سيرة ابن إسحاق

- محمد بن إسحاق بن يسار المزيد...
381 /
5

[القطعة الأولى من كتاب المغازي.]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدمة المحقق‏

عند ما ظهر الإسلام كان عرب شماليون كثيرون من قطّان المدن كمكة و يثرب و الطائف يقرءون و يكتبون؛ ذلك أنّ شمال الجزيرة كان يشهد منذ النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي حقبة ازدهار اقتصادي و سياسي متصل.

كانت الدويلات التي أقامها الفرس و البيزنطيون على أطراف الجزيرة أو في داخلها قد ضعفت أو سقطت، و كانت اليمن قد فقدت حكومتها المركزية القوية ثم سقطت في قبضة الأحباش ثم الفرس؛ فرافق ذلك صعود شمال الجزيرة بزعامة مكة التي تحولت إلى ما يشبه جمهورية ارستقراطية سيطرت على طرق التجارة و أسواقها في الجزيرة، و أقامت نظام «الإيلاف» الذي نظّم العلاقات بين الحضر و البدو في الداخل من جهة و مع الدول المجاورة من جهة أخرى‏ (1).

و طبيعيّ أن تتعرض مكة و يتعرض محيطها و قد أصبحت مركزا تجاريا رئيسيا إلى جانب مكانتها الدينية عند العرب منذ القديم؛ طبيعي أن تتعرض لتأثيرات خارجية دينية و ثقافية و سياسية. و هكذا فقد عرفت مكة كما عرف شمال‏

____________

(1) قارن: نقائض جرير و الفرزدق 2/ 581، 638، ديوان جرير 1/ 261- 262،

. 113- 116. Kister: Mecca and Tamim`in`JeshO VIII` 1965 ` P.. 32- 27 neibarA ni negnukcedtnE: leksaC Arabica X` 1963. Grunebaum: The Natur of Arabe Unity Before Islam`in:

6

الجزيرة الديانتين اليهودية و النصرانية، كما عرفت أخبارا من أخبار الفرس و الروم و عرفت أيضا بعض التقاليد الثقافية التي كانت سائدة في منطقة ما يسمّى بمنطقة «الثقافية الهيللينية» (1). إلى جانب هذه التقاليد الحضارية الخارجية التي وصلت إلى مكة؛ تكوّنت في مكة نفسها تقاليد ثقافية خاصة بها و بشمال الجزيرة بشكل عام. كان من ضمن هذه التقاليد الخطّ العربي المستعار في الأصل من الأنباط (2). هذا الخطّ الذي وصلت إلينا نماذج من تطوراته الأولى تعود إلى مطلع القرن الرابع الميلادي ما لبث أن انتشر و سيطر في الأصقاع التي انتشرت فيها تجارة مكة و أسواقها في شمالي الجزيرة و جنوبيها (3).

و لا شك أنّ شباب قريش الذين كانوا في أكثرهم تجارا، و كانوا يعقدون المعاهدات، و يسجّلون العقود و يحتاجون إلى كتابة الرسائل كانوا يعرفون في أكثرهم الكتابة العربية، و القرآن الذي ترد فيه إشارات كثيرة إلى الكتب و الكتابة و العقود و النظم التجارية شاهد صريح على كون هذه الأمور كلها معروفة و ممارسة لديهم‏ (4). و كتب السيرة و التاريخ و الطبقات تؤكّد ذلك بذكر أسماء أشخاص بعينهم في مكة و المدينة كانوا يحسنون الكتابة و القراءة، كما تذكر تقليدا آخر- ربما كان خاصا بالمدينة المنورة- مفاده أنّ أولئك الذين كانوا يحسنون الكتابة و السباحة و الرمي كانوا يسمّون «الكملة»، و كان منهم بين الأنصار عدد ليس بالقليل‏ (5).

____________

(1) قارن:

E .Rosenthal :Das Fortleben der Autike im Islam 8 ff ..

(2) قارن:

Abbot`N .:The Rise of The North Arabic Script .Chicago 1939 ..

(3) قارن:

- Altheim- Stiehl: Die AraberII` 313 ff. Dussaud: La Penetration des Arabes 64

جواد علي: المفصل 3/ 191 و ما بعدها.

(4) القرآن 23/ 282، و قارن ناصر الدين الاسد: مصادر الشعر الجاهلي 41- 133.

(5) طبقات ابن سعد 3/ 136، فتوح البلدان 473- 477.

7

كان لا بد من هذه المقدمة الموجزة للوصول إلى التساؤل الملحّ فيما يتصل «بالوعي التاريخي» عند العرب وجودا و أساسا و تطوّرا. نحن نعرف الآن من خلال النقوش العربية الجنوبية أنّ الجنوبيين كانوا يؤرخون لكل شي‏ء (1)، كما أن الكتابات العربية الشمالية الأولى مؤرّخة. ثم إننا نعرف أن المكيين كانوا يتداولون قصصا و أسمارا فيما بينهم بعضها يتصل بماضي الجزيرة و الآخر بالدول و الحضارات المجاورة. و عند ما توفي النبي و بدأ تكوين الأساس الإداري للدولة العربية- الإسلامية الجديدة سارع الخليفة الثاني عمر بن الخطاب إلى اعتبار الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة بداية تاريخية للدولة الجديدة و الدعوة الجديدة.

الوعي التاريخي العربي الأوّلي الذي نشأ نتيجة إحساس مكة و الشماليين بأنفسهم تدعم بالدعوة الجديدة و نشأة مفهوم «الأمة» و الدولة. يضاف إلى ذلك أن الصراعات القبلية بدأت مع الفتوحات و إنشاء الأمصار، كما بدأ صراع بين السلطة المركزية من جهة و رجال القبائل من جهة أخرى. و طبيعي أن تحاول كل قبيلة إنشاء «صورة تاريخية» خاصة بها دفاعا عن الذات، في الوقت الذي كانت فيه السلطة تحاول القيام بالأمر نفسه. هذا كله يدفعنا إلى القول بأنّ الوعي التاريخي العربي كما بدا في كتابات مؤرخي القرن الثاني الهجري هو وعي أصيل نشأ في البيئة العربية، و إن يكن قد تعرّض لتأثيرات خارجية فلا شك أن هذه التأثيرات بقيت عرضية (2).

أولى الاهتمامات التاريخية في القرن الأول الهجري كانت بالسيرة النبوية،

____________

(1) قارن بروزنتال: علم التاريخ عند المسلمين 21- 22 (ترجمة د. العلي).

(2)

in: Arabica X` 1963. Grunebom`The Nature of Arab Unity Before Ialam`

روزنتال: علم التاريخ عند المسلمين 33 و ما بعدها.

Grunebaum (II` 1969. in: Theology and Law in Islam) ed. G. E. von Braune`W. Histoical Consciousness in Islam 38- 43

8

بالتاريخ القريب للأمة الناشئة. كان المجتمع يتطلع إلى محاولة «إعادة امتلاك» تلك التجربة التاريخية الفريدة، تجربة النبوة و المجتمع المثالي الأول. كان لا بد من «صورة تاريخية» تدعم فكرة الأمة و المجتمع الناشى‏ء، ثم إنّ الفتوحات و الاتصال بالأمم الأخرى، كل ذلك أبرز مشاكل جديدة رجوا حلّها باستعادة تجربة الوحي و الإدارة و الغزوات أيام الرسول، سيرة النبي، كتبت ضمن منظور تاريخي واسع يجعلها خاتمة تجارب الأمم التي عاشت أنبياء و نبوات أو كانت لها صلة من أي نوع بفكرة التوحيد. هذا المنظور التاريخي العالمي استمد مصادره من القرآن و معارف العرب التقليدية و ما عرفوه من خلال معايشتهم لأهل الكتاب في الأقطار المفتوحة، و من خلال معايشتهم للشعوب غير الكتابية. تلا الاهتمام بالسيرة و خلفيتها اهتمام مماثل بأخبار العرب في جاهليتهم فيما يسمّى بأيام العرب نتيجة الصراعات القبلية، هذا بالإضافة إلى «الصور التاريخية» التي بدأت تنشأ عن التاريخ السياسي للدولة الإسلامية خلال الصراع بين السلطة الحاكمة و الأحزاب السياسية الدينية التي تصدّت للسلطة الأموية و قاومتها (1).

اهتمّ بالسيرة النبوية و بخلفيتها التاريخية أشخاص عديدون في القرنين الأول و الثاني الهجريين، منهم وهب بن منبّه و أبان بن عثمان بن عفان و عروة بن الزبير و شرحبيل بن سعد، و عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم و عاصم بن عمر بن قتادة و محمد بن مسلم بن شهاب الزهري و موسى بن عقبة و هشام بن عروة بن الزبير و محمد بن إسحاق. و لقد وصلتنا قطع من كتاب وهب بن منبه (34- 114 ه/ 654- 732 م) في المغازي‏ (2)، كما وصلتنا أجزاء من كتابات محمد بن مسلم‏

____________

(1) عبد العزيز الدوري: علم التاريخ عند العرب 17- 20.

(2) نشرها ج. ر. خوري بهايدلبرغ.

9

ابن شهاب الزهري (124 ه/ 741 م) في السيرة في كتاب المصنّف لعبد الرزاق ابن همام الصنعاني (211 ه/ 826 م)، و يعتبر كل من موسى بن عقبة (141 ه/ 758 م) و محمد بن إسحاق (85- 151 ه/ 705- 768 م) أهمّ ممثّلي المرحلة الثانية من مراحل كتابة السيرة، و أقدم من كتب في ظل العباسيين، و قد وصلت إلينا قطعة صغيرة من كتاب موسى بن عقبة في المغازي نشرت سنة 1904 م. و من دراسة هذه القطعة يتبين اهتمام موسى بالترتيب الزمني و بذكر تواريخ الحوادث، و باستعماله للأسانيد بدقة، ثم باعتماده شبه الكلي على شيخه الزهري‏ (1).

مهما تكن أهمية أعمال أمثال الزهري و موسى بن عقبة، فإن عمل ابن إسحاق يبقى الأساسيّ فيما يتصل بالسيرة و إلى حدّ ما بالتاريخ. و تكمن أهميته كمؤرّخ في استيعابه لتجارب شيوخه، و في تطويرها و إعادة تنظيمها من خلال فهمه الجديد للتاريخ، و من خلال نظرته الشاملة النابعة من ثقافته الواسعة و إدراكه للمغزى السياسي «للصورة التاريخية». من هنا صار ابن إسحاق شيخ كتّاب السيرة، و صار من كتبوا بعده عيالا عليه. و قد شعر كاتب سيرة كابن سيّد الناس بعد ذلك بقرون أنّ سيرة النبي نفسها و قيمتها التاريخية تتعرضان للخطر إن تعرضت الثقة بابن إسحاق المؤرّخ للتساؤل، لذا فقد رأى واجبا عليه أن يعقد في مطلع سيرته فصلا للدفاع عن ابن إسحاق في وجه ناقديه‏ (2).

____________

(1) عن كتاب السيرة الأوائل، قارن مقالات هوروفتر في‏Islamic Cuture I`II و قد ترجمها د. حسين نصار بعنوان «المغازي الأول و مؤلفوها» 1949. و قارن، عبد العزيز الدوري: علم التاريخ عند العرب 20- 27.

(2) عيون الأثر 1/ 10- 17.

10

و مع أنّ الدراسات عن ابن إسحاق تعددت منذ مطلع هذا القرن‏ (1)، لكنّ هناك صعوبات لا يمكن تخطّيها تحول دون الوصول إلى نتائج يطمأنّ إليها في هذا المجال. إن المادة التي اعتمدت عليها هذه الدراسات قليلة و غير أصيلة تماما، ذلك أنّ ما كتبه ابن إسحاق لم يصل إلينا بشكله الأول، بل وصلنا بعد تهذيبه و تعديله من قبل آخرين أشهرهم و أهمهم ابن هشام. و كنت قد حصلت منذ سنوات على مصوّرة لقطعة من سيرة ابن إسحاق موجودة بالمغرب، ضممتها إلى أوراق من قسم المغازي موجودة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، ثم قمت بمقارنة الموادّ و الأخبار الموجودة في هاتين القطعتين بما عند ابن هشام مما يقابلهما فاتضحت لي أهمية نشرهما.

