سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - ج11

- محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي‏ المزيد...
498 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

جماع أبواب بعض فضائل آل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و الوصية بهم و محبتهم و التحذير من بعضهم و ذكر أولاد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و أولادهم- رضي اللّه تعالى عنهم-

و تقدّم في أبواب النسب النبوي الكلام على بعض فضائل العرب و قريش و بني هاشم، و نذكر هنا ما لم يتقدّم له ذكر.

الباب الأول في فضائل قرابة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

و نفعها و الحث على محبتهم.

روى أبو داود الطيالسي و ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و الإمام أحمد و الحاكم عن أبي سعيد الخدري- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«ما بال أقوام يقولون: إن رحمي لا ينفع، بلى، و اللّه، إن رحمي موصولة في الدنيا و الآخرة، ألا و إني فرطكم على الحوض، فإذا جئت، قام رجال فقال: هذا يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنا فلان، و قال هذا: يا رسول اللّه، أنا فلان، فأقول قد عرفتكم و لكنكم أحدثتم بعدي، و رجعتم القهقرى».

و روى ابن ماجة و الروياني و الحاكم في «صحيحه» و الطّبراني (و ابن عساكر و الإمام أحمد عن العباس بن عبد المطلّب- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

كنّا نلقى النفر) [ (1)] من قريش و هم يتحدّثون فيقطعون حديثهم، فذكرنا ذلك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «ما بال أقوام يتحدّثون فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم»- و في لفظ- قلت: يا رسول اللّه، إنّ قريشا إذا لقي بعضهم بعضا أو سموا بوجوه حسنة و إذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، فغضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال: «و الذي نفسي بيده» و في لفظ: «إن اللّه- عز و جل- لا يدخل قلب رجل الإيمان حتّى يحبهم للّه، و لقرابتهم مني.»

و روى الإمام أحمد و الترمذي و البغوي و محمد بن نصر عن عبد اللّه بن الحارث عن عبد المطلّب بن ربيعة- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

دخل العبّاس على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال:

____________

[ (1)] سقط في ج.

4

إنا لنخرج فنرى قريشا يتحدثون فإذا رأونا سكتوا فغضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و در العرق بين عينيه ثم قال: «و اللّه لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان، حتى يحبكم للّه و لقرابتي» و في لفظ: لله و لرسوله.

و روى الطبراني عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

جاء العباس إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: إنّك تركت فينا ضغائن مند صنعت الذي صنعته فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«لن تنالوا الخير» أو قال: «الإيمان، حتى يحبونكم لله و رسوله و لقرابتي أ يرجون أن يدخلوا الجنّة بشفاعتي و لا يرجوها بنو عبد المطلّب».

و روى الدّيلمي عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«من أحبّ اللّه أحب القرآن، و من أحب القرآن أحبني و من أحبني أحب أصحابي و قرابتي»

انتهى.

و روى ابن أبي عاصم و الطبراني و ابن مردويه و ابن مندة برجال ثقات غير عبد الرحمن بن بشير الدمشقي و ثقه ابن حبان و ضعفه ابن أبي حاتم عن ابن عمر و أبي هريرة و عمار بن ياسر- رضي اللّه تعالى عنهم- قالوا

: قدمت درة بدال بنت أبي لهب مهاجرة فقالت نسوة: أنت درة بنت أبي لهب الذي يقول اللّه تعالى‏

تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ‏

[المسد/ 1] فذكرت ذلك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسكت، ثم صلى بالنّاس الظهر فخطب «يا أيّها النّاس مالي أوذي في أهلي؟ فواللّه، إن شفاعتي لتنال قرابتي حتى إن صداء و حكم و حاء و سلهبا لتنالها يوم القيامة».

(رحمه اللّه تعالى)

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال‏

: «ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي و إن شفاعتي لتنال حاء و حكم»

قال: حاء و حكم قبيلتان.

روى ابن مندة و الإمام الزّاهد عمر الملّى- بفتح الميم و تشديد اللام الموصلي- (رحمه اللّه تعالى)- و كان إماما عظيما، و كان على المنبر بجامع الموصل احتسابا، و كان السلطان نور الدين الشهيد- (رحمه اللّه تعالى)- يعتمد قوله، و يقبل شفاعته لجلالته- عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

: جاءت سبيعة بنت أبي لهب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: يا رسول اللّه، إنّ الناس يقولون أنت بنت حطب النّار، فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «ما بال أقوام يؤذونني في قرابتي؟ من آذاني في قرابتي فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى اللّه تعالى».

و روى الطبراني مرسلا برجال ثقات عن عبد اللّه بن أبي رافع.

و روى الإمام أحمد في المناقب عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«يا معشر بني هاشم، و الذي بعثني بالحق نبيا لو أخذت حلقة باب الجنة، ما بدأت إلا بكم».

5

و روى أبو بكر بن يوسف بن البهلول عن طلحة بن مصرف- (رحمه اللّه تعالى)- قال:

كان يقال: بغض بني هاشم نفاق.

و روى أبو قاسم حمزة السّهمي في «فضائل العباس» عن ابن عبّاس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: «أعطى اللّه- عز و جل- بني عبد المطلب سبعا الصباحة و الفصاحة و السماحة و الشجاعة و الحلم و العلم و حبّ النّاس.

و روى الحاكم و قال على شرط مسلم عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«يا بني عبد المطلب، إني سألت اللّه ثلاثة أن يجعلكم جوداء نجداء، رحماء» و في لفظ: «أن يثبت قائمكم، و أن يهدي ظالمكم، و أن يعلم جاهلكم، و سألته أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء، فلو أن رجلا صفن بين الركن و المقام فصلى و صام و لقي اللّه، و هو مبغض لأهل بيت محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) دخل النار».

و في رواية «صفن قدمه».

و نجداء بدل مهملة.

صفن بصاد مهملة ففاء خفيفة فنون جمع بين قدميه.

و النجدة: الشجاعة و شدّة البأس.

و روى عمر الملا عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«يا بني عبد المطلب، إني سألت اللّه- تعالى- أن يثبت قائمكم و أن يهدي ضالّكم، و أن يعلّم جاهلكم، و أن يجعلكم رحماء نجداء و لو أن رجلا صفن بين الركن و المقام فصلى و صام، ثم مات، و هو مبغض لأهل هذا البيت لدخل النار».

تنبيه: في بيان غريب ما سبق.

[الرحم: هم الأقارب، و يقع على كل من يجمع بينك و بينه نسب و يطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء يقال ذو رحم محرم و محرّم و هم من لا يحل نكاحه كالأم و البنت و الأخت و العمة و الخالة].

الحكم: بطن من بطون العرب.

حاء: من جشم بن معد، أوحي من مذحج و قال ابن الأثير هما (أي حكم و حاء) حيان من اليمن.

سلهب: قبيلة من قبائل العرب.

[النجباء: جمع نجيب و هو الفاضل الكريم السخي‏].

6

الباب الثاني في بعض فضائل أهل بيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

و فيه أنواع‏

الأول: في الحث على التمسك بهم، و بكتاب الله- عز و جل-.

روى الترمذي و حسّنه عن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حجة الوداع يوم عرفة و هو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول:

«إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي».

و روى الترمذي و حسنه و الحاكم و صحّحه عن زيد بن أرقم- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و أهل بيتي».

الثاني: في وصية النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و خلفائه- رضي اللّه تعالى عنهم- بأهل البيت- رضي اللّه تعالى عنهم-

روى الترمذي و حسّنه و العسكري في الأمثال عن أبي سعيد الخدري- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«ألا إنّ عيبتي التي آوى إليها أهل بيتي و إن كرشي الأنصار فاعفوا عن مسيئهم و اقبلوا من محسنهم».

و رواه الدّيلمي في مسنده بلفظ:

«ألا إن عيبتي أهل بيتي و الأنصار أثق بهم و أطلعهم على أسراري و أعتمد عليهم».

و قال الحافظ أبو خيثمة زهير بن حرب: معنى كرش باطني، و عيبتي ظاهري و جمالي و هذا غاية من التعطف عليهم و الوصية بهم، و أما

قوله:

«و تجاوزوا عن مسيئهم»

هو من نمط

قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم لا الحدود»،

إذ أهل البيت النبوي، و الأنصار من ذوي الهيئات.

الثالث: في أنّهم أمان لأمة محمد- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

روى ابن أبي شيبة و مسدّد و أبو يعلى و الحكيم و الترمذي و الطبراني و ابن عساكر عن سلمة بن الأكوع- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«النجوم أمان لأهل السماء، و أهل بيتي أمان لأمتي».

و روى الحاكم عن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه تعالى عنهما- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت أتاها ما توعدون، و أنا أمان لأصحابي، فإذا ذهبت أتاهم ما يوعدون و أهل بيتي أمان لأمتي، فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعدون».

7

و روى الحاكم ضعيف عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، و أهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس».

و روى الإمام أحمد في المناقب عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت النجوم، ذهب أهل السماء، و أهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض».

الرابع في أنهم لا يقاس بهم أحد.

روى الديلمي و عمر الملا عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد»

الخامس: في الحثّ على حفظهم.

روى البخاري عن أبي بكر الصديق- رضي اللّه تعالى عنه- أنه قال: ارقبوا محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم):

في أهل بيته.

و روى الديلمي عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«أربعة أنا شفيع لهم يوم القيامة المكرم لذرّيتي، و القاضي لهم حوائجهم، و الساعي لهم في أمورهم عند ما اضطروا إليه، و المحبّ لهم بقلبه و لسانه».

السادس: في بشارتهم بالجنة و رفع منزلتهم:

بالوقوف عند ما أوجبه الشارع و سنّه، تقدمت في الباب الأول عدة أحاديث في التنصيص على شفاعته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و غضبه حيث قيل: إنهم لا ينتفعون بقرابته.

و روى الجصّاص عن زيد بن علي- رحمهم اللّه تعالى- في قوله تعالى: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ [الضحى/ 5] قال: إنّ من رضي رسول اللّه أن يدخل أهل بيته الجنة.

و روى الثعلبي عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

شكوت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حسد النّاس فقال لي: «أما ترضى أن تكون رابع أربعة؟ أول من يدخل الجنة أنا و أنت و الحسن و الحسين و أزواجنا عن أيماننا و شمائلنا و ذرّيّتنا خلف أزواجنا».

و روى الطبراني بسند رواه عن أبي رافع- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لعلي- رضي اللّه تعالى عنه-:

«أنّا أول أربعة يدخلون الجنّة، أنا و أنت و الحسن و الحسين، و ذريتنا خلف أظهرنا و أزواجنا خلف ذريتنا و شيعتنا عن أيماننا و شمائلنا»

و روى ابن السرى و الديلمي عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«نحن بنو عبد المطلب‏

8

سادات أهل الجنة، أنا و حمزة، و علي و جعفر و الحسن و الحسين و المهدي في الفردوس»

و عن عمران بن حصين- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«سألت ربي- تبارك و تعالى- أن لا يدخل النار أحد من أهل بيتي».

السابع: في حثه و التحذير من بغضهم و أذاهم.

و روى الطّبراني في الأوسط و الدّيلمي و سنده واه عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أول من يرد عليّ الحوض أهل بيتي، و من أحبني من أمتي».

و روى الترمذي و حسنه و الطبراني و الحاكم و قال صحيح الإسناد و البيهقي في «الشعب» و ابن سعد و ابن الجوزي- فذكر هذا الحديث في العلل- عن ابن عبّاس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أحبّوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه، و أحبوني بحب اللّه- تعالى- و أحبوا أهل بيتي بحبي».

و روى أبو نعيم عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من آذاني في أهلي، فقد آذى اللّه- عز و جل-».

و روى الإمام أحمد في المناقب عن أبي سعيد قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من أبغض أهل البيت فهو منافق».

و روى الطبراني و أبو الشيخ بن حيان في «الثواب» و البيهقي في «الشعب» و الديلمي عن ابن أبي ليلى- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«لا يؤمن أحد حتى أكون أحب إليه من نفسه و تكون عترتي أحبّ إليه من عترته و أهلي أحبّ إليه من أهله و إنّي أحب إليه من ذاك».

و روي عن جابر- رضي اللّه تعالى عنه- أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«لا يبغضنا إلا منافق- و في لفظ- لا يبغضنا أهل البيت إلا شقيّ».

و روى الحاكم و ابن حبان و صححاه عن أبي سعيد- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«و الذي نفسي بيده، لا يبغض أهل البيت أحد إلا أدخله اللّه النّار»،

و رواه الطبراني في الأوسط عن الحسن بن علي- رضي اللّه تعالى عنهما- أنه قال لمعاوية بن خديج- (رحمه اللّه تعالى)-:

يا معاوية، إيّاك و بغضنا، فإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لا يبغضنا، و لا يحسدنا أحد إلا زيد عن الحوض يوم القيامة بسياط من نار».

و روى أبو بكر البزقاني عن الحسين بن علي- رضي اللّه تعالى عنهما- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«من سبّ أهل البيت، فإنّما يسبّ اللّه و رسوله.

9

و روى أيضا عنه قال: من والانا فلرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و من عادانا فلرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و روى أيضا عن عبد اللّه بن حسن بن حسين قال: كفى بالمحب لنا أن أنسبه إلى من يحبنا، و كفى بالمبغض لنا أن أنسبه، إلى من يبغضنا.

و روي أيضا عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من آذاني و عترتي فعليه لعنة اللّه».

و روى الديلمي عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«من آذاني في عترتي فقد آذى اللّه- عز و جل-».

و روى أيضا بلا إسناد عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي، أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سبّهم».

و روى الطبراني في «الدعاء» عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال‏

«خمسة أو ستة لعنتهم و كل نبي مجاب الزائد في كتاب اللّه، و المكذّب بقدر اللّه، و المستحل من عترتي ما حرّم اللّه، و التارك للسّنّة».

و روي عن جابر- رضي اللّه تعالى عنه- قال: من مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: أيس من رحمة اللّه.

و روى أبو الشيخ عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- عن درة بنت أبي سهب- رضي اللّه تعالى عنها- قالت:

خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مغضبا حتى استوى على المنبر، فحمد اللّه، و أثنى عليه ثم قال: «ما بال الرجال يؤذونني في أهلي؟ و الذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى يحبّني و لا يحبّني حتى يحبّ ذويّ».

و روى الطبراني و أبو الشيخ عن أبي سعيد- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إنّ للّه- عز و جل- ثلاث حرمات من حفظهنّ حفظ اللّه دينه و دنياه، و من لم يحفظهن لم يحفظ اللّه دينه و لا آخرته» قلت: ما هن؟ قال: «حرمة الإسلام و حرمتي و حرمة رحمي».

تنبيه‏

لو قال لرجل من بني هاشم لعن اللّه بني هاشم: و قال: أردت الظّالم منهم، أو قال لرجل من ذرية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قولا قبيحا من آبائه أو من نسله أو ولده على علم منه أنه من ذرّية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لم تقم قرينة في المسألتين تقتضي تخصيص بعض آبائه و إخراج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمن سبّه منهم فحكم القاضي برهان الدين الأخنائي المالكي بقتل بعض الأمراء حدا لكونه لعن‏

10

أجداد القاضي حسام الدين محمد بن جريز بعد أن قال له: أنا شريف و جدّي الحسين بن فاطمة ابنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فضربت عنقه ذكره الحافظ ابن حجر في «أبنائه» في حوادث سنة اثنتين و أربعين و ثمانمائة.

الثامن: في الصلاة عليهم.

روى الشّيخان عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى- (رحمه اللّه تعالى)- قال: لقيت كعب بن عجرة- رضي اللّه تعالى عنه- فقال:

ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قلت:

بلى، قال: سألنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقلنا: يا رسول اللّه، كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال «قولوا: اللهم، صلّ على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل ابراهيم إنك حميد مجيد، و بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنك حميد مجيد».

