الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - ج5

- عبد الرحمن السهيلي المزيد...
488 /
5

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على خاتم النبيين محمد (صلوات اللّه و سلامه عليه) و على آله الأئمة المهتدين.

«و بعد» فهذا هو الجزء الخامس من السيرة و شرحها «الروض الأنف» للامام السهيلى و اللّه وحده أسأل أن يعين على تمامه؟

عبد الرحمن الوكيل‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[ذكر نصارى نجران و ما أنزل اللّه فيهم‏]

ذكر نصارى نجران و ما أنزل اللّه فيهم‏

[معنى العاقب و السيد و الأسقف‏]

معنى العاقب و السيد و الأسقف قال ابن إسحاق: و قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) وفد نصارى نجران، ستّون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، فى الأربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم: العاقب، أمير القوم و ذو رأيهم، و صاحب مشورتهم، و الذي لا يصدرون إلا عن رأيه، و اسمه: عبد المسيح، و السيد لهم: ثمالهم، و صاحب رحلهم و مجتمعهم، و اسمه: الأيهم، و أبو حارثة ابن علقمة، أحد بنى بكر بن وائل، أسقفهم و حبرهم و إمامهم، و صاحب مدراسهم.

[منزلة أبى حارثة عند ملوك الروم‏]

منزلة أبى حارثة عند ملوك الروم و كان أبو حارثة قد شرف فيهم، و درس كتبهم، حتى حسن علمه فى دينهم، فكانت ملوك الرّوم من النّصرانيّة قد شرّفوه و مولوه و أخدموه، و بنوا له الكنائس، و بسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه و اجتهاده فى دينهم.

[السبب فى إسلام كرز بن علقمة]

السبب فى إسلام كرز بن علقمة فلما رجعوا إلى رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجّها، و إلى جنبه أخ له، يقال له: كوز بن علقمة- قال ابن هشام:

____________

..........

8

و يقال: كرز- فعثرت بغلة أبى حارثة، فقال كوز: تعس الأبعد: يريد:

رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست! فقال:

و لم يا أخى؟ قال: و اللّه إنه للنّبىّ الذي كنّا ننتظر، فقال له كوز: ما يمنعك منه و أنت تعلم هذا؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرّفونا و مولونا و أكرمونا، و قد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منّا كلّ ما ترى. فأضمر عليها منه أخوه كوز بن علقمة، حتى أسلم بعد ذلك. فهو كان يحدّث عنه هذا الحديث فيما بلغنى.

[رؤساء نجران و إسلام ابن رئيس منهم‏]

رؤساء نجران و إسلام ابن رئيس منهم قال ابن هشام: و بلغنى أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم.

فكلّما مات رئيس منهم، فأفضت الرئاسة إلى غيره، ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التي كانت قبله و لم يكسرها، فخرج الرئيس الذي كان على عهد النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- يمشى، فعثر، فقال له ابنه: تعس الأبعد! يريد النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- فقال له أبوه: لا تفعل، فإنه نبىّ، و اسمه فى الوضائع، يعنى .. الكتب، فلما مات لم تكن لابنه همّة إلا أن شدّ فكسر الخواتم، فوجد فيها ذكر النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- فأسلم فحسن إسلامه و حجّ، و هو الذي يقول:

إليك تعدو قلقا وضيتها* * * معترضا فى بطنها جنينها

مخالفا دين النّصارى دينها

____________

..........

9

قال ابن هشام: الوضين: الحزام، حزام الناقة. و قال هشام بن عروة:

و زاد فيه أهل العراق:

معترضا فى بطنها جنينها

فأما أبو عبيدة فأنشدناه فيه.

[صلاة النصارى إلى المشرق‏]

صلاة النصارى إلى المشرق قال ابن إسحاق: و حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: لما قدموا على رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات، جبب و أردية، فى جمال رجال بنى الحارث بن كعب.

قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه و سلم) يومئذ:

ما رأينا وفدا مثلهم، و قد حانت صلاتهم، فقاموا فى مسجد رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- يصلّون، فقال رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- دعوهم؛ فصلّوا إلى المشرق.

[أسماء وفد نجران و معتقدهم و مجادلتهم الرسول (صلى الله عليه و سلم)‏]

أسماء وفد نجران و معتقدهم و مجادلتهم الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال ابن إسحاق: فكانت تسمية الأربعة عشر، الذين يئول إليهم أمرهم: العاقب، و هو عبد المسيح، و السيد و هو الأيهم، و أبو حارثة بن علقمة أخو بنى بكر بن وائل، و أوس، و الحارث، و زيد، و قيس، و يزيد، و نبيه، و خويلد، و عمرو، و خالد، و عبد اللّه، و يحنّس، فى ستّين راكبا،

____________

..........

10

فكلّم رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- منهم أبو حارثة بن علقمة، و العاقب عبد المسيح، و الأيهم السيّد- و هم من النّصرانية على دين الملك، مع اختلاف من أمرهم، يقولون: هو اللّه، و يقولون: هو ولد اللّه، و يقولون: هو ثالث ثلاثة. و كذلك قول النّصرانية.

فهم يحتجّون فى قولهم: «هو اللّه» بأنه كان يحيى الموتى، و يبرئ الأسقام، و يخبر بالغيوب، و يخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرا، و ذلك كله بأمر اللّه تبارك و تعالى: وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ‏.

و يحتجّون فى قولهم: «إنه ولد اللّه» بأنهم يقولون: لم يكن له أب يعلم، و قد تكلّم فى المهد، و هذا لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله.

و يحتجّون فى قولهم: «إنه ثالث ثلاثة» بقول اللّه: فعلنا، و أمرنا، و خلقنا، و قضينا، فيقولون: لو كان واحدا ما قال إلا فعلت، و قضيت، و أمرت، و خلقت، و لكنه هو و عيسى و مريم. ففى كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن- فلما كلّمه الحبران، قال لهما رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

أسلما، قالا: قد أسلمنا، قال: إنكما لم تسلما، فأسلما، قالا: بلى، قد أسلمنا قبلك. قال: كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما للّه ولدا، و عبادتكما الصليب، و أكلكما الخنزير؛ قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت عنهما رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- فلم يجبهما.

____________

..........

11

[تفسير ما نزل من آل عمران فى وفد نجران‏]

تفسير ما نزل من آل عمران فى وفد نجران فأنزل اللّه تعالى فى ذلك من قولهم، و اختلاف أمرهم كله، صدر سورة آل عمران إلى بضع و ثمانين آية منها، فقال جلّ و عزّ: الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏. فافتتح السورة بتنزيه نفسه عمّا قالوا، و توحيده إياها بالخلق و الأمر، لا شريك له فيه، ردّا عليهم ما ابتدعوا من الكفر، و جعلوا معه من الأنداد، و احتجاجا بقولهم عليهم فى صاحبهم، ليعرّفهم بذلك ضلالتهم، فقال: الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ليس معه غيره شريك فى أمره‏ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏ الحىّ الذي لا يموت، و قد مات عيسى و صلب فى قولهم.

و القيّوم: القائم على مكانه من سلطانه فى خلقه لا يزول، و قد زال عيسى فى قولهم عن مكانه الذي كان به، و ذهب عنه إلى غيره. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ‏، أى بالصدق فيما اختلفوا فيه: وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ‏:

التوراة على موسى، و الإنجيل على عيسى، كما أنزل الكتب على من كان قبله:

وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ‏، أى الفصل بين الحقّ و الباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى و غيره‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ‏، أى: إن اللّه منتقم ممّن كفر بآياته، بعد علمه بها، و معرفته بما جاء منه فيها: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ، أى قد علم ما يريدون و ما يكيدون و ما يضاهون بقولهم فى عيسى، إذ جعلوه إلها و ربّا، و عندهم من علمه غير ذلك، غرّة باللّه، و كفرا به.

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ أى: قد كان عيسى ممن‏

____________

..........

12

صوّر فى الأرحام، لا يدفعون ذلك و لا ينكرونه، كما صوّر غيره من ولد آدم، فكيف يكون إلها، و قد كان بذلك المنزل؟! ثم قال تعالى إنزاها لنفسه، و توحيدا لها مما جعلوا معه: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏، العزيز فى انتصاره ممّن كفر به إذا شاء، الحكيم فى حجّته و عذره إلى عباده. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ‏ فيهنّ حجّة الربّ، و عصمة العباد، و دفع الخصوم و الباطل، ليس لهنّ تصريف و لا تحريف عما وضعن عليه‏ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏ لهنّ تصريف و تأويل، ابتلى اللّه فيهنّ العباد، كما ابتلاهم فى الحلال و الحرام، ألّا يصرفن إلى الباطل، و لا يحرّفن عن الحقّ. يقول عزّ و جلّ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ‏، أى:

ميل عن الهدى‏ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ‏، أى ما تصرّف منه، ليصدّقوا به ما ابتدعوا و أحدثوا؛ لتكون لهم حجة، و لهم على ما قالوا شبهة ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ، أى: اللبس‏ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ‏. ذلك على ما ركبوا من الضلالة فى قولهم: خلقنا و قضينا. يقول: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ‏، أى: الذي به أرادوا ما أرادوا إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فكيف يختلف و هو قول واحد، من ربّ واحد؟! ثم ردّوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، و اتّسق بقولهم الكتاب، و صدّق بعضه بعضا، فنفذت به الحجّة، و ظهر به العذر، و راح به الباطل، و دمغ به الكفر. يقول اللّه تعالى فى مثل هذا: وَ ما يَذَّكَّرُ فى مثل هذا إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.

____________

..........

13

رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا: أى لا تمل قلوبنا، و إن ملنا بأحداثنا. وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ‏. ثم قال:

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ‏ بخلاف ما قالوا قائِماً بِالْقِسْطِ، أى بالعدل (فيما يريد) لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏، أى: ما أنت عليه يا محمد: التوحيد للربّ، و التصديق للرسل. وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ‏، أى: الذي جاءك، أى: أن اللّه الواحد الذي ليس له شريك.

بَغْياً بَيْنَهُمْ، وَ مَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. فَإِنْ حَاجُّوكَ‏، أى: بما يأتون به من الباطل من قولهم: خلقنا و فعلنا و أمرنا، فإنما هى شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من الحقّ‏ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ‏، أى وحده. وَ مَنِ اتَّبَعَنِ، وَ قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْأُمِّيِّينَ‏ الذين لا كتاب لهم‏ أَ أَسْلَمْتُمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ.

