بحار الأنوار - ج44

- العلامة المجلسي المزيد...
399 /
1

تتمة كتاب تاريخ فاطمة و الحسن و الحسين (ع)

تتمة أبواب ما يختص بالإمام الزكي سيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي (صلوات الله عليهما)

باب 18 العلة التي من أجلها صالح الحسن بن علي (صلوات الله عليه) معاوية بن أبي سفيان و داهنه و لم يجاهده و فيه رسالة محمد بن بحر الشيباني (رحمه الله)

1-

ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ سَدِيرٍ قَالَ:

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)وَ مَعِي ابْنِي يَا سَدِيرُ اذْكُرْ لَنَا أَمْرَكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ- فَإِنْ كَانَ فِيهِ إِغْرَاقٌ كَفَفْنَاكَ عَنْهُ وَ إِنْ كَانَ مُقَصِّراً أَرْشَدْنَاكَ- قَالَ فَذَهَبْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ- فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)أَمْسِكْ حَتَّى أَكْفِيَكَ- إِنَّ الْعِلْمَ الَّذِي وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عِنْدَ عَلِيٍّ(ع)مَنْ عَرَفَهُ كَانَ مُؤْمِناً وَ مَنْ جَحَدَهُ كَانَ كَافِراً ثُمَّ كَانَ مِنْ بَعْدِهِ الْحَسَنُ(ع) قُلْتُ كَيْفَ يَكُونُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ- وَ قَدْ كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ دَفَعَهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ- فَقَالَ اسْكُتْ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا صَنَعَ- لَوْ لَا مَا صَنَعَ لَكَانَ أَمْرٌ عَظِيمٌ‏

(1)

.

2-

ع، علل الشرائع حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ دَاوُدَ الدَّقَّاقِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ اللَّيْثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْخَفَّافُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَقِيصَا قَالَ:

قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع) يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَ دَاهَنْتَ مُعَاوِيَةَ وَ صَالَحْتَهُ- وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَ‏

____________

(1) تراه في علل الشرائع ج 1(ص)200 و هكذا الحديث التالى.

2

الْحَقَّ لَكَ دُونَهُ وَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ ضَالٌّ بَاغٍ- فَقَالَ يَا بَا سَعِيدٍ أَ لَسْتُ حُجَّةَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى خَلْقِهِ- وَ إِمَاماً عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَبِي(ع)قُلْتُ بَلَى- قَالَ أَ لَسْتُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لِي وَ لِأَخِي- الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا قُلْتُ بَلَى- قَالَ فَأَنَا إِذَنْ إِمَامٌ لَوْ قُمْتُ وَ أَنَا إِمَامٌ إِذَا قَعَدْتُ- يَا بَا سَعِيدٍ عِلَّةُ مُصَالَحَتِي لِمُعَاوِيَةَ- عِلَّةُ مُصَالَحَةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)لِبَنِي ضَمْرَةَ وَ بَنِي أَشْجَعَ- وَ لِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ- أُولَئِكَ كُفَّارٌ بِالتَّنْزِيلِ وَ مُعَاوِيَةُ وَ أَصْحَابُهُ كُفَّارٌ بِالتَّأْوِيلِ- يَا بَا سَعِيدٍ إِذَا كُنْتُ إِمَاماً مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ- لَمْ يجب [يَجُزْ أَنْ يُسَفَّهَ رَأْيِي فِيمَا أَتَيْتُهُ مِنْ مُهَادَنَةٍ أَوْ مُحَارَبَةٍ- وَ إِنْ كَانَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَيْتُهُ مُلْتَبِساً- أَ لَا تَرَى الْخَضِرَ(ع)لَمَّا خَرَقَ السَّفِينَةَ- وَ قَتَلَ الْغُلَامَ وَ أَقَامَ الْجِدَارَ سَخِطَ مُوسَى(ع)فِعْلَهُ- لِاشْتِبَاهِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ فَرَضِيَ- هَكَذَا أَنَا سَخِطْتُمْ عَلَيَّ بِجَهْلِكُمْ بِوَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ- وَ لَوْ لَا مَا أَتَيْتُ لَمَا تُرِكَ مِنْ شِيعَتِنَا- عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ.

قال الصدوق (رحمه الله) قد ذكر محمد بن بحر الشيباني رضي الله عنه‏ (1) في كتابه المعروف بكتاب الفروق بين الأباطيل و الحقوق في معنى موادعة الحسن بن علي بن أبي طالب لمعاوية فذكر سؤال سائل عن تفسير

-

حديث يوسف بن مازن الراسبي‏ (2) في هذا المعنى و الجواب عنه و هو الذي رواه أبو بكر محمد بن الحسن بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال حدثنا أبو طالب زيد بن أحزم قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القاسم بن الفضل قال حدثنا يوسف بن مازن الراسبي قال‏

بايع الحسن بن علي (صلوات الله عليه) معاوية على أن لا يسميه أمير المؤمنين و لا يقيم عنده شهادة و على أن لا يتعقب على شيعة علي(ع)شيئا و على أن يفرق في أولاد

____________

(1) عنونه النجاشيّ في رجاله(ص)298 و قال: قال بعض أصحابنا انه كان في مذهبه ارتفاع، و حديثه قريب من السلامة، و لا أدرى من أين قيل ذلك.

(2) الراشى خ ل في الموضعين.

3

من قتل مع أبيه يوم الجمل و أولاد من قتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم و أن يجعل ذلك من خراج دارابجرد

(1)

.

قال و ما ألطف حيلة الحسن (صلوات الله عليه) في إسقاطه إياه عن إمرة المؤمنين قال يوسف فسمعت القاسم بن محيمة يقول ما وفى معاوية للحسن بن علي (صلوات الله عليه) بشي‏ء عاهده عليه و إني قرأت كتاب الحسن(ع)إلى معاوية يعدد عليه ذنوبه إليه و إلى شيعة علي(ع)فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي و من قتلهم معه.

فنقول رحمك الله إن ما قال يوسف بن مازن من أمر الحسن(ع)و معاوية عند أهل التميز و التحصيل تسمى المهادنة و المعاهدة أ لا ترى كيف يقول ما وفى معاوية للحسن بن علي بشي‏ء عاهده عليه و هادنه و لم يقل بشي‏ء بايعه عليه و المبايعة على ما يدعيه المدعون على الشرائط التي ذكرناها ثم لم يف بها لم يلزم الحسن ع.

و أشد ما هاهنا من الحجة على الخصوم معاهدته إياه على أن لا يسميه أمير المؤمنين و الحسن(ع)عند نفسه لا محالة مؤمن فعاهده على أن لا يكون عليه أميرا إذ الأمير هو الذي يأمر فيؤتمر له.

فاحتال الحسن (صلوات الله عليه) لإسقاط الايتمار لمعاوية إذا أمره أمرا على نفسه و الأمير هو الذي أمره مأمور (2) من فوقه فدل على أن الله عز و جل لم يؤمره عليه و لا رسوله(ص)أمره عليه‏

-

فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ(ص)

لَا يَلِيَنَّ مُفَاءٌ عَلَى مُفِي‏ءٍ

(3)

.

.

____________

(1) و سيجي‏ء منا وجه ذلك.

(2) في المصدر المطبوع ج 1(ص)202 «كأمور» و في الطبعة الحجرية «كأمر» و سيجي‏ء بيانه من المصنّف- (رضوان اللّه عليه)- لكن يحتمل أن يكون مصحف «بأمور».

(3) «المفاء» هو الذي صار فيئا للمسلمين، و «المفي‏ء» هو كل مسلم أخذ ذلك المفاء عنوة، فلو كان ذلك المفاء المأخوذ كبيرا يجوز للمسلمين قتله، و اطلاقه منا أو فداء، و لو كان.

4

يريد أن من حكمه‏ (1) حكم هوازن الذين صاروا فيئا للمهاجرين و الأنصار فهؤلاء طلقاء المهاجرين و الأنصار بحكم إسعافهم النبي فيئهم لموضع رضاعه‏ (2)

____________

صغيرا لم يبلغ الحلم جاز لهم استرقاقه و هكذا اطلاقه منا أو فداء.

لكن المراد بالمفاء في هذا الحديث: الذي صار طليقا بالمن عليه، صغيرا كان أو كبيرا، فحيث كان المسلمون حاكمين على نفسه بالقتل أو الاسترقاق و لم يفعلوا ذلك، بل تكرموا و منوا عليه بالإطلاق، ثبت لهم ولاية ذلك كما في ولاء العتق، فلم يكن له أن يأمر و لا أن ينهى و لا أن يتأمر على المسلمين قضاء لحقوق تلك الولاية.

و وجه ذلك أن المسلمين هم الذين أعطوه و وهبوا له آثار الحياة و الحرية، بحيث صار يأمر و ينهى لنفسه، يذهب و يجى‏ء حيث يشاء، فلو صار يأمر و ينهى المسلمين، و يتأمر عليهم، انتقض عليه ذلك و كان كعبد يتحكم على مولاه.

هذا مرمى قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا يلين مفاء على مفي‏ء» أي لا يكون الطليق أميرا على المسلمين أبدا، و لو تأمر عليهم لكان غاصبا لحق الامارة، ظالما لهم بحكم الشرع و العقل و الاعتبار، فحيث كان معاوية طليقا لم يكن له أن يتأمر على المسلمين.

(1) الضمير في «حكمه» يرجع الى الفي‏ء، أي من أحكام الفي‏ء حكم أسرى هوازن الذين صاروا فيئا للمهاجرين و الأنصار يوم حنين.

(2) أتى رسول اللّه وفد هوازن بالجعرانة و كان مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من سبى هوازن ستة آلاف من الذرارى و النساء، و من الإبل و الشاء ما لا يدرى ما عدته، فقالوا:

يا رسول اللّه انا أصل و عشيرة و قد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من اللّه عليك و قام رجل من بنى سعد بن بكسر يقال له زهير. فقال: يا رسول اللّه! انما في الحظائر عماتك و خالاتك و حواضنك اللاتى كن يكفلنك، و لو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثمّ نزل منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه و عائدته علينا، و أنت خير المكفولين.

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد كلام: أما ما كان لي و لبنى عبد المطلب فهو لكم فقال المهاجرون: و ما كان لنا فهو لرسول اللّه، و قالت الأنصار: و ما كان لنا فهو لرسول اللّه.

راجع سيرة ابن هشام ج 2(ص)488.

5

و حكم قريش و أهل مكة حكم هوازن‏ (1).

فمن أمره‏ (2) رسول الله(ص)عليهم فهو التأمير من الله جل جلاله و رسوله ص.

أو من الناس كما قالوا في غير معاوية إن الأمة اجتمعت فأمرت فلانا و فلانا و فلانا على أنفسهم فهو أيضا تأمير غير أنه من الناس لا من الله و لا من رسوله و هو إن لم يكن تأميرا من الله و من رسوله و لا تأميرا من المؤمنين فيكون أميرهم بتأميرهم فهو تأمير منه بنفسه.

و الحسن (صلوات الله عليه) مؤمن من المؤمنين فلم يؤمر معاوية على نفسه بشرطه عليه ألا يسميه أمير المؤمنين فلم يلزمه ذلك الايتمار له في شي‏ء أمره به و فرغ (صلوات الله عليه) إذ خلص بنفسه من الإيجاب عليها الايتمار له عن أن يتخذ على المؤمنين الذين هم على الحقيقة مؤمنون و هم الذين‏ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ‏ و لأن هذه الطبقة لم يعتقدوا إمارته و وجوب طاعته على أنفسهم و لأن الحسن(ع)أمير البررة و قاتل الفجرة

- كَمَا قَالَ النَّبِيُّ(ص)لِعَلِيٍّ(ع) عَلِيٌ‏

____________

(1) فتح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مكّة عنوة فخطب على باب الكعبة ثمّ قال بعد كلام: «يا معشر قريش! ما ترون أنى فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا. أخ كريم، و ابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» راجع سيرة ابن هشام ج 2(ص)412. فكان له (ص) أن يأمر بأسرهم و قتلهم و سبى ذراريهم حيث انه دخلها عنوة فلم يفعل ذلك بل من عليهم و قال: انتم الطلقاء، و فيهم معاوية بن أبي سفيان.

(2) هذا هو الصحيح يعنى فعلى هذا: من أمره رسول اللّه على المسلمين أو على الطلقاء فهو التأمير من اللّه و رسوله إلخ و يكون ابتداء كلام و ما في النسخ من قوله: «لمن أمره رسول اللّه عليهم» تتميما لما سبق، فهو تصحيف لم يتنبه له المصنّف (رضوان اللّه عليه) على ما يجى‏ء في البيان، و ذلك لان حكم الطلقاء- طلقاء قريش و هوازن- من عدم جواز تأمرهم على المسلمين بقوله «لا يلين مفاء على مفي‏ء» عام مطلق، لا يختص بمن أمره رسول اللّه على الطلقاء. مع أنّه لو قرأنا اللفظ «لمن أمره» لتشتت الكلام من نواحي شتى.

6

أَمِيرُ الْبَرَرَةِ وَ قَاتِلُ الْفَجَرَةِ.

فأوجب(ع)أنه ليس لبرّ من الأبرار أن يتأمر عليه و إن التأمير على أمير الأبرار ليس ببرّ هكذا يقتضي مراد رسول الله(ص)و لو لم يشترط الحسن بن علي(ع)على معاوية هذه الشروط و سماه أمير المؤمنين‏

و قد قال النبي(ص)

قريش أئمة الناس أبرارها لأبرارها و فجارها لفجارها.

. و كل من اعتقد من قريش أن معاوية إمامه بحقيقة الإمامة من الله عز و جل و اعتقد الايتمار له وجوبا عليه فقد اعتقد وجوب اتخاذ مال الله دولا و عباده خولا و دينه دخلا (1) و ترك أمر الله إياه إن كان مؤمنا فقد أمر الله عز و جل المؤمنين بالتعاون على البر و التقوى فقال‏ وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ (2).

فإن كان اتخاذ مال الله دولا و عباده خولا و دين الله دخلا من البر و التقوى جاز على تأويلك من اتخذه إماما و أمره على نفسه كما ترون التأمير على العباد.

و من اعتمد أن قهر مال الله على ما يقهر عليه و دين الله على ما يسأم و أهل دين الله على ما يسأمون هو بقهر من اتخذهم خولا و إن الله من قبله مديل في تخليص المال من الدول و الدين من الدخل و العباد من الخول علم و سلم و آمن و اتقى إن البر مقهور في يد الفاجر و الأبرار مقهورون في أيدي الفجار بتعاونهم مع الفاجر على الإثم و العدوان المزجور عنه المأمور بضده و خلافه و منافيه.

و قد سئل الثوري السفيان عن العدوان ما هو فقال هو أن ينقل صدقة بانقيا إلى الحيرة فتفرق في أهل السهام بالحيرة و ببانقيا أهل السهام‏

____________

(1) إشارة الى قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا:

اتخذوا مال اللّه دولا، و عباد اللّه خولا، و دين اللّه دغلا» أخرجه الحاكم بالاسناد الى على (عليه السلام) و هكذا أبى ذر، و أبى سعيد الخدريّ، و صححه راجع مستدرك الحاكم ج 4(ص)480.

(2) المائدة: 3.

7

و أنا أقسم بالله قسما بارا أن حراسة سفيان و معاوية بن مرة و مالك بن معول و خيثمة بن عبد الرحمن خشبة (1) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع)بكناس الكوفة بأمر هشام بن عبد الملك من العدوان الذي زجر الله عز و جل عنه و إن حراسه من سميتهم بخشبة زيد (رضوان اللّه عليه) الداعية بنقل صدقة بانقيا إلى الحيرة.

فإن عذر عاذر عمن سميتهم بالعجز عن نصر البر الذي هو الإمام من قبل الله عز و جل الذي فرض طاعته على العباد على الفاجر الذي تأمر بإعانة الفجرة إياه قلنا لعمري إن العاجز معذور فيما عجز عنه و لكن ليس الجاهل بمعذور في ترك الطلب فيما فرض الله عز و جل عليه و إيجابه على نفسه فرض طاعته و طاعة رسوله(ص)و طاعة أولي الأمر و بأنه لا يجوز أن يكون سريرة ولاة الأمر بخلاف علانيتهم كما لم يجز أن يكون سريرة النبي(ص)الذي هم أصل ولاة الأمر و هم فرعه بخلاف علانيته.

و إن الله عز و جل العالم بالسرائر و الضمائر و المطلع على ما في صدور العباد لم يكل علم ما لم يعلمه العباد إلى العباد جل و عز عن تكليف العباد ما ليس في وسعهم و طوقهم إذ ذاك ظلم من المكلف و عبث منه و إنه لا يجوز أن يجعل جل و تقدس اختيار من يستوي سريرته بعلانيته و من لا يجوز ارتكاب الكبائر الموبقة و الغضب و الظلم منه إلى من لا يعلم السرائر و الضمائر فلا يسع أحدا جهل هذه الأشياء.

و إن وسع العاجز بعجزه ترك ما يعجز عنه فإنه لا يسعه الجهل بالإمام البر الذي هو إمام الأبرار و العاجز بعجزه معذور و الجاهل غير معذور فلا يجوز أن لا يكون للأبرار إمام و إن كان مقهورا في قهر الفاجر و الفجار فمتى‏

____________

(1) هؤلاء كانوا موكلين على حراسة خشبة صلب عليها زيد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام)، لئلا ينزلوه و يدفنوه، فبقى جثته (رضوان اللّه عليه) أربع سنين على الصليب ثمّ استنزلوه و أحرقوه.

8

لم يكن للبر إمام بر قاهر أو مقهور فمات ميتة جاهلية إذا مات و ليس يعرف إمامه.

فإن قيل فما تأويل عهد الحسن(ع)و شرطه على معاوية بأن لا يقيم عنده شهادة لإيجاب الله عليه عز و جل إقامة الشهادة بما علمه قبل شرطه على معاوية بأن لا يقيم عنده شهادة قيل إن لإقامة الشهادة من الشاهد شرائط و هي حدودها التي لا يجوز تعديها لأن من تعدى حدود الله عز و جل‏ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ‏ و أوكد شرائطها إقامتها عند قاض فصل و حكم عدل ثم الثقة من الشاهد أن يقيمها عند من يجر (1) بشهادته حقا و يميت بها أثره و يزيل بها ظلما فإذا لم يكن من يشهد عنده سقط عنه فرض إقامة الشهادة.

و لم يكن معاوية عند الحسن(ع)أميرا أقامه الله عز و جل و رسوله(ص)أو حاكما من ولاة الحكم فلو كان حاكما من قبل الله و قبل رسوله ثم علم الحسن(ع)أن الحكم هو الأمير و الأمير هو الحكم و قد شرط عليه الحسن أن لا يؤمر حين شرط ألا يسميه أمير المؤمنين فكيف يقيم الشهادة عند من أزال عنه الإمرة بشرط أن لا يسميه أمير المؤمنين و إذا زال ذلك عنه بالشرط أزال عنه الحكم لأن الأمير هو الحاكم و هو المقيم للحاكم و من ليس له تأمير و لا تحاكم فحكمه هذر و لا تقام الشهادة عند من حكمه هذر.

فإن قال فما تأويل عهد الحسن(ع)على معاوية و شرطه عليه أن لا يتعقب على شيعة علي(ع)شيئا قيل إن الحسن(ع)علم أن القوم جوزوا لأنفسهم التأويل و سوغوا في تأويلهم إراقة ما أرادوا إراقته من الدماء و إن كان الله عز و جل حقنه و حقن ما أرادوا حقنه و إن كان الله عز و جل أراقه في حكمه فأراد الحسن(ع)أن يبين أن تأويل معاوية على شيعة علي(ع)بتعقبه عليهم ما يتعقبه زائل مضمحل فاسد كما أنه أزال إمرته عنه و عن المؤمنين بشرط

____________

(1) عند من يحيى بشهادته حقا. ظ، بقرينة قوله «يميت» و ما في الصلب مطابق للنسخ و المصدر.