ولد محمد بن إسحاق بالمدينة حوالي عام 85 ه/ 705 م‏ (2)، و بها نشأ و أدرك بعض الصحابة، لكنّ أكثر سماعه كان من أبناء الصحابة. و قد سمع من أبيه و كبار التابعين بالمدينة، ثم رحل في طلب العلم إلى مصر، و نحن نعلم أنه كان بالإسكندرية عام 119 ه/ 738 م، ثم عاد إلى المدينة و بدأت شهرته بسعة الرواية تنتشر. و إلى هذه الفترة تعود منازعاته مع عالمي المدينة المشهورين آنذاك: هشام بن عروة بن الزبير (- 146 ه)، و مالك بن أنس (- 179 ه). أما هشام بن عروة فقد اتهمه بالكذب لأنه كان يروي عن زوجته فاطمة بنت المنذر بن الزبير، و كان هشام بن عروة ينكر سماع‏

____________

(1) كتب يوهان فك دراسة عنه (عام 1925)، كما نشر فيشر أسماء الرجال الذين رووا عنه. و درس هوروفتز عمله في مقالاته السالفة الذكر، و قارن الدوري 27- 32.

(2) أهم ترجماته في المصادر، طبقات فحول الشعراء لابن سلام 8، 11، 206، طبقات ابن سعد 6/ 396، المعارف 491، الفهرست 92، تاريخ بغداد 1/ 214، معجم الأدباء 18/ 5 و ما بعدها، وفيات الأعيان 4/ 276- 277، تاريخ الاسلام 6/ 375- 378، ميزان الاعتدال 3/ 468، تذكرة الحفاظ 2/ 172، تهذيب التهذيب 9/ 38، عيون الأثر 1/ 10- 17.

11

ابن إسحاق لها و يقول: أ هو كان يدخل على امرأتي‏ (1)؟. و ربما رمى هشام بن عروة من وراء ذلك إلى الحطّ من منزلة ابن إسحاق لأنه كان مولى، فقد احتل خالد بن الوليد عام 12 ه/ 633 م مدينة عين التمر بالعراق و أسر فتيانا كانوا يدرسون في دير هناك، و كان من هؤلاء سيرين أبو محمد بن سيرين و يسار جدّ محمد بن إسحاق الذي كان مولى قيس بن مخرمة. و يروي الخطيب البغدادي خبرا مفاده أن خيارا والد يسار هو الذي أسر و كان مولى لقيس بن مخرمة بن المطلب ابن عبد مناف. و يبدو أنّ لأصول ابن إسحاق الكتابية أثرا في كتاباته كما يبدو ذلك من قصصه و رواياته عن عصور ما قبل النبي. و يبدو أنه كان يعرف السريانية فربما ظلت تلك اللغة متوارثة في أسرته. على أنه ربما عرف كل ذلك أثناء إقامته بمصر التي امتدت إلى بضع سنوات.

و يمكن فهم نزاعه مع مالك من زاوية أخرى، فقد بلغ مالكا عنه أنه يقول: اعرضوا عليّ حديث مالك فأنا بيطاره! فقال مالك: و ما ابن إسحاق؟! إنما هو دجّال من الدجاجلة! نحن أخرجناه من المدينة (2). لا مانع من فهم هذا النزاع على أنه نزاع بين أبناء الحرفة الواحدة، و قد كان العلماء قديما يقولون: المعاصرة حجاب! لكننا نحسب أن الأمر يتعدّى ذلك، إذ أنّ طبيعة الكتابة التاريخية التي عمل ابن إسحاق في مجالها أرغمته على التحلّل بعض الشي‏ء من طرائق المحدّثين الشديدة التدقيق، و الحرفية المنحى، و البالغة الإيجاز، و طبيعيّ أن ينظر مالك إلى ذلك كله- و هو المحدّث المتحرّج- نظرة كلها شكّ و ريبة. و الإشارة الأخرى في حديث مالك عن ابن إسحاق بالغة الأهمية، إنه يزعم أنه هو و أمثاله أخرجوا ابن إسحاق من المدينة. لقد كان للنزاع إذن وجه آخر لا يمكن اعتباره علميا محضا بل له جانبه السياسي.

____________

(1) تاريخ بغداد 1/ 216، وفيات الأعيان 4/ 277.

(2) معجم الأدباء 18/ 7- 8، و قارن: تاريخ الاسلام 6/ 378، طبقات خليفة 1/ 402، النجوم الزاهرة 2/ 165، مرآة الجنان 1/ 460.

12

و المصادر تؤيّد دعوى مالك، فقد اشتهر عن ابن إسحاق بعد عودته من مصر القول بالقدر و جلد على ذلك بالمدينة، و يبدو أن ابن إسحاق لم ينكر التهمة، فقد دافع عن نفسه عند ما اتهمه هشام بن عروة بالكذب على امرأته، لكنه لم يقل شيئا عند ما بلغه اتهام مالك له بالزندقة، و لا يعني ذلك أنه كان زنديقا، و لكن تلك كانت التهمة التي يوجهها محافظو الرواة إلى القائلين بالقدر من علماء البصرة و غيرها (1). بالإضافة إلى ذلك سرى اتهامه بالتشيّع، و كانت تلك تهمة تنال أكثر الذين يعملون في مجال سيرة النبي‏ (2)، و قديما ودّ عبد الملك بن مروان لو لم ينشغل أحد بالسيرة لما فيها من تقديم لبني هاشم و للأنصار! (3).

دفع هذا كله ابن إسحاق إلى مغادرة المدينة و كان «قد ضاق و اشتدّت حاله» و توجه من هناك إلى الكوفة، و لا بد أن يكون ذلك قبل بناء بغداد، لكن بعد ولاية المنصور للخلافة أي بين 136 ه و 144 ه، لأننا نقرأ في المصادر أنه أتى أبا جعفر المنصور بالحيرة «فكتب له المغازي، فسمع منه أهل الكوفة بذلك السبب‏ (4). و توجّهه إلى أبي جعفر المنصور لم يتم مصادفة، فقد كان يعرفه في الغالب قبل وصول العباسيين إلى السلطة، كما أنه كانت للعباسيين صلات طيبة بالقدرية في أول الأمر كما تظهره المصادر التي تلحّ على محاولات أبي جعفر للتقرب من عمرو بن عبيد و غيره من قدرية البصرة في مطالع خلافته‏ (5)، و كان القدرية قد دخلوا في صفوف المعارضين للأمويين منذ ثورة ابن الأشعث 82- 84 ه و استمر عداؤهم لهم حتى سقوط دولتهم عام 132 ه؛ (6)

____________

(1) قارن، تاريخ الاسلام 6/ 377، معجم الأدباء 18/ 7.

(2) معجم الأدباء 18/ 7- 8.

(3) الموفقيات 332.

(4) معجم الأدباء 18/ 6، وفيات الأعيان 4/ 277.

(5) قارن: البيان و التبيين 4/ 64- 65، العقد الفريد 3/ 164، عيون الأخبار 2/ 337.

(6) قارن‏.Koranleser )Freiburg 1977( P .12 /-290 ff ..:-:

13

فيما عدا الشهور التي تولى فيها يزيد بن الوليد بن عبد الملك السلطة بعد انقلاب قاده قدرية الشام، و لا شي‏ء يمنع من تصوّر كون العباسيين قد حاولوا استغلال معارضة الحركة القدرية للأمويين لصالحهم، و ربما أوضح ذلك بعض الغوامض في قيام الدعوة العباسية.

مهما يكن من أمر يبدو أن ابن إسحاق كان قد صنّف السيرة أو جزءا منها قبل مغادرة المدينة، و عند ما نزل بالكوفة حدّث عنه كوفيون كثيرون، ثم انتقل إلى بغداد في ركاب المنصور بعد بناء المدينة فحدّث عنه بها آخرون.

و يهمّنا هنا أن نذكر ثلاثة من هؤلاء الذين حدّثوا عنه لصلتهم بسيرته، إنهم: زياد بن عبد اللّه البكّائي (183 ه/ 799 م)، و محمد بن سلمة الحرّاني (191 ه/ 807 م)، و يونس بن بكير (199 ه/ 814 م). و قد كلّف المنصور ابن إسحاق بملازمة ابنه المهدي، فصحبه طويلا و سافر معه إلى خراسان حيث حدّث هناك بالري و أملى. و بأمر من المنصور صنّف ابن إسحاق السيرة للمهدي فلما اطّلع عليها المنصور طلب إليه القيام ببعض التعديلات فيها.

و هكذا تكوّنت ثلاث «نسخ من السيرة»، تلك الأولى من العهد المدني، و الثانية من العهد الكوفي، و الثالثة من العهد البغدادي، و قد بقيت أجزاء من النسختين الأولى و الثانية تسمحان لنا بالذهاب إلى أنّ المنصور أراد من ابن إسحاق التركيز بشكل أوضح على دور العباس بن عبد المطلب و أخباره مع النبي و خدماته الجلي للإسلام، و ربما رافق ذلك طمس بعض ما يتصل بنواحي ضعف العباس و أعماله المعادية للرسول قبل إسلامه. و نرى أن رواية يونس بن بكير تمثّل الشكل الأول غالبا بينا تمثّل رواية البكّائي‏ (1) الشكل الثاني و رواية محمد بن سلمة الحرّاني الشكل الثالث. و نستند في ذلك إلى الطابع الشيعي الشديد الذي يبدو في بعض روايات يونس بن بكير، ففي رواية لسلمان الفارسي‏

____________

(1) عن رواية البكائي، قارن: الروض الانف 3/ 106.

14

يقول الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) إنّ عليا خير الوصيين، كما أنّ سبطيه خير الأسباط، بينا يذهب ابن إسحاق في رواية في نسخة محمد بن سلمة الحرّاني إلى أن قوله تعالى في سورة الأنفال (رقم 69) «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى‏ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»، نزل في العباس الذي كان يقول: فيّ نزلت حين ذكرت لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) إسلامي و سألته أن يقاصّني بالعشرين أوقية التي أخذ مني .. الخ. و يدل هذا على ميول عباسية للمؤلف لم تكن في نسخته الأولى. أما رواية البكائي فلم تصل إلينا للأسف في شكلها الأول بل نالها تعديل ابن هشام و اختصاره.

على أنّ رأينا هذا يبقى على كل حال عرضة للنقاش لأننا لا نملك حتى الآن نسخة كاملة لإحدى الروايات الثلاث بحيث تمكن المقارنة، و يمكن التحقق التام.

معلوماتنا عن ابن هشام الذي هذّب رواية البكّائي قليلة، و قد ذكر السهيلي في «الروض الأنف» أنه كان يدعى عبد الملك بن هشام، و أنه كان مشهورا بحمل العلم، متقدما في علم النسب و النحو. و هو حميريّ معافريّ بصريّ الأصل، مصري المنشأ و الوفاة. و زاد ابن خلكان نقلا عن ابن يونس صاحب «تاريخ مصر» أنه توفي لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ثماني عشر و مائتين، بينا أكّد السهيلي وفاته عام 213 ه (1). و يبدو أنّ عبد الملك بن هشام صادف أمامه عند ما أراد تهذيب سيرة ابن إسحاق نصّ رواية البكّائي لها مكتوبا، و لا ندري كيف أخذه عن البكّائي، هل بطريق السماع و الرواية أم بطريق «الوجادة» و «الإجازة». إنه لا يصرّح على أي حال بشي‏ء من ذلك في مطلع تهذيبه، يبدأ هكذا: «قال أبو محمد عبد الملك ابن هشام: هذا كتاب سيرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، و اسم عبد المطلب شيبة بن هاشم، و اسم هاشم عمرو ..»، ثم يقول بعد انتهاء

____________

(1) وفيات الأعيان 1/ 290، الروض الانف 1/ 7.

