الروضة في فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهما السلام)

- شاذان بن جبرئيل القمي‏ المزيد...
239 /
11

[نبذة حول سيرة المؤلف و ما يعنى به‏]

ترجمة المؤلف‏

شاذان بن جبرئيل بن إسماعيل بن أبي طالب: الملقب (سديد الدين) أبو الفضل القمي، نزيل مهبط وحي اللّه و دار هجرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

الثناء عليه‏

أثنى عليه كل من طرق اسمه عند ترجمته أو في وريقات الإجازات و وصفوه بالفقيه:

الأفندي في رياض العلماء، و الحر العاملي في أمل الآمل قالا:

الشيخ الجليل الثقة أبو الفضل كان عالما، فاضلا، فقيها، عظيم الشأن، جليل القدر (1).

و في روضات الجنات للخونساري قال: هو الفاضل الكامل، المتقدم، المحدث البارع، الثقة الجليل‏ (2).

و العلامة النوري في خاتمة المستدرك: و قال: هو الشيخ الجليل أبو الفضل ...

العالم الفقيه الجليل، المعروف صاحب المؤلفات البديعة (3).

و الكاظمي في المقاييس على ما حكاه النوري في خاتمته: الشيخ الثقة، العالم الفقيه، العظيم الشأن أبو الفضل‏ (4).

و قال الشهيد في الذكرى: هو من أجلاء فقهائنا، و وصفه في إجازته لابن الخازن، بالشيخ العالم ...

و كما وصفه العلامة الحلي في إجازته الكبيرة لبني زهرة بالفقيه.

و قال عنه صاحب كتاب المعالم الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني في إجازته‏

____________

(1) رياض العلماء: 3/ 5، أمل الآمل: 2/ 130 رقم 364.

(2) روضات الجنان: 4/ 23.

(3) خاتمة المستدرك: 480 و 479.

(4) خاتمة المستدرك: 480 و 479.

12

الكبيرة: الشيخ الإمام العالم ... للأسف إن التاريخ لم يسجل لنا سنة مولده و لا وفاته، و كان هذا العامل الكبير الذي تسبب لبعض الإشكالات، بالنسبة لانتساب هذا السفر و كذا كتابه الفضائل للمؤلف أم لا.

أقول: لقد أشار بعض من ترجم له أو ذكره في إجازته الى طبقته و المعاصرين له:

فقد قال صاحب المعالم في إجازته الكبيرة إن كل من كان في طبقة شاذان كابن إدريس، و منتجب الدين، و عربي بن مسافر ...

و قال الآغا بزرگ الطهراني في ترجمته لمحمد بن عبد اللّه البحراني الشيباني أنه معاصر للشيخ عربي بن مسافر، و رشيد الدين محمد بن علي بن شهر آشوب، و شاذان بن جبرئيل، و الشريف محمد بن محمد بن الجعفرية، و أحمد بن شهريار، و راشد بن إبراهيم البحراني، و عبد اللّه بن جعفر الدوريستي، و غيرهم، إذا أن الشيخ تاج الدين، حسن بن علي الدربي عن جمع هؤلاء كما ذكره العلامة الحلي في إجازته الكبيرة لبني زهرة ...

و في الحديث الأول من كتابنا هذا (الروضة) هكذا:

(قال جامع هذا الكتاب حضرت الجامع بواسط يوم الجمعة سابع ذي القعدة سنة (651 ه) و تاج الدين نقيب الهاشميين يخطب بالناس ...).

و ذكر أيضا في الكتاب المذكور في الحديث الثاني و الأربعين هكذا:

(و مما ورد في كتاب الفردوسي و الراوي نقيب الهاشميين تاج الدين سنة (652 ه) بواسط) و لكن هذا لا يكفينا في رفع الإشكال المتقدم، و أشار الشيخ صاحب المعالم في إجازته الكبيرة إلى أن الشيخ عربي بن مسافر الحلي عاصر الشيخ منتجب الدين على ما يظهر من كلامه في الفهرست، و هو أعلى طبقة من إبن إدريس لأنه يروي عنه.

إذا فشاذان: إما في طبقته أو دونهما، بل الثاني أقرب و أرجح.

لذا أن عربي بن مسافر هو من أعلام المائة السادسة، و أن كل من روى عنه مثل فخار بن معد الموسوي، و محمد بن أبي البركات، و الشيخ علي بن ثابت السوراوي،

13

و الشيخ علي بن يحيى الحناط من أعلام المائة السابعة من غير العلمين ابن إدريس و ابن المشهدي و هما من أعلام المائة السادسة (1).

ذكره الآغا بزرك الطهراني في أعلام القرن السادس، و أما منتجب الدين لم يذكر شاذان بن جبرئيل في كتابه الفهرست.

و صاحب الروضات قال: إن طبقة شاذان في طبقة صاحب كتاب السرائر يعني إبن إدريس المولود حدود سنة 543 و المتوفي سنة 598- بل ما دونها (2) إن الذين رووا عن شاذان هم من أعلام القرن السابع و المستثنى منهم ابن المشهدي.

نستطيع أن نقول: عاش شاذان في الفترة التي بين النصف الثاني من القرن السادس و النصف الأول من القرن السابع و إن يكن ذلك له عمرا طويلا ...

شيوخه:

1- الشيخ الفقيه أبو محمد ريحان بن عبد اللّه الحبشي، المتوفى في حدود سنة 560 (3).

2- الحسن بن أحمد بن الحسن العطار الهمداني المتوفى سنة 569، عاش احدى و ثمانين سنة (4).

3- والده جبرئيل بن إسماعيل بن أبي طالب القمي، الّذي كان حيا في سنة 572 (5).

4- السيد فخر الدين محمد بن سرايا الجرجاني، ذكره شاذان في إجازته للسيد

____________

(1) البحار: 103/ 42.

(2) روضات الجنات: 2/ 177.

(3) الثقات العيون: 108، و أمل الآمل: 2/ 120 رقم 338.

(4) المصدر السابق: 53.

(5) المصدر السابق: 42.

14

محي الدين محمد ابن زهرة سنة 584 قائلا: السيد العالم فخر الدين ... (1).

5- السيد حمزة ابن زهرة الحلبي صاحب كتاب (الغنية) المتوفى سنة 585 ه‏ (2).

6- محمد بن علي بن شهر آشوب صاحب كتاب (المناقب) المتوفى 588 (3).

7- الشيخ الفقيه عبد اللّه بن محمد بن عمر العمري الطرابلسي‏ (4).

8- الشيخ أبو محمد بن صالحان القمي، الخطيب بالجامع العتيق‏ (5).

9- أبو جعفر محمد بن موسى الدوريستي‏ (6).

10- الشيخ عماد الدين أبو القاسم الطبري صاحب كتاب (بشارة المصطفى) (7).

11- السيد احمد بن محمد الموسوي‏ (8).

12- الشيخ محمد بن أبي مسلم بن أبي الفوارس الرازي‏ (9).

13- محمد بن عبد العزيز بن ابي طالب القمي‏ (10).

14- عبد القاهر بن حمويه، الشيخ أبو غالب القمي‏ (11).

15- القاضي جمال الدين، أبو الفتح علي بن عبد الجبار الطوسي‏ (12).

____________

(1) المصدر السابق: 264.

(2) المصدر السابق: 87.

(3) المصدر السابق: 128، فقد قرا عليه (معالم العلماء).

(4) المصدر السابق: 165.

(5) المصدر السابق: 56، أمل الأمل: 2 ج 255.

(6) المصدر السابق: 291.

(7) المصدر السابق: 242 و ص 278.

(8) أمل الأمل: 2/ 27 رقم 72.

(9) الثقات العيون: 242 و 288.

(10) الثقات العيون: 266، أمل الأمل: 2/ 279 رقم 825.

(11) الثقات العيون: 16، أمل الأمل: 2/ 158 رقم 458.

(12) الثقات العيون: 192، أمل الآمل: 2/ 191 رقم 570.

15

16- الشيخ أبو محمد عبد اللّه بن عبد الواحد (1).

تلاميذه و الرواة عنه:

1- السيد محيي الدين محمد بن عبد اللّه بن علي ابن زهرة الحلبي‏ (2).

أجازه شاذان بن جبرئيل رواية مصنفاته بعد ما قرأ عليه كتابه (إزاحة العلة) بدمشق سنة 583، و كتاب (تحفة المؤلف الناظم) سنة 584، على ما ذكره صاحب المعالم (ره) في إجازته الكبيرة، و كتب أيضا إجازة له و لوالده، نقلها معادن الجواهر في الجزء الثاني عن خط المجيز.

2- السيد عبد اللّه بن علي ابن زهرة الحلبي‏ (3): ذكر آنفا كتب شاذان له إجازة.

3- السيد فخار بن معد بن فخار الموسوي‏ (4): المتوفى 630، قرأ على شاذان بواسط سنة 593 كما في كتابه (حجة الذاهب إلى تكفير أبي طالب).

4- الشيخ محمد بن جعفر المشهدي‏ (5) قرأ عليه كتاب (المفيد في التكليف) للبصروي في شهر رمضان سنة 573، و يروي عن شاذان كتاب (إزاحة العلة) و غيره.

5- الشيخ علي بن يحيى الخياط (الحناط) (6).

ذكر الشيخ نجم الدين ابن نما أن والده أجاز له أن يروي عنه أمالي الشيخ أبي جعفر محمد ابن بابويه، عن الشيخ علي بن يحيى الحناط، عن الشيخ شاذان بن‏

____________

(1) أمل الأمل: 2/ 162 رقم 471.

(2) الأنوار الساطعة: 160 أمل الأمل: 2/ 214 رقم 458.

(3) الأنوار الساطعة: 93، أمل الأمل: 2/ 162 رقم 475.

(4) الأنوار الساطعة: 129، أمل الأمل: 2/ 214 رقم 458.

(5) الثقات العيون: 252، أمل الأمل: 2/ 253 رقم 747.

(6) الانوار الساطعة: 118، أمل الأمل: 2/ 210 رقم 624.

16

جبرئيل، عن الشيخ الحسن بن صالحان ... ذكر هذا صاحب المعالم في إجازته الكبيرة.

6- تاج الدين حسن بن علي الدربي:

و هو الراوي لكتاب أخبار السيد أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن شاذان، عن عماد الدين الطبري ... على ما ذكره العلامة في إجازته لبني زهرة (1).

و هو الذي يأتي في الحديث الأول و الثاني و الأربعين روايا في هذا الكتاب.

مؤلفاته‏

1- إزاحة العلة في معرفة القبلة.

2- تحفة المؤلف الناظم و عمدة المكلف الصائم.

3- كتاب الفضائل.

4- الروضة في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي بين يديك عزيزي القاري‏

نسبة الكتاب للمؤلف:

تعرفنا أن للمؤلف كتاب «الفضائل» و يتضمن في طياته فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) و معظم هذه الأحاديث متردده مع كتابنا «الروضة» و هل هذين الكتابين لشاذان بن جبرئيل أم لا؟

و فيه أقوال منها.

إن كثير من علمائنا يجمع على أن كتاب (الفضائل) هو من مصنفات شاذان، و فريقا أكد أن الكتابين المشار إليهما متحدان و كليهما لشاذان، و البعض الآخر ينفي ذلك، إلّا أنه ضعيف كما يتضح لاحقا و بعد تسليط الأضواء على هذه الأقوال.

____________

(1) الأنوار الساطعة: 40، أمل الأمل: 2/ 65 رقم 177.

17

و تبيانا لهذا الموضوع على اساس أن الذي بنيت عليه هذه الأقوال: هو ما جاء به المؤلف في ديباجة كتابه (إزاحة العلة) حيث قال إنه ألّفه سنة 558 ...

و في الروضة و الفضائل للمصنف معا: قال جامع هذا الكتاب: حضرت الجامع بواسط يوم الجمعة سابع شهر ذي القعدة سنة (651) و تاج الدين نقيب الهاشمين يخطب ...

و نذكر بعض أقوال أصحاب التراجم:

1- قال الخونساري: عند ترجمته لشاذان أن الفضائل و الروضة- متحدان، و من رجل واحد، غير أن المغايرة بينهما في الزيادة و النقصان، إنما هي من جهة التفاوت الحاصل غالبا من النسخ الخارجة من المسودات و مع قلة النظم ... و النسبة بينهما عموما مطلقا (1).

2- و قال الأفندي: عند ترجمته له ... و له أيضا كتاب الفضائل، حسن‏ (2).

3- قال الحر العاملي في أمل الأمل: في ترجمة شاذان ... و له ايضا كتاب الفضائل، حسن، عندنا منه نسخة، و قال: كتاب (الروضة) و ينسب إلى الصدوق و لم يثبت‏ (3).

4- و قال المجلسي (قدّس سرّه): في موسوعة البحار، عند ذكره لمصادر الكتاب. و كتاب الروضة في المعجزات و الفضائل لبعض علمائنا، و أخطأ من نسبه إلى الصدوق، لأنه يظهر منه أن ألفه نيف و خمسين و ستمائة (4).

و قال أيضا: و كتاب (الفضائل) و كتاب (إزاحة العلة) للشيخ الجليل أبي الفضل سديد الدين شاذان بن جبرئيل القمي. و هو من أجلة الثقات الأفاضل، و قد مدحه‏

____________

(1) روضات الجنات: 4/ 25.

(2) رياض العلماء: 3/ 5.

(3) أمل الأمل: 2/ 130 رقم 364.

(4) البحار: 1/ 18.

18

أصحاب الإجازات كثيرا (1).

5- و قال العلامة النوري- عند ذكره لشاذان: صاحب المؤلفات البديعة التي منها كتاب الفضائل المعروف الدائر، و مختصره المسمى بالروضة ... (2).

مما يلفت النظر أن الآغا بزرگ ذكر في أول خطبة كتاب (الروضة) كما في (كشف الحجب) الحمد للّه الذي هدانا إلى أصح المذاهب و عرفنا نفسه ...

لما وفق اللّه في كتابة (درر المناقب في فضائل أسرار علي بن أبي طالب) ليكون لي في الأسفار صاحب، في الآخرة ذخيرة لدفع النوائب. و قد جمعت فيه ما نقل عن الثقات و اتفق عليه الرواة، جمعت في كتابي هذا الذي سميته (الروضة) مما يشمل على فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام) ...

و ذكر أيضا في الذريعة: 8/ 135 رقم 507 نصه:

(درر المناقب في فضائل علي بن أبي طالب) للشيخ الجليل شاذان بن جبرئيل القمي. بعد أن ذكرنا هذا الموجز من آراء و أقوال العلماء بأن كتاب (الفضائل) لشاذان لا محالة لثبوت الأقوال كما مر و البعض الآخر ثبت كتابنا (الروضة) للمصنف أيضا و الدليل على ذلك فقد أورد في أوائل الأخبار المتصدر بعبارة (قال جامع الكتاب) و كما في الفضائل بلفظ «حدثني» يظهر أن قائلها هو بالضرورة أحد تلاميذ شاذان و هذا احتمال أن الكتاب هو من إملاء شاذان و ليس من تأليفه، و قد جمعه بعض تلاميذه و يقوى هذا الاحتمال إذا أخذنا بنظر الاعتبار الحديث الأول من (الروضة) و ص 92 في الفضائل و اتحاد تاريخ بعض الأحاديث بين الكتابين.

____________

(1) رياض العلماء: 1/ 36.

(2) خاتمة المستدرك: 3/ 479.

19

مقدمة التحقيق و منهجه‏

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏، و الصلاة و السلام على أشرف خلقه، الذي اصطفاه بالرسالة و على آله الكرام البررة و الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

إن هذا السفر القيم مع صغر حجمه فقد ضمّ كثير من فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام).

و ليست شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) شخصية عادية يسهل للباحث معرفتها و الوصول إلى مبلغها، بل هي شخصية فوق الشموخ، علت في سماء العظمة و علو المجد، و حيث هو النجم اللامع، ترفّع عن أيدي المتناولين و نعت الناعتين.

كيف ننعّته: و قد ضلّت العقول، و تاهت الحلوم، و حسرت الخطباء، و عييت الأدباء عن وصف شأن منه.

كيف و علي جعله النبي كنفسه و قال عنه الرسول الأعظم: أنه حبل اللّه المتين، و صراطه المستقيم، هذا و العلماء و الفقهاء من العام و الخاص صنفوا و ألفوا منذ فجر الإسلام إلى يومنا هذا كتبا قيمة و مصنفات و أبحاث كثيرة في فضائله (عليه السلام).

