سنن النبي (ص)

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
411 /
1

مقدمة المؤلف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السّلام على سيّدنا محمّد و آله الطّاهرين أجمعين.

قال محمّد حسين بن محمّد بن محمّد حسين الحسنيّ الحسينيّ عفى اللّه عن جرائمه:

هذا ما يسّر اللّه سبحانه لنا، و حبانا، من ايراد جمل ما روته المحدّثون من المسلمين، من سنن سيّدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حسب ما سمح به الوقت على ضيقه، و بلغ إليه باع التتبّع على قصره، و نسأله سبحانه من فضله أن يوفّقنا لامتثال قليله و كثيره، و الأخذ بخطيره و يسيره.

فقد قال سبحانه: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (1) و

قال (صلّى اللّه عليه و آله):

____________

(1) سورة الاحزاب: 21.

2

في وصيّته لعليّ (عليه السّلام): و السّادسة:

الأخذ بسنّتي في صلاتي، و صيامي و صدقتى الخبر

(1)

.

و قال علي (عليه السّلام):

«و من تأدّب بأدب اللّه، أدّاه ذلك إلى الفلاح الدائم» الخبر

(2)

. و قال الصّادق (عليه السّلام):

«إنّي لأكره للرّجل أن يموت و قد بقى خلّة من خلال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يأت بها» الخبر

(3)

.

و أنّ التأدّب بآدابه، و التخلّق بأخلاقه، و الاتصاف بظاهر سنّته و باطنها هو الكمال الأقصى و الغاية القصوى، و عنده خير الآخرة و الأولى.

و قد تركنا ايراد المكروهات، لاستقرار المذهب على أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما كان يصدر عنه المكروه و لا المباح بما أنّه مباح و مكروه. و العقل و النقل‏

____________

(1) محاسن برقى: باب وصايا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ص 13 و فى من لا يحضره الفقيه ص 523 و فى روضة الكافى ج 8 ص 79 و فى مجموعة الورام ص 5 ج 2 و فى روضة الواعظين للفتال ص 393 و فى الدعائم ج 2 ص 348.

(2) تفسير العسكرى عن الامام العسكرى (عليه السّلام) ص 6 و رواه في البحار ج 92 ص 214.

(3) مكارم الاخلاق للطبرسى ج 1 ص 41.

3

بذلك ناهض.

و اشترطنا على أنفسنا أن نحذف أسانيد الرّوايات ايثارا للاختصار، غير أنّا ذكرنا أسماء الكتب و مصنّفيها، و ميّزنا بين مسانيد الرّوايات و مراسيلها ليسهل على الباحث عن أصلها أن يرجع إلى مداركها و مباديها.

و قد أوردنا شمائله (صلّى اللّه عليه و آله) تيمّنا، و لما فيه من الدلالة على أخلاقه، و إن خرجت عن الغرض في وضع الكتاب. و لم نورد فيه وقائعه الجزئيّة و إنّما ذكرنا الجوامع و الجمل. و اللّه المستعان.

4

1 باب ما نورده من شمائله و جوامع أخلاقه (صلّى اللّه عليه و آله)

1- (1) عن ابن شهرآشوب في المناقب: الترمذي في الشّمائل، و الطبري في التاريخ، و الزمخشري في الفائق، و الفتّال في الرّوضة، رووا صفة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بروايات كثيرة.

منها: عن أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و ابن عبّاس، و أبي هريرة، و جابر بن سمرة، و هند بن أبي هاله:

أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان فخما مفخّما، و في العيون معظّما، و في القلوب مكرّما يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أزهر، منوّر اللّون، مشربا بحمرة، لم تزر به مقلة، لم تعبه ثجلة، أغرّ، أبلج، أحور، أدعج، أكحل، أزجّ، عظيم الهامة

____________

(1) المناقب ج 1 ص 155

5

رشيق القامة مقصدا.

واسع الجبين، أقنى العرنين، أشكل العينين، مقرون الحاجبين، سهل الخدّين صلتهما، طويل الزندين، شبح الذراعين، عظيم مشاشة المنكبين، طويل ما بين المنكبين شئن الكفّين، ضخم القدمين.

عارى الثديين، خمصان الأخمصين، مخطوط المتيتين، أهدب الأشفار، كث اللّحية ذا وفرة، وافر السبلة، أخضر الشمط. ضليع الفم، أشم، أغنب، مفلّج الأسنان، سبط الشعر، دقيق المسربة، معتدل الخلق، مفاض البطن، عريض الصدر كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضّة.

سائل الأطراف، منهوس العقب، قصير الحنك، دانى الجبهة، ضرب اللّحم بين الرجلين، كان في خاصرته انفتاق، قعم الأوصال، لم يكن بالطويل البائن، و لا

6

بالقصير الشائن، و لا بالطويل الممغّط، و لا بالقصير المتردّد، و لا بالجعد القطط و لا بالسبط، و لا بالمطهّم و لا بالمكلثم و لا بالأبيض الأمهق، ضخم الكراديس جليل المشاش، كنوز المنخر، لم يكن في بطنه و لا في صدره شعر إلّا موصل ما بين اللّبّة إلى السّرة كالخطّ، جليل الكتد، أجرد ذا مسربة، و كان أكثر شيبه في فودى رأسه.

و كانّ كفّه كفّ عطّار مسّها بطيب، رحب الرّاحة، سبط القصب، و كان إذا رضى و سرّ فكانّ وجهه المرآة، و كان فيه شي‏ء من صور، يخطو تكفّؤا، و يمشي هوينا، يبدو القوم إذا سارع إلى خير، و إذا مشى تقلّع كأنّما ينحطّ في صبب، إذا تبسّم يتبسّم عن مثل المنحدر من بطون الغمام، و إذا افتر، افتر عن سنا البرق إذا تلألأ.

7

لطيف الخلق، عظيم الخلق، ليّن الجانب. إذا طلع بوجهه على النّاس رأوا جبينه كأنّه ضوء السراج المتوقّد، كأنّ عرقه في وجهه اللّؤلؤ، و ريح عرقه أطيب من ريح المسك الأزفر، بين كتفيه خاتم النبوّة.

2- (2)

أبو هريرة:

كان يقبل جميعا، و يدبر جميعا.

3- (3)

جابر بن سمرة:

كان في ساقه حموشة.

4- (4)

أبو جحيفة:

كان قد سمط عارضاه و عنفقته بيضاء.

5- (5)

أمّ هاني:

رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذا ضفائر أربع. و الصّحيح أنّه كان له ذؤابتان و مبدؤها من هاشم.

____________

(2) المناقب ج 1 ص 155 و روى هذا المعنى فى الكافى عن ابى جعفر (عليه السّلام)

(3) ج 1 ص 155.

