السيرة النبوية و أخبار الخلفاء - ج2

- أبو حاتم التميمي المزيد...
189 /
419

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

استخلاف أبي بكر بن أبي قحافة الصديق رضي اللّه عنه‏

قال الشيخ أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي: و اسمه عبد اللّه و لقبه عتيق، و اسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. و أم أبي بكر أم الخير بنت صخر بن عامر بن كعب- أخو عمرو بن كعب- بن سعد بن تيم بن مرة بن لؤي بن غالب.

أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة اللخمي بعسقلان ثنا محمد بن المتوكل ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة عن ابن عباس قال: كنت عند عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب، فلما كان في آخر حجة حجها عمر أتاني عبد الرحمن بن عوف في منزلي عشاء فقال: لو شهدت أمير المؤمنين اليوم و جاءه رجل و قال: يا أمير المؤمنين! إني سمعت فلانا يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعت فلانا، فقال عمر: إني لقائم العشية في الناس و محذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا المسلمين أمرهم، فقلت: يا أمير المؤمنين:

إن الموسم يجمع‏ (1) رعاع الناس و غوغاءهم، و إنهم الذين يغلبون على مجلسك، و إني أخشى أن تقول فيهم اليوم مقالة لا يعونها و لا يضعونها مواضعها، و أن يطيروا بها كل مطير، و لكن أمهل يا أمير المؤمنين حتى تقدم المدينة فإنها دار السنة و دار

____________

(1) من المسند، و في الأصل: يجمع.

420

الهجرة فتخلص بالمهاجرين و الأنصار و تقول ما قلت متمكنا فيعون‏ (1) مقالتك و يضعونها مواضعها، قال عمر: أما و اللّه لأقومن به في أول مقام أقومه بالمدينة! قال ابن عباس: فلما قدمنا المدينة و جاء يوم الجمع هجّرت لما حدثني عبد الرحمن ابن عوف فوجدت سعيد بن زيد بن نفيل قد سبقني بالهجرة (2) جالسا إلى جنب المنبر فجلست إلى جنبه تمس ركبتي ركبته، فلما زالت الشمس خرج علينا عمر فقلت و هو مقبل: أما و اللّه ليقولن اليوم أمير المؤمنين على هذا المنبر مقالة لم يقل [عليه أحد] (3) قبله، قال: فغضب سعيد بن زيد فقال: و أيّ مقال يقول لم يقل قبله؟ فلما ارتقى عمر المنبر أخذ المؤذن في أذانه فلما فرغ من أذانه قام عمر فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد! فإني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها، [لا أدري لعلها بين يدي أجلى، فمن عقلها و وعاها] (3) فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته، [و] (3) من خشى أن لا يعيها فإني لا أحل لأحد أن يكذب عليّ: إن اللّه بعث محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) [بالحق‏] (3) و أنزل عليه الكتاب، (4) و كان‏ (4) مما أنزل عليه آية الرجم [فقرأناها و وعيناها] (3) فرجم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و رجمنا بعده، و إني خائف أن يطول بالناس زمان فيقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب اللّه، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللّه، ألا! و إن الرجم على من أحصن إذا زنى و قامت عليه البينة أو كان الحمل أو الاعتراف، ثم إنا قد كنا نقرأ و لا ترغبوا عن آبائكم ثم إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا:

عبد اللّه و رسوله». ثم إنه بلغني أن فلانا منكم يقول: لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعت فلانا، فلا يغتر امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك، ألا و إن اللّه وقى شرها و دفع عن الإسلام و المسلمين ضرها، و ليس فيكم‏

____________

(1) من المسند، و في الأصل: يفيعوا.

(2) كذا، و ليس في المسند.

(3) زيد من المسند.

(4- 4) من المسند، و في الأصل: فكان.

421

من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر و إنه كان من خيرنا حين توفي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، إن عليا و الزبير و من تبعهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة و تخلفت عنا الأنصار في سقيفة بني ساعدة، و اجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت: يا أبا بكر! انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم فلقينا رجلين صالحين من الأنصار شهدا بدرا فقالا (1): أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء الأنصار، قالا: فارجعوا فامضوا أمركم بينكم، فقلت: و اللّه لنأتينهم! فأتيناهم فإذا هم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة بين أظهرهم رجل مزمل، قلت: من هذا؟ قالوا:

سعد بن عبادة، قال: قلت: ما شأنه؟ قالوا: وجع‏ (2)، فقام خطيب الأنصار فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد! فنحن الأنصار و كتيبة الإسلام و أنتم يا معشر قريش رهط منا و قد دفت إلينا دافة منكم و إذا هم يريدون أن يختزلونا (3) [من‏] (4) أصلنا و يحضنونا (5) بأمر دوننا، و قد كنت زورت في نفسي مقالة أريد أن أقوم بها بين يدي أبي بكر و كنت أدارى من أبي بكر بعض الحد و كان أوقر مني و أحلم، فلما أردت الكلام قال: على رسلك! فكرهت أن أغضبه، فحمد اللّه أبو بكر و أثنى عليه و و اللّه ما ترك كلمة قد كنت زورتها إلا جاء بها أو بأحسن منها في بديهته ثم قال: أما بعد! و أما ما ذكرتم فيكم من خير يا معشر الأنصار فأنتم له أهل و لم تعرف‏ (6) العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب دارا و نسبا، و لقد رضيت لكم أحد هذين‏ (7) الرجلين فبايعوا أيهما (8) شئتم، و أخذ بيدي‏

____________

(1) في الأصل: فقال، و التصحيح من مسند الإمام أحمد 1/ 56.

(2) من المسند، و في الأصل: رجع.

(3) من صحيح البخاري- الحدود، و في الأصل: يختزلون، و في المسند: يخزلونا.

(4) زيد من المسند.

(5) من المسند، و في الأصل: يختصوا.

(6) من المسند، و في الأصل: لن تعرف.

(7) من المسند، و في الأصل: هذه.

(8) من المسند، و في الأصل: أيها.

422

و يد أبي عبيدة بن الجراح، فو اللّه ما كرهت مما قال شيئا غير هذه الكلمة؛ كنت لأن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إليّ‏ (1) من أن أتأمر (1) على قوم فيهم أبو بكر (2)، فلما قضى أبو بكر مقالته قام‏ (3) رجل من الأنصار فقال: أنا جذيلها (4) المحكك و عذيقها (5) المرجب، منا أمير و منكم أمير يا معشر قريش و إلا أجلنا (6) الحرب فيما بيننا و بينكم خدعة، قال معمر: فقال قتادة: قال عمر: فإنه لا يصلح سيفان في غمد، و لكن منا الأمراء و منكم الوزراء، قال معمر عن الزهري في حديثه: فارتفعت الأصوات بيننا و كثر اللغط حتى أشفقت الاختلاف فقلت: يا أبا بكر! ابسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعته و بايعه‏ (7) المهاجرون و بايعه‏ (7) الأنصار، قال: و نزونا (8) على سعد بن عبادة حتى قال قائل [منهم‏] (9): قتلتم سعدا، قال قلت: قتل اللّه سعدا! و أنا و اللّه ما رأينا فيما حضرنا أمرا كان أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم أن يحدثوا بعدنا بيعة، فأما أن نتابعهم‏ (10) على ما لا نرضى، و إما أن نخالفهم فيكون فسادا فلا يغرن امرأ يقول: كانت بيعة أبي بكر فلتة، و قد كانت كذلك إلا أن اللّه وقى شرها و ليس فيكم من يقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا يبايع‏ (11) هو و لا الذي بايعه بعده؛ قال الزهري: و أخبرني عروة أن الرجلين اللذين‏

____________

(1- 1) من المسند، و في الأصل: ممن أوتر.

(2) زيد في المسند: إلا أن تغير نفسي عند الموت.

(3) في الأصل: فقام.

(4) من المسند، و في الأصل: جذيدها.

(5) من المسند، و في الأصل: عريقها.

(6) و في رواية سفيان: أعدنا- راجع فتح الباري- كتاب الحدود.

(7) من المسند، و في الأصل: بايعت.

(8) من المسند، و في الأصل: يزوا- كذا.

(9) زيد من المسند و الصحيح.

(10) من المسند، و في الأصل: نبايعهم.

(11) زيد بعده في الأصل: ألا، و لم تكن الزيادة في الصحيح فحذفناها.

423

لقياهما (1) من الأنصار عويم‏ (2) بن ساعدة و معن‏ (3) بن عدي، و الذي قال «أنا جذيلها المحكك و عذيقها المرجب» الحباب بن المنذر.

قال أبو حاتم: نظر المسلمون إلى أعظم أركان الدين و عماد الإسلام للمؤمنين فوجدوها الصلاة المفروضة، و إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ولّى أبا بكر إقامتها في الأوقات المعلومات، فرضي المسلمون للمسلمين ما رضي لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فبايعوه طائعين في سائر الأركان، و بايعوه في السر و الإعلان.

فلما كان اليوم الثاني قام عمر بن الخطاب على المنبر فتكلم قبل أبي بكر (4) فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس! إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت [إلا] (5) مني و ما وجدتها (6) في كتاب اللّه و لا كانت عهدا عهده إليّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لكني قد كنت أرى [أن‏] (7) رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سيأمرنا بقول يكون آخرنا، و إن اللّه قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى‏ (8) رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم اللّه لما كان قد هدى به أهله، و إن اللّه قد جمع أمركم على خيركم: صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ثاني اثنين [إذ هما] (7) في الغار فقوموا إليه فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.

ثم تكلم أبو بكر فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس! فإني قد وليت عليكم و لست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني و إن أسأت‏

____________

(1) من المسند، و في الأصل: لغياهم- كذا.

(2) في المسند: عويمر.

(3) في المسند: معمر.

(4) في الأصل: أبو بكر.

(5) زيد من تاريخ الطبري 3/ 203.

(6) في الأصل: و جدبها، و التصحيح من الطبري.

(7) زيد من تاريخ الطبري 3/ 203.

(8) زيدت الواو بعده في الأصل: و لم تكن في الطبري فحذفناها.

424

فقوموني، الصدق أمانة و الكذب خيانة، و الضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح‏ (1) عليه حقه إن شاء اللّه، و القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء اللّه، لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللّه إلا ضربهم بالبلاء (2)، و لا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم اللّه بالبلاء، أطيعوني ما أطعت اللّه و رسوله، فإذا عصيت اللّه و رسوله فلا طاعة لي عليكم؛ قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللّه.

فلما فرغ الناس من بيعة أبي بكر و هو يوم الثلاثاء أقبلوا على جهازه (صلى اللّه عليه و سلم) فاختلفوا في غسله فقالوا: و اللّه ما ندري أ نجرّد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من ثيابه كما نجرد موتانا أو نغسله و عليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى اللّه عليهم السبات‏ (3) حتى ما منهم أحد إلا و ذقنه في صدره، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت- لا يدرى‏ (4) من هو- أن اغسلوا (5) رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و عليه ثيابه، فقاموا فغسلوه و عليه قميصه، فأسنده عليّ إلى صدره، فكان العباس و الفضل و القثم يقلبونه، و كان أسامة بن زيد و شقران‏ (6) مولياه يصبان عليه الماء و عليّ يغسله و يدلكه من ورائه لا يفضي بيده إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يقول: بأبي أنت و أمي! ما أطيبك حيا و ميتا! و لم ير من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص و لا عمامة، أدرج فيها إدراجا. ثم دخل الناس يصلون عليه أرسالا، بدأ به الرجال حتى إذا فرغوا أدخل‏ (7) النساء ثم أدخل‏ (8) الصبيان ثم أدخل العبيد، و لم يؤم الناس على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أحد. و كان أبو عبيدة بن الجراح يحفر كحفر أهل مكة، و كان أبو طلحة زيد

____________

(1) من الطبري، و في الأصل: ارتح.

(2) في الأصل: البلاء، و في الطبري: بالذل.

(3) في الطبري: السنة- بنفس المعنى الذي هنا.

(4) من الطبري، و في الأصل: لا يدروا.

(5) من الطبري، و في الأصل: اغتسلوا.

(6) من الطبري، و في الأصل: سقران.

(7) من الطبري 3/ 204، و في الأصل: شيئا.

(8) من الطبري، و في الأصل: دخل.

425

ابن سهل يحفر كحفر أهل المدينة و كان يلحد، فدعا العباس بن عبد المطلب رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة، و قال للآخر: اذهب إلى أبي طلحة، فقال:

اللهم! خر لرسولك، فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و كان المسلمون اختلفوا في دفنه فقائل يقول: ندفنه في مسجده‏ (1)، و قائل يقول: ندفنه مع أصحابه؛ فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض»، فرفع فراش رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الذي توفي عليه، فحفر أبو طلحة تحته. ثم دفن (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة الأربعاء حين زاغت الشمس، و نزل في قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) علي بن أبي طالب و الفضل بن العباس و قثم بن العباس و شقران مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و طرح تحته قطيفة (2)، و كان آخرهم عهدا به قثم بن العباس، و كان المغيرة بن شعبة يقول: لا بل أنا، و كان يحكي قصة (3).

ثم قام أبو بكر في الناس خطيبا بعد خطبته الأولى فقال: الحمد للّه أحمده و أومن بوحدانيته و أستعينه على أمركم كله سره و علانيته، و نعوذ باللّه مما يأتي به الليل و النهار، و ترتكب عليه السر و الجهار، و أشهد أن لا إله إلا اللّه حافظا و نصيرا، و أن محمدا عبده و رسوله بالحق بشيرا و نذيرا قدام الساعة، فمن أطاعه رشد، و من عصاه هلك و شرد، فعليكم أيها الناس بتقوى اللّه! فإن أكيس الكيس التقوى، و إن أحمق الحمق الفجور، فاتبعوا كتاب اللّه و اقبلوا نصيحته، و اقتدوا بسنة رسوله و خذوا (4) شريعته، فإن اللّه يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيئات، و هو الحكيم العليم، وَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا (5)- الآية،

____________

(1) من الطبري 3/ 205، و في الأصل: مسجد.

(2) زيد في الطبري: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يلبسها و يفترشها فقذفها في القبر و قال: و اللّه لا يلبسها أحد بعدك أبدا.

(3) و هي أنه كان يقول: أخذت خاتمي فألقيته في القبر و قلت: إن خاتمي قد سقط، و إنما طرحته عمدا لأمس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأكون آخر الناس به عهدا- كما في الطبري.

(4) في الأصل: خذو.

(5) راجع سورة 42 آية 28.

