الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف‏ - ج2

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
247 /
308

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

بيان أقوال الطائفة المجبرة و ردها

قال عبد المحمود لما اعتبرت مقالة هذه الفرقة الشيعة رأيت عقائدهم و قواعدهم موافقة للعقول المرضية و الشرائع السالفة الإلهية و شرعت أنظر في ظواهر عقائد المذاهب الأربعة فرأيتها كما قالت الشيعة على صفات عجيبة أما أصحاب مالك و أصحاب الشافعي و أصحاب أحمد بن حنبل و من وافقهم على اعتقاد المجبرة فإنهم اتفقوا جميعا على أن جميع ما في العالم من حركات‏

309

و سكنات و مكروهات و محبوبات و مستحسنات و مستقبحات فإنها من فعل الله في العباد و قوم منهم ذكروا أن الله سبحانه قهرهم و منعهم من الاختيار في كل مكروه أو مراد و يلحق بهؤلاء من كان منهم يقول إن الله يخلق الأعمال و العبد يكتسبها منه لأن الكسب عندهم لا يوجبها و لا يوجدها و إنما يوجبها و يوجدها على قولهم الله تعالى و هي صادرة عنه.

و يقال لهم هل يقدر العبد على ترك الكسب فإن قالوا نعم فقد قالوا بالاختيار و حصل الوفاق و إن قالوا لا يقدر على ترك الكسب فقد ساووا المجبرة في تصريحهم بأن العباد مجبورون و مقهورون.

ثم يقال لمن قال منهم إن العباد مجبرون ما معنى قولكم إنهم مجبرون فإن العقلاء ما يعرفون حقيقة الجبر للعبد إلا إذا كان العبد مختارا فجبره غيره و منعه من اختياره و أنتم تزعمون أن العبد ما كان مختارا قط و لا كان له فعل على الحقيقة فما معنى قولكم إن العباد مجبرون أ فلا يتفكرون فيما يقولون فما نراه إلا خلاف اصطلاح العقلاء و ضد تحقيق الفضلاء.

و زاد عليهم من كان يذهب من أتباع أحمد بن حنبل إلى أن الله جسم مستقر على عرشه بجوارح بشرية و قال قوم منهم إن الله تعالى ينزل إلى الأرض في صورة شاب و رووا في ذلك أخبارا يكذبها العقول الصحيحة.

فأما الذين ذهبوا إلى أن الله جبر العباد و قهرهم على معصيته و منعهم عن طاعته و أن كلما ظهر أو وقع منهم فإنه منه و أنه لا فاعل سواه فما أدري كيف التبس عليهم أنهم فاعلون بالاختيار و كل عاقل يعلم من نفسه بل من غيره أيضا ضرورة بديهية أنه فاعل بالإيثار و إذا جهل الإنسان هذا من نفسه و هو أوضح من جميع البديهيات فكيف يبقى له طريق إلى شي‏ء من العلوم و الدلالات.

و يدل على أن الجاحدين لما قلناه مكابرون أن الإنسان إذا رماه إنسان بحجر

310

فإنه يذم الرامي متى علم منه القصد لأذاه و يذمه كل من علم ذلك منه من العقلاء و لو كان يعلم أحد من العقلاء أو يجوز أن الله قد أكره الرامي على الرمي كما أن الحجر مكره على الرمي لكان الحجر و الرامي سواء و المعلوم عند جميع العقلاء خلاف ذلك و يغلب الظن أن إبليس ما كان يطمع أن يبلغ هذه الغاية من إضلالهم و التلبيس عليهم و لا أعلم من أي طريق دخل عليهم و لأي ذنب أعمى أبصارهم و أفسد عقولهم حتى قالوا هذا و احتملوا ما لا يرضى أحد بقوله و يستبعد ممن يعتقد ذلك أو يلزم به قولا أن ينفعه دلالة أو هداية و إذا كان عقول هؤلاء قد بلغت من النقصان أو المرض إلى أنهم لا يعرفون من أنفسهم أن أفعالهم منهم أو يستحسنون المكابرة و الجحود لذلك مع العلم به.

فبأي سبيل يفهمون أو يقبلون ما يقال لهم أو بأي دين يرجعون إلى الحق إذا ورد عليهم شبهة.

و مما يستدل به على اختلاف عقولهم أو مكابرتهم للحق أنه لو كان الأمر كما ذكروه من أنه لا فاعل في العالم سوى الله كان يلزمهم أن يكون الله قد أرسل الرسل إلى نفسه و أنزل الكتب على نفسه و كان كل وعد و وعيد و تهديد صدر على لسان الملائكة و الأنبياء و الرسل و الأوصياء و في كتبه فإنه يكون على قول المجبرة قد وعد بذلك نفسه و توعد لنفسه و تهدد نفسه و هذا قول ما صرح به أحد من العقلاء و ذوي الألباب. و هذا الإلزام يلزم المجبرة أكثر من سائر الإلزامات لأنه إذا ما كان في العالم فاعل سوى الله تعالى فإلى من أرسل الرسل و على من أنزل الكتب و لمن تهدد و لمن وعد و توعد و لمن يأمر و ينهى فقد بان لك أن كل من قال بقول المجبرة و اعتقده على غاية من الضلال و اختلال الأحوال.

ثم إذا كان عندهم يجوز أن يضل العباد و يجبرهم على الفساد و يلبس عليهم‏

311

بالمحال و يصدق بالمعجزات الكذابين و يظهر الدلالات الباهرات على يد المبطلين فكيف يبقى لهم طريق إلى إثبات نبوة نبيهم و غيره من الأنبياء و من أين يعرفون صحة شريعته.

و لو أن العبد ليس له فعل فما معنى قوله تعالى‏ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ‏ (1) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ‏ (2) لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏ (3) لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ‏ (4). و على هذا فكفر الكافر موافق لرضا الله و مبرز لفعله و الرضا بقضاء الله و قدره واجب و يلزم تعطيل الحدود و القصاص و إن المعاصي لا نهي عنها لا الزناء و لا اللواط و لا الشرب و لا القذف و لا السرقة و لا سفك الدماء و لا الطنبور و النرد و غيرها و كلها برضا الله و قدره.

و حكي أن سارقا من المجبرة أرادوا قطع يده فقال أعوذ بالله من قضائه فقال العدلي أخرجوه فإن قوله هذا أقبح من سرقته.

و كان ينبغي أن لا ينهى عن المنكر على مذهب الجبري و كان قول إبليس‏ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي‏ صحيحا على مذهب الجبري.

و لقد رأيت بعضهم يعتذر عن هذا الطعن و يدعي أنهم يعلمون بالضرورة و البديهة أن معجزات نبيهم كانت حقا لتصديقه فقلت له أيها الشيخ هذا من جملة البهت و المكابرة التي أقدمتم عليها و قلتم إنكم ما تعلمون أن أفعالكم منكم و إلا إذا كان الله تعالى يجوز أن يضل و يلبس بل تذكرون عنه أنه قد أضل و لبس و منع من الإسلام و الطاعات و قهر العباد على الضلال و المعاصي‏

312

فكيف يصح على قولكم أن يوثق منه أنه فعل المعجزات للتصديق أو كيف يبقى لأحد منكم طريق إلى أن الله تعالى فعل شيئا من أفعاله سبحانه لغرض من الأغراض فما أقبح هذه المكابرة منكم.

ثم و لو قدرنا أنه يترجح في نفوسكم أن المعجزات للتصديق فمن أين لكم أن ذلك الترجح علم ضروري.

أ ليس في مقدور الله تعالى أن يكون قد ركب في طبائعكم و عقولكم على ما قد وصفتموه به من الإضلال للعباد و التلبيس عليهم و إذا كان عندكم أن التلبيس يقع منه فلا تأمنوا أن يجعل اعتقادكم الباطل كأنه علم و يكون قد أضلكم بذلك أ و لستم تجدون النائم يرى في منامه كان جسده في بلاد بعيدة و كأنه في مهمات و مسار و أكدار و يكون في حال نومه معتقدا لذلك حتى كأنه عالم علما ضروريا ثم لما استيقظ عرف أن ذلك ما كان علما ضروريا و لا ظنا صحيحا و لا ممكنا فلعلكم في الحياة الدنيا نيام و كلما تعتقدونه يكون محالا و تلبيسا أو أضلكم الله به كما ذكرتم عنه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

و هذا ما يلزم إلا من قال بقولكم و اعتقد اعتقادكم و أما غيركم من المسلمين الذين يعتقدون أن الله على أكمل غاية من العدل و الحكمة فإنهم يعلمون أن عدله و حكمته يقتضي عدم التلبيس على عباده و يمنعه سبحانه أن يظلمهم.

و أما أنتم أيها المجبرة و كل من وصف الله تعالى بذلك و اعتقد فيه أنه يضل العباد و يلبس عليهم و علم أنه سبحانه قادر على كل مقدور فإنه يلزم لهذا القائل المجبر ألا يثق بشي‏ء من عقائده و لا أحواله و لا ظنونه و لا شكوكه فقد ظهر لكل عاقل أن المجبرة لا طريق لهم إلى شي‏ء من العلوم البديهية و لا المكتسبة و لا إلى معرفة الثواب و لا الشرائع ما داموا على اعتقادهم و أنهم إما ناقصوا

313

العقول أو مكابرون و أنهم لا دين لهم و أن الذي يظهرونه من الأديان إما تقية أو على غير قاعدة مرضية.

قال الخوارزمي و هو من أعيان علماء الإسلام في كتابه الفائق فأما المجبرة فإن شيوخنا كفروهم و إن قاضي القضاة حكى عن الشيخ أبي علي أنه قال المجبر كافر و من شك في كفرهم فهو كافر ثم شرح تصديق ذلك القول و تحقيقه.

و من طرائف ما تعتقده المجبرة أنهم يعتقدون أنه يجوز من الله في عقولهم مع عدله و حكمته أن يجمع الأنبياء و المرسلين و الملائكة المقربين و عباده الصالحين فيخلدهم في الجحيم و العذاب الأليم أبد الآبدين و يجمع الكفار و الملحدين و الزنادقة و المنافقين و الأباليس و الشياطين و يخلدهم في الجنة و النعيم أبد الآبدين و زعموا أن ذلك يكون إنصافا منه و عدلا و ركبوا في ذلك مكابرة و جهلا و لعل قد كان للمجبرة سلف في عقولهم نقص أوجب مثل هذا الاعتقاد و جاء الخلف مقلدا للسلف و محبا للمنشأ و سنة الآباء فإن كان ذلك كذلك فأي عذر للمتأخرين من الأحباء و الأبناء في اتباع السلف و الآباء على الضلال في أمر لا يخفى على أدنى العقلاء.

و إن كانت المجبرة قصدت بقولها أن أفعالهم من فعل الله تعالى فيهم و أنهم بريئون منها بحيث لا يلومهم العقلاء على ما يقع منهم من القبائح و الفضائح و الظلم و العدوان و حتى يعذرهم الأنبياء في ترك القبول منهم فقد كان للمجبرة في غير الله متسع أن يعبدوا كل من أرادوه ما أحسن ما يقرءونه في كتابهم‏ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏ (1) و لا كان هذا قدر جلالته و عظمته و لا جزاء لإحسانه و نعمته.

314

و من طرائف ما رأيت في كتبهم و سمعته عنهم أن المجبرة قالوا متى اعتقدوا أن أفعالهم منهم صار العباد شركاء الله تعالى فاقتضى التعظيم لله أن يكون الأفعال كلها من بني آدم و غيرهم من الله.

فأقول أيها القوم سود الله وجوهكم كما سودتم وجه ما وهبكم الله من البصائر أي شركة يكون لعبد لم يكن شيئا مذكورا فأوجده الله بعد العدم و أي تعظيم لله في أن ينتسب خسائس العبيد و رذائلهم إليه و متى كانت العقول تشهد أن المَلِك يتكمل بأن يكون همته كهمة عبده و تدبيره مثل تدبير عبده و أي نسبة بين جلالة الله و حقارة عبده حتى يتكمل سبحانه بنسبة أفعالهم القاصرة و تدبيراتهم الناقصة إليه. و من عجيب ما يفهمونه و يتفوهون به أن يقال لهم عرفونا مرادكم بقولكم أن العبد يصير شريكا لله فإن أردتم ما ادعيتموه من الكسب فأنتم قد أثبتم الشركة على قولكم بين العبد و بين الله عند من ذهب منكم إلى ذلك فلأي حال عدلتم عن الإنكار على أنفسكم و عدتم إلى قول من يقول إن العبد مستقل بالفعل و لم يجعل الفعل مشتركا بينه و بين الله تعالى و أما من ذهب منكم إلى أنه لا فاعل سوى الله تعالى فقد تقدم و سيأتي من الجواب له ما لا يقدر على دفعه بحجة أبدا.