(4) ج 1 ص 155 و روى هذا المعنى فى المنتقى بحار ج 16 ص 191.

(5) ج 1 ص 155

8

6- (6)

أنس:

ما عددت في رأس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لحيته إلّا أربع عشرة شعرة بيضاء.

7- (7)

و يقال:

سبع عشرة.

8- (8)

ابن عمر:

إنّما كان شيبه نحوا من عشرين شعرة بيضاء.

9- (9)

البراء بن عازب:

كان يضرب شعره كتفيه.

10- (10)

أنس:

له لمّة إلى شحمة أذنيه.

11- (11)

عائشة:

كان شعره فوق الوفرة دون الجمّة.

____________

(6) ج 1 ص 155

و فى الفقيه: و روى‏

كان فى رأسه و لحيته سبع عشر شيبة

ص 29.

(7) المناقب ج 1 ص 155.

(8)» ج 1 ص 155 و روى هذا المعنى الشيخ الطوسى فى الامالى عن أنس: بحار ج 16 ص 193 و الصدوق فى الفقيه.

(9) المناقب ج 1 ص 155.

(10) ج 1 ص 155 روى هذا المعنى فى الكافى عن أبى عبد اللّه‏

(11) ج 1 ص 155

فى الفقيه:

و كان شعر رسول اللّه (ص) وفرة لم يبلغ الفرق‏

ص 31.

9

12- (12)

و في قصص الأنبياء:

لم يمض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في طريق فيتبعه أحد إلّا عرف أنّه سلكه، من طيب عرقه. و لم يكن يمرّ بحجر و لا شجر إلّا سجد له.

13- (13)

و عن الصفّار، في بصائر الدّرجات: مسندا عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

إنّا معاشر الأنبياء تنام عيوننا و لا تنام قلوبنا، و نرى من خلفنا كما نرى من بين أيدينا.

14- (14)

و عن القطب في الخرائج و الجرائح: من معجزاته (صلّى اللّه عليه و آله):

أنّ الأخبار

____________

(12) في البحار، ج 16 ص 172 نقلا عن القصص. و رواه الطبرسى فى المكارم عن جابر ج 1 ص 24.

(13) ص 42.

(14) ص 221- ص 40 رواه فى البحار ج 16 ص 175. و رواء الصدوق فى «اكمال الدين» فى حديث ملاقات سلمان مع النبيّ (ص) ص 165 و روى أيضا فى كتاب عبد الملك ص 99.

10

تواترت و اعترف بها الكافر و المؤمن بخاتم النّبوّة الّذي بين كتفيه، على شعرات متراكمة.

15- (15)

و في المناقب:

لم يقع ظلّه (صلّى اللّه عليه و آله) على الأرض.

16- (16)

و عن الكلينى في الكافي: مسندا، عن عليّ بن محمّد النوفلي، عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: ذكرت الصوت عنده. فقال:

إنّ عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) كان يقرأ، فربّما يمرّ به المارّ فصعق من حسن صوته، و أن الإمام لو أظهر من ذلك شيئا، لما احتمله النّاس من حسنه. قلت: و لم يكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي بالنّاس و يرفع صوته بالقرآن؟ فقال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يحمل النّاس من خلفه ما يطيقون.

أقول: و رويت هذه الأخبار أيضا بطرق اخرى كثيرة.

____________

(15) ج 1 ص 124 روى اكثر هذه المعانى فى الخرائج أيضا فارجع ص 221

(16) الاصول ج 2 ص 615 ط جديد. و رواء الطبرسى بعينه فى «الاحتجاج» ص 204.

11

17- (17)

و عن الصدوق في معانى الأخبار: بطريق، عن ابن أبي هالة التميمي عن الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) و بطريق آخر عن الرّضا، عن آبائه، عن عليّ بن الحسين، عن الحسن بن علىّ (عليهما السّلام). و بطريق آخر عن رجل من ولد أبي هالة، عن أبيه، عن الحسن بن علي (عليهما السّلام). قال:

سألت خالى «هند بن أبي هالة» و كان وصّافا للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنا أشتهى أن يصف لي منه شيئا لعلّي أتعلّق به.

فقال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فخما مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر أطول من المربوع، و أقصر من المشنّب، عظيم الهامة، رجل الشعر، ان تفرقت عقيقته فرّق، و إلّا فلا يجاوز شعره شحمة اذنيه اذا هو وفّره، أزهر اللّون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب، سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدرّه الغضب له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشمّ.

____________

(17) معانى الاخبار ص 79- 83 ط ايران «حيدرى».

12

كثّ اللّحية، سهل الخدّين، ضليع الفم، مفلّج، أشنب، مفلّج الأسنان، دقيق المسرية، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا سواء البطن و الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، عريض الصدر، أنور المتجرد، موصول ما بين اللّبة و السرة بشعر يجرى كالخطّ، عارى الثّديين و البطن ممّا سوى ذلك.

أشعر الذراعين، و المنكبين، و أعلى الصّدر، طويل الزندين، رحب الرّاحة شثن الكفّين، و القدمين. سائل الأطراف، سبط القصب، خمصان الأخمصين، فسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، اذا زال زال قلعا، يخطو تكفؤا، و يمشى هونا ذريع المشية، اذا مشى كأنّما ينحطّ في صبب، و إذا التفت، التفت جميعا.

خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء، جلّ نظره الملاحظة، يبدر من لقيه بالسّلام.

13

قال (عليه السّلام): فقلت له: صف لي منطقه: فقال: كان (صلّى اللّه عليه و آله) متواصل الأحزان دائم الفكر، ليس له راحة، طويل السكت: لا يتكلّم في غير حاجة، يفتتح الكلام و يختمه بأشداقه يتكلّم بجوامع الكلم فصلا لا فضول فيه، و لا تقصير، دمثا، ليس بالجافي و لا بالمهين، تعظم عنده النعمة، و ان دقّت، لا يذم منها شيئا، غير أنّه كان لا يذمّ ذواقا و لا يمدحه.

و لا تغضبه الدّنيا و ما نالها، فاذا تعوطى الحقّ لم يعرفه أحد، و لم يقم لغضبه شي‏ء حتّى ينتصر له، إذا أشار أشار بكفّه كلّها، و اذا تعجّب قلبها، و إذا تحدّث اتصل بها، فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، و إذا غضب أعرض و انشاح، و إذا غضب غضّ طرفه. جلّ ضحكه التبسّم، يفتر عن مثل حبّ الغمام.