15

سرده للنسب الشريف: «قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: حدثنا زياد بن عبد اللّه البكّائي عن محمد بن إسحاق المطلبي بهذا الذي ذكرت من نسب محمد رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلّم)- إلى آدم (عليه السلام)». و هنا يبين ابن هشام خطته في الكتاب كله فيقول: «.. تارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) فيه ذكر، و لا نزل فيه من القرآن شي‏ء، و ليس سببا لشي‏ء من هذا الكتاب و لا تفسيرا له و لا شاهدا عليه لما ذكرت من الاختصار، و أشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها، و أشياء بعضها يشنع الحديث به و بعض يسوء بعض الناس ذكره، و بعض لم يقرّ لنا البكّائي بروايته، و مستقص- إن شاء اللّه تعالى- ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له، و العلم به ..»، و قوله «.. و بعض لم يقرّ لنا البكّائي بروايته» يدل على أنه كان على صلة ما بالبكائي لكن نوع الصلة هذا لا يمكن تحديده بدقة كما ذكرنا سابقا. و الحرية التي يظهرها ابن هشام بعدم ذكره للأسانيد ربما لم تعد إليه، بل مما خلّفه ابن إسحاق في النص، و قد أكدنا سابقا على أن طبيعة المادة المكتوبة كانت تقتضي طرائق جديدة تخرج بعض الشي‏ء على طرائق المحدّثين، ثم إن علم الإسناد لم تكن أسسه قد استقرت تماما في عصر ابن إسحاق. إهمال ابن هشام للإسناد لا يشكّل إذن و الحالة هذه إشكالا لا يمكن تخطّيه، لكن مما يؤسف له لجوؤه إلى حذف الكثير من مادّة ابن إسحاق التي اعتبرها غير ضرورية، ثم صيرورته إلى تعديل بعض الأخبار أو تعديل ألفاظها حسبما فهمها ليكسبها قبولا أو وضوحا رأى أنها تفتقر إليهما. و لا شك أن تعديلاته و شروحه هذه تأثرت ببيئته الثقافية و طبيعة العصر الذي عاش فيه، هذا و إن يكن جيله هو الجيل التالي لجيل ابن إسحاق. كانت اهتمامات ابن هشام اهتمامات لغوية و قد أثّر ذلك تأثيرا كبيرا على طريقته في اختيار الأخبار و في إيرادها.

و قد ذهبت بعض اهتمامات ابن إسحاق التاريخية و الإخبارية ضحية دقة ابن هشام اللغوية. و لعله من المفيد أن نقارن عمل ابن هشام ليس فقط بالقطع الباقية من‏

16

الروايتين الأخريين لابن إسحاق، لكن أيضا بالمصادر التي نقلت عن ابن إسحاق بطريق ابن هشام أو بطريق آخر. و في «تاريخ مكة» للفاكهي (280 ه) نصوص كثيرة مقتبسة من ابن إسحاق إما من طريق ابن هشام- البكّائي أو من طرق أخرى. و الأمر كذلك في الأغاني. و قد ذكر ابن هشام أسبابا لحذفه لبعض الأخبار، من هذه الأسباب أن يكون النصّ غير ضروري للسيرة، و لا شكّ أنه عنى بذلك قسم السيرة الأول‏ (1) الذي سمّاه ابن إسحاق بالمبتدإ، و مقارنة الجزء الباقي من هذا المطلع بمطلع الطبري مثلا تظهر أن هذا القسم المحذوف كبير نسبيا. هذا و لا يقلّل من قيمة المحذوف استناده إلى الأساطير و الإسرائيليات. و من أسباب ابن هشام في الحذف أن يكون الشعر غير معروف عند أهل العلم، و مع أنّ معرفة ابن إسحاق بالشعر لم تكن على ما يرام‏ (2) إلا أنه كان بوسع ابن هشام أن يدع ذلك لعلماء الشعر و لا يستبقهم بحذف و تعديل كهذا بداعي الاختصار. على أن هذا كله يبقى له وجه و اعتبار إذا ما قورن بأسباب ابن هشام الأخرى للحذف «.. و بعض يسوء بعض الناس ذكره ..»،

«و أشياء بعضها يشنع الحديث به ..»، إن لهذا النوع من الحذف و لا شكّ أسبابا سياسية و أخرى تتصل بالصورة التاريخية لعصر ابن هشام عن النبي و صحابته.

إن الفائدة ستكون كبيرة لو عثرنا في المستقبل على نسخة كاملة أصيلة من إحدى روايات سيرة ابن إسحاق، و لكن حتى يتحقق ذلك فإنه لا بد من الاستناد إلى القليل الذي بين أيدينا لتكوين صورة تقريبية عن الإنجاز الرائع الذي حققه ابن إسحاق في مجال تطوير الكتابة التاريخية العربية. إنّ طريقة ابن إسحاق في الكتابة و البحث، و مصادره، و الخلفيات السياسية و الاجتماعية

____________

(1) عن أقسام سيرة ابن إسحاق، قارن الدوري: علم التاريخ عند العرب 27- 28.

(2) ابن سلام: طبقات فحول الشعراء 8، 11.

17

لأخباره و مروياته، كل ذلك يحتاج إلى دراسة مفردة لا يتسع لها المجال هنا، و همّنا الآن ينحصر في إخراج نصّ سليم.

تناول ابن إسحاق في كتابه ثلاث موضوعات اعتبرها مترابطة: أخبار الخليقة من آدم و حتى إسماعيل، ثم من إسماعيل حتى النبي محمد، ثم حياة النبي محمد و أعماله قبل البعثة و بعدها، و اعتمد في القسم الأول على مادة الإسرائيليات التي تجمعت عند العرب قبله، و التي أكملها هو خاصة أثناء تحصيله في مصر.

و اعتمد في القسم الثاني على مادة عربية شبه أسطورية تتحدث عن أخبار العرب قبل الإسلام و أنسابهم، و قد صيغت أخبار هذين القسمين بشكل جيد الأداء و العرض أوصل إلى الغرض، و هو صحة أصول نبوة محمد و ارتباطها بغيرها من النبوات التي جاءت خاتمة لها بعد ما كانت كل نبوة تبشر سلفا بهذه النهاية الحتمية التقدير.

و بعد الفراغ من هذين القسمين اللذين جاءا كمقدمة أخذ ابن إسحاق بالحديث عن النبي محمد، و لم يسق هذا الحديث كقصة متسلسلة بل ساقه كوقائع بعضها وقع للنبي محمد بالذات، و بعض آخر لغيره و له مساس قريب أو بعيد به، و حينما تحدث ابن إسحاق عن النبي محمد أثبت تقريبا جميع المادة الاخبارية التي كان المسلمون قد جمعوها عنه خلال القرن الأول الذي جاء بعد وفاته، و يبدو أن ابن إسحاق أولى الفترة المكية من حياة النبي اهتماما أكبر من الفترة المدنية، و قدم لهذا القسم بمقدمة ذكر فيها علامات النبوة عند النبي محمد، و روى جميع قصص البشائر التي بشرت بقرب نبوته و صحتها.

و تتجلى عبقرية ابن إسحاق و تفوقه على الذين سبقوه في ترتيبه لكتابه بشكل فيه منطق و نظام، و ترتيبه هذا و إن جاء غير مثالي تماما، يكفي صاحبه فخرا الإبداع و الدنو من درجة الكمال.

و مادة ابن إسحاق غنية للغاية تكاد تكون حاوية لجميع ما تجمع لدى العرب‏

18

المسلمين من أخبار، و هذه «فضيلة لابن إسحاق سبق بها» و قد صنف من بعده قوم آخرون في نفس الموضوع فلم يبلغوا مبلغه، و مادة ابن إسحاق، رغم المآخذ، كبيرة الفائدة اعتمدها غالبية الذين كتبوا أو اهتموا بسيرة النبي بعده، و كانت دائما موضع دراسة و عناية.

يقول في هذا الصدد ابن عدي في كتابه «الكامل»: و لو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن كتب لا يحصل منها علم، و صرف أشغالهم حتى اشتغلوا بمغازي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، و مبتدأ الخلق، و مبعث النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، فهذه فضيلة لابن إسحاق سبق بها، ثم بعده صنف قوم آخرون، و لم يبلغوا مبلغ ابن إسحاق و لا علمه، و قد فتشت أحاديثه الكثيرة، فلم أجد في أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف، و ربما أخطأ، أو وهم في الشي‏ء بعد الشي‏ء، كما يخطئ غيره، و لم يتخلف عنه في الرواية عند الثقات و الأئمة، و هو لا بأس به».

هذا و تعود القطعتان اللتان أقدم لهما إلى القسم الثالث من سيرة ابن إسحاق، و لما كان هذا القسم يغطي الفترتين المكية و المدنية من حياة النبي فقد كان من حسن الحظ أن أولى القطعتين تتعلق بالفترة المكية و هي تكاد تغطيها جميعا، بينما تتعلق القطعة الثانية بالفترة المدنية و هي تروي أخبار الحوادث التي وقعت مع نهاية معركة بدر الكبرى و حتى نهاية معركة أحد.

و يوجد من القطعة الأولى مخطوطتان واحدة قديمة تعود في تقديري إلى القرن الخامس للهجرة، و هي موجودة في مكتبة القرويين في فاس، و تحوي مائة و اثنتان و خمسون صفحة، كتبت بعدة خطوط حسب القاعدة المغربية، و لقد لحقت أوراق هذه المخطوطة رطوبة شديدة أدت إلى طمس بعضها طمسا كليا و البعض الآخر طمسا جزئيا، كما سببت خروما لحقت ببعض الأوراق، و قد جعلت هذه الحالة قراءة المخطوط أمرا في غاية الصعوبة، و لذلك فقد استغرق نسخ هذا المخطوط قرابة العام.

19

و بعد ما أنجزت عملية النسخ و كدت أنجز التحقيق تمكنت من الحصول على مصورة لنسخة ثانية من المخطوط موجودة في الخزانة العامة في الرباط، و هذه النسخة حديثة تعود إلى هذا القرن أو القرن الماضي على أبعد الحدود، و خطها مغربي جميل، إنما فيه من الأخطاء و التصحيفات ما لا يحصى، و يبدو أن هذه النسخة قد اعتمدت على النسخة الأولى، و هي تتألف من مائة و ست و ستين صفحة، و رغم ما فيها من أخطاء و تصحيفات فقد أفادتني فائدة كبيرة و أنقذتني من الوقوع في بعض الأخطاء.

أما القطعة الثانية فهي عبارة عن أوراق فيها جزء واحد صغير من أجزاء المغازي، كان الأستاذ ناصر الدين الألباني قد عثر عليها في المكتبة الظاهرية بدمشق، و كنت عام (1964) قد كلفت أحد النساخ بنسخ هذا الجزء ففعل، و يبدو أن المخطوط الأصلي منه يعود إلى القرن الخامس للهجرة، و كان صاحبه طاهر بن بركات الخشوعي (ت: 482 ه/ 1090 م) من رجال الحديث، و قد سمعه في دمشق مع كامل السيرة، بحضور جملة من علماء عصره، من الخطيب البغدادي سنة «أربع و خمسين و أربعمائة» و كان البغدادي قد جاء إلى دمشق قبل قرابة أربع سنوات، تاركا بغداد إثر فتنة البساسيري، و قد ترك لنا بعض تلامذته قائمة بالكتب التي حملها معه إلى دمشق و منها سيرة ابن إسحاق.

و في تحقيقي لهاتين القطعتين صرفت جهدي نحو إخراج نص صحيح، و سعيت نحو الإقلال من الحواشي ما أمكن، و كان ضبط الشعر الموجود فيهما، خاصة في القطعة الأولى أمرا ليس بالهين، لركاكة هذا الشعر المنظوم، و لعدم وروده في مصادر أخرى، و قد استعنت بعدد من ذوي الاختصاص باللغة العربية كما استخدمت المعاجم خاصة لسان العرب و مخصص ابن سيدة و القاموس المحيط و سواهم، كما استعنت بعدد كبير من مصادر السيرة و كتب أخبارها، و في تحديد الأماكن كان مصدري الأساسي معجم البلدان لياقوت، و بالاضافة له‏

20

استخدمت كتب المكتبة الجغرافية العربية و خاصة صفة الجزيرة للهمداني.

إن أملي كبير بأن أكون قد أعطيت الموجود من سيرة ابن إسحاق ما يستحقه من جهد و اهتمام، و اللّه تعالى هو الموفق و هو من وراء القصد فله الحمد و المنة و الصلاة و السلام على الإنسان الكامل و النبي المعصوم محمد بن عبد اللّه.

دمشق 15/ 8/ 1976 سهيل زكار

21

الجزء الاول من كتاب المغازي رواية يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق‏

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

(1) حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: نا يونس بن بكير قال: كل شي‏ء من حديث ابن إسحاق مسند، فهو أملاه عليّ، أو قرأه عليّ، أو حدثني به، و ما لم يكن مسندا، فهو قراءة؛ قرى‏ء على ابن إسحاق.

حفر زمزم من قبل عبد المطلب ابن هاشم.

حدثنا أحمد قال: نا يونس، عن محمد بن إسحاق، قال: بينا عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف نائما في الحجر، عند الكعبة، أتي، فأمر بحفر زمزم.