و إن قصدتم بالرد على أهل العدل التمويه منكم بأنه إذا انفرد الله تعالى بأفعال نفسه و انفرد العباد بأفعالهم أن ذلك يكون شركة فما عرفنا أن العقل يقتضي أن مع الانفراد في الأحوال و الأعمال يكون شركة في تلك الأفعال في حال انفراد كل فاعل بفعله و لو لا سوء توفيقكم و فساد طريقكم ما كان هذا مما ينسبه عاقل إلى نفسه.

و إن كان مرادكم بطريق أن العبد يقع منه فعل الرب فلو فكرتم عرفتم أن‏

315

هذا لا يقع أبدا و كيف يكون فعل فاعل لذاته و هو الله سبحانه كفعل فاعل لغيره/ و هو العبد و لو قدرنا و هو تقدير لا يقع أن العبد يقع منه فعل مثل فعل الله تعالى ما اقتضى كونه يفعل مثل فعل الله أن يكون شريكا لله تعالى فإن العقلاء المتفرقين و المنفردين و المتقاطعين نجد في أفعالهم مثل أفعال من فارقوه و قاطعوه و ما اقتضى التماثل في الأفعال الشركة بينهم بحال من الأحوال عافاكم الله من هذا الاختلال.

و من طرائف ما رأيت للمجبرة أنهم يذكرون أنه متى اعتقدوا أن العباد يقدرون أن يفعلوا شيئا باختيارهم كان ذلك دليلا على عجز الله حيث يقع منهم ما لا يريد من المعاصي فأقول ما أحوجكم إلى طبيب يداوي ما أمرضتموه من عقولكم و إلى متى لا ينجلي هذه الظلمة عن بصائركم أي عجز يلحق بالمالك إذا كان عبده مختارا سواء فعل العبد ما يكره المولى أو ما يحب و من المعلوم أنه لو أراد المولى قهر عبده قهره أو موته أماته فأي عجز هاهنا للمولى و أي مقاهرة أو مغالبة للعبد.

و مما يدل على غلطهم في ذلك أيضا أن كل عاقل يعلم أن سلطان الإسلام يؤثر أن يكون اليهودي الوحيد الضعيف مظهرا للإسلام و مع هذا فإن اليهودي على خلاف ما يريد السلطان و لا يدل ذلك على عجز سلطان الإسلام عن قهر اليهودي على إظهار الإسلام و لا يعتقد عاقل أن السلطان عاجز لأجل بقاء ذلك اليهودي على إظهار كفره.

و مما يدل على غلطهم أيضا أن كل عاقل يعلم أن السلطان إذا أقطع مملوكا له أقطاعا و قال له قد مكنتك في هذه الأقطاع و الرعية مدة معلومة عندي فإن أحسنت إليهم جازيتك بالإحسان و إن أسأت إليهم عاقبتك فمضى المملوك إلى أقطاعه فظلم الرعية و سار فيهم بخلاف ما يريد السلطان أ فيكون ذلك‏

316

دليلا على عجز السلطان عن عزل المملوك و مؤاخذته.

أ و يشك عاقل أن صبر السلطان على ذلك حتى يأتي وقت المدة التي عينها للمجازاة على الإحسان أو المؤاخذة على العصيان مما يدل على قوة قدرة السلطان و اتساع الإمكان حيث إنه يقدر على تعجيل المؤاخذة و النقمة و يصبر مع القدرة فكيف جعلوا ما يدل على القوة و سعة القدرة دليلا لهم على العجز أعاذنا الله و كل عاقل من مثل جهلهم السخيف النازل.

و من طرائف أمر المجبرة أنهم يدعون الاعتراف بصدق نبيهم و ثبوت كتابهم و قد اعتبرت القرآن فما رأيت إلا متضمنا لاعتذار الكفار و الظالمين إلى الله يوم القيامة بأنهم أضلهم غير الله و ما وجدت أحدا منهم اعتذر إلى الله تعالى و قال له يا رب أنت قضيت علينا معصيتك و أنت منعتنا عن طاعتك فإنه في يوم القيامة ينكشف الأمور كشفا واضحا لا يبقى فيها شبهة و ما نراهم إلا أنهم تارة أقروا أن المعاصي منهم فقالوا رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ‏ (1) و ما قالوا ربنا فارجعنا تعمل غير الذي كنت تعمل و قالوا و هم في النار رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ‏(2) و ما قالوا فإن عدت و قال بعضهم‏ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ‏ (3) و ما قال لعلك تعمل صالحا فيما تركت أنت و قال‏ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى‏ عَلى‏ ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ‏ (4) و ما قال ما فرطت في جنبي و إذا كان العباد ما فعلوا شيئا.

317

فممن هذا التحسر و التفريط و التقصير و على ما ذا يندم النادمون و يبكي الباكون و مثل هذا في كتابهم كثير و من العجب أن الشيطان يعترف لهم أنه أضلهم و غرهم و يشهد الله لهم عليه بذلك و ينزهون الشيطان من اعترافه و لا يقبلون شهادة الله تعالى عليه.

أما اعتراف الشيطان فهو في مواضع كثيرة منها قوله‏ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ‏ (1) و أما شهادة الله لهم عليه بذلك فهو في مواضع منها قوله تعالى‏ الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى‏ لَهُمْ‏ (2) فردوا على الله شهادته و نزهوا الشيطان عن اعترافه بضلالهم و غرورهم و قالوا ما أضلهم إلا الله.

و من طرائف أعذارهم يوم القيامة بما يدل على تنزيه الله من أفعال عباده قولهم‏ رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (3) فلو كان هؤلاء قد وجدوا يوم القيامة أن الذين أضلهم في الدنيا هو الله وحده ما كانوا اعترفوا به على أنفسهم و لا ادعوه على ساداتهم و كبرائهم ثم لو كانوا قد علموا أن الله تعالى هو المضل لهم فعلى من يدعون و من يلعنون.

و من طرائف أعذارهم الدالة على تنزيه الله تعالى قولهم‏ رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ‏ (4) فإن‏

318

كانوا قد علموا أن الله أضلهم فمن يجعلون تحت أقدامهم و على من هذا التظلم و ممن هذا التألم.

و من طرائف أعذارهم الدالة أيضا على تنزيه الله سبحانه عن أفعال عبيده قولهم‏ وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ‏ (1) فإذا كانت هذه أعذارهم و أقوالهم يوم يكشف الأسرار و تحقق الأخبار فهلا اعتذرت المجبرة في الدنيا بذلك و قالوا الآن من الأعذار ما يريدون أن يقولوه يوم القيامة و لو كانت أعمالهم من الله جل جلاله كانوا قد اعتذروا إليه سبحانه تعالى بذلك أو كان يعتذر به بعضهم و يقولون يا ربنا أنت منعتنا من الإيمان و خلقت فينا الظلم و العدوان فأي ذنب لنا فإن كتابكم يشهد أن بعض الخلائق يكابرون الله و يجحدونه حتى يقولوا وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ‏ فقال‏ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ‏ (2) و قال في كتابهم‏ فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ (3) فمن أقدم على هذه المكابرة لله بالكذب لو كان يعلم أن الله تعالى فعل ذلك ما كان يحتاج إلى هذه المكابرة و كان يقدر أن يقول له يا رب أنت فعلت و نحن ما فعلنا شيئا.

و من طرائف ذلك قوله تعالى‏ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ‏ يدل على تعجبه منهم كيف أنكروا أنهم أشركوا فلو كان هو الذي فعل فيهم الشرك و قضاه عليهم فممن كان يتعجب و إن كان هو الذي قهرهم يوم القيامة على هذا الجحود و الإنكار فهل كان يقع من أحكم الحاكمين و أعدل العادلين أنه يتعجب منهم و هو الذي فعله فيهم و هل يكون التعجب على قولهم إلا من نفسه‏

319

تعالى الله عما سلكته المجبرة من سوء المسالك و عظيم المهالك.

و من طرائف ما يدل على بطلان قول المجبرة ما تضمنه كتابهم في قوله‏ وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (1) فإن كان هو الذي قتل المؤمن و قضاه و قهر عليه فعلى من يغضب و لمن يتهدد و يلعن و كذا قوله‏ فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ‏ (2) يعني أغضبونا فلو كان هو الذي فعل أفعالهم لكان هو الذي أغضب نفسه و إلا فمن أغضبه و آسفه فما أقبح قول المجبرة و ما أسخفه.

قال عبد المحمود و الله أيها المجبرة إني أستقبح لكم أن تجحدوا حقوق الله عليكم و إحسانه إليكم و تتركوا ما يلزمكم من التعظيم لإلهيته و ما يجب من العبودية في خدمته و تنزهون أنفسكم و الشيطان و ساداتكم و كبراءكم و من أضلكم من الجن و الإنس و المجرمين و تبرءونهم من الكفر و المعاصي و الرذائل و تنسبوها إلى الله جل جلاله لا تفعلوا و استحيوا من ربكم و تأدبوا معه و توبوا إليه من هذا الاعتقاد قبل يوم المعاد فإنه‏ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ‏ و يُحِبُّ التَّوَّابِينَ‏ فإنكم على خطر عظيم في الدنيا و الدين.

و قد شمت بكم أهل الذمة و سائر من عرف حالكم من أهل الملل الشاهدة لله بالعدل و صرتم مضحكة لهم و زهدتم أعداءكم في الإسلام و صاروا يعتذرون إليكم بما ذكرتموه عن الله من كونه يضل عباده و يقولون لكم ما يخلينا ربكم نتبع ما تريدون و نقبل ما تشيرون و إذا خلا أهل الذمة و جماعة من أهل العدل في مجالسهم فكثيرا بكم يستهزءون و عليكم يضحكون و لله در ابن الحجاج حيث يقول‏

320

المجبرون يجادلون بباطل* * * و خلاف ما يجدونه في القرآن‏

كل مقالتها الإله أضلني* * * و أرادني ما كان عنه نهاني‏

أ يقول ربك للخلائق آمنوا* * * جهرا و يجبرهم على العصيان‏

إن صح ذا فتعوذوا من ربكم* * * و ذروا تعوذكم من الشيطان‏

.

و من طرائف ما تكثر المجبرة الاحتجاج به لأنفسها قوله تعالى‏ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏ (1) و ما أرى لهم في ذلك عذرا و لا حجة لأنه‏ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ‏ و كذلك يقول أهل العدل لأنهم يقولون إن الأفعال التي يفعلها سبحانه فإنه لا يسأل عنها فمن أين ثبت أن أفعال العباد المنكرة التي يقع منهم عيانا و مشاهدة أنها في باطن الحال واقعة من الله و أن عباده منزهون عنها حتى يحتجون لكفرهم و ظلمهم و قبائحهم بقوله‏ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ‏ ثم و إلى من أشار بقوله‏ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏ و عند المجبرة لا فاعل سواه فمن هم الذين يسألون و هذا الكلام المحكم يشهد تصريحا و تحقيقا أن ما يختص به من الأفعال لا يسأل عنها و ما تختص به عباده من الأفعال فإنهم يسألون عن ذلك و لو كان هو فاعلا لأفعال عباده كأفعال نفسه لكانت متساوية في أنها لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ‏ عن جميعها و هذا واضح لمن كان له أدنى عقل و سلم من ظلمة الجهل. و من طرائف أخبار المجبرة الشائع بينهم الذي يعتمد كثير منهم عليه‏

و قد رووه و سبروه و سطروه عن نبيهم و يشهد العقل و الاعتبار أن نبيهم ما قاله و لا سمعه منه أحد و لئن كان قاله ليكون له تأويل غير ما يذكرونه و هو أنهم ذكروا

أن الله قبض من ظهر آدم ذريته و قال هؤلاء إلى النار و لا أبالي و قبض قبضة أخرى و قال هؤلاء إلى الجنة و لا أبالي.