و قال النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إن اللّه جعل لأخي علي فضائل لا تحصى كثرة، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرا بها غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه ... (1).

و أروع ما قال في حق علي (عليه السلام) محمد بن إدريس- إمام الشافعية-: «عجبت لرجل كتم أعداؤه فضائله حسدا و كتمها محبوه خوفا و خرج ما بين ذين ما طبق الخافقين» (2).

و خصص إمام الحنابلة- أحمد بن حنبل- في كتابه فضائل الصحابة بابا طويلا حاويا على (365) حديثا في فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام).

و كان المنصور الخليفة العباسي يحدث عن فضائل علي (عليه السلام) كما في كتابنا

____________

(1) كفاية الطالب 252.

(2) الإمام الصادق و المذاهب الأربعة: 2/ 216.

20

(الروضة) و هو أحد رواة حديث الغدير و أما الأعداء منهم معاوية بن أبي سفيان حين سأل ابن عباس في حديث (58) من الروضة و شهادة معاوية بفضله. و له من الفضائل لا تعد و لا تحصى منها عن النبي المختار (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مثل حديث الغدير، و الطير و الثقلين، و الكساء، و المنزلة، و باب مدينة العلم، و سد الأبواب، و رد الشمس، و غيرها.

و قد ساعدتنا الألطاف الإلهية في تحقيق هذا السفر المستطاب في فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي الطالب (عليه السلام) و شاء اللّه الكريم الودود أن يمنّ عليّ و يعينني هو الذي يعطي من لم يسأله و لم يعرفه.

و قد بدأت تيمنا كما هو الموسوم بعد ما عثرنا على نسخة خطية للمصنف و الذي جمعها أحد تلاميذه، و هي بخط أبناء العلماء ابن المرحوم محمد مؤمن علي الطالقاني المرجاني في سنة 1031 كما هو موجود في الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب، و أشرنا إليها ب (الأصل) و هناك نسخة أخرى في الخزانة الرضوية و رمزنا لها (في نسخة) بعد مقابلة النسختين.

و اعتمدنا على النسخة الكاملة و هي (الاصل) و التي تحوي على (195) حديثا و قد أشرنا لكل حديث رقما، و تم اتحادها مع كتاب (الفضائل) و كذا مع البحار، و خرجناها من كتب العامة و الخاصة، و أشرنا إلى بعض الاختلافات الواردة و ذكرناها في الهامش، و قمنا بشرح اكثر الالفاظ الصعبة نسبيا، و أثبتنا ترجمة بعض الأعلام من كتب تراجم الرجال، و هناك (25) حديثا ذكرت في الروضة فقط و لم نجدها في الفضائل علما أن المجلسي (قدّس سرّه) في البحار ذكر المصدرين معا لحديث واحد، و اللّه أسأل أن يسدد خطانا و يوفقنا جميعا لما فيه الخير، و يرضاه يوم لا ينفع فيه‏ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏، إنه سميع مجيب، وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ*.

علي الشكرچي 18 ربيع الأول 1421 هجري قم المقدسة

21

مقدمة المؤلف‏

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)* القربى هم صلّى اللّه عليهم مع الكتاب، و الكتاب معهم، لا يفارقوه حتى يردوا الحوض على جدهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جعلنا اللّه و إياكم ممن تولاهم و حفظ عهدهم و عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

فهم أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة، و مختلف الملائكة، و مهبط الوحي، و اصول الكرم، و سادة الأمم.

(صلّى اللّه عليهم أجمعين)، و على قائمهم، الخلف الحجة المنتظر، الحسام الزكي، سيد الخلفاء، المنتظر لإقامة الحق و العدل في الخلق.

و بعد فاني قد جمعت في كتابي هذا- الذي سميته ب «الروضة»، و يشتمل على فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)- ما نقلته عن الثقاة، و اتفقت عليه الروايات، فأسأل اللّه تعالى أن يوفقنا لمرضاته، و طاعة الأئمة و هو حسبي‏ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏.

(1) (حديث الحريرة)

قَالَ جَامِعُ هَذَا الْكِتَابِ: حَضَرْتُ الْجَامِعَ بِوَاسِطٍ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَابِعَ شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَ خَمْسِينَ وَ سِتِّمِائَةٍ وَ تَاجُ الدِّينِ نَقِيبُ الْهَاشِمِيِّينَ يَخْطُبُ بِالنَّاسِ عَلَى أَعْوَادِهِ.

فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ، وَ الشُّكْرِ لَهُ، وَ ذِكْرِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)(1)

____________

(1) في نسخة و البحار: (الرّسول المختار).

22

ثُمَّ قَالَ فِي حَقِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)

: إِنَ‏

(1)

جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وَ بِيَدِهِ أُتْرُنْجَةٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَقُّ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَ يَقُولُ لَكَ:

قَدْ أَتْحَفْتُ ابْنَ عَمِّكَ عَلِيّاً (عليه السلام) هَذِهِ التُّحْفَةَ، فَسَلِّمْهَا إِلَيْهِ، فَسَلَّمَهَا إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام).

فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ وَ شَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَطَلَعَ فِي نِصْفٍ مِنْهَا حَرِيرَةٌ مِنْ سُنْدُسِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا: «تُحْفَةٌ مِنَ الطَّالِبِ الْغَالِبِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ»

(2)

. (2) (حديث الرطب)

عَنِ الْقَارُونِيِّ حِكَايَةً عَنْهُ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ (يَوْماً) (3) عَلَى مِنْبَرِهِ، وَ مَجْلِسُهُ يَوْمَئِذٍ مَمْلُوءٌ بِالنَّاسِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ (مِنْ) (4) سَنَةِ اثْنَيْنِ وَ خَمْسِينَ وَ سِتِّمِائَةٍ بِوَاسِطٍ مَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فِي مَسْجِدِهِ، وَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) وَ قَالَ لَهُ:

يَا مُحَمَّدُ، الْحَقُّ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَ يَقُولُ لَكَ: أَحْضِرْ عَلِيّاً وَ اجْعَلْ وَجْهَهُ مُقَابِلَ وَجْهِكَ. ثُمَّ عُرِجَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) إِلَى السَّمَاءِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عَلِيّاً، فَأَحْضَرَهُ وَ جَعَلَ وَجْهَهُ مُقَابِلَ وَجْهِهِ.

فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ ثَانِياً وَ مَعَهُ طَبَقٌ فِيهِ رُطَبٌ، وَ وَضَعَهُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ:

____________

(1) في البحار: (نزل).

(2) عنه البحار: 39/ 2120، و عن الفضائل: 92، و في مدينة المعاجز 1/ 382 ح 250.

(3) من البحار.

(4) من البحار.

23

كُلَا، فَأَكَلَا، ثُمَّ أَحْضَرَ طَشْتاً وَ إِبْرِيقاً، وَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَ آلِكَ قَدْ أَمَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى يَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).

فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام)

(1)

يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَوْلَى أَنْ أَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى يَدِكَ.

فَقَالَ لَهُ: (يَا عَلِيُّ)

(2)

إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى أَمَرَنِي بِذَلِكَ.

وَ كَانَ كُلَّمَا صَبَّ الْمَاءَ عَلَى يَدَيْ عَلِيٍّ، لَمْ تَقَعْ مِنْهُ قَطْرَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الطَّشْتِ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَرَ شَيْئاً مِنَ الْمَاءِ يَقَعُ فِي الطَّشْتِ.

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): (يَا عَلِيُّ)

(3)

إِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَتَسَابَقُونَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي يَقَعُ مِنْ يَدِكَ فَيَغْسِلُونَ بِهِ وُجُوهَهُمْ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ‏

(4)

. (3) (حديث علي ولي اللّه)

وَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

مَنْ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» تَفَتَّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَ مَنْ تَلَاهَا بِ «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» تَهَلَّلَ وَجْهُ الْحَقِ‏

(5)

سُبْحَانَهُ وَ اسْتَبْشَرَ بِذَلِكَ.

وَ مَنْ تَلَاهَا «عَلِيٌّ وَلِيُّ اللَّهِ» غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَ لَوْ كَانَتْ بِعَدَدِ قَطْرِ الْمَطَرِ

(6)

.

____________

(1) ليس في الأصل، أثبتناه ليساق الكلام.

(2) ليس في الأصل، أثبتناه ليساق الكلام.

(3) ليس في الأصل، أثبتناه ليساق الكلام.

(4) عنه البحار: 39/ 121 ح 3، و عن الفضائل: 92 و مدينة المعاجز: 1/ 373 ح 240، إحقاق الحق: 6/ 171.

(5) تهلل وجه الحق: أي تلألأ.

(6) عنه البحار: 38/ 318 ج 27 و عن الفضائل: 92، أقول: و روى هذا الحديث علماء الجمهور في مصادرهم: تاريخ بغداد: 4/ 194، كفاية الطالب: 184، ذخائر العقبى: 91: منتخب كنز العمال: 5/ 94، ينابيع المودة: 180، 213 و 236، أورده الديلمي صاحب مسند الفردوس، و ابن عساكر، و ابن الجوزي، و أحمد بن حنبل، و الذخائر، و جامع الأنساب، و الجامع الكبير، و الكنوز، عن إحقاق الحق: 6/ 442.

24

(4) (حديث حبّ علي)

وَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

حُبُّ عَلِيٍّ (عليه السلام) يُحْرِقُ الذُّنُوبَ كَمَا تُحْرِقُ النَّارُ الْحَطَبَ‏

(1)

(5) (حديث علي خير من أترك بعدي)

وَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

عَلِيٌّ خَيْرُ مَنْ أَتْرُكُ بَعْدِي، فَمَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَ مَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَانِي‏

(2)

. (6) (حديث من تبع عليا دخل الجنة)

وَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:

كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إِذَا نَحْنُ وَ قَدْ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، فَقُلْتُ خَيْراً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، فَقُلْتُ: أَ لَا تُوصِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِلَى مَنْ، يَا ابْنَ مَسْعُودٍ؟

فَقُلْتُ: إِلَى أَبِي بَكْرٍ. فَأَطْرَقَ هُنَيْئَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ.

فَقُلْتُ: خَيْراً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي.

فَقُلْتُ أَ لَا تُوصِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِلَى مَنْ، يَا ابْنَ مَسْعُودٍ؟

فَقُلْتُ: إِلَى عُمَرَ، فَأَطْرَقَ هُنَيْئَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ.

فَقُلْتُ: خَيْراً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، فَقُلْتُ: أَ لَا تُوصِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِلَى مَنْ، يَا ابْنَ مَسْعُودٍ؟

فَقُلْتُ إِلَى عُثْمَانَ. فَأَطْرَقَ هُنَيْئَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ.

____________

(1) عنه البحار: 39/ 266 ج 40.

(2) عنه البحار: 38/ 10 ح 15، و عن الفضائل: 93.

25

فَقُلْتُ: خَيْراً بِأَبِي وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي.

فَقُلْتُ: أَ لَا تُوصِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِلَى مَنْ، يَا ابْنَ مَسْعُودٍ؟

فَقُلْتُ: إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَقَالَ لِي:

يَا ابْنَ مَسْعُودٍ، وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوِ اتَّبَعُوا آثَارَ قَدَمَيْهِ، لَدَخَلُوا الْجَنَّةَ أَجْمَعُونَ‏

(1)

. (7) (حديث المؤاخاة)

وَ قِيلَ:

لَمَّا آخَى اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ، آخَى بَيْنَ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ.

فَقَالَ: إِنِّي قَدْ آخَيْتُ بَيْنَكُمَا، وَ جَعَلْتُ عُمُرَ أَحَدِكُمَا أَطْوَلَ مِنَ الْآخَرِ، فَأَيُّكُمَا يُؤْثِرُ أَخَاهُ بِالْحَيَاةِ؟ فَاخْتَارَ كِلَاهُمَا الْحَيَاةَ.

فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: أَ فَلَا تَكُونَانِ مِثْلَ عَلِيٍّ؟ حَيْثُ آخَيْتُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ حَبِيبِي مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، وَ قَدْ آثَرَهُ بِالْحَيَاةِ عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ.

وَ قَدْ بَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ يَفْدِيهِ بِنَفْسِهِ.

اهْبِطَا فَاحْفَظَاهُ مِنْ عَدُوِّهِ. فَهَبَطَا إِلَى الْأَرْضِ وَ جَلَسَ جَبْرَئِيلُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَ مِيكَائِيلُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَ هُمَا يَقُولَانِ: بَخْ بَخْ لَكَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، مَنْ مِثْلُكَ؟

وَ قَدْ بَاهَى اللَّهُ بِكَ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ، وَ فَاخَرَ بِكَ‏

(2)

.

____________

(1) الفضائل: 93، أمالي المفيد: 29 عن عبد اللّه بن مسعود قال: خرجنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليلة وفد الجن و ذكر (مثله)، المناقب لابن شهر آشوب: 3/ 63 عن ابن مردويه، و السمعاني باسنادهما عن عبد الرزاق (مثله) عنه البحار: 38/ 128 ح 79.

أخرجه الشيخ الطوسي في أماليه: 193 ح 13 باسناده المعتبر عن ابن مسعود (مثله) عنه البحار:

38/ 117 ح 57 للحديث تخريجات أخر من العامة و الخاصة.

(2) عنه البحار: 19/ 85 ح 36 و عن الفضائل: 94، و روى هذا الحديث عدة من العامة و الخاصة منهم: الثعلبي، و ابن عقب، و أبو السعادات و الغزالي جميعا عن أبي اليقظان.

و ابن بابويه، و الكليني، و الطوسي، و ابن عقدة و ابن شاذان، و البرقي و ابن فياض، و العبدلي، و الصفواني، و الثقفي عن ابن عباس، و أبي رافع، و هند بن أبي هالة.

26

(8) (حديث علي الامام المبين)

عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ‏

كُنْتُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَمَرَرْنَا بِوَادٍ مَمْلُوءٍ نَمْلًا.

فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَ تَرَى (يَكُونُ)

(1)

أَحَداً مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى يَعْلَمُ كَمْ عَدَدُ هَذَا (النَّمْلِ)؟

قَالَ: نَعَمْ يَا عَمَّارُ، أَنَا أَعْرِفُ رَجُلًا يَعْلَمُ عَدَدَهُ، وَ كَمْ فِيهِ مِنْ ذَكَرٍ؟ وَ كَمْ فِيهِ مِنْ أُنْثَى؟

فَقُلْتُ: وَ مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَا مَوْلَايَ؟

فَقَالَ: يَا عَمَّارُ، أَ مَا قَرَأْتَ فِي سُورَةِ يس:

وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏ (2)

فَقُلْتُ: بَلَى يَا مَوْلَايَ، فَقَالَ: أَنَا ذَلِكَ الْإِمَامُ الْمُبِينُ‏

(3)

. (9) (حديث اختيار اللّه لعلي و فاطمة)

قِيلَ:

جَاءَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) إِلَى أَبِيهَا، وَ هِيَ بَاكِيَةٌ.

فَقَالَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ يَا قُرَّةَ عَيْنِي، لَا أَبْكَى اللَّهُ لَكِ عَيْناً؟

قَالَتْ: يَا أَبَتِي إِنَّ نِسْوَانَ قُرَيْشٍ يُعَيِّرْنَ وَ يَقُلْنَ: إِنَّ أَبَاكِ زَوَّجَكِ بِفَقِيرٍ لَا مَالَ لَهُ! فَقَالَ لَهَا: يَا فَاطِمَةُ! إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ اطَّلَعَ إِلَى الْأَرْضِ اطِّلَاعَةً، فَاخْتَارَ مِنْهَا أَبَاكِ، ثُمَّ اطَّلَعَ اطِّلَاعَةً ثَانِيَةً، فَاخْتَارَ مِنْهَا بَعْلَكِ وَ ابْنَ عَمِّكِ، ثُمَّ أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَكِ مِنْهُ، أَ فَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي زَوْجَةَ مَنِ اخْتَارَهُ اللَّهُ، وَ جَعَلَهُ لَكِ بَعْلًا؟

____________

(1) من البحار.

(2) يس: 12.

(3) عنه البحار: 40/ 176 ح 58 و عن الفضائل: 94، و مدينة المعاجز: 2/ 133 ح 453، عن الشّيخ البرسيّ، تأويل الآيات: 2/ 490 ح 8 عن الشّيخ الطّوسيّ في كتابه مصباح الأنوار:

(مخطوط)، عنه البرهان: 4/ 7 ح 9 ينابيع المودّة: 77، إحقاق الحقّ: 8/ 104.