و روى إسماعيل القاضي عن إبراهيم بن يزيد النخعي- (رحمه اللّه تعالى)- قال:

قالوا: يا رسول اللّه، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا «اللهم صلّ على محمد عبدك و رسولك، و أهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد».

و روى الشيخان عن أبي حميد الساعدي- رضي اللّه تعالى عنه- أنهم قالوا

: يا رسول اللّه، كيف نصلّي عليك؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): قولوا: «اللهم، صلّ على محمد و أزواجه و ذريته كما صليت على إبراهيم و بارك على محمد و أزواجه و ذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد».

و روى أبو داود عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلّى علينا أهل البيت، فليقل: اللهم، صلّ على محمد النبي و أزواجه أمهات المؤمنين و ذريته، و أهل بيته، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد».

و روى النسائي و أحمد في مسنده عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلّى علينا أهل البيت فليقل: اللهم، اجعل صلواتك و بركاتك على محمد النبي و أزواجه أمهات المؤمنين و ذريته كما صليت على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد».

و روى الدار قطني و البيهقي و غيرهما عن أبي مسعود البدري- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من صلى صلاة لم يصلّ فيها عليّ و على أهل بيتي لم تقبل منه» و هو عندهما موقوف من قول أبي مسعود- رضي اللّه تعالى عنه- قال: لو صليت صلاة لا

11

أصلي فيها على آل محمد ما رأيت أن صلاتي تتّم،

و صوّب الدار قطني بأنه من قول أبي جعفر بن محمد بن علي بن الحسين و هو حجة للقائل.

يا أهل بيت رسول اللّه حبّكم‏* * * فرض من اللّه في القرآن أنزله‏

كفاكم من عظيم القدر أنّكم‏* * * من لم يصلّ عليكم لا صلاة له‏

التاسع في مكافأته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يوم القيامة لمن صنع إلى أهل بيته معروفا.

روى الطبراني في «الأوسط» و الضياء المقدسي في «المختارة» و الخطيب في التاريخ عن عثمان بن عفان- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من صنع إلى أحد من خلف عبد المطلب يدا فلم يكافئه بها في الدّنيا فعلي مكافأته غدا، إذا لقيني».

و روى الملا و أبو سعيد النيسابوري عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من صنع إلى أحد من أهل بيتي يدا كافأته عنه يوم القيامة».

و روى الديلمي عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة، المكرم لذريتي، و القاضي لهم حوائجهم، و السّاعي لهم في أمورهم عند ما اضطروا إليه، و المحب لهم بقلبه و لسانه».

العاشر: في دعائه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لهم.

و روى أبو سعيد النيسابوري و عمر الملا عن عمران بن حصين- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«سألت ربي- عز و جل- أن لا يدخل النّار أحدا من أهل بيتي فأعطاني ذلك».

الحادي عشر: في أنهم أول من يشفع لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

روى الديلمي في الفردوس عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أوّل من أشفع له يوم القيامة من أمتي أهل بيتي ثم الأقرب، فالأقرب» قال:

«ثم الأنصار، ثم من آمن بي و اتبعني من أهل اليمن ثم سائر العرب ثم العجم».

الثاني عشر: في أنهم كسفينة نوح- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من ركبها نجا.

روى البزار و الطبراني و أبو نعيم عن ابن عباس و البزّار عن عبد اللّه بن الزّبير و ابن جرير و الحاكم و الخطيب في «المتفق و المفترق» عن أبي ذر و الطبراني في «الصغير» و «الأوسط» عن أبي سعيد الخدري- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح في قوم نوح، من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق» و في لفظ «هلك» و مثل‏

12

حطة بني إسرائيل.

قال الحافظ أبو الخير السّخاوي: و بعض طرق هذا الحديث يقوّي بعضها بعضا.

الثالث عشر: في أخباره- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أنهم سيلقون بعده أثره.

و الحثّ على نصرتهم و موالاتهم.

و روى ابن ماجة و ابن حبان و الحاكم عن عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إنّا أهل البيت اختار اللّه- عز و جل- لنا الآخرة على الدنيا، و إنّ أهل بيتي سيلقون بعدي أثرة و تشريدا و تطريدا في البلاد، حتى يأتي قوم من ها هنا»، و أشار بيده نحو المشرق «و أصحاب رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه مرتين أو ثلاثا، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها عدلا، كما ملئت ظلما فمن أدرك ذلك اليوم فليأتهم، و لو حبوا على الثّلج».

الرابع عشر: في وعد اللّه- عز و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

[روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم بالتوحيد و لي بالبلاغ أن لا يعذبهم»

]. الخامس عشر: في بيان من هم أهل البيت.

قال اللّه سبحانه و تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب/ 33].

و روى ابن أبي شيبة و الإمام أحمد و مسلم و الترمذي و صحّحه و ابن جرير و الطبراني و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الحاكم و صحّحه و ابن مردويه و البيهقي في السّنن من طرق و الطبراني من وجه آخر و ابن أبي حاتم و الطبراني عن أم سلمة و ابن جرير و الطبراني و ابن مردويه عن عمرو بن أبي سلمة و ابن جرير و الحاكم و ابن مردويه عن سعد و ابن أبي شيبة و الإمام أحمد و ابن جرير و ابن أبي حاتم و الطبراني و الحاكم و صححه و البيهقي عن واثلة بن الأسقع و ابن جرير و ابن أبي حاتم و الطّبراني و الحاكم عن أبي سعيد- رضي اللّه تعالى عنهم- قالت أم سلمة- رضي اللّه تعالى عنها-:

أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان في بيتها على منامة له عليه كساء خيبرى فجاءت فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- ببرمة فيها خزيرة فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«ادعي زوجك و ابنيك حسنا و حسينا» فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ‏

[الأحزاب/ 33] ثم أخرج يده من الكساء و أومأ بها إلى السماء ثم قال: «اللهم، هؤلاء أهل بيتي و خاصّتي، فأذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا»، قالها ثلاث مرات.

13

(و في حديث عائشة- رضي اللّه تعالى عنها-

خرج (صلّى اللّه عليه و سلّم) غداة و عليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن و الحسين فأدخلهما معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معهم فأجلس حسنا و حسينا فيه و جلس عليّ عن يمينه، و جلسّت فاطمة عن شماله) [ (1)]،

و في رواية للطبراني عنها

فألقى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كساء فدكيا ثم وضع يده عليهم، ثم قال: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي» و في لفظ آل محمد و في رواية «فاجعل صلواتك و بركاتك على آل محمد كما جعلتها على ابراهيم، إنّك حميد مجيد،» قالت أم سلمة فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي و قال: إنّك على خير، و في رواية لابن مردويه عنها في البيت سبعة جبريل، و ميكائيل، و علي، و فاطمة، و الحسن، و الحسين و أنا على باب البيت قلت: يا رسول اللّه، أ لست من أهل البيت؟

قال: إنّك على خير من أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و في رواية: فأدخلت رأسي في السّتر، فقلت: يا رسول اللّه، و أنا معكم؟ فقال: إنك على خير مرتين، و في رواية فقلت: و أنا معهم يا رسول اللّه فقال: أنت على مكانك، و أنت على خير، و في حديث واثلة: فقلت: يا رسول اللّه، و أنا من أهل بيتك؟ قال: أنت من أهلي،

و في حديث عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غداة و عليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن و الحسين فأدخلهما معه ثم جاء عليّ، فأدخله معهم ثم جاءت فاطمة فأدخلها معهم فأجلس حسنا و حسينا في حجره، و جلس عليّ عن يمينه و جلست فاطمة عن شماله.

و روى ابن جرير و ابن أبي حاتم و الطبراني عن أبي سعيد- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

نزلت هذه الآية: في خمسة فيّ و في علي و فاطمة و حسن و حسين ...

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

[الأحزاب/ 33].

و روى ابن سعد و ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن مردويه عن أبي سعيد- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

لما دخل عليّ بفاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أربعين صباحا إلى بابها يقول: «السّلام عليكم أهل البيت و رحمة اللّه و بركاته، الصلاة رحمكم اللّه،

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»

[الأحزاب/ 33] انتهى.

و روى ابن جرير و ابن المنذر و الطبراني عن أبي الحمراء- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

حفظت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثمانية أشهر و في لفظ الطبراني: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة ليس من مرّة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى باب عليّ فرفع يده على جنبي الباب، ثم قال:

الصلاة الصلاة

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

[الأحزاب/ 33].

____________

[ (1)] سقط في ج.

14

و روى ابن مردويه عن ابن عبّاس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

شهدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبعة أشهر يأتي كل يوم باب علي (ابن أبي طالب) عند وقت كلّ صلاة فيقول: «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته أهل البيت»

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

[الأحزاب/ 33].

و روى ابن أبي شيبة و الإمام أحمد و الترمذي و حسّنه و ابن جرير و ابن المنذر و الحاكم و الطبراني و صحّحه عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه‏

أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: الصّلاة يا أهل البيت‏

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

[الأحزاب/ 33].

و روى مسلم عن زيد بن أرقم- رضي اللّه تعالى عنه- قال: أذكركم اللّه في أهل بيتي فقيل لزيد- رضي اللّه تعالى عنه- و من أهل بيته أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، و لكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، آل عليّ، و آل عقيل، و آل جعفر، و آل عباس.

انتهى.

السادس عشر: في تعظيم السّلف لأهل البيت.

روى البخاري في «غزوة خيبر عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- أنّ أبا بكر، قال لعليّ- رضي اللّه تعالى عنهما- و الذي نفسي بيده، لقرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي.

و روي عن عمر- رضي اللّه تعالى عنه- أنه قال للعبّاس- رضي اللّه تعالى عنهما- و اللّه لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليّ من إسلام ابن الخطاب.

و روى البخاري عن عروة بن الزّبير قال: ذهب عبد الله بن الزبير- رضي اللّه تعالى عنهما- مع أناس من بني زهرة إلى عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- و كانت أرق شي‏ء عليهم لقرابتهم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و روي عن رزين بن عبيد قال: كنت عند ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- فأتى زين العابدين بن الحسين بن علي- رضي اللّه تعالى عنهم- فقال له ابن عبّاس: مرحبا بالحبيب ابن الحبيب.

و عن الشّعبي- (رحمه اللّه تعالى)- قال: صلّى زيد بن ثابت- رضي اللّه تعالى عنه- على جنازة، ثم قربت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عبّاس، فأخذ بركابه، فقال زيد خلّ عنه يا ابن عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: هكذا نفعل بعلمائنا، فقبل زيد بن ثابت يد ابن عباس، و قال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا.

و عن عبد اللّه بن حسن بن حسين- رضي اللّه تعالى عنه- قال: أتيت عمر بن‏

15

عبد العزيز في حاجة لي فقال لي: إذا كانت لك حاجة فأرسل إليّ أو أكتب بها فإنّي أستحي من اللّه أن يراك على بابي.

و عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: لو أتى أبو بكر و عمر و علي- رضي اللّه تعالى عنهم- بحاجة بدأت بحاجة عليّ قبلهما، لقرابته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لأن أخرّ من السّماء إلى الأرض أحبّ إليّ من أن أقدّمه عليهما أورد الثلاثة القاضي في «الشفاء» انتهى.

و روي عن فاطمة بنت أبي طالب- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: دخلت على عمر بن عبد العزيز- رضي اللّه تعالى عنه- و هو يسير بالمدينة، فأخرج من عنده، و قال: يا بنت عليّ، و اللّه، ما على ظهر الأرض (أهل بيت) [ (1)] أحبّ إليّ منكم.

و في «المجالسة» للدّينوري أن أبا عثمان النهدي- (رحمه اللّه تعالى)- كان من مساكين الكوفة، فلما قتل الحسين بن علي- رضي اللّه تعالى عنهما- تحوّل إلى البصرة، و قال: لا أسكن بلدا قتل فيه ابن بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و في «الشّفاء» أنّ مالكا لما تعرّض له جعفر بن سليمان والي المدينة و نال منه ما نال و حمل مغشّيا عليه دخل عليه النّاس، فأفاق، فقال: أشهدكم أني جعلت ضاربي في حلّ.

____________

[ (1)] سقط في ج.

16

الباب الثالث في عدد أولاده- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

و مواليدهم، و ما اتّفق عليه منهم و ما اختلف، جملة ما اتفق عليه ستة: اثنان ذكور:

القاسم و ابراهيم، و أربع بنات زينب و رقية و أم كلثوم و فاطمة- رضي اللّه تعالى عنهم- و كلهن أدركن الإسلام و هاجرن معه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و اختلف فيما سواهن.

فقيل: لم يولد له (صلّى اللّه عليه و سلّم) سواهم و المشهور خلافه.

قال ابن إسحاق: و كان له الطيب و الطّاهر أيضا، فيكون على هذا جملتهم أربعة ذكور و أربع إناث.

و قال الزبير بن بكّار: و فيما رواه عن الطبراني عنه برجال ثقات كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غير ابراهيم القاسم و عبد اللّه و هو قول أكثر [أهل‏] النّسب.

و قال الدار قطني: و هو الأثبت و صحّحه الحافظ عبد الغني المقدسي: و يسمى بالطّيب و الطاهر، لأنّه ولد بعد النبوة و قيل: الطاهر و الطيب غير عبد اللّه، فيكون على هذا جملتهم خمسة ذكور و قيل: كان له (صلّى اللّه عليه و سلّم) الطيب و المطيب ولدا في بطن، و الطاهر و المطهر ولدا في بطن، فيكون على هذا جملتهم أحد عشر.

قال ابن إسحاق: ولد أولاده كلّهم غير إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل الإسلام، و مات البنون قبل الإسلام و هم يرضعون، و تقدّم في قول غيره أنّ عبد اللّه ولد بعد النبوة، فلذلك سمّي بالطيب و الطّاهر، فتحصل لنا من مجموع الأقوال سبعة ذكور اثنان متّفق عليهما القاسم و إبراهيم و خمسة مختلف فيهم عبد اللّه و الطّيّب و المطيب و الطّاهر و المطهر، و الأصحّ قول الجمهور أنهم ثلاثة ذكور القاسم و عبد اللّه و إبراهيم الأربع البنات متّفق عليهنّ و كلهن من خديجة بنت خويلد إلا إبراهيم فيمن مارية القبطيّة.

قال محمد بن عمر: و كانت سلمى مولاة صفية بنت عبد المطلّب تقبّل خديجة في ولادها و كانت تعقّ عن كلّ غلام بشاتين و عن الجارية بشاة، و كان بين كلّ ولدين لها سنة، و كانت تسترضع لهم و تعدّ بضمّ الفوقية و كسر العين و المهملة ذلك قبل ولادها بكسر الواو.

و أكبر بناته (صلّى اللّه عليه و سلّم) زينب- (عليها السلام)- كما ذكره الجمهور.

و قال الزبير بن بكار و غيره رقية- (عليها السلام)- و الأوّل أصحّ.

و قال الزبير أيضا فيما نقله أبو عمرو عنه- رحمهما اللّه تعالى- ولد له (صلّى اللّه عليه و سلّم) القاسم و هو أكبر ولده ثم زينب ثم عبد اللّه، و كان يقال له: الطّيّب، و يقال له: الطاهر ولد بعد النبوة، ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية هكذا الأول. فالأول ثم مات القاسم بمكة و هو أوّل ميّت مات من ولد

17

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم مات عبد اللّه بمكة أيضا.

و قال ابن إسحاق: ولدت للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من خديجة- رضي اللّه تعالى عنها- زينب و رقية و أمّ كلثوم و فاطمة و القاسم و به كان يكنى و الطّاهر و الطّيب، و أما القاسم و الطيب و الطاهر، فماتوا في الجاهلية، و أما بناته فكلهن أدركن الإسلام و أسلمن و هاجرن معه.