و قد ذكر الغزالي الحديث في كتاب إحياء علوم الدين في عدة مواضع‏

321

فمنها في الكتاب المذكور في كتاب الرجاء و الخوف في أواخر قول الغزالي بيان أقسام الخوف بالإضافة إلى ما يخاف منه فقال الغزالي في تشبيه عدم رحمة الله بعباده و قسوته عليهم و قلة مبالاته بهلاكهم ما هذا لفظه إن السبع يخاف لا لجناية سبقت إليه منك بل لصفته و بطشته و سطوته و كبره و هيبته و لأنه يفعل ما يفعل و لا يبالي فإن قتلك لم يرق قلبه و لا يتألم بقتلك و إن خلاك لم يخلك شفقة عليك و إبقاء على روحك بل أنت عنده أخس من أن يلتفت إليك حيا كنت أو ميتا بل إهلاك ألف مثلك و إهلاك نملة عنده على وتيرة واحدة إذ لا يقدح/ ذلك في عالم سبعيته و ما هو موصوف به من قدرته و سطوته‏ وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏ و لكن من عرفه عرف بالمشاهدة الباطنة التي هي أقوى و أوثق و أجلى من المشاهدة الظاهرة أنه صادق في قوله هؤلاء إلى الجنة و لا أبالي و هؤلاء إلى النار و لا أبالي و يكفيك من موجبات الهيبة و الخوف المعرفة بالاستغناء و عدم المبالاة (1).

قال عبد المحمود انظر رحمك الله إلى هذا الخبر الذي قد تلقاه هذا الشيخ الموصوف بالعقل و الفضل بالقبول ثم ما كفاه ذلك حتى ادعى أنه يعلم ذلك بالباطن و ما أدري كيف التبس بطلان هذا الخبر عليه و على هؤلاء الأربعة المذاهب و كل العقلاء مجمعون مع اختلاف مللهم و عقائدهم أن الله تعالى أرحم الراحمين و شهد المسلمون أن الأنبياء يشهدون أن الله أرحم الراحمين فمن ذلك في كتابهم قول موسى(ع)رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏ (2). و من ذلك قول يوسف(ع)الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏ (3).

322

و من ذلك قول أيوب(ع)رب إني‏ مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏ (1). فكيف صدق هؤلاء الأربعة المذاهب أن نبيهم يأتي بهذه الصفة العظيمة في الرحمة عن الله و يقول عن أرحم الراحمين أنه خلق خلقا لم يعصوه فيما مضى و لا يعصونه فيما يستقبل و لم يجعل لهم اختيارا في أنفسهم كما زعمت المجبرة بل كلما يقع منهم فإنه منه ثم يحملهم إلى النار ليعذبهم على غير الذنب أبد الآبدين و يقول هؤلاء إلى النار و لا أبالي أن هذا لا يليق ذكره من رحيم فكيف من أرحم الراحمين.

و يدل على بطلان هذا الخبر ما رواه هؤلاء القوم في صحاحهم عن ثقات رجالهم‏

فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الْحَادِي وَ الْعِشْرِينَ مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ‏

قُدِّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَسْعَى إِذَا وَجَدَتْ صَبِيّاً فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَ أَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَ تَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَ اللَّهِ وَ هِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِوَلَدِهَا

(2)

. قال عبد المحمود من يروى مثل هذا الخبر في وصف الله تعالى بهذه الرأفة و الرحمة كيف يصدق قائلا ينقل هؤلاء إلى النار و لا أبالي على ما فسروه‏

وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ أَيْضاً فِي الْحَدِيثِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رِيَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ‏

إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً

323

بَيْنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الْبَهَائِمِ وَ الْهَوَامِّ فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَ بِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَ بِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَ أَخَّرَ اللَّهُ تِسْعاً وَ تِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

(1)

. قال عبد المحمود فهل ترى أيها العاقل هذه صفة من يقول هؤلاء إلى النار و لا أبالي.

وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فِي الْحَدِيثِ السَّادِسِ وَ الْعِشْرِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَ أَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَاناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَ أَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَ أَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي‏

(2)

. قال عبد المحمود انظر أيها العاقل كيف بلغت رحمة الله بعباده إلى أن جعل ما يصل إلى مريضهم و جائعهم و عطشانهم كأنه واصل إليه أ ما هذا من كمال رحمته لهم و عنايته بهم و شفقته عليهم أ فيليق أن يقال عن هذا الرب الرحيم أنه قال هؤلاء إلى النار و لا أبالي.

وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الْحَادِي‏

324

وَ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ‏

لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مُهْلِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَ شَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَ قَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ ثُمَّ قَالَ أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ فَاسْتَيْقَظَ وَ عِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَ عَلَيْهَا زَادُهُ وَ طَعَامُهُ وَ شَرَابُهُ فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ عِنْدَهُ عَلَيْهَا زَادُهُ‏

(1) وَ رَوَاهُ أَيْضاً الْحُمَيْدِيُّ مِنْ مُسْنَدِ بَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي الْحَدِيثِ السَّادِسِ مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ‏ (2) وَ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ أَيْضاً نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ مُسْنَدِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ‏ (3) وَ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ أَيْضاً نَحْوَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ بَعْدَ الْمِائَةِ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ‏ (4)

. قال عبد المحمود فمن تبلغ رحمته إلى هذه الغاية كيف يقال عنه أنه قال هؤلاء إلى النار و لا أبالي ما أقبح مناقضة هؤلاء الأربعة المذاهب في أقوالهم و ما أطرف استمرارهم على ضلالهم.

و من طرائف ما وقفت عليه‏

في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند عمر بن الخطاب في الحديث الرابع من إفراد مسلم المتضمن أن أول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهني و أن يحيى بن يعمر و حميد بن عبد الرحمن الحميدي لقيا عبد الله بن عمر بن الخطاب فسألاه فصدق المعبد الجهني.

وَ فِي أَوَاخِرِ الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَ‏

325

رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ‏

الْتَقَى آدَمُ وَ مُوسَى فَقَالَ مُوسَى أَنْتَ يَا آدَمُ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ وَ أَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ آدَمُ أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَ كَلَامِهِ وَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ فَوَجَدْتُ قَدَرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى‏

وَ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ وَ التِّسْعِينَ‏ (1)

قال عبد المحمود قد استطرفت رواية عمر لهذا الحديث عن نبيهم لأنه ينقض بعضه بعضا و يشهد حال نبيهم أنه ما قال ذلك و أهل بيت نبيهم الذين أمر بالتمسك بهم ينكرون تصديق هذا الحديث لأنه إذا كانت الأفعال و الأقوال عند آدم و موسى كما يقوله المجبرة من الله وحده و ليس لأحد من عباده فيها شي‏ء و إن آدم و موسى ما فعلا شيئا فكيف أنكر موسى على آدم و كيف تكلف آدم جواب موسى و كيف يقول محمد(ص)نبيهم فحج آدم موسى و يستحسن محمد(ص)ذلك.

هذا لا يصدقه عارف بمحمد(ص)أنه قاله أو تحدث به لأنه إذا كان لا فاعل سوى الله فكلام آدم و فعله من الله و كلام موسى و فعله من الله تعالى فأي معنى لقولهم من نبيهم فحج آدم موسى.

و إنما يكون على قولهم قد حج الله نفسه و غلب نفسه و إن كانت المجبرة تتجاهل إلى أن تقول إن الله قهر الثلاثة الأنبياء آدم و موسى و محمدا(ص)على ترك الرضا بقضائه و قدره و قهر محمدا(ص)على أن يقول فحج آدم موسى و ما يكون قد حجه فقد أقدموا على تكذيب نبيهم و ادعوا أن الله قهره على أن يقول غير الحق و كفى المجبرة بذلك فضيحة في الدنيا

326

و الآخرة و كفانا شماتة بهم بمثل هذا فثبت أن الحديث ما قاله نبيهم و أنه كذب عليه و كتابهم يتضمن‏ وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ (1) فالكاذب عليه كاذب على الله و كتابهم يتضمن‏ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ (2) و كيف حسن من هؤلاء الأربعة المذاهب الذين يصححون هذا الخبر أن يقولوا عن خليفتهم عمر مثل ذلك.

حكايات من المجبرة و احتجاجات عليهم‏

و من طريف محاسن حكايات جرت لبعض أهل العدل‏

مَا رُوِيَ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ وَ سَيْفِهِ فِي أُمَّتِهِ وَ حَافِظِ نَامُوسِهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فِيمَا حَكَاهُ فِي الْقَضَاءِ وَ الْعَدْلِ عَنْهُ الْخُوارِزْمِيُّ فِي كِتَابِ الْفَائِقِ وَ هَذَا الْخُوارِزْمِيُّ مِنْ جُمْلَةِ عُلَمَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذَاهِبِ قَالَ عَنْ أَصْبَغَ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ‏

قَامَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَ بِي طَالِبٍ(ع)شَيْخٌ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صِفِّينَ فَقَالَ أَخْبِرْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مَسِيرِنَا إِلَى الشَّامِ أَ كَانَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ قَدَرِهِ قَالَ عَلِيٌّ(ع)وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ مَا وَطِئْنَا مَوْطِئاً وَ لَا هَبَطْنَا وَادِياً وَ لَا عَلَوْنَا تَلْعَةً إِلَّا بِقَضَاءٍ وَ قَدَرٍ فَقَالَ الشَّيْخُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَايَ مَا أَرَى لِي مِنَ الْأَجْرِ شَيْئاً فَقَالَ لَهُ مَهْ أَيُّهَا الشَّيْخُ بَلِ اللَّهُ أَعْظَمَ أَجْرَكُمْ فِي مَسِيرِكُمْ وَ أَنْتُمْ سَائِرُونَ وَ فِي مُنْصَرَفِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُنْصَرِفُونَ وَ لَمْ تَكُونُوا فِي حَالٍ مِنْ حَالاتِكُمْ مُكْرَهِينَ وَ لَا إِلَيْهَا مُضْطَرِّينَ فَقَالَ الشَّيْخُ وَ كَيْفَ وَ الْقَضَاءُ وَ الْقَدَرُ سَاقَنَا فَقَالَ وَيْحَكَ ظَنَنْتَ قَضَاءً

327

لَازِماً وَ قَدَراً حَتْماً لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ الْوَعْدُ وَ الْوَعِيدُ وَ الْأَمْرُ وَ النَّهْيُ وَ لَمْ يَأْتِ لَائِمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمُذْنِبٍ وَ لَا مَحْمِدَةٌ لِمُحْسِنٍ وَ لَمْ يَكُنِ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِالْمَدْحِ مِنَ الْمُسِي‏ءِ وَ لَا الْمُسِي‏ءُ أَوْلَى بِالذَّمِّ مِنَ الْمُحْسِنِ تِلْكَ مَقَالَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ جُنُودِ الشَّيْطَانِ وَ شُهُودِ الزُّورِ وَ أَهْلِ الْعَمَى عَنِ الصَّوَابِ وَ هُمْ قَدَرِيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ مَجُوسُهَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ تَخْيِيراً وَ نَهَى تَحْذِيراً وَ كَلَّفَ يُسْراً وَ لَمْ يُكَلِّفْ عُسْراً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إِلَى خَلْقِهِ عَبَثاً وَ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ‏

وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ

فَقَالَ الشَّيْخُ وَ مَا الْقَضَاءُ وَ الْقَدَرُ اللَّذَانِ مَا سِرْنَا إِلَّا بِهِمَا قَالَ هُوَ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَ الْحُكْمُ ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ‏

وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ (1)

فَنَهَضَ الشَّيْخُ مَسْرُوراً وَ هُوَ يَقُولُ‏

أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ* * * يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ الرَّحْمَنِ رِضْوَاناً

أَوْضَحْتَ مِنْ دِينِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً* * * جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَّا فِيهِ إِحْسَاناً (2)

و من الحكايات المذكورة ما رواه كثير من المسلمين‏

عَنِ الْإِمَامِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ(ع)مِنْ عِتْرَةِ نَبِيِّهِمْ‏

أَنَّهُ قَالَ يَوْماً لِبَعْضِ الْمُجَبِّرَةِ هَلْ يَكُونُ أَحَدٌ أَقْبَلَ لِلْعُذْرِ الصَّحِيحِ مِنَ اللَّهِ فَقَالَ لَا فَقَالَ لَهُ فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ قَالَ مَا أَقْدِرُ وَ هُوَ لَا يَقْدِرُ أَ يَكُونُ مَعْذُوراً أَمْ لَا فَقَالَ الْمُجَبِّرُ يَكُونُ مَعْذُوراً قَالَ لَهُ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ يَعْلَمُ مِنْ عِبَادِهِ أَنَّهُمْ مَا قَدَرُوا عَلَى طَاعَتِهِ وَ قَالَ لِسَانُ حَالِهِمْ أَوْ مَقَالِهِمْ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا رَبِّ مَا قَدَرْنَا عَلَى طَاعَتِكَ لِأَنَّكَ مَنَعْتَنَا مِنْهَا أَ مَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ وَ عُذْرُهُمْ صَحِيحاً عَلَى قَوْلِ الْمُجَبِّرَةِ قَالَ بَلَى وَ اللَّهِ قَالَ فَيَجِبُ‏