426

و احذروا (1) الخطايا التي لكل بني آدم فيها نصيب، و تزودوا للآخرة فإن المصير إليها قريب، و لكن خيركم من اتبع طاعة اللّه و اجتنب معصيته، فاحذروا يوما لا ينفع فيه من حميم و لا شفيع، و لا حميم يطاع، و ليعمل عامل ما استطاع من عمل يقربه إلى ربه، و اعملوا من قبل أن لا تقدروا على العمل، و إنّ اللّه لو شاء لخلقكم سدى، و لكن جعلكم أئمة هدى، فاتبعوا ما أمركم اللّه به و اجتنبوا ما نهاكم عنه، و اعملوا الخير فإن قليله كثير نام‏ (2) مبارك، و اتقوا اللّه حق تقاته، و احذروا ما حذركم في كتابه، و توقوا معصيته خشية من عقابه، فليس فيها رغبة لأحد، و استعفوا عما حرم اللّه و أمر باجتنابه، و إياكم و المحقرات فإنها تقرب إلى الموجبات، و اعملوا قبل أن لا تعملوا، و توبوا من الخطايا التي لا يغسلها إلا اللّه برحمته، و صلوا على نبيكم كما أمركم ربكم؛ ثم قال: أيها الناس! إن الذي رأيتم مني لم يكن على حرص على ولايتكم، و لكني خفت الفتنة و الاختلاف فدخلت فيها، و هأنذا (3) و قد رجع الأمر إلى أحسنه و كفى اللّه تلك الثائرة (4)، و هذا أمركم إليكم تولوا من أحببتم من الناس و أنا أجيبكم على ذلك، و أكون كأحدكم، فأجابه الناس: رضينا بك قسما و حظا إذ أنت ثاني اثنين مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال أبو بكر:

اللهم! صل على محمد و السلام على محمد و رحمة اللّه و بركاته، اللهم! إنا نستعينك و نستغفرك و نثني عليك و لا نكفرك و نؤمن بك و نخلع من يكفرك.

ثم نزل و استقام له الأمر بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و بايعه الناس و رضوا به وسموه «خليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» إلا شرذمة مع علي بن أبي طالب، تخلفوا عن بيعته.

و كان أسامة بن زيد يقول: أمرني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن أغير صباحا على أهل‏

____________

(1) في الأصل: احذر.

(2) في الأصل: نامي.

(3) في الأصل: هاندا.

(4) في الأصل: النائرة.

427

أبني‏ (1) ثم أمر أبو بكر أن يبعثوا بعث أسامة بن زيد فقال له الناس: إن العرب قد انتقضت عليك، و إنك لا تصنع بتفرق المسلمين عنك شيئا، قال: و الذي نفس أبي بكر بيده! لو ظننت أن السباع أكلتني بهذه القرية لأنفذت هذا البعث الذي أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بإنفاذه، ثم قال أبو بكر لأسامة: إن تخلف معي عمر بن الخطاب فافعل، فأذن له أسامة فتخلف عمر مع أبي بكر و مضى أسامة حتى أوطأهم، ثم رجع فسمع به المسلمون فخرجوا مسرورين بقدومه و لواءه معقود حتى دخل المسجد فصلى ركعتين ثم دخل بيته و لواءه معقود، و يقال: إنه لم يحل اللواء حتى توفي [و] (2) وضعه في بيته‏ (3).

ثم كتب أبو بكر الصديق كتابا إلى معاذ بن جبل يخبره بموت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و بعثه مع عمار بن ياسر، و قد كان معاذ أتى اليمن فبينا هو ذات ليلة على فراشه إذا هو بهاتف يهتف عند رأسه: يا معاذ! كيف يهنئك العيش و محمد في سكرات الموت؟ فوقف فزعا، ما ظن إلا أن القيامة قد قامت، فلما رأى السماء مصحية (4) و النجوم ظاهرة استعاذ باللّه من الشيطان الرجيم، ثم نودي الليلة الثانية: يا معاذ! كيف يهنئك العيش و محمد بين أطباق الثرى؟ فجعل معاذ يده على رأسه و جعل يتردد في سكك صنعاء و ينادي بأعلى صوته: يا أهل اليمن! ذروني لا حاجة لي في جواركم، (5) فما شر (5) الأيام يوم جئتكم‏ (6) و فارقت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)! فخرج الشبان من الرجال و العواتق من النساء و قالوا: يا معاذ! ما الذي دهاك؟ فلم يلتفت إليهم و أتى‏

____________

(1) في معجم البلدان: أبني: موضع بالشام من جهة البلقاء جاء ذكره في قول النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لأسامة بن زيد حيث أمره بالمسير إلى الشام و شن الغارة على أبني.

(2) زيد لاستقامة العبارة.

(3) و قال الزهري: كان أسامة بن زيد يدعى بالأمير حتى مات، يقولون: بعثه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم لم ينزعه حتى مات- راجع مجمع الزوائد 9/ 286.

(4) أي بلا غيم، و في الأصل: مصيحة- كذا.

(5- 5) في الأصل: فاسر- كذا.

(6) في الأصل: جاءتكم.

428

منزله و شد على راحلته و أخذ جرابا فيه سويق و أداوة من ماء ثم قال: لا أنزل عن ناقتي هذه إن شاء اللّه إلا لوقت صلاة حتى آتي المدينة، فبينا هو على ثلاثة مراحل من المدينة إذ لقيه عمار فعرفه بالبعير، قال: اعلم يا معاذ أن محمدا قد ذاق الموت و فارق الدنيا، فقال معاذ: يا أيها الهاتف في هذا الليل القار من أنت يرحمك اللّه! قال: أنا عمار بن ياسر، قال: و أين تريد؟ قال: هذا كتاب أبي بكر إلى معاذ يعلمه أن محمدا قد مات و فارق الدنيا، قال معاذ: فإلى من المهتدى‏ (1) و المشتكى؟ فمن لليتامى و الأرامل و الضعفاء؟ ثم سار و رجع عمار معه و جعل يقول: نشدتك باللّه كيف أصحاب محمد قال: تركتهم‏ (2) كنعم بلا راع‏ (3)، قال: كيف تركت المدينة، قال: تركتها و هي أضيق على أهلها من الخاتم، فلما كان قريبا من المدينة سمعت عجوزا و هي تذكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هي تبكي، فقالت: يا عبد اللّه! لو رأيت ابنته فاطمة و هي تبكي و تقول: يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه‏ (4)! يا أبتاه! انقطع عنا أخبار السماء، و لا ينزل الوحي إلينا من عند اللّه أبدا، فدخل معاذ المدينة ليلا و أتى باب عائشة فدق عليها الباب فقالت: من هذا الذي يطرق بنا ليلا؟ قال: أنا معاذ بن جبل، ففتحت الباب فقال: يا عائشة! كيف رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عند شدة وجعه؟

قالت: يا معاذ! لو رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يصفار مرة و يحمار أخرى، يرفع يدا و يضع أخرى لما هنأك العيش طول أيام الدنيا! فبكى معاذ حتى خشى أن يكون الشيطان قد استفزه ثم استعاذ باللّه من الشيطان الرجيم، و أتى أصحاب محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

ثم ظهر طليحة في أرض بني أسد و مالت‏ (5) فزارة فيها (6) عيينة بن حصن بن‏ (6)

____________

(1) في الأصل: الهادي.

(2) في الأصل: تركتم.

(3) في الأصل: راعي.

(4) من إنسان العيون 3/ 468، و في الأصل: المنعا.

(5) في الأصل: قالت.

(6- 6) في الأصل: بحينة بن حصين من- كذا خطأ.

429

بدر مرتدين عن الإسلام و بايعه بنو عامر على مثل ذلك، و تربصوا ينظرون الوقعة بين المسلمين و بين بني أسد و فزارة. و قد كان أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الذين بعثهم على الصدقات قد جمعوا ما كان على الناس منها، فلما بلغهم وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأما عدي بن حاتم فتمسك بالإسلام و بقي في يده الصدقات، و كذلك الزبرقان بن بدر، و أما مالك بن نويرة فأرسل ما في يده و قال لقومه: قد هلك هذا الرجل فشأنكم بأموالكم، و قد كانت طي‏ء و بنو سعد كلمهما (1) عدي بن حاتم و الزبرقان بن بدر فقالا (2)- و هما كانا (3) أحزم رأيا و أفضل في الإسلام رغبة من مالك بن نويرة- لقومهما: لا تعجلوا فإنه ليكونن لهذا الأمر قائم، فإن كان ذلك كذلك ألقاكم و لم تبدلوا دينكم و لم تعزلوا أمركم، و إن كان الذي‏ (4) تطلبون فلعمري إن ذلك أموالكم بأيديكم، لا يغلبنكم عليها أحد غيركم، و سكناهم‏ (5) بذلك حتى أتاهم خبر الناس و اجتماعهم على أبي بكر بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و بيعة المسلمين إياه فبعثا ما بأيديهم من الصدقة إلى أبي بكر، فلم يزل أبو بكر يعرف فضلهما (6) على من سواهما من المسلمين.

و جاء العباس و فاطمة إلى أبي بكر يلتمسان ميراثهما من النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هما حينئذ يطلبان أرضه من فدك و سهمه من خيبر فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: لا نورث‏ (7) ما تركناه‏ (7) صدقة. إنما يأكل محمد من هذا المال، و إني و اللّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يصنعه فيه إلا صنعته فيه. فهرجته فاطمة و لم تكلمه حتى ماتت.

____________

(1) في الأصل: كله.

(2) في الأصل: قتالا.

(3) في الأصل: كان.

(4) في الأصل: الذين.

(5) في الأصل: سكتوهم- كذا.

(6) في الأصل: فضلهم، و راجع أيضا الاستيعاب ترجمة عدي بن حاتم و الطبري 3/ 236 و 237.

(7- 7) من إنسان العيون 3/ 477، و في الأصل: ما تركنا.

430

ثم جهز أبو بكر الجيش ليقاتل من كفر من العرب، فترك إعطاء الصدقات و ارتد (1) عن الإسلام، فقال له عمر: كيف تقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللّه، و قد سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على اللّه»، فقال أبو بكر: و اللّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة و الزكاة و الذي نفس أبي بكر بيده! لو منعوني عقالا أو عناقا- كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لقاتلتهم عليه حتى آخذها، قال عمر: فلما رأيت شرح صدر أبي بكر لقتالهم علمت أنه الحق‏ (2). فأمر أبو بكر على الناس خالد بن الوليد و أمر ثابت بن قيس بن شماس على الناس الأنصار (3) و جمع‏ (4) أمر الناس إلى خالد بن الوليد، ثم أمرهم أن يسيروا و سار معهم مشيعا حتى نزل ذا القصة (5) من المدينة على بريد و أميال فضرب معسكره و عبأ جيشه ثم تقدم إلى خالد بن الوليد و قال: إذا غشيتم دارا من دور الناس فسمعتم أذانا للصلاة فأمسكوا عنها (6) حتى تسألوهم ما الذي يعلمون، و إن لم تسمعوا الأذان فشنوا الغارة و اقتلوا و حرقوا، ثم أمر خالد بن الوليد أن يصمد (7) لطليحة و هو على ماء من مياه بني أسد؛ و كان طليحة يدعي النبوة و ينسج‏ (8) للناس الأكاذيب و الأباطيل و يزعم أن جبريل يأتيه، و كان يقول للناس: أيها الناس! إن اللّه لا يصنع بتعفير (9) وجوهكم و قبح أدباركم شيئا، و اذكروا اللّه‏ (10) قعودا و (10) قياما، و جعل يعيب‏

____________

(1) في الأصل: الارتداد.

(2) و الحديث أشهر من أن يحال عليه.

(3) و راجع أيضا تاريخ الإسلام للذهبي 1/ 350.

(4) في الأصل: جماع.

(5) و في الأصل: الفضة، و التصحيح بناء على الطبري و تاريخ الإسلام.

(6) في الأصل: عنهما.

(7) من تاريخ الطبري 3/ 228 و تاريخ الإسلام، و في الأصل: يضمرا- كذا.

(8) في الأصل: ينسخ كذا.

(9) في البدء و التاريخ 5/ 158: تعفير.

(10- 10) من فتوح ابن اعثم 1/ 12، و في الأصل: اعفه.

431

الصلاة و يقول: إن الصريح تحت الرغوة (1)، و كان أول ما ابتلى من الناس طليحة أنه أصلب هو و أصحابه العطش في منزلهم فيه، فقال طليحة فيما شجع لهم من أباطيله: اركبوا علالا يعني فرسا، و اضربوا أميالا (2) تجدوا قلالا (3)؛ ففعلوا فوجدوا ماء، فافتتن الأعراب به، ثم قال أبو بكر لخالد بن الوليد: لآتيك‏ (4) من ناحية خيبر إن شاء اللّه فيمن بقي من المسلمين، و أراد بذلك أبو بكر [أن‏] (5) يبلغ الخبر الناس بخروجه إليهم، ثم ودع خالدا (6) و رجع إلى المدينة. و مضى خالد بالناس و كانت بنو فزارة و أسد يقولون: و اللّه! لا نبايع أبا الفصيل‏ (7)- يعنون أبا بكر، و كانت طي‏ء على إسلامها، لم تزل عنه مع عدي بن حاتم و مكنف بن زيد الخيل، (8) فكانا يكالبانها و يقولان‏ (8) لبني فزارة: و اللّه! لا نزال نقاتلكم إن شاء اللّه، فلما قرب خالد بن الوليد من القوم و بعث عكاشة بن محصن و ثابت بن أقرم‏ (9) أخا بني العجلان طليعة أمامه، و خرج طليحة بن خويلد المتنبئ و أخوه سلمة بن خويلد أيضا طليعة لمن وراءهما فالتقيا عكاشة بن محصن و ثابت بن أقرم‏ (10) فانفرد طليحة بعكاشة، و سلمة بن [خويلد] (11) بثابت، فأما سلمة فلم يلبث‏ (12) ثابتا أن قتله؛ ثم صرخ طليحة و قال: يا سلمة! أعني على الرجل فإنه قاتلي، فاكتنفا عكشاة

____________

(1) في البدء و التاريخ: الرعوة، و في الأصل: الدعوة.

(2) من الفتوح 1/ 13، و في الأصل: لا- كذا.

(3) من الفتوح، و في الأصل: بلالا.

(4) في الأصل: لآياتك، و مبني التصحيح على الطبري 3/ 227.

(5) زيد لاستقامة العبارة.

(6) في الأصل: خالد.

(7) من الفتوح و الطبري 3/ 229، و في الأصل: أبا الفضل.

(8- 8) في الأصل: فكاذبك البانها و يقولا- كذا.

(9) في الأصل: أرقم، و في جميع المراجع ما أثبتناه.

(10) في الأصل: سلمة، و الصواب ما أثبتناه.

(11) زيد من المراجع.

(12) في الأصل: فلم يلث.