27

فَقَالَتْ: رَضِيتُ وَ فَوْقَ الرِّضَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ‏

(1)

. (10) (حديث آية التطهير)

وَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2)

وَ كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَاقِفَةً بِالْبَابِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَ أَنَا مِنْهُمْ؟ فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ سَلَمَةَ أَنْتِ عَلَى خَيْرٍ

(3)

. (11) (حديث معجزة لعلي)

وَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّهُ قَالَ:

كَانَ بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ تَاجِرٌ، يُكَنَّى بِأَبِي جَعْفَرٍ وَ كَانَ حَسَنَ الْمُعَامَلَةِ فِي اللَّهِ، وَ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ أَعْطَاهُ شَيْئاً وَ لَا يَمْنَعُهُ، يَقُولُ لِغُلَامِهِ:

اكْتُبْ: «هَذَا مَا أَخَذَهُ عَلِيٌّ» (عليه السلام) (وَ بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ أَيَّاماً).

ثُمَّ قَعَدَ بِهِ الْوَقْتُ وَ افْتَقَرَ فَنَظَرَ يَوْماً فِي حِسَابِهِ، فَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ اسْمُ حَيٍّ مِنْ غُرَمَائِهِ بَعَثَ إِلَيْهِ فَطَالَبَهُ.

وَ مَنْ مَاتَ ضَرَبَ عَلَى اسْمِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى بَابِ دَارِهِ، إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ غَرِيمُكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ غَمّاً شَدِيداً، وَ دَخَلَ دَارَهُ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، رَأَى النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وَ كَانَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ (عليهما السلام) يَمْشِيَانِ أَمَامَهُ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): مَا فَعَلَ أَبُوكُمَا؟ فَأَجَابَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) مِنْ وَرَائِهِ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَقَالَ لَهُ: لِمَ لَا تَدْفَعُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ حَقَّهُ؟

فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ جِئْتُهُ بِهِ.

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ادْفَعْهُ إِلَيْهِ فَأَعْطَاهُ كِيساً مِنْ صُوفٍ أَبْيَضَ، وَ قَالَ لَهُ: هَذَا

____________

(1) الفضائل 94، أعلام الورى: 156، عنه البحار: 38/ 188 ضمن ح 1.

(2) الاحزاب: 33.

(3) عنه البحار: 35/ 212 ح 14.

28

حَقُّكَ، فَخُذْ وَ لَا تَمْنَعْ مَنْ جَاءَكَ مِنْ وُلْدِي شَيْئاً، فَإِنَّهُ لَا فَقْرَ عَلَيْكَ بَعْدَ هَذَا.

فَقَالَ الرَّجُلُ: فَانْتَبَهْتُ وَ الْكِيسُ فِي يَدِي، فَنَادَيْتُ زَوْجَتِي فَقُلْتُ لَهَا: هَاكِ، فَنَاوَلْتُهَا الْكِيسَ، وَ إِذَا فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ.

فَقَالَتْ: يَا هَذَا الرَّجُلُ، اتَّقِ اللَّهَ وَ لَا يَحْمِلْكَ الْفَقْرُ عَلَى أَخْذِ مَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، فَإِنْ كُنْتَ خَدَعْتَ بَعْضَ التُّجَّارِ فِي مَالِهِ، فَارْدُدْهُ إِلَيْهِ! فَحَدَّثْتُهَا الْحَدِيثَ.

فَقَالَتْ: إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَأَرِنِي حِسَابَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).

فَحَضَرَ الدُّسْتُورَ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئاً بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى‏

(1)

(12) (حديث حبّ علي حسنة)

وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

حُبُّ عَلِيٍّ (عليه السلام) حَسَنَةٌ، لَا يَضُرُّ مَعَهَا سَيِّئَةٌ، وَ بُغْضُهُ سَيِّئَةٌ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا حَسَنَةٌ

(2)

. (13) (حديث النبي و علي من نور واحد)

وَ عَنْهُ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قَالَ:

خُلِقْتُ أَنَا وَ عَلِيٌّ مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ، فَمُحِبِّي مُحِبُّ عَلِيٍّ، وَ مُبْغِضِي مُبْغِضُ عَلِيٍ‏

(3)

.

____________

(1) عنه البحار: 42/ 7 ح 8 و عن الفضائل: 95 و رواه منتجب الدين محمد بن عبد اللّه: في الأربعين حديثا 95 ح 12 باسناده الصحيح عن إبراهيم بن مهران، قال: كان بالكوفة في جيراننا.

رجل فامي، و كان يكنى أبا جعفر و ذكر (مثله).

(2) عنه البحار: 39/ 266 ضمن ح 40، و عن الفضائل: 96.

و روى هذا الحديث الشريف الخاص و العام بأسانيد منها: عن ابن عباس، و أنس بن مالك، و معاذ ابن جبل، نذكر بعض المصادر: الأربعون حديثا لمنتجب الدين: 44 ح 19، إرشاد القلوب: 127، ينابيع المودة: 91، 180، 239، 252 مناقب الخوارزمي: 87.

(3) عنه البحار: 39/ 266 ح 40 و عن الفضائل: 96 إن لهذا الحديث تخريجات لا تحصى، و ذكرته أغلب كتب الشيعة، و أخرجه نور اللّه التستري في الاحقاق: 4/ 91، و ج 5/ 251- 254.

29

(14) (حديث من سبّ عليا ألقي في النّار)

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَاهُ، قَالَ:

مَرَرْنَا بِجَمَاعَةٍ وَ قَدْ أَخَذُوا فِي سَبِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَقَالَ لِي مَوْلَايَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: أَدْنِنِي مِنَ الْقَوْمِ فَأَدْنَيْتُهُ مِنْهُمْ.

فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا قَوْمُ، مَنِ السَّابُّ لِلَّهِ تَعَالَى؟

فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: مَنِ السَّابُّ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟

فَقَالُوا: مَا كَانَ ذَلِكَ، قَالَ: فَمَنِ السَّابُّ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، قَالُوا: كَانَ ذَلِكَ فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِأُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَ إِلَّا صَمَّتَا أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ سَبَّنِي وَ مَنْ سَبَّنِي فَقَدْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى، وَ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَاهُ عَلَى مَنْخِرَيْهِ فِي النَّارِ

(1)

. (15) (حديث علي أمير المؤمنين على لسان جبرئيل)

قِيلَ‏

دَخَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، (وَ هُوَ) فِي مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَ رَأْسُهُ فِي حَجْرِ جَبْرَئِيلَ، وَ هُوَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، فَسَلَّمَ وَ جَلَسَ، فَقَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ: وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خُذْ رَأْسَ‏

____________

(1) الفضائل: 96، أمالي الصّدوق: 87 ح 2، باسناده عن ابن عبّاس، أنّه مرّ بمجلس من مجالس قريش، و هم يسبّون عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و ذكر (مثله)، عنه البحار: 39/ 311 ح 1، و ج 40/ 203 ذ ح 8.

و أورده الأربلي في كشف الغمّة: 1/ 109، و المناقب لابن شهر آشوب: 3/ 221، و رواه ابن المغازلي في مناقبه: 394 ح 4477، و الخوارزميّ في مناقبه: 82، و الحمويني في فرائد السمطين: 1/ 302 ح 241 و المسعوديّ في مروج الذّهب: 2/ 423، و الأميني في كتابه الغدير: 2/ 299، و الفصول المهمّة: 126 و إحقاق الحقّ: 5/ 50، و ج 6/ 394 و 423- 432.

30

ابْنِ عَمِّكَ وَ ضَعْهُ فِي حَجْرِكَ، فَأَنْتَ أَوْلَى بِهِ مِنِّي، فَأَخَذَ رَأْسَ‏

(1)

رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، (وَ وَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ‏

(2)

) فَاسْتَيْقَظَ

(3)

رَسُولُ اللَّهِ، فَرَأَى‏

(4)

رَأْسَهُ فِي حَجْرِ ابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ (عليه السلام).

فَقَالَ لَهُ: يَا عَلِيُّ، وَ أَيْنَ الرَّجُلُ (الَّذِي كَانَ رَأْسِي فِي حَجْرِهِ)

(5)

.

فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْتُ إِلَّا دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ، وَ قَالَ لَهُ: وَ مَا قَالَ لَكَ عِنْدَ دُخُولِكَ؟

فَقَالَ: لَمَّا دَخَلْتُ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

فَقَالَ: (هَنِيئاً لَكَ)

(6)

يَا عَلِيُّ، فَإِنَّهُ كَانَ الرُّوحَ الْأَمِينَ أَخِي جَبْرَئِيلَ، وَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ‏

(7)

. (16) (حديث علي قاتل اللات و العزى)

قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام):

دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي، وَ هِيَ لَيْلَةٌ مُدْلَهِمَّةٌ فَقَالَ خُذْ سَيْفَكَ وَ ارْتَقِ جَبَلَ أَبِي قُبَيْسٍ، فَمَنْ رَأَيْتَ عَلَى رَأْسِهِ فَاضْرِبْهُ بِهَذَا السَّيْفِ.

____________

(1) في الاصل: (كريم).

(2) أثبتناه من البحار.

(3) في الأصل: (فانتبه).

(4) في الأصل: (كريمه).

(5) أثبتناه من البحار.

(6) أثبتناه من البحار.

(7) الفضائل: 96، كشف اليقين: 96 نقله من كتب المخالفين قال: من اسمائه ما سمّاه جبرئيل بها على ما رواه الخلق عن عليّ- (عليه السلام) قال: و ذكر (مثله)، عنه البحار: 37/ 322 ح 57.

و عن المناقب لابن شهر آشوب: 2/ 54، عن عليّ (عليه السلام) (مثله): الصّراط المستقيم 2/ 54 (مثله).

31

فَقَصَدْتُ الْجَبَلَ، فَلَمَّا عَلَوْتُهُ وَجَدْتُ عَلَيْهِ رَجُلًا أَسْوَدَ، هَائِلَ الْمَنْظَرِ، كَأَنَّ عَيْنَاهُ جَمْرَتَانِ، فَهَالَنِي مَنْظَرُهُ، فَقَالَ لِي: إِلَيَّ يَا عَلِيُّ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، وَ ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعْتُهُ نِصْفَيْنِ، فَسَمِعْتُ الضَّجِيجَ مِنْ بُيُوتِ مَكَّةَ بِأَجْمَعِهَا ثُمَّ أَتَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وَ هُوَ بِمَنْزِلِ خَدِيجَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: أَ تَدْرِي مَنْ قَتَلْتَ يَا عَلِيُّ؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: قَتَلْتَ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى- وَ اللَّهِ- لَا عَادَتْ عُبِدَتْ أَبَداً

(1)

. (17) (حديث علي كاسر الأصنام)

وَ عَنْهُ (عليه السلام)، قَالَ:

دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- وَ هُوَ بِمَنْزِلِ خَدِيجَةَ (عليهما السلام) ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمَّا صِرْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: اتَّبِعْنِي يَا عَلِيُّ، فَمَا زَالَ يَمْشِي وَ أَنَا خَلْفَهُ، وَ نَحْنُ نَخْتَرِقُ دُرُوبَ‏

(2)

مَكَّةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْكَعْبَةَ، وَ قَدْ أَنَامَ اللَّهُ كُلَّ عَيْنٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يَا عَلِيُّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

قَالَ: اصْعَدْ يَا عَلِيُّ، فَوْقَ كَتِفِي وَ كَسِّرِ الْأَصْنَامَ.

قُلْتُ: بَلْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، اصْعَدْ فَوْقَ كَتِفِي وَ كَسِّرِ الْأَصْنَامَ، قَالَ: بَلْ أَنْتَ اصْعَدْ يَا عَلِيُّ، وَ انْحَنَى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فَصَعِدْتُ فَوْقَ كَتِفِهِ، وَ أَقْلَبْتُ‏

(3)

الْأَصْنَامَ عَلَى وُجُوهِهَا، وَ نَزَلْتُ فَخَرَجْنَا مِنَ الْكَعْبَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى أَتَيْنَا مَنْزِلَ خَدِيجَةَ (عليها السلام).

فَقَالَ: يَا عَلِيُّ أَوَّلُ مَنْ كَسَرَ الْأَصْنَامَ جَدُّكَ إِبْرَاهِيمُ (عليه السلام) ثُمَّ أَنْتَ يَا عَلِيُّ، آخِرُ مَنْ‏

____________

(1) عنه البحار: 39/ 186 ح 24، و عن الفضائل: 97 و أخرجه السّيّد هاشم البحرانيّ في مدينة المعاجز: 2/ 86 ح 416 عن البرسيّ و ذكر (مثله).

(2) الدّرب: الطّريق.

(3) في البحار: (فقلبت).

32

كَسَرَهَا.

قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ أَهْلُ مَكَّةَ وَجَدُوا الْأَصْنَامَ مُنَكَّسَةً، مَقْلُوبَةً عَلَى رُءُوسِهَا.

فَقَالُوا: مَا فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِلَّا مُحَمَّدٌ وَ ابْنُ عَمِّهِ، ثُمَّ لَمْ يُقَمْ بَعْدَهَا فِي الْكَعْبَةِ صَنَمٌ‏

(1)

. (18) (حديث اعتراف معاوية بفضائل علي)

قِيلَ:

دَخَلَ ضِرَارُ صَاحِبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ وَفَاتِهِ (عليه السلام).

فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا ضِرَارُ، صِفْ لِي عَلِيّاً وَ أَخْلَاقَهُ الْمَرْضِيَّةَ.

فَقَالَ ضِرَارٌ: كَانَ- وَ اللَّهِ- شَدِيدَ الْقُوَى، بَعِيدَ الْمَدَى‏

(2)

، يَنْفَجِرُ الْعِلْمُ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَ تَنْطِقُ الْحِكْمَةُ عَلَى لِسَانِهِ، فَيَقُولُ فَصْلًا، وَ يَحْكُمُ عَدْلًا

(3)

.

فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ شَاهَدْتُهُ لَيْلَةً فِي مِحْرَابِهِ وَ قَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُدُولَهُ‏

(4)

.

وَ هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، قَابِضٌ عَلَى لَمَّتِهِ‏

(5)

يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ‏

(6)

، وَ يَئِنُّ أَنِينَ الْحَزِينِ يَقُولُ: يَا دُنْيَا، إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ؟ غُرِّي غَيْرِي،

(7)

فَقَدْ حَانَ حِينُكِ‏

(8)

، أَجَلُكِ‏

____________

(1) عنه البحار: 38/ 84 ح 4، و عن الفضائل: 97، تأويل الآيات: 1 ج 286 ح 26، عن الطّوسيّ، عن رجاله، عن نعيم بن حكيم، عن أبي مريم الثّقفيّ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: و ذكر (مثله) و رواه البحرانيّ في تفسيره البرهان: 2/ 441 ح 2، و أخرجه الخوارزميّ في مناقبه: 71.

(2) قال المجلسيّ (ره): المدى: الغاية، أيّ كان ذا همّة عالية.

(3) في البحار: (يقول حقّا، و يحكم فصلا).

(4) قال المجلسيّ (ره): السّدل: جمع السديل، و هو ما سيل و يرض على الهودج.

(5) في نسخة: (لحيته)، و اللّمعة: الشّعر المجاور شحمة الأذن.

(6) قال المجلسيّ (ره) و يقال: سلمته الحيّة: أيّ لدغته، و السّليم اللديغ.

(7) و قال (ره): غري غيري: أيّ خداعك و غرورك.

(8) و قال (ره): قال الجوهريّ: حان له أن يفعل كذا، يحين حينا: أيّ آن، و حان حينه: أيّ قرب وقّته.

33

قَصِيرٌ، وَ عَيْشُكِ حَقِيرٌ، وَ قَلِيلُكِ حِسَابٌ، وَ كَثِيرُكِ عِقَابٌ، فَقَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثاً لَا رَجْعَةَ لِي فِيكِ، آهِ مِنْ بُعْدِ الطَّرِيقِ، وَ قِلَّةِ الزَّادِ.

قَالَ مُعَاوِيَةُ: كَانَ وَ اللَّهِ- أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ.

وَ كَيْفَ حُزْنُكَ عَلَيْهِ يَا ضِرَارُ؟ قَالَ: حُزْنُ امْرَأَةٍ ذُبِحَ وَلَدُهَا فِي حَجْرِهَا.