328

عَلَى قَوْلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ هَذَا الْعُذْرَ الصَّحِيحَ وَ لَا يُؤَاخِذُ أَحَداً أَبَداً وَ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ أَهْلِ الْمِلَلِ كُلِّهِمْ فَتَابَ الْمُجَبِّرَةُ مِنْ قَوْلِهِ بِالْجَبْرِ فِي الْحَالِ‏

(1)

. و من الحكايات المشار إليها ما روي في كتب المسلمين‏

أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ صَاحِبَ الْمَذْهَبِ اجْتَازَ عَلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْمَعْرُوفِ بِالْكَاظِمِ(ع)وَ هُوَ مِنْ عُلَمَاءِ عِتْرَةِ نَبِيِّهِمْ وَ كَانَ يَكْتُبُ فَأَرَادَ أَبُو حَنِيفَةَ امْتِحَانَهُ فَقَالَ لَهُ الْمَعْصِيَةُ مِمَّنْ فَقَالَ لَهُ مُوسَى(ع)اجْلِسْ حَتَّى أُخْبِرَكَ فَجَلَسَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ(ع)لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى أَوْ مِنْهُمَا جَمِيعاً فَإِنْ كَانَتْ مِنَ اللَّهِ فَهُوَ أَعْدَلُ وَ أَنْصَفُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَ عَبْدَهُ الضَّعِيفَ وَ يَأْخُذَهُ بِمَا لَمْ يَفْعَلْهُ وَ إِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْهُمَا فَهُوَ شَرِيكُهُ وَ الْقَوِيُّ أَوْلَى بِإِنْصَافِ عَبْدِهِ الضَّعِيفِ وَ إِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْعَبْدِ وَحْدَهُ فَعَلَيْهِ وَقَعَ الْأَمْرُ وَ إِلَيْهِ تَوَجَّهَ النَّهْيُ وَ لَهُ حَقَّ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ

ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏

و قد نظم بعض شعراء أهل البيت ذلك فقال‏

لم تخل أفعالنا اللاتي نذم بها* * * إحدى ثلاث خصال حين نأتيها

أما تفرد بارينا بصنعتها* * * فيسقط اللوم عنا حين نبديها

أو كان يشركنا فيها فيلحقه* * * ما سوف يلحقنا من لائم فيها

أو لم يكن لإلهي في جنايتها* * * ذنب فما الذنب إلا ذنب جانيها (2)

.

و من الحكايات المشهورة المشار إليها ما

روي عن بعض أهل العدل‏

أن رجلا من المجبرة سأله عن آية في كتابهم ظاهرها أن الله أضلهم فقال له العدلي إن تفصيل الجواب يطول عليك و ربما لا تفهمه و لا تحفظه و لكن عرفني‏

329

ما تعتقد أنت و سائر المسلمين أن القرآن الذي نزل عليكم حجة لمحمد(ص)نبيكم على الكافرين و العاصين فقال بلى فقال العدلي فلو كان باطن الآيات التي يتعلق بها المجبرة مثل ظاهره و أن الله تعالى منع الكفار من الإيمان و الإسلام و منع العصاة من الطاعة فكان يكون القرآن حجة للكفار و العصاة على محمد(ص)نبيكم و كانوا يستغنون بهذه الآيات عن محاربته و قتل أنفسهم و يقولون إن ربك الذي جئت برسالته و كتابك الذي جئت به يشهدان أن الله قد منعنا من الإسلام و الطاعة فلا تظلمنا و قل لربك يتركنا أن نقبل منك و نسلم لك فكان القرآن حجة الكفار على المسلمين و عليه فتقطع حجته و هذا خلاف مذهب الإسلام فأذعن العقل أن لهذه الآيات معنى يليق بالعدل و يناسب الرحمة و الإنعام فانقطع المجبر.

و من الحكايات المشار إليها ما

رواه جماعة من العلماء

أن الحجاج بن يوسف كتب إلى الحسن البصري و إلى عمرو بن عبيد و إلى واصل بن عطاء و إلى عامر الشعبي أن يذكروا ما عندهم و ما وصل إليهم في القضاء و القدر فكتب إليه الحسن البصري أن أحسن ما سمعت مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ يَا ابْنَ آدَمَ أَ تَظُنُّ أَنَّ الَّذِي نَهَاكَ دَهَاكَ وَ إِنَّمَا دَهَاكَ أَسْفَلُكَ وَ أَعْلَاكَ وَ اللَّهُ بَرِي‏ءٌ مِنْ ذَلِكَ و كتب إليه عمرو بن عبيد أحسن ما سمعت في القضاء و القدر قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)لَوْ كَانَ الْوِزْرُ فِي الْأَصْلِ مَحْتُوماً كَانَ الْمَوْزُورُ فِي الْقِصَاصِ مَظْلُوماً و كتب إليه واصل بن عطاء أحسن ما سمعت في القضاء و القدر قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ أَ يَدُلُّكَ عَلَى الطَّرِيقِ وَ يَأْخُذُ عَلَيْكَ الْمَضِيقَ و كتب إليه الشعبي أحسن ما سمعت في القضاء و القدر قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مَا

330

اسْتَغْفَرْتَ اللَّهَ تَعَالَى مِنْهُ فَهُوَ مِنْكَ وَ كُلُّ مَا حَمِدْتَ اللَّهَ تَعَالَى فَهُوَ مِنْهُ فلما وصلت كتبهم إلى الحجاج و وقف عليها قال لقد أخذوها من عين صافية

مع ما كان عند الحجاج معه من العداوة و الأمور الواهية.

و من الحكايات المشار إليها ما

روي‏

أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ(ع)عَنِ الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ فَقَالَ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلُومَ الْعَبْدَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْهُ وَ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَلُومَ الْعَبْدَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَبْدِ لِمَ عَصَيْتَ لِمَ فَسَقْتَ لِمَ شَرِبْتَ الْخَمْرَ لِمَ زَنَيْتَ فَهَذَا فِعْلُ الْعَبْدِ وَ لَا يَقُولُ لَهُ لِمَ مَرِضْتَ لِمَ عَلَوْتَ لِمَ قَصُرْتَ لِمَ ابْيَضَضْتَ لِمَ اسْوَدَدْتَ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏

(1)

. و من الحكايات أيضا ما روي‏

أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا(ع)بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ فَقَالَ يَا أَبَا الْحَسَنِ الْخَلْقُ مَجْبُورُونَ فَقَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ خَلْقَهُ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ قَالَ فَمُطْلَقُونَ قَالَ اللَّهُ أَحْكَمُ مِنْ أَنْ يُهْمِلَ عَبْدَهُ وَ يَكِلَهُ إِلَى نَفْسِهِ‏

(2)

. و من الحكايات أيضا ما روي أنه قيل للمجبرة نرى الله تعالى قد استعظم في القرآن قول المشركين و الكافرين فقال‏ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (3) و نحو ذلك مما استعظمه في الكتاب العزيز الذي لا يستطيع الجبرية له دفعا و لا ردا فإذا كان كل فعل و قول وقع منه و صدر عنه فكيف تقبل العقول السليمة و الأذهان المستقيمة أنه جل جلاله يستعظم فعل نفسه على صورة الإنكار و الاستكبار و يبلغ إلى هذه الغاية من الاستعظام و الاستكبار فلم يكن لأحدهم جوابا.

331

و من الحكاية في ذلك ما روي أن بعض أهل العدل وقف على جماعة من المجبرة فقال لهم ما معناه هذا أنا ما أعرف المجادلة و الإطالة لكني أسمع في القرآن قوله تعالى‏ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ‏ (1) و مفهوم هذا الكلام عند كل عاقل أن الموقد للنار غير الله تعالى و أن المطفئ لها هو الله فكيف تقبل العقول أن الكل منه و أن الموقد هو المطفئ لها فانقطعوا و لم يردوا جوابا و من الحكايات أيضا أنه قيل للمجبرة إننا نرى الله تعالى يقول‏ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها من هذا الشخص الذي يكون مصداقا لقوله‏ قَدْ خابَ‏ فما كان له جواب.

و من الحكايات المأثورة ما يقال إن بعض أهل العدل اجتاز على بعض المجبرة و العدلي راكب فقال له الجبري انزل حتى أسألك مسألة فقال له العدلي أ فتقدر أن تسألني قال لا قال أ فأقدر أن أسألك أو أجيبك قال لا قال فكيف يطلب نزولي من لا يقدر على سؤالي و لا أقدر على نزولي عنده و لا جوابه فانقطع الجبري.

و من الحكايات المأثورة أن عدليا قال لمجبر ممن الحق قال من الله فقال له فمن هو المحق قال هو الله قال له فممن الباطل قال من الله قال فمن هو المبطل فانقطع الجبري و لم يقدر على أن يقول إن الله تعالى هو المبطل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فكان يلزمه ذلك على رأي المجبرة.

و من الحكايات المأثورة أن مجبرا و عدليا اجتمعا للمناظرة و جعلا بينهما حكما فقال العدلي للجبري هل من شي‏ء غير الله و ما خلق قال الجبري لا قال العدلي فهل يعذب الكفار و العصاة على أنه خلقهم قال الجبري لا قال يعذبهم على أنه ما خلقهم قال لا قال فعلام يعذبهم قال‏

332

لمعصيتهم إياه قال العدلي فقد جعلت هاهنا شيئا ثالثا و أنت قلت أنه ليس في الوجود شي‏ء غير الله و ما خلق فهذا قولك يعصي من هو العاصي فانقطع الجبري و حكم الحاكم بينهما بانقطاع الجبري. و من الحكايات المأثورة أن جماعة من اليهود اجتمعوا إلى أبي بحر الخاقاني و قالوا له ما معناه أنت سلطان عادل و منصف من المسلمين و في بلدك المجبرة و هم الذين يعوَّلون عليهم في الأقوال و الأفعال و هم يشهدون لنا أننا لا نَقدر على الإسلام و لا على الإيمان فكيف تؤخذ الجزية من قوم لا يقدرون على الإسلام و لا الإيمان فجمع المجبرة و قال لهم ما تقولون فيما قد ذكره اليهود من احتجاجهم عليكم فقالوا كذا نقول و إنهم لا يقدرون على الإسلام و الإيمان فطالبهم بالدليل على قولهم فلم يقدروا عليه فنفاهم‏ (1).

قال عبد المحمود مؤلف هذا الكتاب و مما يقال للمجبرة إنا نسمع الله جل جلاله قد طلب التوبة من العباد و قد تاب قوم و امتنع آخرون و القرآن و الأخبار مملوءة من ذلك و شاهدة به فإن كانت الأفعال منه فلم يطلب التوبة من غيره و إن كانت التوبة منه أو كان شريكا للعبد في الأفعال جل و علا عن قول الظالمين فليت شعري مما ذا تاب و إن لم يكن التوبة منه و لا من غيره من العباد فمن هذا التائب النادم و من هذا المصر الممتنع من التوبة إنني أرى المجبرة على صفة عجيبة من الجهالة و غريبة عظيمة من الضلالة.

و مما يقال للمجبرة قد رحمناكم لشدة غفلتكم و خاصة الذين يقولون منكم لا فاعل سوى الله تعالى ثم يقولون إن العبد غير مختار و إنه مضطر فيما يصدر عنه و يا لله و العجب من جهالاتكم إذا كان لا فاعل سوى الله تعالى و عندكم و عند كافة أهل الإسلام أن الله تعالى مختار غير مضطر و لا ملجأ و كيف صارت‏

333

أفعاله الصادرة عن العباد في الصورة و هي صادرة عنه في التحقيق خارجة عن حكم اختياره و بطل على قولكم كونه مختارا و صرتم إلى مذهب الفلاسفة في أنه جل و علا غير مختار.