[ما نزل من القرآن فيما ابتدعته اليهود و النصارى‏]

ما نزل من القرآن فيما ابتدعته اليهود و النصارى ثم جمع أهل الكتابين جميعا، و ذكر ما أحدثوا و ما ابتدعوا، من اليهود و النصارى، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ‏ إلى قوله: قُلِ: اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ‏، أى: ربّ العباد، و الملك الذي لا يقضى فيهم غيره‏ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ،

____________

..........

14

وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ، أى: لا إله غيرك‏ إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ، أى: لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك و قدرتك. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ، وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ‏ بتلك القدرة وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ لا يقدر على ذلك غيرك، و لا يصنعه إلا أنت، أى: فإن كنت سلّطت عيسى على الأشياء التي بها يزعمون أنه إله، من إحياء الموتى، و إبراء الأسقام و الخلق للطير من الطين، و الإخبار عن الغيوب، لأجعله به آية للناس، و تصديقا له فى نبوّته التي بعثته بها إلى قومه، فإن من سلطانى و قدرتى ما لم أعطه تمليك الملوك بأمن النبوّة، و وضعها حيث شئت، و إيلاج الليل فى النهار، و النهار فى الليل، و إخراج الحىّ من الميت، و إخراج الميت من الحىّ، و رزق من شئت من برّ أو فاجر بغير حساب؛ فكلّ ذلك لم أسلّط عيسى عليه، و لم أملّكه إياه، أ فلم تكن لهم فى ذلك عبرة و بيّنة! أن لو كان إلها كان ذلك كلّه إليه، و هو فى علمهم يهرب من الملوك، و ينتقل منهم فى البلاد، من بلد إلى بلد.

[ما نزل من القرآن فى وعظ المؤمنين و تحذيرهم‏]

ما نزل من القرآن فى وعظ المؤمنين و تحذيرهم ثم وعظ المؤمنين و حذرهم، ثم قال: قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ‏، أى: إن كان هذا من قولكم حقّا، حبّا للّه و تعظيما له‏ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏، أى: ما مضى من كفركم‏ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ‏ فأنتم تعرفونه و تجدونه فى كتابكم‏ فَإِنْ تَوَلَّوْا، أى: على كفرهم‏ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ‏.

____________

..........

15

[ما نزل من القرآن فى خلق عيسى‏]

ما نزل من القرآن فى خلق عيسى ثم استقبل لهم أمر عيسى: ((عليه السلام))، و كيف كان بدء ما أراد اللّه به، فقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ، وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ ثم ذكر أمر امرأة عمران، و قولها: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً، أى: نذرته فجعلته عتيقا، تعبّده للّه، لا ينتفع به لشى‏ء من الدنيا: فَتَقَبَّلْ مِنِّي، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏، وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏، أى: ليس الذكر كالأنثى لما جعلتها محررا لك نذيرة وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ، وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ‏. يقول اللّه تبارك و تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وَ أَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً، وَ كَفَّلَها زَكَرِيَّا بعد أبيها و أمّها.

قال ابن هشام: كفّلها: ضمّها.

[آيات عن زكريا و مريم‏]

آيات عن زكريا و مريم قال ابن إسحاق: فذكّرها باليتم، ثم قص خبرها و خبر زكريّا، و ما دعا به، و ما أعطاه؛ إذ وهب له يحيى ثم ذكر مريم، و قول الملائكة و طهّرك و اصطفاك لها يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمِينَ. يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ‏ يقول اللّه عزّ و جلّ: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ‏

____________

..........

16

أى: ما كنت معهم‏ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‏.

[تفسير ابن هشام لبعض الغريب‏]

تفسير ابن هشام لبعض الغريب قال ابن هشام: أقلامهم: سهامهم، يعنى قداحهم التي استهموا بها عليها، فخرج قدح زكريّا فضمّها، فيما قال الحسن بن أبى الحسن البصرىّ.

[دعوى كفالة جريج الراهب لمريم‏]

دعوى كفالة جريج الراهب لمريم قال ابن إسحاق: كفّلها هاهنا جريج الراهب، رجل من بنى إسرائيل نجّار، خرج السهم عليه بحملها، فحملها، و كان زكريّا قد كفّلها قبل ذلك، فأصابت بنى إسرائيل أزمة شديدة، فعجز زكريّا عن حملها، فاستهموا عليها أيّهم يكفلها، فخرج السهم على جريج الراهب بكفولها فكفلها. وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏، أى: ما كنت معهم إذ يختصمون فيها. يخبره بخفىّ ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوّته و الحجّة عليهم بما يأتيهم به ممّا أخفوا منه.

ثم قال: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ: الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ‏، أى: هكذا كان أمره، لا كما تقولون فيه‏ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ أى عند اللّه‏ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا وَ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ يخبرهم بحالاته التي يتقلب فيها فى عمره، كتقلّب بنى آدم فى أعمارهم، صغارا و كبارا، إلا أن اللّه خصه‏

____________

..........

17

بالكلام فى مهده آية لنبوّته، و تعريفا للعباد بمواقع قدرته. قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ؟ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ، أى يصنع ما أراد، و يخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ‏ مما يشاء و كيف شاء، فَيَكُونُ‏ كما أراد.

[ما نزل من القرآن فى بيان آيات عيسى (عليه السلام)‏]

ما نزل من القرآن فى بيان آيات عيسى (عليه السلام) ثم أخبرها بما يريد به، فقال: وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ التي كانت فيهم من عهد موسى قبله‏ وَ الْإِنْجِيلَ‏، كتابا آخر أحدثه اللّه عزّ و جلّ إليه لم يكن عندهم إلا ذكره أنه كائن من الأنبياء بعده‏ وَ رَسُولًا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‏، أى يحقّق بها نبوّتى، أنّى رسول منه إليكم‏ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ‏ الذي بعثنى إليكم، و هو ربى و ربّكم‏ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ‏.

[تفسير ابن هشام لبعض الغريب‏]

تفسير ابن هشام لبعض الغريب قال ابن هشام: الأكمه: الذي يولد أعمى. قال رؤبة بن العجّاج:

هرّجت فارتدّ ارتداد الأكمه‏

(و جمعه: كمه). قال ابن هشام: هرّجت: صحت بالأسد، و جلبت عليه. و هذا البيت فى أرجوزة له.

____________

..........

18

وَ أُحْيِ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ‏ أنى رسول اللّه من اللّه إليكم‏ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، أى لما سبقنى عنها وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ‏، أى أخبركم به أنه كان عليكم حراما فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفا عنكم، فتصيبون يسره و تخرجون من تباعاته‏ وَ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ. إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ‏ أى تبريا من الذين يقولون فيه، و احتجاجا لربّه عليهم، فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ‏، أى هذا الذي قد حملتكم عليه و جئتكم به. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى‏ مِنْهُمُ الْكُفْرَ و العدوان عليه، قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ‏ هذا قولهم الذي أصابوا به الفضل من ربهم‏ وَ اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏ لا ما يقول هؤلاء الذين يحاجّونك فيه‏ رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ‏، أى هكذا كان قولهم و إيمانهم.

[رفع عيسى (عليه السلام)‏]

رفع عيسى (عليه السلام) ثم ذكر (سبحانه و تعالى) رفعه عيسى إليه حين اجتمعوا لقتله، فقال:

وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏. ثم أخبرهم و ردّ عليهم فيما أقرّوا اليهود بصلبه، كيف رفعه و طهّره منهم، فقال: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى‏ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَّ، وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذ همّوا منك بما همّوا وَ جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ.

____________

..........

19

ثم القصة؛ حتى انتهى إلى قوله: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ‏ يا محمد مِنَ الْآياتِ وَ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ‏ القاطع الفاصل الحقّ، الذي لا يخالطه الباطل، من الخبر عن عيسى، و عمّا اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلنّ خبرا غيره. إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ‏ فاستمع‏ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ‏، أى ما جاءك من الخبر عن عيسى‏ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏، أى قد جاءك الحقّ من ربك فلا تمترينّ فيه، و إن قالوا:

خلق عيسى من غير ذكر فقد خلقت آدم من تراب، بتلك القدرة من غير أنثى و لا ذكر، فكان كما كان عيسى لحما و دما، و شعرا و بشرا، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ‏، أى من بعد ما قصصت عليك من خبره، و كيف كان أمره، فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ، وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏.

[تفسير ابن هشام لبعض الغريب‏]

تفسير ابن هشام لبعض الغريب قال ابن هشام: قال: أبو عبيدة: نبتهل: ندعو باللعنة، قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة:

لا تقعدنّ و قد أكّلتها حطبا* * * نعوذ من شرّها يوما و نبتهل‏

و هذا البيت فى قصيدة له. يقول: ندعو باللعنة. و تقول العرب: بهل اللّه فلانا، أى لعنه، و عليه بهلة اللّه. (قال ابن هشام): و يقال: بهلة اللّه، أى لعنة اللّه، و نبتهل أيضا: نجتهد، فى الدعاء.

____________

..........

20

قال ابن إسحاق: إِنَّ هذا الذي جئت به من الخبر عن عيسى‏ لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ‏ من أمره‏ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ، وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فَإِنْ تَوَلَّوْا، فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏. فدعاهم إلى النّصف، و قطع عنهم الحجة.

[إباؤهم الملاعنة]

إباؤهم الملاعنة فلما أتى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الخبر من اللّه عنه، و الفصل من القضاء بينه و بينهم، و أمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردّوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك؛ فقالوا له: يا أبا القاسم، دعنا ننظر فى أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، و كان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح، ما ذا ترى؟ فقال: و اللّه يا معشر النصارى لقد عرفتم إن محمدا لنبىّ مرسل، و لقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، و لقد علمتم مالا عن قوم نبيّا قط فبقى كبيرهم، و لا نبت صغيرهم، و إنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فان كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، و الإقامة على ما أنتم عليه من القول فى صاحبكم، فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألّا نلاعنك، و أن نتركك على دينك و نرجع على ديننا، و لكن ابعث معنا رجلا من‏

____________

..........

21

أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا فى أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضا.

[تولية أبى عبيدة أمورهم‏]

تولية أبى عبيدة أمورهم قال محمد بن جعفر: فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ائتونى العشيّة أبعث معكم القوىّ الأمين قال: فكان عمر بن الخطّاب يقول: ما أحببت الإمارة قطّ حبّى إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظّهر مهجّرا، فلما صلى بنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الظهر سلّم، ثم نظر عن يمينه و عن يساره، فجعلت أتطاول له ليرانى، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة ابن الجرّاح، فدعاه فقال: اخرج معهم، فاقض بينهم بالحقّ فيما اختلفوا فيه.

قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة.

[نبذ من ذكر المنافقين‏]

نبذ من ذكر المنافقين‏

[ابن أبى و ابن صيفى‏]

ابن أبى و ابن صيفى قال ابن إسحاق: و قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة- كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة- و سيّد أهلها عبد اللّه بن أبىّ ابن سلول العوفى ثم أحد بنى الحبلى، لا يختلف عليه فى شرفه اثنان، لم تجتمع الأوس و الخزرج قبله و لا بعده على رجل من أحد الفريقين، حتى جاء الإسلام، غيره، و معه فى الأوس رجل، هو فى قومه من الأوس شريف مطاع، أبو عامر عبد عمرو بن صيفىّ بن النّعمان، أحد بنى ضبيعة بن زيد، و هو أبو حنظلة،

____________

..........

22

الغسيل يوم أحد، و كان قد ترهّب فى الجاهليّة و لبس المسوح، و كان يقال له: الراهب. فشقيا بشرفهما و ضرّهما.

[إسلام ابن أبىّ‏]

إسلام ابن أبىّ فأما عبد اللّه بن أبىّ فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه، ثم يملّكوه عليهم، فجاءهم اللّه تعالى برسوله (صلى الله عليه و سلم)، و هم على ذلك. فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام ضغن، و رأى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد استلبه ملكا. فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرا على نفاق و ضغن.

[إصرار ابن صيفى على كفره‏]

إصرار ابن صيفى على كفره و أما أبو عامر فأبى إلا الكفر و الفراق لقومه حين اجتمعوا على الإسلام، فخرج منهم إلى مكة ببضعة عشر رجلا مفارقا للإسلام و لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- كما حدثني محمد بن أبى أمامة عن بعض آل حنظلة بن أبى عامر: لا تقولوا الراهب و لكن قولوا: الفاسق.

[ما نال ابن صيفى جزاء تعريضه بالرسول (صلى الله عليه و سلم)‏]

ما نال ابن صيفى جزاء تعريضه بالرسول (صلى الله عليه و سلم) قال ابن إسحاق: و حدثني جعفر بن عبد اللّه بن أبى الحكيم، و كان قد أدرك و سمع، و كان راوية: أن أبا عامر أتى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين قدم المدينة، قبل أن يخرج إلى مكة، فقال: ما هذا الدّين الذي جئت به؟

____________

..........

23

فقال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال: فأنا عليها؛ فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إنك لست عليها؛ قال: بلى، قال: إنك أدخلت يا محمد فى الحنيفية ما ليس منها، قال: ما فعلت، و لكنى جئت بها بيضاء نقية؛ قال:

الكاذب أماته اللّه طريدا غريبا وحيدا- يعرّض برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- أى أنك جئت بها كذلك. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أجل، فمن كذب ففعل اللّه تعالى ذلك به. فكان هو ذلك عدوّ اللّه، خرج إلى مكة، فلما افتتح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة خرج إلى الطائف. فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام. فمات بها طريدا غريبا وحيدا.

[الاحتكام الى قيصر فى ميراثه‏]

الاحتكام الى قيصر فى ميراثه و كان قد خرج معه علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب، و كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفى، فلما مات اختصما فى ميراثه إلى قيصر، صاحب الرّوم. فقال قيصر: يرث أهل المدر أهل المدر، و يرث أهل الوبر أهل الوبر، فورثه كنانة بن عبديا ليل بالمدر دون علقمة.

[هجاء كعب لابن صيفى‏]

هجاء كعب لابن صيفى فقال كعب بن مالك لأبى عامر فيما صنع:

معاذ اللّه من عمل خبيث‏* * * كسعيك فى العشيرة عبد عمرو

فإما قلت لى شرف و نخل‏* * * فقدما بعت إيمانا بكفر

____________

..........

24

قال ابن هشام: و يروى:

فإما قلت لى شرف و مال‏

قال ابن إسحاق: و أما عبد اللّه بن أبىّ فأقام على شرفه فى قومه متردّدا، حتى غلبه الإسلام، فدخل فيه كارها.

[خروج قوم ابن أبى عليه و شعره فى ذلك‏]

خروج قوم ابن أبى عليه و شعره فى ذلك قال ابن إسحاق: فحدثنى محمد بن مسلم الزّهرىّ، عن عروة بن الزّبير، عن أسامة بن زيد بن حارثة، حبّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال:

ركب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى سعد بن عبادة يعوده من شكو أصابه على حمار عليه إكاف، فوقه قطيفة فدكية مختطمة بحبل من ليف، و أردفنى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خلفه قال: فمرّ بعبد اللّه بن أبىّ، و هو (فى) ظل مزاحم أطمه.

قال ابن هشام: مزاحم: اسم الأطم.

قال ابن إسحاق: و حوله رجال من قومه. فلما رآه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تذمم من أن يجاوزه حتى ينزل فنزل فسلم ثم جلس قليلا فتلا القرآن و دعا إلى اللّه عزّ و جلّ، و ذكر باللّه و حذّر، و بشر و أنذر قال:

و هو زامّ لا يتكلم، حتى إذا فرغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من مقالته، قال: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقا فاجلس فى بيتك فمن جاءك له فحدّثه إياه، (و) من لم يأتك فلا تغتّه به، و لا تأته فى مجلسه‏

____________

..........

25

بما يكره منه. قال: فقال عبد اللّه بن رواحة فى رجال كانوا عنده من المسلمين:

بلى، فاغشنا به، و ائتنا فى، مجالسنا و دورنا و بيتنا، فهو و اللّه مما نحبّ و مما أكرمنا اللّه به و هدانا له، فقال عبد اللّه بن أبىّ حين رأى من خلاف قومه ما رأى:

متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل‏* * * تذلّ و يصرعك الذين تصارع‏

و هل ينهض البازى بغير جناحه‏* * * و إن جذّ يوما ريشه فهو واقع‏

قال ابن هشام: البيت الثانى عن غير ابن إسحاق.

[غضب الرسول (صلى الله عليه و سلم) من كلام ابن أبىّ‏]

غضب الرسول (صلى الله عليه و سلم) من كلام ابن أبىّ قال ابن إسحاق: و حدثني الزّهرىّ، عن عروة بن الزّبير، عن أسامة، قال: و قام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فدخل على سعد بن عبادة، و فى وجهه ما قال عدوّ اللّه ابن أبىّ، فقال: و اللّه يا رسول اللّه إنى لأرى فى وجهك شيئا، لكأنك سمعت شيئا تكرهه؛ قال: أجل ثم أخبره بما قال ابن أبىّ: فقال سعد: يا رسول اللّه، ارفق به، فو اللّه لقد جاءنا اللّه بك، و إنا لننظم له الخرز لنتوّجه، فو اللّه إنه ليرى أن قد سلبته ملكا.

____________

..........

26

[ذكر من اعتل من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)‏]

ذكر من اعتل من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

[مرض أبى بكر و عامر و بلال و حديث عائشة عنهم‏]

مرض أبى بكر و عامر و بلال و حديث عائشة عنهم قال ابن إسحاق: و حدثني هشام بن عروة، و عمر بن عبد اللّه بن عروة، عن عروة بن الزّبير، عن عائشة رضى اللّه عنها، قالت: لما قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة، قدمها و هى أوبأ أرض اللّه من الحمّى، فأصاب أصحابه منها بلاء و سقم، فصرف اللّه تعالى ذلك عن نبيّه (صلى الله عليه و سلم).

قالت فكان أبو بكر، و عامر بن فهيرة، و بلال، موليا أبى بكر، مع أبى بكر فى بيت واحد، فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم، و ذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، و بهم ما لا يعلمه إلا اللّه من شدّة الوعك فدنوت من أبى بكر فقلت له كيف تجدك يا أبت؟ فقال:

كلّ امرئ مصبّح فى أهله‏* * * و الموت أدنى من شراك نعله‏

قالت: فقلت: و اللّه ما يدرى أبى ما يقول. قالت: ثم دنوت إلى عامر ابن فهيرة فقلت له كيف تجدك يا عامر؟ فقال:

لقد وجدت الموت قبل ذوقه‏* * * إنّ الجبان حتفه من فوقه‏

كلّ امرئ مجاهد بطوقه‏* * * كالثّور يحمى جلده بروقه‏

يريد: بطاقته، فيما قال ابن هشام: قالت: فقلت: و اللّه ما يدرى عامر

____________

..........

27

ما يقول! قالت و كان بلال إذا تركته الحمّى اضطجع بفناء البيت. ثم رفع عقيرته فقال:

ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة* * * بفجّ و حولى إذخر و جليل‏

و هل أردن يوما مياه مجنّة* * * و هل يبدون لى شامة و طفيل‏

قال ابن هشام: شامة و طفيل: جبلان بمكة.

[دعاء الرسول (صلى الله عليه و سلم) بنقل وباء المدينة إلى مهيعة]

دعاء الرسول (صلى الله عليه و سلم) بنقل وباء المدينة إلى مهيعة قالت عائشة رضى اللّه عنها: فذكرت لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما سمعت منهم، فقلت: إنهم ليهذون و ما يعقلون من شدّة الحمى. قالت:

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اللهمّ حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، أو أشدّ، و بارك لنا فى مدّها و صاعها و انقل وباءها إلى مهيعة، و مهيعة:

الجحفة.

[ما جهد المسلمين من الوباء]

ما جهد المسلمين من الوباء قال ابن إسحاق: و ذكر ابن شهاب الزهرى، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصى: أن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم) لما قدم المدينة هو و أصحابه أصابتهم حمّى المدينة، حتى جهدوا مرضا، و صرف اللّه تعالى ذلك عن نبيّه (صلى الله عليه و سلم)، حتى كانوا ما يصلّون إلا و هم قعود، قال: فخرج عليهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هم يصلّون كذلك، فقال لهم: اعلموا أن صلاة القاعد

____________

..........

28

على النّصف من صلاة القائم. قال: فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضّعف و السّقم التماس الفضل.

[بدء قتال المشركين‏]

بدء قتال المشركين قال ابن إسحاق: ثم إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تهيّأ لحربه، قام فيما أمره اللّه به من جهاد عدوّه، و قتال من أمره اللّه به ممّن يليه من المشركين، مشركى العرب، و ذلك بعد أن بعثه اللّه تعالى بثلاث عشرة سنة.

____________

ذكر نصارى نجران و ما أنزل اللّه فيهم قد تقدّم أن نجران عرفت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان، و أما أهلها فهم: بنو الحارث بن كعب من مذحج.