و يقال إنها لم تزل دفينا بعد ولاية بني إسماعيل الأكبر و جرهم‏ (2)، حتى أمر بها عبد المطلب، فخرج عبد المطلب إلى قريش، فقال: يا معشر قريش، إني قد أمرت أن أحفر زمزم، فقالوا له: أبيّن لك أين هي؟ فقال: لا، قالوا:

فارجع إلى مضجعك الذي أريت فيه ما أريت، فإن كان حقا من اللّه عز و جل بيّن لك، و إن كان من الشيطان لم يعد إليك، فرجع فنام في مضجعه، فأتي فقيل له: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لم تندم، هي تراث من أبيك الأقدم، لا تنزف الدهر و لا تذم، تسقي الحجيج الأعظم مثل نعام حافل لم يقسم، ينذر فيها ناذر لمنعم‏ (3)، فهي ميراث و عقد محكم، ليست كبعض ما قد يعلم، و هي بين الفرث و الدم.

فقال حين قيل له ذلك: أين هي؟ فقيل له: عند قرية النمل، حيث ينقر الغراب غدا، فغدا عبد المطلب و معه الحارث ابنه، ليس له ولد غيره، فوجد

____________

(1) من المؤكد أن هذا ليس أول الجزء بل فقد منه ما لا ندري كميته، ذلك أن تقسيم كل كتاب الى أجزاء مسألة ارتبطت أحيانا برغبة النساخ و سواهم أكثر منها برغبة المؤلف و صنيعه.

(2) أي منذ سيطرة خزاعة على مكة.

(3) وقع طمس في الأصل استعين على توضيحه بما ورد عند ابن هشام.

24

قرية النمل، و وجد الغراب ينقر عندها، بين الوثنين: إساف و نائلة، اللذين كانت قريش تنحر عندهما (1).

حدثنا أحمد قال: نا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد اللّه ابن أبي بكر بن حزم، عن عمرة ابنة عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة زوج النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أنها قالت: ما زلنا نسمع أن إسافا و نائلة رجل و امرأة من جرهم زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين.

حدثنا أحمد، نا يونس عن ابن إسحاق قال: فجاء عبد المطلب بالمعول، فقام ليحفر، فقالت له قريش حين رأوا جده: و اللّه لا ندعك تحفر بين صنمينا هذين اللذين ننحر عندهما، فقال عبد المطلب لابنه الحارث: دعني- أو: ذد عني- حتى أحفر، فو اللّه لأمضين لما أمرت به، فلما رأوا منه الجد، خلوا بينه و بين الحفر، فكفوا عنه، فلم يمكث إلا قليلا حتى بدا له الطوي، فكبر (2)، فعرفت قريش أنه قد صدق و أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا: إنها بئر أبينا إسماعيل، و إن لنا فيها حقا، فأشركنا معك فيها.

قال: ما أنا بفاعل، و إن هذا لأمر قد خصصت به دونكم، و أعطيته من بينكم، قالوا: فأنصفنا، فإنّا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني و بينكم من شئتم أخاصمكم إليه، فقالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم، قال:

نعم، و كانت بأشراف الشام.

حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: نا يونس عن ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن مرثد بن عبد اللّه اليزني عن عبد اللّه بن زرير الغافقي قال: سمعت علي بن أبي طالب، و هو يحدث حديث زمزم فقال: بينا عبد المطلب نائم في الحجر، أتي، فقيل له: احفر برّة، فقال: و ما برّة؟

____________

(1) يروى أنهما كانا رجلا و امرأة فسقا في الكعبة فمسخا، فأقامهما أهل مكة للعبرة ثم مع مرور الأيام غدوا من أوثان أهل مكة المقدسة.

(2) كذا، و التكبير من محدثات الاسلام.

25

ثم ذهب عنه، حتى إذا كان الغد نام في مضجعه ذلك، فأتي، فقيل له:

احفر المضنونة، فقال: و ما المضنونة؟ ثم ذهب عنه، حتى إذا كان الغد عاد فنام في مضجعه، فأتي، فقيل له: احفر طيبة، فقال: و ما طيبة؟ ثم ذهب عنه، فلما كان الغد عاد لمضجعه فنام فيه، فأتي فقيل له: احفر زمزم، فقال:

و ما زمزم؟ فقال: لا تنزف و لا تذم، ثم نعت له موضعها.

فقام فحفر حيث نعت له، فقالت له قريش: ما هذا يا عبد المطلب؟ فقال:

أمرت بحفر زمزم، فلما كشف عنه، و أبصروا الطوي، قالوا: يا عبد المطلب إن لنا لحقا فيها معك، إنها لبئر أبينا إسماعيل، فقال: ما هي لكم، لقد خصصت بها دونكم، قالوا: فحاكمنا، فقال: نعم، فقالوا: بيننا و بينك كاهنة بني سعد بن هذيم، و كانت بأشراف الشام.

فركب عبد المطلب في نفر من بني أبيه، و ركب من كل بطن من أفناء قريش نفر، و كانت الأرض إذ ذاك مفاوز فيما بين الشام و الحجاز، حتى إذا كانوا بمفازة من تلك البلاد، فني ماء عبد المطلب و أصحابه حتى أيقنوا الهلكة، فاستسقوا القوم، قالوا ما نستطيع أن نسقيكم، و إنّا لنخاف مثل الذي أصابكم، فقال عبد المطلب لأصحابه: ما ذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلّا تبع لرأيك، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته بما بقي من قوته، فكلما مات رجل منكم، دفعه أصحابه في حفرته، حتى يكون آخركم يدفعه صاحبه، فضيعة رجل أهون من ضيعة جميعكم، ففعلوا.

ثم قال: و اللّه إن إلقاءنا بأيدينا للموت، لا نضرب في الأرض و نبتغي، عجز. فقال لأصحابه: ارتحلوا، فارتحلوا، و ارتحل، فلما جلس على ناقته، و انبعثت به، انفجرت عين من تحت خفها بماء عذب، فأناخ و أناخ أصحابه، فشربوا، و استقوا و سقوا، ثم دعوا أصحابهم: هلموا إلى الماء، فقد سقانا اللّه عز و جل، فجاؤوا فاستقوا و سقوا، ثم قالوا: يا عبد المطلب، قد و اللّه قضي لك، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة، لهو الذي سقاك زمزم، انطلق، فهي لك، فما نحن بمخاصميك.

26

حدثنا أحمد بن عبد الجبار: نا يونس بن بكير عن ابن إسحاق، قال:

فانصرفوا و مضى عبد المطلب فحفر، فلما تمادى به الحفر، وجد غزالين من ذهب، و هما الغزالان اللذان كانت جرهم دفنت فيها حين أخرجت من مكة (1)، و هي بئر إسماعيل بن إبراهيم، التي سقاه اللّه عز و جل حين ظمئ، و هو صغير.

حدثنا أحمد: نا يونس عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد اللّه بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ما زلنا نسمع أن زمزم همزه جبريل بعقبه لإسماعيل حين ظمئ.

حدثنا أحمد: نا يونس، عن سعيد بن ميسرة البكري، قال: حدثنا أنس بن مالك أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) قال: لما طردت هاجر أم إسماعيل القبطية سارة، و وضعها إبراهيم بمكة، عطشت هاجر، فنزل عليها جبريل، فقال لها:

من أنت؟ فقالت: هذا ولد إبراهيم، فقال: أ عطشانة أنت؟ قالت: نعم، فبحث بجناحه الأرض، فخرج الماء، فأكبت عليه هاجر تشربه، فلو لا ذلك لكانت أنهارا جارية.

نا أحمد: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال: فلما حفر عبد المطلب زمزم، و دله اللّه عز و جل عليها، و خصه بها، زاده اللّه عز و جل شرفا و خطرا في قومه، و عطلت كل سقاية كانت بمكة حين ظهرت، فأقبل الناس عليها التماس بركتها و معرفة فضلها، لمكانها من البيت، و أنها سقيا اللّه عز و جل اسماعيل.

حدثنا أحمد، قال: ثنا يونس عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت‏

____________

(1) تبعا للروايات كانت جرهم، و هي من قبائل العرب البائدة، أول من سكن مكة أيام اسماعيل بن ابراهيم (عليهما السلام)، و ظلت فيها حتى حدث سيل العرم، و قامت هجرة الأزد الكبرى من اليمن نحو الشمال، و استولت فئة من المهاجرين عرفت باسم خزاعة على مكة و أخرجت جرهم منها، و ظلت خزاعة في مكة حتى أخرجها قصي بن كلاب و أسكن قومه من قريش فيها.

27

طلحة، عن عائشة زوج النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أنها قالت: ماء زمزم طعام طعم، و شفاء سقم.

حدثنا أحمد قال: ثنا يونس، عن ابن إسحاق قال: و وجد عبد المطلب أسيافا مع الغزالين، فقالت قريش: لنا معك يا عبد المطلب في هذا شرك و حق، فقال: لا، و لكن هلموا إلى أمر نصف بيني و بينكم، نضرب عليها بالقداح‏ (1)، فقالوا: فكيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، و لكم قدحين، ولي قدحين، فمن خرج له شي‏ء كان له، فقالوا: قد أنصفت، و قد رضينا، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، و قدحين أسودين لعبد المطلب، و قدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوها الذي يضرب بالقداح، و قام عبد المطلب يدعو اللّه و يقول:

اللهم أنت الملك المحمود* * * ربي و أنت المبدئ المعيد

و ممسك الراسية الجلمود* * * من عندك الطارف و التليد

إن شئت ألهمت ما تريد* * * لموضع الحلية و الحديد

فبيّن اليوم لما تريد* * * إني نذرت عاهد العهود

أجعله ربي فلا أعود

و ضرب صاحب القداح، فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، فضربهما عبد المطلب في باب الكعبة، فكانا أول ذهب حليته، و خرج الأسودان على السيوف و الأدراع‏ (2) لعبد المطلب فأخذها.

____________

(1) القداح أسهم خشبية كان يكتب على بعضها، أو يتم تلوينها و تطمر في الرمل ثم تستخرج واحدا تلو الآخر فما جاء فيها أخذ به، و من أجل مزيد من الشرح أنظر سيرة ابن هشام: 1/ 345.

(2) لم يرد ذكر الأدراع في مطلع الخبر.

28

و كانت قريش و من سواهم من العرب إذا اجتهدوا في الدعاء، سجعوا و ألفوا الكلام، و كانت فيما يزعمون قلما تردّ إذا دعا بها داع.

استعاذة الغلام البكري بالكعبة.

حدثنا أحمد قال: نا يونس عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد اللّه بن أبي نجيح، عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير عن عبد اللّه بن خرّيت- و كان قد أدرك الجاهلية- قال: لم يكن من قريش فخذ إلّا و لهم ناد معلوم في المسجد الحرام يجلسونه، فكان لبني بكر مجلس تجلسه، فبينا نحن جلوس في المسجد، إذ أقبل غلام، فدخل من باب المسجد مسرعا حتى تعلق بأستار الكعبة، فجاء بعده شيخ يريده، حتى انتهى إليه، فلما ذهب ليتناوله يبست يداه، فقلنا ما أخلق هذا أن يكون من بني بكر، فتحقبناه العرب مع ما تحدّث به عنا، فقمنا إليه، فقلنا: ممن أنت؟ فقال: من بني بكر، فقلنا: لا مرحبا بك، ما لك و لهذا الغلام؟ فقال الغلام: لا و اللّه‏ (1)، إلا أن أبي مات و نحن صبيان صغار، و أمنا مؤتمة لا أحد لها، فعاذت بهذا البيت، فنقلتنا إليه و أوصت فقالت: إن ذهبت و بقيتم بعدي فظلم أحد منكم، أو ركب بكم أمر، فمن رأى هذا البيت فليأته فيتعوذ به فإنه سيمنعه، و إن هذا أخذني و استخدمني سنين، و استرعاني إبله، فجلب من إبله قطيعا، فجاء بي معه، فلما رأيت البيت ذكرت وصاة أمي، فقلنا: قد و اللّه أرى منعك، فانطلقنا بالرجل، و إن يديه لمثل العصوين قد يبستا، فأحقبناه على بعير من إبله، و شددناه بالحبال، و وجهنا إبله، و قلنا: انطلق لعنك اللّه.

خبر الصديق مع رجل أنيبته حية.