14

قال الصّدوق (رحمه اللّه): إلى هنا رواية القاسم بن المنيع، عن إسماعيل ابن محمّد بن إسحاق بن جعفر بن محمّد، و الباقى رواية عبد الرحمن إلى آخره:- قال الحسن (عليه السّلام):

فكتمتها الحسين (عليه السّلام) زمانا ثمّ حدّثته به فوجدته قد سبقني إليه فسألته عنه فوجدته قد سأل أباه عن مدخل النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و مخرجه، و مجلسه، و شكله، فلم يدع منه شيئا.

قال الحسين (عليه السّلام):

سألت أبي عن مدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: كان دخوله في نفسه مأذونا في ذلك، فاذا آوى إلى منزله جزّى دخوله ثلاثة أجزاء: جزءا للّه و جزءا لأهله و جزءا لنفسه. ثمّ جزّى جزئه بينه و بين النّاس فيردّ ذلك بالخاصّة على العامّة و لا يدّخر عنهم منه شيئا، و كان من سيرته في جزء الأمّة ايثار أهل الفضل‏

15

بأدبه، و قسمه على قدر فضلهم في الدّين فمنهم: ذو الحاجة و منهم ذو الحاجتين و منهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم و يشغلهم فيما أصلحهم. و الأمة من مسألته عنهم و باخبارهم بالّذي ينبغي و يقول: ليبلّغ الشاهد منكم الغائب، و ابلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته، فانّه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يقدر على إبلاغها ثبّت اللّه قدميه يوم القيامة لا يذكر عنده إلّا ذلك، و لا يقبل من أحد غيره، يدخلون روّادا، و لا يفترقون إلّا عن ذواق و يخرجون أدلّة.

و سألته (عليه السّلام)، عن مخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كيف كان يصنع فيه؟ فقال (عليه السّلام):

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يخزن لسانه إلّا عمّا كان يعنيه، و يؤلّفهم و لا ينفّرهم، و يكرم كريم كلّ قوم و يولّيه عليهم، و يحذّر النّاس و يحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد بشره و لا خلقه، و يتفقّد أصحابه. و يسأل النّاس عمّا في النّاس‏

16

و يحسّن الحسن و يقوّيه، و يقبّح القبيح و يوهنه. معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا و يميلوا و لا يقصّر عن الحقّ و لا يجوزه، الّذين يلونه من النّاس خيارهم. أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة للمسلمين، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و موازرة.

قال: فسألته (عليه السّلام) عن مجلسه، فقال: كان لا يجلس و لا يقوم إلّا على ذكر لا يوطّن الأماكن و ينهى عن إيطانها، و إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس و يأمر بذلك. و يعطى كلّ جلسائه نصيبه و لا يحسب أحد من جلسائه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه صابره حتّى يكون هو المنصرف، من سأله حاجة لم يرجع إلّا بها أو ميسور من القول. قد وسع النّاس منه خلقه فصار لهم أبا

17

و صاروا عنده في الخلق سواء، مجلسه مجلس حلم و حياء، و صدق و أمانة. و لا ترفع فيه الأصوات و لا تؤبن فيه الحرم. و لا تثنى فلتاته، متعادلين متواصلين فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون الكبير و يرحمون الصغير و يؤثرون ذا الحاجة و يحفظون الغريب.

فقلت: كيف كان سيرته في جلسائه؟ فقال (عليه السّلام): كان دائم البشر سهل الخلق ليّن الجانب ليس بفظّ و لا غليظ و لا ضحّاك و لا فحّاش و لا عيّاب و لا مدّاح.

يتغافل عمّا لا يشتهى. فلا يؤيس منه، و لا يخيب فيه مؤمّليه. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء. و الإكثار، و ما لا يعنيه. و ترك النّاس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا و لا يعيّره، و لا يطلب عثراته، و لا عورته. و لا يتكلّم إلّا فيما رجى ثوابه إذا تكلّم أطرق جلسائه كأنّ على رءوسهم الطير. فاذا سكت تكلّموا، و لا يتنازعون‏

18

عنده الحديث. من تكلّم أنصتوا له، حتّى يفرغ. حديثهم عنده حديث أوّلهم.

يضحك ممّا يضحكون منه. و يتعجّب ممّا يتعجّبون منه، و يصبر للغريب على الجفوة في مسألته و منطقه، حتّى ان كان أصحابه يستجلبونهم، و يقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه. و لا يقبل الثّناء إلّا من مكافئ، و لا يقطع على أحد كلامه حتّى يجوز فيقطعه بنهى أو قيام.

قال: فسألته (عليه السّلام) عن سكوت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال (عليه السّلام): كان سكوته على أربع: على الحلم، و الحذر، و التقدير و التفكير. فأمّا التقدير ففى تسوية النظر و الاستماع بين النّاس. و أمّا تفكّره ففيما يبقى و يفنى. و جمع له الحلم‏

19

و الصبر. فكان لا يغضبه شي‏ء و لا يستفزّه، و جمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسن ليقتدي به، و تركه القبيح لينتهى عنه. و اجتهاده الرأى في صلاح أمته، و القيام فيما جمع له خير الدّنيا و الآخرة.

أقول:

و رواه في مكارم الأخلاق‏ (1) نقلا من كتاب محمّد بن إسحاق بن إبراهيم الطالقاني بروايته عن ثقاته، عن الحسن و الحسين (عليهما السّلام): قال في البحار: و هذا الخبر من الأخبار المشهورة روته العامّة في أكثر كتبهم.

18- (18)

و عن الطبرسى في مكارم الأخلاق: عن أنس بن مالك. قال:

إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان أزهر اللّون، كان لونه اللّؤلؤ، و إذا مشى تكفأ. و ما شممت‏

____________

(1) المكارم: ج 1 ص 9- 14 ط ايران «آخوندى» و فى البحار ج 16 ص 161 و فى كتب العامة فليراجع: الاحياء للغزالى و دلائل النبوة لابي نعيم و «السيرة» لابي اسحاق. و «المسند» و غيرها. و رواه الصدوق فى عيون اخبار الرضا ج 1 ص 316.

(18) المكارم ج 1 ص 24 و رواء الكازرونى، عن انس. و فى عوارف المعارف ص 245.

20

رائحة مسك و لا عنبر أطيب من رائحته و لا مسست ديباجا و لا حريرا، ألين من كفّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الخبر.

19- (19)

و عنه: عن كعب بن مالك قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا سرّه الأمر استنار وجهه كأنّه دارة القمر.