تأويل كن فيكون:

ذكر فيه قولهم للنبى (صلى الله عليه و سلم): من أبوه يا محمد، يعنون عيسى، فأنزل اللّه تعالى‏ إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ‏ إلى قوله: كُنْ فَيَكُونُ‏ و فيها نكتة، فإن ظاهر الكلام أن يقول: خلقه من تراب، ثم قال له: كن فكان، فيعطف بلفظ الماضى على الماضى، و الجواب: أن الفاء تعطى التّعقيب و التّسبيب، فلو قال: فكان لم تدل الفاء إلا على التسبيب، و أن القول سبب للكون، فلما جاء بلفظ الحال دلّ مع التسبيب على استعقاب الكون للأمر من غير مهل، و أن الأمر بين الكاف و النون، قال له: كن فإذا

29

..........

____________

هو كائن، و اقتضى لفظ فعل الحال كونه فى الحال، فإن قيل و هى مسألة أخرى: إن آدم مكث دهرا طويلا (1)، و هو طين صلصال، و قوله للشى‏ء:

كن فيكون يقتضى التعقيب، و قد خلق السموات و الأرض فى ستة أيام، و هى ستة آلاف سنة (2)، فأين قوله. كن فيكون من هذا؟

فالجواب: ما قاله أهل العلم فى هذه المسألة، و هو أن قول البارى سبحانه: كن يتوجه إلى المخلوق مطلقا و مقيدا، فإذا كان مطلقا كان كما أراد لحينه، و إذا كان مقيدا بصفة أو بزمان كان كما أراد على حسب ذلك الزمان الذي تقيد الأمر به، فإن قال له: كن فى ألف سنة، كان فى ألف سنة، و إن قال له: كن فيما دون اللحظة كان كذلك.

تأويل آيات محكمات:

فصل. و ذكر صدر سورة آل عمران، و فسّر منه كثيرا، فمنه قوله سبحانه:

مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ‏ و هو ما لا يحتمل إلا تأويلا واحدا، و هو عندى من أحكمت الفرس بحكمته، أى: منعته من العدول عن طريقه كما قال حسان:

____________

(1) من أين جاء بهذا؟

(2) لم يرد بهذا حديث صحيح، و لابن كثير تفسير لقوله تعالى: و إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون «أى: هو تعالى لا يعجل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد بالنسبة إلى حلمه لعلمه بأنه على الانتقام قادر، و أنه لا يفوته شي‏ء، و إن أمهل و أنظر و أملى» و هو تفسير جميل بدفع القول بأن اليوم يساوى ستة ألاف سنة، و ثمت أحاديث تدل على أنها ستة أيام بأيامنا هذه.

و خير للمسلم أن يقف عند الذي ذكر فى القرآن.

30

..........

____________

و نحكم بالقوافى من هجانا

أى: نلجمه فنمنعه، و كذلك الآية المحكمة لا تتصرف بقارئها التأويلات، و لا تتعارض عليه الاحتمالات، و ليس من لفظ الحكمة، لأن القرآن كلّه حكمة و علم. و المتشابه يميل بالناظر فيه إلى وجوه مختلفة، و طرق متباينة، و قوله سبحانه: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ‏ هذا من الحكمة و من الإحكام الذي هو الإتقان، فالقرآن كلّه محكم على هذا، و هو كله من هذا الوجه متشابه أيضا، لأن بعضه يشبه بعضا فى براعة اللفظ، و إعجاز النظم، و جزالة المعنى، و بدائع الحكمة، فكلّه متشابه و كلّه محكم، و على المعنى الأول: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ؛ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏ فأهل الزّيغ يعطفون المتشابه على أهوائهم و يجادلون به عن آرائهم، و الراسخون فى العلم يردّون المتشابه إلى المحكم أخذا بقول اللّه تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ‏ و علما بأن الكلّ من عند اللّه، فلا يخالف بعضه بعضا. روت عائشة عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ‏ قال: إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم أولئك فاحذروهم‏ (1): و للسلف فى معنى‏

____________

(1) رواه البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذى و ابن ماجة و أحمد و لفظ البخاري عن عائشة قالت: «تلا رسول اللّه «ص» هذه الآية (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات) إلى قوله: (و ما يذكر إلا أولو الألباب) قالت:

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): فاذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى فاحذروهم»

31

..........

____________

المحكم و معنى المتشابه أقوال متقاربة، إلا أن منهم من يرى الوقف على قوله:

وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ‏ و يرونه تمام الكلام، و يحتجون بقراءة ابن عباس و يقول الرّاسخون فى العلم‏ (1)، و هو قول عمر بن عبد العزيز أن الراسخين فى العلم لا يعلمون التأويل، و إن علموا التفسير. و التأويل عند هؤلاء غير التفسير، إنما هو عندهم فى معنى قوله سبحانه: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ‏ (2) و طائفة

____________

(1) لا يعتد بمثل هذه القراءات التي لا ترد عن طريق سند صحيح قوى.

(2) التأويل: تفعيل من آل يئول إلى كذا إذا صار إليه، فالتأويل:

التصيير، و أولته تأويلا: إذا صيرته إليه. و تسمى العاقبة: تأويلا، لأن الأمر يصير إليها، و تسمى حقيقة الشي‏ء المخبر به تأويلا لأن الأمر ينتهى إليه، و منه قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ‏ فمجى‏ء تأويله مجي‏ء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر و المعاد و تفاصيله و الجنة و النار، و تسمى العلة الغائية و الحكمة المطلوبة بالفعل تأويلا لأنها بيان لمقصود الفاعل، و غرضه من الفعل الذي لم يعرف الرائى له غرضه به، و منه قول الخضر لموسى: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. فالتأويل فى كتاب اللّه المراد منه: حقيقة المعنى الذي يئول إليه اللفظ، و هى الحقيقة الموجودة فى الخارج، فإن الكلام نوعان، خبر و طلب فتأويل الخبر هو الحقيقة، و تأويل الوعد و الوعيد هو نفس الموعود و المتوعد به و تأويل ما أخبر اللّه به من صفاته العلى، و أفعاله نفس ما هو عليه سبحانه، و ما هو موصوف به من الصفات العلى. و تأويل الأمر هو نفس الأفعال المأمور بها و أما التأويل فى اصطلاح أهل التفسير و السلف من أهل الفقه و الحديث فمرادهم به معنى التفسير و البيان. و أما المعتزلة و الجهمية و غيرهم من المتكلمين، فمرادهم بالتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره، و هو معنى للتأويل لا يوجد فى لغة القرآن انظر ص 10 ح 1 مختصر الصواعق المرسلة للامام ابن القيم ط السلفية المكية سنة 1348 ه و إذا كان التأويل بمعنى الحقيقة الموجودة فى الخارج و كان بالنسبة-

32

..........

____________

يرون أن قوله: و الراسخون معطوف على ما قبله، و أنهم عالمون بالتأويل، و يحتجون بما يطول ذكره من أثر و نظر، و الذي أرتضيه من ذلك مذهب ثالث، و هو الذي قاله ابن إسحاق فى هذا الكتاب، و معناه كلّه أن الكلام قد تمّ فى قوله: و ما يعلم تأويله إلا اللّه. و الراسخون فى العلم: مبتدأ، لكن لا نقول: إنهم لا يعلمون تأويله. كما قالت الطائفة الأولى، و لكن نقول:

إنهم يعلمونه بردّ المتشابه إلى المحكم، و بالاستدلال على الخفيّ بالجلىّ، و على المختلف فيه بالمتّفق عليه، فتنفذ بذلك الحجّة، و يزاح الباطل، و تعظم درجة العالم عند اللّه تعالى، لأنه يقول: آمنت به كلّ من عند ربّى فكيف يختلف؟! و لما كان العلمان مختلفين: علم اللّه، و علم الراسخين فى العلم لم يجز عطف: «الراسخون» على ما قبله، فاللّه يعلم تأويله العلم القديم‏ (1)

____________

- لصفات اللّه و أسمائه، هو نفس ما هو عليه سبحانه، و ما هو موصوف به من الصفات، فإن أحدا لا يعلم شيئا من هذا، و لا يستطيعه حتى الراسخون فى العلم.

أما إذا كان بمعنى التفسير و البيان، فالراسخون يعلمون، كتفسير الاستواء بعلو العلى الغفار، و إذا كان التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره بقرينة مزعومة فهو معنى باطل كأريل الاستواء بالاستيلاء، و خرج صاحب هذا التأويل فى زعمه من شنيع إلى ما هو أشد شناعة و غلظا فيها، و ما فى إخبار اللّه عن نفسه بأنه استوى أثارة من شناعة. و إلا حكمنا على ربنا بأنه لا يحسن البيان، أو بأنه يخبر عن نفسه بما ليس لوجوده أو لمعناه حقيقة، أو يخبر عن نفسه بما فيه شناعة، و أما فى الإخبار عنه بأنه استولى ففيه ما فيه، فيه بهت اللّه بما لم يقله، فيه الحكم على اللّه بأنه غلب يوما على أمره، فالاستيلاء يفيد المغالبة، فيه الزعم بأننا أحسن بيانا من اللّه فى التعبير عن صفاته. و معاذ اللّه جل شأنه‏

(1) لم يرد لا فى القرآن، و لا فى الحديث الصحيح وصف علم اللّه بهذه الصفة التي لا توحى إلا بالعفونة.

33

..........

____________

لا بتذكّر، و لا بتفكّر، و لا بتدقيق نظر، و لا بفحص عن دليل، فلا يعلم تأويله هكذا إلا اللّه. و الراسخون فى العلم يعلمون تأويله بالفحص عن الدليل، و بتدقيق النظر و تسديد العبر، فهم كما قال اللّه تعالى: وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ‏ و هذا معنى كلام ابن إسحاق فى الآية.

