سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - ج2

- هاشم معروف الحسني‏ المزيد...
573 /
5

[سيرة الائمة الاثنى‏عشر] القسم الثاني‏

في القسم الأول من سيرة الأئمة (ع) لمحات عن سيرتي السيدتين جدتي الأئمة الأطهار الصحابية الأولى خديجة الكبرى و ابنتها الصديقة الزهراء (ع) تقديرا لخدماتهما و وفاء لحقهما على كل مسلم و مؤمن باللّه و اليوم الآخر، و عرض و دراسة لبعض الجوانب من سيرة الإمامين العظيمين علي بن أبي طالب و ولده الحسن السبط (ع) و ما رافق حياتهما من أحداث، و في هذا القسم عرض سريع لبعض الجوانب من سيرة الأئمة الباقين يبتدئ بسيرة الإمام الثالث الحسين بن علي أبي الشهداء (ع) حتى الإمام الثاني عشر الحجة المنتظر (ع) مع تحليل و تقييم لبعض الاحداث و التطورات التي كانت تعترض مسيرتهم و تستهدف حياتهم بواسطة الحاكمين في عهدين كان الظلم و الجور و مطاردة المصلحين و العاملين لخير الإنسان من أبرز الجوانب في تاريخهما.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الإمام الثالث الحسين بن علي الشهيد (عليهما السلام)

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الحسين بن علي (ع)

حسين مني و انا من حسين اللهم احب من يحب حسينا لقد كان ابو عبد اللّه سيد شباب اهل الجنة، ريحانة جده المصطفى و أحد الخمسة الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و باهى بهم النبي (ص) نصارى نجران كما نص على ذلك اكثر المؤرخين و المحدثين و المفسرين لكتاب اللّه، و كان الإمام بنص الرسول و أبيه و أخيه عليه.

ولد (ع) في المدينة لخمس خلون من شعبان في السنة الرابعة للهجرة، و جاء عن اسماء بنت عميس: ان الزهراء اولدته بعد حول من مولد اخيه الحسن فجاءها النبي (ص) و قال: يا اسماء هاتي ابني فدفعته إليه و هو ملفوف بخرقة بيضاء فاستبشر به و أذن في اذنه اليمنى و أقام في اليسرى، ثم وضعه في حجره و بكى، فقلت: فداك ابي و أمي يا رسول اللّه ممّ بكاؤك؟

قال ابكي لما يصيبه بعدي و ستقتله الفئة الباغية لا انا لهم اللّه شفاعتي، و مضى يقول لعلي (ع): هل سميته يا ابا الحسن؟ فقال: ما كنت لأسبقك في اسمه، و كنت احب ان اسميه حربا، فقال: سمه حسينا، و في اليوم السابع عق عنه كبشا و تصدق بوزن شعره فضة كما فعل مع اخيه الحسن من قبل.

10

و جاء في كثير من المرويات انه لم يرضع من ثديي أمه و لا من غيرها، و كان النبي (ص) يضع ابهامه في فمه فيمتص منها ما يكفيه ليومين او ثلاثة.

و روى ابن شهر اشوب في مناقبه: ان فاطمة الزهراء (ع) اعتلت بعد ان أولدت الحسين و جف لبنها فطلب له رسول اللّه من ترضعه فلم يجد له مرضعة فكان يأتيه و يلقمه ابهامه فيمصها فكان غذاؤه منها أربعين يوما حتى نبت لحمه من لحم رسول اللّه (ص).

و روى الرواة عن الإمام الصادق (ع) انه قال: لم يرضع جدي الحسين من ثدي فاطمة و لا من انثى غيرها، بل كان يؤتى به النبي فيضع ابهامه في فيه فيمتص منها ما يكفيه اليومين و الثلاثة.

و مهما كان الحال فالذي لا ريب فيه ان النبي (ص) كان يلقمه ابهامه احيانا، و أحيانا لسانه، أما أنه لم يرضع من ثدي أمه و لا من امرأة غيرها أبدا، فالروايات التي تعرضت لهذه المرحلة من طفولته لا تنهض لإثبات ذلك.