و مما يقال لمن قال إن الفعل مقضي على العباد على تفسير المجبرة أوضح معنى قولك إنه مقضي أ تريد أن الفعل من الله تعالى في التحقيق و قضاه على عبده أم لا فإن أردت أن الله قضاه و هو فعل له سبحانه فإذا كان العبد ما استقل بالفعل و لا قام به و أن الله تعالى هو الفاعل له حقيقة فكيف يصير مقضيا لأنه ليس هاهنا عبد فاعل عندهم أصلا حتى يكون فعل هذا العبد مقضيا عليه إلا هو عندهم فعل الله فليت شعري و من قضى الفعل على الله حتى يسمى مقضيا و إن أردت أن الله ما انفرد بالفعل فقد تركت مذهبك و عدت إلى العدل و الحمد لله و ما يصير الفعل مقضيا بالتفسير الذي يفسرونه لأنه لا يصح أن يقال إن العبد جعل نفسه مجبرا مقهورا في حال كونه مختارا و قضاه على نفسه كما فسره المجبرة.

و مما يقال للمجبِّرة و هو من طرائف ما يحتج به عليهم إنه لو كان الأمر كما تقول المجبِّرة من أن كلما في الوجود من الأفعال و الأحوال الصادرة عن بني آدم أنها أفعال الله خاصة ما كان قد ورد في القرآن و لا في السنة لفظ ضلال أحد و لا كفره و لا فاحشة و لا منكر و لا فساد و لا ظلم و لا عناد و لا غير ذلك من أنواع النقائص و الرذائل و لا كان يوجد كافر و لا جاحد و لا معاند و لا كان يقع في الكفار سب لله تعالى و لا لأنبيائه بل ما كان يقع بين اثنين و الأكثر سباب و لا افتراق و لا منازعة و لا شقاق لأنه إذا كان كل ذلك من الله تعالى فكله هدى و إيمان و صلاح و وفاق و تمام و اتفاق و لأنه ما كان الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا يسب نفسه و لا يجحد نفسه و لا يعاند نفسه و لا يعاقب نفسه و لا يخالف نفسه و لا يعادي‏

334

نفسه و لا ينازع نفسه و لا يذم نفسه لأنه إذا كان الكل منه فهذه المنازعات و المناقضات بين من و من و لمن و إذا اعتبرت أفعال العباد و ما جرى منها و يجري فيها من الفساد و النقائص و التضاد علمت على اليقين أنها ليست أفعال إله واحد و فاعل واحد قد أطبق العارفون به أنه أحكم الحاكمين فكيف التبس ذلك على من يقال إنه من عقلاء المسلمين.

و من عجيب ما يقطع به المجبرة عن المناظرة أن يقال له هذه المناظرة بيني و بينك في التحقيق أو بين الله تعالى و بين نفسه فإن كانت بيني و بينك فقد بطل ما تدعونه من أنه لا فاعل سوى الله تعالى و إن كانت المناظرة بين الله تعالى و بين نفسه فهل تقبل العقول أن الله تعالى يناظر نفسه ليغلب نفسه و يعجز نفسه و لأن المناظرين إذا كان أحدهما محقا و الآخر مبطلا و أحدهما عالما و الآخر جاهلا و كانت المناظرة كما زعموا بين الله تعالى و بين نفسه فكيف يتصور أن يكون الله‏ تَعالى‏ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً من جانب مبطلا و من جانب محقا و من جانب يوصف بجهل و من جانب يوصف بعلم و هو عالم لذاته إن هذا قول المجبرة مما لا يقدم عليه عارف بالله تعالى و بذاته و بصفاته.

و من عجيب ما يقطع المجبرة المذكورة به أن يقال لهم هذه الشكوك و الجهالات التي تحصل للعباد حتى تحوج إلى المناظرة أو اليقين لا ريب أنها أفعال فإن كانت لنا و منا فقد بطل ما تدعونه من أنه لا فاعل سوى الله تعالى فإن قلتم أنها من الله تعالى فيكون كفرا صريحا و اختلاطا قبيحا.

و من عجيب ما يقحم به المجبرة الذين يقولون إنه لا فاعل سوى الله تعالى و إن كل فعل يظهر عن العباد فهو فعل الله تعالى على التحقيق أن يقال لهم إن كل إنسان يعلم من نفسه أنه يكون جاهلا ثم يصير عالما ثم يكون شاكا فيصير متيقنا ثم يكون ظانا فيصير عالما و لا شبهة عند العقلاء أن الجهل‏

335

و العلم و الشك و اليقين و الظن و العلم أفعال فمن هذا الجاهل و من هذا الشاك و من هذا الظان فإن قلتم أنه ربكم فقد كفرتم تحقيقا و صار كل منكم بهذا الاعتقاد زنديقا و إن قلتم أنه العبد و هو الحق فقد تركتم مذهبكم و رجعتم إلى الصدق.

و من عجيب ما يقحم به المجبرة أن يقال لهم قد أطبق أهل العقل و الفضل من سائر أهل الملل على أن الوجود مشتمل على عبد و معبود و أن العبد مشتق من التعبد و التذلل لمعبوده و إذا كان جميع الأعمال و العبادات من فعل الله تحقيقا فأين العبد أيها الجاهلون فلا يبقى على قولهم في الوجود سوى الله تعالى و فعله و ذهبت بل استحال الحقيقة للعبد.

قال عبد المحمود مؤلف هذا الكتاب و لعل بعض من يقف على المبالغة مني في الرد على المجبرة الذين يقولون أنه لا فاعل سوى الله تعالى ليقول أو يتوهم أن هذا الاعتقاد لا يعتقد أحد منهم أو يعتقد عوامهم و سوف أذكر ما ذكره أعظم علمائهم من الاعتقاد في ذلك بألفاظه.

فمن ذلك محمد الخطيب الرازي و هو من أعظم علمائهم مذهبه أنه لا يخرج إلى الوجود شي‏ء إلا بقدرة الله تعالى و أن الله تعالى مريد لجميع الكائنات و قد وقفت على ما وصل إلينا من تصانيفه فوجدتها جميعا تشهد بذلك و قد ذكر في كتاب الأربعين و كان قد صنفه لولده العزيز فقال فيه ما هذا لفظه المسألة الثالثة و العشرون في أنه لا يخرج شي‏ء من العدم إلى الوجود إلا بقدرة الله تعالى‏ (1) هذا لفظه.

ثم شرع يتحدث في ذلك و يريد تصحيحه و لا ينكر في أنه على قوله يريد النقض على الله بالله و النقص على الله بالله سبحانه و تعالى لأنه شرع أن المسألة فيها

336

تنازع قوم يقولون بقول الرازي و ذلك القول من الرازي من الله جل جلاله و قوم يقولون بخلاف قوله و يريدون نقض قوله و نقصانه و هذا النقض و النقصان عند الرازي أيضا من الله.

فعلى قوله هذا يكون الله تعالى قد نقض على نفسه بنفسه و نقص كماله و كمال حجته بنفسه و لو فكر فيما بنى عليه زال عن المعارضة لقول أحد و مذهب أحد و اعتقاد أحد لأن ذلك عنده قول الله و مذهب الله و اعتقاد الله و لكن الرازي و من وافقه و تقدمه من القائلين بأنه لا فاعل سوى الله تعالى ربما يقولون في الجواب عما ذكرته الآن ما يريد النقض على الله بالله تعالى و لا يلزمه الزوال عن المعارضة لأنه يزعم أن الذي ينقض على نفسه و ينقض نفسه ليس هو الرازي و لا من وافقه و لا من تقدمه من القائلين بقوله لأن الناقض و المنقوض به منه لأنها كلها أفعال و الأفعال كلها منه.

و إذا بلغوا إلى هذه الغاية من أن الله تعالى ينقض على نفسه و ينقص نفسه شهد ذلك عليهم بالخروج عن ملة الإسلام و إظهار الكفر و الإلحاد و الطعن على الله تعالى و على رسوله(ص)لأن رسول الله ما جاء رسولا عن رب ينقض على ن فسه و ينقص نفسه بغير خلاف عند أهل ملته و المصدقين برسالته فإن قال أحد منهم ينقض إحدى الدعويين بالأخرى و يثبت أحد أن هذا النقص ما يمكن أن يكون تاما و أن ذلك النقص كله لا يسمى نقصا و لا نقضا كابروا العيان و آثروا البهتان.

و من ذلك قول الرازي أيضا في كتاب الأربعين ما هذا لفظه المسألة الرابعة و العشرون في بيان أن الله تعالى مريد لجميع الكائنات مذهب المعتزلة أن الإرادة توافق الأمر فكل ما أمر الله تعالى به فقد أراده و كل ما نهى عنه فقد كرهه و مذهبنا أن الإرادة توافق العلم فكل ما علم الله وقوعه فهو مراد

337

الوقوع و كل ما علم عدمه فهو مراد العدم فعلى هذا إيمان أبي جهل مأمور به و غير مراد و كفره منهي عنه و هو مراد هذا لفظه و قد حكيناه بصورته‏ (1).

قال عبد المحمود لو صح ما قاله الرازي لكان أبو جهل قد غلب محمدا(ص)و أبطل رسالته إليه و كل كافر أيضا بأن يقولوا لمحمد ربك ما يريد منا الإسلام و أنت تريده و اتباع إرادة ربك أوجب من اتباع إرادتك و كان قد انقطع محمد و بانقطاعه ينقطع حجة مرسله و إن كان الرازي المثكل يزعم أن محمدا(ص)ما يريد أيضا من الكفار الإيمان فتكون حجتهم قد ازدادت قوة و يقولون له إذا كان الله الذي أرسلك ما يريد الإيمان منا و أنت ما تريده منا فنحن أيضا ما نريد خلاف إرادتكما فعلام تحاربنا و تعادينا و قد وافقت إرادتنا إرادتك و إرادة من أرسلك فكان أبلغ في ظهور حجة الكفار عليه و انقطاع حجته و حجة مرسله. و كان أهل الجاهلية أقل كفرا من هذا الاعتقاد و الجاحدون لله و الجاهلون به ما بلغوا إلى هذه الغاية من الكفر و الفساد لأن أولئك ما عرفوه فما نسبوا إليه خيرا و لا شرا و هؤلاء المجبرة ادعوا معرفته و نسبوا كل شر و كفر و خير إليه فيعز على الله تعالى و على رسوله ما جنى هؤلاء عليه و كيف يقبل عقل الذين يعتقدون أن الله تعالى هو الفاعل لأفعال العباد أن يكون الله تعالى يبعث رسولا إلى خلقه و يبعث معه ما يقيم أعذارهم في مخالفتهم فعل من أرسله و أنهم بريئون منها و هل كان يبقى للرسل حكم أو حجة.

و من عجيب طرائف المجبِّرة أن كتبهم بالمهور و الديون تتضمن أن المقرين أقروا طوعا في صحة من أمرهم غير مجبرين و لا مكرهين و يكتبون هذا الوصف للمقرين في شريعة الإسلام و مجلس قضائهم بشهادة معدليهم ثم يكتبون‏

338

في آخر كتب المهور أن هذا القادر صالح و القادر هو المختار ثم إذا جرى حديث عقيدتهم أنكروا ما قد أقروا به و جحدوا ما اعترفوا بإثباته و ادعوا أن المقرين مجبرون و مكرهون و ما لهم اختيار و لا فعل و لا يفكرون في هذه المناقضات و لا لهم من يغافلهم عليها.

و من طرائف ما يلزم الرازي و أهل مذهبه القائلين بأنه لا فاعل سوى الله تعالى أن يكون قولهم مثل قول النصارى في عيسى ابن مريم(ع)و النصيرية في علي بن أبي طالب(ع)لأن عقلاء النصارى و عقلاء النصيرية ما كان يخفى عنهم أن لحم عيسى و لحم علي(ع)و عظمهما و جسدهما هو الله جل جلاله و لا أن الله تعالى صورة مجسمة بل لما رأوا الأعمال الصادرة عن عيسى و علي(ع)الخارقة للعادات يستحيل وقوعها من نفس البشر و أنها أفعال إله قادر بالذات فنسبوا تلك الأفعال الصادرة من عيسى و علي(ع)إلى أنها فعل الله تعالى فيلزمهم التصديق للنصارى و النصيرية في أن أفعال عيسى و أفعال علي(ع)فعل الله تعالى و لا فاعل سوى الله تعالى الذي يستحق العبادة.

فهل ترى قول الرازي و أهل مذهبه في أنه لا فاعل سوى الله إلا قول النصارى و النصيرية و أن حالهم كحالهم.

و من عجيب ما بلغني أن محمد بن الخطيب الرازي المذكور تحدى يوما على علماء العالمين و أعجبته نفسه لحفظه للألفاظ و صياغته للمباني و ما أدري أنه ليس كل من حفظ لفظا عرف معناه و استوفاه و قد سمى الله تعالى الذين حفظوا الألفاظ و لم يراعوا المعاني بالحمار فقال‏ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (1).