احتجاج القسيسين للتثليث:

فصل: و ذكر احتجاج الأحبار و القسّيسين من أهل نجران بقوله عز و جل:

خلقنا و أمرنا و أشباه ذلك، و قالوا هذا يدل على أنه ثالث ثلاثة تعالى اللّه عن قولهم، و هذا من الزّيغ بالمتشابه، دون ردّه إلى المحكم نحو قوله:

وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ و: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و العجب من ضعف عقولهم: كيف احتجّوا على محمد بما أنزل على محمد، و هو أعلم بمعنى ما أنزل عليه، لأن هذا اللفظ الذي احتجوا به مجاز عربى، و ليس هو لفظ التّوراة و الإنجيل، و أصل هذا المجاز فى العربية أن الكتاب إذا صدر عن حضرة ملك كانت العبارة فيه عن الملك بلفظ الجمع دلالة على أنه كلام ملك متبوع على أمره، و قوله، فلما خاطبهم اللّه تعالى بهذا الكتاب العزيز أنزله على مذاهبهم فى الكلام، و جاء اللفظ فيه على أسلوب الكلام الصّادر عن حضرة الملك، و ليس هذا فى غير اللسان العربى، و لا يتطرق هذا المجاز فى حكم العقل إلى الكلام القديم، إنما هو فى اللفظ المنزّل، و لذلك نجده إذا أخبر عن قول قاله لنبى قبلنا، أو خاطب به غيرنا نحو قوله: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ‏ و لم يقل: خلقنا بأيدينا، كما قال: مما عملته أيدينا، و قال حكاية عن وحيه لموسى: وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏

34

..........

____________

عَيْنِي‏ و لم يقل: كما قال فى الآية الأخرى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا لأنه أخبر عن قول قاله لم ينزله بهذا اللسان العربىّ و لم يحك لفظا أنزله، و إنما أخبر عن المعنى، و ليس المجاز فى المعنى، و كذلك لا يجوز لعبد أن يقول ربّ اغفروا، و لا ارحمونى، و لا عليكم توكّلت، و لا إليكم أنبت، و لا قالها نبىّ قطّ فى مناجاته، و لا نبى فى دعائه لوجهين، أحدهما: أنه واجب على العبد أن يشعر قلبه التوحيد، حتى يشاكل لفظه عقده. الثانى: ما قدمناه من سير هذا المجاز، و أن سببه صدور الكلام عن حضرة الملك موافقة للعرب فى هذا الأسلوب من كلامها، و اختصاصها بعادة ملوكها و أشرافها، و لا ننظر لقول من قال فى هذه المسألة، و بذلك روجعوا، يعنى: بلفظ الجمع، و احتج بقوله سبحانه خبرا عمّن حضره الموت من الكفار إذ يقول: ربّ ارجعون، فيقال له: هذا خبر عمّن حضرته الشياطين، أ لا ترى قبله: و أعوذ بك ربّ أن يحضرون، فإنما جاء هذا حكاية عمّن حضرته الشياطين، و حضرته زبانية العذاب و جرى على لسانه فى الموت ما كان يعتاده فى الحياة من رد الأمر إلى المخلوقين، فلذلك خلط، فقال: ربّ، ثم قال: ارجعون‏ (1)، و إلّا فأنت أيها الرجل المجيز لهذا اللفظ فى مخاطبة الربّ سبحانه: هل قلت قطّ فى دعائك: ارحمون يا ربّ، و ارزقون؟! بل لو سمعت غيرك يقولها لسطوت به، و أما قول‏

____________

(1) سبقه إلى هذا ابن جرير الطبرى، ففيه «و إنما ابتدئ الكلام بخطاب اللّه جل ثناؤه، لأنهم استغاثوا به، ثم رجعوا إلى مسئلة الملائكة الرجوع و الرد إلى الدنيا» و نقل عن بعض نحويى الكوفة «قيل ذلك كذلك لأنه مما جرى على وصف اللّه نفسه من قوله: وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً فى غير مكان من القرآن، فجرى هذا على ذاك»

35

..........

____________

مالك و غيره من الفقهاء الأمر عندنا، أو رأينا كذا، أو نرى كذا، فإنما ذلك، لأنه قول لم ينفرد به، و لو انفرد به لكان بدعة، و لم يقصد به تعظيما لنفسه، لا هو و لا غيره من أهل الدين و الدّعة.

احتجاجهم لألوهية عيسى:

و أما احتجاج القسّيسين بأنه كان يحيى الموتى، و يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه، فلو تفكّروا لأبصروا أنها حجّة عليهم، لأن اللّه تعالى خصّه دون الأنبياء بمعجزات تبطل مقالة من كذّبه، و تبطل أيضا مقالة من زعم أنه إله أو ابن الإله و استحال عنده أن يكون مخلوقا من غير أب، فكان نفخه فى الطين، فيكون طائرا حيّا: تنبيها لهم لو عقلوه على أن مثله كمثل آدم خلق من طين، ثم نفخ فيه الرّوح، فكان بشرا حيّا، فنفخ الرّوح فى الطائر الذي خلقه عيسى من طين ليس بأعجب من ذلك، الكلّ فعل اللّه، و كذلك إحياؤه للموتى، و كلامه فى المهد، كلّ ذلك يدل على أنه مخلوق من نفخة روح القدس فى جيب أمّه، و لم يخلق من منىّ الرجال، فكان معنى الرّوح فيه- (عليه السلام)- أقوى منه فى غيره، فكانت معجزاته روحانيّة دالة على قوة المناسبة بينه و بين روح الحياة، و من ذلك بقاؤه حيّا إلى قرب الساعة. و روى عن أبىّ بن كعب أنّ الرّوح الذي تمثّل لها بشرا هو الرّوح الذي حملت به، و هو عيسى (عليه السلام) دخل من فيها إلى جوفها. رواه الكشّى بإسناد حسن يرفعه إلى أبى‏ (1)، و خصّ بإبراء الأكمه و الأبرص،

____________

(1) بدعة توحى إليك بأن وراءها خرفا صليبيا. فالصليبية تزعم هذا.-

36

..........

____________

و فى تخصيصه بإبراء هاتين الآفتين مشاكلة لمعناه- (عليه السلام)- و ذلك أن فرقة عميت بصائرهم، فكذّبوا نبوّته، و هم اليهود و طائفة غلوا فى تعظيمه بعد ما ابيضّت قلوبهم بالإيمان، ثم أفسدوا إيمانهم بالغلوّ، فمثلهم كمثل الأبرص ابيضّ بياضا فاسدا، و مثل الآخرين مثل الأكمه الأعمى، و قد أعطاه اللّه من الدلائل على الفريقين ما يبطل المقالتين‏ (1)، و دلائل الحدوث تثبت له العبوديّة، و تنفى عنه الرّبوبيّة، و خصائص معجزاته تنفى عن أمّه الرّيبة و تثبت له و لها النّبوّة و الصّدّيقيّة، فكان فى مسيح الهدى من الآيات ما يشاكل حاله، و معناه حكمة من اللّه، كما جعل فى الصورة الظاهرة من مسيح الضّلالة، و هو الأعور الدّجّال ما يشاكل حاله، و يناسب صورته الباطنة، على نحو ما شرحنا و بيّنا فى إملاء أمليناه على هذه النّكتة فى غير هذا الكتاب و الحمد للّه.

وضعتها أنثى:

فصل: و ذكر فى تفسير ما نزل فيهم قول حنّة أمّ مريم، و هى بنت ماثان‏ (2)

____________

- و هدى اللّه فى الآيات التي ذكرت المحاورة بين الروح المتمثل بشرا و بين مريم تنفى هذا المفهوم الصليبى.

(1) يوجد فى العهد القديم ما يدل على أن الأبرص كان يعيش بين بنى إسرائيل منبوذا من المجتمع محكوما بنجاسته من الكهنة. اقرأ تفصيل أحكامه هو و غيره فى سفر اللاويين لا سيما الإصحاح الثالث عشر منه.

(2) من أين جاء بهذه الأسماء؟ الخير أن نقف عند الحد الذي بين القرآن.

37

..........

____________

رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ قال بعض أهل التأويل: أشارت إلى معنى الحيض أن الأنثى تحيض، فلا تخدم المسجد، و لذلك قال: (و ليس الذكر كالأنثى) لأن الذّكر لا يحيض، فهو أبدا فى خدمة المسجد، و هذه إشارة حسنة. فإن قيل: كان القياس فى الكلام أن يقال: و ليس الأنثى كالذكر، لأنها دونه، فما باله بدأ بالذّكر؟ و الجواب: أن الأنثى إنما هى دون الذّكر فى نظر العبد لنفسه؛ لأنه يهوى ذكران البنين، و هم مع الأموال زينة الحياة الدنيا و أقرب إلى فتنة العبد، و نظر الربّ للعبد خير من نظره لنفسه، فليس الذّكر كالأنثى على هذا، بل الأنثى أفضل فى الموهبة، أ لا تراه يقول سبحانه:

يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً فبدأ بذكرهنّ قبل الذكور، و فى الحديث: ابدؤوا بالإناث، يعنى: فى الرحمة و إدخال السّرور على البنين، و فى الحديث أيضا «من عال جاريتين دخلت أنا و هو الجنة كهاتين» (1) فترتب الكلام فى التنزيل على حسب الأفضل فى نظر اللّه للعبد، و اللّه أعلم بما أراد.

المباهلة فصل: و ذكر دعاءه (عليه السلام) أهل نجران إلى المباهلة (2)، و أنهم‏

____________

(1) رواية مسلم: «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا و هو و ضم أصابعه» و قريب من هذه رواية الترمذى.

(2) أخرج البخاري بسنده عن حذيفة رضى اللّه عنه قال: جاء العاقب و السيد صاحبا نجران إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يريدان أن يلاعناه قال:

فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فو اللّه لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن و لا عقبنا من، بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، و ابعث معنا رجلا أمينا و لا تبعث-

38

..........

____________

رضوا ببذل الجزية و الصّغار، و أن لا يلاعنوه، و كذلك روى أن بعضهم قال لبعض: إن لاعنتموه، و دعوتم باللّعنة على الكاذب اضطرم الوادى عليكم نارا، و فى تفسير الكشّى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). قال:

لقد تدلّى إليهم العذاب، و الذي نفسى بيده لو باهلونى لاستؤص‏لوا من على جديد الأرض.

نكتة: فى قوله: نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ، وَ [نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ‏] بدأ بالأبناء و النساء قبل الأنفس. و الجواب: أن أهل التفسير قالوا أنفسنا و أنفسكم، أى ليدع بعضنا بعضا، و هذا نحو قوله: فسلّموا على أنفسكم فى أحد القولين، أى: يسلم بعضكم على بعض، فبدأ بذكر الأولاد الذين هم فلذ الأكباد، ثم بالنساء التي جعل بيننا و بينهم مودّة و رحمة، ثم من وراءهم من دعاء بعضهم بعضا، لأن الإنسان لا يدعو نفسه، و انتظم الكلام على الأسلوب المعتاد فى إعجاز القرآن. و فى حديث أهل نجران زيادة كثيرة عن ابن إسحاق من غير رواية ابن هشام، منها أن راهب نجران حين رجع الوفد و أخبروه الخبر رحل إلى النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- فسمع منه و أهدى إليه القضيب و القعب و البرد (1) الذي هو الآن عند خلفاء بنى العبّاس يتوارثونه.