و كان (ع) كما تصفه المرويات اشبه الناس جسما برسول اللّه، و إن الحسن (ع) كان أشبه الناس به وجها، شديد القوة ربعة ليس بالطويل و لا بالقصير لم ير الناس أحسن منه، و قد أحبه الرسول و غمره بعطفه و حنانه، و كان يؤلمه بكاؤه فيوصي الزهراء بالحدب عليه و الرفق به و التوجه إليه ثم يأتيه فيحمله حينا بين يديه و أحيانا على كتفه و يخرج به الى الناس، فإذا جلس وضعه في حضنه، و إذا تفلت منه و مشى لا تفارقه عيناه، و رآه مرة و هو يتعثر في قميص له و كان يخطب الناس، فنزل عن منبره حتى أخذه و عاد إلى خطبته من حيث قطعها و هو يقول: الأولاد فتنة.

و قال الاستاذ أحمد عاشور في كتابه سيد شباب أهل الجنة: و لو أنك تصفحت الصحاح من كتب السنّة لرأيت عشرات الاحاديث الناطقة بفضل‏

11

الحسين الشاهدة بقدره و حب الرسول له، بل إنك لترى في هذه الكتب عشرات من الإيماءات و الإشارات التي تدل على أن اللّه سبحانه قد أحاط نبيه محمدا (ص) بالكثير مما واجهه الحسين (ع) في حياته من مصاعب و ما لاقاه من إحن و محن و فتن، حتى لقد أوشك أن يخبر (صلوات اللّه و سلامه عليه) بمأساة كربلاء و ما أزهق فيها من أنفس و أريق فيها من دماء، بل أخبر اصحابه بذلك في بعض المناسبات كما يوحي إلى ذلك موقف زهير بن القين حينما دخل عليه الحسين (ع) و هو في طريقه الى كربلاء و زهير بن القين عائد من الحج و كان عثمانيا فلما اجتمع إلى الحسين حول رحله إلى رحاله و قال لأصحابه: لقد غزونا مع سلمان الفارسي ففتح اللّه علينا و غنمنا، فقال لنا سلمان: اذا أدركتم قتال سيد شباب أهل الجنة فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه مما أصبتم من هذه الغنائم. و معلوم ان سلمان الفارسي ما كان له أن يعلم ما سيجري في المستقبل لو لا إخبار النبي (ص) له بذلك.

و روى الرواة أيضا ان عليا (ع) مر بكربلاء فوقف عندها طويلا و بكى ثم حدث عما سيجري في تلك البقعة على ذريته، و ما كان لعلي و غيره ان يعلم ما يجري عليه و على ذريته الا بواسطة النبي الذي يتلقى علم ذلك عن طريق الوحي، كما حدثت أم سلمة (رضوان اللّه عليها) عما سيجري عليه في كربلاء و روى الرواة عنها أن جبرائيل لما أخبر النبي بما يجري على ولده الحسين تناول قبضة من ترابها و أعطاها رسول اللّه إليها و أخبرها بأنها عند قتل الحسين ستفور دما و كان الأمر كذلك، و لقد حدثت الحسين بذلك عند ما ودعها و هو في طريقه الى العراق فأكد لها ما سمعته من جده، و أعطاها أيضا من تراب كربلاء، فكانت تتعاهد التربة منذ أن اتجه أبو عبد اللّه الى العراق، و في اليوم العاشر من المحرم فقدتها كعادتها فوجدتها تفور دما عبيطا، و كانت أول من علم بقتله من أهل الحجاز كما جاء في كثير من الروايات و إن كان أكثرها ليس في المستوى المطلوب.

و مهما كان الحال فلقد بقي الحسين مع جده النبي سبع سنين أو أقل‏

12

من ذلك بقليل حسب اختلاف الروايات في تاريخ ولادته، و كان قد سماه حسينا كما سمى اخاه حسنا من قبله، و ظل في رعايته إلى أن انتقل لربه، فكانت نفسه الكريمة على صغره ترسم كل ما يصدر عن النبي من قول و فعل، فلم يعرف احدا قبل جده و لا أحس بعطف انسان قبل عطفه و كان يغذيه من لسانه ما يكفيه اليومين و الثلاثة على حد تعبير الرواة حتى اشتد و ثبت لحمه و اتسعت نفسه الكبيرة لمعاني الرسالة و أهدافها و غمرته بروحانيتها، و قال فيه جده أكثر من مرة: حسين مني و أنا من حسين.