9

أن لا يسميه أمير المؤمنين و إن إمرته زالت عنه و عنهم و أفسد حكمه عليه و عليهم.

ثم سوغ الحسن(ع)بشرطه عليه أن لا يقيم عنده شهادة للمؤمنين القدوة منهم به في أن لا يقيموا عنده شهادة فتكون حينئذ داره دائرة و قدرته قائمة لغير الحسن و لغير المؤمنين فتكون داره كدار بخت‏نصر و هو بمنزلة دانيال فيها و كدار العزيز و هو كيوسف فيها. فإن قال دانيال و يوسف(ع)كانا يحكمان لبخت‏نصر و العزيز قلنا لو أراد بخت‏نصر دانيال و العزيز يوسف أن يريقا بشهادة عمار بن الوليد و عقبة بن أبي معيط و شهادة أبي بردة بن أبي موسى و شهادة عبد الرحمن بن أشعث بن قيس دم حجر بن عدي بن الأدبر و أصحابه رحمهم الله و أن يحكما له بأن زيادا أخوه و أن دم حجر و أصحابه مراقة بشهادة من ذكرت لما جاز أن يحكما لبخت نصر و العزيز و الحكم بالعدل يرمي الحاكم به في قدرة عدل أو جائر و مؤمن أو كافر لا سيما إذا كان الحاكم مضطر إلى أن يدين للجائر الكافر و المبطل و المحق بحكمه.

فإن قال و لم خص الحسن(ع)عد الذنوب إليه و إلى شيعة علي(ع)و قدم أمامها قتله عبد الله بن يحيى الحضرمي و أصحابه و قد قتل حجرا و أصحابه و غيرهم قلنا لو قدم الحسن(ع)في عده على معاوية ذنوب حجر و أصحابه على عبد الله بن يحيى الحضرمي و أصحابه لكان سؤالك قائما فتقول لم قدم حجرا على عبد الله بن يحيى و أصحابه أهل الأخيار و الزهد في الدنيا و الإعراض عنها فأخبر معاوية بما كان عليه ابن يحيى و أصحابه من الخرق‏ (1) على أمير المؤمنين(ع)و شدة حبهم إياه و إفاضتهم في ذكره و فضله فجاء بهم و ضرب أعناقهم صبرا.

و من أنزل راهبا من صومعته فقتله بلا جناية منه إلى قاتله أعجب ممن يخرج‏

____________

(1) في النسخ المطبوعة و هكذا المصدر(ص)205 «الحزق» و هو بمعنى المنع و القبض و لعلّ الصحيح: «الحرق» من الحرارة و الحب الشديد.

10

قسا من ديره فيقتله لأن صاحب الدير أقرب إلى بسط اليد لتناول ما معه من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء و الأرض فتقديم الحسن(ع)العباد على العباد و الزهاد على الزهاد و مصابيح البلاد على مصابيح البلاد لا يتعجب منه بل يتعجب لو قدم في الذكر مقصرا على مخبت و مقتصدا على مجتهد.

فإن قال ما تأويل اختيار مال دارابجرد على سائر الأموال لما اشترط أن يجعله لأولاد من قتل مع أبيه (صلوات الله عليهم) يوم الجمل و بصفين قيل لدارابجرد خطب في شأن الحسن(ع)بخلاف جميع فارس‏ (1).

____________

(1) قد ذكر الصدوق (رحمه الله) في وجه اختيار الامام الحسن السبط (عليه السلام) خراج درابجرد ما تتلوه، و الذي أراه أن درابجرد لم يفتح عنوة بل صالح أهلها على ما صرّح به البلاذري في فتوح البلدان(ص)380 حيث قال: «و أتى عثمان بن أبي العاص درابجرد و كانت شادروان علمهم و دينهم و عليها الهربذ فصالحه الهربذ على مال أعطاه اياه، و على أن أهل درابجرد كلهم اسوة من فتحت بلاده من أهل فارس، و اجتمع له جمع بناحية جهرم ففضهم، و فتح أرض جهرم، و أتى عثمان فصالحه عظيمها على مثل صلح درابجرد، و يقال:

ان الهربذ صالح عليها أيضا» انتهى.

فحيث كان درابجرد صولح عليها مثل فدك، كان يجب حمل مال صلحها الى زعيم أهل البيت لقوله تعالى: «وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ‏- الى قوله تعالى- ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ».

و أمّا سائر الاراضى المفتوحة عنوة بايجاف الخيل و الركاب، فكان حكم خراجها أن يقاسم بين مقاتليها، فانها في‏ء و غنيمة كما فعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في أراضى خيبر، بعد ما أخرج سهم الخمس، لكن لم يعمل عمر بن الخطّاب بتلك السنة النبويّة و تأول قوله تعالى‏ «وَ الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ» فجعل خراجها لعامة المسلمين و دون لهم ديوان العطاء. فجرى بعده سائر الخلفاء و الامراء على سنة عمر بن الخطّاب، و لم يتهيأ لعلى (عليه السلام) أن يرد ذلك الى نصابه الحق المطابق لسنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقد كان الحسن السبط (عليه السلام) يحكم بأن المتبع من السنن، انما هو سنة النبيّ الاقدس، و لا يرى لاوليائه و أصحابه المخصوصين به أن يرتزقوا و يأخذوا العطاء من خراج الاراضى المفتوحة عنوة، و لذلك شرط على معاوية أموال درابجرد التي صولح عليها.

11

و قلنا إن المال مالان الفي‏ء الذي ادعوا أنه موقوف على المصالح الداعية إلى قوام الملة و عمارتها من تجييش الجيوش للدفع عن البيضة و لأرزاق الأسارى و مال الصدقة الذي خص به أهل السهام و قد جرى في فتوح الأرضين بفارس و الأهواز و غيرهما من البلدان فيما فتح منها صلحا و ما فتح منها عنوة و ما أسلم أهلها عليها هنات و هنات و أسباب و أسباب‏ (1).

و قد كتب ابن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن زيد بن الخطاب و هو عامله على العراق أيدك الله هاش في السواد ما يركبون فيه البراذين و يتختمون بالذهب و يلبسون الطيالسة و خذ فضل ذلك فضعه في بيت المال.

و كتب ابن الزبير إلى عامله جنبوا بيت مال المسلمين ما يؤخذ على المناظر و القناطر فإنه سحت فقصر المال عما كان فكتب إليهم ما للمال قد قصر فكتبوا إليه أن أمير المؤمنين نهانا عما يؤخذ على المناظر و القناطر فلذلك قصر المال فكتب إليهم عودوا إلى ما كنتم عليه هذا بعد قوله إنه سحت.

و لا بد أن يكون أولاد من قتل من أصحاب علي (صلوات الله عليه) بالجمل و بصفين من أهل الفي‏ء و مال المصلحة و من أهل الصدقة و السهام‏

-

وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي الصَّدَقَةِ

قَدْ أُمِرْتُ أَنْ آخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ- وَ أَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ.

بالكاف و الميم ضمير من وجبت عليهم في أموالهم الصدقة و من وجبت لهم الصدقة فخاف الحسن(ع)أن كثيرا منهم لا يرى لنفسه أخذ الصدقة من كثير منهم و لا أكل صدقة كثير منهم إذ كانت غسالة ذنوبهم و لم يكن للحسن(ع)في مال الصدقة سهم.

-

رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ‏ (2) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ:

فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْإِبِلِ ابْنَةُ لَبُونٍ- وَ لَا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ‏

____________

(1) زاد في المصدر بعده: [بايجاب الشرائط الدالة عليها].

(2) هذا هو الصحيح كما في المصدر(ص)207، و قد روى الحديث أبو داود في سننه عن بهزين حكيم، عن أبيه، عن جده و لفظه:.

12

حِسَابِهَا- مَنْ أَتَانَا بِهَا مُؤْتَجِراً فَلَهُ أَجْرُهَا- وَ مَنْ مَنَعَنَاهَا أَخَذْنَاهَا مِنْهُ وَ شَطْرُ إِبِلِهِ عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا- وَ لَيْسَ لِمُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ فِيهَا شَيْ‏ءٌ- وَ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ خُمُسُ أَهْلِ الْخُمُسِ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِنْ مُنِعُوا.

. فخص الحسن(ع)ما لعله كان عنده أعف و أنظف من مال اردشيرخره و لأنها حوصرت سبع سنين حتى اتخذ المحاصرون لها في مدة حصارهم إياها مصانع‏ (1) و عمارات ثم ميزوها من جملة ما فتحوها بنوع من الحكم و بين الإصطخر الأول و الإصطخر الثاني هنات علمها الرباني الذي هو الحسن(ع)فاختار لهم أنظف ما عرف.

-

فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ:

فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ‏ (2)

- أَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ- عَنْ ثِيَابِهِ‏

(3)

فِيمَا أَبْلَاهُ‏

____________

ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: فى كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون لا يفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا [بها] فله أجرها، و من منعها فانا آخذوها و شطر ماله عزمة من عزمات ربّنا عزّ و جلّ، ليس لال محمّد منها شي‏ء.».

فما في النسخ المطبوعة: «روى بهذين حكيم عن معاوية بن جندة القشيرى» فهو تصحيف. و الرجل معنون بنسبته و نسبه في رجال العامّة، راجع التاريخ الكبير للبخارى ج 1 ق 2(ص)290، الجرح و التعديل ج 1 ق 1(ص)430، أسد الغابة ج 4(ص)385 و عنونه في التقريب(ص)57 و قال: صدوق من السادسة.

(1) المصانع: جمع مصنع و مصنعة: ما يصنع كالحوض يجمع فيه ماء المطر.

(2) الصافّات: 24. و الحديث رواه الشيخ في الأمالي عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه: لا يزال قدما عبد إلخ. و هكذا أخرجه موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب من حديث أبى برذة و لفظه: لا يزول إلخ كما في البرهان ج 4 في تفسير سورة الصافّات. و أخرجه المؤلّف رضوان اللّه في ج 36(ص)79 من الطبعة الحديثة عن كتاب منقبة المطهرين للحافظ أبى نعيم بإسناده عن نافع بن الحارث عن أبي بردة فراجع.

(3) شبابه، خ.

13

وَ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ- وَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ جَمَعَهُ وَ فِيمَا أَنْفَقَهُ- وَ عَنْ حُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ.

-

وَ كَانَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ع)يَأْخُذَانِ مِنْ مُعَاوِيَةَ الْأَمْوَالَ- فَلَا يُنْفِقَانِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا- وَ لَا عَلَى عِيَالِهِمَا مَا تَحْمِلُهُ الذُّبَابَةُ بِفِيهَا.

. قال شيبة بن نعامة

كان علي بن الحسين(ع)ينحل فلما مات نظروا فإذا هو يعول في المدينة أربعمائة بيت من حيث لم يقف الناس عليه.

. فإن قال فإن هذا

-

محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال حدثنا أبو بشر الواسطي قال حدثنا خالد بن داود عن عامر قال‏

بايع الحسن بن علي معاوية على أن يسالم من سالم و يحارب من حارب و لم يبايعه على أنه أمير المؤمنين.

. قلنا هذا حديث ينقض آخره أوله و أنه لم يؤمره و إذا لم يؤمره لم يلزمه الايتمار له إذا أمره و قد روينا من غير وجه ما ينقض قوله يسالم من سالم و يحارب من حارب فلا نعلم فرقة من الأمة أشد على معاوية من الخوارج و

خرج على معاوية بالكوفة جويرية بن ذراع أو ابن وداع أو غيره من الخوارج فقال معاوية للحسن أخرج إليهم و قاتلهم فقال يأبى الله لي بذلك قال فلم أ ليس هم أعداؤك و أعدائي قال نعم يا معاوية و لكن ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فوجده فأسكت معاوية..

و لو كان ما رواه أنه بايع على أن يسالم من سالم و يحارب من حارب لكان معاوية لا يسكت على ما حجه به الحسن(ع)و لأنه يقول له قد بايعتني على أن تحارب من حاربت كائنا من كان و تسالم من سالمت كائنا من كان و إذا قال عامر في حديثه و لم يبايعه على أنه أمير المؤمنين قد ناقض لأن الأمير هو الآمر و الزاجر و المأمور هو المؤتمر و المنزجر فأبى تصرف الأمر فقد أزال الحسن(ع)في موادعته معاوية الايتمار له فقد خرج من تحت أمره حين شرط أن لا يسميه أمير المؤمنين.

و لو انتبه معاوية بحيلة الحسن(ع)بما احتال عليه لقال له يا با محمد أنت‏

14

مؤمن و أنا أمير فإذا لم أكن أميرك لم أكن للمؤمنين أيضا أميرا و هذه حيلة منك تزيل أمري عنك و تدفع حكمي لك و عليك فلو كان قوله يحارب من حارب مطلقا و لم يكن شرطه إن قاتلك من هو شر منك قاتلته و إن قاتلك من هو مثلك في الشر و أنت أقرب منه إليه لم أقاتله و لأن شرط الله على الحسن و على جميع عباده التعاون‏ عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ و ترك التعاون‏ عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ و إن قتال‏ (1) من طلب الحق فأخطأه مع من طلب الباطل فوجده تعاون‏ عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ (2).

فإن قال هذا

-

حَدِيثُ ابْنِ سِيرِينَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ:

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)يَوْمَ كَلَّمَ- فَقَالَ مَا بَيْنَ جَابَرْسَ وَ جَابَلْقَ رَجُلٌ جَدُّهُ نَبِيٌّ غَيْرِي وَ غَيْرُ أَخِي- وَ إِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أُصْلِحَ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَ كُنْتُ أَحَقَّهُمْ بِذَلِكَ- فَإِنَّا بَايَعْنَا مُعَاوِيَةَ وَ

لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏

. قلنا أ لا ترى إلى قول أنس كيف يقول يوم كلم الحسن و لم يقل يوم بايع إذ لم يكن عنده بيعة حقيقة و إنما كانت مهادنة كما يكون بين أولياء الله و أعدائه لا مبايعة تكون بين أوليائه و أوليائه فرأى الحسن(ع)رفع السيف مع العجز بينه و بين معاوية كما رأى رسول الله(ص)رفع السيف بينه و بين أبي سفيان و سهيل بن عمرو و لو لم يكن رسول الله مضطرا إلى تلك المصالحة و الموادعة لما فعل.

فإن قال قد ضرب رسول الله(ص)بينه و بين سهيل و أبي سفيان مدة و لم يجعل الحسن بينه و بين معاوية مدة قلنا بل ضرب الحسن(ع)أيضا بينه و بين معاوية مدة و إن جهلناها و لم نعلمها و هي ارتفاع الفتنة و انتهاء مدتها و هو مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏

____________

(1) في الأصل المطبوع: «و ان قاتل» و ان صح فيكون جوابه «تعاون على الاثم».

(2) زاد في المصدر(ص)208 بعده: و المبايع غير المبايع، و المؤازر غير المؤازر.

15

فإن قال‏

فإن الحسن قال لجبير بن نفير

(1)

حين قال له إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة فقال قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت و يسالمون من سالمت تركتها ابتغاء وجه الله و حقن دماء أمة محمد ثم أثيرها يا تياس أهل الحجاز.

. قلنا إن جبيرا كان دسيسا إلى الحسن(ع)دسه معاوية إليه ليختبره هل في نفسه الإثارة و كان جبير يعلم أن الموادعة التي وادع معاوية غير مانعة من الإثارة التي اتهمه بها و لو لم يجز للحسن(ع)مع المهادنة التي هادن أن يطلب الخلافة لكان جبير يعلم ذلك فلا يسأله لأنه يعلم أن الحسن(ع)لا يطلب ما ليس له طلبه فلما اتهمه بطلب ما له طلبه دس إليه دسيسة هذا ليستبرئ برأيه و علم أنه الصادق و ابن الصادق و أنه إذا أعطاه بلسانه أنه لا يثيرها بعد تسكينه إياها فإنه وفى بوعده صادق في عهده.

فلما مقته قول جبير قال له يا تياس أهل الحجاز و التياس بياع عسب الفحل الذي هو حرام و أما قوله بيدي جماجم العرب فقد صدق(ع)و لكن كان من تلك الجماجم الأشعث بن قيس في عشرين ألفا و يزهدونهم‏ (2).

قال الأشعث يوم رفع المصاحف و وقع تلك المكيدة إن لم تجب إلى ما دعيت إليه لم يرم معك غدا يمانيان بسهم و لم يطعن يمانيان برمح و لا يضرب يمانيان بسيف و أومأ بيده‏ (3) إلى أصحابه أبناء الطمع و كان في تلك الجماجم شبث بن ربعي تابع كل ناعق و مثير كل فتنة و عمرو بن حريث الذي ظهر على‏

____________

(1) هذا هو الصحيح كما في المصدر(ص)209 و عنونه في الإصابة في القسم الثاني و قال: جبير بن نفير بالنون و الفاء ابن مالك بن عامر الحضرمى أبو عبد الرحمن مشهور من كبار التابعين و لابيه صحبة، و هكذا عنونه في الاستيعاب.

(2) في بعض نسخ المصدر «يزيدونهم».

(3) بقوله خ ل.

16

علي صلوات عليه و بايع ضبة احتوشها مع الأشعث و المنذر بن الجارود الطاغي الباغي.

و صدق الحسن (صلوات الله عليه) أنه كان بيده هذه الجماجم يحاربون من حارب و لكن محاربة منهم للطمع و يسالمون من سالم لذلك و كان من حارب لله جل و عز و ابتغى القربة إليه و الحظوة منه قليلا و ليس فيهم عدد يتكافى أهل الحرب لله و النزاع لأولياء الله و استمداد كل مدد و كل عدد و كل شدة على حجج الله عز و جل.

بيان قوله(ص)قاما أو قعدا أي سواء قاما بأمر الإمامة أم قعدا عنه للمصلحة و التقية و يقال سفهه أي نسبه إلى السفه و تعقبه أي أخذه بذنب كان منه.

قوله و المبايعة على ما يدعيه المدعون المبايعة مبتدأ و لم يلزم خبره أي لو كانت مبايعة على سبيل التنزل فهي كانت على شروط و لم تتحقق تلك الشروط فلم تقع المبايعة و يحتمل أن يكون نتيجة لما سبق أي فعلى ما ذكرنا لم تقع المبايعة على هذا الوجه أيضا.

قوله على نفسه لعله متعلق بالإسقاط بأن يكون على بمعنى عن قوله هو الذي أمره مأمور الظاهر زيادة لفظ مأمور و على تقديره يصح أيضا إذ في العرف لا يطلق الأمير على النبي(ص)فيكون كل من نصب أميرا مأمورا.

قوله يريد أن من حكمه لعل خبر أن محذوف‏ (1) بقرينة المقام و الإسعاف الإعانة و قضاء الحاجة.

قوله لمن أمره رسول الله عليهم أي على هوازن أو على أهل مكة و المعنى كما أن هوازن لا يكونون أمراء على الذين أمرهم رسول الله(ص)على هوازن كذلك قريش و أهل مكة بالنسبة إلى من أمرهم الله عليهم و بعثهم لقتالهم.

____________

(1) بل قد عرفت ان الضمير في «حكمه» يرجع الى الفي‏ء فيكون «من حكمه» خبر «أن» و اسمه «حكم هوازن».