____________

- معنا إلا أمينا فقال: لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين، فاستشرف لها أصحاب رسول اللّه «ص» فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام، قال رسول اللّه «ص» «هذا أمين هذه الأمة» و رواه أيضا مسلم و الترمذى و النسائى و ابن ماجة بنحوه.

و من حديث آخر «لو خرج الذين يباهلون رسول اللّه «ص» لرجعوا لا يجدون مالا، و لا أهلا» البخاري و الترمذى و النسائى.

(1) البرد: ثوب مخطط، و القعب: القدح الضخم، و القضيب: السيف اللطيف الدقيق‏

39

..........

____________

سلول:

فصل: و ذكر قصة عبد اللّه بن أبىّ بن سلول، و سلول: هى أم أبىّ، و هى خزاعيّة، و هو أبىّ بن مالك من بنى الحبلى، و اسم الحبلى: سالم و النّسب إليه:

حبلىّ بضمتين، كرهوا أن يقولوا: حبلوىّ أو حبلىّ أو حبلاوىّ على قياس النّسب، لأن حبلى و سكرى و نحوهما إذا كانا اسما لرجل، لم يجر فى الجمع على حكم التأنيث، و كذلك فعلاء بالمد تقول فى جمع رجل اسمه: سلمى أو ورقاء الورقاوون و السّلمون، و هذا بخلاف تاء التأنيث، فإنك تقول فى طلحة اسم رجل طلحات، كما كنت تقول فى غير العلميّة، لأن التاء لا تكون إلا للتأنيث، و الألف تكون للتأنيث و غيره، فلما كانت ألف التأنيث بخلاف تاء التأنيث فى الأسماء و الأعلام كان النسب إليها مخالفا للنسب إلى ما فيه ألف التأنيث فى غير الأعلام، غير أن هذا فى باب النسب لا يطّرد و إن اطّرد الجمع، كما قدمنا، و كانت النّكتة التي خصّ بها النسب فى بنى الحبلى بمخالفة القياس كراهيتهم لحكم التأنيث فيه لأن الحبلى وصف للمرأة بالحبل، فليس كراهيتهم لبقاء حكم التأنيث فيمن اسمه سلمى من الرجال ككراهيتهم لبقاء حكم التأنيث فيمن اسمه: حبلى؛ فلذلك غيّروا النسب، حتى كأنهم نسبوا إلى حبل و اللّه أعلم‏ (1).

____________

(1) فى اللباب لابن الأثير «الحبلى بضم الحاء المهملة و الباء الموحدة. قال أبو على البغدادى فى كتاب التاريخ: فلان الحبلى منسوب إلى حى من اليمن من الأنصار يقال لهم: بنو الحبلى. و ذكر سيبويه النحوى: الحبلى بفتح الباء؛ و قال: هو منسوب إلى بنى الحبلى و المشهور بهذه النسبة أبو عبد الرحمن الحبلى من تابعى أهل مصر.» ثم قال ابن الأثير: هذا نص كلام السمعانى لم أسقط منه شيئا، و هو يدل على أن أبا عبد الرحمن الحبلى من بنى الحبلى من الأنصار، و ليس كذلك، إنما هو منسوب إلى بطن من المعافر، و هم أيضا من اليمن، و أما بنو-

40

..........

____________

و أما سلول فى خزاعة، و قد تقدم عند ذكر حبشيّة بن سلول فاسم رجل مصروف، و أما بنو سلول بن صعصعة إخوة بنى عامر فهم: بنو مرّة بن صعصعة. و سلول: أمهم، و هى بنت ذهل بن شيبان، فجميع ما وقع لابن إسحاق فى السّير من سلول: ثلاثة: واحد اسم رجل مصروف، و ثنتيان غير مصروفتين، و هما اللتان ذكرنا.

الملك فى العرب و ذكر أن الأنصار كانوا قد نظموا الخرز لعبد اللّه بن أبىّ ليتوّجوه و يملّكوه عليهم، و ذلك أن الأنصار يمن، و قد كانت الملوك المتوّجون من اليمن فى آل قحطان، و كان أول من تتوّج منهم سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، و لم يتوّج من العرب إلا قحطانىّ كذلك قال أبو عبيدة، فقيل له: قد تتوّج هوذة بن على الحنفى صاحب اليمامة، و قال فيه الأعشى:

____________

- الحبلى من الأنصار، فينسب إليهم عبد اللّه بن أبى مالك بن الحارث بن عبيد ابن مالك بن سالم الحبلى و أم أبى سلول الخزاعية» ثم قال ابن الأثير: «الحبلى:

بضم الحاء و سكون الباء الموحدة و إمالة اللام، هذه اللفظة لقب سالم بن غنم ابن عوف بن الخزرج بن حارثة قال ابن الكلبى: إنما سمى الحبلى لعظم بطنه» ثم قال ابن الأثير: «قلت و هذه الترجمة أيضا لفظ السمعانى و لا شك أنه ظن أن سالم ابن غنم بن عوف هو غير الذي تقدم فى الترجمة قبلها، و لعله اشتبه عليه حيث رأى فى تلك الأولى أن الحبلى منسوب إلى حى من اليمن من الأنصار و رأى هاهنا أنه لقب سالم، و هو من الأنصار، و الانصار من اليمن، و لو لا أنه ظن أنهما اثنان لما ترجم عليهما ترجمتين، و اللّه أعلم» و فى القاموس عن النسب إلى بنى الحبلى «و هو حبلى بالضم و بضمتين، و كجهنى»

41

..........

____________

من يرى هوذة يسجد غير متّئب‏* * * إذا تعمّم فوق التاج أو وضعا (1)

و فى الخرزات التي بمعنى التاج يقول الشاعر [لبيد يذكر الحارث بن أبى شمر الغسّانى‏].

رعى خرزات الملك عشرين حجّة* * * و عشرين حتى فاد و الشّيب شامل‏ (2)

و قال أبو عبيدة: لم يكن تاجا، و إنما كانت خرزات تنظّم، و كان سبب تتوّج هوذة أنه أجار لطيمة لكسرى منعها ممّن أرادها من العرب، فلما وفد عليه توّجه لذلك و ملّكه:

مزاحم اطمه:

فصل: و ذكر فى حديث عبد اللّه بن أبىّ أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

____________

(1) البيت فى اللسان فى مادة هوذ: «من يلق هوذة يسجد غير متتب» و هذا هو الصواب. و أتأب: خزى و استحيا.

(2) قبل البيت:

و غسان زلت يوم جلق زلة* * * لسيدها و الأريحى الحلاحل‏

و بعده:

فأضحى كأحلام النيام نعيمهم‏* * * و أى نعيم خلته لا يزايل‏

اللسان و الأمالى ص 75 ط 2 ح. و يعنى بالبيت المذكور فى الروض أنه ساش‏] الملك أربعين سنة، و قال يقول: مات: أما فاد يفيد: تبختر.

42

..........

____________

مرّ به، و هو فى ظلّ مزاحم أطمه، و آطام المدينة: سطوح‏ (1)، و لها أسماء، فمنها مزاحم و منها الزّوراء أطم بنى الجلاح، و منها معرض أطم بنى ساعدة، و منها: فارغ أطم بنى حديلة، و منها مسعط (2)، و منها: و اقم، و فى معرض يقول الشاعر:

و نحن دفعنا عن بضاعة كلّها* * * و نحن بنينا معرضا فهو مشرف‏

فأصبح معمورا طويلا قذاله‏* * * و تخرب آطام بها و تقصّف‏

و بضاعة أرض بنى ساعدة، و إليها تنسب بئر بنى بضاعة. و الأجشّ و كان بقباء، و الحميم و النواحان، و هما أطمان لبنى أنيف و صرار و كان بالجوّانيّة و الرّيّان و الشّبعان و هو فى نمغ. و راتح و الأبيض، و منها عاصم و الرّعل‏ (3) و كان لحضير بن سماك، و منها خيط و واسط و حبيش، و الأغلب و منيع، فهذه آطام المدينة ذكر أكثرها الزبير، و الاطم: اسم مأخوذ من ائتطم: إذا ارتفع و علا، يقال: ائتطم علىّ فلان إذا غضب و انتفخ، و الأطمات: نيران معروفة فى جبال لا تخمد فيها، تأخذ بأعنان السماء، فهى‏

____________

(1) جمع القلة آطام، و الكثرة: أطوم و أطم. و المفرد: أطمة، و هو كل بيت مربع مسطح، أو الحصن المبنى بالحجارة.

(2) فى الأصل مسعط و التصويب من وفاء الوفاء و هى أطم لبنى حديلة غربى مسجد أبى بن كعب ص 374 ح 2.

(3) ضبطها البكرى بفتح الراء، و كذا صاحب المراصد، و فى وفاء الوفا للسمهودى بكسر الراء، و قال: أطم بمنازل عبد الأشهل ص 312 ح 2.

43

..........

____________

أبدا باقية، لأنها فى معادن الكبريت، و قد ذكر المسعودى منها جملة، و ذكر مواضعها، و قول عبد اللّه بن أبى:

متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل‏* * * تذلّ و يصرعك الّذين تصارع‏

يقال: إن ابن أبىّ تمثل بهما، و يقال: إنهما لخفاف بن ندبة و خفاف هو: ابن عمرو بن الشّريد أحد غربان‏ (1) العرب، و أمّه. ندبة، و يقال فيها: ندبة، و ندبة، و هو سلمى.

و ذكر فى حديث عبد اللّه أن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- دخل على سعد بن عبادة يعوده، و فى رواية يونس زيادة، فيها فقه قال: كان سعد قد دعاه رجل من الليل فخرج إليه فضربه الرجل بسيف فأشواه‏ (2)، فجاءه النبيّ (صلى الله عليه و سلم) يعوده من تلك الضّربة، و لامه على خروجه ليلا، و هذا هو موضع الفقه.

وعك أبى بكر و بلال و عامر فصل: و ذكر حديث عائشة حين وعك أبو بكر، و بلال و عامر بن فهيرة، و ما أجابوها به من الرّجز فيذكر أن قول عامر:

____________

(1) غربان العرب: سودانهم. و الأغر به فى الجاهلية: عنترة و خفاف، و أبو عمير بن الحباب، و سليك بن السلكة. و هشام بن عقبة بن أبى معيط إلا أنه مخضرم. و من الإسلاميين: عبد اللّه بن خازم، و عمير بن أبى عمير، و همام ابن مطرف، و منتشر بن وهب، و مطر بن أوفى، و تأبط شرا، و الشنفرى و حاجز غير منسوب.