و روى الرواة عن البراء بن عازب انه قال: رأيت النبي (ص) يحمل الحسين على عاتقه و يقول: اللهم إني أحبه فأحبه و أحب من يحبه، و انتقل بعد جده الى أحضان أبيه أمير المؤمنين، و هو في السابعة من عمره، و شارك أباه و أمه في محنتهما بفقد الرسول و اقصاء أبيه عن حقه في الخلافة، و شاهد أمه خلال الاشهر القليلة التي عاشتها بعد جده لا يقر لها قرار لفراق أبيها تندبه في الليل و النهار، و لا يفوتها و هي في هذا الجو القاتم أن تطالب القوم بما اغتصبوه منها و من ابن عمها و تقارعهم بالحجج الدامغة و البراهين الساطعة، و هم جادون في هضمها و اغتصاب حقها، حتى بلغ بهم الحال ان هاجموا بيتها و هموا بإحراقه بمن فيه كما حدث الرواة بذلك.

لقد شاهد ابو عبد اللّه الحسين كل ذلك في مطلع صباه فكان يتلوى من الألم و يقاسي مرارة تلك الاحداث و هو إلى جانب أبيه و أخيه حتى كانت وفاة أمه فتضاعفت آلامه و اشتد وقعها على نفسه، و بقي إلى جانب أبيه يتأسى بصبره و جلده حتى اجتاز تلك المرحلة من حياته بنفس مطمئنة لقضاء اللّه و قدره كما اجتازها أبوه و أخوه، و بقي إلى جانب أبيه أكثر من ثلاثين عاما مخلصا لرسالة جده متنكرا للباطل و أهله شديدا على الظالمين لا يهادن و لا يحابي أحدا على حساب دينه، و لا تغريه دنياهم بما فيها من مفاتن و مغريات، ينشطه الجور و يوقظه الظلم و يثيره أنين الضعفاء و عويل المنكوبين، فيرفع صوته الذي كان يدوي في أطراف الحجاز و العراق فيقض مضاجع الظلمة و الطغاة:

13

ألا و إني لا أرى الموت إلا سعادة و الحياة مع الظالمين إلا برما.

و لقد أجمع المؤرخون و الرواة على أنه كان مثالا للفضائل و مكارم الأخلاق و محاسن الأعمال مفيدا من علمه الواسع الذي ورثه عن جده و أبيه مرشدا بأعماله قبل أقواله سخيا بماله على الفقراء و ذوي الحاجات متواضعا في نفسه يناصر الحق و يحارب المنكر و يتحلى بالصبر و الحلم و العفاف و المروءة و الورع، من أعبد الناس و أزهدهم في الدنيا و ملذاتها.

و كان اذا تحدث عن الدنيا و دور الإنسان فيها يقول:

عباد اللّه اتقوا اللّه و كونوا من الدنيا على حذر، فإنها لو بقيت لأحد او بقي عليها أحد لكانت للأنبياء أحق بالبقاء و أولى بالرضا غير ان اللّه خلق الدنيا للبلاء و خلق أهلها للفناء فجديدها بال و نعيمها مضمحل و سرورها مكفهر فتزودوا فإن خير الزاد التقوى و اتقوا اللّه لعلكم تفلحون.

و مجمل القول: ان الحديث عن الحسين (ع) غني بالمواد و بكل معاني النبل و التضحية و الفداء لأنه يأتي في القمة بين المصلحين و عظماء التاريخ و الثائرين على الظلم و الطغيان و قد أبت نفسه الكريمة الطاهرة الا أن تكون القدوة الحسنة و المثل الاعلى لكل مصلح و لكل ثائر على الظلم و الظالمين، و لكل أبي كريم يؤثر الموت تحت ظلال السيوف على الحياة بين أطمار الذلة و في ظل الجبابرة، و ختم حياته و السيوف تنهش من جسمه و هو يقول: لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل و لا أقر لكم إقرار العبيد، و لا يزال و سيبقى رمزا للبطولات و التضحيات و حديثا كريما طيبا للأجيال تستمد من معانيه و أبعاده الخيرة أقدس المثل و أكثرها عطاء في تاريخ البشرية الطويل.

و لا بد لنا و نحن بصدد الحديث عن سيرته من عرض سريع لمراحلها راجين منه سبحانه أن يوفقنا لأن نستلهم منها الحق و الثبات على الحق و البذل و العطاء في سبيل اللّه كما بذل و أعطى سيد الشهداء (ع).