339

و ما علم الرازي أيضا أنه ليس كل من صاغ حلية أو بنى بناء عرف قيمة الجواهر و سائر آلات البناء و من حررها و دبرها و بدأها بالإنشاء فلما تحدى الرازي العلماء بلغ ذلك إلى بعض الزهاد من لسان بعض تلامذة الرازي فقال له الزاهد للتلميذ أستادك الرازي لا يعرف الله فثقل على التلميذ ذلك و قال للزاهد عن إذنك أعرفه فقال الزاهد نعم فعرفه التلميذ الرازي فركب في جمعه و مماليكه و كان صاحب دنيا وسيعة و جاء إلى الزاهد فقال له قد بلغني عنك أنك قلت أنني لا أعرف الله تعالى.

فقال الزاهد نعم قلت فقال له الرازي من أين عرفت أنني لا أعرف الله تعالى فقال له الزاهد لأنك لو عرفته كما تدعي كمال المعرفة و التحقيق شغلتك معرفته و خدمته و مراقبته عن هذه الدنيا الفانية التي تعبدها من دونه فانقطع الرازي و عرف لزوم الحجة له.

قلت أنا و من وقف على وصية الرازي عند موته أن كتبه التي صنفها جميعا ما اكتسب منها دينا و لا حصل منها يقينا زهده ذلك في ترك التعلم منها و وجب عليه الأعراض عنها.

و من علماء المجبرة أبو حامد محمد بن محمد الغزالي و هو من أعظم علمائهم و من الذين صنفوا لهم في علم الكلام و علم الجدل و علم أصول الفقه و في الفقه و كان له ثلاثمائة تلميذ و عاد و صنف في الزهد فقال في أعظم كتاب صنفه في ذلك و سماه كتاب إحياء علوم الدين في كتاب قواعد العقائد و هو الكتاب الثاني من كتاب إحياء علوم الدين في الأصل الثالث منه ما هذا لفظه و لا يجري في الملك و الملكوت طرفة عين و لا لفتة خاطر و لا فلتة ناظر إلا بقضاء الله و قدره و بإرادته و مشيته و منه الخير و الشر و النفع و الضر و الإسلام و الكفر و العرفان و المنكر و الفوز و الخسران و الغواية و الرشد و الطاعة و العصيان‏

340

و الشرك و الإيمان‏ (1) هذا لفظ الغزالي.

و صنف في آخر عمره كتابا سماه منهاج العابدين و هو آخر كتاب صنفه و ما خص به إلا خواص أصحابه فقال في أواخر الباب الأول منه ما هذا لفظه و لا يكون في الملك و الملكوت فلتة خاطر و لا لفتة ناظر إلا بقضاء الله و قدره و مشيته فمنه الخير و الشر و النفع و الضر و الإيمان و الكفر و العز و الشكر و الفوز و الخسر و الغواية و الرشد و الطاعة و العصيان و الشرك و الإيمان هذا لفظه في المعنى.

قال عبد المحمود و إذا اعتبرت كلام هذا الشيخ في كتب الزهد و خاصة كتاب الإحياء وجدته يشهد صريحا و تلويحا أنه يعلم من سريرته أن العباد مختارون و فاعلون و إنما غلب عليه حب المذهب و المنشأ فإنه في كتاب الإحياء يصف أسقام الدين و يذكر الترغيب و الحث على استعمال الدواء و التحريص بذلك و يظهر أنه يعتقد كونهم مختارين فاعلين يقدرون على الفعل و على الترك فإن شككت فاعتبر مقالاته لأنك تجده يوافق أهل العدل فعلا و قولا و يخالفهم قولا غفلة و جهلا.

و مما يدل على ذلك منه قوله في العارض الثاني من الباب الرابع من كتاب منهاج العابدين ما هذا لفظه فإن قيل هل يكون المفوض مختارا فاعلم أن الصحيح عند علمائنا أنه يكون مختارا و لا يقدح في تفويضه ذلك هذا لفظه تصريح بالاختيار و تصديق لأهل العدل و الاعتبار.

بل قد زاد على القائلين بالاختيار لأن المفوض معناه أن يعزل نفسه عن الاختيار و يجعل الاختيار لنفسه إلى الله فإذا كان من يعزل نفسه عن اختيارها و يجعل الاختيار لله يكون مختارا فيجب أن يكون من لم يفوض إلى الله تعالى‏

341

مختارين قطعا على سائر الأسباب و هذا واضح لذوي الألباب.

و قال الغزالي في المجلد الثامن من الإحياء في كتاب النية و الإخلاص ما هذا لفظه بيان أن النية غير داخلة تحت الاختيار (1) ثم شرع يستدل على صحة هذا المقال و هذا موافقة لأهل العدل بغير إشكال.

و قال في كتاب حماقة أهل الإباحة في الجواب عن شبهتهم الأولى ما هذا لفظه فإن الله تعالى ما كلفنا لأجل أن ينتفع بذلك بل لأجل انتفاعنا نحن بذلك و ضرب الغزالي لذلك مثل الطبيب و المريض ثم قال و كذا الرب تعالى أمرنا بالطاعة و نهانا عن المعصية للراحة لنا و فائدة راجعة إلينا و هو مقدس منزه عن أفعالنا طاعة كانت أو معصية.

أقول أ ما تراه عند ترك المعصية كيف يشهد بتنزيه الجلالة الإلهية من أفعال العباد و هذا واضح لمن ترك منهم سبيل المكابرة و العناد و كان من أهل السداد و قد تقدم من الرد على أهل هذه الاعتقادات ما في بعضه كفاية و شفاء لأهل العقول و الديانات فاعتبر ما قلناه و قدمناه و احفظ نفسك من تقليد المجبرة و غيرهم ممن ترك الحق و الصدق و الذي حققناه.

و من مناظرات أهل العدل للمجبرة ما

روي‏

أن ثمامة كان في مجلس المأمون و أبو العتاهية حاضر فسأل أبو العتاهية المأمون أن يأذن له في مناظرة ثمامة و الاحتجاج عليه فأذن له فحرك أبو العتاهية يده و كان مجبرا و قال من حرك هذه فقال ثمامة و كان يقول بالعدل حركها من أمه زانية فقال أبو العتاهية شتمني يا مأمون في مجلسك فقال ثمامة ترك مذهبه يا مأمون لأنه يزعم أن الله حركها فلأي سبب غضب أبو العتاهية و ليس لله أم فانقطع أبو العتاهية.

و من عجيب ما تقحم به المجبرة الذين يقولون إنه لا فاعل سوى الله و إن‏

342

كل فعل أو ترك يقع من العباد فإنه فعل الله على الجملة و التفصيل أن يقال لهم قد رحمناكم من شدة مصيبة هذا التفصيل ويحكم إن هذا الاعتقاد أقبح نكرا و أوضح كفرا من الذين اعتقدوا أن عيسى و علي بن أبي طالب(ع)إلهان من دون الله و من الذين عبدوا العجل و الأصنام و غيرها من المعبودات لأن أولئك حيث عبدوها عظموها و قبلوا ما توهموا أنه منها و تركوا ما اعتقدوا أن يبعدهم عنها و أنتم إذا كنتم على هذا الاعتقاد الفاسد السخيف فكل قول أو أمر أو نهى يقع لكم من قوي أو ضعيف فهو أمر الله و نهيه فأين امتثالكم لأوامر بعضكم لبعض و ترككم لمناهي بعضكم لبعض. فإن قلتم أيها المشككون فنحن أيضا إرادتنا و كراهتنا هي إرادة الله و كراهته و فعله فيقال لكم إذا كان الأمر كذلك فسقطت العبادات و الأوامر و النواهي و ما بقي في الوجود مأمور و منهي لأنه كله على قولكم و جهلكم فعل إله واحد و رب واحد.

و من عجيب ما يقال لهم أيضا إذا كانت الأفعال كلها التي تقع منكم هي فعل الله على التحقيق فقد صار كلامكم و أمركم و نهيكم كالقرآن و كالوحي و ككلام الله تعالى لموسى(ع)من الشجرة و ككلام الأنبياء عن الله و ما بينهم و بينكم فرق و حصل القدح في الرسل و الطعن على الرسل.

من عجيب ما يقال لهم أيضا إذا كان الأمر كما قلتموه من أن جميع أفعالكم فعل الله تعالى فيكم و ليس لكم فعل تختصون به فكيف اشتمل الوجود على تابع و متبوع و رئيس و مرءوس و نبي و أمته و إمام و رعيته لأنه لا يصح أن يكون الله جل جلاله و ذاته واحدة و أفعاله صادرة عنها منقسمة في نفسه و في أفعاله كانقسام التابع و المتبوع و الرئيس و المرءوس و النبي و الأمة و الرعية و يجتمع في ذاته تابع و متبوع و رئيس و مرءوس و نبي و أمته و إمام و رعيته أ ما لكم من‏

343

ينظر في حالكم فإن كنتم متعمدين للضلال أقام عليكم حدود النكال أو جاهلين أرشدكم و خلصكم من هذا الهلاك و الإهمال أو مرضى حملكم إلى المارستان و داواكم من هذا المرض و الاختلال. و من عجيب الآيات الصريحة في بطلان دعوى المجبرة أنه لا فاعل سوى الله تعالى قوله‏ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ‏ (1). و هذا كما ترى تصريح عظيم لا يحتمل التأويل بأن الطاغوت غير الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا و المجبرة تزعم أن الطاغوت هو الله تعالى.

و من عجيب الآيات الصريحة بتكذيبهم و الرد عليهم قوله تعالى‏ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْ‏ءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ‏ (2) و هذه دعوى المجبرة بعينها و قد كذبكم تكذيبا صريحا و قال‏ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ‏ و قال الله تعالى‏ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ‏ ثم قال‏ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏ (3) و قوله‏ وَ لَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها [عامِلُونَ‏ فاعلون.

و من عجيب جواب بعض العقلاء لما سئل من اعتقاد المجبرة في أنه يجوز أن يكلف الله العباد ما لا يطيقون فقال العدلي إذا كلف المولى عبده ما لا يطيق فقد بسط عذره في مخالفته.

و من عجيب جواب بعض أهل العدل لبعض المجبرة أن المجبر قال له أنت ما ترضى من خلق المعاصي أن يكون لك ربا فقال لا و الله و لا عبدا يعني لو كان لي عبد يخلق المعاصي ما رضيته يكون عبدي و لو عرض علي‏

344

عبد يعمل المعاصي و يخلقها ما رضيت أن يكون في خدمتي و لا عندي.

قال عبد المحمود و من الحكايات المأثورة في ذلك‏

مَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ(ص)أَنَّهُ قَالَ‏

لُعِنَتِ الْقَدَرِيَّةُ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيّاً قِيلَ وَ مَنِ الْقَدَرِيَّةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ قَوْمٌ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ عَلَيْهِمُ الْمَعَاصِيَ وَ عَذَّبَهُمْ عَلَيْهَا

(1)

. و من الحكايات المأثورة عن نبيهم محمد(ص)في ذلك‏

مَا رَوَاهُ صَاحِبُ الْفَائِقِ مَحْمُودٌ الْخُوارِزْمِيُّ وَ غَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَكِّيِّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ‏

إِنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ(ص)أَخْبِرْنِي بِأَعْجَبِ شَيْ‏ءٍ رَأَيْتَ قَالَ رَأَيْتُ قَوْماً يَنْكِحُونَ أُمَّهَاتِهِمْ وَ بَنَاتِهِمْ وَ أَخَوَاتِهِمْ فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لِمَ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَالُوا قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا وَ قَدَّرُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَقُولُونَ مِثْلَ مَقَالَتِهِمْ أُولَئِكَ مَجُوسُ أُمَّتِي‏

(2)

. و من الحكايات المذكورة في ذلك‏

مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ كِتَابِ الْفَائِقِ أَيْضاً وَ غَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبِ نَبِيِّهِمْ أَنَّهُ قَالَ‏

يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَعْمَلُونَ الْمَعَاصِيَ وَ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَدَّرَهَا عَلَيْهِمْ الرَّادُّ عَلَيْهِمْ كَالشَّاهِرِ سَيْفَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏

(3)

. و من الحكايات المذكورة في ذلك‏

مَا رُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ نَنَّهُ قَالَ‏

كُنْتُ فِي حَرَسِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَدَخَلَ غَيْلَانُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ قَضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ فَقَالَ وَيْحَكَ يَا غَيْلَانُ أَ وَ لَسْتَ تَرَانِي أُسَمِّي مَظَالِمَ بَنِي مَرْوَانَ ظُلْماً وَ أَرُدُّهَا أَ فَتَرَانِي أُسَمِّي قَضَاءَ اللَّهِ ظُلْماً وَ أَرُدُّهُ‏

. قال عبد المحمود مؤلف هذا الكتاب فهذا آخر ما رأيت ذكره في هذا الباب‏

345

في عقائد المجسمة و ردها

و أما ما حكى عن أحمد بن حنبل الأصفهاني لا الشيباني و قيل إنه مذهب الشيباني أيضا و من اتبعه و شابهه ممن قال إن الله تعالى جسم لا كالأجسام أو جسم و له جوارح مثل جوارح البشر فقد عرفت أن لهم كتابا تصنيف ابن الفراء الحنبلي يذكر جوارح ربهم على التفصيل فمن أراد الوقوف عليه فليطلبه من حيث أشرت إليه فإنني لا أقدم على شرح ذلك لعظم جرأتهم على الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

و قد وقفت على كتاب في اعتقاداتهم اسمه كتاب الاعتقاد تأليف أبي إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الأخباري الهروي و هو يصرح فيه بأن اعتقادهم أن الله تعالى له جوارح كالبشر فقال ما هذا لفظه إن الله عاب الأصنام فقال‏ أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ‏ (1) و قال حاكيا عن إبراهيم خليله إذ قال لقومه إذ حاجوه‏ قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ‏ (2) و قال لأبيه‏ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا

346

يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (1) و قال عز و جل‏ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ‏ (2) و قال إبراهيم لقومه‏ فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏ (3) و عاب العجل فقال‏ أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَ لا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا (4) و قال‏ أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا (5) فلما عاب الطواغيت بعدم تلك الصفات تبين أنه يمدح بها نفسه و أنها حقائق فيه فهذا صورة لفظ صاحب الاعتقادات الحنبلي.