(2) لم يصب منه مقتلا.

44

..........

____________

لقد وجدت الموت قبل ذوقه‏ (1) إنه لعمرو بن مامة، و فى هذا الخبر و ما ذكر فيه من حنينهم إلى مكة ما جبلت عليه النفوس من حبّ الوطن و الحنين إليه، و قد جاء فى حديث أصيل الغفارىّ‏ (2)، و يقال فيه: الهدلى أنه قدم من مكة، فسألته عائشة:

كيف تركت مكّة يا أصيل؟ فقال: تركتها حين ابيضّت أباطحها، و أحجن ثمامها، و أعذق إذخرها، و أمشر سلمها، فاغرورقت عينا رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و قال: لا تشوّقنا يا أصيل، و يروى أنه قال له: دع القلوب تقرّ (3) و قد قال الأول:

ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة* * * بوادى الخزامى حيث ربّتنى أهلى‏

بلاد بها نيطت علىّ تمائمى‏* * * و قطّعن عنّى حين أدركنى عقلى‏

و أما قول بلال:

____________

(1) الحديث فى البخاري و غيره.

(2) هو ابن عبد اللّه أو ابن سفيان، و قيل فى نسبه الخزاعى أيضا.

(3) لم يرو هذا أحد من أصحاب الكتب الستة، و إنما رواه الخطابى فى غريبه و أبو موسى فى الذيل، و الجاحظ فى كتاب البيان. و أحجن الثمام: خرجت حجنته أى خوصه أو بدا ورقه، و أعذق الإذخر: خرج ثمره، و أمشر سلمها: المشرة:

: شبه خوصة تخرج فى العضاة، و فى كثير من الشجر. يقال مشر الشجر، و مشر و أمشر.

45

..........

____________

بفجّ‏ (1)و حولى إذخر و جليل‏

ففجّ موضع خارج مكة به موية يقول فيه الشاعر:

ما ذا بفجّ من الإشراق و الطّيب‏* * * و من جوار نقيّات رعابيب‏

(2) و بفجّ اغتسل رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و هو محرم، و الإذخر من نبات مكة. قال أحمد بن داود و هو أبو حنيفة الدينورى صاحب كتاب النبات: الإذخر فيما حكى عن الأعراب الأول له أصل مندفق و قضبان دقاق، و هو ذفر الرّيح، و هو مثل الأصل أصل الكولان إلّا أنه أعرض كعوبا (3)، و له ثمرة كأنها مكاسح القصب‏ (4) إلّا أنها أرقّ و أصغر. قال أبو زياد، الأذخر يشبّه فى نباته بنبات الأسل الذي تعمل منه الحصر، و يشبه نباته الغرز، و الغرز ضرب من الثّمام، واحدته: غرزة، و يتّخذ من الغرز

____________

(1) رواية البخاري و ياقوت: بواد بدلا من فج، و تروى: فخ كما جاء فى اللسان و المراصد و كما روى الخشنى عن أبى حنيفة اللغوى و الهمدانيّ فى صفة جزيرة العرب، و فى كتابه مختصر البلدان، و ياقوت فى كتابه المشترك وصفا:

و فى النهاية لابن الأثير، و قال عنه: «موضع عند مكة، و قيل: واد دفن به عبد اللّه بن عمر، و هو أيضا ماء أقطعه النبيّ «ص» و عظيم بن الحارث المحاربى».

(2) جارية رعبوب و رعبوبة، و رعبيب الحسنة الغضة الطويلة الحلوة الناعمة ..

(3) هو البردى. و فى المحكم: نبات ينبت فى الماء مثل البردى، و هو بفتح الكاف، و قد تضم.

(4) مكاسح: جمع: مكسحة المكنسة.

46

..........

____________

الغرابيل و الأذخر أرقّ منه، و الأذخر يطحن فيدخل فى الطيب، و قال أبو عمرو: و هو من الجنبة، و قلّما تنبت الأذخرة منفردة، و قال فى الجليل عن أبى نصر: إن أهل الحجاز يسمّون الثّمام الجليل، و معنى الجنبة التي ذكر أبو عمرو: و هو كل نبات له أصول ثابتة، لا تذهب بذهاب فرعه فى الغيط، و تلقح فى الخريف، و ليست كالشّجر الذي يبقى أصله و فرعه فى الغيط، و لا كالنّجم الذي يذهب فرعه و أصله، فلا يعود إلّا زريعته جانب النّجم و الشّجر، فسمّى جنبة (1)، و يقال للجنبة أيضا: الطريفة، قاله أبو حنيفة.

و مجنّة سوق من أسواق العرب بين عكاظ و ذى المجاز، و كلها، أسواق قد تقدم ذكرها. و مجنّة يجوز أن تكون مفعلة و فعلة، فقد قال سيبويه: فى المجنّ إن ميمه أصلية، و أنه فعل، و خالفه فى ذلك الناس و جعلوه مفعلا، من جنّ إذا ستر، و من أسواقهم أيضا حباشة، و هى أبعد من هذه، و أما شامة و طفيل، فقال الخطّابى فى كتاب الأعلام فى شرح البخاري: كنت أحسبهما جبلين، حتى مررت بهما، و وقفت عليهما فإذا هما عينان من ماء، و يقوّى قول الخطابى إنهما عينان قول كثيّر:

و ما أنس م الأشياء لا أنس موقفا* * * لنا، و لها بالخبت خبت طفيل‏ (2)

____________

(1) الجنبة: عامة الشجر التي تتربل فى الصيف، أو ما كان بين الشجر و البقل.

(2) من قصيدة أو لها:

ألا حييا ليلى أجد رحيلى‏* * * و آذن أصحابى غدا بقفول‏

و القصيدة بطولها فى الأمالى، و قد ورد بيت السهيلى هكذا:

تواهقن بالحجاج من بطن نخلة* * * و من عزور و الخبت خبت طفيل‏

47

..........

____________

و الخبت: منخفض الأرض.

و ذكر قول النبيّ (صلى الله عليه و سلم): اللهم حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكّة، و بارك لنا فى مدّها و صاعها (1) يعنى الطّعام الذي يكال بالصّاع، و لذلك قال فى حديث آخر: «كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه» (2)، و شكا إليه قوم سرعة فناء طعامهم، فقال: أ تهيلون أم تكيلون؟ فقالوا: بل نهيل، فقال: كيلوا و لا تهيلوا (3) و من رواه: قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه‏ (4)، فمعناه عندهم: تصغير الأرغفة، و هكذا رواه البزار من طريق أبى الدّرداء، و ذكر فى تفسيره ما قلناه، و ذكر أبو عبيد: المدّ فى كتاب الأموال، أعنى مدّ المدينة فقال: هو رطل و ثلث، و الرّطل: مائة و ثمانية و عشرون درهما، و الدّرهم خمسون حبّة و خمسان.

و قوله (صلى الله عليه و سلم): و أنقل حمّاها: و اجعلها بمهيعة، و هى الجحفة، كأنه (عليه السلام) لم يرد إبعاد الحمّى عن جميع أرض الإسلام،

____________

(1) فى مسلم: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد، و صححها و بارك لنا فى صاعها و مدها، و حول حماها إلى الجحفة» و فى البخاري «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد. اللهم بارك لنا فى صاعنا و فى مدنا، و صححها لنا و انقل حماها إلى الجحفة».

(2) البخاري و أحمد و ابن ماجة.

(3) يقول ابن اثير فى النهاية: «كل شي‏ء أرسلته إرسالا من طعام أو شراب أو رمل فقد هلته هيلا. يقال: هلت الماء، و أهلته إذا صببته و أرسلته.

(4) الطبرانى و هو ضعيف و قد سئل الأوزاعى عنه فقال: صغر الأرغفة.

48

..........

____________

و لو أراد ذلك لقال: انقل حمّاها، و لم يخصّ موضعا، أو كان يخصّ بلاد الكفر، و ذلك- و اللّه أعلم- لأنه قد نهى عن سبّ الحمّى و لعنها فى حديث أم المسيّب‏ (1) و أخبر أنها طهور، و أنها حظّ كلّ مؤمن من النار (2)،

____________

(1) روى مسلم فى صحيحه عن جابر أنه (صلى الله عليه و سلم) دخل على أم السائب، أو أم المسيب، فقال: «مالك تزفزفين؟ قالت الحمى، لا بارك اللّه فيها، فقال: لا تسبى الحمى، فانها تذهب خطايا بنى آدم كما يذهب الكير خبث الحديد» و فى رواية: ترفرفين. و المعنى متقارب. فالمقصود: الرعدة التي تحصل للمحموم. و من البين هنا أن أم المسيب قالت: لا بارك اللّه فى الحمى، فهو دليل ضيق نفس و برم بالحمى، فأريد لها اللياذ بالصبر و الجلد. بدليل ما ورد. حديث رواه الطبرانى عن فاطمة الخزاعية أنها قالت: «عاد النبيّ «ص» امرأة من الأنصار، و هى وجعة، فقال: لها: كيف تجدينك؟ قالت: بخير، إلا أن أم ملدم قد برحت بى، فقال النبيّ «ص»: اصبرى، فإنها تذهب خبث ابن آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد» و أم ملدم كنية الحمى و الميم الأولى مكسورة زائدة.

و ألدمت عليه الحمى: دامت، و بعضهم يقولها بالذال المعجمة.

(2) ورد ذلك فى حديث رواه أحمد «الحمى كير من جهنم، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من جهنم» و عند الطبرانى «الحمى من فيح جهنم و هى نصيب المؤمن من النار» و ورد وصفها بأنها طهور فى حديث رواه أحمد و ابن حبان و الطبرانى قيل فيه إن أم ملدم- و هى الحمى استأذنت على رسول اللّه «ص» فأمر بها إلى أهل قباء، فأصابهم منها عنت شديد، فشكوا إلى النبيّ «ص»، فقال: ما شئتم: إن شئتم دعوت اللّه، فكشفها عنكم، و إن شئتم أن تكونوا لكم طهورا؟ قالوا:

أو تفعله؟ قال: نعم قالوا: فدعها».

