش: مجمّعا لما جمع من أمرها، و تيمّنت بأمره، فما تنكح امرأة، و لا يتزوّج رجل من قريش، و ما يتشاورون فى أمر نزل بهم، و لا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا فى داره، يعقده لهم بعض ولده، و ما تدرّع جارية

47

إذا بلغت أن تدرّع من قريش إلا فى داره، يشقّ عليها فيها درعها ثم تدرّعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها. فكان أمره فى قومه من قريش فى حياته، و من بعد موته، كالدّين المتّبع لا يعمل بغيره. و اتخذ لنفسه دار النّدوة، و جعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضى أمورها: قال ابن هشام:

و قال الشاعر:

قصىّ لعمرى كان يدعى مجمّعا* * * به جمّع اللّه القبائل من فهر

قال ابن إسحاق: حدثني عبد الملك بن راشد عن أبيه، قال: سمعت السائب ابن خبّاب صاحب المقصورة يحدث، أنه سمع رجلا يحدث عمر بن الخطاب، و هو خليفة، حديث قصىّ بن كلاب، و ما جمع من أمر قومه، و إخراجه خزاعة و بنى بكر من مكّة، و ولايته البيت و أمر مكة، فلم يردّ ذلك عليه و لم ينكره.

قال ابن إسحاق: فلمّا فرغ قصىّ من حربه، انصرف أخوه رزاح بن ربيعة إلى بلاده بمن معه من قومه، و قال رزاح فى إجابته قصيّا:

لمّا أتى من قصىّ رسول‏* * * فقال الرّسول: أجيبوا الخليلا

نهضنا إليه نقود الجياد* * * و نطرح عنّا الملول الثّقيلا

نسير بها الليل حتى الصباح‏* * * و نكمى النهار؛ لئلّا نزولا

فهنّ سراع كورد القطا* * * يجبن بنا من قصىّ رسولا

جمعنا من السّر من أشمذين‏* * * و من كلّ حىّ جمعنا قبيلا

فيا لك حلبة ما ليلة* * * تزيد على الألف سيبا رسيلا

____________

..........

48

فلمّا مررن على عسجر* * * و أسهلن من مستتاخ سبيلا

و جاوزن بالركن من ورقان‏* * * و جاوزن بالعرج حيا حلولا

مررن على الحيل ما ذقنه‏* * * و عالجن من مرّ ليلا طويلا

ندنّى من العوذ أفلاءها* * * إرادة أن يسترقن الصّهيلا

فلمّا انتهينا إلى مكّة* * * أبحنا الرجال قبيلا قبيلا

نعاورهم ثمّ حدّ السيوف‏* * * و فى كلّ أوب خلسنا العقولا

نخبّزهم بصلاب النّسو* * * ر خبز القوىّ العزيز الذّليلا

قتلنا خزاعة فى دارها* * * و بكرا قتلنا و جيلا فجيلا

نفيناهم من بلاد المليك‏* * * كما لا يحلّون أرضا سهولا

فأصبح سبيهم فى الحديد* * * و من كلّ حىّ شفينا الغليلا

و قال ثعلبة بن عبد اللّه بن ذبيان بن الحارث بن سعد بن هذيم القضاعىّ فى ذلك من أمر قصى حين دعاهم فأجابوه:

جلبنا الخيل مضمرة تغالى‏* * * من الأعراف أعراف الجناب‏

إلى غورى تهامة، فالتقينا* * * من الفيفاء فى قاع يباب‏

فأمّا صوفة الخنثى، فخلّوا* * * منازلهم محاذرة الضّراب‏

و قام بنو على إذ رأونا* * * إلى الأسياف كالإبل الطّراب‏

و قال قصىّ بن كلاب:

أنا ابن العاصمين بنى لؤيّ‏* * * بمكّة منزلى، و بها ربيت‏

____________

..........