قال أبو عمرو: قال علي بن عبد العزيز الجرجاني: أولاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) القاسم، و هو أكبر ولده [ثم زينب‏] و قال ابن الكلبي: زينب ثم القاسم، ثم أمّ كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية ثم عبد اللّه، و كان يقال له: الطيب و الطاهر، هذا ذكر هم على سبيل الإجمال و سيأتي ذكرهم على سبيل التفصيل في أبواب ذكرهم، و قال بعضهم:

فأوّل ولد المصطفى القاسم الرضي‏* * * به كنية المختار فافهم و حصّلا

و زينب تتلوها رقيّة بعدها* * * و فاطمة الزّهراء جاءت على الولا

كذا أمّ كلثوم تعدّ و بعدها* * * في الإسلام عبد اللّه جاء مكمّلا

هو النّسب الميمون و الطّاهر الرضي‏* * * و قد قيل ذا في غيره فتمثّلا

و كلّهم كانوا له من خديجة* * * و قد جاء إبراهيم في طيبة تلا

من المرأة الحسناء مارية فقل‏* * * عليهم سلام اللّه مسكا و منولا

تنبيهات‏

الأول: نقل ابن الجوزي في «التحقيق» عن أبي بكر بن البرقي قال: جميع أولاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من خديجة سبعة و يقال ثمانية: القاسم، و الطاهر، و الطيب، و إبراهيم، و زينب و رقية، و أم كلثوم، و فاطمة.

قال في «العيون»: لو لا أنه قال إنهم سبعة أو ثمانية لقلت: إنّ ذلك من النسّاخ، و هذا شي‏ء عجيب و هو وهم إمّا من البرقي، و إمّا من غيره فإن قيل: لعلّه أراد آخر من خديجة يقال له:

إبراهيم.

فالجواب: أن هذا لا يعرف، و يدفع هذا قوله: جميع أولاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من خديجة و لا مرية أن إبراهيم من مارية القبطية.

الثاني: روى الهيثم بن عدي عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ولدت خديجة- رضي اللّه تعالى عنها- للنّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) عبد العزّى و عبد مناف و القاسم، قال الهيثم، قلت لهشام: فأين الطيب و الطاهر؟ قال: هذا ما وصفتم أنتم يأهل العراق، فأما أشياخنا فقالوا: عبد العزى و عبد مناف.

قال الذهبي في «الميزان» و الحافظ في «اللّسان» هذا من افتراء الهيثم على هشام.

18

و قال أبو الفرج: الهيثم كذّاب لا يلتفت إلى قوله، و قال لنا شيخنا ابن ناصر: لم يسمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عبد مناف و لا عبد العزّى قطّ، و الهيثم كذّبه البخاري و أبو داود و العجلي و السّاجي.

و قال ابن حبّان لا يجوز الإحتجاج به و لا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار، و ذكره ابن السكن و ابن شاهين و ابن الجارود و الدار قطني و غيرهم في الضعفاء، و قال في «الموارد»: لا يجوز لأحد أن يقول: إنّ هذه التّسمية وقعت من النّبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لئن قيل: إن هذه التسمية وقعت فتكون من غير النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و يحتمل أن يكون ولد هذا الولد و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مشتغل بعبادة ربه أو لغير ذلك فلما جاء سمّاه بعض أهل خديجة بهذا الإسم من غير أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أطّلع على تسميته، و أن الولد المذكور لم تطل له حياة فتوفّي ذلك الولد و لم يسمّه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لم يره، و يكون أحد من شياطين الإنس و الجنّ اختلق ذلك لمّا ولد أحد أولاد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) المذكورين ليدخل في ذلك لبس في قلب ضعيف الإيمان، و يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما بلغه ذلك غيّره أو غيّر ذلك مما علّمه اللّه- تعالى- انتهى.

ورد الطّحاوي في «مشكل الحديث» و البيهقي في السنن و أبو سعيد النقاش و الجوزقاني فيما صنع من الموضوعات و غيرهم ما نقله الهيثم عن هشام بن عروة، و لم ينقل أحد من الثقات ما نقله الهيثم عن هشام.

الثالث: قال الإمام العلامة شيخ الأطباء ابن النفيس- (رحمه اللّه تعالى)-: لما كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) مزاجه شديد الاعتدال لم يكن أولاده (صلّى اللّه عليه و سلّم) إناثا فقط، لأنّ ذلك إنما يكون لبرد المزاج، و لا ذكورا فقط، لأن ذلك إنما يكون لحرارة المزاج، فلمّا كان مزاج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) معتدلا فيجب أن يكون له بنون و بنات و بنوه يجب أن لا يطول أعمارهم، لأن أعمارهم إذا طالت بلغوا إلى سنّ النبوة و حينئذ فلا يخلو إمّا أن يكونوا أنبياء أو لا يكونوا كذلك، و لا يجوز أن يكونوا أنبياء، و إلا لما كان هو خاتم النبيين، و لا يجوز أن يكونوا غير أنبياء و إلّا لكان ذلك نقصا في حقّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و انحطاطا عن درجة كثير من الأنبياء، فإن كثيرا من الأنبياء أولادهم أيضا أنبياء، و أمّا بنات هذا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيجوز أن تطول أعمارهنّ، إذ النّساء لسن بأهل للنبوة.

الرابع: روى ابن الأعرابي في معجمه عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- أسقطت من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) جنينا يسمى عبد اللّه كانت تكنى به و مدار سنده على داود بن المحبر و هو متروك و اتّهمه جماعة بالوضع، و يرده ما

رواه أبو داود و في سننه عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لها:

«تكنّي بابن أختك عبد اللّه بن الزبير و يروى بابنك عبد اللّه بن الزبير، لأنّها كانت استوهبته من أبويه، فكان في حجرها يدعوها أمّا

ذكره ابن إسحاق.

المطهّر- بضم الميم و فتح الطاء المهملة و الهاء المشددة، و المطيّب مثله.

19

الباب الرابع في ذكر سيدنا القاسم ابن سيدنا و مولانا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

و كان القاسم أكبر أولاد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و به كان يكنى فهو أول أولاده، و أول من مات منهم، ولد بمكة قبل النبوة و مات صغيرا، و قيل: بعد أن بلغ سن التمييز.

قال الزبير بن بكّار و حدّثني محمد بن نضلة عن بعض المشايخ قال: عاش القاسم حتى مشى.

و قال مجاهد: عاش القاسم سبع ليال و خطأه الملا في ذلك.

و روى (ابن سعد) عن محمد بن جبير بن مطعم، قال: مات القاسم، و له سنتان، و روي أيضا عن قتادة نحوه، و عن مجاهد: أنه عاش سبعة أيام.

قال المفضل بن غسان: هذا خطأ و الصواب أنه عاش سبعة عشر شهرا.

و قال السّهيلي: بلغ المشي غير أن رضاعته لم تكمل.

و اختلفوا هل أدرك زمن النبوة،

فروى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن أبي عبد اللّه الجعفيّ و هو جابر عن محمد بن علي بن الحسين- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

كان القاسم بلغ أن يركب الدابة، و يسير على النجيدة، فلمّا قبض،

قال العاص بن وائل: لقد أصبح محمد أبتر فنزلت‏ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر/ 1] عن مصيبتك يا محمد بالقاسم فهذا يدل على أن القاسم مات بعد البعثة.

و روى الطيالسي، و ابن ماجة عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال:

لما هلك القاسم قالت خديجة: يا رسول اللّه، درّت لبينة القاسم، فلو كان اللّه أبقاه حتى يتمّ رضاعه قال: إنّ إتمام رضاعته في الجنة، زاد ابن ماجة (فقالت): لو أعلم ذلك يا رسول اللّه ليهون عليّ، فقال: إن شئت دعوت اللّه تعالى، فأسمعك صوته فقالت: بل أصدّق اللّه تعالى و رسوله،

قال الحافظ: و هذا ظاهر جدا في أنه مات في الإسلام، و لكن في السّند ضعف.

و روى البخاري في تاريخه «الأوسط» من طريق سليمان بن بلال عن هشام بن عروة- رضي اللّه تعالى عنه- أن القاسم مات قبل الإسلام.

و روى ابن أبي عاصم و أبو نعيم: ما أعفى أحد من ضغطة القبر إلا فاطمة بنت أسد، قيل و لا القاسم قال: و لا القاسم و لا إبراهيم، و كان إبراهيم أصغرهما. قال الحافظ: هذا و أثر فاطمة بنت الحسين يدل على خلاف رواية هشام بن عروة.

20

تنبيه:

اختلف في القائل لما مات القاسم: إنّ محمدا أبتر فقيل: العاص بن وائل السهمي كما سبق، و جزم به خلائق، و قيل: أبو جهل، و قيل: كعب بن الأشرف، فإن قلنا: إنه العاص بن وائل فالعاص له عقب و هو عمرو، و هشام، فكيف يثبت له البتر، و انقطاع الولد؟ و الجواب: أن العاص و إن كان ذا ولد، فقد انقطعت بينه و بينهم، فليسوا بأتباع له، لأن الإسلام قد حجزهم عنه فلا يرثهم و لا يرثونه.

21

الباب الخامس في بعض مناقب سيدنا إبراهيم ابن سيدنا و مولانا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

و فيه أنواع‏

الأول: في أمّه، و ميلاده، عقيقته، و تسميته:

و فرح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

أمه مارية القبطية بنت شمعون ذكرت في مناقب أمهات المؤمنين في أبواب نكاحة (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ولد في ذي الحجة سنة ثمان بالعالية، قاله مصعب الزبير.

و روى ابن سعد عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن أبي صعصعة، قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) معجبا بمارية القبطية، و كانت بيضاء جميلة، فأنزلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على أمّ سليم بنت ملحان، و عرض عليها الإسلام فأسلمت فوطأ مارية بالملك، و حوّلها إلى مال له بالعالية، كان من أموال بني النضير، فكانت فيه في الصيف و في خرافة النخل، فكان يأتيها هناك، و كانت حسنة الدّين و ولدت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غلاما فسماه إبراهيم، و عقّ عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بشاة يوم سابعه، و حلق رأسه فتصدّق بزنة شعره فضّة على المساكين، و أمر بشعره فدفن في الأرض، و كانت قابلتها سلمى مولاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فخرجت إلى زوجها أبي رافع، فأخبرته بأن مارية ولدت غلاما فجاء أبو رافع إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فبشّره فوهب له عبدا، و غار نساء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و اشتد عليهنّ حين رزق منها الولد.

سلمى مولاة صفية و لا شك أن مولاة عمة الشخص مولاته.

و روى ابن سعد عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال: لما ولد إبراهيم لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاء جبريل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، و رواه ابن مندة، بلفظ لمّا ولد إبراهيم بن مارية جاريته كاد يقع في نفس النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى آتاه جبريل، فقال: السلام عليك، يا أبا إبراهيم!.

و روى الإمام أحمد و مسلم و ابن سعد عنه، قال:

خرج علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين أصبح، فقال: إنّه ولد لي في الليلة ولد و إنّي سميته باسم أبي إبراهيم.

و ذكر الزبير عن أشياخه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عقّ عنه بكبشين و حلق رأسه أبو هند، و سمّاه يومئذ هكذا قال الزبير: سماه يوم سابعه.

الثاني: في رضاعه و من أرضعه.

روى ابن سعد و الزبير بن بكّار عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: ولد

22

سيدنا إبراهيم ابن سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتنافست فيه نساء الأنصار أيّتهنّ ترضعه و أحببن أن يفرغوا مارية لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما يعلمن من ميله إليها، فدفعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أمّ بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجّار و زوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن النجار فكانت ترضعه و كان يكون عند أبويه في بني النجار و يأتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمّ بردة فيقيل عندها و يؤتى بإبراهيم- (عليه السلام)- و أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمّ بردة قطعة نخل.

و روى الشيخان عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دفع سيدنا إبراهيم- (عليه السلام)- إلى أمّ سيف امرأة قين بالمدينة، يقال له: أبو سيف، فانطلق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تبعته حتّى انتهينا إلى أبي سيف و هو ينفخ بكيره، و قد امتلأ البيت دخانا، فأسرعت في المشي بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى انتهيت إلى أبي سيف فقلت: يا أبا سيف، أمسك، جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالصّبيّ فضمّه إليه، و قال ما شاء اللّه أن يقول.

و روي أيضا عنه قال: ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة، فكان يأتيه (و نجي‏ء معه) [ (1)] فيدخل البيت و إنّه ليدخّن قال:

و كان طئره قينا فيأخذه فيقبله.

الثالث: في وفاته و تاريخه و صلاته عليه، و حزنه عليه.

مات سنة عشر، جزم به الواقدي، و قال: يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول.

و قالت عائشة: عاش ثمانية عشر شهرا رواه الإمام أحمد، و في صحيح البخاري أنه عاش سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا على الشّكّ.

و قال محمد بن المؤمل: بلغ سبعة عشر شهرا أو ثمانية أيام.

و روى ابن سعد عن مكحول و ابن سعد عن عطاء و ابن سعد عن عبد الرحمن بن عوف و ابن سعد عن بكير بن عبد اللّه بن الأشجّ و ابن سعد عن قتادة و ابن سعد عن أنس- رضي اللّه تعالى عنهم-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلقا به إلى النخل الذي فيه إبراهيم- (عليه السلام)-، فدخل و إبراهيم يجود بنفسه فوضعه في حجره، فلما (مات) [ (1)] زرفت عينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال له عبد الرحمن بن عوف: تبكي يا رسول اللّه؟ أو لم تنه عن البكاء؟ قال: «إنما نهيت عن النّوح و عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو، و لعب و مزامير الشيطان، و صوت عند مصيبة خمش وجه، و شقّ جيب، و رنّة شيطان».

____________

[ (1)] سقط في ج.

23

و في رواية: «إنما نهيت عن النّياحة، و أن يندب الميّت بما ليس فيه»، ثم قال: «و إنما هذه رحمة و من لا يرحم لا يرحم بإبراهيم لو لا أنه حقّ و وعد صادق، و يوم جامع».

و في لفظ: «لو لا أنّه أجل معدود، و وقت معلوم، و وعد صادق، و أنّها سبيل مأتيّة و إن أخرانا ستلحق أولانا لحزنا عليك حزنا أشدّ من هذا و إنّ بك يا إبراهيم لمحزونون تدمع العين، و يحزن القلب، و لا نقول ما يسخط الرّب».

و في رواية

فلقد رأيته يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«تدمع العين، و يحزن القلب، و لا نقول ما يسخط الرّب، و اللّه يا إبراهيم، إنا بك لمحزونون».

و روى مسلم و أبو داود و ابن مسعد و الإمام أحمد و عبد بن حميد عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- و الطبراني عن أبي أمامة- رضي اللّه تعالى عنهما- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«تدمع العين و يحزن القلب، و لا نقول إلا ما يرضي اللّه تعالى و اللّه إنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون».

و روى ابن ماجة و الطبراني في «الكبير» و ابن عساكر عن أسماء بنت يزيد- رضي اللّه تعالى عنهما- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«تدمع العين و يحزن القلب، و لا نقول ما يسخط الرّبّ و لو لا أنه وعد صادق، و موعود جامع، و أن الآخر منا يتبع الأوّل لوجدنا عليك يا إبراهيم، وجدا أشد من هذا، و إنا بك يا إبراهيم لمحزونون».

و روى ابن سعد عن بكير بن عبد اللّه بن الأشجّ- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكى على ابنه إبراهيم فصرخ أسامة بن زيد فنهاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال:

رأيتك تبكي، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «البكاء من الرّحمة و الصّراخ من الشيطان».

و روى ابن سعد عن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيدي فانطلق بي إلى النخل الّذي فيه إبراهيم فوضعه في حجره، و هو يجود بنفسه، فذرفت عيناه فقلت له: أ تبكي يا رسول اللّه، أو لم تنه عن البكاء؟ قال: «إنّما نهيت عن النّوح عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو و لعب و مزامير شيطان، و صوت عند مصيبة خمش وجوه و شق جيوب و رّنة شيطان»،

قال: قال عبد الله بن نمير في حديثه:

«إنّما هذا رحمة و من لا يرحم لا يرحم، يا إبراهيم، لو لا أنه أمر حق، و وعد صادق، و أنّها سبيل مأتيّة، و أنّ أخرانا ستلحق أولانا لحزنّا عليك حزنا هو أشدّ من هذا، و إنّا بك لمحزونون تدمع العين، و يحزن القلب، و لا تقول ما يسخط الربّ- عزّ و جلّ-.