432

حتى قتلاه، وكرا (1) راجعين إلى من وراءهما، فلما وصل خالد و المسلمون إلى ثابت بن أقرم‏ (2) و عكاشة بن محصن و هما قتيلان عظم ذلك على المسلمين وراءهم‏ (3)، ثم مضى خالد حتى نزل على طي‏ء في خللهم سلمى‏ (4)؛ فضرب معسكره و انضم إليه من كان من المسلمين في تلك القبائل، ثم تهيأ للقتال و سار إلى طليحة و هو على مائة، و التقى معه طليحة في سبعمائة رجل من بني فزارة، فاقتتلوا قتالا شديدا و طليحة متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر، يتنبأ و يسجع، فهز عيينة بن حصن الحرب و شد القتال ثم كر على طليحة فقال: هل‏ (5) جاءك جبريل بعد؟ قال: لا، فرجع عيينة و قاتل حتى إذا هزته الحرب كر عليه ثانيا و قال: لا أبا لك! هل جاءك جبريل بعد؟ قال: نعم! قال: فما ذا قال لك، قال:

[قال‏] (6) لي: إن لك رحى كرحاه، و حديثا لا تنساه، قال عيينة: أظن اللّه أنه قد علم أنه سيكون لك حديث‏ (7) لا تنساه‏ (8) يا بني فزارة (8) هكذا، فانصرفوا فهذا و اللّه كذاب، فانصرف و انصرفت معه فزارة و انهزم الناس، و كان طليحة قد أعد فرسا له عنده و هيأ بعيرا لا مرأته النوار، ثم اجتمعت إليه فزارة و هم مبارزون‏ (9) فقالوا: ما تأمرنا فلما سمع منهم ذلك استوى على فرسه و حمل امرأته على البعير ثم نجا بها، و قال لهم: من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت و ينجو بأهله فليفعل. ثم سلك الحوشية (10) حتى لحق بالشام و انصرفت فزارة، و قتل منهم من قتل، ثم دخلت‏

____________

(1) في الأصل: كروا. كذا.

(2) في الأصل: أرقم، و في جميع المراجع ما أثبتناه.

(3) ألم بهذه الوقعة في الطبري 3/ 228 كما هنا.

(4) جبل في ديار طي‏ء- راجع معجم البلدان.

(5) من الطبري 3/ 229، و في الأصل: هاه.

(6) زيد من الطبري.

(7) من الطبري، و في الأصل: حديثا.

(8) من الطبري، و في الأصل: فازرة- كذا.

(9) في الأصل: مبارزين.

(10) من الطبري، و في الأصل: الجرسية.

433

القبائل في الإسلام على ما كانوا عليه من قبل.

فلما فرغ خالد من بيعتهم أوثق عيينة بن حصن و قرة بن هبيرة بن سلمة و بعث بهما إلى أبي بكر، فلما قدما عليه قال قرة: يا خليفة رسول اللّه! إني كنت مسلما، و إن عند عمرو بن العاص من إسلامي شهادة، قد مر [بي‏] (1) فأكرمته و قربته، و كان عمرو بن العاص هو الذي جاء بخبر الأعراب، و ذلك أن عمرا كان على عمان، فلما أقبل راجعا إلى المدينة مر بهوازن و قد انتقضوا و فيهم سيدهم قرة بن هبيرة، فنزل عليه عمرو بن العاص فنحر له و أقراه و أكرمه؛ فلما أراد عمرو الرحيل خلى به قرة بن هبيرة و قال: يا عمرو! إنكم معشر قريش إن أنتم كففتم عن أموال الناس و تركتموها لهم- يريد الصدقات- فقمن أن يسمع لكم الناس و يطيعوا، فإن أنتم أبيتم إلا أخذ أموالهم فإني و اللّه ما أرى العرب مقرة بذلك لكم و لا صابرة عليه حتى تنازعكم أمركم و يطلبوا ما في أيديكم، فقال عمرو بن العاص: أبا العرب تخوفنا موعدك، أقسم باللّه! لأوطئنه‏ (2) عليك الخيل. ثم مضى عمرو (3) حتى قدم المدينة على أبي بكر و أخبره الخبر قبل خروج خالد إليهم، فتجاوز أبو بكر عن قرة ابن هبيرة و عيينة بن حصن و حقن لهما دماءهما (4).

و لما فرغ خالد بن الوليد من بيعة بني عامر و بني أسد قال: إن الخليفة قد عهد إليّ أن أسير إلى أرض بني غانم، فسار حتى نزل بأرضهم و بث فيها السرايا فلم يلق بها جمعا، و أتى بمالك بن نويرة في رهط من بني تميم و بني حنظلة فأمر بهم فضربت أعناقهم و تزوج مكانه أم تميم‏ (5) امرأة مالك بن نويرة، فشهد أبو قتادة لمالك بن نويرة بالإسلام عند أبي بكر، ثم رجع خالد يؤم المدينة فلما قدمها دخل‏

____________

(1) زيد من الطبري 3/ 231.

(2) من الطبري، و في الأصل: لاوصيه.

(3) وقع في الأصل: عمر- خطأ.

(4) في الأصل: و ما همان- كذا، و القصة مذكورة بالتفصيل في الطبري 3/ 231 و 232.

(5) من الطبري 3/ 242 و الإصابة- ترجمة مالك بن نويرة، و في الأصل: أم نعيم- كذا.

434

المسجد و عليه درع معتجرا (1) بعمامة و عليه قباء عليه صدأ الحديد، قد غرز في عمامته أسهما، فقام إليه عمر بن الخطاب فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها (2) ثم قال: أ قتلت امرأ مسلما مالك بن نويرة ثم تزوجت امرأته؟ و اللّه! لنرجمنك بأحجارك، و خالد بن الوليد لا يكلمه و لا يظن إلا [أن‏] (3) رأى أبي بكر على مثل [رأى‏] (3) عمر حتى دخل على أبي بكر فأخبره الخبر و اعتذر إليه أنه لم يعلم، فعذره أبو بكر و تجاوز عنه ما كان منه في‏ (4) حربه تلك‏ (4)؛ فخرج خالد من عنده و عمر جالس في المسجد فقال: هلم إليّ ابن أم شملة (5)! فعرف أن أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلمه فقام فدخل بيته.

ثم ماتت‏ (6) فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد أبيها بستة أشهر فدفنها عليّ ليلا و لم يؤذن به أبا بكر و لا عمر، و كان لعلي جهة من الناس حياة فاطمة، [فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن عليّ، فلما رأى انصراف الناس‏] (7) ضرع عليّ إلى مصالحة أبي بكر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا و لا تأتنا معك بأحد، و كره أن يأتيه عمر لما علم من شدته، فقال عمر: لا تأتهم وحدك، فقال أبو بكر: و اللّه! لآتينهم وحدي، و ما عسى أن‏ (8) يصنعوا بي‏ (8)؟ فانطلق أبو بكر وحده حتى دخل على عليّ و قد جمع بني هاشم عنده؛ فقام عليّ و حمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد! فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكارا لفضيلتك و لا نفاسة عليك بخير (9) ساقه اللّه‏

____________

(1) من الطبري 3/ 243، و في الأصل: معتجر.

(2) من الطبري، و في الأصل: فحطها.

(3) زيد من الطبري.

(4- 4) من الطبري، و في الأصل: جرجه مالك- كذا.

(5- 5) من الطبري، و في الأصل: أبى سلمة.

(6) ألم بموتها رضي اللّه عنها في الطبري 3/ 202 و 220 و 221 و تاريخ الإسلام 1/ 360.

(7) زدناه بناء على الطبري 3/ 200 لتستقيم العبارة.

(8- 8) من الطبري، و في الأصل: يصنعوني.

(9) من الطبري، و في الأصل: لخير.

435

إليك، و لكنا كنا نرى أن لنا في هذا (1) حقا فاستبددت‏ (2) به علينا، ثم ذكر قرابته من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و حقهم، و لم يزل عليّ يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر، فلما صمت عليّ تشهد أبو بكر فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد! و اللّه لقرابة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أحب إليّ أن أصل من قرابتي، و إني و اللّه ما أعلم‏ (3) [في‏] (4) هذه الأمور التي كانت بيني و بين عليّ إلا الخير (5) و لكني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول:

«لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذه المال قوتا». و إني و اللّه لا أدع أمرا صنع فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلا صنعته إن شاء اللّه؛ ثم قال: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليّا ببعض ما اعتذر به، ثم قام عليّ فعظم من حق أبو بكر و ذكر فضيلته و سابقته ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه، و أقبل الناس على عليّ فقالوا: أصبت و أحسنت.

[ثم‏] (6) توفي عبد اللّه بن أبي بكر الصديق و كان أصابه سهم بالطائف مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رماه ابن محجن ثم دمل الجرح، فمات في شوال بعد الظهر، و نزل حفرته عبد الرحمن بن أبي بكر و عمر بن الخطاب و طلحة بن عبيد اللّه‏ (7)، و دخل عمر على أبي بكر و هو آخذ بلسانه ينصنصه فقال له عمر: يا خليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)! اللّه اللّه! فقال أبو بكر: هذا أوردني‏ (8) الموارد.

فلما دخل شهر ذي الحجة حج عمر بن الخطاب سنة إحدى عشرة، و اشترى مولاه أسلم في حجته تلك ثم رجع إلى المدينة.

____________

(1) من الطبري، و في الأصل: هذه.

(2) في الأصل: استبدت، و في الطبري: استبددتم.

(3) في الطبري: ألوت.

(4) زيد من الطبري.

(5) من الطبري، و في الأصل: الحرة.

(6) زدناه لتنسيق العبارة.

(7) راجع أيضا ترجمته في الاستيعاب و راجع أيضا تاريخ الإسلام 1/ 363.

(8) من مجمع البحار- نصنص، و في الأصل: أورد في.

436

ثم وجه أبو بكر خالد بن الوليد إلى اليمامة و كان مسيلمة قد تنبأ بها في حياة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و كان أمره ضعيفا، ثم وفد (1) إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و رجع إلى قومه فشهد رجال بن عنفوة (2) لأهل اليمامة أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد أشركه في الأمر فعظم فتنته عليهم.

و خرج خالد بن الوليد بالمهاجرين و الأنصار حتى إذا دنا من اليمامة نزل واديا من أوديتهم فأصاب في ذلك الوادي مجاعة بن مرارة في عشرين رجلا منهم كانوا خرجوا يطلبون رجلا من بني تميم‏ (3) و كان أصاب لهم دما في الجاهلية فلم يقدروا عليه فباتوا (4) بذلك الوادي فلم ينبههم إلا خيل المسلمين قد وقفت عليهم فقالوا: من القوم؟ فقالوا: بنو (5) حنيفة، قال: فلا أنعم لكم علينا، ثم نزلوا فاستوثقوا منهم، فلما (6) أصبح دعاهم خالد بن الوليد فقال: يا بني حنيفة! ما تقولون؟ فقالوا: منا نبئ و منكم نبئ، فعرضهم خالد على السيف حتى بقي سارية ابن عامر و مجاعة بن مرارة. فقال له سارية: يا أيها الرجل! إن كنت تريد هذه القرية فاستبق هذا الرجل، و أوثق مجاعة في الحديد و دفعه إلى أم تميم امرأته و قال:

استوصي به خيرا، و ضرب عنق سارية بن عامر، ثم سار بالمسلمين حتى نزل على كثيب‏ (7) مشرف على اليمامة و ضرب معسكره هناك، و خرج أهل اليمامة مع مسيلمة، و تصاف الناس، و كان خالد جالسا على سريره و مجاعة مكبل عنده و الناس على مصافهم إذ رأى بارقة في بني حنيفة فقال خالد: أبشروا يا معشر المسلمين! قد

____________

(1) في الأصل: وفدا.

(2) من الطبري 3/ 247، و في الأصل: عبقرة.

(3) من الطبري 3/ 246، و في الأصل: نمير.

(4) في الأصل: فيأتوا- كذا.

(5) في الأصل: بني.

(6) و راجع أيضا الطبري 3/ 247.

(7) من الطبري 3/ 247، و في الأصل: كتيب.

437

كفاكم اللّه عدوكم و اختلف القوم، فكر (1) مجاعة إليه و هو مكبل فقال: كلا و اللّه إنها الهندوانية (2) خشوا من‏ (3) تحطمها فأبرزوها (3) للشمس لتلين‏ (4) لهم، فكان كما قال، فلما التقى الناس كان أول من خرج رجّال بن عنفوة (5) فقتل؛ و اقتتل المسلمون قتالا شديدا حتى انهزم المسلمون، و خلص أصحاب مسيلمة إلى الرحال و دخلوا فسطاط خالد بن الوليد و فيه مجاعة مكبلا (6) عند أم تميم امرأة خالد، فحمل عليها رجل بالسيف فقال مجاعة: أنا لها جار فنعمت الحرة، عليكم بالرجال، فرحبوا الفسطاط بالسيف، [ثم إن المسلمين تداعوا] (7) فقال ثابت بن قيس بن شماس: بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين، اللهم‏ (8) إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء المسلمون، ثم أخذ سيفه حتى جالد به حتى قتل، و رأى زيد بن الخطاب انكشاف المسلمين عن رحالهم فتقدم فقاتل حتى قتل؛ و قام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك و كان البراء- فيما يقال- إذا حضر البأس أخذه انتفاض‏ (9) حتى يقعد عليه الرجال ثم يبول في سراويله، فإذا بال صار مثل السبع، فلما رأى ما صنع المسلمون‏ (10) من الانكشاف و ما رأى من أهل اليمامة أخذه الذي كان يأخذه حتى قعد (11) عليه الرجال، فلما بال وثب فقال: أين يا معشر المسلمين؟ أنا البراء بن مالك، هلموا إليّ فاجتمع عنده جماعة من المسلمين فقاتل القوم قتالا شديدا حتى‏

____________

(1) في الأصل: فبكر، و في الطبري 3/ 248: فنظر.

(2) من الطبري: و في الأصل: الهندوانيها.

(3- 3) من الطبري، و في الأصل: يحطمها فابزوها.

(4) من الطبري، و في الأصل: ليليني.

(5) من الطبري، و في الأصل: عبقرة.

(6) في الأصل: مكبل- كذا.

(7) زيد من الطبري.

(8) زيد في الطبري: اللهم إني أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء- يعني أهل اليمامة.

(9) أي انتفاض الحمى.

(10) في الأصل: المسلمين.

(11) من الطبري، و في الأصل: عقد.