قَالَ: فما (فَلَمَّا) سَمِعَ مُعَاوِيَةُ ذَلِكَ، بَكَى وَ بَكَى الْحَاضِرُونَ‏

(1)

.

(19) (حديث علي أخو نبي الرحمة)

قِيلَ: عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)

، أَنَّهُ صَعِدَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ، وَ قِيلَ: مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ- بَعْدَ الظَّفَرِ بِأَهْلِهَا.

وَ قَالَ: أَقُولُ قَوْلًا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ غَيْرِي إِلَّا كَانَ كَافِراً:

أَنَا أَخُو نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، وَ ابْنُ عَمِّهِ، وَ زَوْجُ ابْنَتِهِ، وَ أَبُو سِبْطَيْهِ.

فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.

وَ قَالَ:

أَنَا أَقُولُ مِثْلَ قَوْلِكَ هَذَا، أَنَا أَخُو رَسُولِ اللَّهِ، وَ ابْنُ عَمِّهِ، ثُمَّ لَمْ يُتِمَّ كَلَامَهُ حَتَّى أَخَذَتْهُ الرَّجْفَةُ، وَ مَا زَالَ يَرْجُفُ، حَتَّى سَقَطَ مَيِّتاً لَعَنَهُ اللَّهُ‏

(2)

. (20) (حديث سلوني قبل أن تفقدوني)

وَ عَنْهُ (عليه السلام):

أَنَّهُ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ، إِذْ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، اسْأَلُونِي عَنْ طُرُقِ السَّمَاءِ، فَإِنِّي أَعْرَفُ بِهَا مِنْ طُرُقِ الْأَرْضِ.

____________

(1) عنه البحار: 33/ 250 ح 524 و عن الفضائل: 97، كنز الفوائد للكراجكيّ: 270 باسناده، عن أبي صالح مولى أمّ هاني، قال دخل ضرار بن ضمرة الكنانيّ على معاوية بن ابي سفيان و ذكر (مثله). عنه البحار: 33/ 274 ح 541.

(2) عنه البحار: 41/ 217 ح 30 و عن الفضائل: 98.

34

فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ وَسْطِ الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فِي هَذَا السَّاعَةِ؟

فَرَمَقَ‏

(1)

بِطَرْفِهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ رَمَقَ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ لَمْ يُخْلِ مَوْضِعاً، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: يَا ذَا الشَّيْخُ، أَنْتَ جَبْرَئِيلُ فَصَفَقَ طَائِراً مِنْ بَيْنِ النَّاسِ.

فَضَجَّ مِنْ ذَلِكَ الْحَاضِرُونَ، وَ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ حَقّاً حَقّاً

(2)

. (21) (حديث علي خير الأوصياء)

وَ مِمَّا رَوَاهُ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ (عليه السلام) قَالَ:

إِنَّهُ كَانَ وَصِيُّ آدَمَ: شَيْثَ بْنَ آدَمَ هِبَةَ اللَّهِ، وَ كَانَ وَصِيُّ نُوحٍ: سام [سَاماً، وَ كَانَ وَصِيُّ إِبْرَاهِيمَ: إِسْمَاعِيلَ، وَ كَانَ وَصِيُّ مُوسَى: يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، وَ كَانَ وَصِيُّ دَاوُدَ: سُلَيْمَانَ، وَ كَانَ وَصِيُّ عِيسَى: شَمْعُونَ، وَ كَانَ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) خَيْرَ الْأَوْصِيَاءِ

(3)

. (22) (حديث علي الكوكب الدريّ)

قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ البداودي، عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ»، [عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏] (4) قَالَ:

بَيْنَمَا أَنَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إِذْ قَامَ وَ رَكَعَ وَ سَجَدَ شُكْراً لِلَّهِ تَعَالَى، وَ قَالَ: يَا جُنْدَبُ، مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ فِي عِلْمِهِ، وَ إِلَى نُوحٍ فِي فَهْمِهِ، وَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فِي خَلَّتِهِ، وَ إِلَى مُوسَى فِي مُنَاجَاتِهِ، وَ إِلَى عِيسَى فِي سِيَاحَتِهِ، وَ إِلَى أَيُّوبَ فِي‏

____________

(1) رمقه: لحظه لحظا خفيفا.

(2) عنه البحار: 39/ 108 ح 13 و عن الفضائل: 98، و أخرجه في مدينة المعاجز: 1/ 112 ح 64، عن البرسيّ.

(3) الفضائل: 98، المناقب لأبن شهر آشوب: 3/ 47 (مثله)، عنه البحار: 38 ج 2 ضمن ح 1.

(4) ما أثبتناه من البحار و الفضائل، و ليس في الاصل.

35

بَلَائِهِ وَ صَبْرِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الْمُقْبِلِ الَّذِي هُوَ كَالشَّمْسِ، وَ الْقَمَرِ السَّارِي، وَ الْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ أَشْجَعِ النَّاسِ قَلْباً، وَ أَسْمَاهُمْ كَفّاً، فَعَلَى مُبْغِضِهِ لَعَائِنُ اللَّهِ وَ الْمَلَائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ.

قَالَ: فَالْتَفَتَ النَّاسُ تَنْظُرُ أَنَّهُ مَنْ هَذَا الْمُقْبِلُ، فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)

(1)

. (23) (حديث خولة الحنفية)

قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَدَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البعرمي بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مِهْرَانُ بْنُ مُصْعَبٍ الْمَكِّيُّ، قَالَ:

كُنَّا عِنْدَ (أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ)

(2)

سَابُورَ الْمَكِّيِ‏

(3)

فَأَجْرَيْنَا حَدِيثَ أَهْلِ الرَّدَّةِ، فَذَكَرْنَا خَوْلَةَ الْحَنَفِيَّةَ، وَ نِكَاحَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَهَا.

فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْخَيْرِ الْحُسَيْنِيُّ، قَالَ:

بَلَغَنِي أَنَّ الْبَاقِرَ (عليه السلام) قَدْ كَانَ جَالِساً ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلَانِ، فَقَالا: يَا أَبَا جَعْفَرٍ (أَ لَسْتَ الْقَائِلَ)

(4)

إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَمْ يَرْضَ بِإِمَامَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ؟

قَالَ: بَلَى فَقَالا لَهُ: هَذِهِ خَوْلَةُ الْحَنَفِيَّةُ نَكَحَهَا مِنْ سَبْيِهِمْ، وَ لَمْ يُخَالِفْهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ.

____________

(1) عنه البحار: 39/ 38 ح 9، و عن الفضائل: 98، و أخرجه الأربلي في كشف الغمّة: 1/ 113، و الخوارزميّ في مناقبه: 40 و إحقاق الحقّ: 8/ 318.

(2) ليس في الاصل.

(3) في البحار: جاء السّند هكذا، (حدّثنا أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد المدائنيّ، قال: حدّثني عبد اللّه بن هاشم، عن- الكلبيّ، قال: أخبرني ميمون بن صعب المكّيّ.

(4) ما أثبتناه من البحار، و في الاصل: (ألا من قائل). أقول: في الاصل السّند فيه تأمّل فراجع.

36

فَقَالَ الْبَاقِرُ (عليه السلام): مَنْ فِيكُمْ يَأْتِينِي بِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَحْجُوباً قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، فَحَضَرَ وَ سَلَّمَ عَلَى الْبَاقِرِ (عليه السلام)، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ أَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ، وَ قَالَ لَهُ يَا جَابِرُ، عِنْدِي رَجُلَانِ ذَكَرَا أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) رَضِيَ بِإِمَامَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ، فَاسْأَلْهُمَا مَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ؟

فَذَكَرَا لَهُ حَدِيثَ خَوْلَةَ، فَبَكَى جَابِرٌ، حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ بِالدُّمُوعِ.

ثُمَّ قَالَ: وَ اللَّهِ يَا مَوْلَايَ، إِنِّي خَشِيتُ أَنْ أُفَارِقَ الدُّنْيَا، وَ لَا أُسْأَلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَ إِنِّي وَ اللَّهِ قَدْ كُنْتُ جَالِساً إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، وَ قَدْ أَتَتْ حَنَفِيَّةُ مَعَ هَانِي بْنِ نُوَيْرَةَ مِنْ قِبَلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَ بَيْنَهُمْ جَارِيَةٌ مُرَاهِقَةٌ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْمَسْجِدَ، قَالَتْ: أَيُّهَا النَّاسُ مَا فَعَلَ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ قَالُوا: قُبِضَ.

قَالَتْ: فَهَلْ لَهُ بَنِيَّةٌ نَقْصِدُهَا؟

فَقَالُوا: نَعَمْ هَذِهِ تُرْبَتُهُ وَ بَنِيَّتُهُ، فَنَادَتْ وَ قَالَتْ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّكَ تَسْمَعُ كَلَامِي، وَ تَقْدِرُ عَلَى رَدِّ جَوَابِي وَ إِنَّا سُبِينَا مِنْ بَعْدِكَ وَ نَحْنُ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.

فَجَلَسَتْ، وَ وَثَبَ رَجُلَانِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ: أَحَدُهُمَا، طَلْحَةُ، وَ الْآخَرُ:

الزُّبَيْرُ، وَ طَرَحَا عَلَيْهَا ثَوْبَيْهِمَا.

فَقَالَتْ: مَا بَالُكُمْ يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ، تَصُونُونَ حَلَائِلَكُمْ وَ تَهْتِكُونَ حَلَائِلَ غَيْرِكُمْ؟

فَقِيلَ لَهَا: لِأَنَّكُمْ قُلْتُمْ: لَا نُصَلِّي (وَ لَا نَصُومُ)

(1)

وَ لَا نُزَكِّي.

فَقَالَتْ: لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ، إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كَانَ يَبْعَثُ كُلَّ سَنَةٍ رَجُلًا يَأْخُذُ مِنَّا صَدَقَاتِنَا مِنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ جُمْلَتِنَا، يُفَرِّقُهَا عَلَى فُقَرَائِنَا.

فَافْعَلْ أَنْتَ كَذَلِكَ فَقَالَ الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ طَرَحَا عَلَيْهَا ثَوْبَيْهِمَا: إِنَّا لَغَالُونَ فِي ثَمَنِكِ.

____________

(1) ليس في الأصل و أثبتناه من البحار.

37

فَقَالَتْ: أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ، وَ بِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أَنْ لَا يَمْلِكَنِي وَ يَأْخُذَ بِرَقَبَتِي‏

(1)

إِلَّا مَنْ يُخْبِرُنِي بِمَا رَأَتْ أُمِّي، وَ هِيَ حَامِلَةٌ بِي؟ وَ أَيَّ شَيْ‏ءٍ قَالَتْ لِي عِنْدَ وِلَادَتِي وَ مَا الْعَلَامَةُ الَّتِي بَيْنِي وَ بَيْنَهَا؟ وَ إِلَّا مَا يَمْلِكُنِي مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ يُخْبِرُنِي بِذَلِكَ، وَ إِلَّا بَقَرْتُ بَطْنِي بِيَدِي، فَيَذْهَبُ بِثَمَنِي وَ يُطَالَبُ بِدَمِي.

فَقَالُوا لَهَا: (أَبْدِي رُؤْيَاكِ، حَتَّى نَذْكُرَهَا، وَ نَقُولَ بِعِبَارَتِهَا)

(2)

فَقَالَتْ: الَّذِي يَمْلِكُنِي هُوَ أَعْلَمُ بِالرُّؤْيَا مِنِّي وَ بِالْعِبَارَةِ مِنَ الرُّؤْيَا.

فَأَخَذَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ ثَوْبَيْهِمَا، وَ جَلَسَا، فَدَخَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).

وَ قَالَ: مَا هَذَا الرَّجَفُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟

فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، امْرَأَةٌ (حَنَفِيَّةٌ) حَرَّمَتْ ثَمَنَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَ قَالَتْ: مَنْ أَخْبَرَنِي بِالرُّؤْيَا الَّتِي رَأَتْ أُمِّي وَ هِيَ حَامِلَةٌ بِي، وَ الْعِبَارَةِ يَمْلِكُنِي فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): مَا ادَّعَتْ بَاطِلًا، أَخْبِرُوهَا تَمْلِكُوهَا.

فَقَالُوا: يَا أَبَا الْحَسَنِ، مَا فِينَا مَنْ يَعْلَمُ الْغَيْبَ، أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ ابْنَ عَمِّكَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قَدْ قُبِضَ وَ أَنَّ أَخْبَارَ السَّمَاءِ قَدِ انْقَطَعَتْ مِنْ بَعْدِهِ.

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أُخْبِرُهَا، أَمْلِكُهَا بِغَيْرِ اعْتِرَاضٍ (مِنْكُمْ)

(3)

قَالُوا: نَعَمْ.

قَالَ (عليه السلام): يَا حَنَفِيَّةُ، أُخْبِرُكِ وَ أَمْلِكُكِ؟

فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُجْتَرِئُ دُونَ أَصْحَابِهِ؟

فَقَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ: لَعَلَّكَ الرَّجُلُ الَّذِي نَصَبَهُ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي غَدِيرِ خُمٍّ، عَلَماً لِلنَّاسِ؟ فَقَالَ: أَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ.

فَقَالَتْ: مِنْ أَجْلِكَ أُصِبْنَا، وَ مِنْ نَحْوِكَ قُصِدْنَا، لِأَنَّ رِجَالَنَا قَالُوا: لَا نُسَلِّمُ صَدَقَاتِ أَمْوَالِنَا، وَ لَا طَاعَةَ نُفُوسِنَا إِلَّا لِمَنْ نَصَبَهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فِينَا وَ فِيكُمْ عَلَماً

____________

(1) في نسخة: (و يأخذني، و يأخذ رقبتي).

(2) ما بين القوسين في البحار: (أذكري رؤياك حتّى نعبرها لك).

(3) ليس في الأصل.

38

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): إِنَّ أَجْرَكُمْ غَيْرُ ضَائِعٍ، وَ إِنَّ اللَّهَ يُؤْتِي كُلَّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ.

ثُمَّ قَالَ: يَا حَنَفِيَّةُ، أَ لَمْ تَحْمِلْ بِكِ أُمُّكِ فِي زَمَانٍ قَحْطٍ، حَيْثُ مَنَعَتِ السَّمَاءُ قَطْرَهَا، وَ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا، وَ غَارَتِ الْعُيُونُ وَ الْأَنْهَارُ.

حَتَّى إِنَّ الْبَهَائِمَ كَانَتْ تُرِيدُ مَرْعًى، فَلَا تَجِدُ شَيْئاً، وَ كَانَتْ أُمُّكِ تَقُولُ:

إِنَّكِ حَمْلٌ مَشْئُومٌ فِي زَمَانٍ غَيْرِ مُبَارَكٍ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، رَأَتْ فِي مَنَامِهَا بِأَنَّهَا وَضَعَتْكِ، وَ أَنَّهَا تَقُولُ:

إِنَّكِ حَمْلٌ مَشْئُومٌ فِي زَمَانٍ غَيْرِ مُبَارَكٍ، وَ كَأَنَّكِ تَقُولِينَ يَا أُمِّ، لَا تَنْظُرِينَ لِي فَإِنِّي حَمْلٌ مُبَارَكٌ، أَنْشَأُ مَنْشَأً مُبَارَكاً صَالِحاً، وَ يَمْلِكُنِي سَيِّدٌ أُرْزَقُ مِنْهُ وَلَداً، يَكُونُ لِحَنَفِيَّةَ عِزّاً.

فَقَالَتْ: صَدَقْتِ. فَقَالَ (عليه السلام): إِنَّهُ كَذَلِكِ، وَ بِهِ قَدْ أَخْبَرَنِي ابْنُ عَمِّي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فَقَالَتْ: مَا الْعَلَامَةُ الَّتِي بَيْنِي وَ بَيْنَ أُمِّي؟

فَقَالَ لَهَا: لَمَّا وَضَعَتْكِ كَتَبَتْ كَلَامَكِ وَ الرُّؤْيَا فِي لَوْحٍ مِنْ نُحَاسٍ، وَ أَوْدَعَتْهُ عَتَبَةَ الْبَابِ.

فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ عَرَضَتْهُ عَلَيْكِ، فَأَقْرَرْتِ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سِتِ‏

(1)

سِنِينَ، عَرَضَتْهُ عَلَيْكِ.