و روى ابن ماجة و الحكيم و الترمذي عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه-

لمّا قبض إبراهيم ابن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «لا تدرجوه في أكفانه، حتّى أنظر إليه» فأتاه فانكبّ عليه و بكى.

24

و اختلف: هل صلى عليه أم لا؟.

و روى الإمام أحمد و ابن سعد من طريق جابر الجعفي و هو ضعيف عن البراء و البيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه، و ابن ماجة بسند ضعيف عن ابن عبّاس و ابن سعد و أبو يعلى عن أنس و أبو داود و البيهقي مرسلا عن عطاء بن أبي رياح، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى على ابنه سيدنا إبراهيم زاد البيهقي في المقاعد: و هو موضع الجنائز، زاد أنس: و كبّر عليه أربعا، و هذه الطرق يقوّي بعضها بعضا.

و روى ابن سعد عن عطاء و ابن سعد عن مكحول‏

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان على شفير قبر ابنه فرأى فرجة في اللّحد، فناول الحفّار مدرة و قال: «إنّها لا تضرّ و لا تنفع و لكنّها تقرّ عين الحيّ»، و جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسوّي بإصبعه، و يقول: «إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه، فإنه مما يسلّي بنفس المصاب».

قال الزبير بن بكّار: و لمّا دفن قبل علي قبره و أعلى بصلاته، و هو أول قبر رش.

و روى ابن سعد عن رجل من آل علي بن أبي طالب أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين دفن سيدنا إبراهيم، قال:

هل من أحد يأتي بقربة فأتى رجل من الأنصار بقربة ماء، فقال: رشها على قبر إبراهيم، و قال: و قبر إبراهيم قريب من الطريق، و أشار إلى قريب من دار عقيل.

الرابع: في انكساف الشمس يوم وفاته.

روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أمّه سرين قالت:

حضرت موت إبراهيم فرأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كلّما صحت أنا و أختي ما ينهانا، فلمّا مات نهانا عن الصياح‏

و غسّله الفضيل بن عبّاس، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و العبّاس جالسان ثم حمل فرأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على شفير القبر و العباس جالس إلى جنبه و نزل في حفرته الفضل بن عبّاس و أسامة بن زيد، و أنا أبكي عند قبره، ما ينهاني أحد، و خسفت الشّمس في ذلك اليوم، فقال الناس: لموت إبراهيم،

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إنها لا تخسف لموت أحد و لا لحياته» و رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرجة من اللبن، فأمر بها أن تسدّ، فقيل: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: إنها لا تضرّ و لا تنفع، و لكن تقرّ عين و إنّ الحي العبد إذا عمل عملا أحبّ اللّه أن يتقنه،

و مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأوّل سنة عشر.

و روى الشيخان عن المغيرة بن شعبة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: انكسفت الشمس يوم موت إبراهيم فقال الناس: لموت إبراهيم، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إن الشّمس و القمر آيتان من آيات اللّه لا ينكسفان لموت أحد».

25

الخامس: في أنّ له ظئرا تتمّ رضاعه في الجنة.

روى ابن ماجة بسند ضعيف عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما-

لمّا مات إبراهيم ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال: إنّ له مرضعا في الجنة، و لو عاش لكان صدّيقا نبيا، و لو عاش لعتقت أخواله القبط و ما استرقّ قبطي‏

انتهى.

السادس: في الرد على من زعم أنه لقّنه.

اشتهر على الألسنة أنه لقّن ابنه إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد الدّفن و هذا شي‏ء لم يوجد في كتب الحديث، و

إنما ذكره المتولي، في «تتمته و الإبانة» بلفظ روى أن النّبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لمّا دفن إبراهيم قال:

«قل: اللّه ربي، و رسولي أبي و الإسلام ديني» فقيل: يا رسول اللّه، أتت تلقنه فمن يلقّننا؟

فأنزل اللّه تعالى‏

يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ

[إبراهيم/ 27] الآية

و الأستاذ أبو بكر بن فورك في كتابه المسمى «النظامي» و لفظه: عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما دفن ولده إبراهيم وقف على قبره، فقال:

«يا بني القلب يحزن، و العين تدمع، و لا نقول ما يسخط الرّب،

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

، يا بني قل: اللّه ربي، و الإسلام ديني، و رسول اللّه أبي» فبكت الصحابة و بكى عمر بن الخطاب بكاء ارتفع له صوته، فالتفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرأى عمر يبكي و أصحابه فقال: «يا عمر، ما يبكيك؟» فقال: يا رسول اللّه، هذا ولدك‏

و ما بلغ الحلم و لا جرى عليه القلم، و يحتاج إلى ملقن فمثلك تلقن التوحيد في مثل هذا الوقت، فما حال عمر و قد بلغ الحلم، و جرى عليه القلم، و ليس له ملقن مثلك أي شي‏ء يكون صورته في تلك الحالة؟ فبكى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بكت الصحابة معه، فنزل جبريل و سأل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن سبب بكائهم فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما قاله عمر و ما ورد عليهم من قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فصعد جبريل، و نزل، و قال: ربك يقرئك السّلام و قال‏ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ [إبراهيم/ 27] يريد بذلك وقت الموت، و عند السّؤال فتلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليهم الآية فطابت الأنفس، و سكنت القلوب و شكروا اللّه، و هذا كما ترى منكر جدا، بل لا أصل له.

السابع في أنه لو عاش لكان نبيا.

روى البخاري و ابن ماجة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لابن أبي أوفى: هل رأيت السيد إبراهيم ابن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قال: مات صغيرا، و لو قضي أن يكون نبيّ بعد محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعاش ابنه ابراهيم و لكن لا نبيّ بعده و رواه الإمام أحمد بلفظ سمعت ابن أبي أوفى، يقول: لو كان بعد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) نبي ما مات ابنه إبراهيم، و لكن لا نبي بعده.

و روى ابن سعد بسند على شرط مسلم قال: أخبرنا عفّان بن مسلم و يحيى بن حماد، و موسى بن إسماعيل، التبوذكي قالوا: أخبرنا أبو عوانة أخبرنا إسماعيل السّدّيّ قال: سألت أنس‏

26

ابن مالك- رضي اللّه تعالى عنه- أصلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ابنه إبراهيم؟ قال: لا أدري- (رحمه اللّه) على السيد إبراهيم- لو عاش لكان صدّيقا نبيا.

و روى ابن عساكر من طريقين عن السّدّي قلت لأنس: كم بلغ إبراهيم ابن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: قد كان غلاما بالمهد و لو بقي لكان نبيّا، و لكن لم يبق لأن نبيكم آخر الأنبياء (صلّى اللّه عليه و سلّم)

قال الباوردي في «المعرفة» حدثنا محمد بن عثمان بن محمد حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا أبو عامر الأسدي ثنا سفيان عن السدي عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«لو عاش إبراهيم لكان صدّيقا نبيّا».

و روى ابن ماجة و البيهقي عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

لما مات إبراهيم ابن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن له مرضعا في الجنة، و لو عاش لكان صديقا نبيّا».

و روى ابن عساكر عن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«لو عاش إبراهيم لكان صديقا نبيا».

فائدة:

قال الشيخ تقي الدين السبكي- (قدس اللّه روحه و نور ضريحه)- في الكلام على حديث‏

«كنت نبيا، و آدم بين الروح و الجسد»

فإن قلت النبوة وصف، لا بد أن يكون الموصوف به موجودا و إنما تكون بعد أربعين سنة أيضا فكيف يوصف قبل وجوده و قبل إرساله؟ قلت: قد جاء أن اللّه تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: «كنت نبيا» إلى روحه الشريفة و إلى حقيقة و الحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، و إنما يعلمها خالقها، و من أمّدّه اللّه تعالى بنور إلهي.

ثم إن تلك الحقائق يؤتي اللّه تعالى كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد تكون من (قبل) [ (1)] خلق آدم (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتاها و اللّه ذلك الوصف بأن يكون خلقها متهيئة لذلك، و أفاضه عليها من ذلك الوقت فصار نبيا انتهى.

و قد سبق ذلك في أوائل الكتاب.

و من هذا يعرف تحقيق نبوّة السيد إبراهيم ابن سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حال صغره، و إن لم يبلغ سنّ الوحي.

الثامن: في الوصيّة بأخواله القبط.

روى ابن سعد عن الزهري مرسلا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

إذا ملكتم القبط فأحسنوا إليهم، فإنّ لهم ذمّة، و إنّ لهم رحما.

____________

[ (1)] سقط في ج.

27

و روي عن أبي بن كعب بن مالك أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«استوصوا بالقبط خيرا، فإنّ لهم ذمة و رحما».

و روى الطبراني عن أمّ سلمة- رضي اللّه تعالى عنها- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«اللّه اللّه في قبط مصر فإنّكم مستظهرون عليهم، فيكونون لكم عدّة و أعوانا في سبيل اللّه».

تنبيهات‏

الأول: قد تقدّم أن أم بردة خولة بنت المنذر أرضعته، و المشهور برضاعه أمّ سيف و سمّاها القاضي عياض خولة بنت المنذر، فليحرر.

الثاني: لا تضادّ بين حديث أنس و بين قول ابن الزبير أن التّسمية كانت يوم سابعه بل ذلك محمول على أن التسمية كانت قبل السّابع على ما اقتضاه حديث أنس ثم ظهرت التسمية يوم السابع و يحمل أمره (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالأمر بالتسمية في اليوم السابع على أنّه لا يؤخر عن السّابع، لأنها لا تكون إلا فيه و هي مشروعة من وقت الولادة إلى يوم السابع قاله المحبّ الطبري.

الثالث: قال الحكيم التّرمذي: الولد من ريحان اللّه تعالى يشمه المؤمن فيلتذ به فكأنه أحبّ أن يتزوّد من ريحان اللّه- تعالى- عند آخر العهد به، و انكبابه عليه يدلّ على اشتمامه و كذلك قيل ريح الولد من ريح الجنّة، فانكبابه على إبراهيم عند إدراجه في أكفانه تزوّد منه، و بكاؤه توجّع منه لمفارقة من يشمه ريحانا من اللّه، و إنما قيل: من ريحان اللّه تعالى فنسب إلى اللّه- عز و جل- لأنه هبة اللّه فالهبة منه حشوها البر و اللطف و ظاهرها الابتلاء و قد يكون بكى رحمة له، لأنّ أجساد الأموات إنما زانت بالأرواح و أشرقت بالعبودية.

الرابع: روى الإمام أحمد و البزّار و أبو يعلى عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: لما توفّي إبراهيم ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصلّ عليه.

قال الحافظ: إسناده حسن و صحّحه ابن حزم، لكن قال الإمام أحمد في رواية «حسل» عنه حديث منكر و قال الخطابي: حديث عائشة أحسن اتصالا من الرواية التي فيها أنّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «و لكن هي أولى».

و قال ابن عبد البرّ: حديث عائشة لا يصحّ، فقد أجمع جماهير العلماء على الصّلاة على الأطفال، إذا استشهدوا، و هو عمل مستفيض في السّلف و الخلف، و لا أعلم أحدا جاء عنه غير هذا إلا عن سمرة بن جندب ثم قال: و قد يحتمل أن يكون معناه أنه لم يصلّ عليه في جماعة أو أمر أصحابه بالصّلاة عليه فلم يحضرهم، فلا يكون مخالفا لما عليه العلماء في ذلك، و هو أولى ما حمل عليه حديثها.

قال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى و كبّر أربع تكبيرات.

و اختلف قول من قال: إنّه لم يصلّ عليه في سبب ذلك، فقالت طائفة: استغنى بنبوة

28

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن الصّلاة التي هي شفاعة له كما استغنى الشّهيد بشهادته عن الصّلاة عليه و قالت طائفة أخرى: إنه مات يوم كسفت الشّمس فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصّلاة عليه.

و قالت فرقة أخرى: لا تعارض بين هذه الآثار في أنه أمر بالصلاة عليه و في رواية أخرى:

و المثبت أولى، لأن معه زيادة علم، و إذا تعارض النّفي و الإثبات قدّم الإثبات.

و قيل: إنما لم يصلّ عليه، لأنّه نبي، و لا يصلّى على نبي فقد ورد «لو عاش لكان نبيا» و هذا ليس بشي‏ء فقد صح أنّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى عليه.

الخامس: قد استنكر أبو عمر حديث أنس فقال بعد إيراده في «التمهيد» هذا: لا أدري ما هو فقد ولد نوح- (عليه الصلاة و السلام)- من ليس نبيا و كما يلد غير النبي نبيا، فكذلك يجوز أن يلد النبي غير نبي، و اللّه أعلم، و لو لم يلد النبي إلا نبيا لكان كل واحد نبيا، لأنه من ولد نوح- (عليه السلام)- و ذا آدم نبي مكلّم و ما أعلم في ولده لصلبه نبيا غير شيث، قال النووي في ترجمة إبراهيم من «تهذيبه» و أمّا ما روي: لو عاش لكان نبيا فباطل و جسارة على الكلام على المغيّبات، و مجازفة و هجوم على عظيم من الزّلّات.

و قال الحافظ: و هو عجيب مع وروده عن ثلاثة من الصحابة، و كأنه لم يظهر له وجه تأويله.

فقال في إنكاره: و جوابه أن القضية الشرطية لا تستلزم الوقوع و لا يظن بالصّحابي أنه يهجم على مثل هذا بظنه ذكره في الإصابة، و قال في الفتح: قلت: و لو استحضر النووي هذه الأحاديث لما قال ما قال.

السادس: في بيان غريب ما سبق.

مارية: من أهل مصر أهداها له المقوقس مالك الاسكندرية.

القبطية: منسوبة إلى القبط مذكورة في المناقب.

يجود بنفسه: أي يخرجها و يدفعها كما يدفع الإنسان ماله.

خمش وجه: أي خدوش يقال خمش المرأة وجهها تخمشه خمشا و خموشا الخموش مصدر الصراخ: [.....].

القين بقاف مفتوحة فمثناة تحتية، فنون هو الجراد.

يكيد: أي يسوق بها، و قيل: معناه يقارب بها الموت و قد يكون من الكيد و هو القي‏ء.

القبط جبل بمصر و قيل: هم أهل مصر.

ظئرا [بكسر المعجمة و سكون التحتانية المهموزة بعدها راء. أي مرضعا، و أصل الظئر من ظأرت الناقة إذا عطفت على غير ولدها].

29

الباب السادس في مناقب السّيدة زينب بنت سيدنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)

و فيه أنواع‏

الأول: في مولدها- (عليها السلام)-:

لا خلاف في أنّها أكبر بناته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، إنما الخلاف فيها و في سيدنا القاسم أيهما ولد أوّلا.

قال ابن إسحاق: سمعت عبد اللّه بن محمد بن سليمان الهاشمي يقول: ولدت السيدة زينب بنت سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في سنة ثلاثين من مولد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أدركت الإسلام و هاجرت، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) محبّا لها (عليها السلام).

الثاني فيمن تزوّجها.

تزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي و اسمه لقيط على الأكثر، و قيل: هشيم، و قيل مهشم أمه هالة بنت خويلد، أخت خديجة- رضي اللّه تعالى عنها-.

روي عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: كان أبو العاص من رجال مكّة المعدودين مالا و تجارة و أمانة، فقالت خديجة- رضي اللّه تعالى عنها- لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا يخالفها و ذلك قبل أن ينزل عليه، فزوّجه زينب- رضي اللّه تعالى عنها- فلما أكرم اللّه تعالى نبيّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنبوّته آمنت خديجة و بناتها- رضي اللّه تعالى عنهنّ- فلما نادى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قريشا بأمر اللّه تعالى أتوا العاص بن الربيع فقالوا له: فارق صاحبتك، و نحن نزوّجك بأيّ امرأة شئت من قريش (فقال: لا، و اللّه، لا أفارق صحابتي مما يسرّني أنّ لي بامرأتي أفضل من أي امرأة من قريش) [ (1)].