17

قوله فهو أي التأمير مطلقا أو تأمير معاوية قوله أن يتخذ أي عن أن يتخذ و هو متعلق بقوله فرغ أي لما خلص(ع)نفسه عن البيعة فرغ عن أن يتخذ بيعة الشقي على المؤمنين لأن بيعتهم كان تابعا لبيعته و لم يبايعوا أنفسهم بيعة على حدة و إليه أشار بقوله لأن هذه الطبقة و قوله و لأن الحسن دليل آخر على عدم تأميره على الحسن(ع)و قوله فقد اعتقد جزاء للشرط في قوله و لو لم يشترط.

و

-

قَالَ الْجَزَرِيُّ وَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ

إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي الْعَاصِ ثَلَاثِينَ اتَّخَذُوا عِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا.

بالتحريك أي خدما و عبدا يعني أنهم يستخدمونهم و يستعبدونهم و قال الدخل بالتحريك الغش و العيب و الفساد و منه‏

-

الْحَدِيثُ‏

إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي الْعَاصِ ثَلَاثِينَ كَانَ دِينُ اللَّهِ دَخَلًا.

و حقيقته أن يدخلوا في الدين أمورا لم تجر به السنة انتهى.

و الدول بضم الدال و فتح الواو جمع دولة بالضم و هو ما يتداولونه بينهم يكون مرة لهذا و مرة لهذا قوله من اتخذه أي اتخاذ من اتخذه و هو فاعل جاز و قوله من اعتمد مبتدأ و قوله علم و سلم خبره.

و يقال سأمه سوء العذاب أي حمله عليه قوله إن البر كأنه استئناف أو اللام فيه مقدر أي لأن البر مقهور و يمكن أن يكون اتقى تصحيف أتقن أو أيقن.

و بانقيا قرية بالكوفة و الحيرة بلدة قرب الكوفة و الكناسة بالضم موضع بالكوفة.

قوله الداعية هي خبر أن أي أمثال تلك المعاونات على الظلم صارت أسبابا لتغيير أحكام الله التي من جملتها نقل صدقة بانقيا إلى الحيرة.

و الأثرة الاستبداد بالشي‏ء و التفرد به و الهذر بالتحريك الهذيان و بالدال المهملة البطلان.

قوله و من أنزل راهبا حاصله أن عبد الله كان من المترهبين المتعبدين‏

18

و كان أقل ضررا بالنسبة إليهم من حجر و أصحابه فكان قتله أشنع فلذا قدمه و الإخبات الخشوع و التواضع قوله هنات و هنات أي شرور و فساد و ظلم.

و قال الفيروزآبادي الهوشة الفتنة و الهيج و الاضطراب و الاختلاط و الهواشات بالضم الجماعات من الناس و الإبل و الأموال الحرام و المهاوش ما غصب و سرق و قال الهيش الإفساد و التحريك و الهيج و الحلب الرويد و الجمع.

قوله مؤتجرا أي طالبا للأجر و الثواب و قال الجزري في حديث مانع الزكاة أنا آخذها و شطر ماله عزمة من عزمات الله أي حق من حقوق الله و واجب من واجباته.

قال الحربي غلط الراوي في لفظ الرواية إنما هو شطر ماله أي يجعل ماله شطرين و يتخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من خير النصفين عقوبة لمنعه الزكاة فأما ما لا يلزمه فلا و قال الخطابي في قول الحربي لا أعرف هذا الوجه و قيل معناه أن الحق مستوفى منه غير متروك عليه و إن ترك شطر ماله كرجل كان له ألف شاة مثلا فتلفت حتى لم يبق إلا عشرون فإنه يؤخذ منه عشر شياه لصدقة الألف و هو شطر ماله الباقي و هذا أيضا بعيد لأنه قال أنا آخذها و شطر ماله و لم يقل أنا آخذ و أشطر ماله.

و قيل إنه كان في صدر الإسلام يقع بعض العقوبات في الأموال ثم نسخ كقوله في الثمر المعلق من خرج بشي‏ء فله غرامة مثليه و العقوبة و كقوله في ضالة الإبل المكتومة غرامتها و مثلها معها و كان عمر يحكم به و قد أخذ أحمد بشي‏ء من هذا و عمل به.

و قال الشافعي في القديم من منع زكاة ماله أخذت منه و أخذ شطر ماله عقوبة على منعه و استدل بهذا الحديث و قال في الجديد لا يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير و جعل هذا الحديث منسوخا انتهى.

قوله ينحل من النحلة بمعنى العطية أو النحول بمعنى الهزال و الثاني بعيد

19

قوله(ع)ليس من طلب الحق المعنى أن هؤلاء الخوارج مع غاية كفرهم خير من معاوية و أصحابه لأن للخوارج شبهة و كان غرضهم طلب الحق فأخطئوا بخلاف معاوية و أصحابه فإنهم طلبوا الباطل معاندين فأصابوه لعنة الله عليهم أجمعين.

قوله إليه أي إلى الشر و الجماجم جمع الجمجمة جمجمة الرأس و يكنى بها عن السادات و القبائل التي تنسب إليها البطون.

و قال الفيروزآبادي التيس ذكر الظباء و المعز و التياس ممسكة و العسب ضراب الفحل أو ماؤه أو نسله و احتوش القوم على فلان جعلوه في وسطهم.

3-

ج، الإحتجاج عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ سَدِيرِ بْنِ حُكَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَقِيصَا قَالَ:

لَمَّا صَالَحَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ- دَخَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَلَامَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَيْعَتِهِ- فَقَالَ الْحَسَنُ(ع)وَيْحَكُمْ مَا تَدْرُونَ مَا عَمِلْتُ- وَ اللَّهِ الَّذِي عَمِلْتُ خَيْرٌ لِشِيعَتِي- مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ- أَ لَا تَعْلَمُونَ أَنِّي إِمَامُكُمْ وَ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ عَلَيْكُمْ- وَ أَحَدُ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ- بِنَصٍّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)عَلَيَّ قَالُوا بَلَى- قَالَ أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الْخَضِرَ لَمَّا خَرَقَ السَّفِينَةَ- وَ أَقَامَ الْجِدَارَ وَ قَتَلَ الْغُلَامَ- كَانَ ذَلِكَ سَخَطاً لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ(ع) إِذْ خَفِيَ عَلَيْهِ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ- وَ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ حِكْمَةً وَ صَوَاباً- أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَ يَقَعُ فِي عُنُقِهِ- بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ- إِلَّا الْقَائِمُ الَّذِي يُصَلِّي خَلْفَهُ رُوحُ اللَّهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ(ع) فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يُخْفِي وِلَادَتَهُ- وَ يُغَيِّبُ شَخْصَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذَا خَرَجَ- ذَاكَ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِ أَخِي الْحُسَيْنِ ابْنُ سَيِّدَةِ الْإِمَاءِ- يُطِيلُ اللَّهُ عُمُرَهُ فِي غَيْبَتِهِ- ثُمَّ يُظْهِرُهُ بِقُدْرَتِهِ فِي صُورَةِ شَابٍّ ابْنِ دُونِ الْأَرْبَعِينَ- سَنَةً ذَلِكَ لِيُعْلَمَ‏

أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

.

ك، إكمال الدين المظفر العلوي عن ابن العياشي عن أبيه عن جبرئيل بن أحمد عن موسى بن جعفر البغدادي عن الحسن بن محمد الصيرفي عن حنان بن‏

20

سدير مثله‏ (1).

4-

ج، الإحتجاج عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ:

لَمَّا طُعِنَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)بِالْمَدَائِنِ أَتَيْتُهُ وَ هُوَ مُتَوَجِّعٌ- فَقُلْتُ مَا تَرَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَإِنَّ النَّاسَ مُتَحَيِّرُونَ- فَقَالَ أَرَى وَ اللَّهِ مُعَاوِيَةَ خَيْراً لِي مِنْ هَؤُلَاءِ- يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لِي شِيعَةً ابْتَغَوْا قَتْلِي- وَ انْتَهَبُوا ثَقَلِي وَ أَخَذُوا مَالِي- وَ اللَّهِ لَأَنْ آخُذَ مِنْ مُعَاوِيَةَ عَهْداً أَحْقُنُ بِهِ دَمِي- وَ آمَنُ بِهِ فِي أَهْلِي خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَقْتُلُونِي فَتَضِيعَ أَهْلُ بَيْتِي وَ أَهْلِي- وَ اللَّهِ لَوْ قَاتَلْتُ مُعَاوِيَةَ لَأَخَذُوا بِعُنُقِي- حَتَّى يَدْفَعُونِي إِلَيْهِ سِلْماً- فَوَ اللَّهِ لَأَنْ أُسَالِمَهُ وَ أَنَا عَزِيزٌ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَقْتُلَنِي- وَ أَنَا أَسِيرُهُ أَوْ يَمُنَّ عَلَيَّ- فَتَكُونَ سُبَّةً عَلَى بَنِي هَاشِمٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ- وَ مُعَاوِيَةُ لَا يَزَالُ يَمُنُّ بِهَا وَ عَقِبُهُ عَلَى الْحَيِّ مِنَّا وَ الْمَيِّتِ- قَالَ قُلْتُ تَتْرُكُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ شِيعَتَكَ- كَالْغَنَمِ لَيْسَ لَهُمْ رَاعٍ- قَالَ وَ مَا أَصْنَعُ يَا أَخَا جُهَيْنَةَ- إِنِّي وَ اللَّهِ أَعْلَمُ بِأَمْرٍ قَدْ أُدِّيَ بِهِ إِلَيَّ عَنْ ثِقَاتِهِ- أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ- وَ قَدْ رَآنِي فَرِحاً يَا حَسَنُ أَ تَفْرَحُ- كَيْفَ بِكَ إِذَا رَأَيْتَ أَبَاكَ قَتِيلًا- أَمْ كَيْفَ بِكَ إِذَا وُلِّيَ هَذَا الْأَمْرَ بَنُو أُمَيَّةَ- وَ أَمِيرُهَا الرَّحْبُ الْبُلْعُومِ الْوَاسِعُ الْأَعْفَاجِ- يَأْكُلُ وَ لَا يَشْبَعُ يَمُوتُ وَ لَيْسَ لَهُ فِي السَّمَاءِ نَاصِرٌ- وَ لَا فِي الْأَرْضِ عَاذِرٌ- ثُمَّ يَسْتَوْلِي عَلَى غَرْبِهَا وَ شَرْقِهَا- تَدِينُ لَهُ الْعِبَادُ وَ يَطُولُ مُلْكُهُ- يَسْتَنُّ بِسُنَنِ الْبِدَعِ وَ الضَّلَالِ- وَ يُمِيتُ الْحَقَّ وَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص) يَقْسِمُ الْمَالَ فِي أَهْلِ وَلَايَتِهِ وَ يَمْنَعُهُ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ- وَ يَذِلُّ فِي مُلْكِهِ الْمُؤْمِنُ وَ يَقْوَى فِي سُلْطَانِهِ الْفَاسِقُ- وَ يَجْعَلُ الْمَالَ بَيْنَ أَنْصَارِهِ دُوَلًا- وَ يَتَّخِذُ عِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا وَ يَدْرُسُ فِي سُلْطَانِهِ الْحَقُّ- وَ يَظْهَرُ الْبَاطِلُ وَ يُلْعَنُ الصَّالِحُونَ- وَ يُقْتَلُ مَنْ نَاوَاهُ عَلَى الْحَقِّ وَ يَدِينُ مَنْ وَالاهُ عَلَى الْبَاطِلِ- فَكَذَلِكَ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ رَجُلًا فِي آخِرِ الزَّمَانِ- وَ كَلَبٍ مِنَ الدَّهْرِ وَ جَهْلٍ مِنَ النَّاسِ يُؤَيِّدُهُ اللَّهُ بِمَلَائِكَتِهِ- وَ يَعْصِمُ أَنْصَارَهُ وَ يَنْصُرُهُ بِآيَاتِهِ- وَ يُظْهِرُهُ عَلَى‏

____________

(1) تراه في ج 1(ص)432 من كمال الدين، و الاحتجاج(ص)148.

21

الْأَرْضِ- حَتَّى يَدِينُوا طَوْعاً وَ كَرْهاً- يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَ قِسْطاً وَ نُوراً وَ بُرْهَاناً- يَدِينُ لَهُ عَرْضُ الْبِلَادِ وَ طُولُهَا- حَتَّى لَا يَبْقَى كَافِرٌ إِلَّا آمَنَ- وَ لَا طَالِحٌ إِلَّا صَلَحَ وَ تَصْطَلِحُ فِي مُلْكِهِ السِّبَاعُ- وَ تُخْرِجُ الْأَرْضُ نَبْتَهَا وَ تُنْزِلُ السَّمَاءُ بَرَكَتَهَا- وَ تَظْهَرُ لَهُ الْكُنُوزُ يَمْلِكُ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ أَرْبَعِينَ عَاماً- فَطُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَ أَيَّامَهُ وَ سَمِعَ كَلَامَهُ‏

(1)

.

إيضاح يقال صار هذا الأمر سبة عليه بضم السين و تشديد الباء أي عارا يسب به قوله عن ثقاته لعل الضمير راجع إلى الأمر أو إلى الله و كل منهما لا يخلو من تكلف و قال الجوهري الرحب بالضم السعة تقول منه فلان رحب الصدر و الرحب بالفتح الواسع و البلعوم بالضم مجرى الطعام في الحلق و هو المري‏ء و الأعفاج من الناس و من الحافر و السباع كلها ما يصير الطعام إليه بعد المعدة و هو مثل المصارين لذوات الخف و الظلف.

و دانه أي أذله و استعبده و دان له أي أطاعه و دينت الرجل وكلته إلى دينه و الكلب بالتحريك الشدة و الطالح خلاف الصالح و الخافقان أفقا المشرق و المغرب.

5-

أَعْلَامُ الدِّينِ لِلدَّيْلَمِيِّ، قَالَ:

خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ- ثُمَّ قَالَ أَ مَا وَ اللَّهِ مَا ثَنَانَا عَنْ قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ ذِلَّةٌ وَ لَا قِلَّةٌ- وَ لَكِنْ كُنَّا نُقَاتِلُهُمْ بِالسَّلَامَةِ وَ الصَّبْرِ- فَشِيبَ السَّلَامَةُ بِالْعَدَاوَةِ وَ الصَّبْرُ بِالْجَزَعِ- وَ كُنْتُمْ تَتَوَجَّهُونَ مَعَنَا وَ دِينُكُمْ أَمَامَ دُنْيَاكُمْ- وَ قَدْ أَصْبَحْتُمُ الْآنَ وَ دُنْيَاكُمْ أَمَامَ دِينِكُمْ- وَ كُنَّا لَكُمْ وَ كُنْتُمْ لَنَا وَ قَدْ صِرْتُمُ الْيَوْمَ عَلَيْنَا- ثُمَّ أَصْبَحْتُمْ تَصُدُّونَ قَتِيلَيْنِ- قَتِيلًا بِصِفِّينَ تَبْكُونَ عَلَيْهِمْ- وَ قَتِيلًا بِالنَّهْرَوَانِ تَطْلُبُونَ بِثَأْرِهِمْ- فَأَمَّا الْبَاكِي فَخَاذِلٌ وَ أَمَّا الطَّالِبُ فَثَائِرٌ- وَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ دَعَا إِلَى أَمْرٍ لَيْسَ فِيهِ عِزٌّ وَ لَا نَصَفَةٌ- فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْحَيَاةَ قَبِلْنَاهُ مِنْهُ وَ أَغْضَضْنَا عَلَى الْقَذَى- وَ إِنْ أَرَدْتُمُ الْمَوْتَ بَذَلْنَاهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَ حَاكَمْنَاهُ إِلَى اللَّهِ‏

____________

(1) الاحتجاج(ص)148 و 149.

22

فَنَادَى الْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمْ بَلِ الْبَقِيَّةُ وَ الْحَيَاةُ

(1)

.

6-

ج، الإحتجاج د، العدد القوية عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ:

قَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَلَى الْمِنْبَرِ- حِينَ اجْتَمَعَ مَعَ مُعَاوِيَةَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ- ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ زَعَمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ لِلْخِلَافَةِ أَهْلًا- وَ لَمْ أَرَ نَفْسِي لَهَا أَهْلًا- وَ كَذَبَ مُعَاوِيَةُ أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ- فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّ اللَّهِ- فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَوْ أَنَّ النَّاسَ بَايَعُونِي وَ أَطَاعُونِي وَ نَصَرُونِي- لَأَعْطَتْهُمُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا وَ الْأَرْضُ بَرَكَتَهَا- وَ لَمَا طَمِعْتَ فِيهَا يَا مُعَاوِيَةُ- وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا وَلَّتْ أُمَّةٌ أَمْرَهَا رَجُلًا قَطُّ- وَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَذْهَبُ سَفَالًا- حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مِلَّةِ عَبَدَةِ الْعِجْلِ- وَ قَدْ تَرَكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ هَارُونَ- وَ اعْتَكَفُوا عَلَى الْعِجْلِ- وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَارُونَ خَلِيفَةُ مُوسَى- وَ قَدْ تَرَكَتِ الْأُمَّةُ عَلِيّاً(ع) وَ قَدْ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ‏

____________

(1) روى هذه الخطبة ابن الأثير الجزريّ ج 2(ص)13 من أسد الغابة بإسناده الى أبى بكر بن دريد قال قام الحسن بعد موت أبيه أمير المؤمنين فقال بعد حمد اللّه عزّ و جلّ:

انا و اللّه ما ثنانا عن أهل الشام شك و لا ندم، و انما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة و الصبر فسلبت السلامة بالعداوة و الصبر بالجزع، و كنتم في منتدبكم الى صفّين: دينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم و دنياكم أمام دينكم، ألا و انا لكم كما كنا، و لستم لنا كما كنتم.

ألا و قد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، و قتيل بالنهروان تطلبون بثأره فأما الباقي فخاذل، و أمّا الباكى فثائر، الا و إن معاوية دعانا الى امر ليس فيه عزّ و لا نصفة فان أردتم الموت رددناه عليه و حاكمناه إلى اللّه عزّ و جلّ بظبا السيوف، و ان أردتم الحياة قبلناه، و أخذنا لكم الرضا، فناداه القوم من كل جانب: البقية! البقية! فلما أفردوه أمضى الصلح.

و روى مثله في تذكرة خواص الأمة(ص)114 قال: و في رواية أنّه قال (عليه السلام):

نحن حزب اللّه المفلحون، و عترة رسوله المطهرون، و أهل بيته الطيبون الطاهرون، و أحد الثقلين اللذين خلفهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيكم، فطاعتنا مقرونة بطاعة اللّه فان تنازعتم في شي‏ء فردوه إلى اللّه و الرسول.

و ان معاوية دعانا الحديث.

23

لِعَلِيٍّ(ع) أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ النُّبُوَّةِ فَلَا نَبِيَّ بَعْدِي- وَ قَدْ هَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِنْ قَوْمِهِ- وَ هُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ حَتَّى فَرَّ إِلَى الْغَارِ- وَ لَوْ وَجَدَ عَلَيْهِمْ أَعْوَاناً مَا هَرَبَ مِنْهُمْ- وَ لَوْ وَجَدْتُ أَنَا أَعْوَاناً مَا بَايَعْتُكَ يَا مُعَاوِيَةُ- وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ هَارُونَ فِي سَعَةٍ- حِينَ اسْتَضْعَفُوهُ وَ كَادُوا يَقْتُلُونَهُ وَ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمْ أَعْوَاناً- وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ(ص)فِي سَعَةٍ حِينَ فَرَّ مِنْ قَوْمِهِ- لِمَا لَمْ يَجِدْ أَعْوَاناً عَلَيْهِمْ- وَ كَذَلِكَ أَنَا وَ أَبِي فِي سَعَةٍ مِنَ اللَّهِ- حِينَ تَرَكَتْنَا الْأُمَّةُ وَ بَايَعَتْ غَيْرَنَا وَ لَمْ نَجِدْ أَعْوَاناً- وَ إِنَّمَا هِيَ السُّنَنُ وَ الْأَمْثَالُ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضاً- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَوِ الْتَمَسْتُمْ فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ- لَمْ تَجِدُوا رَجُلًا مِنْ وُلْدِ نَبِيٍّ غَيْرِي وَ غَيْرَ أَخِي.