438

خلصوا إلى محكم اليمامة، و هو محكم بن الطفيل‏ (1)، فلما بلغه القتال قال: يا معشر بني حنيفة! الآن و اللّه تستحقب‏ (2) الكرائم غير رضيات‏ (3) و ينكحن غير حظيات‏ (4)، فما كان عندكم من حسب فأخرجوه، ثم تقدم فقاتل قتالا شديدا فرماه عبد الرحمن بن أبي بكر بسهم فوضعه في نحره فقتله، و زحف المسلمون حتى ألجئوهم إلى الحديقة و فيها (5) مسيلمة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين! ارموني عليهم في الحديقة، فقال الناس: لا تفعل يا براء! فقال: و اللّه أفعل فاحتمل حتى أشرف على الجدار فاقتحم فقاتلهم حتى فتحها اللّه للمسلمين، و دخل عليهم المسلمون، و قتل مسيلمة، اشترك وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم و رجل من الأنصار في قتله، فرماه وحشي بحربته و ضربه الأنصاري بسيف، فكان‏ (6) وحشي يقول: [ربك‏] (7) أعلم أينا قتله! قتلت: خير الناس و شر الناس.

فلما فرغ المسلمون من مسيلمة، و أتى خالدا الخبر فخرج‏ (8) بمجاعة في الحديد (9) يرسف معه‏ (9) ليدله على مسيلمة، و كان يكشف القتلى حتى مر بمحكم بن الطفيل، و كان رجلا جسيما و سيما فقال خالد: هذا صاحبكم، فقال مجاعة: لا! هذا و اللّه خير منه و أكرم، هذا محكم اليمامة، ثم دخلوا الحديقة و قلبا (10) القتلى فإذا رويجل أصيفر أخينس‏ (11) فقال مجاعة: إنه و اللّه ما جاءك إلا سرعان الناس‏

____________

(1) من الطبري، و في الأصل: الكفيل.

(2) من الطبري، و في الأصل: يستحقب.

(3) من الطبري، و في الأصل: وضيات.

(4) من الطبري، و في الأصل: حضيات.

(5) من الطبري، و في الأصل: فيهم.

(6) من الطبري، و في الأصل: فقلل.

(7) زيد من الطبري.

(8) من الطبري، و في الأصل: خرج.

(9- 9) من الطبري 3/ 251، و في الأصل: يوسف له.

(10) في الأصل: اقلبا، و في الطبري: قلب له.

(11) من الطبري، و في الأصل: حنيس- كذا.

439

و إن جماهير الناس في الحصون، قال: ويلك ما تقول؟ قال: و اللّه إن ذلك لحق، فهلم أصالحك على قومي‏ (1)، فصالحه خالد بن الوليد على الصفراء و البيضاء [و الحلقة] (2) و نصف السبي، ثم قال لمجاعة: امض إلى القوم فاعرض ما صنعت، فانطلق إليهم ثم قال للنساء: البسن الحديد ثم أشرفن على الحصون، ثم انتهى إلى خالد قال: إنهم لم يرضوا على مصالحتك عليه، و لكن إن شئت شيئا صنعت و عرضت على القوم! [قال: ما هو؟ قال‏] (2): تأخذ ربع السبي ربعا (3)، قال خالد:

قد فعلت! قال: قد صالحتك، فلما فرغا دخلوا الحصن فإذا ليس‏ (4) رجل واحد (4) رماهم [إلا] (5) النساء و الصبيان، فقال خالد لمجاعة: خدعتني، قال: قومي‏ (6).

ثم بعث أبو بكر إلى خالد بن الوليد بسلمة بن سلامة بن وقش يأمره أن لا يستبقي من بني حنيفة رجلا قد أنبت، فأتاه سلمة و قد فرغ خالد من الصلح.

ثم إن خالدا قد بعث وفدا (7) من بني حنيفة إلى أبي بكر فقدموا عليه فقال أبو بكر: ويحكم! ما هذا الرجل الذي استزل‏ (8) منكم [ما استزل‏]، قالوا: يا خليفة رسول اللّه! قد كان الذي بلغك، و كان امرأ لم يبارك اللّه له و لا لعشيرته‏ (9) فيه قال أبو بكر:

على ذلك ما دعاكم إليه؟ (10) قالوا: كان‏ (10) يقول: يا ضفدع نقي نقي! لا الشراب‏ (11)

____________

(1) من الطبري، و في الأصل: قومك.

(2) زيد من الطبري 3/ 252.

(3) من الطبري، و في الأصل: رجعا.

(4- 4) في الأصل: وحن واحدا- كذا.

(5) زيد من الطبري 3/ 252.

(6) زيد في الطبري: و لم أستطع إلا ما صنعت.

(7) من الطبري 3/ 254، و في الأصل: وا- كذا.

(8) من الطبري، و في الأصل: استنزل.

(9) من الطبري، و في الأصل: بغيره- كذا.

(10- 10) من الطبري، و في الأصل: قال وفان- كذا.

(11) في الطبري: الشارب.

440

تمنعين‏ (1) [و لا الماء تكدرين‏] (2)، لنا نصف الأرض و لقريش نصف الأرض، و لكن قريشا (3) قوم يعتدون، فقال أبو بكر: سبحان اللّه سبحان اللّه.

فلما فرغ خالد من الصلح نزل واديان من أودية اليمامة، فبينما هو قاعد إذ دخل عليه رجل من بني حنيفة يقال له سلمة (4) بن عمير فقال لمجاعة (5): استأذن لي على الأمير، فإن لي إليه حاجة، فأتى عليه مجاعة، ثم قال مجاعة: إني و اللّه لأعرف الشر في وجهه، ثم نظر فإذا هو مشتمل على السيف فقال: ما لك لعنك اللّه! أردت أن تستأصل بني حنيفة، و اللّه لئن قتلته ما ترك في بني حنيفة صغير و لا كبير إلا قتل، فانقلب الرجل و معه سيفه، فوقع في حائط من‏ (6) حوائط اليمامة و حبس به المسلمون فدخلوا خلف الحائط فقتل.

و كان من استشهد من المسلمين يوم اليمامة من قريش ممن يحضرنا ذكرهم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، و سالم مولى أبي حذيفة، و شجاع بن وهب بن ربيعة، و مالك بن عمرو، و يزيد بن قيس، و صفوان بن أمية بن عمرو، و أخوه مالك بن أمية، و الطفيل بن عمرو الدوسي، و جبير (7) بن مالك‏ (8) و أمه بحينة (8)، و يزيد بن أوس، و حيي بن حارثة، و الوليد بن عبد (9) شمس بن المغيرة، و حكيم بن حزام بن أبي وهب، و زيد (10) بن الخطاب بن نفيل‏ (11)، و عبد اللّه بن عمرو بن بحرة، و عبد

____________

(1) من الطبري، و في الأصل: المعين.

(2) زيد من الطبري.

(3) من الطبري، و في الأصل: قريش.

(4) من الطبري 3/ 253، و في الأصل: سلامة.

(5) من الطبري، و في الأصل: مجاعة.

(6) في الأصل: في.

(7) من تاريخ الإسلام 7/ 369، و في الأصل: جر- كذا.

(8- 8) من تاريخ الإسلام، و في الأصل: بن لحينة، و في الإصابة: جبير بن بحينة- منسوبا إلى أمه.

(9) من الإصابة، و في الأصل: عوف.

(10) من الإصابة، و في الأصل: يزيد.

(11) من الإصابة، و في الأصل: ثقيل.

441

اللّه بن الحارث بن قيس، و أبو قيس بن الحارث، و عبد اللّه بن مخرمة بن عبد العزى، و عبد اللّه بن سهيل‏ (1) بن عمرو، و سليط بن سليط (2) بن عمرو، و عمرو بن أوس بن سعد بن أبي سرح، و ربيعة بن أبي خرشة، و منقذ بن عمرو بن عطية (3)، و عبد اللّه بن الحارث بن رحضة (4).

و استشهد من الأنصار يوم اليمامة ثابت بن قيس بن شماس، و عباد بن بشر ابن وقش، و رافع بن سهل‏ (5)، و عبد اللّه بن عتيك‏ (6)، و حاجب بن زيد، و سهل بن عدي، و مالك بن أوس و معن موليان لهم، و فروة بن العباس، و كليب بن تميم، و عامر بن ثابت، (7) و بشر بن عبد اللّه‏ (7)، و عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي بن سلول، و عبد اللّه بن عتبان، و ثابت بن هزال، و أسيد (8) بن يربوع، و أوس بن ورقة، و سعد بن حارثة (9) بن لوذان‏ (10)، و سماك بن خرشة (11) أبو دجانة، و سعد بن حمار (12)، و عقبة بن عامر بن نابي‏ (13)، و ضمرة بن عياض، (14) و عبد اللّه بن أنيس، و (14) مسعود بن سنان، و حبيب بن زيد، و (15) أبو حبة بن غزية (15) بن عمرو،

____________

(1) من الإصابة، و في الأصل: سهل.

(2) من الإصابة، و في الأصل: سليك.

(3) من الإصابة، و في الأصل: نعيط.

(4) من تاريخ الإسلام، و في الأصل: رخصة.

(5) من الإصابة، و في الأصل: سهيل.

(6) من الإصابة، و في الأصل: عتيد.

(7- 7) من الإصابة، و في الأصل: بسر بن عبيد اللّه.

(8) من الإصابة، و في الأصل: اصعر.

(9) و أيضا ورد: جارية- راجع الإصابة.

(10) من الإصابة، و في الأصل: لودان.

(11) من الإصابة، و في الأصل: حرشة.

(12) من الإصابة، و في الأصل: حمام.

(13) من الإصابة، و في الأصل: أبي.

(14) من تاريخ الإسلام، و في الأصل: بن.

(15- 15) من تاريخ الإسلام، و في الأصل: أبو حيثمة ابن عذنة.

442

و (1) عمارة بن حزم‏ (2) بن زيد، و يزيد (3) بن ثابت بن الضحاك بن زيد (4) رمي بسهم‏ (4) فمات في الطريق، و ثابت بن خالد بن عمرو بن خنساء، و فروة بن النعمان بن الحارث، و (5) عائذ بن ماعص الزرقي‏ (5)، و حبيب بن عمرو بن محصن.

ثم انصرف خالد بن الوليد بالمسلمين حتى قدم المدينة على أبي بكر، و ارتدت ربيعة بالبحرين فيمن‏ (6) ارتد من العرب إلا (7) الجارود بن عمرو [بن‏] (8) (9) خنش بن معلى فإنه‏ (9) ثبت على الإسلام فيمن تبعه من قومه، و قالت ربيعة بعضها لبعض: نرد (10) الملك إلى المنذر بن ساوى‏ (11)، و كان المنذر ملكهم في حياة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فبعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) العلاء (12) بن الحضرمي فأسلم المنذر، و أقام العلاء بها إلى أن قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فملك‏ (13) ربيعة المنذر بن النعمان بن المنذر بن ساوى‏ (12) و جمع جمعهم على الارتداد؛ فلما بلغ أبا بكر خبرهم، بعث‏ (14) إليهم العلاء بن الحضرمي و أمره بثمامة بن أثال الحنفي و كان قد أسلم ثمامة و أسلم بنو سحيم معه، فلما مر العلاء بثمامة بن أثال معه من‏ (15) اتبعه من قومه‏

____________

(1) في الأصل: بن.

(2) من تاريخ الإسلام، و في الأصل: حزام.

(3) من الإصابة، و في الأصل مرثد.

(4- 4) من الاستيعاب، و في الأصل: و من سهم- كذا.

(5- 5) من الإصابة، و في الأصل: عائد ماعس المرور- كذا.

(6) من الطبري 3/ 255، و في الأصل: فمن.

(7) من الطبري، و في الأصل: بن.

(8) زيد من الطبري.

(9- 9) من الطبري، و في الأصل: أخنس بن يعلى بانه.

(10) من الطبري، و في الأصل: يرد.

(11) من الطبري، و في الأصل: شاوي.

(12) من الطبري، و في الأصل: العجلي.

(13) في الأصل: فهلك.

(14) في الأصل: فبعث.

(15) في الأصل: فيمن.

443

من بني سحيم و سارت ربيعة إليهم فحاصروهم بجواثا (1)- حصن بالبحرين، و أصاب المسلمون جهدا شديدا من الجوع حتى كادوا أن يهلكوا فخرج عبد اللّه بن حذف‏ (2) ليلة من الليالي يتجسس أخبارهم و يجي‏ء المسلمين بالخبر، فأتى الحصن و احتال في دخوله فوجدهم سكارى فرجع، فأخبر المسلمين أن القوم سكارى لا غناء بهم، فبيتهم العلاء بن الحضرمي فيمن معه من المسلمين و قاتلوهم قتالا شديدا حتى فتح اللّه على المسلمين حصنهم، و قسم العلاء بن الحضرمي الغنيمة بالبحرين و جمع بها صلاة الجمعة.

و خرج الأسود بن كعب العنسي [في كندة] (3) فباع‏ (4) الناس و المهاجر بن أبي أمية أميرها، و سمعت كندة بذلك و اتفقت أيضا مع من اتبع الأسود على نصره‏ (5)، و كان على حضر موت زياد بن لبيد البياضي، فلما رأى ذلك منهم بيتهم بالليل و قتل منهم أربعة من الملوك في محاجرهم: (6) جمدا و محوصا و مشرحا (6) و أبضعة، ثم كتب المهاجر بن أبي أمية (7) إلى أبي بكر يخبره بانتفاض الناس و (8) يستمد منه‏ (8)، فبعث أبو بكر عكرمة بن أبي جهل في جيش معه إلى المدينة، و كانت قطعة من كندة- ثبتت على الإسلام- مع زياد بن لبيد و قطعة مع‏ (9) المهاجر بن أبي أمية و زياد بن أبي لبيد بالحرب، فلما اشتد عليهم الحصار نزل إليهم الأشعث بن قيس و سألهم الأمان على دمه و أهله و ماله حتى يقدموه‏ (10) على أبي بكر فيرى فيه رأيه‏

____________

(1) من الطبري 3/ 256، و في الأصل: بجاتا.

(2) من الطبري 3/ 258، و في الأصل: خلاف- كذا.

(3) زيد لاستقامة العبارة.

(4) في الأصل: فباعوا.

(5) في الأصل: قصره- كذا، و راجع أيضا الطبري 2/ 270 و ما بعده.

(6- 6) من الطبري 3/ 273، و في الأصل: حمر و نحوس و مشرح كذا.

(7) زيد فوقه: و زياد.

(8- 8) في الأصل: ما صورته هكذا «و تستمروا له» و عليه من الضرب و الحك ما يزيده غموضا و إبهاما.

(9) في الأصل: من.

(10) في الأصل: قدموه.