20- (20)

و عن الغزالي في الاحياء:

كان (صلّى اللّه عليه و آله) أفصح النّاس منطقا و أحلاهم و يقول: أنا أفصح العرب و أنّ أهل الجنّة يتكلّمون بلغة محمّد- إلى أن قال:- و كان (صلّى اللّه عليه و آله) يتكلّم بجوامع الكلم، لا فضول و لا تقصير، كأنّه يتبع بعضه بعضا بين كلامه توقّف يحفظه سامعه و يعيه. و كان (صلّى اللّه عليه و آله) جهير الصّوت، أحسن النّاس نغمه.

21- (21)

و في المناقب: عن عائشة

، قلت: يا رسول اللّه، إنّك تدخل الخلاء

____________

(19) المكارم ج 1 ص 18 و روى هذا المعنى فى «مجمع البيان» ج 5 ص 69

(20) الاحياء: ج 2 ص 363.

(21) المناقب: ج 1 ص 125 و رواه فى المكارم ج 1 ص 24.

21

فإذا خرجت، دخلت على أثرك فما أرى شيئا إلّا أنّي أجد رائحة المسك؟! فقال:

إنّا معاشر الأنبياء تنبت أجسادنا على أرواح الجنّة، فما يخرج منه شي‏ء إلّا ابتلعته الأرض.

22- (22)

و في المحاسن: عن عبد اللّه بن الفضل النوفليّ، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

خلق اللّه العقل، فقال له: أدبر، فأدبر.

ثمّ قال له: أقبل فأقبل. ثمّ قال: ما خلقت خلقا أحبّ إليّ منك، فأعطى اللّه محمّدا تسعة و تسعين جزء. ثمّ قسّم بين العباد جزء واحدا.

23- (23)

و عن الشيخ في التهذيب: باسناده عن إسحاق بن جعفر، عن أخيه موسى، عن آبائه، عن عليّ (عليهم السّلام) قال: سمعت النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يقول:

بعثت بمكارم الأخلاق و محاسنها.

____________

(22) المحاسن، ص 147 و رواه فى بصائر الدرجات ص 208.

(23) و رواه الطبرسى فى المجمع ج 10 ص 333 و البرقي فى المحاسن ص 209 و فى كتاب عوارف المعارف ص 232 و فى فقه الرضا المستدرك ج 2 ص 282.

22

24- (24)

و عن الصدوق في الفقيه: باسناده، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

إنّ اللّه تعالى خصّ رسوله بمكارم الأخلاق، فامتحنوا أنفسكم فان كانت فيكم فاحمدوا اللّه عزّ و جلّ و ارغبوا إليه في الزّيادة منها. فذكرها عشرة:

اليقين، و القناعة، و الصّبر، و الشّكر، و الحلم، و حسن الخلق، و السّخاء و الغيرة و الشجاعة، و المروّة.

أقول: و رواه الكلينى، و كذلك هو في ساير كتبه.

25- (25)

و في مكارم الأخلاق، نقلا من كتاب النبوّة: عن أنس، قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أشجع النّاس، و أحسن النّاس، و أجود النّاس. قال: لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق النّاس قبل الصوت. قال: فتلقّاهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد

____________

(24) الفقيه: ص 458 و رواه الصدوق أيضا فى المعانى ص 191 و فى الخصال باب العشرة. و الطبرسى فى المكارم ص 268 و فى تحف العقول ص 362 و الصدوق و المفيد فى أماليهما و الكلينى فى الكافى بسندين ج 2 ص 56.

(25) المكارم: ج 1 ص 17.

23

سبقهم و هو يقول: لم تراعوا، و هو على فرس لأبي طلحة و في عنقه السيف. قال:

فجعل يقول للنّاس: لم تراعوا، وجدناه بحرا، او انّه لبحر.

26- (26)

و فيه: عن عليّ (عليه السّلام) قال:

كنّا إذا احمرّ البأس و لقي القوم، القوم اتقينا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فما يكون أحد، أقرب إلى العدوّ منه.

27- (27)

و فيه: عن أبي سعيد الخدري، قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أشدّ حياء من العذراء في خدرها. و كان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه.

28- (28)

و في الكافي: مسندا، عن حفص بن غياث، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام):

يا حفص، إن من صبر صبر قليلا، و إنّ من جزع جزع قليلا. ثمّ قال: عليك‏

____________

(26) المكارم: ج 1 ص 17 و رواه الاربلى فى «كشف الغمة» ج 1 ص 9 و العياشى فى تفسيره و السيد الرضى فى نهج البلاغة الخطبة 836.

(27) المكارم ج 1 ص 17 و روى المعنى الاول فى تفسير العسكرى ص 63.

(28) الاصول ج 2 ص 88.

24

بالصبر في جميع امورك، فانّ اللّه عزّ و جلّ بعث محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) فأمره بالصبر و الرفق فقال: «

وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ‏ (1) وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ

» و قال: «

ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ (2)

السيّئة

فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏

» فصبر على ما نالوه بالعظائم و رموه بها فضاق صدره فأنزل اللّه عليه: «

وَ لَقَدْ نَعْلَمُ‏ (3) أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ‏

» ثمّ كذّبوه و رموه فحزن لذلك، فأنزل اللّه: «

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ‏ (4) الَّذِي يَقُولُونَ‏

____________

(1) سورة المزمل: 10

(2) فصلت: 35.

(3) الحجر: 97 و 98.

(4) الانعام: 33.

25

فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى‏ ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا

» فالزم النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نفسه الصّبر. فتعدّوا، فذكر اللّه تبارك و تعالى فكذّبوه، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): قد صبرت في نفسى و أهلى، و عرضى. و لا صبر لى على ذكر الهى. فأنزل اللّه عزّ و جلّ:

«

فَاصْبِرْ عَلى‏ (1) ما يَقُولُونَ‏

» فصبر في جميع أحواله. ثمّ بشّر في عترته بالائمّة و وصفوا بالصبر فقال عزّ ثنائه: «

وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ‏

»

(2)

فعند ذلك قال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد. فشكر اللّه ذلك له فأنزل اللّه: «

وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ‏ (3) الْحُسْنى‏ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ‏

»

____________

(1) ق: 38،

(2) السجدة: 26،

(3) الاعراف: 136،

26

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إنّه بشرى و انتقام. فأباح اللّه له قتال المشركين، فأنزل اللّه: «

فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ (1) حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ‏

» فقتلهم اللّه على يدى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أحبائه و جعل له ثواب صبره مع ما ادّخر له في الآخرة. فمن صبر و احتسب لم يخرج من الدّنيا حتّى يقرّ اللّه له عينه في أعدائه مع ما يدّخر له في الآخرة.