الثالث: في هجرتها- رضي اللّه تعالى عنها-.

روى الطبراني و البزّار- برجال الصّحيح- أن السيدة زينب بنت سيدنا محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) استأذنت أبا العاص بن الربيع زوجها أن تذهب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأذن لها، فخرجت مع كنانة أو ابن كنانة بن الرّبيع، فخرجوا في طلبها، فأدركها هبّار بن الأسود، فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها و ألقت ما في بطنها، و هريقت دما و اشتجر فيها بنو هاشم، و بنو أميّة فقال نحن أحقّ بهما، و كانت تحت ابن عمّهم أبي العاص و كانت هند بنت عتبة بن ربيعة و كانت تقول: هذا في سبب أبيك‏

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لزيد بن حارثة:

«ألا تنطلق فتجي‏ء بزينب» فقال: بلى يا رسول اللّه، قال: فخذ خاتمي فأعطها إيّاه،

فأنطلق زيد، فلم‏

____________

[ (1)] سقط في ج.

30

يزل يتلطّف فلقي راعيا فقال لمن ترعى غنمك؟ فقال: لأبي العاص، فقال: لمن هذه الغنم؟

قال لزينب بنت محمد- فسار معه شيئا- ثم قال له: هل لك أن أعطيك شيئا تعطيها إيّاه و لا تذكر لأحد؟ قال: نعم، فأعطاه الخاتم و انطلق الراعي، و أدخل غنمه، و أعطاها الخاتم فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل، قالت: فأين تركته؟ قال: بمكان كذا و كذا، فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه، فلمّا جاءته، قال لها اركبي بين يديّ على بعيري، قالت: لا و لكن اركب أنت بين يدي فركب و ركبت وراءه حتى أتت و

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

«هي خير بناتي أصيبت فيّ».

و روى الطبراني عن محمد بن إسحاق- (رحمه اللّه تعالى)- قال: كان في أسارى بدر أبو العاص بن الربيع العبشمي.

الرابع: إسلام زوجها أبي العاص- رضي اللّه تعالى عنه-.

روى الحاكم بسند صحيح عن الشّعبي- رضي اللّه تعالى عنه- قال: كانت زينب بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تحت أبي العاص بن الربيع فهاجرت، و أبو العاص على دينه، فاتفق أنه خرج إلى الشام في تجارة فلما كان بقرب المدينة أراد بعض المسلمين أن يخرجوا إليه، فيأخذوا ما معه و يقتلوه فبلغ ذلك زينب،

فقالت: يا رسول اللّه، أليس عقد المسلمين و عهدهم واحدا؟

قال: بلى‏

قالت: فاشهد أني أجرت أبا العاص، فلما رأى ذلك أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خرجوا إليه عزلا بغير سلاح فقالوا: يا أبا العاص، إنك في شرف قريش، و أنت ابن عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و صهره فهل لك أن تسلم فتغتنم ما معك من أموال أهل مكة؟ قال: بئس ما أمرتموني به أن أنسخ ديني بعذر، فمضى حتى قدم مكة فدفع إلى كل ذي حق حقّه، ثم قال: يا أهل مكّة أوفيت ذمتي؟ قالوا: اللهم نعم، فقال فإنّي أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه ثم قدم المدينة مهاجرا ...

الخامس: في ردّها إلى زوجها أبي العاص- رضي اللّه تعالى عنه- من غير تجديد عقد.

روى الإمام أحمد و أبو داود و الترمذي عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ردّ ابنته إلى أبي العاص بعد سنين بنكاحها الأول، و لم يحدث صداقا.

السادس: في ثناء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- على أبي العاص- رضي اللّه تعالى عنه-.

روى الشيخان عن المسوّر بن مخرمة

أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل، و عنده فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلمّا سمعت بذلك فاطمة أتت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت له: إنّ قومك يتحدّثون أنّك لا تغضب لبناتك و هذا عليّ ناكحا ابنة أبي جهل قال المسوّر: فقام‏

31

النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسمعته حين تشهد ثم قال: أمّا بعد فإنّي أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني و إن فاطمة بنت محمد مضغة مني و إنما أكره أن يفتنوها و إنها و اللّه لا تجتمع بنت رسول اللّه و بنت عدوّ اللّه عند رجل واحد أبدا قال: فترك علي الخطبة.

[روى محمد بن عمر، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال: خرج أبو العاص بن الربيع إلى الشام في عير لقريش و بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنّ تلك العير قد أقبلت من الشام فبعث زيد بن حارثة في سبعين و مائة راكب فلقوا العير بناحية العيص في جمادي الأولى سنة ست من الهجرة فأخذوها و ما فيها من الأثقال و أسروا ناسا ممّن كان في العير، منهم أبو العاص بن الربيع. فلم يعد أن جاء المدينة فدخل على زينب بنت رسول اللّه بسحر و هي امرأته فاستجارها فأجارته، فلمّا صلى رسول اللّه الفجر قامت على بابها فنادت بأعلى صوتها: إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع.

فقال رسول اللّه:

«أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟» قالوا: نعم. قال: «فوالذي نفسي بيده ما علمت بشي‏ء مما كان حتى سمعت الذي سمعتم. المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم و قد أجرنا من أجارت».

فلمّا انصرف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن يردّ على أبي العاص ما أخذ منه ففعل، و

أمرها أن لا يقربها فإنها لا تحل له ما دام مشركا.

و رجع أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كلّ ذي حق حقه ثم أسلم و رجع إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسلما مهاجرا في المحرّم سنة سبع من الهجرة، فردّ عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) زينب بذلك النكاح الأول‏].

السابع: في وفاتها- رضي اللّه تعالى عنه-:

روى الطبراني مرسلا برجال الصحيح عن ابن الزبير- (رحمه اللّه تعالى)- أنّ رجلا أقبل بزينب بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلحقه رجلان من قريش فقاتلاه حتى غلباه عليها فدفعاها فوقعت على صخرة، فأسقطت و هريقت دما، فذهبوا بها إلى أبي سفيان فجاءته نساء بني هاشم، فدفعها إليهن ثم جاءت بعد ذلك مهاجرة فلم تزل وجعة حتى ماتت، من ذلك الوجع فكانوا يرون أنها شهيدة، و كانت وفاتها في أوّل سنة ثمان من الهجرة فغسلتها أمّ أيمن و سودة بنت زمعة و أم سلمة و صلّى عليها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و نزل في قبرها، و معه أبو العاص و كان جعل لها نعش، فكانت أول من اتّخذ لها ذلك.

السابع: في ذكر أولادها- رضي اللّه تعالى عنهم-.

قال أبو عمر و غيره ولدت السيدة زينب- رضي اللّه تعالى عنها- من أبي العاص غلاما يقال له: عليّ توفّي و قد ناهز الحلم، كان رديف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ناقته يوم الفتح، و مات في حياته، و ولدت له جارية، يقال لها: أمامة تزوّجها عليّ بعد فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- و لم تلد فليس لزينب عقب، قال مصعب بن الزبير كما رواه ابن أبي خيثمة عنه، و كان‏

32

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يحبّها و يحملها في الصّلاة، و كان إذا سجد وضعها و إذا قام رفعها.

و روى الإمام أحمد و أبو يعلى و الطبراني و سند الأولين حسن، عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت:

أهدى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قلادة من جزع، معلمات بالذّهب، و نساؤه مجتمعات في بيت كلهن و أمامة بنت أبي العاص بن الربيع جارية تلعب في جانب البيت بالتراب، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كيف ترين هذه؟» فنظرن إليها، فقلن: يا رسول اللّه، ما رأينا أحسن من هذه قطّ و لا أعجب، فقال: «ارددنها إليّ»،

فقالت: و اللّه، لأضعنها في رقبة أحب أهل البيت إليّ قالت عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- فأظلّت على الأرض بيني و بينه خشية أن يضعها في رقبة غيري منهنّ و لا أراهنّ إلا أصابهن مثل الذي أصابني، و وجمنا جميعا سكوتا، فأقبل بها حتى وضعها في رقبة أمامة بنت أبي العاص فسرّي عنّا.

و روى الزبير بن بكّار و الطّبراني- (رحمه اللّه تعالى)- قال: أوصى أبو العاص بن الربيع بابنته أمامة إلى الزبير فزوّجها الزبير عليّ بن أبي طالب- رضي اللّه تعالى عنه- بعد وفاة السّيدة فاطمة، و قتل عليّ و أمامة عنده.

و رواه ابن أبي خيثمة عن مصعب عمّ الزبير.

و روى أيضا بسند ضعيف عن محمد بن عبد الرحمن‏

أن عليا لما طعن، قال لأمامة: لا تتزوجي و إن أردتّ الزّواج لا تخرجي من رأى المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلّب،

فخطبها معاوية بن أبي سفيان فقال لها المغيرة: أنا خير لك منه، فاجعلي أمرك إليّ، فجعلت، فدعا رجالا فتزوّجها، فماتت أمية بنت أبي العاص عند المغيرة بن نوفل، و لم تلد له فليس للسّيّدة زينب- رضي اللّه تعالى عنها- عقب قيل: ولدت أمامة للمغيرة ولدا يقال له يحيى.

33

الباب السابع في بعض مناقب السيدة رقية بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

و فيه أنواع‏

الأوّل: في مولدها و اسمها و فيمن تزوّجها.

ولدت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عمره ثلاث و ثلاثون سنة، و سماها رقيّة- بقاف واحدة و بالتشديد-، أسلمت حين أسلمت أمّها خديجة بنت خويلد و بايعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين بايعه النساء، قال قتادة بن دعامة و مصعب بن الزبير: فيما رواه ابن أبي خيثمة- رضي اللّه تعالى عنه- كانت رقية- رضي اللّه تعالى عنها- تحت عتبة بن أبي لهب، و أختها أم كلثوم تحت أخيه عتيبة فلما نزلت‏ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ‏ [المسد/ 1] قال أبوه لهما: رأس بين رؤوسكما حرام إن لم تطلّقا ابنتي محمّد، و سأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عتبة طلاق رقيّة، و سألته رقية ذلك فقالت له أمه: و هي حمالة الحطب: طلّقها يا بني فإنها قد صبأت ففارقهما و لم يكونا دخلا بهما فتزوّجت رقية عثمان بن عفان- رضي اللّه تعالى عنهما- بمكة و هاجر بها الهجرتين إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة، و ذكر الدولابي أنّ تزوّج عثمان إياها كان في الجاهلية، و الذي ذكره غيره أنه كان بعد إسلامه.

و روى الطبراني من طريقين بإسناده حسن و الزبير بن بكّار عن قتادة بن دعامة- (رحمه اللّه تعالى)- قال: كانت رقيّة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند عتبة بن أبي لهب، فلما أنزل اللّه تعالى‏ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ‏ [المسد/ 1] سأل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عتبة طلاقها، و سألته رقية ذلك فتزوّج عثمان بن عفان رقية و توفّيت عنده.

و روي عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: أتت قريش عتبة بن أبي لهب، فقالوا له: طلّق ابنة محمد، و نحن نزوّجك.

الثاني: في أنّ تزويج رقيّة عثمان- رضي اللّه تعالى عنهما- كان بوحي.

روى الطبراني عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إن اللّه- عزّ و جلّ- أوحى إليّ أن أزوّج كريمتي عثمان».

و روي عن عروة بن الزّبير- رضي اللّه تعالى عنه- [.....].

الثالث: في حسنها- رضي اللّه تعالى عنها-:

قال أبو عمرو- (رحمه اللّه تعالى)-: كانت رقيّة ذات جمال رائع و قال أبو محمد بن قدامة: و كانت ذات جمال بارع، فكان يقال: أحسن زوج رآها الإنسان مع زوجها.

34

و روي عن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى عثمان بصحفة فيها لحم فدخلت عليه [و رقية جالسة فما رأيت اثنين أحسن منهما فجعلت مرة انظر إلى رقية و مرة انظر إلى عثمان فلما رجعت‏

قال لي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم):

أدخلت عليهما قلت: نعم قال: فهل رأيت زوجا أحسن منهما قلت لا يا رسول اللّه لقد جعلت مرة انظر إلى رقية و مرة انظر إلى عثمان.

رواه الطبراني‏

و قال: كان هذا قبل نزول الحجاب، و فيه راو لم يسم و بقية رجاله رجال الصحيح.

و عن عبد اللّه بن حزم المازني قال: رأيت عثمان بن عفان فما رأيت قط ذكرا و لا أنثى أحسن وجها منه رواه الطبراني و فيه الربيع بن بدر و هو متروك. و عن عبد اللّه بن شداد بن الهاد قال:

رأيت عثمان بن عفان يوم الجمعة على المنبر عليه إزار عدني غليظ ثمنه أربعة دراهم أو خمسة و ريطة كوفية ممشقة ضرب اللحم طويل اللحية حسن الوجه. رواه الطبراني و اسناده حسن. و عن موسى بن طلحة قال: كان عثمان يوم الجمعة يتوكأ على عصا و كان أجمل الناس و عليه ثوبان أصفران إزار و رداء حتى يأتي المنبر فيجلس عليه. رواه الطبراني عن شيخه المقدام بن داود و هو ضعيف. و عن عبد اللّه بن عون القاري قال: رأيت عثمان بن عفان أبيض اللحية. رواه الطبراني و فيه من لم أعرفه و عن ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن سعد قال:

رأيت عثمان بن عفان أصفر اللحية. رواه الطبراني عن مقدام بن داود و هو ضعيف‏].

الرابع: في هجرتها- رضي اللّه تعالى عنها-.

روى ابن أبي خيثمة بن سليمان و عمر الملا عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

: أول من هاجر إلى أرض الحبشة عثمان، و خرج معه ابنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأبطأ على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خبرهما. فجعل يترقّب الخبر فقدمت امرأة من قريش، فسألها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: رأيتها، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «على أي حال رأيتها؟» فقالت: رأيتها و قد حملها على حمار من هذه الدّوابّ، و هو يسوقها فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «منحهما اللّه- عزّ و جلّ- إنّ عثمان لأوّل من هاجر بأهله إلى اللّه- عز و جلّ- بعد لوط- (عليه السلام)-».

الخامس: في إجابة دعائها- رضي اللّه تعالى عنها-:

قال أبو محمد بن قدامة: روينا أن فتيان أهل الحبشة كانوا يعرضون للسيدة رقية و ينظرون إليها، و يعجبون من جمالها فأذاها ذلك، فدعت عليهم جميعا، فهلكوا.

السادس: في وفاتها- رضي اللّه تعالى عنها-:

قال مصعب بن الزّبير: توفّيت رقية عند عثمان بالمدينة و تخلّف عليها عن بدر، بأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ضرب له بسهمه و أجره.

و قال ابن شهاب: تخلّف عثمان على امرأته السيدة رقية بنت سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كانت- (عليها السلام)- وجعة فتوفّيت يوم قدم أهل بدر المدينة، فضرب له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

35

بسهمه و أجره، رواهما ابن أبي خيثمة توفّيت- (عليها السلام)- على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجرته (صلّى اللّه عليه و سلّم).

السابع: في ولدها- رضي اللّه تعالى عنها-:

أسقطت من عثمان سقطا ثم ولدت له عبد اللّه.

قال مصعب بن الزبير: ولدت رقية لعثمان بن عفان- رضي اللّه تعالى عنهما- بالحبشة ولدا سماه عبد اللّه فكان يكنى به، بلغ سنتين، و قيل ستّ سنين فنقره في عينيه ديك، فتورّم وجهه و مرض فمات.

قال في: «العيون» إنّه مات بعد أمّه سنة أربع، و لم تلد شيئا غيره.

و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«و نزل في حفرته أبوه عثمان».

و قال الدولابي: مات، و هو رضيع، و اللّه تعالى أعلم و شذ قتادة فقال: لم تلد لعثمان- رضي اللّه تعالى عنه- و غلّطوه في ذلك.