444

[و أن‏] (1) يفتح النجير (2)، ففعلوا ذلك و فتح النجير (2)، و استنزلوا من فيه من الملوك و ضربت أعناقهم، و استوثقوا من الأشعث بن قيس و بعثوا به إلى أبي بكر مع السبي، و قتل الأسود بن كعب العنسي في بيته، فلما قدم الأشعث على أبي بكر قال أبو بكر: فما تأمرني أن أصنع فيك فإنك فعلت ما علمت؟ قال الأشعث: تمن عليّ و تفكني‏ (3) من الحديد و تزوجني أختك، فإني قد راجعت‏ (4) و أسلمت، قال أبو بكر: قد فعلت، فزوجه أخته فروة بنت أبي قحافة.

ثم قدم‏ (5) أهل البحرين على أبي بكر يفتدون‏ (6) سباياهم أربعمائة، فخطب أبو بكر الناس فقال: أيها الناس! ردوا على الناس سباياهم، لا يحل لامرئ يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يغيب عنه‏ (7) منهم أحد، ثم جاء جابر بن عبد اللّه أبا بكر فقال: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إن جاءنا مال من البحرين أعطيناك هكذا و هكذا»، فحرز له أبو بكر «هكذا» خمسمائة درهم، فأعطاه من مال البحرين ألفا و خمسمائة درهم. ثم اعتمر أبو بكر في رجب و خرج هو و عبد الرحمن بن صبيحة على راحلتين و استخلف على المدينة عمر بن الخطاب، و قدما مكة ضحوة، و خرج منها قبل الليل. و مات أبو مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب. و تزوج عمر ابن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل.

ثم خرج أبو بكر سنة اثنتي عشرة، و استخلف على المدينة عثمان بن عفان، و خرج لليلتين بقيتا (8) من ذي القعدة، و أحرم من ذي الحليفة، و قدم مكة لسبع‏

____________

(1) زيد لاستقامة العبارة.

(2) هو اسم حصن، و وقع في الأصل: البحر- خطأ.

(3) من الطبري 3/ 276، و في الأصل: تكفني- كذا.

(4) من الطبري، و في الأصل: راجعك.

(5) زيد بعده في الأصل: على.

(6) في الأصل: يعتدرون- كذا.

(7) في الأصل: عنهم.

(8) في الأصل: بقين.

445

خلون من ذي الحجة، و كان قد ساق‏ (1) معه عشر بدنات، فخطبهم قبل التروية بيوم في المسجد الحرام، و أمرهم بتقوى اللّه و نهاهم عن معصيته و عظّم عليهم حرمة الإسلام و أمرهم بالقصد في مسيرهم و الترفق، و تلا عليهم آيات من القرآن، ثم قال: من استطاع منكم أن يصلي الظهر بمنى غدا فليفعل، ثم حج لهم و نحر البدن و رمى الجمار ماشيا ذاهبا و جائيا.

و مات أبو العاص بن الربيع في ذي الحجة و كان‏ (2) يسمى جرو (2) البطحاء و أوصى‏ (3) إلى الزبير بن العوام، فزوج الزبير ابنته علي بن أبي طالب.

ثم قفل أبو بكر من الحج إلى المدينة، فلما قدمها كتب إلى خالد بن الوليد يريد العراق، و قد قيل: إنه قد قدم المدينة ثم خرج إلى العراق، فلما بلغ خالد بن الوليد إلى قريات‏ (4) من السواد (5) يقال لهن [بانقياء] (6) باروسما (7) و ألّيس صالح أهلها، و كان الذي صالحه عليها ابن صلوبا، فقبل منهم الجزية و كتب له كتابا «بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا كتاب من خالد بن الوليد لابن صلوبا السوادي‏ (8) و منزله بشاطئ‏ (9) الفرات أنك آمن بأمان اللّه ممن حقن دمه بإعطاء الجزية، و قد أعطيت عن نفسك و من كان في قريتك ألف درهم فقبلناها (10)، و رضي من معي من المسلمين بها عنك، فلك‏ (11) ذمة اللّه و ذمة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و ذمم المسلمين على ذلك،

____________

(1) في الأصل: سابق.

(2- 2) من تاريخ الإسلام 1/ 373، و في الأصل: ساحر- كذا.

(3) من تاريخ الإسلام، و في الأصل: أولى.

(4) من الطبري 4/ 3، و في الأصل: قرنات.

(5) من الطبري، و في الأصل: السوداء.

(6) زيد من الطبري.

(7) من الطبري، و في الأصل: وسما.

(8) من الطبري، و في الأصل: الشواي.

(9) من الطبري، و في الأصل: شاطئ.

(10) في الطبري: فقبلتها.

(11) من الطبري، و في الأصل: فلا.

446

و شهد هشام بن الوليد، ثم أقبل خالد حتى نزل الحيرة و كان عليها قبيصة بن إياس بن حية الطائي أميرا (1) لكسرى فخرج إليه بأشرافهم‏ (2)، فقال لهم خالد: أدعوكم إلى اللّه و إلى الإسلام، فإن‏ (3) أجبتم إليه فأنتم من المسلمين، لكم ما لهم و عليكم ما عليهم، و إن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم [الجزية] (4) فقد أتيتك بأقوام‏ (5) أحرص على الموت منكم على الحياة، جاهدناكم حتى يحكم اللّه بيننا و بينكم، فقال له قبيصة بن إياس: ما لنا بحربك من حاجة، بل نقيم على ديننا و نعطيك الجزية، فصالحهم على تسعين ألف درهم كل سنة، فكانت أول جزية وقعت بالعراق هذه و التي صالح عليها ابن صلوبا.

و بعث أبو بكر بعد قفوله من الحج الجنود إلى الشام فبعث عمرو بن العاص إلى فلسطين فأخذ طريق المعرقة (6) على أيلة، و بعث يزيد بن أبي سفيان و أبا عبيدة ابن الجراح و شرحبيل بن حسنة إلى الشام و أمرهم أن يسلكوا التبوكية على البلقاء [من‏] (7) علياء [الشام‏] (7)، و بعث خالد [بن‏] (7) سعيد بن العاص على ربع من الأرباع، فلم يزل عمر بن الخطاب بأبي بكر حتى [عزله و أمّر] (8) مكانه ابن أبي سفيان، و خرج أبو بكر مع يزيد بن أبي سفيان يوصيه‏ (9) و يزيد راكب‏ (9)، قال: أيها الأمير! إما أن تركب و إما أن أنزل! فقال: ما أنت‏ (10) بنازل و لا أنا براكب،

____________

(1) في الأصل: أمنو- كذا؛ و في الطبري: و كان أمّره عليها.

(2) من الطبري، و في الأصل: بأشراهم.

(3) من الطبري، و في الأصل: و ان.

(4) زيد من الطبري.

(5) من الطبري، و في الأصل: بأقوامهم.

(6) من الطبري 4/ 28، و في الأصل: العزبة.

(7) زيد من الطبري.

(8) من الطبري، و موضعه بياض في الأصل.

(9- 9) في الأصل: يزيدرا- كذا، و راجع فتوح الشام للواقدي 1/ 4.

(10) في الأصل: ابت.

447

أ ليست‏ (1) خطاي هذه في سبيل اللّه! ثم قال: يا يزيد! إنكم ستقدمون بلادا [فإذا أكلتم‏] (2) الطعام فسموا اللّه على أولها و احمدوه على آخرها، و ستجدون قوما حبسوا أنفسهم‏ (3) في الصوامع فدعوهم و ما حبسوا (4) أنفسهم، و ستجدون أقواما قد اتخذ الشيطان على رءوسهم مقاعد. يعني الشمامسة (5)- فاضربوا تلك الأعناق، و لا تقتلن‏ (6) كبيرا هرما (6) و لا امرأة و لا وليدا و لا تعقرن بهيمة إلا لنفع، و لا تخربن عمرانا، و لا تقطعن‏ (7) بحرا إلا لنفع، و لا تغل و لا تغدر و لا تخن‏ (8) وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ أقرئك‏ (9) السلام و أستودعك اللّه! ثم انصرف أبو بكر و مضى يزيد بن أبي سفيان و تبعه شرحبيل بن حسنة و أبو عبيدة بن الجراح‏ (10) فردا فردا، و نزل‏ (10) عمرو بن العاص في قصره‏ (11) بغمر العربات‏ (11)، و نزل الروم‏ (12) بثنية جلق‏ (12)بأعلى فلسطين في سبعين ألفا عليهم تذارق‏ (13) أخو هرقل‏ (14) لأبيه و أمه‏ (14)، فكتب عمرو بن العاص إلى أبي بكر يذكر له أمر الروم و يستمده، فكتب أبو بكر

____________

(1) في الأصل: نسيت- كذا.

(2) موضعه في الأصل: لولو- كذا.

(3) في الأصل: أيديهم له.

(4) في الأصل: جلسوا.

(5) في الأصل: السالسة، في لسان العرب؛ الشماس من رءوس النصارى: الذي يحلق وسط رأسه و يلزم البيعة و الجمع شمامسة.

(6- 6) في الأصل: كثيرا هربا.

(7) في الأصل: لا تقتعن.

(8) في الأصل: لا نحون.

(9) من البداية و النهاية 7/ 3، و في الأصل: أفديك.

(10- 10) في الأصل: مردا مرد و انزل- كذا.

(11- 11) من الطبري 4/ 39، و في الأصل: بعير القريات- كذا.

(12- 12) من الطبري، و في الأصل: يعنه خلق- كذا.

(13) من الطبري، و في الأصل: بدراق.

(14- 14) من الطبري، و في الأصل: لا و أبيه- كذا.

448

إلى خالد بن الوليد و هو يأمره أن يمد أهل الشام فيمن [معه‏] (1) من أهل القوة (2) و يستخلف على ضعفة الناس [رجلا] (3) منهم، فلما أتاه كتاب أبي بكر قال خالد:

هذا عمل الأعيسر (4) ابن أم شملة (5)- يعني عمر بن الخطاب- حسدني‏ (6) أن يكون فتح العراق على يدي، فسار خالد بأهل القوة من الناس، ورد الضعفاء و النساء إلى‏ (7) المدينة، و أمّر عليهم عمير (8) بن سعد الأنصاري، و استخلف على [من أسلم‏] (9) بالعراق من ربيعة (10) و غيرهم المثنى بن حارثة (11) الشيباني، فلما بلغ خالد بمن معه عين النمر أغار على أهلها فأصاب منهم، و رابط حصنا بها فيه مقاتلة لكسرى حتى استنزلهم و ضرب أعناقهم و سبى منهم سبايا كثيرة، و كان من‏ (12) تلك السبايا (12) أبو عمرة والد عبد الأعلى [بن‏] (13) أبي عمرة، و يسار جد محمد بن إسحاق، و حمران بن أبان مولى عثمان، و [أبو] (13) عبيد مولى المعلى، و خير (14) مولى أبي داود الأنصاري، و أبو عبد اللّه مولى زهرة.

فأراد خالد المسير و التمس دليلا فدل على رافع بن عميرة (15) الطائي فقال له‏

____________

(1) زيد من الطبري 4/ 44.

(2) من الطبري، و في الأصل: القرد.

(3) من الطبري، و في الأصل موضعه بياض.

(4) من الطبري، و في الأصل: المعيسر.

(5) من الطبري، و في الأصل: شهده.

(6) من الطبري، و في الأصل: حسبه.

(7) من الطبري، و في الأصل: على.

(8) من الطبري، و في الأصل: عميرة.

(9) زيد من الطبري 4/ 44.

(10) من الطبري، و في الأصل: العرب.

(11) من الطبري و في الأصل: خارجة.

(12- 12) من الطبري، و في الأصل: ذلك السبى.

(13) زيد من الطبري 4/ 44.

(14) من الطبري، في الأصل: بحمير- كذا.

(15) من الطبري، و في الأصل: عمير.

449

خالد: (1) انطلق بالناس‏ (1)، فقال له رافع: إنك لا تطيق ذلك بالجنود (2) و الأثقال، و اللّه إن الراكب المفرد ليخافها على نفسه و ما يسلكها إلا مغررا! إنها لخمس ليال جياد و لا يصاب‏ (3) فيها ماء [مع مضلتها] (4)، قال له خالد: ويحك! (5) أ لا بدّ لي‏ (5) منها؟ إنه قد أتاني من الأمير عزمة بذلك، فمر بأمرك، فقال رافع: استكثروا من الماء، من استطاع [منكم‏] (6) أن يصر أذن ناقته على ماء فليفعل‏ (7)، فإنها المهالك‏ (8) إلا ما دفع اللّه‏ (9)، فتأهب المسلمون و سار خالد بمن معه، فلما بلغوا آخر يوم من المفازة قال خالد لرافع بن عميرة (10): ويحك يا رافع! ما عندك؟ قال:

أدركت الري‏ (11)- إن شاء اللّه! فلما دنا (12) من العلمين‏ (13) قال رافع للناس: انظروا [هل ترون شجيرة من عوسج كقعدة الرجل‏] (14) فلم يروا شيئا، فقال: إنا للّه و إنا إليه راجعون! هلكتم و اللّه إذا و هلكت‏ (15)! انظروا فاطلبوها، [فطلبوا] (14) فوجدوها قد قطعت و بقي منها بقية، فلما رآها المسلمون كبروا و كبر رافع بن عميرة، ثم قال: احفروا في أصلها، فحفروا فاستخرجوا عينا فشربوا حتى روي الناس، ثم‏

____________

(1) من الطبري، و في الأصل: ما عندك.

(2) في الأصل: و الجنود، و في الطبري: بالخيل.

(3) من الطبري، و في الأصل: لا تصيب.

(4) من الطبري، و في الأصل موضعه بياض.

(5) في الطبري 4/ 45: إن لي بد.

(6) زيد من الطبري.

(7) من الطبري، و في الأصل: فعل.

(8) من الطبري، و في الأصل: المهلك.

(9) و هنا في الطبري مزيد تفصيل فراجعه.

(10) من الطبري، و في الأصل: عمير.

(11) من الطبري، و في الأصل: الراي.

(12) من الطبري، و في الأصل: دكى.

(13) من الطبري، و في الأصل: العالمين.

(14) زيد من الطبري.

(15) من الطبري، و في الأصل: هلكتم.