7-

كش، رجال الكشي رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الطَّوِيلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ:

جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ(ع)يُقَالُ لَهُ- سُفْيَانُ بْنُ لَيْلَى‏

(1)

وَ هُوَ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ- فَدَخَلَ عَلَى الْحَسَنِ وَ هُوَ

____________

(1) اختلف في اسمه بين سفيان بن ليلى، و سفيان بن أبي ليلى، و سفيان بن ياليل و على اي عده بعض الرجاليين في حوارى الامام الحسن السبط، و بعضهم نظر في ذلك كابن داود قال: سفيان بن [ابى‏] ليلى الهمدانيّ من أصحاب الحسن (عليه السلام) عنونه الكشّيّ و قال: ممدوح من أصحابه (عليه السلام)، عاتب الحسن بقوله «يا مذل المؤمنين» و اعتذر له بأنّه قال ذلك محبة، و فيه نظر.

أقول: روى المفيد في الاختصاص(ص)61 و الكشّيّ(ص)73، في حديث ضعيف عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) انه قال: ثم ينادى المنادى اين حوارى الحسن بن عليّ؟ فيقوم سفيان بن أبي ليلى الهمدانيّ و حذيفة بن اسيد الغفارى.

و لكن قال في تذكرة الخواص: و في رواية ابن عبد البر المالكى في كتاب الاستيعاب ان سفيان بن ياليل و قيل ابن ليلى و كنيته أبو عامر، ناداه يا مذل المؤمنين، و في رواية هشام، و مسعود وجوه المؤمنين، فقال له: ويحك ايها الخارجى لا تعنفى، فان الذي أحوجنى الى ما فعلت: قتلكم أبى، و طعنكم اياى، و انتهابكم متاعى، و انكم لما سرتم الى صفين كان دينكم أمام دنياكم، و قد أصبحتم اليوم و دنياكم أمام دينكم.

24

مُحْتَبٍ‏

(1)

فِي فِنَاءِ دَارِهِ- فَقَالَ لَهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ انْزِلْ وَ لَا تَعْجَلْ- فَنَزَلَ فَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ فِي الدَّارِ- وَ أَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ- قَالَ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ مَا قُلْتَ- قَالَ قُلْتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَ وَ مَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ قَالَ عَمَدْتَ إِلَى أَمْرِ الْأُمَّةِ- فَخَلَعْتَهُ مِنْ عُنُقِكَ وَ قَلَّدْتَهُ هَذَا الطَّاغِيَةَ- يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ- قَالَ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ(ع)سَأُخْبِرُكَ لِمَ فَعَلْتُ ذَلِكَ- قَالَ سَمِعْتُ أَبِي(ع)يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) لَنْ تَذْهَبَ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي- حَتَّى يَلِيَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ رَجُلٌ وَاسِعُ الْبُلْعُومِ- رَحْبُ الصَّدْرِ

(2)

يَأْكُلُ وَ لَا يَشْبَعُ وَ هُوَ مُعَاوِيَةُ فَلِذَلِكَ فَعَلْتُ- مَا جَاءَ بِكَ قَالَ حُبُّكَ- قَالَ اللَّهَ قَالَ اللَّهَ فَقَالَ الْحَسَنُ(ع) وَ اللَّهِ لَا يُحِبُّنَا عَبْدٌ أَبَداً- وَ لَوْ كَانَ أَسِيراً فِي الدَّيْلَمِ إِلَّا نَفَعَهُ حُبُّنَا- وَ إِنَّ حُبَّنَا لَيُسَاقِطُ الذُّنُوبَ مِنْ بَنِي آدَمَ- كَمَا يُسَاقِطُ الرِّيحُ الْوَرَقَ مِنَ الشَّجَرِ.

ختص، الإختصاص جعفر بن الحسين المؤمن و جماعة مشايخنا عن محمد بن الحسين بن‏

____________

ويحك أيها الخارجى! انى رأيت أهل الكوفة قوما لا يوثق بهم، و ما اغتر بهم الا من ذل، ليس [راى‏] أحد منهم يوافق رأى الآخر، و لقد لقى أبى منهم أمورا صعبة و شدائد مرة، و هي أسرع البلاد خرابا، و أهلها هم الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا.

و في رواية: ان الخارجى لما قال له: يا مذل المؤمنين! قال: ما اذللتهم، و لكن كرهت أن أفنيهم و استأصل شافتهم لاجل الدنيا.

و الظاهر أن الرجل كان مع محبته لاهل البيت خصوصا الحسن السبط، على رأى الخوارج، و لذلك عنفه و عابه بمصالحته مع معاوية، فتحرر.

(1) أي كان محتبيا: جمع بين ظهره و ساقيه بيديه أو بازاره.

(2) رحب الصدر: اي واسع الصدر، و انما يريد به معناه اللغوى، لا الكنائى الذي هو مدح، و سيجي‏ء القصة عن ابن أبي الحديد نقلا عن مقاتل أبى الفرج، و فيه بدل «رحب الصدر»: «واسع السرم» و السرم: هو مخرج الثفل و هو طرف المعى المستقيم و هو المناسب المقابل لقوله «واسع البلعوم».

25

أحمد عن الصفار عن ابن عيسى عن علي بن النعمان‏ مثله‏ (1).

8-

كشف، كشف الغمة رَوَى الدُّولَابِيُّ مَرْفُوعاً إِلَى جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ

(2)

فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع) كَانَتْ جَمَاجِمُ الْعَرَبِ بِيَدِي يُسَالِمُونَ مَنْ سَالَمْتُ- وَ يُحَارِبُونَ مَنْ حَارَبْتُ- فَتَرَكْتُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَ حَقْنَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ.

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَبْصَرَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)مُقْبِلًا- فَقَالَ اللَّهُمَّ سَلِّمْهُ وَ سَلِّمْ مِنْهُ.

9-

كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ:

وَ اللَّهِ الَّذِي صَنَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع) كَانَ خَيْراً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ- وَ وَ اللَّهِ لَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ-

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ- وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ

- إِنَّمَا هِيَ طَاعَةُ الْإِمَامِ- وَ لَكِنَّهُمْ طَلَبُوا الْقِتَالَ-

فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ‏

مَعَ الْحُسَيْنِ(ع)

قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ- لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ‏

- ...

نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ‏ (3)

- أَرَادُوا تَأْخِيرَ ذَلِكَ إِلَى الْقَائِمِ ع.

توضيح قوله(ع)إنما هي طاعة الإمام أي المقصود في الآية طاعة الإمام الذي ينهى عن القتال لعدم كونه مأمورا به و يأمر بالصلاة و الزكاة و سائر أبواب البر

____________

(1) راجع الاختصاص(ص)82، الكشّيّ(ص)73.

(2) كذا في الأصل و هكذا المصدر ج 2(ص)99. لكنه روى في الكشف ج 2(ص)141 عن حلية الأولياء للحافظ أبى نعيم قال: و عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: قلت للحسن بن عليّ (عليهما السلام): ان الناس يقولون انك تريد الخلافة؟

فقال: قد كانت جماجم العرب الحديث.

و هذا هو الصحيح الظاهر متنا و سندا، و قد مر مع إضافة قوله (عليه السلام) بعد ذلك «ثم أثيرها يا تياس أهل الحجاز؟» راجع(ص)15 من هذا المجلد.

(3) ملفق من آيتين: النساء: 77، و إبراهيم: 44. و الحديث في روضة الكافي(ص)330.

26

و الحاصل أن أصحاب الحسن(ع)كانوا بهذه الآية مأمورين بطاعة إمامهم في ترك القتال فلم يرضوا به و طلبوا القتال‏ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ‏ مع الحسين(ع)قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ‏ أي قيام القائم ع.

ثم اعلم أن هذه الآية كما ورد في الخبر ليست في القرآن ففي سورة النساء أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَ قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ‏ و في سورة إبراهيم‏ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ‏ فلعله(ع)وصل آخر الآية بالآية السابقة لكونهما لبيان حال هذه الطائفة أو أضاف قوله‏ نُجِبْ دَعْوَتَكَ‏ بتلك الآية على وجه التفسير و البيان أي كان غرضهم أنه إن أخرتنا إلى ذلك نجب دعوتك و نتبع و يحتمل أن يكون في مصحفهم(ع)هكذا.

أقول سيأتي بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب في باب شهادته ع.

تذييل‏

قال السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء فإن قال قائل ما العذر له(ع)في خلع نفسه من الإمامة و تسليمها إلى معاوية مع ظهور فجوره و بعده عن أسباب الإمامة و تعريه من صفات مستحقها ثم في بيعته و أخذ عطائه و صلاته و إظهار موالاته و القول بإمامته هذا مع توفر أنصاره و اجتماع أصحابه و مبايعة من كان يبذل عنه دمه و ماله حتى سموه مذل المؤمنين و عابوه في وجهه ع.

الجواب قلنا قد ثبت أنه(ع)الإمام المعصوم المؤيد الموفق بالحجج الظاهرة و الأدلة القاهرة فلا بد من التسليم لجميع أفعاله و حملها على الصحة

27

و إن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل أو كان له ظاهر ربما نفرت النفس عنه و قد مضى تلخيص هذه الجملة و تقريرها في مواضع من كتابنا هذا.

و بعد فإن الذي جرى منه(ع)كان السبب فيه ظاهرا و الحامل عليه بينا جليا لأن المجتمعين له من الأصحاب و إن كانوا كثيري العدد فقد كانت قلوب أكثرهم نغلة غير صافية و قد كانوا صبوا إلى دنيا معاوية من غير مراقبة و لا مساترة فأظهروا له(ع)النصرة و حملوه على المحاربة و الاستعداد لها طمعا في أن يورطوه و يسلموه فأحس بهذا منهم قبل التولج و التلبس فتخلى من الأمر و تحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت.

و قد صرح بهذه الجملة و بكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة و بألفاظ مختلفة و قال(ع)إنما هادنت حقنا للدماء و ضنا بها و إشفاقا على نفسي و أهلي و المخلصين من أصحابي فكيف لا يخاف أصحابه و يتهمهم على نفسه و أهله.

و هو(ع)لما كتب إلى معاوية يعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه(ع)و يدعوه إلى طاعته فأجابه معاوية بالجواب المعروف المتضمن للمغالطة منه و الموارية و قال له فيه لو كنت أعلم أنك أقوم بالأمر و أضبط للناس و أكيد للعدو و أقوى على جميع الأمور مني لبايعتك لأنني أراك لكل خير أهلا و قال في كتابه إن أمري و أمرك شبيه بأمر أبي بكر و أمركم بعد وفاة رسول الله ص.

فدعاه ذلك إلى أن خطب أصحابه بالكوفة يحضهم على الجهاد و يعرفهم فضله و ما في الصبر عليه من الأجر و أمرهم أن يخرجوا إلى معسكرهم فما أجابه أحد فقال لهم عدي بن حاتم سبحان الله أ لا تجيبون إمامكم أين خطباء المصر فقام قيس بن سعد و فلان و فلان فبذلوا الجهاد و أحسنوا القول و نحن نعلم أن من يضن بكلامه أولى أن يضن بفعاله.

أ و ليس‏

أحدهم جلس له في مظلم ساباط و طعنه بمعول كان معه أصاب فخذه و شقه حتى وصل إلى العظم و انتزع من يده و حمل(ع)إلى المدائن و عليها سعد بن مسعود عم المختار و كان أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ولاه إياها فأدخل‏

28

منزله فأشار المختار على عمه أن يوثقه و يسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوحى سنة فأبى عليه و قال للمختار قبح الله رأيك أنا عامل أبيه و قد ائتمنني و شرفني و هبني بلاء أبيه‏

(1)

أ أنسى رسول الله(ص)و لا أحفظه في ابن ابنته و حبيبته.

ثم إن سعد بن مسعود أتاه(ع)بطبيب و قام عليه حتى برأ و حوله إلى بيض المدائن‏

(2)

.

فمن الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم فضلا على النصرة و المعونة و

قد أجاب(ع)حجر بن عدي الكندي لما قال له سودت‏

____________

(1) البلاء: الاختبار، و يكون بالخير و الشر، يقال: أبلاه اللّه بلاء حسنا، و ابتليته معروفا، قال زهير:

جزى اللّه بالاحسان ما فعلا بكم‏* * * و أبلاهما خير البلاء الذي يبلو

اى خير الصنيع الذي يختبر به عباده.

و مراده هبنى أن أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يسد الى نعمة حيث و لانى على المدائن أ أنسى رسول اللّه إلخ.

أقول سعد بن مسعود الثقفى: كان عاملا على المدائن من قبل أمير المؤمنين و قد كتب إليه عليّ (عليه السلام) «أما بعد فانّك قد اديت خراجك، و أطعت ربك، و أرضيت امامك:

فعل البر التقى النجيب، فغفر اللّه ذنبك، و تقبل سعيك، و حسن مآبك. (راجع تاريخ اليعقوبي).

(2) قال ابن الجوزى في التذكرة(ص)112: قال الشعبى: فبينا الحسن في سرادقه بالمدائن و قد تقدم قيس بن سعد، اذ نادى مناد في العسكر: الا ان قيس بن سعد قد قتل فانفروا، فنفروا الى سرادق الحسن فنازعوه حتّى أخذوا بساطا كان تحته، و طعنه رجل بمشقص فأدماه، فازدادت رغبته في الدخول في الجماعة، و ذعر منهم فدخل المقصورة التي في المدائن بالبيضاء، و كان الامير على المدائن سعد بن مسعود الثقفى عم المختار ولاه عليها عليّ (عليه السلام).

فقال له المختار، و كان شابا: هل لك في الغناء و الشرف؟ قال: و ما ذلك؟ قال:

تستوثق من الحسن و تسلمه الى معاوية، فقال له سعد: قاتلك اللّه، أثب على ابن رسول اللّه و أوثقه و اسلمه الى ابن هند؟ بئس الرجل أنا ان فعلته.

29

وجوه المؤمنين فقال(ع)ما كل أحد يحب ما تحب و لا رأيه كرأيك و إنما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم.

. وَ رَوَى عَبَّاسُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ عَنْ أَبِي الْكَنُودِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ:

لَمَّا بَايَعَ الْحَسَنُ(ع)مُعَاوِيَةَ أَقْبَلَتِ الشِّيعَةُ تَتَلَاقَى بِإِظْهَارِ الْأَسَفِ وَ الْحَسْرَةِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ يَوْمَ بَايَعَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدَ الْخُزَاعِيُّ مَا يَنْقَضِي تَعَجُّبُنَا مِنْ بَيْعَتِكَ مُعَاوِيَةَ وَ مَعَكَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كُلُّهُمْ يَأْخُذُ الْعَطَاءَ وَ هُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَنَازِلِهِمْ وَ مَعَهُمْ مِثْلُهُمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَ أَتْبَاعِهِمْ سِوَى شِيعَتِكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَ الْحِجَازِ ثُمَّ لَمْ تَأْخُذْ لِنَفْسِكَ ثِقَةً فِي الْعَقْدِ وَ لَا حَظّاً مِنَ الْعَطِيَّةِ فَلَوْ كُنْتَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَشْهَدْتَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وُجُوهَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ كَتَبْتَ عَلَيْهِ كِتَاباً بِأَنَّ الْأَمْرَ لَكَ بَعْدَهُ كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْنَا أَيْسَرَ وَ لَكِنَّهُ أَعْطَاكَ شَيْئاً بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ لَمْ يَفِ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَالَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ إِنِّي كُنْتُ شَرَطْتُ شُرُوطاً وَ وَعَدْتُ عِدَاةً إِرَادَةً لِإِطْفَاءِ نَارِ الْحَرْبِ وَ مُدَارَاةً لِقَطْعِ الْفِتْنَةِ فَلَمَّا أَنْ جَمَعَ اللَّهُ لَنَا الْكَلِمَ وَ الْأُلْفَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ تَحْتَ قَدَمَيَّ وَ اللَّهِ مَا عَنَى بِذَلِكَ غَيْرَكَ وَ مَا أَرَادَ إِلَّا مَا كَانَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ وَ قَدْ نَقَضَ فَإِذَا شِئْتَ فَأَعِدِ الْحَرْبَ خُدْعَةً وَ ائْذَنْ لِي فِي تَقَدُّمِكَ إِلَى الْكُوفَةِ فَأُخْرِجَ عَنْهَا عَامِلَهُ وَ أُظْهِرَ خَلْعَهُ وَ تَنَبَّذْ إِلَيْهِ‏

عَلى‏ سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ‏

وَ تَكَلَّمَ الْبَاقُونَ بِمِثْلِ كَلَامِ سُلَيْمَانَ.

فَقَالَ الْحَسَنُ(ع)أَنْتُمْ شِيعَتُنَا وَ أَهْلُ مَوَدَّتِنَا فَلَوْ كُنْتُ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا أَعْمَلَ وَ لِسُلْطَانِهَا أَرْكَضَ وَ أَنْصَبَ، مَا كَانَ مُعَاوِيَةُ بِأَبْأَسَ مِنِّي بَأْساً وَ لَا أَشَدَّ شَكِيمَةً

____________

و ذكر ابن سعد في الطبقات: ان المختار قال لعمه سعد: هل لك في أمر تسود به العرب؟ قال: و ما هو؟ قال: دعنى أضرب عنق هذا- يعنى الحسن- و أذهب به الى معاوية.

فقال له: قبحك اللّه ما هذا بلاؤهم عندنا أهل البيت.

30

وَ لَا أَمْضَى عَزِيمَةً

(1)

وَ لَكِنِّي أَرَى غَيْرَ مَا رَأَيْتُمْ وَ مَا أَرَدْتُ بِمَا فَعَلْتُ إِلَّا حَقْنَ الدِّمَاءِ فَارْضُوا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ سَلِّمُوا لِأَمْرِهِ وَ الْزَمُوا بُيُوتَكُمْ وَ أَمْسِكُوا.

أَوْ قَالَ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ أَوْ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ.

وَ هَذَا كَلَامٌ مِنْهُ(ع)يَشْفِي الصُّدُورَ وَ يَذْهَبُ بِكُلِّ شُبْهَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ.

وَ قَدْ رُوِيَ‏

أَنَّهُ(ع)لَمَّا طَالَبَهُ مُعَاوِيَةُ بِأَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى النَّاسِ وَ يُعَلِّمَهُمْ مَا عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ التُّقَى وَ أَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجُورُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَوْ طَلَبْتُمْ بَيْنَ جَابَلَقَ وَ جَابَرَسَ رَجُلًا جَدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا وَجَدْتُمُوهُ غَيْرِي وَ غَيْرَ أَخِي الْحُسَيْنِ وَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ هَدَاكُمْ بِأَوْلِيَاءِ مُحَمَّدٍ(ص)

(2)

وَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ نَازَعَنِي حَقّاً هُوَ لِي فَتَرَكْتُهُ لِصَلَاحِ الْأُمَّةِ وَ حَقْنِ دِمَائِهَا وَ قَدْ بَايَعْتُمُونِي عَلَى أَنْ تُسَالِمُوا مَنْ سَالَمْتُ فَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُسَالِمَهُ وَ رَأَيْتُ أَنَّ مَا حَقَنَ الدِّمَاءَ خَيْرٌ مِمَّا سَفَكَهَا وَ أَرَدْتُ صَلَاحَكُمْ وَ أَنْ يَكُونَ مَا صَنَعْتُ حُجَّةً عَلَى مَنْ كَانَ يَتَمَنَّى هَذَا الْأَمْرَ

وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏

.