29- (29)

و في معانى الأخبار: باسناده، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، في حديث مرفوع إلى النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

جاء جبرئيل (عليه السّلام) فقال يا رسول اللّه: إنّ اللّه أرسلني إليك بهديّة، لم يعطها أحدا قبلك. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما هي؟ قال:

الصبر و أحسن منه، قال: و ما هو؟ قال: الرّضا، و أحسن منه. قال: و ما هو؟

قال: الزّهد و أحسن منه. قال: و ما هو؟ قال: الإخلاص و أحسن منه. قال:

____________

(1) التوبة: 6.

(29) المعانى: ص 261 و روى هذا المعنى ابن فهد فى عدة الداعى ص 84

27

و ما هو؟ قال: اليقين و أحسن منه. قال: قلت: ما هو يا جبرئيل؟ قال: إنّ مدرجة ذلك التوكّل على اللّه عزّ و جلّ. فقلت: و ما التوكّل على اللّه؟ قال: العلم بأنّ المخلوق لا يضرّ و لا ينفع، و لا يعطي و لا يمنع، و استعمال اليأس من الخلق، فاذا كان العبد كذلك، لا يعمل لأحد سوى اللّه، و لم يرج و لم يخف سوى اللّه و لم يطمع في أحد سوى اللّه، فهذا هو التوكّل.

قال: قلت يا جبرئيل: فما تفسير الصبر؟ قال: يصبر في الضّراء كما يصبر في السّراء. و في الفاقة كما يصبر في الغنى، و في البلاء كما يصبر في العافية، فلا يشكو حاله بما يصيبه من البلاء.

قلت: فما تفسير القناعة، قال: يقنع بما يصيبه من الدّنيا: يقنع بالقليل‏

28

و يشكر اليسير.

قلت: فما تفسير الرّضا؟ قال: الرّاضي لا يسخط على سيّده، أصاب من الدّنيا أم لم يصب، و لا يرضى لنفسه باليسير من العمل.

قلت: فما تفسير الزهد؟ قال: يحبّ من يحبّ خالفه، و يبغض من يبغض خالقه و يتحرّج من حلال الدّنيا و لا يلتفت إلى حرامها فانّ حلالها حساب و حرامها عقاب، و يرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه، و يتحرج من الكلام كما يتحرّج من الميتة الّتي قد اشتد نتنها، و يتحرّج من حطام الدّنيا و زينتها كما يتجنّب النّار أن يغشاها، و أن يقصر أمله، و كان بين عينيه أجله.

قلت: يا جبرئيل؟ فما تفسير الإخلاص؟ قال: المخلص، الّذي لا يسأل النّاس شيئا حتّى يجد و إذا وجد رضي و إذا بقى عنده شي‏ء أعطاه في اللّه. فان لم يسأل‏

29

المخلوق، فقد أقرّ للّه بالعبودية و إذا وجد فرضى فهو عن اللّه راض، و اللّه تبارك و تعالى عنه راض. و إذا أعطى اللّه عزّ و جلّ فهو على حدّ الثقة بربّه.

قلت: فما تفسير اليقين؟ قال: المؤمن يعمل للّه كأنّه يراه، فان لم يكن يراه فان اللّه يراه و أن يعلم يقينا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه و ما أخطأه لم يكن ليصيبه. و هذا كلّه أغصان التوكّل و مدرجة الزهد.

30- (30)

و في كتاب عاصم بن حميد الحناط: عن أبي بصير، قال: سمعت أبا- جعفر (عليه السّلام) يقول:

جاء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ملك فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرئك‏

____________

(30) ص 37 و رواه الصدوق في العيون ص 199 و تراه فى صحيفة الرضا ص 22.

و روى هذا المعنى الشيخ فى الامالى ج 2 ص 144 و ابن شهرآشوب فى المناقب ج 1 ص 178 و الطبرسى فى المكارم ج 1 ص 23. و روى أيضا هذا المعنى فى جامع الاخبار ص 126 و غيرها من الكتب. و مجالس المفيد ص 73 و فى الكافى ج 8 ص 131.

30

السّلام و هو يقول: إن شئت جعلت لك بطحاء مكّة، رضراض ذهب، قال: فرفع رأسه إلى السّماء فقال: يا ربّ أشبع يوما فأحمدك و أجوع يوما فأسألك.

31- (31)

و في الكافي: مسندا عن محمّد بن مسلم. قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يذكر أنّه أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ملك فقال:

إنّ اللّه يخيّرك أن تكون عبدا رسولا متواضعا، أو ملكا رسولا. قال: فنظر إلى جبرئيل (عليه السّلام)، و أومى بيده أن تواضع فقال: عبدا رسولا متواضعا. فقال الرّسول: مع أنّه لا ينقصك ممّا عند ربّك شيئا. قال و معه مفاتيح خزائن الأرض.

32- (32)

و في نهج البلاغة: قال (عليه السّلام):

فتأسّ بنبيّك الأطهر الأطيب- إلى‏

____________

(31) الاصول ج 2 ص 122 و روى هذا المعنى الطبرسى فى الاحتجاج ص 111 و الشيخ الطوسى فى الامالى ج 2 ص 144 و الصدوق فى الامالى و ابن شهرآشوب فى المناقب ج 1 ص 135 و قريبا منه فى الكافى ج 2 ص 129 و ج 8 ص 131 و البحار ج 18 ص 334.

(32) نهج البلاغة «الفيض» ص 500 و رواه الطبرسى فى المكارم ص 3 ج 1 و البحار ج 16 ص 289.

31

أن قال-: قضم الدّنيا قضما و لم يعرها طرفا، أهضم الدّنيا كشحا و أخمصم من الدّنيا بطنا، عرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها و علم أنّ اللّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه، و صغّر شيئا فصغّره. و لو لم يكن فينا إلّا حبّنا ما أبغض اللّه و تعظيمنا لما صغّر اللّه لكفى به شقاقا و محادّة عن أمر اللّه، و لقد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يأكل على الأرض و يجلس جلسة العبد و يخصف بيده نعله و يرقع ثوبه، و يركب الحمار العارى و يردف خلفه، و يكون الستر على باب بيته فيكون عليه التصاوير فيقول: يا فلانة- لاحدى أزواجه- غيّبيه عنّى فانّى إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا و زخارفها. فاعرض عن الدّنيا بقلبه و أمات ذكرها عن نفسه و أحبّ أن‏

32

تغيب زينتها عن عينيه، لكيلا يتّخذ منها ريشا و لا يعتقدها قرارا و لا يرجو فيها مقاما. فأخرجها من النفس و اشخصها عن القلب و غيّبها عن البصر. و كذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه و أن يذكر عنده.

33- (33)

و في الكافي: مسندا، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

ما أعجب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شي‏ء من الدّنيا إلّا أن يكون فيها جائعا خائفا.

أقول:

و روى هذا المعنى أيضا مسندا عن هشام و غيره، عنه (عليه السّلام).