14

الحسين في عهد الخلفاء الأربعة

لقد عرضنا لمحة عن ولادته و حياته مع جده الرسول الأمين، و لم يحدثنا التاريخ بشي‏ء عنه خلال خلافة ابي بكر القصيرة، و لعل مرد ذلك إلى صغر سنه يوم ذاك لأنه بقي في الخلافة نحوا من سنتين و الحسين (ع) يوم وفاة أبي بكر كان في التاسعة من عمره، أما في خلافة ابن الخطاب فيجد الباحث بعد التتبع نتفا من سيرته هنا و هناك.

فقد جاء عنه في مطلع خلافة عمر بن الخطاب انه قال: أتيته و هو يخطب على المنبر و المسلمون حوله فتخطيت الناس و صعدت إليه و قلت له:

انزل عن منبر أبي و اذهب الى منبر أبيك، فابتسم لي و قال: ليس لأبي منبر و إنه لمنبر أبيك أي و اللّه ثم أخذني بيده و أجلسني الى جانبه، فلما نزل عن المنبر انطلق بي إلى منزله و قال لي: من علمك ذلك؟ فقلت: و اللّه ما علمني أحد، فقال: بأبي أنت و أمي لو جعلت تغشانا، فأتيته يوما و هو مجتمع مع معاوية في خلوة و ولده عبد اللّه واقف على الباب فرجع و رجعت معه، فلقيني بعد ذلك و قال لي: لم أرك منذ فارقتني، فقلت له:

إني جئتك و أنت في خلوة مع معاوية و وجدت ولدك عبد اللّه على الباب فرجعت معه، فقال: أنت أحق من ولدي فإنما أنبت ما ترى في رءوسنا اللّه ثم أنتم.

15

و جاء في تذكرة الخواص و غيرها عن ابن عباس: ان عمر بن الخطاب كان يحب الحسن و الحسين و يقدمهما على ولده و لقد وزع الأموال يوما فأعطى لكل من الحسن و الحسين عشرة آلاف درهم و أعطى ولده عبد اللّه ألفا، فعاتبه ولده و قال: لقد علمت سبقي الى الإسلام و هجرتي الى رسول اللّه و أنت تفضل علي هذين الغلامين، فقال له: ويحك يا عبد اللّه، آتني بجد كجدهما و أب كأبيهما و أم كأمهما و خال كخالهما و عم كعمهما و عمة كعمتهما و جدهما رسول اللّه و أبوهما علي بن أبي طالب و امهما فاطمة الزهراء و جدتهما خديجة بنت خويلد و خالهما ابراهيم ابن رسول اللّه و عمهما جعفر الطيار و عمتهما أم هانئ بنت أبي طالب.

و روى ابن عساكر في تاريخه أن عمر بن الخطاب فرض للحسن و الحسين مثلما فرض لأبيهما و ألحقهما بأهل بدر في العطاء، و أرسل إليه عامله على اليمن حللا فوزعها و لم يعط الحسن و الحسين منها فلبسها الناس و راحوا يخطرون بها و خرج الحسن و الحسين من بيت امهما فاطمة و كان في جوف المسجد فقطب عمر بن الخطاب و قال لمن حوله: و اللّه ما انصفت اذ كسوتكم من حلل اليمن و تركت هذين الغلامين، ثم كتب لعامله على اليمن أن:

ابعث لي بحلتين لحسن و حسين و عجل بهما فبعث إليه بحلتين فكساهما و قال:

الآن طابت نفسي.

و في رواية ثانية ان الحلل التي جاءته اولا لم يكن فيها ما يصلح لهما فأرسل إلى عامله في اليمن أن يرسل له حلتين على حسابهما.

و لم يرد في المصادر التاريخية ما يشير الى اشتراكه في حروب المسلمين مع الدولتين الرومانية و الفارسية، و لعل ذلك يعود إلى أنه خلال خلافة ابن الخطاب لم يتجاوز مطلع الشباب، و في خلافة عثمان بن عفان كان قد تكامل شبابه فاشترك هو و أخوه الحسن (ع) في الحياة العامة و في بعض الغزوات إلى افريقيا و بلاد الفرس.