36

الباب الثامن في بعض مناقب السيدة أم كلثوم بنت سيدنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

و فيه أنواع‏

الأول: في مولدها (عليها السلام) و فيمن تزوّجها

و ولدت هي أكبر من أختها فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- و سماها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أم كلثوم و لم يعرف لها اسم غيره و إنما تعرف بكنيتها، أسلمت أخواتها حين أسلمت و بايعت معهن، و هاجرت حين هاجر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فلما توفّيت رقيّة تزوّجها عثمان بن عفّان في ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة و بنى بها في جمادي الآخرة منها، و تقدّم في الباب السابع أن عتيبة بن أبي لهب كان تزوّجها ثم فارقها، و لم يدخل بها فخلف عليها عثمان- رضي اللّه تعالى عنهما- بعد أختها رقية بوحي من اللّه عز و جل.

روي عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

«أتاني جبريل فقال: إن اللّه يأمرك أن تزوّج عثمان أم كلثوم على مثل صداق رقية و على مثل صحبتها».

و روى ابن عساكر عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-:

«أتاني جبريل فقال إن اللّه يأمرك أن تزوّج عثمان أمّ كلثوم على مثل صداق رقيّة و على مثل صحبتها».

و روى ابن ماجة و ابن عساكر عنه قال:

لقى النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- عثمان عند باب المسجد فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: «يا عثمان، هذا جبريل أخبرني أن الله تعالى أمرني أن أزوّجك أمّ كلثوم، بمثل صداق رقيّة، و على مثل صحبتها».

الثاني في كيفية تزويجها.

روى ابن عساكر مرسلا عن سعيد بن المسيب- رضي اللّه تعالى عنه- قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-:

«يا عثمان، هذا جبريل يأمرني عن الله عز و جل أن أزوّجك أمّ كلثوم أختها على مثل صداقها- يعني صداق رقية- و على مثل عشرتها».

الثالث في وفاتها- رضي اللّه تعالى عنها-.

قال في العيون: إنها ماتت في شعبان سنة تسع من الهجرة فيحرّر، و جلس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- على قبرها، و نزل في حفرتها عليّ و الفضل و أسامة- رضي اللّه تعالى عنهم- و لم تلد من عثمان شيئا- رضي اللّه تعالى عنها- و اللّه تعالى أعلم.

37

الباب التاسع في بعض مناقب السيدة فاطمة بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-

و فيه أنواع‏

الأول: في مولدها- (عليها السلام)- و اسمها و كيفيتها:

نقل أبو عمرو عن عبيد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر الهاشميّ، قال: ولدت فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- سنة إحدى و أربعين من مولد النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و هذا مغاير لما ذكره ابن إسحاق، و غيره أن أولاد النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ولدوا قبل النبوة إلا إبراهيم- (عليه السلام)- و قال ابن الجوزي و غيره: ولدت قبل النبوة بخمس سنين أيام بناء البيت.

و نقل أبو عمرو عن الواقدي «أنها ولدت و الكعبة تبنى، و النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ابن خمس و ثلاثين سنة و به جزم المدائني و قيل: كان مولدها قبل البعثة بقليل نحو سنة أو أكثر، و هي أسنّ من عائشة بنحو خمس سنين و انقطع نسل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في أوائل المحرّم سنة اثنين بعد عائشة بأربعة أشهر، و كانت تكنى أمّ أبيها- بكسر الموحدة بعدها مثناة، تحتية- و من قال غير ذلك فقد صحّف- انتهى.

الثاني: ما جاء في مهرها

و كيف تزوّجها و وليمة عرسها، و ما جهّزت به- رضي اللّه تعالى عنها- تزوّجها عليّ- رضي اللّه تعالى عنه- و هي ابنة خمس عشرة سنة و خمسة أشهر أو ستة و نصف من السّنة الثانية من الهجرة في رمضان و بنى بها في ذي الحجة، و قيل: تزوّجها في رجب و قيل: في صفر و سنّها- رضي اللّه تعالى عنها- يومئذ إحدى و عشرين سنة و خمسة أشهر، و لم يتزوّج عليها حتى ماتت- رضي اللّه تعالى عنهما-.

قال جعفر بن محمد: تزوّج عليّ فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- في شهر صفر في السنة الثانية، و بنى بها في شهر ذي الحجة على رأس اثنين و عشرين شهرا من الهجرة.

قال أبو عمر: و بعد وقعة بدر.

و قال غيره: بعد بنائه بعائشة- رضي اللّه تعالى عنها- بأربعة أشهر و نصف شهر، و بنى بها بعد تزويجها بسبعة أشهر.

و روى الحاكم و البيهقي، و ابن إسحاق عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

قالت لي مولاة لي: هل علمت ().

و روى مسدّد عن رجل سمع عليّا- رضي اللّه تعالى عنه- بالكوفة يقول:

أردت أن أخطب فاطمة إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فذكرت أن لا شي‏ء لى، ثم ذكرت عائدته و صلته‏

38

فخطبتها، فقال: أرني درعك الحطميّة التي أعطيتكها يوم كذا، و كذا قال: هي عندي، قال:

فأعطها إيّاه، ثم قال: لا تحدث شيئا حتّى آتيكما، فأتاني و علينا قطيفة أو كساء، فلما رآنا تحسّسنا، فدعا فأتيا بإناء فدعا فيه، ثم دسّه علينا، فقلت: يا رسول اللّه أيّنا أحبّ إليك؟ قال:

هي أحبّ إليّ منك، و أنت أعزّ عليّ منها.

و روى الطبراني عن حجر بن عنبس- (رحمه اللّه تعالى)- قال:

خطب أبو بكر و عمر فاطمة- رضي اللّه تعالى عنهما- فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: «هي لك يا عليّ».

و رواه البزّار و رجالهما ثقات و حجر لم يسمع من النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و زاد «و لست بدجال» و قوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- «و لست بدجال»: يدل على أنه قد كان وعده فقال: لا أخلف الوعد.

و روى الطبراني برجال ثقات عن عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

كنت قاعدا عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فقال: «إن الله تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ».

و روى البيهقي و الخطيب و ابن عساكر عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

كنت قاعدا عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فغشيه الوحي فلما سرّي عنه قال: «يا أنس، أ تدري ما جاءني به جبريل من عند صاحب العرش» قلت: الله و رسوله أعلم قال: «إن اللّه تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ».

و روى إسحاق بسند ضعيف عن عليّ- رضي اللّه تعالى عنه-

أنه لما تزوّج فاطمة قال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: «اجعل عامّة الصّداق في الطيّب».

و روى أبو يعلى بسند ضعيف عن عليّ- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

خطبت إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ابنته فاطمة فباع عليّ درعا له، و بعض متاع من متاعه، فبلغ أربعمائة و ثمانين درهما، و أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن يجعل ثلثيه في الطّيب، و ثلثا في الثياب، و مج في جرة من ماء، و أمرهم أن يغتسلوا به، قال: و أمرها أن لا تسبقه برضاع ولدها فسبقته برضاع الحسين، و أما الحسن فإنّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- صنع فيه شيئا لا يدرى‏

(ما هو، فكان أعلم الرجلين) [ (1)].

و روى ابن أبي خيثمة و ابن سعد عن علباء بن أحمر اليشكري- (رحمه اللّه تعالى)- أن عليّا- رضي اللّه تعالى عنه- تزوج فاطمة على أربعمائة و ثمانين، فأمره النبي أن يجعل في ثلثين الطّيب و ثلثا في الثياب.

و روى ابن سعد عنه أن عليّا باع بعيرا له بثمانين و أربعمائة درهم، فقال النبي:- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-:

«اجعلوا ثلثيه في الطّيب و ثلثا في الثياب».

____________

[ (1)] سقط في ج.

39

روى الطبراني و ابن أبي خيثمة و ابن حبان في صحيحه من طريق يحيى بن يعلى الأسلمي، و البزار من طريق محمد بن ثابت بن أسلم، و هما ضعيفان عن أنس بن مالك و ابن أبي خيثمة و الطبراني عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال ابن ثابت:

إن عمر بن الخطاب- رضي اللّه تعالى عنه- أتى أبا بكر- رضي اللّه تعالى عنه- قال: ما يمنعك أن تتزوّج فاطمة بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال: لا يزوّجني، قال: إذا لم يزوّجك فمن يزوّج إنك من أكرم النّاس عليه، و أقدمهم في الإسلام قال: فانطلق أبو بكر إلى بيت عائشة، فقال: يا عائشة، إذا رأيت من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- طيب نفس و إقبالا عليك فاذكري له أني ذكرت فاطمة فلعلّ الله عز و جل أن ييسرها إليّ، قال: فجاء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فرأت منه طيب نفس، و إقبالا، فقالت:

يا رسول اللّه إن أبا بكر ذكر فاطمة و أمرني أن أذكرها، فقال: حتى ينزل القضاء فرجع إليها أبو بكر فقالت: يا أبتاه، وددتّ أنّي لم أذكر له الذي ذكرت‏

و قال يحيى:

إن أبا بكر- رضي اللّه تعالى عنه- جاء إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فقال: يا رسول اللّه قد عرفت مني صحبتي، و قدمي في الإسلام قال: و ما ذاك؟ قال: تزوجني فاطمة، فسكت عنه ساعة أو قال فأعرض عنه، فرجع أبو بكر إلى عمر، فقال: هلكت، و أهلكت، قال: و ما ذاك؟ قال خطبت فاطمة إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فأعرض عنّي، و قال ابن ثابت: فانطلق عمر إلى حفصة، و قال لهما: إذا رأيت من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إقبالا عليك فاذكري له أني ذكرت فاطمة لعلّ اللّه أن ييسرها إليّ، فلما جاء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قالت حفصة: و وجدتّ منه إقبالا و طيب نفس فذكرت له فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- فقال: حتى ينزل القضاء، قال ابن ثابت: فأتى عمر- رضي اللّه تعالى عنه- رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فقعد بين يديه، فقال: يا رسول اللّه، قد علمت منّي صحبتي و قدمي في الإسلام، و إنّي و إنّي، قال: «و ما ذا؟» قال: تزوّجني فاطمة، فأعرض عنه، فرجع عمر إلى أبي بكر، فقال: إنه ينتظر أمر اللّه فيها، فانطلق عمر إلى عليّ قال يحيى: إن أبا بكر و عمر قالا: انطلق بنا إلى علي حتى نأمره أن يطلب مثل الذي طلبنا، قال علي: فأتياني و أنا في سبيل، فقالا: بنت عمك تخطب فنبهاني لأمر فقمت أجرّ ردائي طرف على عاتقي، و الطرف الآخر في الأرض حتى أتيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و قال ابن ثابت: و لم يكن لعليّ مثل عائشة و لا مثل حفصة، فلقي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فقال: إني أريد أن أتزوّج فاطمة، قال فافعل، قال: ما عندي إلا درعي الحطمية.

.. الحديث.

و في حديث ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- عند الطبراني من طريق يحيى بن العلاء، قال:

كانت فاطمة تذكر لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فلا يذكرها أحد إلا صدّ عنه حتّى يئسوا منها فلقي سعد بن معاذ- رضي اللّه تعالى عنه- عليّا فقال: إني و اللّه ما أرى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يحبها إلا عليك، فقال له: علي- رضي اللّه تعالى عنه-: هل ترى ذلك، ما أنا

40

بأحد الرجلين ما أنا بصاحب دنيا يلتمس ما عندي و قد علم ما لي بيضاء و لا صفراء.

و ما أنا بالكافر الذي يترفق بها عن دينه- يعني يتألفه بها، إني لأول من أسلم فقال سعد إني أعزم عليك لتفرجنها عني، فإن لي في ذلك فرجا قال: أقول ما ذا؟ قال؟: جئت خاطبا إلى اللّه و إلى رسوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فاطمة بنت محمد- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فقال النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- مرحبا، كلمة ضعيفة ثم رجع إلى سعد، فقال: قد فعلت الذي أمرتني به فلم يزد على أنه رحّب بي كلمة ضعيفة، فقال سعد: أنكحك و الذي بعثه بالحق، إنه لا خلف و لا كذب عنده، أعزم عليك لتأتينّه فلتقولنّ يا نبيّ اللّه، متى تبنيني؟ فقال عليّ: هذه أشدّ عليّ من الأولى أو لا أقول: يا رسول اللّه، حاجتي؟ قال: قل كما أمرتك، فانطلق عليّ فقال: يا رسول اللّه، تبنيني؟ قال:

«الليلة إن شاء اللّه».

.. الحديث.

و في حديث بريرة عند النسائي في عمل اليوم و الليلة و الروباني في مسنده، و عند البزّار و الطبراني برجال ثقات غالبهم رجال الصحيح و الدولابي:

أنّ نفرا من الأنصار قالوا لعليّ- رضي اللّه تعالى عنه-: لو خطب فاطمة بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فأبى.

و في لفظ: لو كانت عندك فاطمة فدخل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فقال: ما حاجة ابن أبي طالب؟ فقال: يا رسول اللّه، ذكرت بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-:

«مرحبا و أهلا» لم يزده عليهما فخرج على أولئك النفر من الأنصار و هم ينتظرونه فقالوا له: ما وراءك؟ قال: ما أدري، غير أنّه قال لي: مرحبا و أهلا،

قالوا: يكفيك من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إحداهما أعطاك الأهل و المرحب.

و في حديث ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما-

فقال سعد: أنكحك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و الذي بعثه بالحق إنه لا خلف و لا كذب عنده، أعزم عليك لتأتينه غدا، فتقول يا نبي اللّه متى تبنيني بأهلي، فقال عليّ: هذه أشدّ عليّ من الأولى أو لا أقول: يا رسول اللّه حاجتي قال: قل كما أمرتك فانطلق عليّ، فقال: يا رسول اللّه، متى تبنيني بأهلي؟

قال: «اللّيلة إن شاء اللّه تعالى»- قال فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: «ما عندك يا عليّ» فقلت: يا رسول اللّه، فرسي و بدني يعني درعي الحطميّة- قال: «أما فرسك لا بدّ لك منه، و أما بدنك فبعها» فبعتها بأربعمائة و ثمانين درهما، فأتيت بها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فوضعتها في حجره، فقبض منها قبضة، فقال: «يا بلال»، ابغني بها طيبا و قال ابن ثابت: فقبض ثلاث قبضات، فرفعها إلى أم أيمن فقال: اجعلي منها قبضة في الطيب.

أحسبه قال الباقي فيما يصلح المرأة، و زوّجه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فلمّا فرغت من الجهاز و أدخلتهم بيتا.

41

و في حديث بريدة:

فلما كان بعد ما زوّجه قال: «يا عليّ، إنّه لا بدّ للعروس من وليمة»

فقال سعد: عندي كبش.

و جمع له رهط من الأنصار من ذرة، و رواه الإمام أحمد برجال الصحيح غير عبد الكريم بن سليط و هو مستور بلفظ، و قال: على فلان كذا و كذا من ذرة.

و في حديث يحيى و أمرهم أن يجهزوها فجعل لها سريرا مشرطا بالشريط و وسادة من أدم حشوها ليف، و ملأ البيت كثيبا يعني رملا، و قال: إذا أتتك، فلا تحدث شيئا حتّى آتيك فجاءت مع أمّ أيمن فقعدت في جانب البيت، و أنا في جانب.

و روى الإمام أحمد بسند جيّد عن عليّ- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لمّا زوّجه فاطمة بعث معها بخميلة و وسادة من أدم حشوها ليف، و ثور و سقاء و جرتين.

و روى الدولابي عن أسماء بنت عميس- رضي اللّه تعالى عنه- قالت: لقد جهزت فاطمة بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى علي- رضي اللّه تعالى عنهما- و ما كان حشو فرشهما و وسادتهما إلا ليف.

و روى الإمام أحمد في المناقب عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

جهّز رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فاطمة في خميلة و قربة و وسادة من أدم حشوها ليف.