34- (34)

و عن الطبرسى في الاحتجاج: عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عن الحسين بن علي (عليهم السّلام)- في خبر طويل يذكر فيه حالاته (صلّى اللّه عليه و آله)-

و كان يبكى حتّى يبتلّ مصلّاه خشية من اللّه عزّ و جلّ من غير جرم، الخبر.

____________

(33) ج 2 ص 129 و ج 8 ص 129.

(34) ص 113 و روى هذا المعنى فى الارشاد للديلمى ص 120.

33

35- (35)

و في المناقب:

و كان (صلّى اللّه عليه و آله) يبكى حتّى يغشى عليه فقيل له: أ ليس قد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر؟ فقال: أ فلا أكون عبدا شكورا. و كذلك كان غشيات عليّ بن أبي طالب وصيّه في مقاماته.

36- (36)

و عن الدّيلمي في الارشاد: و روى‏

أنّ إبراهيم (عليه السّلام) كان يسمع منه في صلاته أزبز كأزيز المرجل من خوف اللّه تعالى. و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كذلك.

37- (37)

و عن الشيخ أبي الفتوح في تفسيره: عن أبي سعيد الخدرى. قال:

لما نزل قوله تعالى: «

اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً

» اشتغل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بذكر اللّه حتّى‏

____________

(35) رواه فى المستدرك ج 2 ص 295 و قريبا منه ما فى الارشاد للديلمى باب 22 ص 120.

(36) باب الخوف ص 139 و روى هذا المعنى فى عدة الداعى ص 138 و فى عوارف المعارف ص 323.

(37) رواه فى المستدرك ج 1 ص 383.

34

قال الكفّار: أنّه جنّ.

38- (38)

و في الكافي: مسندا، عن زيد الشّحام، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يتوب إلى اللّه في كلّ يوم سبعين مرّة قلت: أ كان يقول: «استغفر اللّه و أتوب إليه»؟ قال: لا، و لكن كان يقول: «أتوب إلى اللّه» قلت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، يتوب و لا يعود و نحن نتوب و نعود. فقال: اللّه المستعان.

39- (39)

و فيه: مسندا، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام):

أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان لا يقوم من مجلس و إن خفّ حتّى يستغفر اللّه عزّ و جلّ خمسا و عشرين مرّة.

40- (40)

و في مكارم الأخلاق، نقلا من كتاب النبوّة: عن أمير المؤمنين (عليه السّلام)

____________

(38) ج 2 ص 505 و 450 و فى قرب الاسناد ص 79 و ابن أبى منصور فى كتابه ص 158 و فى المكارم ج 2 ص 365 و عدة الداعى ص 250.

(39) ج 2 ص 504 و رواه الطبرسى فى المكارم ج 2 ص 363 و فى عدة الداعى ص 250.

(40) ج 1 ص 16 و رواه المجلسى فى البحار ج 16 ص 194 عن كتاب الغارات للثقفى.

35

أنّه كان إذا وصف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: كان أجود النّاس كفّا و أجرأ النّاس صدرا، و أصدق النّاس لهجة و اوفاهم ذمّة و ألينهم عريكة و أكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه و من خالطه معرفة أحبّه، لم أر قبله و لا بعده مثله (صلّى اللّه عليه و آله).

41- (41)

و عن الشيخ في الأمالى: مسندا، عن محمّد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي، عن الرّضا، عن آبائه (عليهم السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

عليكم بمكارم الأخلاق فانّ اللّه بعثني بها، و إنّ من مكارم الأخلاق: أن يعفو الرّجل عمن ظلمه و يعطى من حرمه، و يصل من قطعه، و أن يعود من لا يعوده.

42- (42)

و في الكافي: عن عيسى بن عبد اللّه بن عمر بن علي، عن أبيه (عليه السّلام) قال:

كانت من أيمان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا، و أستغفر اللّه.

____________

(41) ج 2 ص 92

(42) ج 7 ص 463 و فى المكارم ج 2 ص 363.

36

43- (43)

و في مكارم الأخلاق: عن ابن عمر، قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، يعرف رضاه و سخطه في وجهه: كان إذا رضي فكأنّما يلاحك الجدر وجهه. و إذا غضب خسف لونه أسود

. 44- (44)

و في الكافي: مسندا، عن محمّد بن عرفة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

أ لا أخبركم بأشبهكم بى؟ قالوا: بلى، يا رسول اللّه. قال:

أحسنكم خلقا، و الينكم كنفا و أبركم بقرابته و أشدّكم حبّا لإخوانه في دينه و أصبركم على الحقّ، و أكظمكم للغيظ، و أحسنكم عفوا و أشدّكم من نفسه انصافا في الرّضا و الغضب.

45- (45)

و عن الغزالى في الاحياء:

و كان (صلّى اللّه عليه و آله)، إذا اشتدّ وجده أكثر من‏

____________

(43) ج 1 ص 18

(44) ج 2 ص 241 و فى المكارم ج 2 ص 517 و أمالي الصدوق ص 270 و تحف العقول ص 48.

(45) ج 2 ص 378.

37

مس لحيته الكريمة.

46- (46)

و فيه: قال:

و كان (صلّى اللّه عليه و آله) أسخى النّاس لا يبيت عنده دينار، و لا درهم و إن فضل شي‏ء و لم يجد من يعطيه و فجاء اللّيل، لم يأو إلى منزله حتّى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ ممّا آتاه اللّه إلّا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من التمر و الشعير. و يضع ساير ذلك في سبيل اللّه، لا يسأل شيئا إلّا أعطاه، ثمّ يعود إلى قوت عامه، فيؤثر منه، حتّى أنّه ربّما احتاج قبل انقضاء العام، ان لم يأته شي‏ء- إلى أن قال: و ينفذ الحقّ و إن عاد ذلك عليه بالضّرر، أو على أصحابه- إلى أن قال: و يمشى وحده بين أعدائه بلا حارس- إلى أن قال:- لا يهوله شي‏ء من أمور الدّنيا- إلى أن قال:- و يجالس الفقراء، و يواكل المساكين و يكرم أهل الفضل في أخلاقهم، و يتألّف أهل الشرف بالبرّ لهم، يصل ذوى رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم، لا يجفو على أحد. يقبل معذرة المعتذر

____________

(46) ج 2 ص 354 و 360 و روى أكثر هذه المعانى فى المناقب ج 1 ص 145

38

إليه- إلى أن قال:- و كان له عبيد و إماء من غير أن يرتفع عليهم في مأكل و لا ملبس و لا يمضي له وقت في غير عمل اللّه تعالى، أو لما لا بدّ منه، من صلاح نفسه.