. و كلامه(ع)في هذا الباب الذي يصرح في جميعه بأنه مغلوب مقهور ملجأ إلى التسليم و دافع بالمسالمة الضرر العظيم عن الدين و المسلمين أشهر من الشمس و أجلى من الصبح فأما قول السائل إنه خلع نفسه من الإمامة فمعاذ الله لأن الإمامة بعد حصولها للإمام لا يخرج عنه بقوله و عند أكثر مخالفينا أيضا في الإمامة أن خلع الإمام نفسه لا يؤثر في خروجه من الإمامة و إنما ينخلع من الإمامة عندهم بالأحداث و الكبائر و لو كان خلعه في نفسه مؤثرا لكان إنما يؤثر إذا وقع اختيارا فأما مع الإلجاء و الإكراه فلا تأثير له و لو كان مؤثرا في موضع‏

____________

(1) الشكيمة: الانفة و الانتصار من الظلم يقال: فلان شديد الشكيمة: أى أنوف أبى لا ينقاد.

(2) كذا في النسخ، و المروى من الخطبة أنّه قال: فان اللّه هداكم باولنا [محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)‏] و حقن دماءكم بآخرنا. و سيجي‏ء الخطبة بألفاظها المروية في الباب الآتي.

31

من المواضع.

و لم يسلم أيضا الأمر إلى معاوية بل كف عن المحاربة و المغالبة لفقد الأعوان و عوز الأنصار و تلاقي الفتنة على ما ذكرناه فيغلب عليه معاوية بالقهر و السلطان مع ما أنه كان متغلبا على أكثره و لو أظهر(ع)له التسليم قولا لما كان فيه شي‏ء إذا كان عن إكراه و اضطهاد.

فأما البيعة فإن أريد بها الصفقة و إظهار الرضا و الكف عن المنازعة فقد كان ذلك لكنا قد بينا جهة وقوعه و الأسباب المحوجة إليه و لا حجة في ذلك عليه (صلوات الله عليه) كما لم يكن في مثله حجة على أبيه (صلوات الله عليهما) لما بايع المتقدمين عليه و كف عن نزاعهم و أمسك عن غلابهم.

و إن أريد بالبيعة الرضا و طيب النفس فالحال شاهد بخلاف ذلك و كلامه المشهور كله يدل على أنه أحوج و أحرج و أن الأمر له و هو أحق الناس به و إنما كف عن المنازعة فيه للغلبة و القهر و الخوف على الدين و المسلمين.

فأما أخذ العطاء فقد بينا في هذا الكتاب عند الكلام فيما فعله أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) من ذلك أن أخذه من يد الجابر الظالم المتغلب جائز و أنه لا لؤم فيه على الأخذ و لا حرج و أما أخذ الصلات فسائغ بل واجب لأن كل مال في يد الغالب الجابر المتغلب على أمر الأمة يجب على الإمام و على جميع المسلمين انتزاعه من يده كيف ما أمكن بالطوع أو الإكراه و وضعه في مواضعه.

فإذا لم يتمكن(ع)من انتزاع جميع ما في يد معاوية من أموال الله تعالى و أخرج هو شيئا منها إليه على سبيل الصلة فواجب عليه أن يتناوله من يده و يأخذ منه حقه و يقسمه على مستحقه لأن التصرف في ذلك المال بحق الولاية عليه لم يكن في تلك الحال إلا له ع.

و ليس لأحد أن يقول إن الصلات التي كان يقبلها من معاوية أنه كان ينفقها على نفسه و عياله و لا يخرجها إلى غيره و ذلك أن هذا مما لا يمكن أن يدعي العلم به و القطع عليه و لا شك أنه(ع)كان ينفق منها لأن فيها حقه و حق‏

32

عياله و أهله و لا بد من أن يكون قد أخرج منها إلى المستحقين حقوقهم و كيف يظهر ذلك و هو(ع)كان قاصدا إلى إخفائه و ستره لمكان التقية و المحوج له(ع)إلى قبول تلك الأموال على سبيل الصلة هو المحوج له إلى ستر إخراجها أو إخراج بعضها إلى مستحقيها من المسلمين و قد كان عليه و آله السلام يتصدق بكثير من أمواله و يواسي الفقراء و يصل المحتاجين و لعل في جملة ذلك هذه الحقوق.

فأما إظهار موالاته فما أظهر(ع)من ذلك شيئا كما لم يبطنه و كلامه(ع)فيه بمشهد معاوية و مغيبه معروف ظاهر و لو فعل ذلك خوفا و استصلاحا و تلافيا للشر العظيم لكان واجبا فقد فعل أبوه (صلوات الله عليه و آله) مثله مع المتقدمين عليه.

و أعجب من هذا كله دعوى القول بإمامته و معلوم ضرورة منه(ع)خلاف ذلك فإنه كان يعتقد و يصرح بأن معاوية لا يصلح أن يكون بعض ولاة الإمام و أتباعه فضلا عن الإمامة نفسها.

و ليس يظن مثل هذه الأمور إلا عامي حشوي قد قعد به التقليد و ما سبق إلى اعتقاده من تصويب القوم كلهم عن التأمل و سماع الأخبار المأثورة في هذا الباب فهو لا يسمع إلا ما يوافقه و إذا سمع لم يصدق إلا بما أعجبه‏ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ‏ انتهى كلامه رفع الله مقامه.

و أقول بعد ما أسسناه في كتاب الإمامة بالدلائل العقلية و النقلية أنهم(ع)لا يفعلون شيئا إلا بما وصل إليهم من الله تعالى و بعد ما قرع سمعك في تلك الأبواب من الأخبار الدالة على وجه الحكمة في خصوص ما فعله(ع)لا أظنك تحتاج إلى بسط القول في ذلك‏ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏

33

باب 19 كيفية مصالحة الحسن بن علي (صلوات الله عليهما) معاوية و ما جرى بينهما قبل ذلك‏

1-

ع، علل الشرائع‏

دَسَّ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ- وَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَ إِلَى حُجْرِ بْنِ الْحَارِثِ‏

(1)

- وَ شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ دَسِيساً أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنٍ مِنْ عُيُونِهِ- أَنَّكَ إِنْ قَتَلْتَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَلَكَ مِائَتَا أَلْفِ دِرْهَمٍ- وَ جُنْدٌ مِنْ أَجْنَادِ الشَّامِ وَ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتِي- فَبَلَغَ الْحَسَنَ(ع)فَاسْتَلْأَمَ وَ لَبِسَ دِرْعاً وَ كَفَرَهَا- وَ كَانَ يَحْتَرِزُ وَ لَا يَتَقَدَّمُ لِلصَّلَاةِ بِهِمْ إِلَّا كَذَلِكَ- فَرَمَاهُ أَحَدُهُمْ فِي الصَّلَاةِ بِسَهْمٍ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ- لِمَا عَلَيْهِ مِنَ اللَّأْمَةِ فَلَمَّا صَارَ فِي مُظْلَمِ سَابَاطَ- ضَرَبَهُ أَحَدُهُمْ بِخَنْجَرٍ مَسْمُومٍ فَعَمِلَ فِيهِ الْخَنْجَرُ- فَأَمَرَ(ع)أَنْ يُعْدَلَ بِهِ إِلَى بَطْنِ جُرَيْحَى‏

(2)

وَ عَلَيْهَا- عَمُّ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَيْلَةَ- فَقَالَ الْمُخْتَارُ لِعَمِّهِ- تَعَالَ حَتَّى نَأْخُذَ الْحَسَنَ وَ نُسَلِّمَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ- فَيَجْعَلَ لَنَا الْعِرَاقَ فَنَذِرَ بِذَلِكَ الشِّيعَةُ مِنْ قَوْلِ الْمُخْتَارِ لِعَمِّهِ- فَهَمُّوا بِقَتْلِ الْمُخْتَارِ- فَتَلَطَّفَ عَمُّهُ لِمَسْأَلَةِ الشِّيعَةِ بِالْعَفْوِ عَنِ الْمُخْتَارِ فَفَعَلُوا- فَقَالَ الْحَسَنُ(ع)وَيْلَكُمْ وَ اللَّهِ إِنَّ مُعَاوِيَةَ- لَا يَفِي لِأَحَدٍ مِنْكُمْ بِمَا ضَمِنَهُ فِي قَتْلِي- وَ إِنِّي أَظُنُّ أَنِّي إِنْ وَضَعْتُ يَدِي فِي يَدِهِ- فَأُسَالِمُهُ لَمْ يَتْرُكْنِي أَدِينُ لِدِينِ جَدِّي(ص) وَ إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَحْدِي- وَ لَكِنِّي كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَبْنَائِكُمْ وَاقِفِينَ عَلَى أَبْوَابِ أَبْنَائِهِمْ- يَسْتَسْقُونَهُمْ وَ يَسْتَطْعِمُونَهُمْ- بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ فَلَا يُسْقَوْنَ وَ لَا يُطْعَمُونَ- فَبُعْداً وَ سُحْقاً لِمَا كَسَبَتْهُ أَيْدِيهِمْ-

وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏

____________

(1) هذا هو الظاهر المطابق لبعض نسخ الكتاب و في بعضها «حجر بن الحجر» و في بعضها «حجرين الحر» و في بعضها «حجر بن الجر».

(2) فليتحرر.

34

فَجَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ بِمَا لَا عُذْرَ لَهُمْ فِيهِ- فَكَتَبَ الْحَسَنُ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَطْبِي انْتَهَى إِلَى الْيَأْسِ- مِنْ حَقٍّ أُحْيِيهِ وَ بَاطِلٍ أُمِيتُهُ- وَ خَطْبُكَ خَطْبُ مَنِ انْتَهَى إِلَى مُرَادِهِ- وَ إِنَّنِي أَعْتَزِلُ هَذَا الْأَمْرَ وَ أُخَلِّيهِ لَكَ- وَ إِنْ كَانَ تَخْلِيَتِي إِيَّاهُ شَرّاً لَكَ فِي مَعَادِكَ- وَ لِي شُرُوطٌ أَشْتَرِطُهَا- لَا تَبْهَظَنَّكَ إِنْ وَفَيْتَ لِي بِهَا بِعَهْدٍ وَ لَا تَخِفُّ إِنْ غَدَرْتَ- وَ كَتَبَ الشُّرُوطَ فِي كِتَابٍ آخَرَ فِيهِ يُمَنِّيهِ بِالْوَفَاءِ- وَ تَرْكِ الْغَدْرِ- وَ سَتَنْدَمُ يَا مُعَاوِيَةُ كَمَا نَدِمَ غَيْرُكَ مِمَّنْ نَهَضَ فِي الْبَاطِلِ- أَوْ قَعَدَ عَنِ الْحَقِّ حِينَ لَمْ يَنْفَعِ النَّدَمُ وَ السَّلَامُ.

- فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَنْ هُوَ النَّادِمُ النَّاهِضُ وَ النَّادِمُ الْقَاعِدُ- قُلْنَا هَذَا الزُّبَيْرُ ذَكَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه)- مَا أَيْقَنَ بِخَطَاءِ مَا أَتَاهُ وَ بَاطِلِ مَا قَضَاهُ- وَ بِتَأْوِيلِ مَا عَزَاهُ فَرَجَعَ عَنْهُ الْقَهْقَرَى- وَ لَوْ وَفَى بِمَا كَانَ فِي بَيْعَتِهِ لَمَحَا نَكْثَهُ- وَ لَكِنَّهُ أَبَانَ ظَاهِراً النَّدَمَ وَ السَّرِيرَةَ إِلَى عَالِمِهَا- وَ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رَوَى أَصْحَابُ الْأَثَرِ فِي فَضَائِلِهِ أَنَّهُ قَالَ- مَهْمَا آسَى عَلَيْهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ- فَإِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْ‏ءٍ أَسَفِي- عَلَى أَنِّي لَمْ أُقَاتِلْ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ مَعَ عَلِيٍ‏ (1) فَهَذَا نَدَمُ الْقَاعِدِ- وَ هَذِهِ عَائِشَةُ رَوَى الرُّوَاةُ أَنَّهَا لَمَّا أَنَّبَهَا مُؤَنِّبٌ فِيمَا أَتَتْهُ- قَالَتْ قُضِيَ الْقَضَاءُ وَ جَفَّتِ الْأَقْلَامُ- وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)عِشْرُونَ ذَكَراً- كُلُّهُمْ مِثْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ- فَثَكِلْتُهُمْ بِمَوْتٍ وَ قَتْلٍ- كَانَ أَيْسَرَ عَلَيَّ مِنْ خُرُوجِي عَلَى عَلِيٍّ- وَ مَسْعَايَ الَّتِي سَعَيْتُ فَإِلَى اللَّهِ شَكْوَايَ لَا إِلَى غَيْرِهِ‏ (2)- وَ هَذَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ- لَمَّا أُنْهِيَ إِلَيْهِ أَنَّ عَلِيّاً (صلوات الله عليه) قَتَلَ ذَا الثُّدَيَّةِ- أَخَذَهُ مَا قَدَّمَ وَ مَا أَخَّرَ وَ قَلِقَ وَ نَزِقَ- وَ قَالَ وَ اللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ‏

____________

(1) تراه في الاستيعاب لابن عبد البر المالكى بذيل الإصابة ج 2(ص)337، بألفاظ مختلفة و في بعضها أنّه قال ذلك حين حضرته الوفاة.

(2) روى مثله أبو الفرج الأصبهانيّ في كتاب مرج البحرين على ما نقله في تذكرة الخواص(ص)61.

35

لَمَشَيْتُ إِلَيْهِ وَ لَوْ حَبْواً- وَ لَمَّا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ دَخَلَ إِلَيْهِ سَعْدٌ- فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ مَا الَّذِي مَنَعَكَ- أَنْ تُعِينَنِي عَلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْإِمَامِ الْمَظْلُومِ- فَقَالَ كُنْتُ أُقَاتِلُ مَعَكَ عَلِيّاً- وَ

-

قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ‏

- أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى.

- قَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ نَعَمْ وَ إِلَّا صَمَّتَا- قَالَ أَنْتَ الْآنَ أَقَلُّ عُذْراً فِي الْقُعُودِ عَنِ النُّصْرَةِ- فَوَ اللَّهِ لَوْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مَا قَاتَلْتُهُ‏ (1)- وَ قَدْ أَحَالَ فَقَدْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ(ص) يَقُولُ لِعَلِيٍّ(ع)أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَاتَلَهُ- وَ هُوَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ لِلدُّنْيَا يَلْعَنُهُ وَ يَشْتِمُهُ- وَ يَرَى أَنَّ مُلْكَهُ وَ ثُبَاتَ قُدْرَتِهِ بِذَلِكَ- إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ عُذْرَ سَعْدٍ فِي الْقُعُودِ عَنْ نَصْرِهِ- وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ‏- فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِحُمْقِهِ وَ خُرْقِهِ- فَإِنَّ عَلِيّاً نَدِمَ مِمَّا كَانَ مِنْهُ مِنَ النُّهُوضِ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ- وَ إِرَاقَةِ تِلْكَ الدِّمَاءِ كَمَا نَدِمُوا هُمْ فِي النُّهُوضِ وَ الْقُعُودِ- قِيلَ كَذَبْتَ وَ أَحَلْتَ‏

-

لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَقَامٍ- قَالَ:

إِنِّي قَلَّبْتُ أَمْرِي وَ أَمْرَهُمْ ظَهْراً لِبَطْنٍ- فَمَا وَجَدْتُ إِلَّا قِتَالَهُمْ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّدٌ ص.

- وَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أُمِرْتُ بِقِتَالِ- النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ- وَ

-

رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَجْهاً عَنِ النَّبِيِّ(ص)

أَنَّكَ تُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ.

- وَ لَوْ أَظْهَرَ نَدَماً بِحَضْرَةِ مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ هَذَا- وَ هُوَ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)لَكَانَ مُكَذِّباً فِيهِ نَفْسَهُ- وَ كَانَ فِيهِمُ الْمُهَاجِرُونَ كَعَمَّارٍ وَ الْأَنْصَارُ- كَأَبِي الْهَيْثَمِ وَ أَبِي أَيُّوبَ وَ دُونَهُمَا- فَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّجْ وَ لَمْ يَتَوَرَّعْ عَنِ الْكَذِبِ- عَلَى مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ- اسْتَحْيَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ عَمَّارٌ الَّذِي‏

-

يَقُولُ فِيهِ النَّبِيُّ(ص)

عَمَّارٌ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَمَّارٍ- يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ.

يَحْلِفُ جَهْدَ أَيْمَانِهِ وَ اللَّهِ لَوْ بَلَغُوا بِنَا قَصَبَاتِ هَجَرَ- لَعَلِمْتُ أَنَّا عَلَى الْحَقِّ وَ أَنَّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ‏ (2)- وَ يَحْلِفُ أَنَّهُ قَاتَلَ رَايَتَهُ الَّتِي أَحْضَرَهَا صِفِّينَ- وَ هِيَ الَّتِي أَحْضَرَهَا

____________

(1) ترى مثله في صحيح مسلم ج 7(ص)120 و 121.

(2) راجع أسد الغابة ج 4(ص)46 ترجمة عمار.

36

يَوْمَ أُحُدٍ وَ الْأَحْزَابِ- وَ اللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُ هَذِهِ الرَّايَةَ آخِرَ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ- وَ اللَّهِ مَا هِيَ عِنْدِي بِأَهْدَى مِنَ الْأُولَى‏ (1)- وَ كَانَ يَقُولُ إِنَّهُمْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ- وَ أَسَرُّوا الْكُفْرَ حَتَّى وَجَدُوا عَلَيْهِ أَعْوَاناً- وَ لَوْ نَدِمَ عَلِيٌّ(ع)عِنْدَ

-

قَوْلِهِ‏

- أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ.

- لَكَانَ مَنْ مَعَ عَلِيٍّ يَقُولُ لَهُ كَذَبْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص) وَ إِقْرَارُهُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ- وَ كَانَتِ الْأُمَّةُ الزُّبَيْرُ وَ عَائِشَةُ وَ حِزْبُهُمَا- وَ عَلِيٌّ وَ أَبُو أَيُّوبَ وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَ عَمَّارٌ وَ أَصْحَابُهُ- وَ سَعْدٌ وَ ابْنُ عُمَرَ وَ أَصْحَابُهُ‏ (2)- فَإِذَا اجْتَمَعُوا جَمِيعاً عَلَى النَّدَمِ- فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ اجْتَمَعُوا عَلَى نَدَمٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ- فَعَلُوهُ وَدُّوا أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوهُ- وَ أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلُوهُ بَاطِلٌ فَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى الْبَاطِلِ- وَ هُمُ الْأُمَّةُ الَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الْبَاطِلِ- أَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى النَّدَمِ مِنْ تَرْكِ شَيْ‏ءٍ- لَمْ يَفْعَلُوهُ وَدُّوا أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ- فَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى الْبَاطِلِ بِتَرْكِهِمْ جَمِيعاً الْحَقَّ- وَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ‏

- النَّبِيُّ(ص)حِينَ قَالَ لِعَلِيٍّ(ع) إِنَّكَ تُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ.

- كَانَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ(ص)خَبَراً- وَ لَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مَا أَخْبَرَ- إِلَّا بِأَنْ يُكَذِّبَ الْمُخْبِرَ أَوْ يَكُونَ أَمْرُهُ بِقِتَالِهِمْ‏ (3)- وَ تَرْكُهُ‏

____________

(1) و قال ابن سعد: نظر عمّار الى عمرو بن العاص و بيده راية فناداه: ويحك يا ابن العاص هذه راية قد قاتلت بها مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاث مرّات و هذه الرابعة.