حدثنا أحمد قال: نا يونس عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد عن أبي بكر أنه قال: كنت امرأ تاجرا، فسلكت ثنية في سفر لي، فإذا رجل منها يقول: أ تؤمني أؤمنك؟ فقلت: نعم، فقال:

أدنه، فأتيته، فإذا هو نهيش قد أنيبته حية أصابته، فقال: يا عبد اللّه هل‏

____________

(1) كذا في الأصل، و يبدو أن جواب الشيخ البكري سقط كما سقط بعض من جواب الغلام.

29

أنت مبلغي إلى أهلي هاهنا، تحت هذه الثنية؟ فقلت: نعم، فاحتملته على بعيري، فأتيت به على أهله، فقال لي رجل من القوم: يا عبد اللّه ممن أنت؟

فقلت: رجل من قريش، فقال: و اللّه إني لأظنك مصنوعا لك، و اللّه ما كان لص أعدى منه.

قال: و أضلتني ناقة لي قد كنت أعلفها العجين، فلما أيست منها، اضطجعت عند رحلي، و تقنعت بثوبي، فو اللّه ما أهبني إلّا حس مشفرها تحرك به قدمي، فقمت إليها، فركبتها.

خبر عمر بن الخطاب مع شيخ كبير أعمى.

حدثنا أحمد قال: نا يونس عن ابن إسحاق، قال: حدثني من سمع عكرمة يذكر عن ابن عباس قال: بينا أنا جالس عند عمر بن الخطاب، و هو يعرض الناس على ديوانهم، إذ مرّ شيخ كبير أعمى يجبذ قائده جبذا شديدا، فقال عمر:

ما رأيت كاليوم منظرا أسوأ.

قال: فقال له رجل: يا أمير المؤمنين هذا ابن صبغاء البهزي، ثم السلمي، بهيك بريق، فقال عمر: قد أعلم أن بريقا لقب، فما اسم الرجل‏ (1)؟ قالوا:

عياض، قال عمر: ادعوا لي عياضا، فدعي، فقال: أخبرني خبرك و خبر بني صبغاء- و كانوا عشرة نفر-.

فقال عياض: شي‏ء كان في الجاهلية قد جاء اللّه بالإسلام، فقال عمر: اللهم غفرا، ما كنا أحرانا نتحدث عن أمر الجاهلية منا حين هدانا اللّه عز و جل للإسلام، و أنعم علينا به! فقال: يا أمير المؤمنين كنت امرأ قد نفاني أهلي، و كان بنو صبغاء عشرة، و كانت بيني و بينهم قرابة و جوار، فتنقصوني ما بي و تذللوني، فسألتهم باللّه و الرحم و الجوار إلا ما كفوا عني، فلم يفعلوا، و لم يمنعني ذلك منهم، فأمهلتهم حتى دخل الشهر الحرام، ثم رفعت يدي إلى اللّه عز و جل فقلت:

اللهم أدعوك دعاء جاهدا* * * اقتل بني الصبغاء إلّا واحدا

ثم اضرب الرجل فذره قاعدا* * * أعمى إذا ما قيد عنّى القائدا

____________

(1) أي اسم القائد.

30

فتتابع منهم تسعة في عام واحد، و ضرب اللّه عز و جل هذا، و أعمى بصره، فقائده يلقى منه ما رأيت، فقال عمر: إن هذا لعجب.

أبو تقاصف الخناعي و أخوته.

فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين شأن أبي تقاصف الخناعي، ثم الهذلي، و أخوته أعجب من هذا، فقال عمر: و كيف كان شأن أبي تقاصف و إخوته؟

فقال: كان لهم جار هو منهم بمنزلة عياض من بني صبغاء، فتنقصوه و تذللوه، فذكّرهم اللّه و الرحم و الجوار، فلم يعطفهم ذلك عليه، فأمهلهم حتى إذا دخل الشهر الحرام، رفع يديه ثم قال:

اللهم رب كل آمن و خائف‏* * * و سامع هتاف كل هاتف‏

ان الخناعي أبا تقاصف‏* * * لم يعطني الحق و لم يناصف‏

فاجمع له الأحبة الألاطف‏* * * بين قران ثم و التواصف‏

قال فنزلوا في قليب لهم يحفرونه حيث وصف، فتهور عليهم، فإنه لقبرهم إلى يومهم هذا.

بنو مؤمل و ابن عمهم.

فقال رجل من القوم: شأن بني مؤمل من بني نصر أعجب من هذا، كان بطن من بني مؤمل، و كان لهم ابن عم قد استولى على أموال بطن منهم وراثة (1) فألجأ نفسه و ماله إلى ذلك البطن، فتنقصوا ماله و تذللوه و تضعفوه، فقال: يا بني مؤمل، إني قد ألجأت نفسي و مالي إليكم لتمنعوني و تكفوا عني، فقطعتم رحمي، و أكلتم مالي و تذللتموني، فقام رجل منهم يقال له رياح، فقال:

يا بني مؤمل صدق، فاتقوا اللّه فيه و كفوا عنه، فلم يمنعهم ذلك منه، و لم يكفوا عنه، فأمهلهم حتى إذا دخل الشهر الحرام و خرجوا عمارا (2)، رفع يديه فقال:

اللهم زلهم عن بني مؤمل‏* * * و ارم على أقفائهم بمنكل‏

بصخره أو بعض جيش جحفل‏* * * إلّا رياحا إنه لم يفعل‏

____________

(1) كذا في الأصل، و في النفس من ذلك شي‏ء!

(2) أي لأداء العمرة.

31

فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق نزلوا إلى جبل فأرسل اللّه عز و جل من رأس الجبل صخرة تجر ما مرت به من حجر أو شجر، حتى دكتهم به دكة واحدة، إلّا رياحا و أهل خبائه، لأنه لم يفعل.

فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: إن هذا للعجب، لم ترون هذا كان؟

فقالوا: يا أمير المؤمنين أنت أعلم، فقال: أما انى قد علمت ذاك، كان الناس أهل الجاهلية لا يعرفون ربا و لا بعثا، و لا قيامة و لا جنة و لا نارا، فكان اللّه عز و جل يستجيب لبعضهم على بعض، للمظلوم على الظالم، ليكف بذلك بعضهم عن بعض، فلما بعث اللّه عز و جل هذا الرسول، و عرفوا اللّه عز و جل و البعث و القيامة، و الجنة و النار، و قال اللّه عز و جل: «بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ السَّاعَةُ أَدْهى‏ وَ أَمَرُّ (1)» فكانت المدد و الاملاء.

____________

(1) سورة القمر: 46.

32

نذر عبد المطلب‏

حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: نا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال:

و كان عبد المطلب بن هاشم فيما يذكرون، قد نذر حين لقي من قريش- عند حفر زمزم- ما لقي: لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم للّه عز و جل عند الكعبة.

الاستقسام بالقداح عند الكعبة.

فلما توافى بنوه عشرة: الحارث، و الزبير، و حجل، و ضرار، و المقوم، و أبو لهب، و العباس، و حمزة، و أبو طالب، و عبد اللّه، و عرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذي نذر، و دعاهم إلى الوفاء للّه بذلك، فأطاعوا له، و قالوا له: كيف تصنع؟ فقال: يأخذ كل رجل منكم قدحا، فيكتب فيه اسمه، ثم تأتوني، ففعلوا، ثم أتوه، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة، و كان هبل عظيم أصنام قريش بمكة، و كان على بئر في جوف الكعبة، و كانت تلك البئر التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، و كان عند هبل سبعة أقداح، في كل قدح منها كتاب، قدح فيه «العقل» (1)، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، فعلى من خرج حمله، و فيها قدح «الغفل» (2)، و قدح فيه «نعم» للأمر إذا أرادوه ضرب به في القداح، فإن خرج قدح «نعم»، عملوا به، و قدح فيه «لا» فإذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح، لم يفعلوا ذلك الأمر، و قدح فيه «منكم» و قدح فيه «من غيركم» و قدح فيه «ملصق» و قدح فيه «المياه» فإذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، و فيها ذلك، فحيثما خرج عملوا به،

____________

(1) أي الدية.

(2) أي بدون كتابة.

33

و كانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميتا، أو شكّوا في نسب أحد منهم، ذهبوا به إلى هبل، و ذهبوا معهم يحزور و مائة درهم إلى صاحبه (صاحب القداح) التي يضرب بها، فأعطوها إياه، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، و قالوا: اضرب، اللهم أخرج على يديه اليوم الحق، ثم استقبلوا هبل، فقالوا: يا إلهنا، هذا فلان بن فلان كما زعم أهله، يريدون كذا و كذا، فإن كان كذلك فأخرج فيه «الغفل»، أو «نعم» أو «منكم» و اقبل هديته فإن خرج من هؤلاء الثلاثة كتب في قومه وسيطا، و إن خرج عليه «من غيركم» كان حليفا، و إن خرج عليه «ملصق» كانت منزلته فيهم لا نسب و لا حلف، و إن خرج فيه شي‏ء مما سوى هذا مما يعملون به «نعم» عملوا به، و إن خرج «لا» أخروه عامه ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون من أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح.

فقال عبد المطلب: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه، و أخبره بنذره، و أعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه، و كان عبد اللّه بن عبد المطلب، أبو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) أصغر بني أبيه‏ (1)، كان هو و الزبير (2) و أبو طالب لفاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد اللّه بن عمران بن مخزوم، و كان- فيما يزعمون- أحب ولد عبد المطلب إليه، و كان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى، فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل يدعو و يقول:

اللهم لا يخرج عليه القدح‏* * * إني أخاف أن يكون فدح‏

إن كان صاحبي للذبح‏* * * إني أراه اليوم خير قدح‏

____________

(1) كذا، و لعل المقصود آنئذ، و بعده ولد لعبد المطلب العباس و حمزة، أو «أصغر بني أبيه لأمه»، ذلك أن سياق الحديث يلي بذكر أمه و اخوته منها.

(2) المشهور بضبط اسم الزبير هو بضم الزاي المعجمة، لكن هناك من يروي ضبطها بفتح الزاي المعجمة بعدها باء مجرورة.

34

حتى يكون صاحبي للمنح‏* * * يغني عني اليوم كل سرح‏

فخرج القدح على عبد اللّه، فأخذ عبد المطلب بيده، و أخذ الشفرة، ثم أقبل به إلى إساف و نائلة، الوثنين اللذين تنحر عندهما قريش ذبائحها، ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا: ما ذا تريد يا عبد المطلب؟ فقال:

أذبحه، و أنشأ يقول:

عاهدت ربي و أنا موف عهده‏* * * أيام أحفر و بني وحده‏

و اللّه لا أحمد شيئا حمده‏* * * كيف أعاديه و أنا عبده‏

إني أخاف إن أخرت وعده‏* * * أن أضل إن تركت عهده‏

ما كنت أخشى أن يكون وحده‏* * * مثل الذي لاقيت يوما عنده‏

أوجع قلبي عند حفري رده‏* * * و اللّه ربي لا أعيش بعده‏

حدثنا أحمد قال: نا يونس عن ابن إسحاق قال: ذكروا أن العباس بن عبد المطلب اجتره من تحت رجل أبيه حتى خدش وجه عبد اللّه خدشا، لم يزل في وجهه حتى مات.

قال ابن إسحاق: فقالت قريش و بنوه: و اللّه لا تذبحه أبدا و نحن أحياء حتى نعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال رجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على ذلك.

قال ابن إسحاق: و قال المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم- و كان عبد اللّه ابن عبد المطلب ابن أخت القوم-: و اللّه لا تذبحه أبدا حتى نعذر فيه، فإن كان فداء، فديناه بأموالنا، و قال فيما يزعمون في ذلك شعرا حين أجمع عبد المطلب في ذبح عبد اللّه بما أجمع:

و اعجبي من قتل عبد المطلب‏* * * و ذبحه خرقا كتمثال الذهب‏

يا شيب لا تعجل علينا بالعجب‏* * * فما ابننا بشرط القوم النجب‏

35

و لا ابنكم بالمستذل المغتصب‏* * * نفاديه‏ (1)بالمال حتى نحترب‏

فسوف أفديه بمالي و السلب‏* * * و سوف ألقى دونه من الغضب‏

أشوس آباء قبيحات الحطب‏* * * ما ذبح عبد اللّه فينا باللعب‏

ذبحا كما يذبح معتور النصب‏* * * كلا و رب البيت مستور الحجب‏

لا يعجل المذبوح حتى نضطرب‏* * * ضربا يزيل الهام من بعد الغضب‏

بكل مصقول رقيق ذي شطب‏* * * كالبرق أو كالنار في الثوب العطب‏

قال أبو عمرو: و يقال: القطب و العطب، القطن.