فَأَقْرَرْتِ بِهِ ثُمَّ جَمَعَتْ بَيْنَكِ وَ بَيْنَ اللَّوْحِ، وَ قَالَتْ لَكِ:

يَا بُنَيَّةِ، إِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِكُمْ سَافِكٌ لِدِمَائِكُمْ، وَ نَاهِبٌ لِأَمْوَالِكُمْ، وَ سَالِبٌ لِذَرَارِيِّكُمْ فَسُبِيتِ فِيمَنْ سُبِيَ، فَخُذِي اللَّوْحَ مَعَكِ، وَ اجْتَهِدِي أَنْ لَا يَمْلِكَكِ مِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَّا مَنْ يُخْبِرُكِ بِالرُّؤْيَا، وَ بِمَا فِي هَذَا اللَّوْحِ.

قَالَتْ: صَدَقْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَيْنَ اللَّوْحُ؟

____________

(1) في نسخة و البحار: (كانت ثمان).

39

قَالَ: هُوَ فِي عَقِيصَتِكِ،

(1)

فَعِنْدَ ذَلِكَ دَفَعَتِ اللَّوْحَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَمَلَكَهَا وَ اللَّهِ- يَا أَبَا جَعْفَرٍ، بِمَا ظَهَرَ مِنْ حُجَّتِهِ، وَ بَيَّنَ مِنْ بَيِّنَتِهِ.

فَلَعَنَ اللَّهُ مَنِ اتَّضَحَ لَهُ الْحَقُّ، وَ جَحَدَ حَقَّهُ، وَ جَعَلَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْحَقِّ سِتْراً

(2)

(24) (حديث النبي علم علي ألف باب من العلم)

وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام):

عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أَلْفَ بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ، فَفُتِحَ لِي مِنْ كُلِّ بَابٍ أَلْفُ بَابٍ.

قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَهُ (عليه السلام) يَدِي فِي يَدِهِ، وَ قَدْ أَرْسَلَ وَلَدَهُ الْحَسَنَ (عليه السلام) إِلَى الْكُوفَةِ، لِيَسْتَنْفِرَ أَهْلَهَا وَ يَسْتَعِينَ بِهِمْ مِنْ حَرْبِ النَّاكِثِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.

قَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ: سَوْفَ يَأْتِي وَلَدِيَ الْحَسَنُ (عليه السلام) فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَ مَعَهُ عَشْرَةُ آلَافِ فَارِسٍ وَ رَاجِلٍ، لَا يَنْقُصُ فَارِسٌ وَ لَا يَزِيدُ فَارِسٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا وَصَلَنَا

(3)

الْحَسَنُ (عليه السلام) بِالْجُنْدِ، لَمْ يَكُنْ لِي هِمَّةٌ إِلَّا مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ كم‏

(4)

كمراة [عَنْ كَمِّيَّةِ الْجُنْدِ؟ قَالَ لِي: عَشَرَةُ آلَافِ فَارِسٍ وَ رَاجِلٍ لَا يَزِيدُ فَارِسٌ وَ لَا يَنْقُصُ فَارِسٌ.

فَعَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ (الَّتِي)

(5)

عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

(6)

.

____________

(1) قال المجلسي رضي اللّه عنه: العقيقة: الشعر المنسوج على الرأس عرضا.

(2) عنه البحار: 29/ 457 ح 46 و عن الفضائل: 99.

(3) في البحار: (وصل)، و في نسخة: (طالعنا).

(4) هكذا في الاصل و لم نجد لها معنى، و في الفضائل: (عن كمية الجند)،

(5) في الاصل: (الذي) و ما أثبتناه هو الصحيح.

(6) عنه البحار: 41/ 328 ج 49، و عن الفضائل: 102، و مدينة المعاجز: 2/ 316 ح 579.

40

(25) (حديث أم علي هي أم النبي)

قِيلَ:

لَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ

(1)

وَالِدَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَقْبَلَ عَلِيٌّ (عليه السلام)، وَ هُوَ بَاكٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): مَا يُبْكِيكَ؟ لَا أَبْكَى اللَّهُ لَكَ عَيْناً.

فَقَالَ: تُوُفِّيَتْ وَالِدَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): بَلْ وَالِدَتِي يَا عَلِيُّ فَقَدْ كَانَتْ تُجَوِّعُ أَوْلَادَهَا وَ تُشْبِعُنِي، وَ تُشَعِّثُ أَوْلَادَهَا وَ تُدَهِّنُنِي، وَ اللَّهِ لَقَدْ كَانَتْ فِي دَارِ أَبِي طَالِبٍ نَخْلَةٌ، وَ كَانَتْ تُسَابِقُ إِلَيْهَا مِنَ الْغَدَاةِ، لِتَلْتَقِطَ مَا يَقَعُ مِنْهَا فِي اللَّيْلِ، وَ كَانَتْ تَأْمُرُ جَارِيَتَهَا فَتَلْتَقِطُ مَا يَقَعُ مِنَ الْغَلَسِ‏

(2)

، ثُمَّ تَجْنِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

فَإِذَا خَرَجَ بَنُو عَمِّي، تَنَاوَلَنِي ذَلِكَ.

ثُمَّ نَهَضَ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وَ أَخَذَ فِي جَهَازِهَا، وَ كَفَّنَهَا بِقَمِيصِهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

وَ كَانَ فِي حَالِ تَشْيِيعِ جَنَازَتِهَا يَرْفَعُ قَدَماً، وَ يَتَأَنَّى فِي رَفْعِ الْأُخْرَى، وَ هُوَ حَافِي الْقَدَمِ.

فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهَا، كَبَّرَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً ثُمَّ لَحَدَهَا فِي قَبْرِهَا بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ، بَعْدَ أَنْ نَامَ فِي قَبْرِهَا، وَ لَقَّنَهَا الشَّهَادَتَيْنِ.

فَلَمَّا أُهِيلَ‏

(3)

عَلَيْهَا التُّرَابُ، وَ أَرَادَ النَّاسُ الِانْصِرَافَ، جَعَلَ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يَقُولُ لَهَا:

ابْنُكِ، ابْنُكِ، لَا جَعْفَرٌ، وَ لَا عَقِيلٌ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلْتَ فِعْلًا مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ قَطُّ مَشْيَكَ حَافِيَ الْقَدَمِ، وَ كَبَّرْتَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً، وَ نَوْمَكَ فِي لَحْدِهَا، وَ قَمِيصَكَ عَلَيْهَا، وَ قَوْلَكَ لَهَا: ابْنُكِ، ابْنُكِ لَا

____________

(1) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 1/ 6 فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، أوّل هاشميّة ولدت لها لهاشمي، و كان عليّ (عليه السلام) أصغر بنيها.

(2) الغلس: ظلمة آخر اللّيل.

(3) هال التّراب: أيّ صبّه.

41

جَعْفَرٌ، وَ لَا عَقِيلٌ.

فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فَأَمَّا التَّأَنِّي فِي وَضْعِ أَقْدَامِي وَ رَفْعِهَا فِي حَالِ تَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ، فَلِكَثْرَةِ ازْدِحَامِ الْمَلَائِكَةِ، وَ أَمَّا تَكْبِيرِي سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً، فَإِنَّهَا صَلَّى عَلَيْهَا سَبْعُونَ صَفّاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ.

وَ أَمَّا نَوْمِي فِي لَحْدِهَا، فَإِنِّي ذَكَرْتُ لَهَا فِي أَيَّامِ حَيَاتِهَا ضَغْطَةَ الْقَبْرِ.

فَقَالَتْ: وَا ضَعْفَاهْ، فَنِمْتُ فِي لَحْدِهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ، حَتَّى كُفِيتُهَا ذَلِكَ.

وَ أَمَّا تَكْفِينُهَا بِقَمِيصِي فَإِنِّي ذَكَرْتُ لَهَا حَشْرَ النَّاسِ عُرَاةً فَقَالَتْ: وَا سَوْأَتَاهْ، فَكَفَّنْتُهَا بِهِ لِتَقُومَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَسْتُورَةً.

وَ أَمَّا قَوْلِي لَهَا: ابْنُكِ ابْنُكِ لَا جَعْفَرٌ وَ لَا عَقِيلٌ فَإِنَّهَا لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهَا الْمَلَكَانِ وَ سَأَلَاهَا عَنْ رَبِّهَا فَقَالَتْ: اللَّهُ رَبِّي، فَقَالا لَهَا مَنْ نَبِيُّكِ؟

فَقَالَتْ: مُحَمَّدٌ نَبِيِّي، فَقَالا لَهَا: مَنْ وَلِيُّكِ وَ إِمَامُكِ؟ فَاسْتَحْيَتْ أَنْ تَقُولَ: وَلَدِي فَقُلْتُ لَهَا: قُولِي ابْنُكِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَأَقَرَّ اللَّهُ بِذَلِكَ عَيْنَهَا

(1)

. (26) (حديث إخبار علي بموت ميثم)

قِيلَ‏

«كَانَ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) يَخْرُجُ مِنَ الْجَامِعِ بِالْكُوفَةِ، فَيَجْلِسُ عِنْدَ مِيثَمٍ التَّمَّارِ (رحمه اللّه)، فَيُحَادِثُهُ، فَقَالَ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ: أَ لَا أُبَشِّرُكَ يَا مِيثَمُ؟ فَقَالَ: بِمَا ذَا يَا مَوْلَايَ؟

قَالَ: بِأَنَّكَ تَمُوتُ مَصْلُوباً قَالَ: يَا مَوْلَايَ، وَ أَنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ؟

فَقَالَ: نَعَمْ يَا مِيثَمُ.

____________

(1) عنه البحار: 6/ 241 ح 60، و ج 35/ 180، و عن الفضائل: 102، و مستدرك الوسائل: 2/ 266 ح 19.

42

ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا مِيثَمُ: تُرِيدُ أُرِيكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي تُصْلَبُ فِيهِ، وَ النَّخْلَةَ الَّتِي تُعَلَّقُ عَلَيْهَا، وَ عَلَى جِذْعِهَا؟.

قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَحْبَةِ الصَّيَارِفَةِ.

وَ قَالَ لَهُ: هَاهُنَا، ثُمَّ أَرَاهُ النَّخْلَةَ.

قَالَ لَهُ: عَلَى جِذْعِ هَذِهِ فَمَا زَالَ مِيثَمٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَتَعَاهَدُهَا وَ يُصَلِّي عِنْدَهَا حَتَّى قُطِعَتْ، وَ شُقَّتْ نِصْفَيْنِ، (فَنِصْفٌ تُنَصَّفُ مِنْهَا)

(1)

وَ بَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ، فَمَا زَالَ يَتَعَاهَدُ (هَذَا) النِّصْفَ، وَ يُصَلِّي فِي الْمَوْضِعِ ذَلِكَ وَ يَقُولُ لِبَعْضِ جِيرَانِ الْمَوْضِعِ: يَا فُلَانُ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجَاوِرَكَ عَنْ قَرِيبٍ، فَأَحْسِنْ جِوَارِي.

فَيَقُولُ ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي نَفْسِهِ: يُرِيدُ مِيثَمٌ يَشْتَرِي دَاراً فِي جِوَارِي، فَيَقُولُ ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي نَفْسِهِ، وَ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ، حَتَّى قُبِضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).

وَ ظَفِرَ مُعَاوِيَةُ بِأَصْحَابِهِ، فَأُخِذَ مِيثَمٌ فِيمَنْ أُخِذَ وَ قُبِضَ، وَ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بِصَلْبِهِ، فَصُلِبَ عَلَى ذَلِكَ الْجِذْعِ، فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ.

فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الرَّجُلُ أَنَّ ميثم [مِيثَماً قَدْ صُلِبَ فِي جِوَارِهِ.

قَالَ:

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

.

ثُمَّ أَخْبَرَ النَّاسَ بِقِصَّةِ مِيثَمٍ، وَ مَا قَالَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَ مَا زَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَكْنُسُ تَحْتَ الْجِذْعِ، وَ يُبْخِرُهُ، وَ يُصَلِّي عِنْدَهُ، وَ يُكْثِرُ

(2)

الرَّحْمَةَ عَلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏

(3)

. (27) (حديث بيت علي من بيوت الأنبياء)

وَ مِمَّا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ:

كُنْتُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، وَ قَدْ قَرَأَ الْقَارِئُ:

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ‏

____________

(1) في البحار: (فسقف بالنّصف منها).

(2) في الفضائل: (و يكرّر).

(3) عنه البحار: 42/ 138 ح 19، و عن الفضائل: 103.

43

(1)

.

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْبُيُوتُ؟

فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): بُيُوتُ الْأَنْبِيَاءِ، وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى مَنْزِلِ فَاطِمَةَ (عليها السلام).

(2)

(28) (حديث تسمية أمير المؤمنين قبل خلق آدم)

وَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

وَ قَدْ أَقْبَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَاءَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.

فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إِنَّ عَلِيّاً سُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلِي.

قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَبْلَكَ؟ قَالَ: وَ قَبْلَ عِيسَى وَ مُوسَى (عليهم السلام).

قَالَ: وَ قَبْلَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ (عليه السلام)، وَ لَمْ يَزَلْ يَعُدُّ الْأَنْبِيَاءَ إِلَى آدَمَ (عليه السلام).

ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طِيناً، خَلَقَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ دُرَّةً

(3)

تُسَبِّحُ اللَّهَ وَ تُقَدِّسُهُ.

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى: لَأُسْكِنُكَ رَجُلًا أَجْعَلُهُ أَمِيرَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) أَسْكَنَ الدُّرَّةَ فِيهِ، فَسُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ (عليه السلام)

(4)

. (29) (حديث إخبار علي ابن ملجم بقتله)

وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَمَّا بَايَعَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ- لَعَنَهُ اللَّهُ- قَالَ لَهُ: بِاللَّهِ إِنَّكَ غَيْرُ

____________

(1) النّور: 36.

(2) عنه البحار: 23/ ح 3، و عن الفضائل: 103 شواهد التّنزيل: 1/ 409، الدّرّ المنثور: 5/ 50، الكشف و البيان للثعلبي: (مخطوط)، روح المعاني: 18/ 157 و للحديث تخريجات كثيرة بأسانيد مختلفة.

(3) عنه البحار: 37/ 337 ح 80، و عن الفضائل: 104 و مدينة المعاجز: 1/ 71 ح 21.

(4) في الفضائل: درّة و كذا الّتي بعدها.

44

وَفِيٍ‏

(1)

بِبَيْعَتِي، وَ لَتَخْضِبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذَا- وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى كَرِيمَتِهِ، وَ كَرِيمِهِ.

فَلَمَّا هَلَّ شَهْرُ رَمَضَانَ جَعَلَ يُفْطِرُ لَيْلَةً عِنْدَ الْحَسَنِ (عليه السلام) وَ لَيْلَةً عِنْدَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) قَالَ:

فَلَمَّا مَضَتْ بَعْضُ اللَّيَالِي، قَالَ: كَمْ مَضَى مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ قَالُوا لَهُ كَذَا وَ كَذَا يوم [يَوْماً، فَقَالَ لَهُمَا: فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ تَفْقِدَانِ أَبَاكُمَا. فَكَانَ كَمَا قَالَ (عليه السلام)

(2)

. (30) (حديث علي وصي خاتم الأنبياء)

وَ مِنْ فَضَائِلِهِ (عليه السلام):

أَنَّهُ لَمَّا سَارَ إِلَى صِفِّينَ أَعْوَزَ أَصْحَابُهُ الْمَاءَ، فَشَكَوْا إِلَيْهِ (عليه السلام).

فَقَالَ لَهُمْ سِيرُوا فِي هَذِهِ الْبَرِّيَّةِ، فَاطْلُبُوهُ، فَسَارُوا يَمِيناً وَ شِمَالًا وَ طُولًا وَ عَرْضاً، فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً، فَوَجَدُوا صَوْمَعَةً فِيهَا رَاهِبٌ فَنَادَوْهُ وَ سَأَلُوهُ عَنِ الْمَاءِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ يُجْلَبُ لَهُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً وَاحِدَةً.

فَرَجَعُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ أَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ. فَقَالَ (عليه السلام): الْحَقُونِي فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، وَ قَالَ: احْفِرُوا هَاهُنَا. فَحَفَرُوا فَوَجَدُوا صَخْرَةً عَظِيمَةً.