(2) يريد ان الأمة بين ثلاث طوائف: طائفة: الزبير و عائشة و حزبهما الناكثون في الجمل، و طائفة عليّ (عليه السلام) و المهاجرون و الأنصار يقاتلونهم، و طائفة قاعدون عن الحرب و هم عبد اللّه بن عمر و سعد بن أبي وقاص، فإذا كان هؤلاء الطوائف و هم أمة محمّد كلهم ندموا على ما تدعون، فقد اجتمعوا على الخطأ، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا تجتمع.

امتى على الخطأ.

(3) أي يكون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر عليا بقتالهم و تركه كذلك و لم يخبر الآخرين بالامر لانه (عليهم السلام) يأتمر بما أمر به عنده، و لذلك قال «فو اللّه ما وجدت الا السيف أو الكفر بما أنزل اللّه على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) على ما ذكره ابن الأثير ج 4(ص)31 من أسد الغابة.

37

لِلِائْتِمَارِ بِمَا أُمِرَ بِهِ عِنْدَهُ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنَّهُ كَفَرَ- فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّ الْحَسَنَ أَخْبَرَ- بِأَنَّهُ حَقَنَ دِمَاءً أَنْتَ تَدَّعِي أَنَّ عَلِيّاً(ع) كَانَ مَأْمُوراً بِإِرَاقَتِهَا- وَ الْحَقْنُ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ بِإِرَاقَتِهِ مِنَ الْحَاقِنِ عِصْيَانٌ- قُلْنَا إِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي ذَكَرَ الْحَسَنُ(ع) أُمَّتَانِ وَ فِرْقَتَانِ وَ طَائِفَتَانِ- هَالِكَةٌ وَ نَاجِيَةٌ وَ بَاغِيَةٌ وَ مَبْغِيٌّ عَلَيْهَا- فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَقْنُ دِمَاءِ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا- إِلَّا بِحَقْنِ دِمَاءِ الْبَاغِيَةِ- لِأَنَّهُمَا إِذَا اقْتَتَلَا وَ لَيْسَ لِلْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا قِوَامٌ- بِإِزَالَةِ الْبَاغِيَةِ حُقِنَ دَمُ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا- وَ إِرَاقَةُ دَمِ الْبَاغِيَةِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ- إِرَاقَةٌ لِدَمِ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا لَا غَيْرُ فَهَذَا هَذَا- فَإِنْ قَالَ فَمَا الْبَاغِي عِنْدَكَ- أَ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ أَوْ لَا مُؤْمِنٌ وَ لَا كَافِرٌ- قُلْنَا إِنَّ الْبَاغِيَ هُوَ الْبَاغِي بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الصَّلَاةِ- وَ سَمَّاهُمْ أَهْلُ الْإِرْجَاءِ مُؤْمِنِينَ مَعَ تَسْمِيَتِهِمْ إِيَّاهُمْ بِالْبَاغِينَ وَ سَمَّاهُمْ أَهْلُ الْوَعِيدِ كُفَّاراً مُشْرِكِينَ- وَ كُفَّاراً غَيْرَ مُشْرِكِينَ كَالْإِبَاضِيَّةِ وَ الزَّيْدِيَّةِ- وَ فُسَّاقاً خَالِدِينَ فِي النَّارِ كَوَاصِلٍ وَ عُمَرَ- وَ مُنَافِقِينَ خَالِدِينَ‏ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ- كَالْحَسَنِ وَ أَصْحَابِهِ- فَكُلُّهُمْ قَدْ أَزَالَ الْبَاغِيَ عَمَّا كَانَ فِيهِ قَبْلَ الْبَغْيِ- فَأَخْرَجَهُ قَوْمٌ إِلَى الْكُفْرِ وَ الشِّرْكِ- كَجَمِيعِ الْخَوَارِجِ غَيْرِ الْإِبَاضِيَّةِ (1)- وَ إِلَى الْكُفْرِ غَيْرِ الشِّرْكِ كَالْإِبَاضِيَّةِ وَ الزَّيْدِيَّةِ- وَ إِلَى الْفِسْقِ وَ النِّفَاقِ كَوَاصِلٍ- وَ أَقَلُّ مَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْإِرْجَاءِ- إِسْقَاطُهُمْ مِنَ السُّنَنِ وَ الْعَدَالَةِ وَ الْقَبُولِ- فَإِنْ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَمَّى الْبَاغِيَ مُؤْمِناً- فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (2)- فَجَعَلَهُمْ مُؤْمِنِينَ- قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَيْنِ- كَانَ قَبْلَ اقْتِتَالِهِمَا عَالِماً بِالْبَاغِيَةِ مِنْهُمَا- أَ وَ لَمْ يَكُنْ عَالِماً بِالْبَاغِيَةِ مِنْهُمَا- فَإِنْ كَانَ عَالِماً بِالْبَاغِيَةِ مِنْهُمَا- كَانَ مَأْمُوراً بِقِتَالِهَا مَعَ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا- حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللَّهِ‏ وَ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ بِالْبَغْيِ- وَ إِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ بِالْإِصْلَاحِ- جَاهِلًا بِالْبَاغِيَةِ وَ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا- فَإِنَّهُ كَانَ جَاهِلًا بِالْمُؤْمِنِ غَيْرِ الْبَاغِي وَ الْمُؤْمِنِ الْبَاغِي- وَ كَانَ الْمُؤْمِنُ غَيْرُ الْبَاغِي عَرَفَ بَعْدَ التَّبْيِينِ- وَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْبَاغِي- [كَانَ‏] مُجْمَعاً مِنْ‏

____________

(1) فرقة من الخوارج انتسبوا الى عبد اللّه بن أباض التميمى.

(2) الحجرات: 9.

38

أَهْلِ الصَّلَاةِ عَلَى إِيمَانِهِ- لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي اسْمِهِ- وَ الْمُؤْمِنُ الْبَاغِي بِزَعْمِكَ مُخْتَلِفٌ فِيهِ- فَلَا يُسَمَّى مُؤْمِناً حَتَّى يُجْمَعَ عَلَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ- كَمَا أُجْمِعَ عَلَى أَنَّهُ بَاغٍ- فَلَا يُسَمَّى الْبَاغِي مُؤْمِناً- إِلَّا بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الصَّلَاةِ عَلَى تَسْمِيَتِهِ مُؤْمِناً- كَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بَاغِياً- فَإِنْ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَمَّى الْبَاغِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَخاً- وَ لَا يَكُونُ أَخُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مُؤْمِناً قِيلَ أَحَلْتَ وَ بَاعَدْتَ- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَمَّى هُوداً وَ هُوَ نَبِيٌّ أَخَا عَادٍ وَ هُمْ كُفَّارٌ- فَقَالَ‏ وَ إِلى‏ عادٍ أَخاهُمْ هُوداً (1)- وَ قَدْ يُقَالُ لِلشَّامِيِّ يَا أَخَا الشَّامِ وَ لِلْيَمَانِيِّ يَا أَخَا الْيَمَنِ- وَ يُقَالُ لِلْمُسَايِفِ اللَّازِمِ لَهُ الْمُقَاتِلِ بِهِ فُلَانٌ أَخُ السَّيْفِ- فَلَيْسَ فِي يَدِ الْمُتَأَوِّلِ أَخُ الْمُؤْمِنِ لَا يَكُونُ إِلَّا مُؤْمِناً- مَعَ شَهَادَةِ الْقُرْآنِ بِخِلَافِهِ- وَ شَهَادَةِ اللُّغَةِ بِأَنَّهُ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ أَخَا الْجَمَادِ- الَّذِي هُوَ الشَّامُ وَ الْيَمَنُ وَ السَّيْفُ وَ الرُّمْحُ- وَ بِاللَّهِ أَسْتَعِينُ عَلَى أُمُورِنَا فِي أَدْيَانِنَا- وَ دُنْيَانَا وَ آخِرَتِنَا- وَ إِيَّاهُ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ لِمَا قَرُبَ مِنْهُ وَ أُزْلِفَ لَدَيْهِ بِمَنِّهِ وَ كَرَمِهِ بيان استلأم الرجل إذا لبس اللأمة و هي الدرع و كفرت الشي‏ء أكفره بالكسر كفرا أي سترته و نذر القوم بالعدو بكسر الذال أي علموا و الخطب الأمر و الشأن و بهظه الأمر كمنع غلبه و ثقل عليه.

قوله(ع)و لا تخف إن غدرت أي لا يرتفع عنك ثقل إن لم تف بالعهد كما أنه لا يثقل عليك إن وفيت قوله ما عزاه أي نسبه إلى النبي(ص)من العذر في هذا الخروج و يقال أسي على مصيبة بالكسر يأسى أسى أي حزن قوله أخذه ما قدم و ما أخر أي أخذه هم ما قدم من سوء معاملته مع علي(ع)و ما أخر من نصرته أو من عذاب الآخرة أو كناية عن هموم شتى لأمور كثيرة مختلفة.

و القلق محركة الانزعاج و نزق كفرح و ضرب طاش و خف عند الغضب قوله عن النصرة أي عن نصرة علي(ع)قوله و أحال هذا كلام الصدوق أي‏

____________

(1) هود: 50.

39

كذب معاوية و أتى بالمحال حتى ادعى عدم سماع ذلك قوله إنه قاتل رايته أي راية معاوية قوله بأهدى من الأولى أي هي مثل الأولى راية شرك في أنها راية شرك و كفر قوله أو يكون أمره حاصله أن هذا الكلام من النبي(ص)إما إخبار أو أمر في صورة الخبر و على ما ذكرت من كونهم على الحق يلزم على الأول كذب الرسول(ص)و على الثاني مخالفة أمير المؤمنين(ع)لما أمره به الرسول ص.

أقول قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْفَهَانِيُ‏

كَتَبَ الْحَسَنُ(ع)إِلَى مُعَاوِيَةَ مَعَ جُنْدَبِ‏

(1)

بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ بَعَثَ مُحَمَّداً(ص)

رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏

وَ مِنَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ تَوَفَّاهُ اللَّهُ غَيْرَ مُقَصِّرٍ وَ لَا وَانٍ بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ وَ مَحَقَ بِهِ الشِّرْكَ وَ خَصَّ قُرَيْشاً خَاصَّةً فَقَالَ لَهُ‏

وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ‏ (2)

فَلَمَّا تُوُفِّيَ تَنَازَعَتْ سُلْطَانَهُ الْعَرَبُ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ نَحْنُ قَبِيلَتُهُ وَ أُسْرَتُهُ وَ أَوْلِيَاؤُهُ وَ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تُنَازِعُونَا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ وَ حَقَّهُ فَرَأَتِ الْعَرَبُ أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ قُرَيْشٌ وَ أَنَّ الْحُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُمْ أَمْرَ مُحَمَّدٍ(ص)فَأَنْعَمَتْ لَهُمْ وَ سَلَّمَتْ إِلَيْهِمْ.

ثُمَّ حَاجَجْنَا نَحْنُ قُرَيْشاً بِمِثْلِ مَا حَاجَّتْ بِهِ الْعَرَبُ فَلَمْ تُنْصِفْنَا قُرَيْشٌ إِنْصَافَ الْعَرَبِ لَهَا إِنَّهُمْ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ دُونَ الْعَرَبِ بِالْإِنْصَافِ وَ الِاحْتِجَاجِ فَلَمَّا صِرْنَا أَهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَ أَوْلِيَاءَهُ إِلَى مُحَاجَّتِهِمْ وَ طَلَبِ النَّصَفِ مِنْهُمْ بَاعَدُونَا وَ اسْتَوْلَوْا بِالاجْتِمَاعِ عَلَى ظُلْمِنَا وَ مُرَاغَمَتِنَا وَ الْعَنَتِ مِنْهُمْ لَنَا فَالْمَوْعِدُ اللَّهُ وَ هُوَ الْوَلِيُّ النَّصِيرُ.

وَ لَقَدْ تَعَجَّبْنَا لِتَوَثُّبِ الْمُتَوَثِّبِينَ عَلَيْنَا فِي حَقِّنَا وَ سُلْطَانِ نَبِيِّنَا وَ إِنْ كَانُوا ذَوِي فَضِيلَةٍ وَ سَابِقَةٍ فِي الْإِسْلَامِ وَ أَمْسَكْنَا عَنْ مُنَازَعَتِهِمْ مَخَافَةً عَلَى الدِّينِ أَنْ يَجِدَ الْمُنَافِقُونَ وَ الْأَحْزَابُ فِي ذَلِكَ مَغْمَزاً يَثْلِمُونَهُ بِهِ أَوْ يَكُونَ لَهُمْ بِذَلِكَ سَبَبٌ إِلَى مَا أَرَادُوا مِنْ إِفْسَادِهِ فَالْيَوْمَ فَلْيَتَعَجَّبِ الْمُتَعَجِّبُ مِنْ تَوَثُّبِكَ يَا مُعَاوِيَةُ عَلَى أَمْرٍ لَسْتَ مِنْ‏

____________

(1) في الأصل: حرب بن عبد اللّه، و هو تصحيف.

(2) الزخرف: 44.

40

أَهْلِهِ لَا بِفَضْلٍ فِي الدِّينِ مَعْرُوفٍ وَ لَا أَثَرٍ فِي الْإِسْلَامِ مَحْمُودٍ وَ أَنْتَ ابْنُ حِزْبٍ مِنَ الْأَحْزَابِ وَ ابْنُ أَعْدَى قُرَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ لَكِنَّ اللَّهَ حَسِيبُكَ فَسَتُرَدُّ فَتَعْلَمُ‏

لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ

وَ بِاللَّهِ لَتَلْقَيَنَّ عَنْ قَلِيلٍ رَبَّكَ ثُمَّ لَيَجْزِيَنَّكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَ مَا اللَّهُ‏

بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

إِنَّ عَلِيّاً لَمَّا مَضَى لِسَبِيلِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَوْمَ قُبِضَ وَ يَوْمَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً وَلَّانِي الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ فَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يُؤْتِيَنَا فِي الدُّنْيَا الزَّائِلَةِ شَيْئاً يَنْقُصُنَا بِهِ فِي الْآخِرَةِ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ كَرَامَتِهِ وَ إِنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى الْكِتَابِ إِلَيْكَ الْإِعْذَارُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي أَمْرِكَ وَ لَكَ فِي ذَلِكَ إِنْ فَعَلْتَهُ الْحَظُّ الْجَسِيمُ وَ الصَّلَاحُ لِلْمُسْلِمِينَ فَدَعِ التَّمَادِيَ فِي الْبَاطِلِ وَ ادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ بَيْعَتِي فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ كُلِ‏

أَوَّابٍ حَفِيظٍ

وَ مَنْ لَهُ قَلْبٌ مُنِيبٌ.

وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ دَعِ الْبَغْيَ وَ احْقُنْ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ فَوَ اللَّهِ مَا لَكَ مِنْ خَيْرٍ فِي أَنْ تَلْقَى اللَّهَ مِنْ دِمَائِهِمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَنْتَ لَاقِيهِ بِهِ وَ ادْخُلْ فِي السِّلْمِ وَ الطَّاعَةِ وَ لَا تُنَازِعِ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ لِيُطْفِئَ اللَّهُ النَّائِرَةَ بِذَلِكَ وَ يَجْمَعَ الْكَلِمَةَ وَ يُصْلِحَ ذَاتَ الْبَيْنِ وَ إِنْ أَنْتَ أَبَيْتَ إِلَّا التَّمَادِيَ فِي غَيِّكَ سِرْتُ إِلَيْكَ بِالْمُسْلِمِينَ فَحَاكَمْتُكَ‏

حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ‏

أقول ثم ذكر جواب معاوية و ما أظهر فيه من الكفر و الإلحاد إِلَى قَوْلِهِ وَ قَدْ فَهِمْتُ الَّذِي دَعَوْتَنِي إِلَيْه مِنَ الصُّلْحِ فَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ أَضْبَطُ مِنِّي لِلرَّعِيَّةِ وَ أَحْوَطُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ أَحْسَنُ سِيَاسَةً وَ أَقْوَى عَلَى جَمْعِ الْأَمْوَالِ وَ أَكْيَدُ لِلْعَدُوِّ لَأَجَبْتُكَ إِلَى مَا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ وَ رَأَيْتُكَ لِذَلِكَ أَهْلًا وَ لَكِنْ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي أَطْوَلُ مِنْكَ وَلَايَةً وَ أَقْدَمُ مِنْكَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ تَجْرِبَةً وَ أَكْبَرُ مِنْكَ سِنّاً فَأَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي سَأَلْتَنِي فَادْخُلْ فِي طَاعَتِي وَ لَكَ الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِي وَ لَكَ مَا فِي بَيْتِ مَالِ الْعِرَاقِ بَالِغاً مَا بَلَغَ تَحْمِلُهُ إِلَى حَيْثُ أَحْبَبْتَ وَ لَكَ خَرَاجُ أَيِّ كُوَرِ الْعِرَاقِ شِئْتَ مَعُونَةً عَلَى نَفَقَتِكَ يَجْبِيهَا أَمِينُكَ وَ يَحْمِلُهَا إِلَيْكَ فِي‏

41

كُلِّ سَنَةٍ وَ لَكَ أَنْ لَا يُسْتَوْلَى عَلَيْكَ بِالْأَشْيَاءِ وَ لَا يُقْضَى دُونَكَ الْأُمُورُ وَ لَا تُعْصَى فِي أَمْرٍ أَرَدْتَ بِهِ طَاعَةَ اللَّهِ أَعَانَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ عَلَى طَاعَتِهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ وَ السَّلَامُ.

قَالَ جُنْدَبٌ فَلَمَّا أَتَيْتُ الْحَسَنَ(ع)بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ قُلْتُ لَهُ إِنَّ الرَّجُلَ سَائِرٌ إِلَيْكَ فَابْدَأْهُ بِالْمَسِيرِ حَتَّى تُقَاتِلَهُ فِي أَرْضِهِ وَ بِلَادِهِ وَ عَمَلِهِ فَأَمَّا أَنْ تُقَدِّرَ أَنَّهُ يَنْقَادُ لَكَ فَلَا وَ اللَّهِ حَتَّى يَرَى مِنَّا أَعْظَمَ مِنْ يَوْمِ صِفِّينَ فَقَالَ أَفْعَلُ ثُمَّ قَعَدَ عَنْ مَشُورَتِي وَ تَنَاسَى قَوْلِي‏

(1)

.

2-

ب، قرب الإسناد ابْنُ طَرِيفٍ عَنِ ابْنِ عُلْوَانَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)

أَنَّ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ (صلوات الله عليهما)- كَانَا يَغْمِزَانِ مُعَاوِيَةَ وَ يَقُولَانِ فِيهِ وَ يَقْبَلَانِ جَوَائِزَهُ.