قال ابن إسحاق: و قد قال أبو طالب حين أراد عبد المطلب ذبح عبد اللّه- و كان ابن أمه- و حين قال المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم ما قال:

كلا و رب البيت ذي الأنصاب‏* * * و رب ما أنضى من الركاب‏

كل قريب الدار أو منتاب‏* * * يزور بيت اللّه ذا الحجاب‏

ما قتل عبد اللّه باللعاب‏* * * من بين رهط عصبة شباب‏

ابن نساء سطة (2)الأنساب‏* * * أغر بين البيض من كلاب‏

و بين مخزوم ذوي الأحساب‏* * * أهل الجياد القب و القباب‏

لستم على ذلك بالأذناب‏* * * حتى تذوقوا حمس الضراب‏

بكل عضب ذائب اللعاب‏* * * ذي رونق في الكف كالشهاب‏

تلقاه في الأقران ذا أنداب‏* * * إن لم يعجل أجل الكتاب‏

قلت و ما قولي بالمعاب‏* * * يا شيب إن الجور ذو عقاب‏

إن لنا إن جرت في الخطاب‏* * * أخوال صدق كأسود الغاب‏

لن يسلموه الدهر للعذاب‏* * * حتى يمص القاع ذو التراب‏

دماء قوم حرم الأسلاب

____________

(1) جاء في حاشية الأصل: كذا قال، إنما هو: نفديه بالأموال، صح.

(2) أي عوالي الأنساب.

36

فقال عبد المطلب عند ذلك:

اللّه ربي و أنا موف نذره‏* * * أخاف ربي إن عصيت أمره‏

و اللّه لا يقدر شي‏ء قدره‏* * * فهو وليي و إليه عمره‏

هذا بني قد أردت نحره‏* * * فإن تؤخره و تقبل عذره‏

و تصرف الموت له و حذره‏* * * و تصرف الموت فلا يضره‏

من جهد إنسان و لا تعره‏* * * سواك ربي و يكون قره‏

لكل عين ناظر تسره‏* * * أعطيته رب فلا تعره‏

لحزن يوجعني مسره

فقالت له قريش و بنوه لا تفعل و انطلق إلى الحجاز فإن به عرّافة يقال لها نجاح، لها تابع فسلها، ثم أنت على رأس أمرك، فإن أمرتك بذبحه، ذبحته، و إن أمرتك بغير ذاك مما لك و له فيه فرج قبلته، فقال: نعم.

فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوها فيما يزعمون بخيبر، فركبوا حتى جاءوها، فسألوها، و قص عليها عبد المطلب شأنه و شأن ابنه و ما كان نذر فيه، فقالت لهم: ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي، فأسأله، فخرجوا من عندها، و قام عبد المطلب يدعو اللّه عز و جل و يقول:

يا رب لا تحقق حذري‏* * * و اصرف عنه شر هذا القدر

فإني أرجو لما قد أذر* * * لأن يكون سيدا للبشر

ثم غدوا إليها، فقالت: نعم، قد جاءني الخبر، فكم الدية فيكم؟ فقالوا:

عشرة من الإبل، و كانت كذلك، فقالت: فارجعوا إلى بلادكم، فقدموا صاحبكم، و قدموا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليها بالقداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم عز و جل، فإذا خرجت القداح على الإبل، فقد رضي ربكم، فانحروها عنه، و نجّى صاحبكم.

فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا لذلك الأمر، قام عبد المطلب يدعو اللّه عز و جل، و يقول:

37

اللهم إنك‏ (1)فاعل لما ترد* * * إن شئت ألهمت الصواب و الرشد

إني مواليك على رغم معد* * * و ساقي حجيجك الأبد (2)

أورثني سقياهم أبي وجد* * * فإن وجدي فاعلمن وجد وجد

أنت الذي تعلم كل صمد* * * فلا تحقق حذري بولد

و اجعل فداه في الجلاه الجعد

حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: نا يونس عن ابن إسحاق قال: فلما قربوا عبد اللّه و عشرا من الإبل، و عبد المطلب في جوف الكعبة يدعو و يقول:

اللهم رب العشر بعد العشر* * * و رب من يأتي بكل نذر

أنج عبد اللّه عند النحر* * * و نجه من شفعها و الوتر

ثم ضربوا، فخرج السهم على عبد اللّه، فزادوا عشرا، فبلغت الإبل عشرين، و قام عبد المطلب يدعو و يقول:

يا رب عشرين و رب الشفع‏* * * أنج عبد اللّه رب النفع‏

من ضربة القدح التي في الجذع‏* * * و أعطه الرفع الذي في الرفع‏

و لا يكون ضربه كاللذع‏* * * كلذعة النار التي في السفع‏

ثم ضربوا، فخرج السهم على عبد اللّه، فزادوا عشرا، فبلغت الإبل ثلاثين، و قام عبد المطلب يدعو اللّه و يقول:

رب الثلاثين ولي النعم‏* * * أمنن علينا أن نصاب بالدم‏

هذا الغلام جنة لم يعلم‏* * * فطار قلبي فهو مثل المغرم‏

لذكر عبد اللّه حتى يسلم‏* * * و تنحر الذود التي لم تقسم‏

و نجه من ضربة لم تكلم

ثم ضربوا، فخرج السهم على عبد اللّه، فزادوا عشرا، فبلغت الإبل أربعين،

____________

(1) كتب فوقها بالأصل: أنت.

(2) جاء في حاشية الاصل: كذا قال، و انما هو: و إنني ساقي.

38

فقام عبد المطلب يدعو اللّه و يقول:

اللهم رب الأربعين إذ بلغت‏* * * أنج بني من قداح كتبت‏

و انحر الذود التي هملت‏* * * و جللت في قتله و ذيخت‏

بلغ رضاك ربنا إذ جعلت‏* * * عدل بني عبد مناف وقعت‏

ثم ضربوا فخرج السهم على عبد اللّه، فزادوا عشرا، فبلغت الإبل خمسين، و قام عبد المطلب يدعو اللّه عز و جل و يقول:

يا رب خمسين سمان بدن‏* * * من كل كوماء له لم تعطن‏

إلا لرب ماجد ممكن‏* * * أنج عبد اللّه رب الأركن‏

و انحر الذود التي لم تسكن

ثم ضربوا، فخرج السهم على عبد اللّه، فزادوا عشرا، فبلغت الإبل ستين.

و قام عبد المطلب يدعو و يقول:

اللهم رب الستين و رب المشعر* * * و رب من حج له و كبر

يسعى لرب قادر ليغفر* * * أنج عبد اللّه عند المنحر

و عافه من ضربة لا تجبر* * * لتبلغ العظم بها فيكسر

ثم ضربوا، فخرج السهم على عبد اللّه، فزادوا عشرا، فبلغ الإبل سبعين، و قام عبد المطلب يدعو و يقول:

يا رب سبعين له قد جمعت‏* * * فاذبح الذود التي قد عطلت‏

و حبست في قتله و خيست‏* * * و أخرج السهم لها إذ بذلت‏

حتى تكون دية قد كملت‏* * * عن كل مقتول له إذ قبلت‏

ثم ضربوا، فخرج السهم على عبد اللّه، فزادوا عشرا، فبلغت الإبل ثمانين، و قام عبد المطلب يدعو و يقول:

يا رب الثمانين و رب الإهلال‏* * * و رب من يأتيك للاجلال‏

39

اجعل فداء ولدي ذود أبال‏* * * سوف ترى شكري عند الإحلال‏

كشكر من يسعى بغير أنعال‏* * * أمنن به عليّ رب الافضال‏

ثم ضربوا، فخرج السهم على عبد اللّه، فزادوا عشرا، فبلغت الإبل تسعين، و قام عبد المطلب يدعو و يقول:

يا رب تسعين و رب المشرع‏* * * و رب من يدفع عند المدفع‏

حتى يجيزوا معشرا للمجمع‏* * * أنج لي عبد اللّه عند الأذرع‏

و نجه من ضربة لا ترجع

ثم ضربوا، فخرج السهم على عبد اللّه، فزادوا عشرا، فبلغت الإبل مائة، و قام عبد المطلب يدعو و يقول:

اللهم رب مائة لم تقسم‏* * * و رب من يهوى بكل معلم‏

و رب من أهدى لكل محرم‏* * * قد بلغت مائة لم تقسم‏

أرغم أعدائي بها ليرغموا

ثم ضربوا، فخرج السهم على الإبل، فقالت قريش و من حضره: قد رضي ربك، و خلص لك ابنك.

حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: نا يونس عن ابن إسحاق قال: فذكروا أن عبد المطلب قال: لا و اللّه حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على الإبل و على عبد اللّه، و قام عبد المطلب يدعو و يقول:

اللهم أنت هديتني لزمزم‏* * * إن بني أحب من تكلم‏

فلا ترينيه الغداة في الدم‏* * * فإن حزني يدخل في الأعظم‏

فاجعل فداه مائة لم تقسم‏* * * حتى نفاديه بكل أعجم‏

أمنن عليّ ذا الجلال المنعم‏* * * و أوقع الموت لذود عتم‏

40

و ثم رب فاجعلن ماتم‏* * * ثم اصرف الموت إليها يسلم‏

بحولك اللهم عيش خرم‏* * * و أنت إن سلمته لم يكلم‏

فبلغ العيش به فيهرم‏* * * حتى أراه عند كل مقدم‏

يبين الخير لمن توسم

ثم ضربوا، فخرج السهم على الإبل، ثم أعادوا الثانية، و عبد المطلب مكانه عند هبل، فلما أرادوا أن يضربوا، قال:

يا رب لا تشمت بي الأعادي‏* * * إن بني ثمرة فؤادي‏

فلا تسيل دمه في الوادي‏* * * و اجعل فداه اليوم من تلادي‏

ذود لقاح بدنا أندادي‏* * * حتى تكون فدية الأولاد

و لا ترثنيه الأذواد* * * إن بني رب لم يفادي‏

لكن يمين قسم الجواد* * * فقد تراني رب لم أضادي‏

ثم ضربوا، فخرج السهم على الإبل، ثم أعادوا الثالثة، و قام عبد المطلب يدعو و يقول:

يا رب قد أعطيتني سؤالي‏* * * أكثرت بعد قلة عيالي‏

فاجعل فداه اليوم جل مالي‏* * * معقلات تسحب الاجلال‏

و لا ترينه بشر حال‏* * * فإنه يدخلني سلالي‏

بأن يكون النحر للهلال‏* * * أو تصرف الموت فلا أبالي‏

عن ابني الأصغر ذا الجلال‏* * * أنت الولي المنعم المفضال‏

فأنعم اليوم لذاك بالي‏* * * فإنه قد نزل الموالي‏

كلهم يبكي من السؤال‏* * * كل فتى أبيض كالهلال‏

41

و قالت آمنة أم النبي (صلى اللّه عليه و سلّم):

يا رب بارك في الغلام الأزهر* * * في الهاشمي و الكريم العنصر

ثم ضربوا بالقداح على الإبل، فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها أحد (1).

____________

(1) أثر الاختراع على هذه القصة شديد الوضوح، و هي كما يبدو اخترعت من قبل أكثر من انسان و عبر فترة طويلة، و يبدو أيضا أن فكرتها مستوحاة من القرآن حيث تم ذكر النبي ابراهيم مع قصة ذبحه ابنه و مسألة الفداء، و لا شك أن هذه الرواية استهدفت رفع مكانة النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلّم) و العناية الخاصة التي أحيط بها والده، و من الأدلة على اختراعها انعدام الأضاحي البشرية في مجتمع مكة لما قبل الاسلام، ذلك أن القرآن لم يشر لوجود مثل هذه العادة كما لم يشر من جهة ثانية الى حادثة من هذا القبيل وقعت لأبي النبي، و المشكلة العويصة في هذه الرواية هي الشعر، فهو منظوم ركيك محال ضبطه و بالتالي من العبث شرح كلماته، و سبق لابن هشام أن واجه هذه المسألة حين أورد هذه القصة فحذف الشعر و قال: و بين أضعاف هذا الحديث رجز لم يصح عندنا عن أحد من أهل العلم بالشعر.