49

إلى البطحاء قد علمت معدّ* * * و مروتها رضيت بها رضيت‏

فلست لغالب إن لم تأثّل‏* * * بها أولاد قيذر، و النّبيت‏

رزاح ناصرى، و به أسامى‏* * * فلست أخاف ضيما ما حييت‏

فلما استقر رزاح بن ربيعة فى بلاده، نشره اللّه و نشر حنّا، فهما قبيلا عذرة اليوم. و قد كان بين رزاح بن ربيعة، حين قدم بلاده، و بين نهد بن زيد و حوتكة بن أسلم، و هما بطنان من قضاعة شي‏ء، فأخافهم حتى لحقوا باليمن، و أجلوا من بلاد قضاعة، فهم اليوم باليمن، فقال قصىّ بن كلاب، و كان يحب قضاعة و نماءها و اجتماعها ببلادها، لما بينه و بين رزاح من الرّحم، و لبلائهم عنده إذا أجابوه إذ دعاهم إلى نصرته، و كره ما صنع بهم رزاح:

ألا من مبلغ عنّى رزاحا* * * فإنى قد لحيتك فى اثنتين‏

لحيتك فى بنى نهد بن زيد* * * كما فرّقت بينهم و بينى‏

و حوتكة بن أسلم إنّ قوما* * * عنوهم بالمساءة قد عنونى‏

قال ابن هشام: و تروى هذه الأبيات لزهير بن جناب الكلبى.

قال ابن إسحاق: فلما كبر قصىّ و رقّ عظمه، و كان عبد الدار بكره، و كان عبد مناف قد شرف فى زمان أبيه، و ذهب كلّ مذهب، و عبد العزّى و عبد. قال قصىّ لعبد الدار: أما و اللّه يا بنىّ لألحقنّك بالقوم، و إن كانوا قد شرفوا عليك: لا يدخل رجل منهم الكعبة، حتى تكون أنت تفتحها له، و لا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك، و لا يشرب أحد بمكة إلا من سقايتك، و لا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك، و لا تقطع قريش‏

____________

..........

50

أمرا من أمورها إلا فى دارك، فأعطاه داره دار النّدوة، التي لا تقضى قريش أمرا من أمورها إلا فيها، و أعطاه الحجابة و اللواء و السّقاية و الرّفادة.

[من فرض الرفادة:]

من فرض الرفادة:

و كانت الرّفادة خرجا تخرجه قريش فى كلّ موسم من أموالها إلى قصىّ ابن كلاب، فيصنع به طعاما للحاجّ، فيأكله من لم يكن له سعة و لا زاد، و ذلك أن قصيّا فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيران اللّه، و أهل بيته، و أهل الحرم، و إن الحاجّ ضيف اللّه و زوّار بيته، و هم أحق الضّيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما و شرابا أيام الحجّ، حتى يصدروا عنكم، ففعلوا، فكانوا يخرجون لذلك كلّ عام من أموالهم خرجا، فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره فى الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى فى الإسلام إلى يومك هذا، فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كلّ عام بمنى للناس حتى ينقضى الحجّ.

قال ابن إسحاق: حدثني بهذا من أمر قصىّ بن كلاب، و ما قال لعبد الدار فيما دفع إليه مما كان بيده: أبى إسحاق بن يسار، عن الحسن بن محمد ابن علىّ بن أبى طالب رضى اللّه عنهم، قال:

سمعته يقول ذلك لرجل من بنى عبد الدار، يقال له: نبيه بن وهب بن عامر بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصىّ.

قال الحسن: فجعل إليه قصىّ كلّ ما كان بيده من أمر قومه، و كان قصى لا يخالف، و لا يردّ عليه شي‏ء صنعه.

____________

..........

51

..........