قال عبد المحمود فهؤلاء قد بلغوا غاية عظيمة من الضلال و فارقوا العقول و كتابهم و نبيهم بكل حال أما العقول فإنها شاهدة أن كل مركب من الأعضاء فإنه لا بد له ممن يركبه و يؤلفه فيجب أن يكون المركب محدثا فيحتاج إلى صانع قديم أحدثه و ألفه هكذا يشهد العقول الصحيحة بحدوث المركبات و المؤلفات و المحدودات بالحدودات أو بالجهات.

و أما كتابهم فإنه قال في وصف الله تعالى‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ (6) و غير ذلك من التنزيه التام فلو كان لله أعضاء كما ذكروا كانت لها أمثال كثيرة.

و أما نبيهم محمد(ص)فلا يحصى أخباره بتنزيه الله و كذلك أخبار عترته المترجمون عنه و قد تضمن كتاب نهج البلاغة من كلام علي بن أبي طالب(ع)طرفا بليغا في تنزيه الله عن صفات المحدثات.

و أما قول صاحب كتاب اعتقاد الحنابلة من أن الله تعالى عاب الطواغيت.

347

فهذا عجيب منه لأن الله ليس حديثه في ذلك مع الأصنام و لا قصد تعيبها و إنما عاب من عبدها و اتخذها آلهة و هي على صفات يستحيل معها أن تكون مستحقة للعبادة و كيف يعتقد عاقل أن هذا الكلام الذي ذكره صاحب الإعتقاد عن كتابهم دالا على أن لله رجلا و يدا و عينا و غير ذلك من الأعضاء لأنه تعالى ليس بجسم و ما هو مرئي في ذاته أصلا و لا ادعى عاقل أنه رأى الله بأعضاء و جوارح حتى يكون مراده أ فلا يرون الطواغيت بغير جوارح و أنا لي جوارح و أعضاء و لا يخفى على العاقل أن هذا الكلام خرج على وجه الاستعظام لما فعلوه و قالوه من عبادة الأصنام.

و كيف اقتضت عقولهم أن يعدلوا عن الله مع ظهور دلالته و آياته و حيث عدلوا عن الله فلم يتعوضوا بمن ينفعهم إن عبدوه أو يضرهم إن لم يعبدوه و لا بينه و بين الإلهية نسبة و لا يقدر أن ينفع نفسه بيد يبطش بها و لا رجل يمشي بها أو جوارح ينتفع بها أو ينفع غيره و كان هذا موضع التعجب و الاستعظام.

و من طريف ما رأيت الذي قد ذكره الحنبلي صاحب كتاب الاعتقاد المشار إليه أنه قال ما هذا لفظه و لا يقال إن الاسم غير المسمى فإن هذا القول من الإلحاد. قال عبد المحمود إن كان هذا اعتقاد للحنابلة كلهم أو أكثرهم أو اعتقاد هذا المصنف و أتباعه و أمثاله فهذا قول من مريض العقل أو مكابر أو مجنون بالكلية لأنه ما يشتبه على أحد من أهل العقول الصحيحة أن الاسم غير المسمى فما أقبح هذه الأحوال و أوضح هذا الضلال. و من الطرائف ما وقفت عليه من أخبارهم التي نقلوها في كتبهم المعتبرة عندهم و نقلت بعضها كما وجدته.

فَمِنْ طَرِيفِ ذَلِكَ مَا ذَكَرُهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْحَدِيثِ‏

348

الثَّانِي وَ الْخَمْسِينَ مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ كِتَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ جريح [جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ

أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنِ الْوُرُودِ فَقَالَ نَجِي‏ءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَ كَذَا أَنْظُرُ أَيَّ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ قَالَ فَتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ مَنْ تَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ نَنْظُرُ رَبَّنَا فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ فَيَتَجَلَّى لَهُمْ بِضَحِكٍ قَالَ فَيُنْطَلَقُ بِهِمْ وَ يَتَّبِعُونَهُ وَ يُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مُنَافِقٌ أَوْ مُؤْمِنٌ نُوراً ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وَ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وَ حَسَكٌ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُطْفِئُ نُورَ الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ‏

الخبر (1).

قال عبد المحمود كيف حسن من هؤلاء الذين يدعون أنهم مسلمون أن يرووا مثل هذا الحديث و الضحك عن ربهم ثم يجعلونه صحيحا و كيف قبلت عقولهم ذلك و العجب أنهم ربما أسقطوا حديث بعض من يقولون إنه حكى عن فلان ما هو كذب و مع هذا فلا يسقط مثل هذا الحديث الذي يشهد العقول أنه كذب فيه على الله تعالى و ظاهر حالهم أنهم كذبوا على جابر فإن حاله في الإسلام كانت أفضل و أكمل من هذا النقصان و هذا تصريح منهم بأن الله جسم أو على صفات الأجسام.

و من طريف هذا أنه قال إنه يعطي المنافقين نورا الذي يشهد كتابهم أنهم‏ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. و من طرائف روايتهم‏

مَا ذَكَرُهُ أَيْضاً الْحُمَيْدِيُّ فِي كِتَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي وَ الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَ رَوَاهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ‏

يَذْكُرُ فِيهِ كَيْفِيَّةَ تَسَاقُطِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ ثُمَّ قَالَ مَا هَذَا لَفْظُهُ حَتَّى‏

349

إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ وَ فَاجِرٍ أَتَاهُمُ اللَّهُ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا قَالَ فَمَا تَنْتَظِرُونَ تَتَبَّعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ قَالُوا يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَ لَمْ نُصَاحِبْهُمْ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ فَيَقُولَ هَلْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ عَلَامَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ وَ لَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ آنِفاً أَوْ رِيَاءً إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ وَ قَدْ تَحَوَّلَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا

الْخَبَرَ (1).

قال عبد المحمود إني لأبكي على هذه العقول ثم أضحك منها و هو على مقتضى الحديث المتقدم في الإشارة إلى أن ربهم جسم و أنهم ينكرونه يوم القيامة و يتعوذون منه و هذا من العجائب التي يضحك منها أهل الملل كافة و يزهدون بطريقة الإسلام معاذ الله من قوم يصدقون ذلك.

و من طرائف رواياتهم في ذلك ما

ذكره محمد بن عمر الرازي صاحب كتاب نهاية العقول و هو من أعظم علماء الأشعرية في كتاب تأسيس التقديس فقال إنهم يروون‏

أن الله ينزل كل ليلة جمعة لأهل الجنة على كثيب من كافور.

و من طرائف رواياتهم ما

ذكره الرازي في الكتاب المذكور و ذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع و التسعين من المتفق عليه من مسند أنس بن مالك يروونه عن نبيهم و يشهد العقل بأنه ما قاله قالوا إنه قال‏

لا تزال جهنم‏

تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ

حتى يضع رب العرش و في رواية ربُّ العزة قدمَه فيها فتقول قط قط و عزتك و يزوي بعضها إلى بعض‏

(2)

350

وَ مِنْ كِتَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ أَيْضاً فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي وَ الثَّمَانِينَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ قَالَ‏

فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رِجْلَهُ فِيهَا فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَ يَزْوِي بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ‏

الْخَبَرِ (1)

وَ مِنْ كِتَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ أَيْضاً فِي مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ نَبِيِّهِمْ قَالَ‏

إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلَا يَلْطِمَنَّ الْوَجْهَ وَ فِي رِوَايَةٍ فَلْيَتْجَنِبِ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ‏

(2)

قال عبد المحمود أ ما تعجب العاقل من هذه الأحاديث التي قد نقلوها في صحاحهم و من قوم يذكرون أنهم من المسلمين و قد بلغوا هذه الغاية من تقبيح ذكر رب العالمين و من إساءة سمعة نبيهم و هل بلغ أعداؤهم من تقبيح ذكرهم النبي(ص)إلى ما قد بلغ هؤلاء و ما أحسن قول بعض العلماء عدو عاقل خير من صديق جاهل.

و العجب ممن رأى فساد ظاهر هذه الأخبار لو أرجع الضمير في صورته إلى الله سبحانه كما هو ظاهرها فاعتذر بأن الضمير راجع إلى آدم و فساده ظاهر.

و من طرائف رواياتهم‏

مَا ذَكَرُهُ الرَّازِيُّ عَنْهُمْ فِي كِتَابِ تَأْسِيسِ التَّقْدِيسِ وَ ذَكَرَ أَنَّهُ رَوَاهُ صَاحِبُ شَرْحِ السُّنَّةِ وَ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فِيمَنْ يُخْرِجُهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ قَالُوا عَنْ نَبِيِّهِمْ أَنَّهُ قَالَ‏

فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِيهَا فَيَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ أَ يُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَ تَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَ أَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ أَ تَسْخَرُ بِي أَوْ تَضْحَكُ بِي‏

351

وَ أَنْتَ الْمَلِكُ فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَ قَالَ أَ لَا تَسْأَلُونِّي مِمَّ أَضْحَكُ فَقَالُوا مِمَّ تَضْحَكُ قَالَ هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالُوا مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ أَ تَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَ أَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ وَ أَنَا عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ

(1)

قَالَ الرَّازِيُّ وَ ذَكَرَ حَدِيثاً طَوِيلًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنْ قَالَ‏

ثُمَّ يَقُولُ أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَ وَ لَسْتَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ وَ أَمْكَرَكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ أَذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ إِلَى الْجَنَّةِ

قَالَ عَبْدُ الْمَحْمُودِ وَ رَأَيْتُ‏

فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ السِّتِّينَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظٍ آخَرَ قَالَ‏

فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ فَيَضْحَكُ اللَّهُ مِنْهُ ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ

وَ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ أَيْضاً فِي مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ وَ التِّسْعِينَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ‏

أَنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ لِرَجُلَيْنِ‏

الْخَبَرَ (2) قال عبد المحمود أ ما خاف الله من يذكر أنه من المسلمين في رواية هذه الأحاديث و شهادته بصحتها و هل كان يجوز أن تضاف هذه الأمور إلى أدنى عاقل فكيف تضاف إلى الله عز و علا و يوصف بهذه الصفات الشنيعة إن هذا لكما تضمنه كتابهم‏ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (3).

352

و من طرائف روايتهم أيضا

مَا ذَكَرُهُ الرَّازِيُّ عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ‏

أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اللَّهَ بَكَى عَلَى أَهْلِ طُوفَانِ نُوحٍ‏

و من ذلك ما

ذكره أيضا الرازي عنهم في الكتاب المذكور أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ نَبِيَّهُمْ مُحَمَّداً(ص)قَالَ‏

لَمَّا قَضَى اللَّهُ بَيْنَ خَلْقِهِ اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ ثُمَّ وَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَجْلِسَ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ

. قال عبد المحمود يا لله و يا للعقول ممن يذكر أن رواة مثل هذا الحديث و المصدقين بها مسلمون أو عقلاء أو مستبصرون لقد قبحوا ذكر ربهم و نبيهم بما لم يبلغ إليه أعداؤهم فهل يقتدي بهؤلاء عاقل أو يثق بهم فاضل.