42

تزويج عبد اللّه بن عبد المطلب‏

حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: نا يونس، عن ابن إسحاق قال: ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد عبد اللّه، فمرّ به- فيما يزعمون- على امرأة من بني أسد ابن عبد العزى بن قصي، و هي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه- فيما يذكرون-: أين تذهب يا عبد اللّه؟ قال: مع أبي؛ قالت: لك عندي مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع عليّ الآن، فقال: إن معي أبي الآن، و لا أستطيع خلافه و لا فراقه، و لا أريد أن أعصيه شيئا، فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة- و وهب يومئذ سيد بني زهرة نسبا و شرفا- فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، و هي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا و موضعا، و هي لبرّة (1) بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، و أم برّة: أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي، و أم حبيب بنت أسد لبرّة بنت عوف بن عبيد بن كعب بن لؤي‏ (2).

قال ابن إسحاق: فذكروا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه، فوقع عليها عبد اللّه، فحملت برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، فخرج من عندها حتى أتى المرأة التي قالت له ما قالت، و هي أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، و هي في مجلسها، فجلس إليها، و قال: ما لك لا تعرضين علي اليوم مثل الذي عرضت عليّ‏

____________

(1) أي اسم أمها برة.

(2) هناك خلاف بين سياق هذا النسب هنا من حيث الطول و الاختصار و بين ما جاء عند ابن هشام و سواه.

43

أمس؟ قالت: فارقك النور الذي كان فيك، فليس لي بك اليوم حاجة (1).

حدثنا أحمد قال: نا يونس عن ابن إسحاق قال: و كانت- فيما ذكروا، تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، و كان قد تنصر و اتبع الكتب- يقول: إنه لكائن في هذه الأمة نبي من بني إسماعيل، فقالت في ذلك شعرا، و اسمها أم قبال ابنة نوفل بن أسد- كذا قال: «أم قبال»:

الآن و قد ضيعت ما كنت قادرا* * * عليه و فارقك الذي كان جابكا

غدوت عليّ حافلا قد بذلته‏* * * هناك لغيري فالحقن بشأنكا

و لا تحسبني اليوم جلوا و ليتني‏* * * أصبت حبيبا منك يا عبد داركا

و لكن ذا كم صار في آل زهرة* * * به يدعم اللّه البرية ناسكا

فأجابها عبد اللّه فقال:

تقولين قولا لست أعلم ما الذي‏* * * يكون و ما هو كائن قبل ذلك‏

فإن كنت ضيعت الذي كان بيننا* * * من العهد و الميثاق في ظل دارك‏

فمثلك قد أصبت عند كل حله‏* * * و مثلي لا يستام عند الفوارك‏

فقالت له أيضا أم قبال:

عليك بآل زهرة حيث كانوا* * * و آمنة التي حملت غلاما

يرى المهديحين يرى‏* * * عليه نور قد تقدمه أماما

فيمنع كل محصنة خريد* * * إذا ما كان مرتديا حساما

و تخفره الشمال و بان منها* * * رياح الجدب تحسبه قتاما

فأنجبه ابن هاشم غير شك‏* * * و أدته كريمته هماما

فكل الخلق يرجوه جميعا* * * يسود الناس مهتديا إماما

____________

(1) روايات المتقدمين حول مسألة النور كثيرة فيها كيف انتقل نور النبوة من صلب آدم الى كبار الأنبياء من بعده حتى وصل الى عبد اللّه والد النبي، و قد طور الشيعة هذه الروايات كثيرا حيث شكلت ركنا أساسيا في عقائدهم حول الامامة من حيث التسلسل و من حيث اتصالها بالنبوة.

44

براه اللّه من نور مصفى‏* * * فأذهب نوره عنا الظلاما

و ذلك صنع ربك إذ حباه‏* * * إذا ما سار يوما أو أقاما

فيهدي أهل مكة بعد كفر* * * و يفرض بعد ذلكم الصياما

و قال عبد المطلب:

دعوت ربي مخفيا و جهرا* * * أعلنت قولي و حمدت الصبرا

يا رب لا تنحر بني نحرا* * * وفاده بالمال شفعا و وترا

أعطيك من كل سوام عشرا* * * أو مائة دهما و كمتا و حمرا

معروفة أعلامها و صحرا* * * للّه من مالي وفاء و نذرا

عفوا و لم تشمت عيونا خزرا* * * بالواضح الوجه المزين عذرا

فالحمد للّه الأجل شكرا* * * أعطاني البيض بني زهرا

ثم كفاني في الأمور أمرا* * * قد كان أشجاني وهد الظهرا

فلست و البيت المغطى سترا* * * و اللات و الركن المحاذى حجرا

منك لأنعمك إلهي كفرا* * * ما دمت حيا و أزور القبرا

حدثنا أحمد قال: نا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني والدي إسحاق بن يسار قال: حدثت أنه كان لعبد اللّه بن عبد المطلب امرأة مع آمنة ابنة وهب بن عبد مناف، فمر بامرأته تلك، و قد أصابه أثر طين عمل به، فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت به أثر الطين، فدخل فغسل عنه أثر الطين، ثم دخل عامدا إلى آمنة، ثم دعته صاحبته التي كان أراد إلى نفسها، فأبى للذي صنعت به أول مرة، فدخل على آمنة فأصابها، ثم خرج فدعاها إلى نفسه، فقالت: لا حاجة لي بك، مررت بي و بين عينيك غرة، فرجوت أن أصيبها منك، فلما دخلت على آمنة، ذهبت بها منك.

حدثنا أحمد قال: حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: حدثت أن امرأته تلك كانت تقول: لمرّ بي و إن بين عينيه لنورا مثل الغرة، فدعوته‏

45

رجاء أن يكون لي، و دخل على آمنة فأصابها، فحملت برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم).

حدثنا أحمد نا يونس عن ابن إسحاق قال: فكانت آمنة بنت وهب أم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) تحدث أنها أتيت حين حملت محمدا (صلى اللّه عليه و سلّم) فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع [إلى‏] (1) الأرض فقولي:

أعيذه بالواحد* * * من شر كل حاسد

في كل برّ عابد* * * و كل عبد رائد

نزول غير زائد* * * فإنه عبد الحميد الماجد

حتى أراه قد أتى المشاهد

فإن آية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمدا، فإن اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السماء و أهل الأرض، و اسمه في الفرقان محمد فسميه بذلك.

فلما وضعته، بعثت إلى عبد المطلب جاريتها- و قد هلك أبوه عبد اللّه و هي حبلى، و يقال ان عبد اللّه هلك و النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) ابن ثمانية و عشرين شهرا، فاللّه أعلم أي ذلك كان- فقالت: قد ولد لك الليلة غلام فانظر إليه، فلما جاءها، أخبرته خبره، و حدثته بما رأت حين حملت به، و ما قيل لها فيه، و ما أمرت أن تسميه، فأخذه عبد المطلب فأدخله على هبل في جوف الكعبة، فقام عبد المطلب يدعو اللّه، و يشكر اللّه الذي أعطاه إياه، فقال:

السعد للّه الذي أعطاني‏* * * هذا الغلام الطيب الأردان‏

قد ساد في المهد على الغلمان‏* * * أعيذه باللّه‏ (2)ذي الأركان‏

حتى يكون بلغة الفتيان‏* * * حتى أراه بالغ البنان‏

أعيذه من كل ذي شنئان‏* * * من حاسد مضطرب العنان‏

____________

(1) زيد ما بين الحاصرتين من ابن هشام كيما يستقيم السياق.

(2) جاء في حاشية الاصل: كذا قال، أراد «أعيذه بالبيت» صح.

46

ذي همة ليس له عينان‏* * * حتى أراه رافع اللسان‏

أنت الذي سميت في الفرقان‏* * * في كتب ثابتة المثاني‏

أحمد مكتوبا على اللسان

و قال عبد المطلب حين فرغ من شأن عبد اللّه، و فرج عنه ما كان فيه من البلاء و ألهم بذبحه:

دعوت ربي دعوة المناصح‏* * * دعوة مبتاع رضاه رابح‏

فاللّه عند قسمه المنائح‏* * * أعطى على الشح من المشاحح‏

زمزم لا يمتاحها الممائح‏* * * إلا الدلاء الزبد السوافح‏

كم من حجيج مغتد و رائح‏* * * جاد بها من بعد لوح اللائح‏

سقيا على رغم العدو الماشح‏* * * بعد كنوز الحلي و الصفائح‏

حلي لبيت اللّه ذي المسارح‏* * * بيت عليه النور كالمصابح‏

بنيان إبراهيم ذي المسابح‏* * * بناه بالرفق و حلم راجح‏

بين الجبال الصم و الصرادح‏* * * فهو مثاب لذوي الطلائح‏

ينتابه من كل فج نازح‏* * * مشتبه الأعلام و الصحاصح‏

و قال عبد المطلب:

الحمد للخالق لا العباد* * * لما رأى جدي و اجتهادي‏

و انني موفيه بالميعاد* * * و العهد إن العهد ذو معاد

فرج عني كربة الفؤاد* * * و نال مني فدية المفادي‏

فاديت عبد اللّه من تلادي‏* * * إن البنين فلذ الأكباد

ثماره كالقرع للفؤاد* * * أدم و حمر كلها تلاد

قلت للحباسى لها ذواد* * * هل منكم من صيت ينادي‏

الإبل نهب بين أهل الوادي‏* * * فتركوها و هي في عصواد

يركبها بالآلة الحداد* * * كأنها رهو من المزاد

يردي بها ذو أحبل صياد* * * و راح عبد اللّه في الأبراد

47

يغيظ أعدائي من الحساد* * * نجيته من كرب شداد

و قال عبد المطلب أيضا:

الحمد للّه على ما أنعما* * * أعطى على رغم العدو زمزما

تراث قوم لم يكن مهدما* * * و الحاسدون يخرقون الأدما

و لم يكن حافرها ليندما* * * أصاب فيها حلية فتسلما

للّه ما أجرى عليه الأسهما* * * و اللّه أوفى نذره إذ أقسما

أعطى بنين عصبة و خدما* * * فلست و اللّه أريد مأثما

في النذر أو اهريق للّه دما* * * منهم و قد أوفيتهم فتمما

من بعد ما كنت وحيدا أيما* * * يراني الأعداء قرنا أعصما

أعضب أو ذا ارتياب أعسما

و قال عبد المطلب:

دعوت ربي دعوة المغلوب‏* * * و نعم مدعى السائل المكروب‏

فالحمد للمستمع العجيب‏* * * أعطى على رغم ذوي الذنوب‏

إلي و الشحناء و العيوب‏* * * زمزم ذات الموضع العجيب‏

بين سواد الصنم المنصوب‏* * * و بين بيت اللّه ذي الحجوب‏

و تحت فرث النعم المغصوب

48

مولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)

حدثنا أحمد بن عبد الجبار، نا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال:

حدثني المطلب بن عبد اللّه بن قيس، عن أبيه، عن جده قيس بن مخرمة قال:

ولدت أنا و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) عام الفيل، كنا لدين.

حدثنا أحمد: نا يونس عن ابن إسحاق قال: و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) عام عكاظ (1) ابن عشرين سنة.

قال ابن إسحاق: فدفع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى أمه، و التمس له الرضعاء، و استرضع له حليمة ابنة أبي ذؤيب، و أبو ذؤيب عبد اللّه بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام ابن ناصرة بن قصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة ابن خصفه بن قيس بن عيلان بن مضر، و اسم أبي رسول اللّه الذي أرضعه الحارث ابن عبد العزى بن رفاعة بن فلان بن ناصرة بن قصية بن نصر بن سعد بن بكر ابن هوازن.

و أخوته من الرضاعة: عبد اللّه بن الحارث، و أنيسة ابنة الحارث، و حذافة ابنة الحارث، و هي الشيماء، غلب عليها ذلك، و لا تعرف في قومها إلّا به، و هي لحليمة أم رسول اللّه، و ذكروا أن الشيماء كانت تحضن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) مع أمه إذ كان عندهم.

حدثنا أحمد، نا يونس عن ابن إسحاق قال: حدثني جهم بن أبي جهم- مولى لامرأة من بني تميم، كانت عند الحارث بن حاطب، فكان يقال مولى الحارث بن حاطب- قال: حدثني من سمع عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب،

____________

(1) أي أيام حروب الفجار، و الخبر مشهور انظره عند ابن هشام.