____________

الحكم بالأمارات:

فصل: و ذكر عامر بن الظّرب و حكمه فى الخنثى، و ما أفتته به جاريته سخيلة، و هو حكم معمول به فى الشرع، و هو من باب الاستدلال بالأمارات و العلامات، و له أصل فى الشريعة، قال اللّه سبحانه: (و جاءوا على قميصه بدم كذب) وجه الدلالة على الكذب فى الدم أن القميص المدمّى لم يكن فيه خرق و لا أثر لأنياب الذئب، و كذلك قوله: (إن كان قميصه قدّ من قبل [فصدقت، و هو من الكاذبين‏]. يوسف: 26) الآية. و قول النبيّ (صلى الله عليه و سلم) فى المولود: «إن جاءت به أورق جعدا جماليّا فهو للذى رميت به‏ (1)» فالاستدلال بالأمارات أصل ينبنى عليه كثير من الأحكام فى الحدود و الميراث، و غير ذلك. و الحكم فى الخنثى أن يعتبر المبال، و يعتبر بالحيض، فإن أشكل من كلّ وجه، حكم بأن يكون له فى الميراث سهم امرأة و نصف، و فى الدّية كذلك، و أكثر أحكامه مبنية على الاجتهاد.

____________

(1) هذا جزء من حديث- رواه أبو داود مطولا، و فى إسناده عباد بن منصور، و قد تكلم فيه غير واحد، و هو فى قذف هلال بن أمية أحد الثلاثة الذين خلفوا امرأته بشريك بن سحماء، فشكا ذلك إلى النبيّ (صلى الله عليه و سلم) فطلب منه الرسول «ص» البينة، و إلا أقام عليه الحد، فنزلت آيات اللعان من سورة النور، و قد روى قصة هلال: الجماعة و أحمد، و الجعد: القصير الشعر، و الأورق:

الأسمر مع بياض. و الجمالى: العظيم الخلق كأنه الجمل، و قد طلب النبيّ (صلى الله عليه و سلم) أن تترك المرأة حتى تلد، فجاءت بالولد فى صفات الرجل الذي رميت به، فقال (صلى الله عليه و سلم): «لو لا ما مضى من كتاب اللّه لكان لى و لها شأن».

52

..........

____________

الشداخ:

فصل: و ذكر يعمر الشّدّاخ بن عوف حين حكّموه، و أنه سمى بالشّدّاخ لما شدخ من دماء خزاعة (1) و يعمر الشّدّاخ هو جدّ بنى دأب الذين أخذ عنهم كثير من علم الأخبار و الأنساب و هم: عيسى بن يزيد بن [بكر] ابن دأب، و أبوه: يزيد، و حذيفة بن دأب، و دأب هو: ابن كرز بن أحمر من بنى يعمر بن عوف الذي شدخ دماء خزاعة، أى: أبطلها، و أصل الشّدخ:

الكسر و الفضخ، و منه الغرّة الشادخة، شبّهت بالضّربة الواسعة. و الشّدّاخ بفتح الشين كما قال ابن هشام، و الشّدّاخ بضمها إنما هو جمع، و جائز أن يسمّى هو و بنوه: الشّدّاخ، كما يقال: المناذرة فى المنذر و بنيه، و الأشعرون فى بنى الأشعر من سبأ (2) و هو باب يكثر و يطول. و أمّ يعمر الشّدّاخ اسمها: السّؤم بنت عامر بن جرّة بضم الجيم، و سيأتى ذكر جرّة بالكسر (3) ذكره ابن ماكولا. و من بنى الشّدّاخ: بلعاء بن قيس بن عبد اللّه بن يعمر

____________

(1) فى الاشتقاق: «إنما سمى الشداخ لأنه أصلح بين قريش و خزاعة فى الحرب التي كانت بينهم، فقال: شدخت الدماء تحت قدمي، و الشّدخ: وطؤك الشي‏ء حتى تفضخه، و الفرس الشادخ: الذي انتشرت غرته فى وجهه، و لم تبلغ العينين، و الجمع: شوادخ، و الفضخ: الكسر، و يذكر السهيلى عيسى بن يزيد بن دأب، و هو فى الاشتقاق: عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب.

(2) الأشعر هو: نبت بن زيد بن كهلان بن سبأ.

(3) فى القاموس: السوم بفتح السين و واو ساكنة بنت جرة بكسر الجيم:

أعرابية، و فيه: يزيد بن الأخنس بن جرة بضم الجيم: صحابى.

53

..........