فَقَالَ: اقبلوها [اقْلِبُوهَا تَجِدُوا الْمَاءَ تَحْتَهَا، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا، فَلَمْ يُحَرِّكُوهَا فَقَالَ (عليه السلام): إِلَيْكُمْ عَنْهَا، فَتَقَدَّمَ، وَ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِكَلَامٍ لَمْ يُعْلَمْ مَا هُوَ ثُمَّ دَحَاهَا عَلَى الْهَوَى كَالْكُرَةِ فِي الْمَيْدَانِ، قَالَ الرَّاهِبُ: وَ هُوَ نَاظِرٌ إِلَيْهِ، وَ مُشْرِفٌ عَلَيْهِ مَنْ أَنْتَ يَا فَتَى؟ فَنَحْنُ عِنْدَنَا فِي كُتُبِنَا: أَنَّ هَذَا الدَّيْرَ بُنِيَ عَلَى هَذِهِ الْعَيْنِ وَ أَنَّهَا لَا يَعْلَمُ بِهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ.

ثُمَّ قَالَ: أَيُّهُمَا أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا وَصِيُّ خَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، أَنَا وَصِيُّ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ

____________

(1) في نسخة: (إنّك غيور).

(2) عنه البحار: 41/ 329 ضمن ح 49، و عن الفضائل: 104.

45

أَنَا وَصِيُّ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، أَنَا ابْنُ عَمِّ قَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.

فَلَمَّا سَمِعَ الرَّاهِبُ كَلَامَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) نَزَلَ مِنْ أَعْلَى الصَّوْمَعَةِ، وَ خَرَجَ وَ هُوَ يَقُولُ: مُدَّ يَدَكَ.

فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَ أَنَّكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلِيُّ اللَّهِ، وَ وَصِيُّهُ وَ خَلِيفَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ.

وَ شَرِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْعَيْنِ، وَ مَاؤُهَا أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَ امْتَارُوا مِنْهُ، وَ سَقَوْا خُيُولَهُمْ، وَ مَلَئُوا رَوَايَاهُمْ ثُمَّ أَعَادَ (عليه السلام) الصَّخْرَةَ إِلَى مَوْضِعِهَا، ثُمَّ ارْتَحَلَ عَنِ الْعَيْنِ، وَ رَاحُوا إِلَى دِيَارِهِمْ‏

(1)

(31) (حديث قضاء علي في خلافة عمر)

قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيُّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قَالَ:

جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ غُلَامٌ يَافِعٌ، فَقَالَ لَهُ إِنَّ أُمِّي جَحَدَتْ حَقِّي مِنْ مِيرَاثِ أَبِي، وَ أَنْكَرَتْنِي وَ قَالَتْ: لَسْتَ بِوَلَدِي.

فَأَحْضَرَهَا، وَ قَالَ لَهَا: لِمَ جَحَدْتِ حَقَّ وَلَدِكِ، هَذَا الْغُلَامِ وَ أَنْكَرْتِهِ؟

قَالَتْ: إِنَّهُ كَاذِبٌ فِي زَعْمِهِ، وَ لِي شُهُودٌ بِأَنَّنِي بِكْرٌ عَاتِقٌ‏

(2)

مَا عَرَفْتُ بَعْلًا وَ كَانَتْ قَدْ أَرْشَتْ‏

(3)

سَبْعَ نِسْوَةٍ، كُلَّ وَاحِدَةٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ لِيَشْهَدْنَ لَهَا بِأَنَّهَا بِكْرٌ وَ لَمْ تَتَزَوَّجْ وَ لَا عَرَفَتْ بَعْلًا.

قَالَ عُمَرُ: أَيْنَ شُهُودُكِ، فَأَحْضَرَتْهُنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَا تَشْهَدْنَ؟ قُلْنَ: نَشْهَدُ أَنَّهَا

____________

(1) الفضائل: 104، إعلام الورى: 176، و إرشاد المفيد: 193، عنهما البحار: 41/ 260 ح 21.

(2) العاتق: الجارية أوّل ما أدركت أو الّتي بين الإدراك و التّعنيس، و لم يدركها زوج بعد.

(3) أرشت: أيّ أعطت رشوة.

46

بِكْرٌ! وَ لَمْ يَمَسَّهَا بَعْلٌ وَ لَا ذَكَرٌ قَالَ الْغُلَامُ: بَيْنِي وَ بَيْنَهَا عَلَامَةٌ أَذْكُرُهَا لَهَا، عَسَى أَنْ تَعْرِفَ ذَلِكِ.

قَالَتْ لَهُ: قُلْ مَا بَدَا لَكَ. فَقَالَ الْغُلَامُ: قَدْ كَانَ وَالِدِي شَيْخَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ يُقَالُ لَهُ:

ابْنُ الْحَارِثِ الْمُزَنِيُّ.

وَ وُلِدْتُ فِي عَامٍ شَدِيدِ الْمَحْلِ‏

(1)

، وَ بَقِيتُ عَامَيْنِ كَامِلَيْنِ أَرْضَعُ مِنْ شَاةٍ ثُمَّ إِنَّنِي كَبِرْتُ، وَ سَافَرَ وَالِدِي فِي تِجَارَةٍ مَعَ جَمَاعَةٍ، فَعَادُوا وَ لَمْ يَعُدْ وَالِدِي مَعَهُمْ، فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا: إِنَّهُ دَرَجَ‏

(2)

فَلَمَّا عَرَفَتْ وَالِدَتِي الْخَبَرَ، أَنْكَرَتْنِي وَ أَبْعَدَتْنِي،

(3)

وَ قَدْ أَضَرَّتْنِي الْحَاجَةُ.

فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا مُشْكِلٌ، وَ لَا يَحُلُّهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ، قُومُوا بِنَا إِلَى أَبِي الْحَسَنِ، فَمَضَى الْغُلَامُ، وَ هُوَ يَقُولُ:

أَيْنَ مَنْزِلُ كَاشِفِ الْكُرُوبِ عِنْدَ عَلَّامِ الْغُيُوبِ؟ أَيْنَ خَلِيفَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ حَقّاً؟ فَجَاءُوا بِهِ إِلَى مَنْزِلِ عَلِيٍّ (عليه السلام).

فَقَالَ: أَيْنَ كَاشِفُ الْكُرُبَاتِ، وَ مُجْلِي الْمُشْكِلَاتِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟

فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَا بِكَ يَا غُلَامُ؟

فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، أُمِّي جَحَدَتْ حَقِّي، وَ أَنْكَرَتْنِي مِيرَاثَ أَبِي، وَ أَنْكَرَتْ أَنِّي لَمْ أَكُنْ وَلَدَهَا.

فَقَالَ الْإِمَامُ (عليه السلام): أَيْنَ قَنْبَرٌ؟ فَأَجَابَهُ بِالتَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ.

قَالَ: امْضِ وَ أَحْضِرِ الْمَرْأَةَ أُمَّ الْغُلَامِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

فَمَضَى قَنْبَرٌ وَ أَحْضَرَهَا بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهَا: وَيْلَكِ لِمَ جَحَدْتِ وَلَدِكِ؟

____________

(1) المحل: الجدب. انقطاع المطر.

(2) درج القوم: أنقرضوا و ماتوا.

(3) في البحار: (أخرتني).

47

فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي بِكْرٌ، لَيْسَ لِي وَلَدٌ، وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ.

فَقَالَ لَهَا: لَا تطيلين [تُطِيلِنَ‏

(1)

الْكَلَامَ، فَأَنَا ابْنُ عَمِّ بَدْرِ التَّمَامِ، أَنَا مِصْبَاحُ الظَّلَامِ.

أَخْبِرِينِي بِقِصَّتِكِ؟ قَالَتْ: يَا مَوْلَايَ، أَحْضِرْ قَابِلَةً لِتَنْظُرَنِي أَنَا بِكْرٌ عَاتِقٌ أَمْ لَا؟

فَأَحْضَرَ قَابِلَةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا خَلَتْ بِهَا أَعْطَتْهَا سِوَاراً كَانَ فِي عَضُدِهَا، وَ قَالَتْ لَهَا: اشْهَدِي بِأَنِّي بِكْرٌ.

فَلَمَّا خَرَجَتِ الْقَابِلَةُ مِنْ عِنْدِهَا، قَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهَا بِكْرٌ.

فَقَالَ لَهَا: كَذَبْتِ، قُمْ يَا قَنْبَرُ، الْحَقِ الْعَجُوزَ، وَ خُذْ مِنْهَا السِّوَارَ.

قَالَ قَنْبَرُ: فَأَخْرَجْتُ السِّوَارَ مِنْ كَتِفِهَا، فَعِنْدَهَا ضَجَّ الْخَلَائِقُ.

فَقَالَ (عليه السلام): اسْكُتُوا فَأَنَا عَيْبَةُ عِلْمِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْجَارِيَةَ وَ قَالَ لَهَا: يَا جَارِيَةُ، أَنَا عِزُّ الدِّينِ، أَنَا زَيْنُ الدِّينِ، وَ أَنَا قَاضِي الدِّينِ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام).

فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَكِ مِنْ هَذَا الْغُلَامِ الْمُدَّعِي عَلَيْكِ فَتَقْبَلِينَهُ مِنِّي زَوْجاً.

قَالَتِ الْمَرْأَةُ: يَا مَوْلَايَ، أَ تُبْطِلُ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟

قَالَ لَهَا: بِمَا ذَا؟ قَالَتْ: تُزَوِّجُنِي بِوَلَدِي كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ.

فَقَالَ الْإِمَامُ: اللَّهُ أَكْبَرُ

جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (2)

وَ مَا كَانَ هَذَا مِنْكِ قَبْلَ هَذِهِ الْفَضِيحَةِ؟ قَالَتْ: يَا مَوْلَايَ، خَشِيتُ عَلَى الْمِيرَاثِ.

ثُمَّ قَالَ لَهَا: تُوبِي إِلَى اللَّهِ وَ اسْتَغْفِرِيهِ ثُمَّ إِنَّهُ أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِوَالِدَتِهِ وَ بِإِرْثِ أَبِيهِ‏

(3)

.

____________

(1) في البحار: (ألا تعدلي).

(2) الإسراء: 81.

(3) عنه البحار: 40/ 268 ح 38، و عن الفضائل: 105، الصراط المستقيم: 2/ 17، إعلام الورى:

175، إرشاد المفيد 193، كشف الغمة: 1/ 279، و أخرجه في مدينة المعاجز: 1/ 458 ح 318، و ص: 497 ح 324 و ج 2/ 452 ح 677، عن مشارق أنوار اليقين: لم نجده و أخرجه في إحقاق الحق: 4/ 77، و ج 17/ 502.

48

(32) (حديث معجزة علي في الفرات)

وَ مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ (عليه السلام):

أَنَّهُ كَانَ جَالِساً فِي جَامِعِ الْكُوفَةِ، فَشَكَوْا إِلَيْهِ زِيَادَةَ الْفُرَاتِ وَ طُغْيَانَ الْمَاءِ.

فَنَهَضَ مَعَهُمْ (عليه السلام)، وَ قَصَدَ الْفُرَاتَ، وَ وَقَفَ عَلَيْهَا بِمَوْضِعٍ، يُقَالُ لَهُ: بَابُ الرَّوْحَةِ وَ أَخَذَ بِيَدَيْهِ الْقَضِيبَ، وَ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِكَلَامٍ لَمْ نَعْلَمْهُ، وَ ضَرَبَ الْمَاءَ بِالْقَضِيبِ، فَهَبَطَ نِصْفَ ذِرَاعٍ، فَقَالَ لَهُمْ: يَكْفِي هَذَا؟

فَقَالُوا: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ ضَرَبَهُ ثَانِياً، فَنَقَصَ ذراع [ذِرَاعاً.

فَقَالَ لَهُمْ: يَكْفِي هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ (عليه السلام): وَ حَقِّ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَ بَرِئَ النَّسَمَةَ، لَوْ شِئْتُ لَبَيَّنْتُ لَكُمُ الْحِيتَانَ فِي قَرَارِهِ.

و هذا فضيلة لا يقدر عليها غيره‏ (1)

. (33) (حديث أويس القرني)

وَ مِمَّا (2) رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:

تَفُوحُ رَوَائِحُ الْجَنَّةِ مِنْ قِبَلِ قَرَنَ، وَا شَوْقَاهْ إِلَيْكَ، يَا أُوَيْسُ الْقَرَنِيُّ، أَلَا وَ مَنْ لَقِيَهُ فَلْيُقْرِئْهُ عَنِّي السَّلَامَ.

فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَ مَنْ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ؟

____________

(1) الفضائل: 106، المناقب لأبن شهر آشوب: 2/ 155 عنه البحار: 41/ 268 ضمن ح 22، و مدينة المعاجز: 2/ 105 ح 430، و ص 106 ح 431، عن الخرائج و الجرائح: 2/ 426 ح 43، و إرشاد المفيد: 201، و إعلام الورى: 182، خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) للسّيّد الرّضيّ: 58 بإسناده إلى الاصبغ بن نباته (مثله)، الهداية الكبرى للحضيني: 27، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و ذكر (نحوه) و أخرجه البحرانيّ في مدينة المعاجز: 2/ 107 ح 432 و ص 108 ح 433، و ص 110 ح 434.

(2) في الأصل: (و فيما).

49

قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إِنَّهُ إِنْ غَابَ عَنْكُمْ لَمْ تَفْقِدُوهُ، وَ إِنْ ظَهَرَ لَكُمْ لَمْ تَكْتَرِثُوا بِهِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فِي شَفَاعَتِهِ مِثْلُ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ.

يُؤْمِنُ بِي وَ مَا رَآنِي، وَ يُقْتَلُ بَيْنَ يَدَيْ خَلِيفَتِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي صِفِّينَ بَعْدَ أَنْ يُقَاتِلَ.

أَيُّهَا الطَّاعِنُ بِقَلْبِكَ، فَانْظُرْ بِعَقْلِكَ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا، وَ مُعْجِزَاتٍ شَرَّفَ اللَّهُ بِهَا لِهَذَا الْإِمَامِ دلالته عليه، و هداية إليه.

لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (1) (2)

(34) (حديث المقدسي)

وَ مِمَّا رُوِيَ وَ وَرَدَ مِنْ فَضَائِلِهِ (عليه السلام) فِي حَدِيثِ الْمَقْدِسِيِّ مَا يُغْنِي سَمَاعَهُ عَمَّا سِوَاهُ، وَ هُوَ مَا حُكِيَ لَنَا

أَنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَرَدَ إِلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وَ هُوَ حَسَنُ الثِّيَابِ،

(3)

مَلِيحُ الصُّورَةِ، فَزَارَ حُجْرَةَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

وَ قَدْ قَصَدَ الْمَسْجِدَ، وَ لَمْ يَزَلْ مُلَازِماً لَهُ، مُشْتَغِلًا بِالْعِبَادَةِ صَائِمَ النَّهَارِ، وَ قَائِمَ اللَّيْلِ، وَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

حَتَّى كَانَ أَعْبَدَ الْخَلْقِ، وَ الْخَلْقُ تَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ وَ كَانَ عُمَرُ يَأْتِي إِلَيْهِ، وَ يَسْأَلُهُ أَنْ يُكَلِّفَهُ حَاجَةً.

فَيَقُولُ لَهُ الْمَقْدِسِيُّ: الْحَاجَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَ لَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى عَزَمَ النَّاسُ عَلَى الْحَجِّ.

فَجَاءَ الْمَقْدِسِيُّ إِلَى عُمَرَ، وَ قَالَ: يَا أَبَا حَفْصٍ، قَدْ عَزَمْتُ عَلَى الْحَجِّ، وَ عِنْدِي أَمَانَةٌ أُحِبُّ أَنْ تَسْتَوْدِعَهَا مِنِّي إِلَى حِينِ عَوْدِي مِنَ الْحَجِّ.

____________

(1) الانفال: 31.

(2) عنه البحار: 42/ 155 ح 22، و عن الفضائل: 107، إثبات الهداة: 1/ 518 ح 136.

(3) في البحار: (الشّباب).

50

قَالَ عُمَرُ: هَاتِ الْوَدِيعَةَ فَأَحْضَرَ الشَّابُّ حُقّاً مِنْ عَاجٍ، عَلَيْهِ قُفْلٌ مِنْ حَدِيدٍ، مَخْتُومٌ بِخَاتَمِ الشَّابِّ فَتَسَلَّمَهُ مِنْهُ، وَ خَرَجَ الشَّابُّ مَعَ الْوَفْدِ، وَ خَرَجَ عُمَرُ إِلَى مُقَدَّمِ الْوَفْدِ.