و أقول: لا يتصور مسلم فى رسول اللّه «ص»- و هو بالمؤمنين رءوف رحيم كما وصفه اللّه- يطلب من اللّه أن ينقل مثل هذا المرض الذي يرهق، و يوهن من قوة الجماعة الإسلامية إلى بلد إسلامية أبدا. و تدبر أن اللّه قال له-

49

..........

____________

فجمع بين الرّفق بأصحابه فدعا لهم بالشّفاء منها، و بين أن لا يحرموا أيضا الأجر فيما يصيبوا منها، فلم يبعدها كلّ البعد.

و أما مهيعة، فقد اشتد الوباء فيها بسبب هذه الدعوة، حتى قيل: إن الطائر يمرّ بغدير خمّ فيسقم، و غدير خمّ فيها، و يقال: إنها، ما ولد فيها مولود فبلغ الحلم، و هى أرض بجعة (1) لا تسكن، و لا يقام فيها إقامة دائمة فيما بلغنى و اللّه أعلم.

و ذكر تحريم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة، و فى غير هذه الرواية عن ابن إسحاق عن شرحبيل بن سعد، قال: كنت أصطاد فى حرم المدينة بالوقاقيص، و هى شباك الطّير، فاصطدت نهسا، فأخذه زيد بن ثابت، و صكّ فى قفاى، ثم أرسله.

و ذكر حديث عبد اللّه بن عمرو، و قوله (عليه السلام): صلاة القاعد

____________

- حين دعا على من آذوه: ليس لك من الأمر شي‏ء» فكيف بمن ناصروه و عزروه؟

و لقد ورد عنه فى حديث رواه مسلم و أبو داود و ابن خزيمة فى صحيحه:

«لا تدعوا على أنفسكم، و لا تدعوا على أولادكم، و لا تدعوا على خدمكم، و لا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من اللّه ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم» فكيف يدعو على أهل جحفة، أو على أهل قباء؟ ما ذنب أهل البلدين؟، و هل يتفق هذا مع الخلق العظيم لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؟ ثم إن هدى الإسلام يؤكد أن على الإنسان أن يسعى فى سبيل أن يشفيه اللّه من مرضه، و أن يضرع إلى اللّه بهذا فى كل أوقات مرضه.

(1) النجعة: طلب الكلأ و مساقط الغيث. و ما سبق عن جحفة كلام لا يصح أن يكتب، و لا أن يردد

50

..........

____________

على النّصف من صلاة القائم حين رآهم يصلّون قعودا من الوعك، قال فتجشّم الناس القيام على ما بهم من السّقم: و هذا الحديث بهذا اللفظ يقوّى ما تأوله الخطابى فى صلاة القاعد أنها على النّصف من صلاة القائم، ثم قال الخطّابى: إنما ذلك للضّعيف الذي يستطيع القيام بكلفة، و إن كان عاجزا عن القيام البتّة، فصلاته مثل صلاة القائم، و هذا كلّه فى الفريضة، و النافلة، و خالف أبو عبيد فى تخصيصه هذا الحديث بصلاة النافلة فى حال الصّحة، و احتجّ الخطّابى بحديث عمران بن حصين، و فيه: و صلاته قائما على النّصف من صلاته قاعدا، قال: و قد أجمعت الأمة أن لا يصلّى أحد مضطجا إلّا من مرض، فدل على أنه لم يرد بهذا الحديث كلّه إلا المريض الذي يقدر على القيام بكلفة، أو على القعود بمشقة، و نسب بعض الناس النّسوىّ إلى التّصحيف فى هذا الحديث، و قالوا إنما هو و صلاته نائما على النّصف من صلاته قاعدا، فتوهمه النّسوىّ قائما، أى مضطجعا، فترجم عليه فى كتابه: باب صلاة النائم، و ليس كما قالوا، فإن فى الرواية الثانية: و صلاة النائم على النّصف من صلاة القاعد، و مثل هذا لا يتصحّف، و قول الخطابى: أجمعت الأمة على أن المضطجع لا يصلّى فى حال الصّحّة نافلة و لا غيرها، وافقه أبو عمر على ادّعاء الإجماع فى هذه المسألة، و ليست بمسألة إجماع كما زعما، بل كان من السّلف من يجيز للصحيح أن يتنفّل مضطجعا، منهم الحسن البصرى، ذكر ذلك أبو عيسى التّرمذىّ فى مصنفه.

51

[تاريخ الهجرة]

تاريخ الهجرة بالإسناد المتقدّم عن عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد اللّه البكّائى، عن محمد بن إسحاق المطلبى، قال: قدّم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة يوم الاثنين، حين اشتدّ الضحاء، و كادت الشمس تعتدل، لثنتى عشرة ليله مضت من شهر ربيع الأوّل، و هو التاريخ، (فيما) قال ابن هشام.

قال ابن إسحاق: و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يومئذ ابن ثلاث و خمسين سنة، و ذلك بعد أن بعثه اللّه عزّ و جلّ بثلاث عشرة سنة، فأقام بها بقيّة شهر ربيع الأوّل، و شهر ربيع الأخر، و جماديين، و رجبا، و شعبان، و شهر رمضان، و شوّالا، و ذا القعدة، و ذا الحجة- و ولى تلك الحجّة المشركون- و المحرّم، ثم خرج غازيا فى صفر على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمه المدينة.

قال ابن هشام: و استعمل على المدينة سعد بن عبادة.

[غزوة ودان‏]

غزوة ودان و هى أول غزواته (عليه الصلاة و السلام)

[موادعة بنى ضمرة و الرجوع من غير حرب‏]

موادعة بنى ضمرة و الرجوع من غير حرب قال ابن إسحاق: حتى بلغ ودّان، و هى غزوة الأبواء، يريد قريشا و بنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، و كان الذي وادعه منهم عليهم مخشى بن عمرو الضّمرى، و كان سيدهم فى زمانه‏

____________

..........

52

ذلك. ثم رجع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى المدينة، و لم يلق كيدا، فأقام بها بقية صفر، و صدرا من شهر ربيع الأول.

قال ابن هشام: و هى أول غزوة غزاها.

[سرية عبيدة بن الحارث‏]

سرية عبيدة بن الحارث و هى أول راية عقدها (عليه الصلاة و السلام) قال ابن إسحاق: و بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فى مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطّلب بن عبد مناف بن قصىّ فى ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز، بأسفل ثنيّة المرة، فلقى بها جمعا عظيما من قريش، فلم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبى وقّاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أوّل سهم رمى به فى الإسلام.

[من فر من المشركين الى المسلمين‏]

من فر من المشركين الى المسلمين ثم انصرف القوم عن القوم، و للمسلمين حامية. و فرّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهرانى، حليف بنى زهرة، و عتبة بن غزوان ابن جابر المازنى، حليف بنى نوفل بن عبد مناف، و كانا مسلمين، و لكنهما خرجا ليتوصّلا بالكفّار. و كان على القوم عكرمة بن أبى جهل.

قال ابن هشام: حدثني ابن أبى عمرو بن العلاء، عن أبى عمرو المدنىّ:

____________

..........

53

أنه كان عليهم مكرز بن حفص بن الأخيف، أحد بنى معيص بن عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر.

[شعر أبى بكر فيها]

شعر أبى بكر فيها قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصدّيق رضى اللّه عنه، فى غزوة عبيدة ابن الحارث- قال ابن هشام: و أكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة لأبى بكر رضى اللّه عنه:

أمن طيف سلمى بالبطاح الدّمائث‏* * * أرقت و أمر فى العشيرة حادث‏

ترى من لؤيّ فرقة لا يصدّها* * * عن الكفر تذكير و لا بعث باعث‏

رسول أتاهم صادق فتكذّبوا* * * عليه و قالوا: لست فينا بما كث‏

إذا ما دعوناهم إلى الحقّ أدبروا* * * و هرّوا هرير المجحرات اللّواهث‏

فكم قد متتنا فيهم بقرابة* * * و ترك التّقى شي‏ء لهم غير كارث‏

فإن يرجعوا عن كفرهم و عقوقهم‏* * * فما طيبات الحلّ مثل الخبائث‏

و إن يركبوا طغيانهم و ضلالهم‏* * * فليس عذاب اللّه عنهم بلابث‏

و نحن أناس من ذؤابة غالب‏* * * لنا العزّ منها فى الفروع الأثائث‏

فأولى بربّ الرّاقصات عشيّة* * * حراجيج تخدى فى السّريح الرثائث‏

كأدم ظباء حول مكّة عكّف‏* * * يردن حياض البئر ذات النّبائث‏

لئن لم يفيقوا عاجلا من ضلالهم‏* * * و لست إذا آليت قولا بحانث‏

لتبتدرنّهم غارة ذات مصدق‏* * * تحرّم أطهار النّساء الطّوامث‏

____________

..........

54

تغادر قتلى تعصب الطير حولهم‏* * * و لا ترأف الكفّار رأف ابن حارث‏

فأبلغ بنى سهم لديك رسالة* * * و كلّ كفور يبتغى الشرّ باحث‏

فإن تشعثوا عرضى على سوء رأيكم‏* * * فإنى من أعراضكم غير شاعث‏

[فأجابه عبد اللّه بن الزّبعرى السّهمى فقال‏]

فأجابه عبد اللّه بن الزّبعرى السّهمى فقال:

أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث‏* * * بكيت بعين دمعها غير لابث‏

و من عجب الأيّام و الدّهر كلّه‏* * * له عجب من سابقات و حادث‏

لجيش أتانا ذى عرام يقوده‏* * * عبيدة يدعى فى الهياج ابن حارث‏

لنترك أصناما بمكّة عكّفا* * * مواريث موروث كريم لوارث‏

فلمّا لقيناهم بسمر ردينة* * * و جرد عتاق فى العجاج لواهث‏

و بيض كأنّ الملح فوق متونها* * * بأيدى كماة كاللّيوث العوائث‏

نقيم بها إصعار من كان مائلا* * * و نشفى الذّحول عاجلا غير لابث‏

فكفوا على خوف شديد و هيبة* * * و أعجبهم أمر لهم أمر رائث‏

و لو أنّهم لم يفعلوا ناح نسوة* * * أيامى لهم، من بين نس‏ء و طامث‏

و قد غودرت قتلى يخبّر عنهم‏* * * حفىّ بهم أو غافل غير باحث‏

فأبلغ أبا بكر لديك رسالة* * * فما أنت عن أعراض فهر بما كث‏

و لمّا تجب منى يمين غليظة* * * تجدّد حربا حلفة غير حانث‏

قال ابن هشام: تركنا منها بيتا واحدا، و أكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة لابن الزّبعرى.

____________

..........