يخرج إلى بساتين أصحابه، لا يحتقر مسكينا لفقره، او زمانته، و لا يهاب ملكا لملكه، يدعو هذا و هذا إلى اللّه دعاء مستويا.

47- (47)

و فيه: قال:

و كان أبعد النّاس غضبا و اسرعهم رضا، و كان أرأف النّاس بالنّاس، و خير النّاس للناس. و أنفع الناس للناس.

48- (48)

و فيه: قال:

و كان (صلّى اللّه عليه و آله) إذا سرّ و رضي فهو أحسن النّاس رضيّ، فان وعظ، وعظ بجدّ، و إن غضب و لا يغضب إلّا للّه، لم يقم لغضبه شي‏ء. و

____________

(47) ج 2 ص 363.

(48) ج 2 ص 366.

39

كذلك كان في أموره كلّها، و كان إذا نزل به الأمر فوّض الأمر إلى اللّه و تبرّأ من الحول و القوّة، و استنزل الهدى.

49- (49)

و في الكافي: مسندا، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

ألا إنّ لكلّ عبادة شرة ثمّ تصير إلى فترة، فمن صارت شرة عبادته إلى سنّتي فقد اهتدى، و من خالف سنّتي فقد ضلّ، و كان عمله في تبار، أما إنّي اصلي و أنام، و أصوم، و افطر، و اضحك، و أبكى. فمن رغب عن منهاجى و سنّتى فليس منّى.

أقول: و الأخبار في معاني ما مرّ لا يحصى كثرة. و إنّما أوردنا من كلّ باب خبرا. او خبرين. و أمّا وقايعه الجزئيّة فأكثر.

____________

(49) ج 2 ص 85.

40

2 باب ما نورده من سننه (صلّى اللّه عليه و آله) في العشرة

50- (50)

في الكافي: مسندا، عن «بحر السقاء» عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

قال لي أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يا بحر! حسن الخلق يسر- ثمّ ذكر حديثا معناه:- إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان حسن الخلق.

51- (51)

عن الصدوق في العلل: عن الحسين بن موسى، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السّلام) قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مكفّرا لا يشكر معروفه، و لقد كان معروفه على القرشيّ و العربيّ، و العجميّ، و من كان أعظم معروفا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على هذا الخلق. و كذلك نحن أهل البيت مكفرون لا يشكر معروفنا و كذلك خيار المؤمنين لا يشكر معروفهم.

____________

(50) ج 2 ص 102.

(51) ج 2 ص 247.

41

52- (52)

و عن الدّيلمي في الارشاد قال:

كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يرقع ثوبه و يخصف نعله، و يحلب شاته، و يأكل مع العبد، و يجلس على الارض، و يركب الحمار و يردف. و لا يمنعه الحياء أن يحمل حاجته من السوق إلى أهله، و يصافح الغنيّ و الفقير، و لا ينزع يده من يد أحد حتّى ينزعها هو. و يسلّم على من استقبله، من غنيّ و فقير، و كبير و صغير. و لا يحقّر ما دعى إليه، و لو إلى حشف التمر. و كان خفيف المؤنة كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بسّاما من غير ضحك، محزونا من غير عبوس، متواضعا من غير مذلّة. جوادا من غير سرف، رقيق القلب: رحيما بكلّ مسلم. و لم يتجشّ من شبع قطّ، و لم يمدّ يده إلى طمع قطّ.

____________

(52) باب 32 ص 155.

42

53- (53)

و في «مكارم الأخلاق»: عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

كان ينظر في المرآة و يرجّل جمّته، و يمتشط، و ربّما نظر في الماء و سوّى جمّته فيه. و لقد كان يتجمّل لاصحابه، فضلا على تجمّله لاهله. و قال: إنّ اللّه يحبّ من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيّأ لهم و يتجمّل.

54- (54)

و عن الصدوق في «العلل» و «عيون الاخبار»: مسندا عن الرّضا (عليه السّلام) عن آبائه. قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

خمس لا أدعهنّ حتّى الممات: الاكل على الارض مع العبيد، و ركوبى مؤكّفا، و حلبي العنز بيدى، و لبس الصوف و التسليم على الصبيان، ليكون سنّة من بعدي.

أقول: و روى هذا المعنى في المجالس إيضا.

____________

(53) ج 1 ص 36.

(54) علل الشرائع ج 1 ص 124 و عيون ج 2 ص 81 و خصال باب الخمس و مجالس الصدوق ص 72 و مكارم ج 1 ص 131 و مجموعة الورام ج 3 ص 156 و فى بعضها: و خصفى النعل بيدى.

43

55- (55)

و عن القطب في «لبّ اللّباب»: عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

أنّه كان يسلّم على الصغير و الكبير.

56- (56)

و عن الصدوق في الفقيه: عن أمير المؤمنين (عليه السّلام)،

أنّه قال لرجل من بنى سعد: أ لا أحدّثك عنّي و عن فاطمة- إلى أن قال:- فغدا علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و نحن في لحافنا. فقال: السّلام عليكم. فسكتنا و استحيينا لمكاننا. ثمّ قال: السّلام عليكم، فسكتنا، ثمّ قال: السّلام عليكم فخشينا إن لم نردّ عليه أن ينصرف، و قد كان يفعل ذلك، فيسلّم ثلاثا، فان اذن له و الّا انصرف. فقلنا: و عليك السّلام يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ادخل، فدخل.

الخبر.

57- (57)

و في الكافي: مسندا، عن ربعيّ بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)،

____________

(55) المستدرك ج 2 ص 69.

(56) ص 88 و فى العلل ج 2 ص 55 و فى المستدرك ج 2 ص 69 و ص 557.

(57) ج 2 ص 648 و ج 5 ص 535 و فى الفقيه ص 433 و فى المستدرك ج 2 ص 70 و ص 558.

44

قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يسلّم على النساء و يردّون (عليه السّلام). و كان أمير المؤمنين (عليه السّلام) يسلّم على النساء و كان يكره أن يسلّم على الشابّة منّهن و يقول: أتخوف أن يعجبني صوتها فيدخل علىّ أكثر ممّا أطلب من الاجر.

أقول:

و رواه الصدوق مرسلا. و كذا سبط الطبرسى في المشكاة، نقلا عن المحاسن.

58- (58)

و فيه: مسندا، عن عبد العظيم بن عبد اللّه بن الحسن العلوي- (رحمه اللّه)- رفعه قال:

كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يجلس ثلاثا: القرفصاء، و هو أن يقيم ساقيه و يستقبلهما بيده، و يشدّ يده في ذراعه. و كان يجثو على ركبتيه، و كان يثنّي رجلا واحدا و يبسط عليها الاخرى. و لم ير متربعا قطّ.