450

اتصل بعد ذلك لخالد المنازل فقال رافع: فو اللّه ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة! وردتها مع أبي و أنا غلام، فلما بلغ الخالد و المسلمون إلى سوي‏ (1) أغار على أهله‏ (2) و هم بهراء (2) قبيل الصبح و إذا جماعة منهم يشربون الخمر في جفنة لهم قد اجتمعوا عليها (3) و مغنيهم يقول:

ألا عللاني‏ (4)قبل جيش أبي بكر* * * لعل منايانا قريب‏ (5) و لا ندري‏ (6)

فقتلهم خالد بن الوليد و قتل مغنيهم و سال دمه في تلك الجفنة (7)، ثم سار خالد حتى أغار على غسان بمرج راهط حتى نزل على قناة (8) بصرى و عليها أبو عبيدة بن الجراح و شرحبيل بن حسنة و يزيد بن أبي سفيان؛ و خرج خالد بن سعيد ابن العاص بمرج الصفر في يوم مطير يستمطر [فيه‏] (9) فتعاوى‏ (10) عليه أعلاج‏ (11) الروم فقتلوه؛ و اجتمع خالد بن الوليد (12) و شرحبيل بن حسنة و يزيد بن أبي سفيان معهم حتى صالحته بصرى على الجزية و فتحها اللّه للمسلمين، فكانت تلك أول مدينة فتحت بالشام، ثم ساروا جميعا إلى فلسطين مددا (13) لعمرو بن العاص و عمرو مقيم بالعربات‏ (14) من غور فلسطين و سمع الروم باجتماع المسلمين لعمرو

____________

(1) من الطبري، و في الأصل: سواد.

(2- 2) من الطبري، و في الأصل: هو ما نهر- و وقع بعد «إلى؟؟ رى».

(3) من الطبري، و في الأصل: عليه.

(4) من الطبري، و في الأصل: علاني.

(5) من الطبري، و في الأصل: منايا.

(6) من الطبري، و في الأصل: لا يدري.

(7) من الطبري، و في الأصل: الحقبة.

(8) من الطبري، و في الأصل: فناء.

(9) زيد من الطبري 4/ 39.

(10) من الطبري، و في الأصل: فتعاوو- كذا.

(11) من الطبري، و في الأصل: علاج.

(12) و العبارة من «و خرج خالد» إلى هنا متكررة في الأصل.

(13) من الطبري 4/ 45، و في الأصل: مدا.

(14) من الطبري، و في الأصل: بالقربات.

451

ابن العاص فانكشفوا عن جلق‏ (1) إلى أجنادين‏ (2)، و أجنادين‏ (8) [بلد] (3) بين الرملة و بيت‏ (4) جبرين من أرض فلسطين‏ (5) و سار المسلمون إلى أجنادين‏ (6) و كان‏ (6) الأمراء أربعة و الناس أرباعا إلا عمرو بن العاص كان يزعم أنه جميعهم ... (7).

فلما اجتمعت العساكر و تدانت، بعث صاحب الروم‏ (8) رجلا عربيا (8) [ليأتي‏] (9) بخبر المسلمين، فخرج الرجل و دخل مع المسلمين و أقام فيهم يوما و ليلة لا ينكر، ثم‏ (10) أتى الروم فقالوا له: ما وراءك؟ فقال: أما بالليل فرهبان، و أما بالنهار ففرسان، (11) و لو سرق ابن‏ (11) ملكهم قطعوا يده، و لو زنى رجموه، لإقامة الحق فيهم.

ثم تزاحف الناس فاقتتلوا (10) قتالا شديدا فقال صاحبهم‏ (12) لهم: لفوا رأسي في ثوب، قالوا له: و لم؟ قال: يوم موقف البئيس‏ (4) (13) لا أحب أن أراه، ما رأيت في الدنيا أشد منه، و كانت الهزيمة (14) على الروم، فلقد قتل صاحبهم و (15) إنه لملفف‏ (15)

____________

(1) من الطبري، و في الأصل: الجلق.

(2) من الطبري، و في الأصل: أجناد.

(3) زيد من الطبري 4/ 45.

(4) من الطبري، و في الأصل: بين بعيت و بين- كذا.

(5) من الطبري، و موضعه في الأصل بياض.

(6) موضعه بياض في الأصل.

(7) موضع النقاط بياض في الأصل.

(8) من الطبري 4/ 46، و موضعه في الأصل بياض.

(9) زيد لاستقامة العبارة.

(10) من الطبري، و موضعه بياض في الأصل.

(11) من الطبري، و موضعه في الأصل بياض.

(12) في الأصل: صاحب.

(13) زيد قبله في الأصل: من، و لم تكن الزيادة في الطبري فحذفناها.

(14) في الأصل: العزيمة.

(15) من الطبري، و في الأصل: انطلقت- كذا.

452

في ثوبه؛ و كان لليلتين بقيتا من‏ (1) جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، فقتل بأجنادين من المسلمين: نعيم بن عبد اللّه‏ (2) النحام، و هشام [بن‏] (3) العاصي‏ (4) بن وائل [و] (5) عمرو بن [عكرمة و] (6) الطفيل بن عمرو الدوسي، و عبد اللّه بن عمرو حليف لهم، و جندب بن عمرو بن حممة (7) الدوسي [و] (5) ضرار بن الأزور (8) و طليب‏ (9) بن عمرو بن وهب، و سلمة بن هشام بن المغيرة، و هبار بن سفيان بن الأسود، و الحارث بن الحارث، و الحجاج بن الحارث و قيس بن صخر، [و] (5) نعيم بن عامر.

استخلاف عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه‏

و هو عمر بن الخطاب بن نفيل‏ (10) بن عبد العزى بن رياح بن عبد اللّه بن قرط ابن رزاح‏ (11) بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو حفص العدوي، و أم عمر حنتمة (12) بنت هشام‏ (13) بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم أخت أبي جهل بن هشام.

____________

(1) من الطبري، و في الأصل: في.

(2) زيد بعده في الأصل: ابن، و لم تكن الزيادة في الطبري و لا في الإصابة فحذفناها.

(3) زيد من الطبري.

(4) من الطبري، و في الأصل: عاص.

(5) زيد لاستقامة العبارة.

(6) زيد من الطبري 4/ 36.

(7) من الطبري، و في الأصل: حمية.

(8) من الطبري و الإصابة، و في الأصل: الأرقم.

(9) من الطبري و الإصابة، و في الأصل: كليب.

(10) من الطبري 5/ 14 و الإصابة، و في الأصل: نوفل.

(11) من الطبري و الإصابة، و في الأصل: رباح- كذا.

(12) من الطبري و الإصابة، و في الأصل: حتفة- كذا.

(13) في الطبري و الإصابة: هاشم- كذا.

453

حدثنا محمد بن القاسم الدقاق بالمصيصة: ثنا يوسف بن سعيد بن مسلم‏ (1) ثنا هارون بن زياد (2) الحنائي ثنا الحارث بن عمير عن حميد عن أنس قال: قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر (3) و عمر».

قال أبو حاتم: فلما حانت‏ (4) منية أبي بكر رحمة اللّه عليه اغتسل قبلها يوم الإثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة و كان يوما باردا فحم‏ (2) خمسة عشر يوما (5) حتى قطعته العلة عن حضور الصلاة و كان يأمر عمر بن الخطاب أن يصلي بالناس، و كان الناس يعودونه و هو في منزله الذي أقطع له النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و جاه‏ (6) دار عثمان بن عفان اليوم، فبينا هو في ليلة من الليالي عند نسائه أسماء بنت عميس و حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير (7) و بناته أسماء و عائشة و ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر إذ قالت عائشة: أ تريد أن تعهد إلى الناس عهدا؟ قال: نعم، قالت: فبين للناس حتى يعرفوا الوالي‏ (8) بعدك، [قال‏] (9): نعم، قالت عائشة: إن أولى الناس بهذا الأمر بعدك عمر، و قال‏ (10) عبد الرحمن بن أبي بكر: إن قريشا تحب ولاية عثمان بن عفان، و تبغض ولاية عمر لغلظه، فقال أبو بكر: نعم الوالي عمر، و ما هو بخير له أن يلي أمر أمة محمد، أما إنه لا يقوى عليهم غيره، إن عمر رآني لينا فاشتد (11)، و لو كان واليا للان لأهل اللين و اشتد (11) على أهل الريب، فلما أصبح دعا نفرا من‏

____________

(1) من التهذيب، و في الأصل: سلم.

(2) من الأنساب. (الحنائي)، و في الأصل: رباد.

(3) من سمط النجوم 2/ 321، و في الأصل: أبو بكر.

(4) في الأصل: حالت.

(5) من الطبري 3/ 47، و في الأصل: الناس.

(6) من الطبري، و في الأصل: لجد.

(7) في الأصل: أبي زهيرة- خطأ.

(8) في الأصل: اللوالي.

(9) زيد و لا بد منه.

(10) في الأصل: قالت.

(11) في الأصل: فاشتر.

454

المهاجرين و الأنصار يستشيرهم في عمر، منهم عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص و سعيد بن زيد فقال لعبد الرحمن بن عوف:

يا أبا محمد! أخبرني عن عمر، فقال: [يا] (1) خليفة رسول اللّه! هو و اللّه أفضل من رأيك فيه من رجل [و لكن‏] (1) فيه غلظة (2)، فقال لعبد الرحمن بن عوف:

ذلك لأنه رآني لينا فاشتد، و لو آل إليه الأمر لترك كثيرا مما هو عليه اليوم، إني إذا غضبت على الرجل أراني الرضا عنه و إذا لنت له أراني الشدة عليه، لا تذكر يا [أبا] (1) محمد مما ذكرت لك شيئا، [قال: نعم‏] (1)، ثم دعا عثمان بن عفان فقال:

يا أبا عبد اللّه! أخبرني عن عمر، فقال: أنت أخبر به، فقال أبو بكر: فعليّ ذلك، قال: إن علمي أن سريرته خير من علانيته، و أن ليس فينا مثله، قال: يرحمك اللّه يا أبا عبد اللّه! لا تذكر مما ذكرت لك شيئا، [قال: أفعل، فقال له أبو بكر] (1): لو (3) تركته ما عدوتك، و [ما أدري‏] (1) لعلي تاركه، و الخيرة له أن لا يلي أمركم، و لوددت‏ (4) أني خلو من أمركم، و أني كنت فيمن مضى من سلفكم؛ ثم قال لعثمان: اكتب: هذا ما عهد عليه أبو بكر بن [أبي‏] (5) قحافة إلى المسلمين، أما بعد؛ ثم أغمي عليه [فذهب عنه‏] (5) فكتب عثمان: أما بعد، فقد استخلفت‏ (6) عليكم عمر بن الخطاب و لم آلكم خيرا، ثم أفاق أبو بكر فقال‏ (7): اقرأ عليّ، فقرأ عليه ذكر عمر، فكبر أبو بكر فقال: جزاك اللّه عن الإسلام خيرا! ثم رفع أبو بكر يديه فقال: اللهم! وليته بغير أمر نبيك، و لم أرد بذلك إلا صلاحهم، و خفت‏ (8)

____________

(1) زيد من الطبري 4/ 51.

(2) من الطبري، و في الأصل: غلظ.

(3) من الطبري، و في الأصل: و لو.

(4) من الطبري، و في الأصل: لودرت.

(5) زيد من الطبري 4/ 52.

(6) من طبقات ابن سعد ج 3 ق 1/ 142، و في الأصل: استخلف.

(7) من الطبقات، و في الأصل: ثم قال.

(8) من الطبقات و في الأصل: خفق.

455

عليهم الفتنة فعملت‏ (1) فيهم بما أنت أعلم [به‏] (2)، و قد حضر من أمري ما قد حضر، فاجتهدت لهم الرأي‏ (3) فوليت‏ (4) عليهم خيرهم لهم و أقواهم عليهم و أحرصهم‏ (5) على رشدهم، و لم أرد محاباة عمر، فاجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدى نبي‏ (5) الرحمة (6) و هدى الصالحين بعده و أصلح له رعيته‏ (7)، و كتب بهذا العهد [إلى‏] الشام إلى المسلمين إلى أمراء الأجناد أن قد وليت عليكم خيركم و لم آل لنفسي و لا للمسلمين خيرا.

و أوصى أن تغسله أسماء بنت عميس‏ (8)، ثم نادى عمر بن الخطاب فقال له:

إني مستخلفك على أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، يا عمر: إن للّه حقا في الليل‏ (9) لا يقبله في النهار، و حقا في النهار لا يقبله في الليل، و إنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى‏ (10) الفريضة، يا عمر! إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق و ثقله عليهم، و حق لميزان لا يوضع فيه‏ (11) غير الحق‏ (11) أن يكون ثقيلا، يا عمر! إنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل، و حق لميزان لا يوضع فيه‏ (12) غير الباطل‏ (12) أن يكون خفيفا، يا عمر! إنما نزلت آية الرخاء (13)

____________

(1) من الطبقات، و في الأصل: فعلمت.

(2) زيد من الطبقات.

(3) في الطبقات: رأيي.

(4) من الطبقات، و في الأصل: وليت.

(5) في الأصل بياض عبأناه من الطبقات.

(6) من الطبقات، و في الأصل: برحمة.

(7) من الطبقات، و في الأصل: من نوعيته.

(8) راجع أيضا الكامل لابن الأثير 2/ 204.

(9) في الأصل: اللّه، و مبنى التصحيح على الكامل 2/ 208.

(10) من الكامل، و في الأصل: تودوا.

(11- 11) في الكامل: غدا ألاحق.

(12- 12) في الأصل: غير الحق، و في الكامل: إلا باطل.

(13) من الكامل، و في الأصل: الرجاء.

456

مع آية الشدة و آية الشدة مع آية الرخاء (1) ليكون المؤمن راغبا راهبا، فلا ترغب رغبة فتتمنى على اللّه فيها ما ليس لك، و لا ترهب رهبة تلقى فيها يديك، يا عمر! إنما ذكر اللّه أهل النار بأسوإ أعمالهم ردا (2) عليهم ما كان من خير (3)، فإذا ذكرتهم قلت: لأرجو أن [لا] (4) أكون منهم، و إنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم عما كان من سيئ‏ (5)، فإذا ذكرتهم قلت: أي عمل من أعمالهم أعمل! فإن حفظت وصيتي فلا يكونن‏ (6) غائب أحب‏ (7) إليك [من الحاضر] (4) من الموت و لست بمعجزه.

و توفي أبو بكر رضي اللّه عنه ليلة الإثنين لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة (8)، و له يوم مات اثنتان و ستون سنة (9)، و كانت خلافته سنتين و ثلاثة أشهر و اثنان و عشرون يوما، و كان مرضه خمس عشرة ليلة، و غسلته أسماء بنت عميس، و كفن في ثلاثة أثواب‏ (10)، و نزل [في‏] (11) قبره عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و طلحة بن عبيد اللّه و عبد الرحمن بن أبي بكر، و دفن ليلا بجنب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أراد ابن عمر أن ينزل قبر أبي بكر مع أبيه فقال له عمر: قد كفيت، و كان أبو قحافة

____________

(1) من الكامل، و في الأصل: الرجاء.

(2) في الأصل: رد.

(3) في الأصل: حسيرة.

(4) زيد من الكامل.

(5) من الكامل، و في الأصل: مسي.

(6) من الكامل، و في الأصل: لا يكونن.

(7) من الكامل، و في الأصل: اكره.