3-

ف، تحف العقول‏

قَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْحَسَنِ(ع)بَعْدَ الصُّلْحِ- اذْكُرْ فَضْلَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ- وَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَ آلِهِ- ثُمَّ قَالَ مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي- وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ- أَنَا ابْنُ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ أَنَا ابْنُ الْمُصْطَفَى بِالرِّسَالَةِ- أَنَا ابْنُ مَنْ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ- أَنَا ابْنُ مَنْ شُرِّفَتْ بِهِ الْأُمَّةُ- أَنَا ابْنُ مَنْ كَانَ جَبْرَئِيلُ السَّفِيرَ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ- أَنَا ابْنُ مَنْ بُعِثَ‏

رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏

- (صلّى اللّه عليه و آله) أَجْمَعِينَ- فَلَمْ يَقْدِرْ مُعَاوِيَةُ يَكْتُمُ عَدَاوَتَهُ وَ حَسَدَهُ- فَقَالَ يَا حَسَنُ عَلَيْكَ بِالرُّطَبِ فَانْعَتْهُ لَنَا- قَالَ نَعَمْ يَا مُعَاوِيَةُ الرِّيحُ تُلْقِحُهُ- وَ الشَّمْسُ تَنْفُخُهُ وَ الْقَمَرُ يُلَوِّنُهُ- وَ الْحَرُّ يُنْضِجُهُ وَ اللَّيْلُ يُبَرِّدُهُ- ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْطِقِهِ فَقَالَ- أَنَا ابْنُ الْمُسْتَجَابِ الدَّعْوَةِ- أَنَا ابْنُ مَنْ كَانَ مِنْ رَبِّهِ كَقَابِ‏

قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏

- أَنَا ابْنُ الشَّفِيعِ الْمُطَاعِ أَنَا ابْنُ مَكَّةَ وَ مِنًى- أَنَا ابْنُ مَنْ خَضَعَتْ لَهُ قُرَيْشٌ رَغْماً- أَنَا ابْنُ مَنْ سَعِدَ تَابِعُهُ وَ شَقِيَ خَاذِلُهُ- أَنَا ابْنُ مَنْ جُعِلَتِ الْأَرْضُ لَهُ طَهُوراً وَ مَسْجِداً- أَنَا ابْنُ مَنْ كَانَتْ أَخْبَارُ السَّمَاءِ إِلَيْهِ تَتْرَى- أَنَا ابْنُ مَنْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً- فَقَالَ مُعَاوِيَةُ أَظُنُّ نَفْسَكَ يَا حَسَنُ تُنَازِعُكَ إِلَى الْخِلَافَةِ- فَقَالَ وَيْلَكَ يَا مُعَاوِيَةُ

____________

(1) راجع مقاتل الطالبيين(ص)37- 40.

42

إِنَّمَا الْخَلِيفَةُ مَنْ سَارَ بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ- وَ لَعَمْرِي إِنَّا لَأَعْلَامُ الْهُدَى وَ مَنَارُ التُّقَى- وَ لَكِنَّكَ يَا مُعَاوِيَةُ مِمَّنْ أَبَادَ السُّنَنَ وَ أَحْيَا الْبِدَعَ- وَ اتَّخَذَ عِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا وَ دِينَ اللَّهِ لَعِباً- فَكَأَنْ قَدْ أُخْمِلَ مَا أَنْتَ فِيهِ- فَعِشْتَ يَسِيراً وَ بَقِيَتْ عَلَيْكَ تَبِعَاتُهُ- يَا مُعَاوِيَةُ وَ اللَّهِ لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ مَدِينَتَيْنِ- إِحْدَاهُمَا بِالْمَشْرِقِ وَ الْأُخْرَى بِالْمَغْرِبِ- أَسْمَاؤُهُمَا جَابَلْقَا وَ جَابَلْسَا- مَا بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا أَحَداً غَيْرَ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ(ص) فَقَالَ مُعَاوِيَةُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَخْبِرْنَا عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ نَعَمْ- عَنْ مِثْلِ هَذَا فَاسْأَلْ- إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ سَبْعاً وَ الْأَرَضِينَ سَبْعاً- وَ الْجِنَّ مِنْ سَبْعٍ وَ الْإِنْسَ مِنْ سَبْعٍ- فَتَطْلُبُ مِنْ لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَ عِشْرِينَ إِلَى لَيْلَةِ سَبْعٍ وَ عِشْرِينَ ثُمَّ نَهَضَ ع.

أقول قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ رَوَى أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ قَالَ:

سَأَلَ مُعَاوِيَةُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)بَعْدَ الصُّلْحِ أَنْ يَخْطُبَ النَّاسَ فَامْتَنَعَ فَنَاشَدَهُ أَنْ يَفْعَلَ فَوُضِعَ لَهُ كُرْسِيٌّ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَوَحَّدَ فِي مُلْكِهِ وَ تَفَرَّدَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَ يَنْزِعُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَ بِنَا مُؤْمِنَكُمْ وَ أَخْرَجَ مِنَ الشِّرْكِ أَوَّلَكُمْ وَ حَقَنَ دِمَاءَ آخِرِكُمْ فَبَلَاؤُنَا عِنْدَكُمْ قَدِيماً وَ حَدِيثاً أَحْسَنُ الْبَلَاءِ إِنْ شَكَرْتُمْ أَوْ كَفَرْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبَّ عَلِيٍّ كَانَ أَعْلَمَ بِعَلِيٍّ حِينَ قَبَضَهُ إِلَيْهِ وَ لَقَدِ اخْتَصَّهُ بِفَضْلٍ لَنْ تُعْهَدُوا بِمِثْلِهِ وَ لَنْ تَجِدُوا مِثْلَ سَابِقَتِهِ.

فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ طَالَمَا قَلَّبْتُمُ الْأُمُورَ حَتَّى أَعْلَاهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَ هُوَ صَاحِبُكُمْ غَزَاكُمْ فِي بَدْرٍ وَ أَخَوَاتِهَا جَرَّعَكُمْ رَنَقاً وَ سَقَاكُمْ عَلَقاً وَ أَذَلَّ رِقَابَكُمْ وَ شَرَقَكُمْ بِرِيقِكُمْ فَلَسْتُمْ بِمَلُومِينَ عَلَى بُغْضِهِ وَ ايْمُ اللَّهِ لَا تُرَى أُمَّةُ مُحَمَّدٍ خَفْضاً مَا كَانَتْ سَادَتُهُمْ وَ قَادَتُهُمْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ وَ لَقَدْ وَجَّهَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ فِتْنَةً لَنْ تُصَدُّوا عَنْهَا حَتَّى تَهْلِكُوا لِطَاعَتِكُمْ طَوَاغِيتَكُمْ وَ انْضِوَائِكُمْ إِلَى شَيَاطِينِكُمْ فَعِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ مَا مَضَى وَ مَا يُنْتَظَرُ مِنْ سُوءِ رَغْبَتِكُمْ وَ حَيْفِ حِلْمِكُمْ.

ثُمَّ قَالَ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ لَقَدْ فَارَقَكُمْ بِالْأَمْسِ سَهْمٌ مِنْ مَرَامِي اللَّهِ صَائِبٌ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ نَكَالٌ عَلَى فُجَّارِ قُرَيْشٍ لَمْ يَزَلْ آخِذاً بِحَنَاجِرِهَا جَاثِماً عَلَى أَنْفُسِهَا

43

لَيْسَ بِالْمَلُومَةِ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَ لَا بِالسَّرُوقَةِ لِمَالِ اللَّهِ وَ لَا بِالْفَرُوقَةِ فِي حَرْبِ أَعْدَاءِ اللَّهِ أَعْطَى الْكِتَابَ خَوَاتِيمَهُ وَ عَزَائِمَهُ دَعَاهُ فَأَجَابَهُ وَ قَادَهُ فَأَتْبَعَهُ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ فَصَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ رَحْمَتُهُ.

فَقَالَ مُعَاوِيَةُ أَخْطَأَ عَجِلٌ أَوْ كَادَ وَ أَصَابَ مُتَثَبِّتٌ أَوْ كَادَ

(1)

مَا ذَا أَرَدْتُ مِنْ خُطْبَةِ الْحَسَنِ ع.

. بيان: رنق رنقا بالتحريك كدر و انضوى إليه مال و جثم لزم مكانه فلم يبرح أو وقع على صدره أو تلبّد بالأرض.

4-

يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ عَنِ الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ:

لَمَّا مَاتَ عَلِيٌّ(ع)جَاءَ النَّاسُ إِلَى الْحَسَنِ- وَ قَالُوا أَنْتَ خَلِيفَةُ أَبِيكَ وَ وَصِيُّهُ- وَ نَحْنُ السَّامِعُونَ الْمُطِيعُونَ لَكَ فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ فَقَالَ(ع)كَذَبْتُمْ- وَ اللَّهِ مَا وَفَيْتُمْ لِمَنْ كَانَ خَيْراً مِنِّي- فَكَيْفَ تَفُونَ لِي وَ كَيْفَ أَطْمَئِنُّ إِلَيْكُمْ وَ لَا أَثِقُ بِكُمْ- إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَمَوْعِدُ مَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ مُعَسْكَرُ الْمَدَائِنِ- فَوَافُوا إِلَيَّ هُنَاكَ- فَرَكِبَ وَ رَكِبَ مَعَهُ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ وَ تَخَلَّفَ عَنْهُ كَثِيرٌ- فَمَا وَفَوْا بِمَا قَالُوهُ وَ بِمَا وَعَدُوهُ- وَ غَرُّوهُ كَمَا غَرُّوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِنْ قَبْلِهِ فَقَامَ خَطِيباً- وَ قَالَ غَرَرْتُمُونِي كَمَا غَرَرْتُمْ مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِي- مَعَ أَيِّ إِمَامٍ تُقَاتِلُونَ بَعْدِي- مَعَ الْكَافِرِ الظَّالِمِ الَّذِي لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ لَا بِرَسُولِهِ قَطُّ وَ لَا أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ هُوَ وَ بني [بَنُو أُمَيَّةَ إِلَّا فَرَقاً مِنَ السَّيْفِ- وَ لَوْ لَمْ يَبْقَ لِبَنِي أُمَيَّةَ إِلَّا عَجُوزٌ دَرْدَاءُ- لَبَغَتْ دِينَ اللَّهِ عِوَجاً وَ هَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيْهِ قَائِداً فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ- وَ كَانَ مِنْ كِنْدَةَ وَ أَمَرَهُ أَنْ يُعَسْكِرَ بِالْأَنْبَارِ- وَ لَا يُحْدِثَ شَيْئاً حَتَّى يَأْتِيَهُ أَمْرُهُ- فَلَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى الْأَنْبَارِ وَ نَزَلَ بِهَا- وَ عَلِمَ مُعَاوِيَةُ بِذَلِكَ بَعَثَ إِلَيْهِ رُسُلًا- وَ كَتَبَ إِلَيْهِ مَعَهُمْ أَنَّكَ إِنْ أَقْبَلْتَ إِلَيَّ- أُوَلِّكَ بَعْضَ كُوَرِ الشَّامِ وَ الْجَزِيرَةِ- غَيْرَ مُنْفِسٍ عَلَيْكَ وَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ- فَقَبَضَ‏

____________

(1) العجل- ككتف و عضد- العجول و زاده الخطأ، و المتثبت: هو الذي يتأنى في الأمور و يروى فيصيب مرماه.

44

الْكِنْدِيُّ عَدُوُّ اللَّهِ الْمَالَ وَ قَلَبَ عَلَى الْحَسَنِ- وَ صَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ مِنْ خَاصَّتِهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ- فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ(ع)فَقَامَ خَطِيباً- وَ قَالَ هَذَا الْكِنْدِيُّ تَوَجَّهَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ غَدَرَ بِي وَ بِكُمْ- وَ قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أَنَّهُ لَا وَفَاءَ لَكُمْ- أَنْتُمْ عَبِيدُ الدُّنْيَا وَ أَنَا مُوَجِّهٌ رَجُلًا آخَرَ مَكَانَهُ- وَ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَفْعَلُ بِي وَ بِكُمْ مَا فَعَلَ صَاحِبُهُ- وَ لَا يُرَاقِبُ اللَّهَ فِيَّ وَ لَا فِيكُمْ- فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلًا مِنْ مُرَادٍ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ- وَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِمَشْهَدٍ مِنَ النَّاسِ- وَ تَوَكَّدَ عَلَيْهِ وَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَيَغْدِرُ كَمَا غَدَرَ الْكِنْدِيُّ- فَحَلَفَ لَهُ بِالْأَيْمَانِ الَّتِي لَا تَقُومُ لَهَا الْجِبَالُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ- فَقَالَ الْحَسَنُ إِنَّهُ سَيَغْدِرُ- فَلَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى الْأَنْبَارِ- أَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ رُسُلًا وَ كَتَبَ إِلَيْهِ بِمِثْلِ مَا كَتَبَ إِلَى صَاحِبِهِ- وَ بَعَثَ إِلَيْهِ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ- وَ مَنَّاهُ أَيَّ وِلَايَةٍ أَحَبَّ مِنْ كُوَرِ الشَّامِ وَ الْجَزِيرَةِ- فَقَلَبَ عَلَى الْحَسَنِ وَ أَخَذَ طَرِيقَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ- وَ لَمْ يَحْفَظْ مَا أَخَذَ عَلَيْهِ مِنَ الْعُهُودِ- وَ بَلَغَ الْحَسَنَ مَا فَعَلَ الْمُرَادِيُّ فَقَامَ خَطِيباً- فَقَالَ قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى أَنَّكُمْ لَا تَفُونَ لِلَّهِ بِعُهُودٍ- وَ هَذَا صَاحِبُكُمُ الْمُرَادِيُّ غَدَرَ بِي وَ بِكُمْ وَ صَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ- ثُمَّ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْحَسَنِ يَا ابْنَ عَمِّ- لَا تَقْطَعِ الرَّحِمَ الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنِي- فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ غَدَرُوا بِكَ وَ بِأَبِيكَ مِنْ قَبْلِكَ- فَقَالُوا إِنْ خَانَكَ الرَّجُلَانِ وَ غَدَرُوا بِكَ فَإِنَّا مُنَاصِحُونَ لَكَ- فَقَالَ لَهُمُ الْحَسَنُ لَأَعُودَنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ- وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ غَادِرُونَ مَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ- إِنَّ مُعَسْكَرِي بِالنُّخَيْلَةِ فَوَافُونِي هُنَاكَ- وَ اللَّهِ لَا تَفُونَ لِي بِعَهْدِي وَ لَتَنْقُضُنَّ الْمِيثَاقَ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ- ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ أَخَذَ طَرِيقَ النُّخَيْلَةِ فَعَسْكَرَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ- فَلَمْ يَحْضُرْهُ إِلَّا أَرْبَعَةُ آلَافٍ- فَانْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ- وَ قَالَ يَا عَجَباً مِنْ قَوْمٍ لَا حَيَاءَ لَهُمْ وَ لَا دِينَ- وَ لَوْ سَلَّمْتُ لَهُ الْأَمْرَ فَايْمُ اللَّهِ لَا تَرَوْنَ فَرَجاً أَبَداً- مَعَ بَنِي أُمَيَّةَ وَ اللَّهِ لَ

يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ‏

- حَتَّى تَتَمَنَّوْا أَنَّ عَلَيْكُمْ جَيْشاً جَيْشاً- وَ لَوْ وَجَدْتُ أَعْوَاناً

45

مَا سَلَّمْتُ لَهُ الْأَمْرَ- لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ فَأُفٍّ وَ تَرَحاً يَا عَبِيدَ الدُّنْيَا- وَ كَتَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَإِنَّا مَعَكَ- وَ إِنْ شِئْتَ أَخَذْنَا الْحَسَنَ وَ بَعَثْنَاهُ إِلَيْكَ- ثُمَّ أَغَارُوا عَلَى فُسْطَاطِهِ وَ ضَرَبُوهُ بِحَرْبَةٍ وَ أُخِذَ مَجْرُوحاً- ثُمَّ كَتَبَ جَوَاباً لِمُعَاوِيَةَ- إِنَّمَا هَذَا الْأَمْرُ لِي وَ الْخِلَافَةُ لِي وَ لِأَهْلِ بَيْتِي- وَ إِنَّهَا لَمُحَرَّمَةٌ عَلَيْكَ وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ- سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ اللَّهِ لَوْ وَجَدْتُ صَابِرِينَ- عَارِفِينَ بِحَقِّي غَيْرَ مُنْكِرِينَ- مَا سَلَّمْتُ لَكَ وَ لَا أَعْطَيْتُكَ مَا تُرِيدُ وَ انْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ.

بيان امرأة درداء أي ليس في فمها سنّ قوله(ع)لبغت دين الله عوجا إلي لطلبت أن يثبت له اعوجاجا و تلبس على الناس أن فيه عوجا مقتبس من قوله تعالى‏ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً (1) و الكور بضم الكاف و فتح الواو جمع الكورة و هي المدينة و الصقع و قال الجوهري أنفسني فلان في كذا أي رغبني فيه و لفلان منفس و نفيس أي مال كثير و نفس به بالكسر أي ضن به يقال نفست عليه الشي‏ء نفاسة إذا لم تره يستأهله قوله و قلب على الحسن أي صرف العسكر أو الأمر إليه و الترح بالتحريك ضد الفرح و الهلاك.

5-

شا، الإرشاد

لَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَفَاةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع) وَ بَيْعَةُ النَّاسِ ابْنَهُ الْحَسَنَ(ع)دَسَّ رَجُلًا مِنْ حِمْيَرٍ إِلَى الْكُوفَةِ- وَ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْقَيْنِ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيَكْتُبَا إِلَيْهِ بِالْأَخْبَارِ- وَ يُفْسِدَا عَلَى الْحَسَنِ الْأُمُورَ- فَعَرَفَ ذَلِكَ الْحَسَنُ(ع) فَأَمَرَ بِاسْتِخْرَاجِ الْحِمْيَرِيِّ مِنْ عِنْدِ لَحَّامٍ‏

(2)

بِالْكُوفَةِ- فَأُخْرِجَ وَ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ- وَ كَتَبَ إِلَى الْبَصْرَةِ بِاسْتِخْرَاجِ الْقَيْنِيِّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ- فَأُخْرِجَ وَ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ- وَ كَتَبَ الْحَسَنُ(ع)إِلَى مُعَاوِيَةَ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ دَسَسْتَ الرِّجَالَ لِلِاحْتِيَالِ وَ الِاغْتِيَالِ- وَ أَرْصَدْتَ الْعُيُونَ كَأَنَّكَ تُحِبُّ اللِّقَاءَ- وَ مَا أَشُكُّ فِي ذَلِكَ فَتَوَقَّعْهُ‏

____________

(1) آل عمران: 99.

(2) حجام، خ ل.