____________

(58) ج 2 ص 661 و فى المكارم ج 1 ص 25 و فى المستدرك ج 2 ص 75.

45

59- (59)

و في المكارم، نقلا من كتاب النبوّة: عن علي (عليه السّلام) قال:

ما صافح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أحدا قطّ فنزع يده من يده، حتّى يكون هو الّذي ينزع يده. و ما فاوضه أحد قطّ في حاجة، أو حديث فانصرف حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينصرف.

و ما نازعه أحد الحديث فيسكت حتّى يكون هو الّذي يسكت. و ما رؤي مقدّما رجله بين يدي جليس له قطّ. و لا خيّر بين أمرين إلّا أخذ بأشدّهما. و ما انتصر لنفسه من مظلمة حتّى ينتهك محارم اللّه فيكون حينئذ غضبه للّه تبارك و تعالى و ما أكل متّكئا قطّ حتّى فارق الدّنيا.

و ما سئل شيئا قطّ، فقال: لا. و ما ردّ سائل حاجة قطّ: إلّا أتى بها، أو بميسور من القول: و كان أخفّ النّاس صلاة في تمام. و كان أقصر النّاس خطبة

____________

(59) ج 1 ص 22.

46

و أقلّهم هذرا. و كان يعرف بالرّيح الطيّب إذا أقبل. و كان إذا أكل مع القوم كان أوّل من يبدأ و آخر من يرفع يده، و كان إذا أكل، أكل ممّا يليه، فاذا كان الرطب و التمر جالت يده.

و إذا شرب، شرب ثلاثة أنفاس، و كان يمصّ الماء مصّا، و لا يعبّه عبّا. و كان يمينه لطعامه، و كان شماله لما سوى ذلك من بدنه. و كان يحبّ التيمّن في جميع أموره، في لبسه و تنعله و ترجّله، و كان إذا دعا، دعا ثلاثا، و إذا تكلّم، تكلّم وفرا، و إذا استأذن، استأذن ثلاثا. و كان كلامه فصلا يتبيّنه كلّ من سمعه و إذا تكلّم رئي كالنّور يخرج من بين ثناياه. و إذا رأيته قلت. أفلج، و ليس بأفلج.

و كان نظره اللحظ بعينه، و كان لا يكلّم أحدا بشي‏ء يكرهه. و كان إذا مشى كأنّما ينحطّ في صبب. و كان يقول: إنّ خياركم أحسنكم أخلاقا. و كان‏

47

لا يذم ذواقا، و لا يمدحه، و لا يتنازع أصحابه الحديث عنده. و كان المحدّث عنه يقول: لم أربعينيّ مثله قبله و لا بعده (صلّى اللّه عليه و آله).

60- (60)

و في الكافي: مسندا، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقسّم لحظاته بين أصحابه فينظر إلى ذا، و ينظر إلى ذا بالسّوية قال: و لم يبسط رسول اللّه رجليه بين أصحابه قطّ. و إن كان ليصافحه الرّجل فما يترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يده. حتّى يكون هو التارك. فلمّا فطنوا لذلك كان الرّجل إذا صافحه مال بيده فنزعها من يده.

أقول: و روى هذا المعنى بطريقين آخرين. في أحدهما:

و ما منع سائلا قطّ، إن كان عنده أعطى و إلّا قال: يأتي اللّه به.

____________

(60) ج 2 ص 671 و فى مجمع البيان ج 8 ص 164 و روى هذه المعانى فى المكارم و تفسير العياشى فراجع المستدرك ج 1 ص 538 و ج 2 ص 81.

48

61- (61)

و عن العيّاشي في تفسيره: عن صفوان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام). و عن سعد الاسكاف في حديث شريف في حلية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى أن قال:

- و إذا جلس لم يحلّ حبوته حتّى يقوم جليسه.

62- (62)

و في المكارم، قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا حدّث بحديث تبسّم في حديثه.

63- (63)

و فيه: عن يونس الشيباني، قال:

قال لي أبو عبد اللّه (عليه السّلام): كيف مداعبة بعضكم بعضا؟ قلت: قليلا، قال: فلا تفعلوا؟ فانّ المداعبة من حسن الخلق و إنّك لتدخل بها السرور على أخيك. و لقد كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يداعب الرّجل، يريد به أن يسرّه.

____________

(61) ج 1 ص 203.

(62) ج 1 ص 20.

(63) ج 1 ص 21 و فى الكافى ج 2 ص 663.

49

64- (64)

و عن أبي القاسم الكوفي في كتاب «الاخلاق»: عن الصادق (عليه السّلام) قال:

ما من مؤمن إلّا و فيه دعابة. و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يداعب و لا يقول إلّا حقّا.

65- (65)

و في الكافي: مسندا، عن معمّر بن خلّاد، قال:

سألت أبا الحسن (عليه السّلام) فقلت: جعلت فداك الرّجل يكون مع القوم، فيمضى بينهم كلام يمزحون و يضحكون فقال: لا بأس ما لم يكن- فظننت أنّه عنى الفحش- ثمّ قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يأتيه الأعرابي فيأتي إليه الهديّة ثمّ يقول مكانه: أعطنا ثمن هديتنا. فيضحك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). و كان إذا اغتمّ يقول: ما فعل الأعرابى أتانا.

أقول: و الأخبار في هذا المعنى كثيرة جدا.

____________

(64) رواه فى المستدرك ج 2 ص 76 و فى كشف الغمة ج 1 ص 9 و ص 20 و فى المناقب و عوارف المعارف ص 256.

(65) ج 2 ص 663 و راجع أيضا المناقب ج 1 ص 101 و البحار ج 16 ص 294.

50

66- (66)

و في الكافي. مسندا، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أكثر ما يجلس تجاه القبلة.

67- (67)

و في المكارم، قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة، فيضعه في حجره تكرمة لأهله. و ربّما بال الصبيّ عليه فيصيح بعض من رآه حين يبول، فيقول (صلّى اللّه عليه و آله): لا تزرموا بالصبيّ حتّى يقضي بوله، ثمّ يفرغ له من دعائه او تسميته و يبلغ سرور أهله فيه- و لا يرون أنّه يتأذى ببول صبيّهم. فاذا انصرفوا غسل ثوبه بعده.

68- (68)

و فيه: روى أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)

كان لا يدع أحدا يمشى معه، إذا

____________

(66) ج 2 ص 661 و روى هذا المعنى فى المكارم ج 1 ص 25 و فى المستدرك عن المشكاة ج 2 ص 76.

(67) ج 1 ص 25.

(68) ج 1 ص 22