49

يقول: حدثت عن حليمة ابنة الحارث- أم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، التي أرضعته- أنها قالت: قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس بها الرضعاء، و في سنة شهباء (1)، فقدمت على أتان لي قمراء كانت أذمت بالركب، و معي صبي لنا، و شارف لنا، و اللّه ما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك، ما نجد في ثديي ما يغنيه، و لا في شارفنا ما يغذيه، فقدمنا مكة، فو اللّه ما علمت منا امرأة إلّا و قد عرض عليها- رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)- فإذا قيل «إنه يتيم» تركناه، و قلنا: ما ذا عسى أن تصنع إلينا أمه، إنما نرجو المعروف من أبي الوليد، فأما أمه فما عسى أن تصنع إلينا؟ فو اللّه ما بقي من صواحبي امرأة إلّا أخذت رضيعا غيري، فلما لم أجد غيره، قلت لزوجي الحارث بن عبد العزى: و اللّه إني أكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك، فذهبت، فأخذته، فو اللّه ما أخذته إلّا أني لم أجد غيره.

فما هو إلّا أن أخذته، فجئت به رحلي، فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، و شرب أخوه حتى روي، و قام صاحبي إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل، فحلب ما شرب و شربت حتى روينا، فبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي: يا حليمة، و اللّه إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة، أ لم تري إلى ما بتنا به الليلة من الخير حين أخذناه؟! فلم يزل اللّه يزيدنا خيرا، حتى خرجنا راجعين إلى بلادنا، فو اللّه لقطعت أتاني بالركب حتى ما يتعلق بها حمار، حتى أن صواحبي ليقلن: ويلك، يا بنت أبي ذؤيب، أ هذه أتانك التي خرجت عليها معنا؟ فأقول: نعم، و اللّه إنها لهي، فيقلن: و اللّه إن لها لشأنا، حتى قدمنا أرض بني سعد، و ما أعلم أرضا من أرض اللّه عز و جل أجدب منها، فإن كانت غنمي لتسرح ثم تروح شباعا، لبنا، فنحلب ما شئنا، و ما حولنا أحد تبض له شاة بقطرة لبن، و إن أغنامهم لتروح جياعا، حتى أنهم ليقولون لرعيانهم:

____________

(1) أي شديدة القحط.

50

و يحكم انظروا حيث تسرح غنم بنت أبي ذؤيب، فاسرحوا معهم، فيسرحون مع غنمي حيث تسرح، فيريحون أغنامهم جياعا و ما فيها قطرة لبن، و تروح غنمي شباعا، لبنا، نحلب ما شئنا، فلم يزل اللّه عز و جل يرينا البركة، و نتعرفها حتى بلغ سنتيه، و كان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فو اللّه ما بلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا، فقدمها به على أمه، و نحن أضن شي‏ء به مما رأينا فيه من البركة

شق بطن الرسول.

، فلما رأته أمه، قلنا لها: يا ظئر دعينا نرجع ببنينا هذه السنة، فإنا نخشى عليه أوباء مكة، فو اللّه ما زلنا بها حتى قالت: فنعم، فسرحته معنا.

فأقمنا به شهرين أو ثلاثة، فبينا نحن خلف بيوتنا، و هو مع أخ له من الرضاعة في بهم لنا، جاءنا أخوه يشتد، فقال: ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض، فأضجعاه فشقا بطنه، فخرجت أنا و أبوه نشتد نحوه، فنجده قائما، منتقعا لونه، فاعتنقه أبوه، و قال: أي بني، ما شأنك؟

قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بياض، فأضجعاني فشقا بطني، ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه، ثم رداه كما كان، فرجعنا به معنا، فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب، انطلقي بنا، فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما يتخوف.

قالت: فاحتملناه، فلم ترع أمه إلّا به قد قدمنا به عليها، فقالت: ما رد كما به، قد كنتما عليه حريصين؟! فقلنا: لا و اللّه يا ظئر، إلّا أن اللّه عز و جل قد أدى عنا و قضينا الذي علينا، و قلنا: نخشى الإتلاف و الأحداث، نرده إلى أهله، فقالت: ما ذلك بكما، فاصدقاني شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان، كلا و اللّه ما للشيطان عليه سبيل، و إنه لكائن لابني هذا شأن، ألا أخبركما بخبره؟ قلنا: بلى، قالت: حملت به، فما حملت حملا قط أخف منه، فأريت في النوم حين حملت به كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم وقع حين ولدته وقوعا ما يقعه المولود، معتمدا على‏

51

يديه، رافعا رأسه إلى السماء، فدعياه‏ (1) عنكما.

حدثنا أحمد قال: نا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) أنهم قالوا: يا رسول اللّه، أخبرنا عن نفسك، فقال: دعوة أبي إبراهيم، و بشرى عيسى، و رأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، و استرضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي في بهم لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بياض، معهما طست من ذهب مملوءة ثلجا، فأضجعاني، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقة سوداء، فألقياها، ثم غسلا قلبي و بطني بذاك الثلج، حتى إذا أنقياه، رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزنني بعشرة، فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بألف، فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنهم.

حدثنا أحمد قال: نا يونس بن بكير عن أبي سنان الشيباني، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن يحيى بن جعدة، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم): إن ملكين جاءاني في صورة كركيين، معهما ثلج و ماء بارد، فشرح أحدهما صدري، و مجّ الآخر منقاره، فغسله.

____________

(1) يبدو أن كلمة «فدعياه» تحمل صيغة المخاطبة بالأمر تثنية.

52

حديث تبع الحميري‏

حدثنا أحمد بن عبد الجبار: نا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال:

ثم إن تبعا أقبل من مسيره الذي كان سار يجول الأرض فيه، حتى نزل على المدينة، فنزل بوادي قباء، فحفر فيها بئرا، فهي اليوم تدعى بئر الملك، و بالمدينة إذ ذاك يهود، و الأوس و الخزرج، فنصبوا له فقاتلوه، فجعلوا يقاتلونه بالنهار، فإذا أمسى أرسلوا إليه بالضيافة و إلى أصحابه، فلما فعلوا ذلك به ليالي استحيا، فأرسل إليهم يريد صلحهم، فخرج إليه رجل من الأوس يقال له: أحيحة بن الجلاح بن حريش بن جحجبا بن كلده بن عوف‏ (1) بن عمرو بن بن عوف بن مالك بن الأوس، و خرج إليه من يهود بنيامن القرظي، فقال له أحيحة: أيها الملك نحن قومك، و قال بنيامن: أيها الملك هذه بلدة لا تقدر أن تدخلها لو جهدت بجميع جهدك، فقال: و لم؟ قال: لأنها منزل نبي من الأنبياء، يبعثه اللّه عز و جل من قريش، و جاء تبعا مخبر خبره عن اليمن أنه بعث [اللّه‏] عليها نارا تحرق كل ما مرت به، فخرج سريعا، و خرج معه بنفر من يهود فيهم بنيامن و غيره، و هو يقول:

إني نذرت يمينا غير ذي خلف‏* * * ألا أجوز و بالحجاز مخلد

حتى أتاني من قريظة عالم‏* * * حبر لعمرك في اليهود مسود (2)

____________

(1) جاء في حاشية الأصل: كذا قال، انما هو: ابن كلفة بن عوف.

(2) انظر التيجان في ملوك حمير المنسوب لوهب بن منبه ص 112 مع بعض الخلاف، و يشكل خبر تبع هذا قسما من أخبار الرواة عن اليمن قبل الاسلام، فيها تأثير قصة ذي القرنين القرآنية كما فيها رواسب تاريخية لحملات بعض ملوك حمير النصارى، قبل ذي نواس، على يثرب و مناطق سكنى اليهود في شمال شبه الجزيرة.

53

ألقى إلي نصيحة كي أزدجر* * * عن قرية محجورة (1)بمحمد

حدثنا أحمد: نا يونس عن ابن إسحاق قال: ثم خرج يسير حتى إذا كان بالدف من جمدان، من مكة على ليلتين أتاه ناس من هذيل بن مدركة، و تلك منازلهم، فقالوا: أيها الملك أ لا ندلك على بيت مملوء ذهبا و ياقوتا و زبرجدا تصيبه و تعطينا منه؟ فقال: بلى، فقالوا: هو بيت بمكة، فراح تبع و هو مجمع لهدم البيت، فبعث اللّه عز و جل عليه ريحا فقفعت يديه و رجليه، و شجت جسده، فأرسل إلى من كان معه من يهود، فقال: ويحكم ما هذا الذي أصابني؟

فقالوا: أ أحدثت شيئا؟ فقال: و ما أحدثت؟ فقالوا أ حدّثت نفسك بشي‏ء؟

قال: نعم جاءني نفر من أهل هذا المنزل الذي رحنا منه، فدلوني على بيت مملوء ذهبا و ياقوتا و زبرجدا، و دعوني إلى تخريبه و إصابة ما فيه، على أن أعطيهم منه شيئا، فرأيت لهم بذلك، فرحت، و أنا مجمع لهدمه، فقال النفر الذين كانوا معه من يهود: ذلك بيت اللّه الحرام، و من أراده هلك، فقال: ويحكم فما المخرج مما دخلت فيه؟ قالوا: تحدث نفسك أن تطوف به كما يصنع به أهله و تكسوه و تهدي له، فحدث نفسه بذلك، فأطلقه اللّه عز و جل و قال في شعره:

بالدف من جمدان فوز مصعد* * * حتى أتاني من هذيل أعبد

ذكروا إلي البيت، قالوا كنزه‏* * * در و ياقوت و فيه زبرجد

فأردت أمرا حال ربي دونه‏* * * و الرب يدفع عن خراب المسجد

ثم سار حتى دخل مكة، فطاف بالبيت، و سعى بين الصفا و المروة، فأري في المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف، و كان أول من كساه، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافري، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الوصائل، وصائل اليمن، و أقام بمكة ستة أيام- فيما ذكر لي- ينحر

____________

(1) في حاشية الاصل: كذا قال: و انما هي مجحورة.

54

بها للناس، و يطعم من كان بها من أهلها و يسقيهم للعسل، قال: فكان تبع فيما ذكر لي أول من كساه و أوصى به ولاته من جرهم، و أمرهم بتطهيره، و لا يقربوه ميتة، و لا دما و لا مئلاثا- و هو الحائض- و جعل له بابا و مفتاحا، و قال تبع في الشعر:

و نحرنا بالشعب ستة ألف‏* * * ترى الناس نحوهن ورودا

و كسونا البيت الذي حرم اللّه‏* * * ملاء معضدا و برودا

و أقمنا بها من الشهر ستا* * * و جعلنا لبابه اقليدا

و أمرنا به الجرهمين خيرا* * * و كانوا لحافتيه شهودا

و أمرنا ألا يقربن مئلاثا* * * و لا ميتا (1)و لا دما مفصودا

ثم سرنا نؤم قصد سهيل‏* * * قد رفعنا لواءنا معقودا (2)

حدثنا أحمد قال: نا يونس عن ابن إسحاق قال: فلما أراد الشخوص إلى اليمن، أراد أن يخرج حجر الركن، فيخرج به معه، فاجتمعت قريش‏ (3) إلى خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، فقالوا: ما دخل علينا يا خويلد ان ذهب هذا بحجرنا، قال: و ما ذاك؟ قالوا: تبع يريد أن يأخذ حجرنا يحمله إلى أرضه، فقال خويلد: الموت أحسن من ذلك، ثم أخذ السيف، و خرج و خرجت معه قريش بسيوفهم حتى أتوا تبعا، فقالوا: ما ذا تريد يا تبع إلى الركن؟ فقال: أردت أن أخرج به إلى قومي، فقالت قريش: الموت أقرب من ذاك، ثم خرجوا حتى أتوا الركن، فقاموا عنده، فحالوا بينه و بين ما أراد من ذلك، فقال خويلد في ذلك شعرا:

____________

(1) في حاشية الاصل: له جراحه.

(2) أي نحو الجنوب الى اليمن لأن سهيل يمان.

(3) كذا، و سبق أن ذكر في الفقرة السابقة أن سكان مكة آنئذ كانوا من جرهم، و تبعا للروايات أجلت خزاعة جرهم عن مكة ثم أجلى قصي بن كلاب خزاعة عن مكة و أسكنها قومه من قريش.