46

إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَ بَلَغَنِي أَنَّكَ شَمِتَّ بِمَا لَمْ يَشْمَتْ بِهِ ذُو حِجًى- وَ إِنَّمَا مَثَلُكَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ-

فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلَافَ الَّذِي مَضَى* * * -تَزَوَّدْ لِأُخْرَى مِثْلَهَا فَكَأَنَّ قَدْ-

فَإِنَّا وَ مَنْ قَدْ مَاتَ مِنَّا لَكَالَّذِي* * * -يَرُوحُ فَيُمْسِي فِي الْمَبِيتِ لِيَغْتَدِي‏

- فَأَجَابَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ كِتَابِهِ بِمَا لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى ذِكْرِهِ- وَ كَانَ بَيْنَ الْحَسَنِ(ع)وَ بَيْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُكَاتَبَاتٌ وَ مُرَاسَلَاتٌ- وَ احْتِجَاجَاتٌ لِلْحَسَنِ-(ع)فِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأَمْرَ- وَ تَوَثُّبِ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى أَبِيهِ(ع) وَ ابْتِزَازِهِمْ سُلْطَانَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ تَحَقُّقِهِمْ بِهِ دُونَهُ- أَشْيَاءُ يَطُولُ ذِكْرُهَا- وَ سَارَ مُعَاوِيَةُ نَحْوَ الْعِرَاقِ لِيَغْلِبَ- عَلَيْهِ- فَلَمَّا بَلَغَ جِسْرَ مَنْبِجٍ‏

(1)

تَحَرَّكَ الْحَسَنُ(ع) وَ بَعَثَ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ يَأْمُرُ الْعُمَّالَ بِالْمَسِيرِ- وَ اسْتَنْفَرَ النَّاسَ لِلْجِهَادِ فَتَثَاقَلُوا عَنْهُ- ثُمَّ خَفُّوا وَ مَعَهُ أَخْلَاطٌ مِنَ النَّاسِ بَعْضُهُمْ شِيعَةٌ لَهُ وَ لِأَبِيهِ- وَ بَعْضُهُمْ مُحَكِّمَةٌ

(2)

يُؤْثِرُونَ قِتَالَ مُعَاوِيَةَ بِكُلِّ حِيلَةٍ- وَ بَعْضُهُمْ أَصْحَابُ فِتَنٍ وَ طَمَعٍ فِي الْغَنَائِمِ وَ بَعْضُهُمْ شُكَّاكٌ- وَ بَعْضُهُمْ أَصْحَابُ عَصَبِيَّةٍ اتَّبَعُوا رُؤَسَاءَ قَبَائِلِهِمْ- لَا يَرْجِعُونَ إِلَى دِينٍ- فَسَارَ حَتَّى أَتَى حَمَّامَ عُمَرَ ثُمَّ أَخَذَ عَلَى دَيْرِ كَعْبٍ- فَنَزَلَ سَابَاطَ دُونَ الْقَنْطَرَةِ وَ بَاتَ هُنَاكَ- فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرَادَ(ع)أَنْ يَمْتَحِنَ أَصْحَابَهُ- وَ يَسْتَبْرِئَ أَحْوَالَهُمْ لَهُ فِي الطَّاعَةِ- لِيَتَمَيَّزَ بِذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهُ مِنْ أَعْدَائِهِ- وَ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ لِقَاءِ مُعَاوِيَةَ وَ أَهْلِ الشَّامِ- فَأَمَرَ أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِالصَّلَاةَ جَامِعَةً- فَاجْتَمَعُوا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ- الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا حَمِدَهُ حَامِدٌ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كُلَّمَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ‏

بِالْحَقِّ بَشِيراً

وَ ائْتَمَنَهُ عَلَى الْوَحْيِ-(ص)أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي وَ اللَّهِ لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ- قَدْ أَصْبَحْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَ مَنِّهِ- وَ أَنَا أَنْصَحُ خَلْقِ‏

____________

(1) منبج- كمجلس- بلد من بلاد الشام، و قيل: أول من بناها كسرى لما غلب على الشام و منه الى حلب عشر فراسخ.

(2) يعني أصحاب التحكيم و هم الخوارج.

47

اللَّهِ لِخَلْقِهِ- وَ مَا أَصْبَحْتُ مُحْتَمِلًا عَلَى مُسْلِمٍ ضَغِينَةً- وَ لَا مُرِيداً لَهُ بِسُوءٍ وَ لَا غَائِلَةٍ- أَلَا وَ إِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ- خَيْرٌ لَكُمْ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ- أَلَا وَ إِنِّي نَاظِرٌ لَكُمْ خَيْراً مِنْ نَظَرِكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ- فَلَا تُخَالِفُوا أَمْرِي وَ لَا تَرُدُّوا عَلَيَّ رَأْيِي- غَفَرَ اللَّهُ لِي وَ لَكُمْ- وَ أَرْشَدَنِي وَ إِيَّاكُمْ لِمَا فِيهِ الْمَحَبَّةُ وَ الرِّضَا- قَالَ فَنَظَرَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ- وَ قَالُوا مَا تَرَوْنَهُ يُرِيدُ بِمَا قَالَ- قَالُوا نَظُنُّهُ وَ اللَّهِ يُرِيدُ أَنْ يُصَالِحَ مُعَاوِيَةَ- وَ يُسَلِّمَ الْأَمْرَ إِلَيْهِ- فَقَالُوا كَفَرَ وَ اللَّهِ الرَّجُلُ ثُمَّ شَدُّوا عَلَى فُسْطَاطِهِ- وَ انْتَهَبُوهُ حَتَّى أَخَذُوا مُصَلَّاهُ مِنْ تَحْتِهِ- ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُعَالٍ الْأَزْدِيُّ- فَنَزَعَ مطرفة [مِطْرَفَهُ عَنْ عَاتِقِهِ فَبَقِيَ جَالِساً- مُتَقَلِّداً بِالسَّيْفِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ- ثُمَّ دَعَا بِفَرَسِهِ وَ رَكِبَهُ وَ أَحْدَقَ بِهِ طَوَائِفُ مِنْ خَاصَّتِهِ وَ شِيعَتِهِ- وَ مَنَعُوا مِنْهُ مَنْ أَرَادَهُ- فَقَالَ ادْعُوا لِي رَبِيعَةَ وَ هَمْدَانَ فَدَعَوْا لَهُ فَأَطَافُوا بِهِ- وَ دَفَعُوا النَّاسَ عَنْهُ(ع)وَ سَارَ وَ مَعَهُ شَوْبٌ مِنْ غَيْرِهِمْ- فَلَمَّا مَرَّ فِي مُظْلَمِ سَابَاطَ- بَدَرَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ الْجَرَّاحُ بْنُ سِنَانٍ- وَ أَخَذَ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ وَ بِيَدِهِ مِغْوَلٌ- وَ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْرَكْتَ يَا حَسَنُ كَمَا أَشْرَكَ أَبُوكَ مِنْ قَبْلُ- ثُمَّ طَعَنَهُ فِي فَخِذِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى بَلَغَ الْعَظْمَ- ثُمَّ اعْتَنَقَهُ الْحَسَنُ(ع)وَ خَرَّا جَمِيعاً إِلَى الْأَرْضِ- فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ شِيعَةِ الْحَسَنِ- يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ الطَّائِيُّ فَانْتَزَعَ الْمِغْوَلَ مِنْ يَدِهِ- وَ خَضْخَضَ بِهِ جَوْفَهُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ آخَرُ يُقَالُ لَهُ- ظَبْيَانُ بْنُ عُمَارَةَ فَقَطَعَ أَنْفَهُ فَهَلَكَ مِنْ ذَلِكَ- وَ أُخِذَ آخَرُ كَانَ مَعَهُ فَقُتِلَ- وَ حُمِلَ الْحَسَنُ(ع)عَلَى سَرِيرٍ إِلَى الْمَدَائِنِ- فَأُنْزِلَ بِهِ عَلَى سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ- وَ كَانَ عَامِلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِهَا- فَأَقَرَّهُ الْحَسَنُ(ع)عَلَى ذَلِكَ- وَ اشْتَغَلَ الْحَسَنُ(ع)بِنَفْسِهِ يُعَالِجُ جُرْحَهُ- وَ كَتَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ القَبَائِلِ إِلَى مُعَاوِيَةَ- بِالسَّمْعِ وَ الطَّاعَةِ لَهُ فِي السِّرِّ- وَ اسْتَحَثُّوهُ عَلَى الْمَسِيرِ نَحْوَهُمْ- وَ ضَمِنُوا لَهُ تَسْلِيمَ الْحَسَنِ(ع)إِلَيْهِ عِنْدَ دُنُوِّهِمْ- مِنْ عَسْكَرِهِ أَوِ الْفَتْكَ بِهِ- وَ بَلَغَ الْحَسَنَ(ع)ذَلِكَ وَ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ- وَ كَانَ قَدْ أَنْفَذَهُ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ- عِنْدَ مَسِيرِهِ مِنَ الْكُوفَةِ لِيَلْقَى مُعَاوِيَةَ

48

وَ يَرُدَّهُ عَنِ الْعِرَاقِ- وَ جَعَلَهُ أَمِيراً عَلَى الْجَمَاعَةِ- وَ قَالَ إِنْ أُصِبْتَ فَالْأَمِيرُ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ- فَوَصَلَ كِتَابُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ يُخْبِرُهُ- أَنَّهُمْ نَازَلُوا مُعَاوِيَةَ بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا الْحَبُّونِيَّةُ- بِإِزَاءِ مَسْكِنَ‏

(1)

وَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَرْسَلَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ- يُرَغِّبُهُ فِي الْمَصِيرِ إِلَيْهِ- وَ ضَمِنَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ يُعَجِّلُ لَهُ مِنْهَا النِّصْفَ- وَ يُعْطِيهِ النِّصْفَ الْآخَرَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْكُوفَةِ- فَانْسَلَّ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي اللَّيْلِ إِلَى مُعَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ فِي خَاصَّتِهِ- وَ أَصْبَحَ النَّاسُ قَدْ فَقَدُوا أَمِيرَهُمْ- فَصَلَّى بِهِمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَ نَظَرَ فِي أُمُورِهِمْ- فَازْدَادَتْ بَصِيرَةُ الْحَسَنِ(ع)بِخِذْلَانِ الْقَوْمِ لَهُ- وَ فَسَادِ نِيَّاتِ الْمُحَكِّمَةِ فِيهِ- بِمَا أَظْهَرُوهُ لَهُ مِنَ السَّبِّ وَ التَّكْفِيرِ لَهُ- وَ اسْتِحْلَالِ دَمِهِ وَ نَهْبِ أَمْوَالِهِ- وَ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَنْ يَأْمَنُ غَوَائِلَهُ- إِلَّا خَاصَّةٌ مِنْ شِيعَةِ أَبِيهِ وَ شِيعَتِهِ- وَ هُمْ جَمَاعَةٌ لَا يَقُومُ لِأَجْنَادِ الشَّامِ- فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فِي الْهُدْنَةِ وَ الصُّلْحِ- وَ أَنْفَذَ إِلَيْهِ بِكُتُبِ أَصْحَابِهِ- الَّذِينَ ضَمِنُوا لَهُ فِيهَا الْفَتْكَ بِهِ وَ تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ- وَ اشْتَرَطَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي إِجَابَتِهِ إِلَى صُلْحِهِ شُرُوطاً كَثِيرَةً- وَ عَقَدَ لَهُ عُقُوداً كَانَ فِي الْوَفَاءِ بِهَا مَصَالِحُ شَامِلَةٌ- فَلَمْ يَثِقْ بِهِ الْحَسَنُ وَ عَلِمَ بِاحْتِيَالِهِ بِذَلِكَ وَ اغْتِيَالِهِ- غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ بُدّاً مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا الْتَمَسَ مِنْهُ- مِنْ تَرْكِ الْحَرْبِ وَ إِنْفَاذِ الْهُدْنَةِ- لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِمَّا وَصَفْنَاهُ مِنْ ضَعْفِ الْبَصَائِرِ فِي حَقِّهِ- وَ الْفَسَادِ عَلَيْهِ وَ الْخُلْفِ مِنْهُمْ لَهُ- وَ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي اسْتِحْلَالِ دَمِهِ- وَ تَسْلِيمِهِ إِلَى خَصْمِهِ- وَ مَا كَانَ مِنْ خِذْلَانِ ابْنِ عَمِّهِ لَهُ وَ مَصِيرِهِ إِلَى عَدُوِّهِ- وَ مَيْلِ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ إِلَى الْعَاجِلَةِ وَ زُهْدِهِمْ فِي الْآجِلَةِ- فَتَوَثَّقَ(ع)لِنَفْسِهِ مِنْ مُعَاوِيَةَ لِتَوْكِيدِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ- وَ الْإِعْذَارِ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى- وَ عِنْدَ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ- وَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ تَرْكَ سَبِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع) وَ الْعُدُولَ عَنِ الْقُنُوتِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَوَاتِ- وَ أَنْ يُؤْمِنَ شِيعَتَهُ وَ لَا يَتَعَرَّضَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ بِسُوءٍ

____________

(1) مسكن- بكسر الكاف- موضع على نهر دجيل قريبا من أوانى عند دير الجاثليق ذكره الخطيب في تاريخه، و في هذا المكان قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير و فيه قبر مصعب و إبراهيم بن الأشتر النخعيّ.

49

وَ يُوصِلَ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ- وَ أَجَابَهُ مُعَاوِيَةُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ- وَ عَاهَدَ عَلَيْهِ وَ حَلَفَ لَهُ بِالْوَفَاءِ لَهُ- فَلَمَّا اسْتَتَمَّتِ الْهُدْنَةُ عَلَى ذَلِكَ- سَارَ مُعَاوِيَةُ حَتَّى نَزَلَ بِالنُّخَيْلَةِ- وَ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ- فَصَلَّى بِالنَّاسِ ضُحَى النَّهَارِ فَخَطَبَهُمْ وَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ- إِنِّي وَ اللَّهِ مَا قَاتَلْتُكُمْ لِتُصَلُّوا- وَ لَا لِتَصُومُوا وَ لَا لِتَحُجُّوا وَ لَا لِتُزَكُّوا إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ- وَ لَكِنِّي قَاتَلْتُكُمْ لِأَتَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ- وَ قَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ ذَلِكَ وَ أَنْتُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَلَا وَ إِنِّي كُنْتُ مَنَّيْتُ الْحَسَنَ وَ أَعْطَيْتُهُ أَشْيَاءَ- وَ جَمِيعُهَا تَحْتَ قَدَمَيَّ لَا أَفِي بِشَيْ‏ءٍ مِنْهَا لَهُ- ثُمَّ سَارَ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ فَأَقَامَ بِهَا أَيَّاماً- فَلَمَّا اسْتَتَمَّتِ الْبَيْعَةُ لَهُ مِنْ أَهْلِهَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ- فَخَطَبَ النَّاسَ وَ ذَكَرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ نَالَ مِنْهُ- وَ نَالَ مِنَ الْحَسَنِ(ع)مَا نَالَ- وَ كَانَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ع)حَاضِرَيْنِ- فَقَامَ الْحُسَيْنُ(ع)لِيَرُدَّ عَلَيْهِ- فَأَخَذَ بِيَدِهِ الْحَسَنُ(ع)فَأَجْلَسَهُ- ثُمَّ قَامَ فَقَالَ أَيُّهَا الذَّاكِرُ عَلِيّاً أَنَا الْحَسَنُ وَ أَبِي عَلِيٌّ- وَ أَنْتَ مُعَاوِيَةُ وَ أَبُوكَ صَخْرٌ وَ أُمِّي فَاطِمَةُ وَ أُمُّكَ هِنْدٌ- وَ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ جَدُّكَ حَرْبٌ- وَ جَدَّتِي خَدِيجَةُ وَ جَدَّتُكَ قُتَيْلَةُ- فَلَعَنَ اللَّهُ أَخْمَلَنَا ذِكْراً وَ أَلْأَمَنَا حَسَباً- وَ شَرَّنَا قَدَماً وَ أَقْدَمَنَا كُفْراً وَ نِفَاقاً- فَقَالَتْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ آمِينَ آمِينَ‏

(1)

.

توضيح قوله فكأن قد أي فكأن قد نزلت أو جاءت و حذف مدخول قد شائع قوله و بيده مغول في بعض النسخ بالغين المعجمة قال الفيروزآبادي المغول كمنبر حديدة تجعل في السوط فيكون لها غلاف و شبه مشمل إلا أنه أدق و أطول منه و نصل طويل أو سيف دقيق له قفا واسم و في بعضها بالمهملة و هي حديدة ينقر بها الجبال و الخضخضة التحريك و الفتك أن يأتي الرجل صاحبه و هو

____________

(1) الإرشاد(ص)170- 173. و رواه أبو الفرج في مقاتل الطالبيين عن ابى عبيد عن يحيى بن معين، و بعد ما أتى على آخر الخبر من قوله فقال طوائف من أهل المسجد آمين.

قال فقال يحيى بن معين و نحن نقول آمين، قال أبو عبيد و نحن أيضا نقول آمين قال أبو الفرج و أنا أقول آمين قلت و أنا أيضا أقول: آمين.

50

غار غافل حتى يشد عليه فيقتله.

أقول وَ قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَبِي الْحَدِيدِ

لَمَّا سَارَ مُعَاوِيَةُ قَاصِداً إِلَى الْعِرَاقِ وَ بَلَغَ جِسْرَ مَنْبِجٍ نَادَى الْمُنَادِي الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَلَمَّا اجْتَمَعُوا خَرَجَ الْحَسَنُ(ع)فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْجِهَادَ عَلَى خَلْقِهِ وَ سَمَّاهُ كَرْهاً ثُمَّ قَالَ لِأَهْلِ الْجِهَادِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏

اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏ (1)

فَلَسْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ نَائِلِينَ مَا تُحِبُّونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَلَغَهُ أَنَّا كُنَّا أَزْمَعْنَا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ فَتَحَرَّكَ لِذَلِكَ فَاخْرُجُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى مُعَسْكَرِكُمْ بِالنُّخَيْلَةِ حَتَّى نَنْظُرَ وَ تَنْظُرُونَ وَ نَرَى وَ تَرَوْنَ قَالَ وَ إِنَّهُ فِي كَلَامِهِ لَيَتَخَوَّفُ خِذْلَانَ النَّاسِ لَهُ.

قَالَ فَسَكَتُوا فَمَا تَكَلَّمَ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَ لَا أَجَابَهُ بِحَرْفٍ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قَامَ فَقَالَ أَنَا ابْنُ حَاتِمٍ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَقْبَحَ هَذَا الْمَقَامَ أَ لَا تُجِيبُونَ إِمَامَكُمْ وَ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ أَيْنَ خُطَبَاءُ مِصْرَ الَّذِينَ أَلْسِنَتُهُمْ كَالْمَخَارِيقِ فِي الدَّعَةِ فَإِذَا جَدَّ الْجَدُّ فَرَوَّاغُونَ كَالثَّعَالِبِ أَ مَا تَخَافُونَ مَقْتَ اللَّهِ وَ لَا عَنَتَهَا وَ عَارَهَا.

ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْحَسَنَ(ع)بِوَجْهِهِ فَقَالَ أَصَابَ اللَّهُ بِكَ الْمَرَاشِدَ وَ جَنَّبَكَ الْمَكَارِهَ وَ وَفَّقَكَ لِمَا يُحْمَدُ وَرْدُهُ وَ صَدْرُهُ وَ قَدْ سَمِعْنَا مَقَالَتَكَ وَ انْتَهَيْنَا إِلَى أَمْرِكَ وَ سَمِعْنَا لَكَ وَ أَطَعْنَاكَ فِيمَا قُلْتَ وَ رَأَيْتَ وَ هَذَا وَجْهِي إِلَى مُعَسْكَرِنَا فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوَافِيَ فَلْيُوَافِ.

ثُمَّ مَضَى لِوَجْهِهِ فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَ دَابَّتُهُ بِالْبَابِ فَرَكِبَهَا وَ مَضَى إِلَى النُّخَيْلَةِ وَ أَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَلْحَقَهُ بِمَا يُصْلِحُهُ فَكَانَ عَدِيٌّ أَوَّلَ النَّاسِ عَسْكَراً.

ثُمَّ قَامَ قَيْسُ بْنُ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَ مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ الرِّيَاحِيُّ وَ زِيَادُ بْنُ حَصْفَةَ التَّيْمِيُّ فَأَنَّبُوا النَّاسَ وَ لَامُوهُمْ وَ حَرَّضُوهُمْ وَ كَلَّمُوا الْحَسَنَ(ع)بِمِثْلِ كَلَامِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي الْإِجَابَةِ وَ الْقَبُولِ فَقَالَ لَهُمُ الْحَسَنُ(ع)صَدَقْتُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ مَا زِلْتُ أَعْرِفُكُمْ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَ الْوَفَاءِ وَ الْقَبُولِ وَ الْمَوَدَّةِ الصَّحِيحَةِ فَجَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْراً

____________

(1) الأنفال: 46.