____________

الشّدّاخ الشاعر المذكور فى شعر الحماسة، اسمه: حميضة، و لقّب:

بلعاء (1) لقوله:

أنا ابن قيس سبعا و ابن سبع‏* * * أبار من قيس قبيلا فالتمع‏

كأنما كانوا طعاما فابتلع

(ولاية قصى البيت) ذكر فيه أمر قصىّ و ما جمع من أهل مكة، و أنشد:

قصىّ لعمرى كان يدعى مجمّعا

(2). البيت و بعده:

هموا ملئوا البطحاء مجدا و سوددا* * * و هم طردوا عنا غواة بنى بكر

و يذكر أن هذا الشعر لحذافة بن جمح.

و ذكر أن قصّيا قطّع مكّة رباعا (3)، و أن أهلها هابوا قطع شجر الحرم للبنيان. و قال الواقدى: الأصحّ فى هذا الخبر أن قريشا حين أرادوا البنيان قالوا لقصىّ: كيف نصنع فى شجر الحرم، فحذّرهم قطعها و خوّفهم‏

____________

(1) فى الاشتقاق: بلعاء من قولهم: بئر بلعاء: واسعة، و رجل بلع إذا كان نهما، و قد أخرج له أبو تمام فى ديوان الحماسة ثلاثة أبيات، أولها:

و فارس فى غمار الموت منغمس‏* * * إذا تألىّ على مكروهة صدقا

غمار الموت: شدائده، تألى: حلف، و فى اللسان: حمضة اسم حى بلعاء و قد كان بلعاء رئيسا فى الجاهلية، و شهد حرب الفجار الثانى، و مات فى تلك الأيام‏

(2) فى الطبرى 256 ج 2، أبوكم قصى كان يدعى مجمعا.

(3) دورا.

54

..........

____________

العقوبة فى ذلك، فكان أحدهم يحوف بالبنيان حول الشجرة، حتى تكون فى منزله. قال: فأوّل من ترخّص فى قطع شجر الحرم للبنيان عبد اللّه ابن الزّبير حين ابتنى دورا بقعيقعان، لكنه جعل دية كلّ شجرة: بقرة، و كذلك يروى عن عمر- رضى اللّه- أنه قطع دوحة كانت فى دار أسد بن عبد العزّى، كانت تنال أطرافها ثياب الطائفين بالكعبة، و ذلك قبل أن يوسّع المسجد، فقطعها عمر- رضى اللّه عنه- و وداها بقرة، و مذهب مالك- (رحمه اللّه)- فى ذلك: ألّا دية فى شجر الحرم. قال: و لم يبلغنى فى ذلك شي‏ء.

و قد أساء من فعل ذلك، و أما الشافعى- (رحمه اللّه)- فجعل فى الدّوحة بقرة، و فيما دونها شاة. و قال أبو حنيفة- (رحمه اللّه)- إن كانت الشجرة التي فى الحرم مما يغرسها الناس، و يستنبتونها، فلا فدية على من قطع شيئا منها، و إن كان من غيرها، ففيه القيمة بالغا ما بلغت.

و ذكر أبو عبيد: أن عبد اللّه بن عمر- رضى اللّه عنهما- أفتى فيها بعتق‏ (1) رقبة.

____________

(1) و فى الثقرى للمحب الطبرى: «عن عطاء أنه كان يقول فى المحرم:

إذا قطع شجرة عظيمة من شجر الحرم فعليه بدنة، و فى الدوحة: بقرة. و عنه أنه سئل عمن قطع من شجر الحرم، فقال: يستغفر اللّه عز و جل و لا يعود، و عنه أنه كان يرخص فى القصب و الشوك. و السّنى: نوع من النبات. و عنه لا بأس أن يجنى الكمأة من الحرم و لا بأس بالسعشرق (نبات يتفرش على وجه الأرض عريض الورق و ليس له شوك) و الكمأة جمع مفرده: كم‏ء، و الكم‏ء:

نبات ينفض الأرض، فيخرج كما يخرج الفطر، يأكله الناس و الحيوان، على أنه ورد فى حديث أخرجه البخاري و مسلم أن الحرم لا يعضد شوكه، أى: لا يقطع.