(8) و المراجع التي بأيدينا تصرح بأنه كان توفي مساء ليلة الثلاثاء لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة، و ابن الأثير يؤكد على صحة هذا التاريخ.

(9) و في الطبقات ج 3 ق 1/ 144: و توفي (رحمه اللّه) و هو ابن ثلاث و ستين سنة مجمع على ذلك في الروايات كلها.

(10) راجع الطبقات للعثور على ما ورد من الاختلاف في ذلك.

(11) من الطبقات ج 3 ق 1/ 148.

457

بمكة [فسمع الهائعة] (1) فقال: ما هذا؟ فقيل: مات ابنك، فقال: رزء جليل، فإلى من عهد؟ قالوا: لعمر، قال: صاحبه؛ و ورثه أبو قحافة السدس، و كان من عمال أبي بكر يوم توفي عتاب بن أسيد (2) على مكة (2)، و عثمان بن أبي العاص على الطائف، و العلاء بن الحضرمي على البحرين، و يعلى بن أمية (3) [على خولان، و مهاجر بن أبي أمية] (4) على صنعاء، و زياد بن لبيد على حضر موت، و عمرو بن العاص على فلسطين، و على الشام أربعة نفر (5) من الأجناد: خالد بن الوليد، و [أبو] (4) عبيدة بن الجراح، و شرحبيل بن حسنة، و يزيد بن أبي سفيان‏ (6)؛ و مات أبو كبشة مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في اليوم الذي دفن فيه أبو بكر (7).

ثم قام عمر بن الخطاب في الناس خطيبا و هي أول خطبة خطبها بعد ما استخلف، فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس! إني لا أعلمكم من نفسي شيئا تجهلونه، أنا عمر بن الخطاب و قد علمتم من هيئتي و شأني، و إن بلاء اللّه عندي في الأمور كلها حسن، و قد فارقني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو عني راض بحمد اللّه، و لم يجد عليّ في شي‏ء (8) من خلقي‏ (8) و أنا (9) أسعد [الناس‏] (10) بذلك إن شاء اللّه، و قمت‏ (11) لخليفته من بعده بحق الطاعة و أحسنت له المؤازرة، و لم‏

____________

(1) زيد بناء على رواية الطبقات 3 ق 1/ 149.

(2- 2) من الطبري 4/ 50، و في الأصل: عمل بمكة.

(3) من الطبري، و في الأصل: منبه.

(4) زيد طبقا لنص الطبري.

(5) في الأصل: نفرا.

(6) و ورد في الطبري و الكامل زيادة عمرو بن العاص و أن كل رجل منهم على جند و عليهم خالد بن الوليد.

(7) كما ذكره في تاريخ الإسلام 2/ 2.

(8- 8) في الأصل: في خلق.

(9) من سمط النجوم 2/ 360، و في الأصل: رآنا.

(10) زيد من السمط.

(11) في الأصل: قعت- كذا.

458

أحرص على القيام عليكم كالذي حرص عليّ‏ (1) و لكن خليفتكم المتوفى أوصى إليّ بالخلافة عليكم برضى منكم، و آلوه‏ (2) الهمة، ذلكم و إياكم، و لو لا الذي أرجو أن يأجرني اللّه في قيامي عليكم لم أقم عليكم و (3) لنحيته عن نفسي‏ (3) و وليته غيري، و قد كنت أرى فيكم أمورا على عهد نبيكم (صلى اللّه عليه و سلم) كدت أكرهها، و يسوؤني منكم، فقد رأيتم تشددي فيها، و الأمر (4) الذي أمر به من فوقي، أريد طاعة اللّه و إقامة الدين فأطعتكم، قد علمتم- أو من علم ذلك منكم- أني قد كنت أفعل ذلك و ليس لي عليكم من سلطان و أكن أهن في شي‏ء منه، و قد ولّاني اللّه اليوم أمركم و لقد علمت [أني‏] (5) أنفع بحضرتكم لكم، فإني أسأل اللّه ربي أن يعينني عليه و أن يحرسني عند ما بقي كما حرسني عند غيره، و أن يلقنني‏ (6) العقل في قسمكم كالذي أمر به، ثم إني مسلم و عبد من عبيده‏ (7) ضعيف إلا ما أعان اللّه، و لن‏ (8) يغير الذي و ليت من خلافتكم من خلقي شيئا إن شاء اللّه، و إنما العظمة للّه، ليس للعباد منها شي‏ء فلا يقولن أحد منكم: إن عمر بن الخطاب تغير لما ولي أمر المسلمين، فمن ظلمته مظلمة فإني أعطيه الحق من نفسي و أتقدم عليكم و أبين لكم أمري، أيما رجل كانت له حاجة إلى أمير المؤمنين أو ظلم بمظلمة أو عتب علينا في حق فليؤذني، فإنما أنا امرؤ منكم، و لم يحملني سلطاني الذي أنا عليه أن أتعظم عليكم، و أغلق بابي دونكم، و أترك مظالمكم بينكم، و إذا منع اللّه أهل الفاقة منكم اليوم شيئا [...] (9) بعد اليوم فإنما هو في‏ء اللّه الذي أفاءه عليكم، لست و إن كنت أمير

____________

(1) في الأصل: عنى.

(2) في الأصل: الده- كذا.

(3- 3) في الأصل: لننجينه عن نفسه.

(4) في الأصل: أمر.

(5) زيد لاستقامة العبارة.

(6) في الأصل: يلفني.

(7) في الأصل: عبيدة.

(8) في الأصل: إن.

(9) بياض في الأصل.

459

المؤمنين [...] (1) و لن أخفى إبقاء، إن كان بيني و بين أحد منكم خصومة (2) أقاضيه إلى أحدكم ثم أقنع بالذي يقضي بيننا فاعلموا ذاك، و إنكم قوم مسلمون على شريعة الإسلام، ثم عليكم بتقوى اللّه في سركم و علانيتكم و حرماتكم التي حرم اللّه عليكم من دمائكم و أموالكم و أعراضكم، و أعطوا الحق من أنفسكم، و لا يحملن بعضكم بعضا إلى أن يوقع إلى السلطان شأنه، فليستعد بي‏ (3) فإنه ليس بيني و بين أحد من الناس هوادة (4)، من منع من نفسه حقا واجبا عليه أو استحل من دماء المسلمين و أعراضهم و أبشارهم فأنا أقتص‏ (5) منه و إن كان يدلي [إليّ‏](6) بقرابة قريبة، ثم إنكم- معشر العرب- في كثير منكم جفاء في الدين و خرق في الأمور إلا من عصمه اللّه برحمة، و إني قد جعلت بسبيل‏ (7) أمانة عظيمة أنا مسئول عنها، و إنكم- أيها الناس- لن تغنوا (8) عني من اللّه شيئا، و إني حثيث‏ (9) على صلاحكم، عزيز عليّ ما عنتم، حريص عليّ معافاتكم و إقامة أموركم، و إنكم إناء من حصل في سبيل اللّه، عامتكم أهل بلد لا زرع [فيها] (10) و لا (11) ضرع إلا ما جاء اللّه به إليه، و إن اللّه قد وعدكم كرامة كبيرة و دنيا بسيطة لكم، و إني مسئول عن أمانتي و [ما] (12) أنا فيه، و لا أستطيع ما [بعد] (12) منها إلا بالأمناء و أهل النصح منكم‏

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) زيد بعده في الأصل، إن.

(3) في الأصل: فليستعدبني.

(4) في الأصل: هواده.

(5) في الأصل: اقتصر.

(6) زيد لاستقامة العبارة.

(7) في الأصل: بسيل.

(8) في الأصل: أن تفنوا- كذا.

(9) في الأصل: حيث.

(10) زيد من فتوح الشام 1/ 59.

(11) من الفتوح و في الأصل: ألا.

(12) ليس في الأصل.

460

للشاهد و الغائب، و لست أجعل أمانتي‏ (1) إلى أحد ليس لها بأهل، و لن أوليه ذلك و لا أجعله إلا من تكون رغبته في أداء الأمانة و التوقير للمسلمين، أولئك أحق بها ممن سواهم؛ اللهم صلى على محمد عبدك و رسولك- و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

و لما ورد كتاب أبي بكر الشام على أمراء (2) الأجناد باستخلاف عمر بايعوه و أطاعوه؛ ثم ساروا إلى فحل‏ (3) من أرض الأردن و قد اجتمع بها الروم و المسلمون عليهم الأمراء الأربعة و خالد بن الوليد على مقدمة الناس، فلما نزلت الروم‏ (4) بيسان بثقوا (4) أنهارها و هي أرض سبخة (5) [فكانت‏] (6) و حلة فغشيها (7) المسلمون و لم يعلموا بما فعلت الروم، فزلقت فيها خيولهم، ثم سلمهم اللّه، و التقوا هم و الروم بفحل فاقتتلوا فهربت الروم و دخل المسلمون فحلا، و انكشفت الروم إلى دمشق، و غنم المسلمون غنائم كثيرة.

و كتب خالد بن الوليد (8) إلى عمر أن الناس قد اجترءوا على الشراب، فاستشار عمر أصحابه عليا و عثمان و الزبير و سعدا فقال علي: إذا شرب سكر، و إذا سكر افترى، و إذا افترى فعليه‏ (9) ثمانون، فأثبت عمر الحد ثمانين.

ثم كانت وقعة الجسر (10)، و ذلك أن المثنى بن حارثة الشيباني قدم على عمر

____________

(1) في الأصل: أماتي.

(2) في الأصل: أمر.

(3) من الطبري 4/ 55، و في الأصل: محل.

(4- 4) من الطبري، و في الأصل: ببيسان نقبوا.

(5) من الطبري، و في الأصل: سجنه.

(6) زيد من الطبري.

(7) في الأصل: فغيسها- كذا، و مبنى التصحيح على الطبري.

(8) و هذه المكاتبة حسب ما ورد في فتوح الشام 1/ 68 جرت بين أبي عبيدة و عمر رضي اللّه عنهما، و لعل هذا راجع إلى طبيعة الاختلاف الذي تعرض له التاريخ الإسلامي بشأن بعض الأحداث و الوقائع.

(9) في الأصل: عليه.

(10) راجع أيضا الكامل 2/ 211 و البداية و النهاية 7/ 26 و تاريخ الإسلام 2/ 5.

461

ابن الخطاب من العراق و قال: يا أمير المؤمنين! إنا بأرض فارس قد نلنا منهم و اجترأنا عليهم و معي من قومي جماعة، فابعث معي ناسا من المجاهدين و الأنصار يجاهدون في سبيل اللّه، فقام عمر بن الخطاب فحمد اللّه و أثنى عليه ثم دعا الناس إلى الجهاد و رغبهم فيه و قال: إنكم- أيها الناس- قد أصبحتم في دار غير مقام بالحجاز، و قد وعدكم اللّه على لسان نبيه كنوز كسرى و قيصر، فسيروا إلى أرض فارس، فسكت الناس لما ذكرت فارس، فقام أبو عبيد (1) بن مسعود الثقفي فقال:

يا أمير المؤمنين! أنا (2) أول من انتدب من الناس، حتى اجتمعوا و أجمعوا على المسير ثم قال: يا أمير المؤمنين! اجتمع الناس، أمر عليهم رجلا من المهاجرين أو من الأنصار، فقال: لا أومر (3) عليهم إلا أول من انتدب منهم، فأمر أبا عبيد (4) فقال: إنه لم يمنعني أن أستعمل عليهم سليط بن قيس إلا أنه رجل فيه عجلة إلى القتال، فأخاف أن يوقع الناس موقعا يهلككم، فاستشره؛ ثم سار أبو عبيد (1) مع المثنى بن حارثة الشيباني و المسلمون معهما حتى [إذا] (5) انتهى إلى بلاد قومه قام معه ربيعة فسار بهم و سار أبو عبيد (2) بالناس حتى نزلوا باليمن و فيها مسلحة الأعاجم، فاقتتلوا بها قتالا شديدا، فانهزمت العجم، ثم بعث أبو عبيد (6) بمن معه من المسلمين فالتقيا، فاقتتلوا فهزم الجالنوس‏ (7) و أصحابه، و دخل أبو عبيد باروسما (8) حصنا لهم، و نزل هو و أصحابه فيه.

ثم بعث الأعاجم ذا الحاجب و كان رئيس الأعاجم رستم، فلما بلغ أبا

____________

(1) من الطبري 4/ 61، و في الأصل: أبو عبيدة.

(2) في الأصل: اجتمع.

(3) من الطبري، و في الأصل: لا آمر.

(4) في الأصل: أبو عبيدة.

(5) زيد لاستقامة العبارة.

(6) في الأصل: أبو عبيدة، و راجع الطبري 4/ 65 للعثور على تفصيل المبعوثين.

(7) من الطبري، و في الأصل: جالوس.

(8) من الطبري، و في الأصل: بارسما.

462

عبيد (1) مسيرهم إليه انحاز (2) بالناس حتى عبر الفرات فنزل في المروحة، و أقبلت الأعاجم حتى نزلت خلف الفرات، ثم إن أبا عبيد (1) حلف: ليقطعن إليهم الفرات، فناشده سليط بن قيس و قال: أنشدك اللّه في المسلمين أن تدخلهم هذا المدخل! فإن العرب تفر و تكر، فاجعل للناس مجالا، فأبي أبو عبيد (3) و قال:

جبنت و اللّه يا سليط (4)! قال: و اللّه ما جبنت! و لكن قد أشرت‏ (5) عليك بالرأي، فاصنع بما بدا لك، فعمد أبو عبيد (3) إلى الجسر الذي عقد له ابن صلوبا، فعبر عليه المسلمون فلما التقوا شد عليهم الفيل، فلما رأى أبو عبيد ما يصنع [الفيل‏] (6) قال:

هل لهذه الدابة من مقتل؟ قالوا: نعم، إذا قطع مشفرها ماتت، فشد على الفيل فضرب‏ (7) مشفره فبرك عليه الفيل فقتله، و هرب المسلمون منهزمين فسبقهم عبد اللّه ابن مرثد الخثعمي إلى الجسر فقطعه، فقال له الناس: لم فعلت هذا؟ قال:

لتقاتلوا (8) عن أميركم.

و لما قتل أبو عبيد (3) أخذ الراية المثنى بن حارثة فانحازوا و رجعت‏ (9) الفرس، و نزل المثنى بن حارثة ألّيس‏ (10) و تفرق الناس فلحقوا بالمدينة، فأول من قدم المدينة بخبر الناس عبد اللّه‏ (11) بن حصين الخطمي‏ (12)، فجزع المسلمون من‏

____________

(1) في الأصل: أبا عبيدة.

(2) من الطبري 4/ 68، و في الأصل: أجاز.

(3) في الأصل: أبو عبيدة.

(4) في الأصل: سليك.

(5) في الأصل: أشرته.

(6) زيد من الطبري 4/ 69.