وَ قَالَ: أُوصِيكَ بِهَذَا الْغُلَامِ، وَ جَعَلَ عُمَرُ يُوَدِّعُ الشَّابَّ.

وَ قَالَ لِلْمُقَدَّمِ عَلَى الْوَفْدِ: اسْتَوْصِ بِهَذَا الْمَقْدِسِيِّ، وَ عَلَيْكَ بِهِ خَيْراً.

وَ كَانَ فِي الْوَفْدِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَمَا زَالَتْ تُلَاحِظُ الْمَقْدِسِيَّ وَ تَنْزِلُ بِهِ حَيْثُ نَزَلَ.

فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ دَنَتْ مِنْهُ فَقَالَتْ: يَا شَابُّ، إِنِّي لَأَرِقُّ لِهَذَا الْجِسْمِ النَّاعِمِ الْمُتْرَفِ كَيْفَ يُلْبَسُ الصُّوفَ؟

قَالَ لَهَا: يَا هَذِهِ جِسْمٌ يَأْكُلُهُ الدُّودُ، وَ مَصِيرُهُ إِلَى التُّرَابِ، هَذَا لَهُ كَثِيرٌ.

قَالَتْ لَهُ: إِنِّي أَغَارُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمُضِي‏ءِ تُشَعِّثُهُ الشَّمْسُ.

فَقَالَ لَهَا: يَا هَذِهِ اتَّقِي اللَّهَ فَقَدْ أَشْغَلْتِينِي عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ.

فَقَالَتْ لَهُ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ، فَإِنْ قَضَيْتَهَا فَلَا كَلَامَ، وَ إِنْ لَمْ تَقْضِهَا فَلَا أَنَا بِتَارِكَتِكَ حَتَّى تَقْضِيَهَا لِي.

فَقَالَ: وَ مَا حَاجَتُكِ؟

قَالَتْ: حَاجَتِي أَنْ تُوَاقِعَنِي، فَزَجَرَهَا وَ خَوَّفَهَا اللَّهَ تَعَالَى، فَلَمْ يَرْدَعْهَا بِذَلِكَ.

فَقَالَتْ: وَ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا آمُرُكَ بِهِ، لَأَرْمِيَنَّكَ فِي دَاهِيَةٍ مِنْ دَوَاهِي النِّسَاءِ وَ مَكْرِهِنَّ، فَلَا تَنْجُو مِنْهَا.

فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، وَ لَمْ يَعْبَأْ بِكَلَامِهَا.

فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، وَ قَدْ سَهَرَ مِنْ كَثْرَةِ عِبَادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ رَقَدَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ، فَأَتَتْهُ وَ تَحْتَ رَأْسِهِ مَزَادَةٌ فِيهَا زَادُهُ، فَانْتَزَعَتْهَا مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، وَ طَرَحَتْ فِيهَا كِيساً فِيهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، ثُمَّ أَعَادَتِ الْمَزَادَةَ تَحْتَ رَأْسِهِ.

51

فَلَمَّا نَزَلَ الْوَفْدُ، قَامَتِ الْمَلْعُونَةُ، وَ قَالَتْ: أَنَا بِاللَّهِ وَ بِالْوَفْدِ، أَنَا امْرَأَةٌ مِسْكِينَةٌ، وَ قَدْ سُرِقَتْ نَفَقَتِي وَ مَالِي، وَ أَنَا مُسْتَجِيرَةٌ بِاللَّهِ وَ بِكُمْ.

فَجَلَسَ مُقَدَّمُ الْوَفْدِ، وَ أَمَرَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ يُفَتِّشَا الْوَفْدَ.

فَفَتَّشَا الْوَفْدَ فَلَمْ يَجِدَا شَيْئاً فِي الْوَفْدِ، وَ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا وَ فُتِّشَ رَحْلُهُ، فَأَخْبَرُوا مُقَدَّمَ الْوَفْدِ بِذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا قَوْمُ، مَا يَضُرُّكُمْ لَوْ فَتَّشْتُمْ رَحْلَ هَذَا الشَّابِّ فَلَهُ أُسْوَةٌ بِالْمُهَاجِرِينَ، وَ مَا يُدْرِيكُمْ أَنَّ ظَاهِرَهُ مَلِيحٌ وَ بَاطِنُهُ قَبِيحٌ، وَ لَمْ تَزَلِ الْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى حَمَلَتْهُمْ عَلَى تَفْتِيشِ رَحْلِهِ، فَقَصَدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ بَيْنِ الْوَفْدِ، وَ هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَآهُمْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَ قَالَ: مَا بَالُكُمْ وَ مَا حَاجَتُكُمْ؟

فَقَالُوا لَهُ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ ذَكَرَتْ أَنَّهَا قَدْ سُرِقَ لَهَا نَفَقَةٌ كَانَتْ مَعَهَا، وَ قَدْ فَتَّشْنَا رِحَالَ الْقَوْمِ بِأَسْرِهَا، وَ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرُكَ.

نَحْنُ لَا نَتَقَدَّمُ إِلَى رَحْلِكَ إِلَّا بِإِذْنِكَ، لِمَا سَبَقَ إِلَيْنَا مِنْ وَصِيَّةِ عُمَرَ فِيمَا يَعُودُ إِلَيْكَ.

فَقَالَ: يَا قَوْمُ، مَا يَضُرُّنِي ذَلِكَ فَفَتِّشُوا مَا أَحْبَبْتُمْ، وَ هُوَ وَاثِقٌ مِنْ نَفْسِهِ. فَلَمَّا نُفِضَ الْمَزَادُ الَّتِي فِيهَا زَادُهُ، فَوَقَعَ مِنْهَا الْهِمْيَانُ.

فَصَاحَتِ الْمَلْعُونَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا وَ اللَّهِ كِيسِي وَ مَالِي، فِيهِ كَذَا وَ كَذَا دِينَارٌ، وَ فِيهِ عِقْدٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزْنُهُ كَذَا وَ كَذَا.

فَاخْتَبَرُوهُ فَوَجَدُوهُ كَمَا قَالَتِ الْمَلْعُونَةُ.

فَمَالُوا عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ الْوَجِيعِ وَ الشَّتْمِ، وَ هُوَ لَا يَرُدُّ جَوَاباً، فَسَلْسَلُوهُ وَ قَادُوهُ رَاجِلًا

(1)

إِلَى مَكَّةَ.

____________

(1) في الأصل: (رجالا) و ما أثبتناه هو الصّحيح.

52

فَقَالَ لَهُمْ: يَا وَفْدَ اللَّهِ، بِحَقِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا تَصَدَّقْتُمْ عَلَيَّ وَ تَرَكْتُمُونِي أَقْضِي الْحَجَّ، وَ أُشْهِدُ اللَّهَ تَعَالَى وَ رَسُولَهُ بِأَنِّي إِذَا قَضَيْتُ عُدْتُ إِلَيْكُمْ، وَ تَرَكْتُ يَدِي فِي أَيْدِيكُمْ، فَأَوْقَعَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَحْلَفُوهُ.

فَلَمَّا قَضَى مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ عَادَ إِلَى الْقَوْمِ وَ قَالَ لَهُمْ:

هَا أَنَا قَدْ عُدْتُ (إِلَيْكُمْ) فَتَرَكُوهُ، وَ رَجَعَ الْوَفْدُ طَالِباً مَدِينَةَ الرسول [رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فَأَعْوَزَتْ‏

(1)

تِلْكَ الْمَرْأَةُ الْمَلْعُونَةُ الزَّادَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَوَجَدَتْ رَاعِياً فَسَأَلَتْهُ الزَّادَ، فَقَالَ لَهَا: عِنْدِي مَا تُرِيدِينَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَبِيعُهُ فَإِنْ رَأَيْتِ أَنْ تُمَكِّنِينِي مِنْ نَفْسِكِ، فَفَعَلَتْ مَا طَلَبَ وَ أَخَذَتْ مِنْهُ زَاداً.

فَلَمَّا انْحَرَفَتْ عَنْهُ اعْتَرَضَ لَهَا إِبْلِيسُ وَ قَالَ لَهَا: يَا فُلَانَةُ، أَنْتِ حَامِلٌ؟ فَقَالَتْ: مِمَّنْ؟

قَالَ: مِنَ الرَّاعِي. فَصَاحَتْ: وَا فَضِيحَتَاهْ، فَقَالَ لَهَا: لَا تَخَافِي مَعَ رُجُوعِكِ إِلَى الْوَفْدِ، قُولِي لَهُمْ:

إِنِّي سَمِعْتُ قِرَاءَةَ الْمَقْدِسِيِّ، فَقَرُبْتُ مِنْهُ فَلَمَّا غَلَبَ عَلَيَّ النَّوْمُ، دَنَا مِنِّي فَوَاقَعَنِي، وَ لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنَ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِي بَعْدُ وَ قَدْ حَمَلْتُ وَ أَنَا امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَ خَلْفِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ‏

(2)

.

فَفَعَلَتِ الْمَلْعُونَةُ مَا أَشَارَ إِلَيْهَا بِهِ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَلَمْ يَشُكُّوا فِي قَوْلِهَا لَمَّا عَايَنُوا مِنْ قَبْلُ أَخْذَ الْمَالِ مِنْ رَحْلِهِ، فَعَكَفُوا عَلَى الشَّابِّ الْمَقْدِسِيِّ، وَ قَالُوا: يَا هَذَا، مَا كَفَاكَ السَّرِقَةُ حَتَّى فَسَقْتَ بِهَا، وَ أَوْجَعُوهُ ضَرْباً وَ شَتْماً وَ سَبّاً، وَ أَعَادُوهُ إِلَى السِّلْسِلَةِ وَ هُوَ لَا يَرُدُّ جَوَاباً، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنَ الْمَدِينَةِ خَرَجَ عُمَرُ وَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ لِلِقَاءِ الْوَفْدِ.

فَلَمَّا قَرُبَ الْوَفْدُ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا السُّؤَالَ عَنِ الْمَقْدِسِيِّ فَقَالَ:

____________

(1) أعوزت: إحتاجت: أيّ أعجزها الزّاد و صعب عليها نيله، و في الأصل: و أعوز.

(2) في البحار: (الأصل).

53

يَا أَبَا حَفْصٍ، مَا أَغْفَلَكَ عَنِ الْمَقْدِسِيِّ! فَقَدْ سَرَقَ وَ فَسَقَ وَ قَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُوَ مُسَلْسَلٌ.

فَقَالَ: يَا وَيْلَكَ يَا مَقْدِسِيُّ، تُبْطِنُ فِيكَ بِخِلَافِ مَا يَظْهَرُ، فَضَحَكَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَ اللَّهِ لَأَنْكُلَنَّ بِكَ أَشَدَّ النَّكَالِ، وَ هُوَ لَا يَرُدُّ جَوَاباً.

وَ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ، وَ ازْدَحَمَ النَّاسُ لِيَنْظُرُوا مَا يُفْعَلُ بِهِ.

وَ إِذَا بِنُورٍ قَدْ

(1)

سَطَعَ فَتَأَمَّلُوهُ، فَإِذَا هُوَ عَيْبَةُ عِلْمِ النُّبُوَّةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).

فَقَالَ: مَا هَذَا الرَّهَجُ‏

(2)

فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟

فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الشَّابَّ الْمَقْدِسِيَّ قَدْ سَرَقَ وَ فَسَقَ.

فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): وَ اللَّهِ مَا سَرَقَ، وَ لَا فَسَقَ، وَ لَا حَجَّ أَحَدٌ غَيْرُهُ.

فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ كَلَامَهُ‏

(3)

قَامَ قَائِماً عَلَى قَدَمَيْهِ وَ أَجْلَسَهُ مَوْضِعَهُ، فَنَظَرَ إِلَى الشَّابِّ الْمَقْدِسِيِّ وَ هُوَ مُسَلْسَلٌ مُطْرِقٌ إِلَى الْأَرْضِ، وَ الْمَرْأَةُ قَاعِدَةٌ.

فَقَالَ لَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَنَا مُجْلِي الْمُشْكِلَاتِ، وَ كَاشِفُ الْكُرُبَاتِ.

وَيْلَكِ قُصِّي عَلَيَّ قِصَّتَكِ، فَأَنَا بَابُ عَيْبَةِ الْعِلْمِ فَقَالَتْ:

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا الشَّابَّ قَدْ سَرَقَ مَالِي، وَ قَدْ شَاهَدَهُ الْوَفْدُ فِي مَزَادَتِهِ، وَ مَا كَفَاهُ حَتَّى كُنْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي قَرِيبَةً مِنْهُ فَاسْتَغْرَقَنِي بِقِرَاءَتِهِ، فَدَنَا مِنِّي وَ وَثَبَ إِلَيَّ وَ وَاقَعَنِي، وَ مَا مَلَكْتُ مِنَ الْمُدَافَعَةِ عَنْ نَفْسِي خَوْفاً مِنَ الْفَضِيحَةِ، وَ قَدْ حَمَلْتُ مِنْهُ.

فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): كَذَبْتِ يَا مَلْعُونَةُ فِيمَا ادَّعَيْتِيهِ.

يَا أَبَا حَفْصٍ، إِنَّ هَذَا الشَّابَّ مَجْبُوبٌ، لَيْسَ مَعَهُ إِحْلِيلٌ، وَ إِحْلِيلُهُ فِي حُقٍّ مِنْ عَاجٍ.

ثُمَّ قَالَ: يَا مَقْدِسِيُّ أَيْنَ الْحُقُّ؟

____________

(1) في البحار: (لمع).

(2) الرهج: الفتنة و الشغب.

(3) في البحار: (خبر عمر).

54

فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ طَرْفَهُ فَقَالَ: يَا مَوْلَايَ، مَنْ عَلِمَ بِذَلِكَ يَعْلَمُ أَيْنَ هُوَ الْحُقُّ،

(1)

فَالْتَفَتَ عَلِيٌّ (عليه السلام) إِلَى عُمَرَ، وَ قَالَ: يَا أَبَا حَفْصٍ، قُمْ فَهَاتِ وَدِيعَةَ الشَّابِّ.

فَأَرْسَلَ عُمَرُ فَأُحْضِرَ الْحُقُّ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَفَتَحُوهُ فَإِذَا فِيهِ خِرْقَةٌ مِنْ حَرِيرَةٍ فِيهَا إِحْلِيلُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ: قُمْ يَا مَقْدِسِيُّ فَقَامَ، فَقَالَ: جَرِّدُوهُ مِنْ أَثْوَابِهِ لِتُحَقِّقَ‏

(2)

مَنِ اتَّهَمَتْهُ بِالْفِسْقِ، فَجَرَّدُوهُ مِنْ أَثْوَابِهِ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ضَجَّ الْعَالَمُ، فَقَالَ لَهُمُ: اسْكُتُوا وَ اسْمَعُوا مِنِّي حُكُومَةً أَخْبَرَنِي بِهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

ثُمَّ قَالَ: وَيْلَكِ يَا مَلْعُونَةُ، اجْتَرَيْتِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيْلَكِ أَ مَا أَتَيْتِ إِلَيْهِ، وَ قُلْتِ لَهُ:

كَيْتَ وَ كَيْتَ، فَلَمْ يُجِبْكِ فِي ذَلِكِ فَقُلْتِ: وَ اللَّهِ لَأَرْمِيَنَّكَ فِي حِيلَةٍ مِنْ حِيَلِ النِّسَاءِ، لَا تَنْجُو مِنْهَا؟

فَقَالَتْ: بَلَى، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): ثُمَّ إِنَّكِ اسْتَنْوَمْتِيهِ حَتَّى نَامَ وَ تَرَكْتِ الْكِيسَ فِي مَزَادَتِهِ، قَالَتْ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ (عليه السلام): اشْهَدُوا عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ: حَمْلُكِ هَذَا مِنَ الرَّاعِي الَّذِي طَلَبْتِ مِنْهُ الزَّادَ، فَقَالَ لَكِ: لَا أَبِيعُ الزَّادَ، وَ هُوَ كَذَا وَ كَذَا، فَقَالَتْ: صَدَقْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَضَجَّ النَّاسُ، فَسَكَّتَهُمْ عَلِيٌّ (عليه السلام).