و روى البلاذريّ عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

ما كان لنا إلا إهاب كبش ننام على ناحية، و منه تعجن فاطمة على ناحية.

و روى ابن حبّان عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قبض من المهر قبضة، و قال لبلال: اشتر لنا بها طيبا، و أمرهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن يجهزوها فجعل سريرا مشرّطا بشرائط و وسادة من أدم حشوها ليف.

و روى أبو بكر- بن فارس عن جابر- رضي اللّه تعالى عنه- قال: كان فراش عليّ و فاطمة- رضي اللّه تعالى عنهما- ليلة عرسهما- إهاب كبش.

و روى أيضا عن ضمرة بن حبيب- رضي اللّه تعالى عنهما- قال قضى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- على ابنته السيدة فاطمة بخدمة البيت، و قضى على عليّ بما كان خارج البيت.

و روى مسدّد مرسلا عن ضمرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قضى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- على ابنته فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- بخدمة البيت، و قضى على عليّ- رضي اللّه تعالى عنه- بما كان خارج البيت.

و روى أحمد بن منيع بسند ضعيف عن أسماء بنت عميس- رضي اللّه تعالى عنها-

42

قالت:

تزوّجت فاطمة بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- على درع و منشفة بمغفرة و نصف قطيفة بيضاء، و قدح و إن كانت تستر بكم درعها، و مالها خمار و قالت: أعطاني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أصبعا من تمر و من شعير، فقال: «إذا دخلن عليك نساء الأنصار فأطعميهن منه».

و روى الطبراني من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن جابر- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

حضرنا عرس علي بن أبي طالب و فاطمة بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فما رأينا عرسا كان أحسن منه- حسا لنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- زبيبا و تمرا فأكلنا منه و كان فراشها ليلة عرسها إهاب كبش.

و رواه البزّار و زاد، و حشونا الفراش- يعني: الليف-.

و روى عن عبد الله بن عمرو- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: لمّا جهّز رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- السيدة فاطمة إلى عليّ- رضي اللّه تعالى عنهما- بعث معها بخميلة و هي القطيفة و وسادة من أدم حشوها ليف، و إذخر و قربتان و كانا يفترشان الخميل، و يلتحفان بنصفه انتهى.

و روى من طريق عوف بن محمد بن الحنفية عن أسماء بنت عميس- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: أهديت جدّتك فاطمة إلى جدّك عليّ- رضي اللّه تعالى عنهما- فما كان حشو فراشهما و وسادتهما إلا ليفا، و لقد أولم عليّ على فاطمة- رضي اللّه تعالى عنهما- فما كانت وليمة في ذلك الزّمان أفضل من وليمته و رهن درعه عند يهوديّ بشطر شعير.

و روى الدولابيّ عن أسماء بنت عميس- رضي اللّه تعالى عنها- أنه أولم على فاطمة و كانت وليمته آصعا من شعير و تمر.

و في حديث ابن عباس‏

فدعا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بلالا فقال: «يا بلال، إني زوّجت ابنتي ابن عمّي، و أنا أحبّ أن يكون من سنّة أمتى إطعام الطعام عند النّكاح، فخذ شاة و أربعة أمداد أو خمسة، فاجعل لي قصعة وادع عليها المهاجرين و الأنصار، فإذا فرغت فائتني بها». فانطلق ففعل ما أمره به، ثم أتاه بالقصعة فوضعها بين يديه فطعن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بإصبعه في رأسها، ثم قال: أدخل علي النّاس زفة زفة و لا تغادرنّ إلى غيرها، يعني إذا فرغت زفة فلا يعودن ثانية، فجعل الناس يردون كلّما فرغت زفة وردت أخرى حتى فرغ النّاس ثم عمد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى ما فضل منها فتفل فيه و بارك.

و قال: «يا بلال، احملها إلى أمّهاتك، و قل لهن يأكلن منها و يطعمن من يمشيكن» انتهى، ثم قال- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: «يا عليّ، لا تحدثنّ إلى أهلك شيئا».

و في حديث أسماء بنت عميس- رضي اللّه تعالى عنها- عند الطبراني برجال الصحيح قالت:

لما أهديت السيدة فاطمة إلى علي بن أبي طالب- رضي اللّه تعالى عنهما- لم نجد في‏

43

بيته إلا رملا مبسوطا و وسادة حشوها ليف و جرة و كوزا، فأرسل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- «لا تحدثنّ حدثا» أو قال: «لا تقربنّ أهلك حتّى آتيك» فجاء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فقال: «أثمّ أخي» فدعا النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فسمّى، ثم قال فيه ما شاء اللّه أن يقول، ثم مسح صدر عليّ و وجهه ثم دعا فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- فقامت إليه تعثر في مرطها من الحياء فنضح من ذلك الماء ثم قال لها ما شاء اللّه أن يقول ثم قال لها: «أما إنّي لم آلك أن أنكحتك أحبّ أهلي إليّ».

و في حديث بريدة- رضي اللّه تعالى عنه‏

- فدعا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بماء فتوضّأ منه ثم أفرغه على عليّ فقال: «اللّهم، بارك فيهما، و بارك لهما في أبنائهما». و في لفظ «بارك لهما و بارك في شبلهما» [ (1)].

قال الحافظ ابن ناصر الدين راوي الحديث صوابه بنسلهما، و أورده الضياء المقدسي في المختارة و في حديث أسماء، قالت أسماء:

ثم رأى سواداً من وراء السّتر، أو من وراء الباب فقال: من هذا؟ قالت: أسماء، قالت: نعم يا رسول اللّه جئت كرامة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنّ الفتاة يبنى بها الليلة و لا بدّ لها من امرأة تكون قريبا منها، إن عرضت لها حاجة أفضت بذلك إليها قالت: فدعا لي بدعاء، إنّه لأوثق عملي عندي، ثم قال لعليّ: «دونك أهلك»، ثم خرج فولى فما زال يدعو لهما، حتّى توارى في حجره.

و في حديث ابن عبّاس- رضي اللّه تعالى عنها-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دخل على النساء فقال: إني قد زوّجت ابنتي ابن عمّي و قد علمتنّ منزلتها مني و أنا دافعها إليه، فدونكن فقمن النساء فغلفنها من طيبهن و ألبسنها من ثيابهن و حلّينها من حليهن، ثم إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دخل فلما رأى النّساء ذهبن، و بين النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ستر و تخلّفت أسماء بنت عميس- رضي اللّه تعالى عنها- فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «كما أنت، على رسلك من أنت؟

قالت: أنا التي أحرس ابنتك، فإن الفتاة الليلة يبنى بها و لا بد من امرأة تكون قريبا منها، إن عرضت لها حاجة أو أرادت شيئا أمضيت بذلك إليها، ثم صرخ بفاطمة.

و في حديث يحيى فقال لفاطمة:

«ائتني بماء» فقامت إلى قعب في البيت فجعلت فيه ماء فأتته به، فمجّ فيه ثم قال لها: قومي فنضح على رأسها و بين ثدييها، و قال: «اللّهمّ، إنّي أعيذها بك و ذريتها من الشيطان الرّجيم»، ثم قال: «ائتني بماء،» فعلمت الذي يريده، فملأت القعب ماء فأتيته به فأخذ منه بفيه، ثم مجّه فيه ثم صبّه على رأسي و بين يديّ ثم قال: «اللّهم، إنّي أعيذها بك و ذريتها من الشيطان الرجيم» ثم قال لي: «أدبري» فأدبرت فصبّ بين كتفيّ ثم‏

____________

[ (1)] في ج (اللهم بارك لهما في شبلهما).

44

قال: «اللّهم، إني أعيذها بك و ذريّتها من الشيطان الرّجيم» ثم قال لي: «ادخل على أهلك باسم اللّه و البركة».

الثالث: في أنّها كانت أحبّ النّاس إليه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.

روى الطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على فاطمة و عليّ- رضي اللّه تعالى عنهما- و هما جالسان يضحكان، فلمّا رأيا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سكتا فقال لهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما لكما كنتما تضحكان، فلمّا رأيتماني سكتما» فبادرت فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- فقالت: بأبي أنت يا رسول اللّه قال هذا: أنا أحبّ إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منك، فقلت: بل أنا أحبّ إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منك، فتبسّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال: «يا بنيّة لك رقّة الولد و عليّ أعزّ عليّ منك».

و روى أبو داود الطيالسي و الطبراني في الكبير، و الحاكم و الترمذي و قال: حسن و أبو القاسم البغويّ في معجمه عن أسامة بن زيد- رضي اللّه تعالى عنه- أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«أحبّ أهل بيتي إليّ فاطمة».

و روى الطبراني عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- أن عليّ بن أبي طالب- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

يا رسول اللّه، أيّنا أحبّ إليك أنا أم فاطمة؟ قال: «فاطمة أحبّ إليّ منك، و أنت أعزّ عليّ منها.»

الرابع: في أن اللّه تبارك و تعالى يرضى لرضاها، و يغضب لغضبها.

روى الطبراني بإسناد حسن و ابن السّنيّ في معجمه و أبو سعيد النيسابوري في «الشرف» عن عليّ- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لفاطمة:

«إن اللّه تعالى يغضب لغضبك و يرضى لرضاك»

انتهى.

الخامس في أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان يقبلها في فمها.

[عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: ما رأيت أحدا كان شبه كلاما و حديثا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من فاطمة، و كانت إذا دخلت عليه قام إليها، فقبّلها و رحّب بها، و أخذ بيدها فأجلسها في مجلسه، و كانت هي إذا دخل عليها قامت إليه، فقبّلته و أخذت بيده‏].

السادس: فيما جاء أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إذا سافر كان آخر عهده بها، و إذا قدم أوّل ما يدخل عليها- رضي اللّه تعالى عنها-.

روى الإمام أحمد و البيهقي في «الشعب» عن ثوبان- رضي اللّه تعالى عنه- قال: كان‏

45

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا سافر آخر عهده إتيان فاطمة، و أول من يدخل عليه فاطمة إذا قدم (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و روى أبو عمر عن أبي ثعلبة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد، فصلى ركعتين ثم أتى فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- (ثم أتى أزواجه) [ (1)].

السابع: في غيرته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لها- رضي اللّه تعالى عنها-.

روى الطبراني عن أسماء بنت عميس- رضي اللّه تعالى عنها- قالت:

خطبني عليّ فبلغ ذلك السيدة فاطمة بنت سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأتت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت إن أسماء متزوّجة علي بن أبي طالب فقال لها: «ما كان لها أن تؤذي اللّه و رسوله».

و روى الطبراني في المعاجم الثلاثة عن ابن عبّاس- رضي اللّه تعالى عنهما-

أنّ عليا- رضي اللّه تعالى عنه- خطب بنت أبي جهل فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن كنت تزوّجها فردّ علينا ابنتنا، و اللّه، لا تجتمع بنت رسول اللّه و بنت عدوّ اللّه تحت رجل واحد».

و روى البزّار عن علي- رضي اللّه تعالى عنه-

أنّه كان عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: أي شي‏ء خير للمرأة فسكتوا، فلمّا رجعت قلت لفاطمة: أي شي‏ء خير للنّساء؟ قالت: لا يراهنّ الرّجال، فذكرت ذلك للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «إنّ فاطمة بضعة مني».

الثامن: في تشبّهها- رضي اللّه تعالى عنها- هديا و سمتا و دلاء و مشيا و حديثا به (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قيامه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لها إذا أقبلت و إجلاسه إياها مكانه.

إخباره- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أنها سيدة نساء هذه الأمة و نساء أهل الجنة.

روى مسلم عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت:

كنا أزواج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- تمشي.

[كأن مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «مرحبا يا بنتي» فأجلسها عن يمينه أو عن شماله: ثم إنّه أسرّ إليها حديثا فبكت فاطمة، ثم إنّه سارّها فضحكت أيضا، فقلت لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن فقلت لها حين بكت: أخصك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحديثه دوننا ثم تبكين؟ و سألتها عمّا قال: فقالت: ما كنت لأفشى سرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى إذا قبض سألتها فقالت: انه كان حدّثني «أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كلّ عام مرّة، و إنّه عارضه به في العام مرتين، و لا أراني‏

____________

[ (1)] سقط في ج.

46

إلا قد حضر أجلي، و إنّك أول أهلي لحوقا بي، و نعم السّلف أنا لك» فبكيت لذلك، ثم إنه سارّني فقال: «ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمّة»؟ فضحكت لذلك.

و روى أبو داود و الترمذي و حسّنه و النّسائي عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: ما رأيت أحدا أشبه سمتا و لا هديا، و لا حديثا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في قيامها و قعودها من فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها-.

و روى ابن حبّان عنها قالت: ما رأيت أحد أشبه كلاما و حديثا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- و كانت إذا دخلت قام إليها فقبلها و رحّب بها و أخذ بيدها و أجلسها في مجلسه و كانت هي- رضي اللّه تعالى عنها- إذا دخل (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليها قامت إليه فقبّلته و أخذت بيده و أجلسته مكانها فدخلت عليه في مرضه الذي توفّي فيه فأسرّ إليها فبكت ثمّ أسرّ إليها فضحكت فقلت: كنت أحسب أنّ لهذه المرأة فضلا على نسائنا فإذا هي امرأة منهن بينما

هي تبكي إذ هي تضحك، فلما توفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سألتها عن ذلك فقالت أسرّ إليّ أنّه ميّت فبكيت ثم أسرّ إليّ أني أول أهله لحوقا به فضحكت.

و روى الإمام أحمد و أبو يعلى برجال الصحيح و الترمذي من غير ذكر فاطمة و مريم- (عليهما السلام)- عن أبي سعيد- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، و فاطمة سيدة نسائهم إلّا ما كان من مريم بنت عمران».

و روى الطبراني في «الأوسط» «و الكبير» برجال الصّحيح عن ابن عبّاس- رضي اللّه تعالى عنهما- أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«سيّدة نساء أهل الجنّة بعد مريم بنت عمران فاطمة و خديجة ثم آسية بنت مزاحم امرأة فرعون- و في لفظ- و آسية».

و روى الطّبراني برجال الصحيح عن محمد بن مروان الذهلي و ثقه ابن حبّان عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«إنّ ملكا من السّماء لم يكن زارني فاستأذن ربّي في زيارتي فأذن له فبشّرني و أخبرني أنّ فاطمة سيدة نساء أمّتي،

و سيأتي لهذا مزيد بيان في مناقب السّيّدة خديجة- رضي اللّه تعالى عنها-.

التاسع: في إثبات فضلها- رضي اللّه تعالى عنها- بأبيها (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أقاربها أصلا و فرعا.

روى الطّبرانيّ عن أبي أيّوب- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لفاطمة:

«نبينا خير الأنبياء، و هو أبوك، و شهيدنا خير الشهداء و هو عم أبيك» ... الحديث.

و روى الطبراني برجال الصحيح عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: «ما رأيت أفضل من فاطمة غير أبيها (صلّى اللّه عليه و سلّم)».

47

العاشر: في أنّها أصدق النّاس لهجة.

و روى أبو يعلى برجال الصحيح عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- إلا أن يكون أباها (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و روى أبو عمر عنها قالت: ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة من فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- إلا أن يكون الذي ولدها (صلّى اللّه عليه و سلّم).

الحادي عشر: في برّها برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

روى أبو يعلي عن جابر- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شقّ عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهنّ شيئا، فأتى فاطمة فقال: يا بنيّة، هل عندك أكلة، فإنّي جائع فقالت: لا و اللّه، بأبي أنت و أمّي، فلمّا خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين و قطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة لها، و غطّت عليها، قالت: و اللّه، لأوثرنّ بهذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على نفسي و من عندي، و كانوا جميعا محتاجين إلى شعبة طعام، فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرجع إليها فقالت له:

بأبي أنت و أمي قد أتى اللّه بشي‏ء فخبّأته لك قال: «هلمّي فأتته فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا و لحما، فلما نظرت إليها بهتت، و عرفت أنّها بركة من اللّه، فحمدت اللّه و صلّت على نبيه و قدمته إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلمّا رآه حمد اللّه و قال: «من أين لك هذا يا بنية؟» فقالت: يا أبت، هو من عند اللّه، إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب، فبعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى عليّ ثم أكل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عليّ و فاطمة و حسن و حسين و جميع أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أهل بيته جميعا حتى شبعوا و بقيت الجفنة كما هي، قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع جيرانها، و جعل اللّه فيه بركة و خيرا كثيرا.