(7) من الطبري، و في الأصل: فشد.

(8) في الأصل: قاتلوا، و التصحيح بناء على الطبري.

(9) من الطبري، و في الأصل: اجتمعت.

(10) من الطبري، و في الأصل: باللميس- كذا.

(11) زيد في الطبري: بن زيد.

(12) من الطبري، و في الأصل: الخثعمي.

463

المهاجرين و الأنصار بالفرار، و كان عمر يقول: لا تجزعوا! أنا فئتكم‏ (1) إنما انحزتم إليّ‏ (1).

و كان ممن قتل بالجسر: أبو عبيد بن مسعود الثقفي، و ابنه جبر (2) بن أبي عبيد، و أسعد بن سلامة، و سلمة بن أسلم بن حريش، و الحارث بن عدي بن مالك، و الحارث بن مسعود بن عبدة (3)، و مسلم بن أسلم، و خزيمة بن أوس، (4) و أنيس بن أوس بن عتيك بن عامر (4) و عمر بن أبي اليسر، و سلمة (5) بن قيس، و زيد بن سراقة بن كعب، و المنذر (6) بن قيس، و ضمرة بن غزية (7) بن عمرو، و سهل بن عتيك، و ثعلبة بن عمرو بن محصن؛ و حج بالناس عمر بن الخطاب السنة الرابعة [عشرة] (8).

فلما دخلت السنة الرابعة عشرة سار المسلمون إلى دمشق و خالد بن الوليد على مقدمة الناس، و قد اجتمعت الروم إلى رجل منهم يقال له باهان بدمشق، فعزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد و أمر أبا عبيدة بن الجراح على جميع الناس، فاستحى أبو عبيدة أن‏ (9) يقرى خالدا (9) الكتاب و قال: أصبر حتى يفتح اللّه دمشق، فاقتتلوا قتالا شديدا و انهزم الروم و تحصنوا، فرابطها المسلمون حتى فتحت صلحا، و أعطوا الجزية، و كان قد أخذ الأبواب عنوة، و جرى الصلح على‏

____________

(1- 1) من الطبري، و في الأصل: إلى جزعتم إلى.

(2) من الطبري، و في الأصل: جمر.

(3) من الإصابة و تاريخ الإسلام 2/ 7، و في الأصل: عبيد.

(4- 4) في الأصل: أنيس بن أوس و عتيك بن عامر، و في تاريخ الإسلام: أوس بن أوس بن عتيك، و في الإصابة: أنيس بن عتيك بن عامر- فتحرر الخلاف.

(5) الأصل: سلية- كذا.

(6) من الإصابة، و في الأصل: المقدر.

(7) من الإصابة، و في الأصل: عزية.

(8) زيد و لا بد منه، و راجع أيضا الطبري 4/ 82 و 152.

(9- 9) في الأصل و الطبري 4/ 55: يقرأ خالدا، و في تاريخ الإسلام نقلا عن الطبري: يقرأ خالد.

464

يدي خالد (1)، و كتب الكتاب باسمه، و لحق باهان بهرقل، و كان ذلك في رجب، و مدة حصاره دمشق ستة أشهر، فلما فرغ المسلمون من دمشق أقرأ أبو عبيدة خالدا (2) الكتاب، فانصرف خالد إلى المدينة، و قد قيل: إن الصلح جرى على يد أبي عبيدة.

ثم خرج عمر على الناس فقال: إني وجدت من عبيد اللّه ابني ريح شراب و إني سائل عنه، فإن كان مسكرا جلدته، قال السائب بن يزيد: فشهدته‏ (3) بعد ذلك‏ (3) يحده، و كان الذي حده عبد الرحمن بن عبد ثم ضرب أبا محجن الثقفي و ربيعة بن أمية بن خلف المخزومي، وحدهم في الخمر.

ثم أمر عمر (4) من كان بالبلدان التي افتتحت أن يصلوا فيها التراويح في شهر رمضان، و صلى بالناس بالمدينة كذلك.

ثم قدم جرير بن عبد اللّه البجلي من اليمن على عمر في ركب من بجيلة فقال لهم عمر: إنكم قد علمتم ما كان من المصيبة في إخوانكم بالعراق، فسيروا إليهم و أنا أخرج لكم من كان منكم في قبائل العرب، قالوا: نفعل يا أمير المؤمنين، فأخرج إليهم‏ (5) قيسا و كندة (5) و عرينة، و أمر عليهم جرير بن عبد اللّه البجلي، فسار بهم إلى الكوفة، فلما بلغ قريبا من المثنى بن حارثة كتب له المثنى: أقبل إليّ إنما أنت لي مدد، فكتب إليه جرير: إني لست فاعلا إلا أن يأمرني بذلك أمير المؤمنين:

أنت أمير و أنا أمير! ثم سار جرير نحو الجسر فلقيه‏ (6) مهران بن باذان‏ (6) عند النخيلة فاقتتلوا قتالا شديدا، و شد المنذر بن حسان [على مهران‏] (7) فطعنه فوقع عن‏

____________

(1) و راجع في البداية و في النهاية 7/ 23 اختلاف العلماء في دمشق هل فتحت صلحا أو عنوة.

(2) في الأصل: خالد.

(3- 3) من فتح الباري- باب الباذق من الأشربة، و في الأصل: كالفر- كذا.

(4) ألم به في الكامل 2/ 241، و في مروج الذهب 1/ 426.

(5- 5) و في الطبري 4/ 77: قيس كبة و سحمة.

(6- 6) من الطبري 4/ 78، و في الأصل: بحران بن بازان.

(7) زيد من الطبري.

465

دابته، و اقتحم عليه‏ (1) جرير بن عبد اللّه فاحتز رأسه، فاشتركا جميعا في سلبه.

ثم إن عمر بن الخطاب أمر سعد بن أبي وقاص على العراق و معه ستة آلاف رجل، و كتب إلى المثنى بن حارثة و جرير بن عبد اللّه أن اجتمعا إلى سعد، فسار سعد بالمسلمين، و سار المنذر و جرير إليه، حتى نزل سعد (2) بشراف و شتا (2) بها و اجتمع إليه الناس، و تزوج سعد امرأة [المثنى سلمى بنت‏] (3) حفصة (4)؛ ثم حج بالناس عمر بن الخطاب‏ (5).

فلما دخلت السنة الخامسة (6) عشرة كان فيها وقعة اليرموك، و ذلك أن الروم سار بهم هرقل حتى نزل أنطاكية و معه من المستعربة (7) لخم و جذام‏ (8) و بلقين و بلى و عاملة و غسان، و من معه من أهل أرمينية بشر كثير، فأقام بأنطاكية، و سار أبو عبيدة بن الجراح في المسلمين إليهم في أربعة [و] (9) عشرين ألفا، و كان الروم مائة ألف، فالتقوا باليرموك‏ (10) فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كانت نساء قريش يضربن بالسيوف، و كان أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد، فجعل ينادي في المعركة: يا نصر اللّه! اقترب‏ (11)، حتى أنزل اللّه نصره و هزم الروم، فقتل من الروم‏

____________

(1) زيدت الواو بعده في الأصل، و لم تكن في الطبري فحذفناها.

(2- 2) من الطبري، و في الأصل: بسراف و نبنا- كذا.

(3) زيد بناء على ما ورد في الطبري 4/ 136: و مات المثنى بن حارثة و تزوج سعد بن أبي وقاص امرأته سلمى.

(4) في الإصابة كما هنا، و في الطبري: خصفة، و في البداية و النهاية 7/ 44: حفص.

(5) راجع الطبري 4/ 152.

(6) في الأصل: خامس.

(7) من الطبري 4/ 136، و في الأصل: المسعرية- كذا.

(8) من الطبري، و في الأصل: جزام.

(9) زيد من الطبري.

(10) و هذا في رجب، كما صرح به في الطبري.

(11) راجع لذلك تاريخ الإسلام 2/ 10.

466

و من معه من أهل أرمينية و المستعربة سبعون ألفا، و قتل [اللّه‏] (1) (2) الصقلار و باهان‏ (2) رئيسين لهم.

ثم بعث أبو عبيدة بن الجراح عياض بن غنم في طلبهم، فسلك الأعماق حتى بلغ ملطية (3)، فصالح أهلها على الجزية، فسمع هرقل بذلك فبعث إلى ملطية (4) فساق‏ (5) من فيها من المقاتلة و أمر بها (6) فأحرقت.

و كان ممن قتل باليرموك من المسلمين: عمرو بن سعيد (7) بن العاص، و أبان ابن سعيد (7) بن العاص، و عبد اللّه بن سفيان بن عبد الأسد، و سعيد بن الحارث بن قيس.

و لما حسر عن سعد بن أبي وقاص الشتاء (8) سار بالمسلمين يريد القادسية، و كتب إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يستمده، فبعث [إليه‏] (9) عمر المغيرة بن شعبة في أربعمائة رجل مددا (10) لسعد من المدينة، و كتب [إلى‏] (9) أبي عبيدة (11) بن الجراح أن أمد (12) سعدا بألف رجل من عندك، ففعل أبو عبيدة ذلك و أمر عليهم عياض بن غنم الفهري؛ و سمع بذلك رستم فخرج بنفسه مع من عنده‏ (13) من‏

____________

(1) زيد من الطبري 4/ 137.

(2- 2) من الطبري، و في الأصل: السقلان و هامان.

(3) من الطبري و في الأصل: ملكية.

(4) في الأصل: مليكه.

(5) من الطبري، و في الأصل: نصاق.

(6) في الأصل: من فيها، و التصحيح بناء على الطبري.

(7) من الطبري، و في الأصل: سعد.

(8) من الطبري، و في الأصل: الستا- كذا.

(9) زيد من الطبري 4/ 137.

(10) من الطبري، و في الأصل: بردا- كذا.

(11) من الطبري، و في الأصل: أبو عبيدة.

(12) من الطبري، و في الأصل: أمر.

(13) في الأصل: عمد.

467

الأعاجم يريد سعدا، و حج عمر بالناس.

فلما كانت السنة السادسة (1) عشرة أراد عمر بن الخطاب أن يكتب التأريخ، فاستشار أصحاب النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، منهم من قال: من النبوة، و منهم من قال: من الهجرة، و منهم من قال: من الوفاة (2)، فأجمعوا على الهجرة، و كتب التأريخ لسنة ست عشرة من الهجرة.

فلما وصل إلى سعد بن أبي وقاص المغيرة بن شعبة سار بالمسلمين إلى رستم حتى نزل قادس‏ (3) [قرية] (4) إلى جنب العذيب، و أقبل رستم في ستين ألفا من المجموع ممن أحصى [في‏] (5) ديوانه سوى التبع و الرقيق حتى نزل القادسية [و] (5) بينهم و بين المسلمين جسر القادسية، و سعد في منزله وجع قد خرج به قرح شديد، فبعث رستم إلى سعد أن ابعث إليّ رجلا جلدا أكلمه‏ (6)، فبعث إليه المغيرة ابن شعبة، ففرق المغيرة رأسه أربع فرق ثم عقص شعره و لبس برديه‏(7)، و أقبل حتى انتهى إلى رستم من وراء الجسر مما يلي العراق و المسلمون من الناحية الأخرى مما يلي الحجاز، فلما دخل عليه المغيرة قال له رستم: إنكم معشر العرب! كنتم أهل شقاء و جهد و كنتم تأتوننا من بين تاجر و أجير و وافد، فأكلتم من طعامنا و شربتم من شرابنا و استظللتم بظلالنا فذهبتم فدعوتم أصحابكم و جئتم تؤذوننا، و إنما مثلكم مثل رجل له حائط (8) من عنب‏ (8) فرأى فيه أثر ثعلب فقال: و ما

____________

(1) في الأصل: السادس.

(2) في الأصل: الوفات، و كتابة التأريخ هذه قد ألم بها في الطبري 4/ 188.

(3) من الطبري 4/ 138، في الأصل: قارس.

(4) زيد من الطبري.

(5) زيد من الطبري.

(6) من الطبري، و في الأصل: لكلمة.

(7) في الطبري، بردا له.

(8- 8) من الطبري 4/ 138، و في الأصل: مر فيه- كذا. و راجع أيضا الطبري 4/ 110.

468

بثعلب‏ (1) واحد! فانطلق ذلك الثعلب حتى دعا الثعالب‏ (2) كلها إلى ذلك الحائط، فلما اجتمعن‏ (3) فيه جاء صاحب الحائط فرآهن، فسد الجحر الذي دخلن منه ثم قتلهن جميعا، و أنا أعلم إنما حملكم على هذا- معشر العرب! الجهد الذي أصابكم، فارجعوا عنا عامكم هذا، فإنكم شغلتمونا عن عمارة بلادنا و نحن نوقر (4) لكم ركائبكم‏ (5) قمحا و تمرا (5) و نأمر لكم بكسوة فارجعوا عنا، فقال المغيرة بن شعبة: لا يذكر منا جهد إلا و قد كنا في‏ (6) مثله أو أشد (6)، أفضلنا في أنفسنا [عيشا] (7) الذي يقتل ابن عمه و يأخذ [ماله‏] (7) فيأكله، نأكل الميتة و الدم و العظام، فلم نزل على ذلك حتى بعث اللّه فينا نبينا و أنزل عليه الكتاب، فدعانا إلى اللّه و إلى ما بعثه به، فصدقه به منا مصدق و كذبه به منا مكذب، فقاتل من‏ (8) صدقه من كذبه حتى دخلنا في دينه من بين موقن و مقهور حتى استبان لنا أنه صادق و أنه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأمرنا أن نقاتل من خالفنا، و أخبرنا أن من قتل منا على ذلك‏ (9) فله الجنة، و من عاش ملك و ظهر على من خالفه، و نحن ندعوك إلى أن تؤمن باللّه و برسوله و تدخل في ديننا، فإن فعلت كانت لك بلادك، و لا يدخل‏ (10) عليك فيها إلا من أحببت، و عليك الزكاة و الخمس، و إن أبيت [ذلك‏] (7) فالجزية، و إن أبيت ذلك قاتلناك حتى يحكم اللّه بيننا و بينك.

قال [له‏] (7) رستم: ما كنت أظن أن أعيش حتى أسمع هذا منكم معشر

____________

(1) في الطبري: ثعلب.

(2) من الطبري، و في الأصل: ذلك الثعاليب.

(3) من الطبري، و في الأصل: اجتمعنا.

(4) من الطبري، و في الأصل: نوف.

(5- 5) من الطبري، و في الأصل: فمخا و ثمرا.

(6- 6) من الطبري، و في الأصل: مثلها و أشر- كذا.

(7) زيد من الطبري.

(8) من الطبري، و في الأصل: عن.

(9) في الطبري 4/ 139: دينه.

(10) من الطبري، و في الأصل: لا ندخل.