و من ذلك ما ذكره الرازي أيضا عنهم في الكتاب المذكور

أَنَّ أَعْرَابِيّاً جَاءَ إِلَى نَبِيِّهِمْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْأَنْفُسُ وَ جَاعَتِ الْعِيَالُ وَ هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ وَ بِكَ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عَرَفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ أَصْحَابُهُ ثُمَّ قَالَ وَيْحَكَ أَ تَدْرِي مَا اللَّهُ اللَّهُ شَأْنُهُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ إِنَّهُ لَفَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَ إِنَّهُ عَلَيْهِ لَهَكَذَا وَ أَشَارَ وَ قَبَّ بِيَدِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ

قال الرازي و أشار أبو الأزهر أيضا يئط به أطيط الرجل بالراكب.

قال عبد المحمود

وَ رُوِيَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ الثَّامِنِ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ نَبِيِّهِمْ‏

أَنَّ يَدَ اللَّهِ مَلْآءُ لَا يُغِيضُهَا نَفَقَةُ سَخَاءِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ قَالَ أَ رَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يُغِضْ مَا فِي يَدِهِ‏

وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ

وَ بِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَ يَرْفَعُ‏

(1)

وَ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ فِي كِتَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ مُسْنَدِ

353

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْحَدِيثِ السَّادِسِ بَعْدَ الْمِائَةِ رَوَاهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ أَنَّهُ قَالَ‏

إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ حِيَالَ وَجْهِهِ فَلَا يَتَنَخَّعْ حِيَالَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ

(1)

وَ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ أَيْضاً فِي كِتَابِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ السَّادِسِ وَ الْخَمْسِينَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ مُسنَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ عَنْ نَبِيِّهُمْ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ قَالَ‏

فَيَأْتُونِّي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي فَإِذَا أَنَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِداً

الْخَبَرَ (2)

وَ رَوَى ابْنُ مُقَاتِلٍ فِي كِتَابِ الْأَسْمَاءِ فِي حَدِيثٍ يَرْفَعُهُ وَ أَسْنَدَهُ قَالَ‏

قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)مِمَّ رَبُّنَا قَالَ مِنْ مَاءٍ رَوِيٍّ لَا مِنْ أَرْضٍ وَ لَا مِنْ سَمَاءٍ خَلَقَ خَيْلًا فَأَجْرَاهَا فَعَرِقَتْ فَخَلَقَ نَفْسَهُ مِنْ عَرَقِهَا

وَ ذَكَرَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُقَاتِلٍ فِي كِتَابِ الْأَسْمَاءِ أَيْضاً فَقَالَ رَوَتْ جَمَاعَةٌ تَكَثَّرَ عَدَدُهُمْ وَ تَوَفَّرَ جَمْعُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ‏

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا

وَ ذَكَرَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُقَاتِلٍ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُمْ يَرْوُونَ عَنْ نَبِيِّهِمْ‏

أَنَّ رَبَّهُمْ رَمِدَتْ عَيْنَاهُ فَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ

. قال سليمان بن مقاتل و منهم من يذكر أن البحر من بزاق الله و أن على رأسه شعرا قططا.

قال عبد المحمود أما حديث الخيل و العرق فكيف حسن من هؤلاء الذين يذكرون أنهم مسلمون أن ينقلوا مثل هذا عن نبيهم و قد عرف أعداؤه أن نبيهم ما كان بصفة من يقول ذلك و كيف قبلوا هذا المحال عن ربهم و كيف يجوز لعاقل أن يقتدي بهؤلاء أو يثق بروايتهم.

سبحان الله يقولون في أول الحديث إن الله خلق خيلا ثم يقولون في‏

354

آخره إنه خلق نفسه من عرقها ليت شعري من خلق الخيل التي أجراها فإن كان موجودا قبل خلق الخيل فأي شي‏ء خلق من عرقها و إن كان غير موجود فكيف يصح في العقول أن يخلق المعدوم خيلا أو شيئا.

و أما الأحاديث الأخر فلا شبهة أنها من جملة الزور و البهتان المخالفة للعقول و الأديان فكيف ينقلها أو يصدقها من يدعي أنه من أهل الإسلام و الإيمان.

وَ ذَكَرَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُقَاتِلٍ فِي كِتَابِ الْأَسْمَاءِ فِي حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ قَالَ‏

قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ قَالَ كَانَ فِي غَمَامٍ تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَ فَوْقَهُ هَوَاءٌ ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ

. قال عبد المحمود إذا كان ربهم قد أحاط به الهوى فقد صار متحيزا و في جهة دون جهة فيلزم أن يكون مخلوقا حادثا فإن العقول يشهد أن كل متحيز أو في جهة فإنه محتاج إلى من جعله في ذلك الحيز أو الجهة و إذا كان ربهم على قولهم محدثا فقد ساووا أصحاب الأصنام و رجعوا إلى ما كانوا قبل الإسلام و فارقوا العقول و كتابهم و رسولهم و الحمد لله على السلامة من الاقتداء بهم و المنشأ فيهم و الولادة بينهم.

و ذكر محمد بن عمر الرازي و هو من أكبر علماء الأشعرية و أعظم علماء الأربعة المذاهب في كتاب تأسيس التقديس ما هذا لفظه من أثبت كونه تعالى جسما متحيزا مختصا بجهة فإنه يكون المعتقد لذلك كافرا لأن كل من يكون مختصا بجهة و حيز فإنه مخلوق و محدث و له إله أحدثه و القائلون بالجسمية و الجهة أنكروا وجود موجود سوى هذه الأشياء التي يمكن الإشارة إليها فهم منكرون لذات الموجود الذي يعتقدون أنه الإله و إذا كانوا منكرين لذاته كانوا كفارا لا محالة.

قال و هذا بخلاف المعتزلي فإنه يثبت موجودا وراء هذه الأشياء التي‏

355

يشار إليها بالحس إلا أنه يخالفنا في صفات ذلك الموجود و المجسمة يخالفون في إثبات ذلك المعبود و وجوده فكان هذا الخلاف أعظم و يلزمهم كونهم منكرين لذات المعبود الحق و لوجوده و المعتزلة في صفته لا في ذاته هذا لفظ الرازي.

فأي عاقل يرضى باتباع المجسمة و الاقتداء بهم أو قبول روايتهم و العمل بمذاهبهم معاذ الله من ذلك.

و ذكر الخوارزمي محمود في كتاب الفائق و هذا محمود من أعظم علماء المعتزلة و علماء شيوخ الأربعة المذاهب قال ما هذا لفظه و أما المشبهة من هذه الأمة المصرحون بأن الله تعالى جسم ذو أبعاد فقد اختلفوا في تكفيرهم فذهب شيوخنا إلى تكفيرهم.

قال عبد المحمود و قد تقدم قول شيخ الأشعرية الشافعية في الحنابلة المشبهة و هذا قول شيوخ المعتزلة في تكفيرهم فهل يرغب ذو ملة أو بصيرة في مشاركتهم في ذلك الضلال و هل يشتبه ضلالهم على أحد من أهل الكمال و قد اقتصرت على تلك الأحاديث مع أن أحاديثهم في ذلك كثيرة و إنما خفت الله من استيفاء ذلك و يكفي العاقل بعض ما ذكرته مما ذكروه ففيه تنبيه على ما أضمروه‏

في جملة من اعتقادات الأربعة المذاهب في الأنبياء و خاصة نبينا

و من طرائف ما وقفت عليه في شرح حال أحمد بن حنبل الشيباني الذي/ شهد الخليفة المعتصم من بني العباس و علماء أيامه عليه بالضلال و ضربوه و حبسوه و قد تضمنت كتب التواريخ شرح ذلك و هو المدفون على شاطئ الجانب الغربي من بغداد عند الحربية و شرح حال أصحابه ما شهد عليه و عليهم الراضي بالله أيضا

356

الخليفة من بني العباس المدفون بين يدي الرصافة المعروف و قد ذكر ذلك جماعة من أصحاب التواريخ فمنهم ثابت بن سنان ذكره في الجزء السابع من تاريخه الخبر في كثير من ربطهم و مدارسهم فقال ما هذا لفظه و روي أن يوم السبت لعشر خلون من جمادى الآخرة ركب بدر الحرسي صاحب الشرطة فنادى في جانبي بغداد في أصحاب أبي محمد البربهازي الحنابلة لا يجتمع منهم نفسان في موضع واحد و حبس جماعة و استتر أبو محمد البربهازي.

و وقع الخليفة الراضي بالله إلى الحنابلة توقيعا نسخته‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* من نافق بإظهار الدين و توثب على المسلمين و أكل به أموال المعاهدين كان قريبا من سخط رب العالمين و غضب الله عليه و جعله من الضالين و قد تأمل الراضي بالله جماعتكم و كشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم فوجده كاللعين إبليس يزين لحزبه المحظور و يركب بهم صعاب الأمور و يدني لهم حبل الغرور فمن ذلك تشاغلهم بالكلام في رب العزة تباركت أسماؤه و في نبيه و في عرشه و في كرسيه و كطعنكم على خيار الأمة و نسبتكم شيعة أهل بيت نبيكم إلى الضلال و إرصادكم لهم بالمكابرة في الطرقات و المحال و استدعائكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة و المذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن و لا يقتضيها فرائض الرحمن و إنكاركم لزيارة قبور الأئمة(ع)و تشنيعكم على زوارها بالبدع و إنكم مع ذلك تتفقون و تجتمعون لقصد رجل من العامة يعني أحمد بن حنبل ليس بذي شرف و لا نسب برسول الله(ص)و تأمرون بزيارته و الخشوع لدى تربته و الخضوع عند حضرته فلعن الله رأيا حملكم على هذه المنكرات ما أرداه و شيطانا زينها لكم ما أغواه و الراضي بالله يقسم بالله قسما بتة يلزمه الوفاء به لئن لم تنصرفوا عن مذموم مذهبكم و معوج طريقتكم ليوسعنكم‏

357

ضربا و تشريدا و قتلا و تبددا و تعذيرا و لتعملن السيوف في عواتقكم و النار في منازلكم و محالكم فليبلغ الشاهد منكم الغائب و من أعذر لنفسه لعاتب [لغائب‏] و ما توفيق الرضا بالله إلا بالله عليه يتوكل و إليه ينيب.

و أما أصحاب أبي حنيفة و أتباعه و من تقدم منهم أو تأخر عنهم من المعتزلة فقد ذكر أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي في كتاب فضائح المعتزلة و كتاب الفرق بين الفرق عنهم أمورا عظيمة فإن كانت كما ذكره فهي من أعظم الفضائح في الإسلام و أتم القبائح عند الله و عند الأنام.

و ذكر الخطيب في تاريخ بغداد من طعون أبي حنيفة و فضائحه ما هتك مستورات مذهبه. و ذكر أيضا الجويني في كتاب مغيث الخلق في معرفة الأحق طعونا كثيرة على أبي حنيفة المذكور من أراد الوقوف عليها فليراجع الكتاب المذكور.

و أما أنا فلا أشهد عليهم بها جميعا لأنني وقفت على كتبهم و لقيت علماءهم فرأيتهم يذكرون من صفات الله و توحيده و تنزيهه ما تشهد به العقول الصحيحة لكن ذكروا عن الأنبياء و أئمتهم أمورا قبيحة مع أني رأيت القائلين منهم بإثبات الجواهر و الأعراض في العدم.

قد ذكروا في ذلك اعتقادا يقتضي موافقتهم للفلاسفة في قدم العالم و موافقتهم للمجبرة في بعض الوجوه في أن أفعالنا و حركاتنا و سكناتنا ليست منا بل زادوا على الفلاسفة و المجبرة في سوء الاعتقاد و قبح القول لأن الفلاسفة قالت إن الهيولى قديمة و إنها أصل العالم و إن الله ليس له في وجود الهيولى قدرة و لا أثر لأنهم ذكروا أنها لا أول لوجودها و هي عندهم مشاركة لله في القدم و قالوا إن الله يصور منها الصور فليس له إلا التصوير فحسب‏