الثاني عشر: فيما كانت فيه من ضيق العيش و خدمتها نفسها- رضي اللّه تعالى عنها- مع استصحاب الصّبر الجميل.

روى الدولابي عن أسماء بنت عميس عن فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتاها.

و روى أبو يعلى برجال الصحيح و ابن أبي شيبة عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

قلت لأمي فاطمة بنت أسد- رضي اللّه تعالى عنها- أكفي بنت محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) سقاية الماء و الذّهاب في الحاجة، و تكفيك خدمة الداخل الطحن و العجن.

و روى الطبراني برجال ثقات إلا عتبة بن حميد وثّقه ابن حبّان و ضعّفه جماعة عن عمران بن حصين قال:

إني لجالس عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذ أقبلت فاطمة، فقامت بحذاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مقابلة فقال: «ادني يا فاطمة»، فدنت دنوة، ثم قال «ادني يا فاطمة»، فدنت دنوة، ثم قال:

48

«ادني يا فاطمة» فدنت دنوة حتى قامت بين يديه قال عمران: فرأيت صفرة قد ظهرت على وجهها و ذهب الدّم فبسط رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين أصابعه ثم وضع كفّه بين ترائبها فرفع رأسه قال:

«اللهم، مشبع الجوعة، و قاضي الحاجة، و رافع الوضعة، لا تجع فاطمة بنت محمّد»، فرأيت صفرة الجوع قد ذهبت عن وجهها و ظهر الدّم، ثم سألتها بعد ذلك فقالت: ما جعت بعد ذلك.

و روى الإمام أحمد بسند جيّد عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- أنّه قال لفاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- ذات يوم:

و اللّه، لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، و قد جاء أبوك بسبي فاذهبي فاستخدميه، فقالت: و أنا و اللّه، لقد طحنت حتّى مجلت يداي فأتت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «ما جاء بك أي بنية؟» قالت: جئت لأسلم عليك، و استحيت أن تسأله و رجعت، فقال:

ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله فأتيا جميعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال عليّ: يا رسول اللّه، لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، و قالت فاطمة: يا رسول اللّه، لقد طحنت حتى مجلت يداي و قد جاءك اللّه بسبي و سعة، فأخدمنا فقال: لا، و اللّه، لا أعطيكم، و أدع أهل الصّفّة تطوى بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم و لكني أبيعهم و أنفق عليهم أثمانهم فرجع. فأتاهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قد دخلا في قطيفتهما إذا غطّت رؤوسهما تكشّفت أقدامهما، و إذا غطّت أقدامهما تكشّفت رؤوسهما فتأثر فقال: مكانكما، ثم قال: «ألا أخبر كما بخير ممّا سألتماني»، قالا: بلى، قال: «كلمات علّمنيهنّ جبريل فقال: تسبّحان اللّه في دبر كل صلاة عشرا و تحمدان عشرا و تكبران عشرا، فإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا و ثلاثين و احمدا ثلاثا و ثلاثين و كبّرا أربعا و ثلاثين».

[قال: فواللّه، ما تركتهنّ منذ سمعت ذلك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: فقال له: أين الكوا و لا ليلة صفّين، فقال: قاتلكم اللّه يأهل العراق و لا ليلة صفّين.

و روى الطبراني بسند حسن عن فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها-

أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتاها يوما فقال: «أين أبنائي؟» يعني: حسنا و حسينا قالت: أصبحنا و ليس في بيتنا شي‏ء يذوقه ذائق، فقال عليّ: اذهب بهما، فإنّي أتخوف أن يتليا عليك و ليس عندك شي‏ء، فذهب إلى فلان اليهودي فتوجّه إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوجدهما يلعبان في سرية بين أيديهما فضل من تمر، فقال: «يا عليّ ألا تقلب ابني قبل أن يشتد الحرّ؟» قال علي: أصبحنا و ليس في بيتنا شي‏ء، فلو جلست يا رسول اللّه، حتى أجمع لفاطمة شيئا من التمر، فجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى أجتمع لفاطمة شي‏ء من التمر،

فجعله في صرته ثم أقبل فحمل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أحدهما و عليّ الآخر، حتى أقلبهما.

49

و روى الإمام أحمد عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه-

أن بلالا- رضي اللّه تعالى عنه- أبطأ عن صلاة الصبح، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما حبسك؟ قال: مررت بالسّيدة فاطمة، و هي تطحن، و الصّبيّ يبكي، فقلت: إن شئت كفيتك الرّحا و كفيتيني الصّبي، و إن شئت كفيتك الصّبي، و كفيتيني الرّحا، فقالت: أنا أرفق بابني منك فذاك الذي حبسني فقال: رحمتها، رحمك اللّه.

الثالث عشر: في وفاتها- رضي اللّه تعالى عنها- و وصيتها إلى أسماء بنت عميس- رضي اللّه تعالى عنها- بما تصنعه بعد موتها و من صلّى عليها و من دخل قبرها و موضعه.

روى الطبراني بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح عن عائشة و البخاري عن الزّهري عن عروة عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: توفيت السيدة فاطمة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بستة أشهر، و في رواية: ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة و دفنها علي بن أبي طالب- رضي اللّه تعالى عنه- ليلا.

و روى الطبراني برجال الصّحيح إلا أن جعفرا الصادق لم يدرك القصة، ففيه انقطاع عن جعفر بن محمد- رحمهما اللّه تعالى- قال:

مكثت فاطمة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاثة أشهر، و ما رؤيت ضاحكة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا أنّهم قد امتروا في طرف نابها.

و روى الطّبراني عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل- (رحمه اللّه تعالى)- منقطعا، لأن عبد اللّه لم يدرك القصّة، أن فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- لمّا حضرتها أمرت عليا فوضع لها غسلا، فاغتسلت و تطهّرت و دعت بثياب أكفانها فأتيت بثياب غلاظ خشن، فلبستها و مسّت من حنوط ثم أمرت عليا أن لا يكشف عورتها إذا أقبضت و أن تدرج كما هي في ثيابها، فقلت له: هل علمت أحدا فعل ذلك؟ قال: نعم، كثير بن العباس، و كتب في أطراف أكفانه: يشهد كثير أن لا إله إلا اللّه.

و روى الإمام أحمد بسند فيه من لم يعرف عن أمّ سلمة قالت:

اشتكت السّيّدة فاطمة بنت سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شكواها التي قبضت فيه فكنت أمرّضها فأصبحت يوما كأمثل ما رأيتها في شكواها تلك، قالت: و خرج عليّ لبعض حاجته فقالت: يا أمّه، اسكبي لي غسلا فسكبت لها غسلا فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل، ثمّ قالت: يا أمي، أعطني ثيابي الجدد فأعطيتها فلبستها ثم قالت: يا أمّه قدّمي لي فراشي وسط البيت، ففعلت، و استقبلت و اضطجعت القبلة، و جعلت يدها تحت خدّها، ثمّ قالت: يا أمّه، إنّي مقبوضة الآن، و قد تطهّرت، فلا يكشفني أحد، فقبضت مكانها، فجاء عليّ فأخبرته.

و روى أبو نعيم عن فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- أنّها قالت لأسماء

يا أسماء، إنّي قد

50

استقبحت هذا الذي يصنع بالنّساء، يطرح على المرأة الثّوب فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ألا أريك شيئا رأيته بالحبشة، فدعت بجرائد رطبة فحتّتها، ثم طرحت عليها ثوبا فقالت لفاطمة: ما أحسن هذا و أجمله، تعرف به المرأة من الرّجل، فإذا أنا متّ فغّسليني أنت و عليّ، و لا يدخل عليّ أحد ثم اصنعي بي هكذا،

فلمّا توفيت صنع بها ما أمرت بعد أن غسّلتها أسماء و عليّ- رضي اللّه تعالى عنهم-.

الرابع عشر: في أن اللّه تعالى حرّمها و ذرّيّتها على النّار.

روى البزار و تمام في «فوائده» و الطبراني و ابن عديّ و العقيليّ و الحاكم عن ابن مسعود و ابن شاهين في مسند «الزهر» و ابن عساكر من طريق آخر عنه، و الطبراني في «الكبير» بسند رجاله ثقات عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«إن فاطمة أحصنت فرجها فحرّمها اللّه- عزّ و جل- و ذرّيّتها على النّار»

زاد العقيلي: قال ابن كريب:

هذا للحسن و الحسين و لمن أطاع اللّه- عز و جل- منهم.

و في لفظ: إن اللّه- عز و جل- غير معذبك و لا ولدك.

و روى الخطيب أن الإمام علي بن موسى المديني- رضي اللّه تعالى عنه-

سئل هذا الحديث فقال: هذا خاصّ بالحسن و الحسين- رضي اللّه تعالى عنهما-.

تنبيه:

الصّواب أنّ هذا الحديث سنده قريب من الحسن، و الحكم عليه بالوضع خطأ كما بسطت الكلام على ذلك في كتابي «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة».

الخامس عشر: في كيفية حشرها- رضي اللّه تعالى عنها-.

روى تمام في الفوائد و الحاكم و الطبراني عن عليّ، و أبو بكر الشافعي عن أبي هريرة، و تمام عن أبي أيّوب و أبو الحسين بن بشران، و الخطيب عن عائشة و الأزدي عن أبي سعيد- رضي اللّه تعالى عنهم- بأسانيد ضعيفة، إذا ضمّ بعضها إلى بعض أفاد القبول، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش أيّها النّاس»، و في لفظ:

«يا أهل الجمع، غضّوا أبصاركم، و نكّسوا رؤوسكم حتى تجوز فاطمة بنت محمّد إلى الجنّة» و في لفظ: «حتّى تمرّ على الصّراط،»

فتمر، و عليها ربطتان خضروان.

السادس عشر: في أولادها- رضي اللّه تعالى عنهم-.

قال الليث بن سعد- (رحمه اللّه تعالى)-: تزوّج عليّ فاطمة- رضي اللّه تعالى عنهما- فولدت حسنا و حسينا و محسنا- بميم مضمومة فحاء مفتوحة فسين مكسورة مشددة مهملتين-

51

- رضي اللّه تعالى عنهم- و زينب و أم كلثوم و رقية- رضي اللّه تعالى عنهنّ- مات محسن سقطا، و أم كلثوم كانت عند عمر بن الخطاب- رضي اللّه تعالى عنه- و ولدت ولدا قال أبو عمر: ولدت أمّ كلثوم بنت فاطمة- رضي اللّه تعالى عنهما- قبل وفاة سيّدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تزوجت زينب بنت فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- عبد اللّه بن جعفر- رضي اللّه تعالى عنهما- فماتت عنده و قد ولدت له عليا و عونا و جعفرا و عبّاسا و أمّ كلثوم أبناء عبد اللّه بن جعفر.

قال الشيخ- (رحمه اللّه تعالى)- في فتاويه: أولاد زينب المذكورة من عبد اللّه بن جعفر موجودون بكثرة و تكلّم عليهم من عشرة أوجه:

أحدها: أنهم من آل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أهل بيته بالإجماع، لأنّ آله هم المؤمنون من بني هاشم و المطلّب.

الثاني: أنهم من ذرّيّته بالإجماع.

الثالث: أنهم هل يشاركون أولاد الحسن و الحسين في أنهم ينسبون إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و الجواب: لا، و فرق بين من يسمى ولدا للرجل، و بين من ينسب إليه.

الرابع: هل يطلق عليهم أشراف؟.

الجواب: الشرف على مصطلح أهل مصر أنواع: عامّ لجميع أهل البيت، و خاصّ بالذرية، فيدخل فيه الزينبية و أخصّ منه شرف النّسبة، و هو مختص بذرّيّة الحسن و الحسين- رضي اللّه تعالى عنهما-.

الخامس: تحرم عليهم الصدقة بالإجماع، لأنّ بني جعفر من الآل.

السادس: يستحقّون سهم ذوي القربي بالإجماع.

السابع: يستحقون من وقف بركة الحبش بالإجماع، لأنّها وقفت نصفها على الأشراف، و هم أولاد الحسن و الحسين و نصفها على الطالبيين، و هم ذرّيّة عليّ بن أبي طالب،- رضي اللّه تعالى عنهم- من محمد بن الحنفيّة و أخويه و ذرّيّة جعفر بن أبي طالب و ذرية عقيل بن أبي طالب- رضي اللّه تعالى عنه- هذا الوقف على هذا الوجه على قاضي القضاة بدر الدين بن يوسف السنجاوي في ثاني عشر ربيع الآخر سنة أربعين و ستمائة، ثم اتّصل ثبوته على شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام تاسع عشر ربيع الآخر من السّنّة المذكورة، ثم اتصل ثبوته على قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ذكر ذلك ابن المتوج في كتابه «إيقاظ المتغفّل، و اتّعاظ المتوسل».

52

الثّامن: هل يلبسون العلامة الخضراء؟.

و الجواب: لا يمنع منها من أرادها من شريف أو غيره و لا يؤمر بها من تركها من شريف أو غيره، لأنّها إنما أحدثت سنة ثلاث و سبعين و سبعمائة بأمر الملك الأشرف شعبان بن حسين أقصى ما في الباب أنّه أحدث ليتميز بها هؤلاء عن غيرهم، و قد يستأنس لاختصاصها بهم بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ، قُلْ لِأَزْواجِكَ وَ بَناتِكَ وَ نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ، ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ‏ [الأحزاب/ 59] فقد استدل بها بعض العلماء على تخصيص أهل العلم بلباس يختصّون به من تطويل الأكمام، و إدارة الطيلسان و نحو ذلك، ليعرفوا فيجلّوا تكريما للعلم، و هذا وجه حسن و اللّه تعالى أعلم.

التاسع: هل يدخلون في الوصيّة على الأشراف أم لا؟!.

العاشر: هل يدخلون في الوقف على الأشراف أم لا؟!.

و الجواب: إن وجد في كلام الموصي و الواقف نصّ يقتضي دخولهم أو خروجهم اتبع و إن لم يوجد فيه ما يدل على هذا و لا هذا فقاعدة الفقه أن الوصيّة و الوقف ينزل على عرف البلد و عرف مصر من عهد الخلفاء الفاطميين إلى الآن.

إن الشريف لقب لكلّ حسن و حسينيّ خاصّة، فلا يدخلون على مقتضى هذا العرف، و إنما دخلوا في وقف بركة الحبش لأن واقفها نصّ في وقفه على أنّ نصفها للأشراف و نصفها للطّالبيين.

تنبيهات‏

الأوّل: قال ابن دريد: اشتقاق فاطمة من الفطم، و هو القطع، و منه فطم الصّبي إذا قطع عنه اللبن.

يقول الرجل للرجل: و اللّه لأفطمنّك عن كذا و كذا أي لأمنعنّك عنه.

و روى الخطيب و قال فيه مجاهيل، و أورده ابن الجوزي في «الموضوعات»، و تقدّم أن الحكم عليه بالوضع ليس بصواب عن ابن عبّاس- رضي اللّه تعالى عنهما- أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«إنّ اللّه تعالى إنّما سمّاها فاطمة، لأنّ اللّه تعالى فطمها و جنّبها عن النّار.

الثاني: تقدّم أنّ عليّا- رضي اللّه تعالى عنه- أصدقها درعا، و أنّه باع الدّرع، و بعض متاعه و أصدقها بأربعمائة درهم.

قال المحبّ الطّبري يشبه أن يكون العقد وقع على الدّرع كما دلّ عليه حديث عليّ و بعث بها عليّ ثم ردّها إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليبيعها، فباعها و أتاه بثمنها من غير أن يكون بين‏