وَ قَالَ لَهَا: لَمَّا فَارَقْتِ الرَّاعِيَ وَقَفَ لَكِ شَيْخٌ صِفَتُهُ كَذَا وَ كَذَا، فَنَادَاكِ وَ قَالَ لَكِ: يَا فُلَانَةُ، أَنْتِ حَامِلٌ مِنَ الرَّاعِي، فَصَرَخْتِ وَ قُلْتِ: وَا سَوْأَتَاهْ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكِ قُولِي لِلْوَفْدِ:

إِنَّ الْمَقْدِسِيَّ اشْتَهَى مِنِّي وَ وَاقَعَنِي وَ قَدْ حَمَلْتُ مِنْهُ، فَيُصَدِّقُوكِ لِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ‏

____________

(1) في نسخة: (من أعلّمك عن الحقّة، الحقّ).

(2) في نسخة: (لينظروا تحقيق).

55

سَرِقَتِهِ.

فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَ تَعْرِفِينَ ذَلِكِ الشَّيْخَ؟ فَقَالَتْ: لَا.

فَقَالَ: ذَلِكِ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ:

يَا أَبَا الْحَسَنِ، مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِهَا؟ فَقَالَ:

اصْبِرُوا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا تَجِدُوا مَنْ تُرْضِعُهُ يُحْفَرُ لَهَا فِي مَقَابِرِ الْيَهُودِ، وَ تُدْفَنُ إِلَى نِصْفِهَا، وَ تُرْجَمُ بِالْحِجَارَةِ فَفَعَلَ بِهَا ذَلِكَ كَمَا أَمَرَ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).

وَ أَمَّا الْمَقْدِسِيُّ فَلَمْ يَزَلْ مُلَازِماً لِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ قَامَ عُمَرُ، وَ هُوَ يَقُولُ: لَوْ لَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ النَّاسُ وَ قَدْ تَعَجَّبُوا مِنْ حُكُومَةِ عَلِيٍّ (عليه السلام)

(1)

. (35) (حديث السطل و المنديل)

وَ مِنْ فَضَائِلِهِ (عليه السلام):

أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ وَ قَدْ دَنَتِ الْفَرِيضَةُ، وَ لَمْ يَجِدْ مَاءً يُسْبِغُ مِنْهُ الْوُضُوءَ، فَرَمَقَ إِلَى السَّمَاءِ بِطَرْفِهِ، وَ النَّاسُ قُوَّامٌ يَنْظُرُونَ، فَنَظَرَ (فَنَزَلَ) جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) وَ مِيكَائِيلُ، وَ مَعَ جَبْرَئِيلَ سَطْلٌ فِيهِ مَاءٌ، وَ مَعَ مِيكَائِيلَ مِنْدِيلٌ.

فَوَضَعَا السَّطْلَ وَ الْمِنْدِيلَ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَسَبَّغَ مِنَ السَّطْلِ الْوُضُوءَ، وَ مَسَحَ وَجْهَهُ الْكَرِيمَ بِالْمِنْدِيلِ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَجَا إِلَى السَّمَاءِ وَ الْخَلْقُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا

(2)

.

____________

(1) عنه البحار: 40/ 270 ح 39، و عن الفضائل: 107 و أخرجه في مدينة المعاجز: 2/ 454 ح 678، عن البرسي.

(2) عنه البحار: 39/ 116 ح 3، و عن الفضائل: 111، مائة منقبة: 73 ح 42 عن ابن عباس، ثاقب المناقب: 280 ح 243، عن الصادق (عليه السلام)، أمالي الصدوق: 136، الخرائج و الجرائح: 2/ 837 ح 52، المناقب ابن شهر آشوب 2/ 81، الطرائف: 94، ينابيع المودة: 142، و احقاق الحق: 6/ 129.

56

(36) (حديث علي قسيم الجنة و النّار)

وَ مِمَّا وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أَنَّهُ قَالَ:

أُعْطِيتُ ثَلَاثاً وَ عَلِيٌّ مشاركني [يُشَارِكُنِي فِيهَا، وَ أُعْطِيَ عَلِيٌّ ثَلَاثاً وَ لَمْ أُشَارِكْهُ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا هِيَ الثَّلَاثُ الَّذِي شَارَكَكَ فِيهَا عَلِيٌّ؟

فَقَالَ: لِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَ عَلِيٌّ حَامِلُهُ، وَ الْكَوْثَرُ وَ عَلِيٌّ سَاقِيهِ، وَ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ وَ عَلِيٌّ قَسِيمُهُمَا أَمَّا الثَّلَاثُ الَّذِي أُعْطِيَ عَلِيٌّ وَ لَمْ أُشَارِكْهُ فِيهَا: أُعْطِيَ حَمْواً مِثْلِي‏

(1)

، وَ لَمْ أُعْطَ مِثْلَهُ، وَ أُعْطِيَ فَاطِمَةَ زَوْجَتَهُ، وَ لَمْ أُعْطَ مِثْلَهَا، وَ أُعْطِيَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ، وَ لَمْ أُعْطَ وَلَداً مِثْلَهُمَا

(2)

. (37) (حديث مواساة النبي لعلي و فاطمة)

وَ مِنْ فَضَائِلِهِ (عليه السلام):

أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَ فَاطِمَةُ (عليهما السلام)، فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وَ هُمَا يَطْحَنَانِ الْجَاوَرْسَ‏

(3)

فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أَيُّكُمَا أَعْيَا؟ فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَاطِمَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَقَالَ لَهَا: قُومِي يَا بُنَيَّةِ، فَقَامَتْ، وَ جَلَسَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مَوْضِعَهَا مَعَ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَوَاسَاهُ‏

____________

(1) في البحار: (فإنّه أعطي ابن عمّ مثلي).

(2) عنه البحار: 39/ 90 ح 3، و عن الفضائل: 111، صحيفة الرّضا (عليه السلام): 247 ح 158 عنه البحار:

39/ 89 ح 2، و عيون أخبار الرّضا (عليه السلام): 2/ 48 ح 188، و رواه الطّوسيّ في أماليه: 354 ح 19، و الخوارزميّ في مناقبه: 109 ح 19، و في مقتله: 1/ 109 ح 31، و الحمويني في فرائد السمطين:

1/ 142 ح 106، و الزرندي: في نظم درر السمطين: 113، و أورده في مقصد الرّاغب: 13 (مخطوط)، و الاحقاق: 4/ 444، و ج 5/ 75، و أخرجه ابن شهر آشوب في مناقيه: 3/ 161.

(3) الجرس: جسم مجوف من حديد أو نحاس يضرب بمدقة. و في البحار: و الجاروش: و هو اليد.

57

فِي طَحْنِ الْحَبِ‏

(1)

. (38) (حديث في حبّ علي)

وَ مِمَّا رُوِيَ فِي كِتَابِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ أَخْبَارِ الْجُمْهُورِ رَفَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مَحْذُوفَ الْأَسَانِيدِ.

أَنَّهُ قَالَ:

لَوِ اجْتَمَعَ عَلَى حُبِّ عَلِيٍّ (عليه السلام) أَهْلُ الدُّنْيَا مَا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ

(2)

. (39) (حديث القضيب الأحمر)

وَ عَنْهُ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ:

مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْقَضِيبِ الْأَحْمَرِ الْمَغْرُوسِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ.

فَلْيَتَمَسَّكْ بِحُبِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)

(3)

.

____________

(1) عنه البحار: 43/ 50 ح 47 و عن الفضائل: 112، و رواه في تنبيه الخواطر: 2/ 230، و إحقاق الحق: 10 ج 265.

(2) عنه البحار: 39/ 267 ح 41، و عن الفضائل: 112، أمالي الصدوق: 390، «باسناده» عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ذكر (مثله)، عنه البحار 39/ 247 ح 4، المناقب لأبن شهر آشوب: 3/ 35، عن الفردوس: طاووس، عن ابن عباس، قال: النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ذكر مثله، عنه البحار: 39/ 248 ح 8، كشف الغمة: 248 ح 10، بشارة المصطفى: 91، باسناده عن طاووس، عن ابن عباس، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ذكره «مثله» عنه البحار: 39/ 249 ح 11، فردوس الأخبار: 3/ 419، مناقب الخوارزمي: 28، مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي: 1/ 37، ينابيع المودة: 91، 125، 237، 251، 252.

و قد أختصرنا على هذه التخريجات: للإختصار، و يأتي في: حديث 60 «مثله».

(3) عنه البحار: 39/ 267 ذ ح 41، و رواه في نزهة الناظر: 207، و رواه القندوزي في ينابيع المودة: 126، 127، و ابن المغازلي في مناقبه: 215، و 218 ة 158، و ابن عساكر في ترجمته: 2/ 100، و ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: 9/ 168، و ابن حنبل في الفضائل: 181 ح 253: و الخوارزمي في مناقبه: 35، و ابن الجوزي في التذكرة 47، و الكنجي في كفاية الطالب:

213، و الحمويني في فرائد السمطين: 1/ 186 ح 1480، و العسقلاني في لسان الميزان: 2/ 433، و الذهبي في ميزان الاعتدال: 1/ 328.

58

(40) (حديث معجزة لعلي مع المغيرة بن شعبة)

وَ مِنْ فَضَائِلِهِ (عليه السلام) الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا:

أَنَّهُ وَفَدَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَ هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِحْرَابِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ:

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلِيٌّ (عليه السلام).

قَالَ: كَأَنَّكَ لَمْ تَعْرِفْنِي؟

فَقَالَ: بَلَى- وَ اللَّهِ- أَعْرِفُكَ، كَأَنِّي أَشَمُّ مِنْكَ رَائِحَةَ (الْغَزْلِ)

(1)

فَقَامَ الْمُغِيرَةُ يَجُرُّ أَذْيَالَهُ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ بَعْدَ قِيَامِهِ:

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الْقَوْلُ؟ قَالَ نَعَمْ، مَا قُلْتُ فِيهِ إِلَّا حَقّاً، كَأَنِّي وَ اللَّهِ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ إِلَى أَبِيهِ، وَ هُمَا يَنْسِجَانِ (مَآزِرَ)

(2)

الصُّوفِ بِالْيَمَنِ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِهِ، وَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْرِفُ مِمَّا خَاطَبَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ هِيَ مُعْجِزَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ (وَ ألم [لَا أُلْهِمَ بِهَا)

(3)

سِوَاهُ‏

(4)

. (41) (حديث معجزة علي في إظهار الكنز)

وَ مِنْ مَنَاقِبِهِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ: مَا رَوَاهُ مَنْ أَثِقُ بِهِ وَ هُوَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

أَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لِي ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَصُومُ وَ أَطْوِي‏

(5)

، وَ مَا أَمْلِكُ مَا أَقْتَاتُ بِهِ‏

(6)

، وَ يَوْمِي هَذَا هُوَ الرَّابِعُ.

____________

(1) في الأصل: (رائحة تربة العدن) و ما أثبتناه من البحار.

(2) في الأصل: (مبارز) و ما أثبتناه من البحار.

(3) في الأصل: (و أراد له منها) و ما أثبتناه من البحار.

(4) عنه البحار: 41/ 329 ذح 49.

(5) الطوى: الجوع.

(6) أقتات به: أي اتخذته قوتا لنفسي.

59

فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): اتْبَعْنِي يَا عَمَّارُ، وَ طَلَعَ مَوْلَايَ إِلَى الصَّحْرَاءِ وَ أَنَا خَلْفَهُ، إِذْ وَقَفَ بِمَوْضِعٍ فَاحْتَفَرَ، فَظَهَرَ سَطْلٌ مَمْلُوءٌ دَرَاهِمَ، فَأَخَذَ هُوَ مِنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ دِرْهَمَيْنِ، فَنَاوَلَنِي مِنْهُمَا دِرْهَماً وَاحِداً، وَ أَخَذَ هُوَ الْآخَرَ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ:

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَخَذْتَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَسْتَغْنِي بِهِ وَ أَتَصَدَّقُ بِهِ مَا ذَلِكَ بِمَأْثَمَةٍ فَقَالَ لَهُ: يَا عَمَّارُ، لَا تَذْكُرْ مَا بَيْنَنَا هَذَا الْيَوْمَ ثُمَّ غَطَّاهُ وَ وَدَّعَهُ وَ انْصَرَفَ عَنْهُ عَمَّارٌ وَ غَابَ عَلِيٌّ (عليه السلام).

ثُمَّ عَادَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ:

يَا عَمَّارُ، كَأَنَّنِي بِكَ وَ قَدْ مَضَيْتَ إِلَى الْكَنْزِ تَطْلُبُهُ.

فَقَالَ: وَ اللَّهِ يَا مَوْلَايَ، قَصَدْتُ الْمَوْضِعَ، لِآخُذَ مِنَ الْكَنْزِ شَيْئاً، فَلَمْ أَرَ لَهُ أَثَراً.

فَقَالَ: يَا عَمَّارُ، لَمَّا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا رَغْبَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا أَظْهَرَهَا لَنَا.

وَ لَمَّا عَلِمَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ لَكُمْ إِلَيْهَا رَغْبَةً أَبْعَدَهَا عَنْكُمْ‏

(1)

. (42) (حديث علي مكتوب على ورق شجرة الجنة)

وَ مِمَّا وَرَدَ فِي كِتَابِ «الْفِرْدَوْسِ»، بِحَذْفِ الْأَسَانِيدِ، وَ الرَّاوِي لَهُ نَقِيبُ الْهَاشِمِيِّينَ تَاجُ الدِّينِ، يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ (اثْنَيْنِ) (2) وَ خَمْسِينَ وَ سِتِّمِائَةٍ الْهِلَالِيَّةَ بِوَاسِطٍ.

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ وَ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ، وَجَدْتُ‏

____________

(1) عنه البحار: 41/ 269 ح 23، و عن الفضائل: 112، و أخرجه البحرانيّ في مدينة المعاجز: 1/ 511 ح 329 عن البرسيّ (مثله).

(2) في الأصل: (اثني عشر) و هو مصحف.

60

عَلَى أَوْرَاقِ شَجَرَةِ الْجَنَّةِ:

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلِيُّ اللَّهِ، الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ صَفْوَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ‏

(1)

. (43) (حديث معجزة لعلي)

وَ مِنَ التَّجَرُّدَاتِ بِوَاسِطٍ (فِي التَّارِيخِ): عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ سَلَامَةَ الْفَزَارِيِ‏

حَيْثُ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ الْيُمْنَى، وَ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِشَخْصٍ يُعْرَفُ بِابْنِ حَنْظَلَةَ الْفَزَارِيِّ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِي الْمُطَالَبَةِ وَ هُوَ مُعْسِرٌ، فَشَكَا حَالَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَ اسْتَجَارَ بِمَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).

فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، رَأَى فِي مَنَامِهِ عِزَّ الدِّينِ أبو [أَبَا الْمَعَالِي أبي [أَبَا الطَّيِّبِ‏

(2)

(ره)، وَ مَعَهُ رَجُلٌ آخَرُ، فَدَنَا مِنْهُ وَ سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ (عليه السلام)، وَ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ، فَقَالَ لَهُ: هَذَا مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَدَنَا (الرَّجُلُ) مِنَ الْإِمَامِ، وَ قَالَ لَهُ: يَا مَوْلَايَ، هَذِي عَيْنِي الْيُمْنَى قَدْ ذَهَبَتْ، فَقَالَ لَهُ: يَرُدُّهَا اللَّهُ الْكَرِيمُ عَلَيْكَ، وَ مَدَّ يَدَهُ الْكَرِيمَةَ إِلَيْهَا، وَ قَالَ:

قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ (3)

فَرَجَعَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَ قَدْ شَاهَدَ ذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ‏

____________

(1) عنه البحار: 27/ 8 ح 17، الخوارزميّ في مقتل الحسين (عليه السلام): 108، و في مناقبه: 214، باسناده، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عبّاس و ذكر (مثله)، و العسقلانيّ في لسان الميزان: 5/ 70، و الكنجي في كفاية الطّالب: 423، و الذهبي في ميزان الأعتدال: 2/ 217، و فرائد السمطين للحمويني: 2/ 73 ح 396، و احقاق الحقّ: 9/ 257، تاريخ بغداد: 1/ 259، و أخرجه البحرانيّ في مدينة المعاجز: 4/ 30 ح 117، و ص: 31 ح 118، و ج 2/ 354 ح 597، و ص 355 ح 599، عن كشف الغمّة: 1/ 94 و 526، و عن مائة منقبة: 87 ح 54، و عن أمالي الطّوسيّ: 365.

(2) في البحار: (ابن طبيبي).

(3) يس: 79.