16

فقد جاء في رواية ابن خلدون من تاريخه كتاب العبر المجلد الثاني ص 128 و 129 ان عثمان بن عفان عزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر و استعمل عليها أخاه من الرضاعة عبد اللّه بن سرح، و كان قد أمر عبد اللّه بغزو افريقية، و أمر على الجند عقبة بن نافع بن عبد القيس و عبد اللّه بن نافع بن الحرث فخرجوا الى افريقية فصالحهم أهلها على مبلغ من المال يؤدونه إليهم و لم يستطيعوا التوغل فيها لكثرة اهلها، ثم استأذن ابن سرح عثمان في التوغل فيها و طلب منه ان يمده بالجيش فاستشار عثمان بن عفان الصحابة فأشاروا عليه بإرسال الجيش إليها، فأمده بالعساكر و فيهم جماعة من الصحابة منهم عبد اللّه بن عباس و ابن عمر و عبد اللّه بن عمرو بن العاص و ابن جعفر و الحسن و الحسين (ع)، و ممن أكد اشتراكهما في تلك الغزوة احمد بن خالد الناصري السلاوي في كتابه الاستقصاء لأخبار المغرب الأقصى في المجلد الأول ص 39.

و روى الطبري في ص 57 و 58 من المجلد الخامس و ابن خلدون في ص 134 و 135 من المجلد الثاني من كتابه العبر، ان الحسين (ع) قد اشترك في حروب المسلمين مع الفرس في طبرستان و جهاتها، و جاء فيهما: أنه في سنة ثلاثين من الهجرة غزا سعيد بن العاص طبرستان، و كان ملكها (الأصبهبذ) قد صالح سويد بن مقرن في عهد عمر بن الخطاب على مال يؤديه للمسلمين في كل عام، و لما غزاها سعيد بن العاص عند ما ولاه عثمان الكوفة ضم إليه جماعة من الصحابة و فيهم الحسنان (ع) و عبد اللّه بن عباس و جماعة من أولاد المهاجرين و الانصار، و امتد الغزاة إلى جرجان و نهاوند و غيرهما فخضعت جميع تلك المناطق للقوات الغازية. و قد أهمل هذه الناحية جماعة من المؤرخين و لم يتعرضوا لاشتراك الحسن و الحسين في الغزوات و الحروب الإسلامية التي كانت مكللة بالنجاح يوم ذاك، و حتى في غزو إفريقيا و طبرستان و جهاتها كما أهملوا غيرها من الحقائق التاريخية، لذلك فإن اهمالهم لها لا يكفي وحده لأن يكون سببا للتشكيك بها، لا سيما عند المتتبع لتاريخ أهل البيت‏

17

الحافل بالتضحيات في سبيل الإسلام.

و يدعي اكثر المؤرخين بأن الحسين (ع) قد اشترك هو و أخوه الحسن (ع) في الدفاع عن عثمان، و قد أمرهما أمير المؤمنين (ع) ان يقفا على باب داره ليصدا هجمات الثوار عليه.

و أضاف إلى ذلك بعض المؤرخين: أن الثوار قد تهيبوا الدخول عليه من الباب الذي رابط عليه الحسنان، فتسلقوا الجدران و دخلوا عليه و كانت بذلك نهايته، و كنت قد تعرضت لهذه الناحية من مواقفهما في القسم الأول من هذا الكتاب، خلال حديثي عن الثورة التي اطاحت بعثمان و سلطانه، و أبديت بعض الملاحظات على هذا النوع من المرويات فلم يعد ما يوجب الحديث عنها. و قد اشترك مع ابيه خلال خلافته في جميع الشؤون السياسية و العسكرية و الادارية و كان يرعاه و يتمنى عليه و على اخيه الحسن ان لا يغامرا في المعارك، في حين انه كان يحرض ولده محمد بن الحنفية على اقتحامها.

و قد قيل له لم يغرر بك ابوك و لا يغرر بالحسن و الحسين، فقال: انهما عيناه و أنا يمينه فهو يدفع عن عينيه بيمينه، و مرة اخرى قيل لأمير المؤمنين:

لما ذا تسمح لمحمد بن الحنفية في خوض المعارك و تمنع الحسن و الحسين؟ فقال:

لأنهما عيناي و محمد يداي و أنا أدفع عن عيني بيدي.

و لما عاد الى الكوفة بعد رفع المصاحف و التحكيم و سمع قول من قال:

لو كان مضى بمن اطاعه فقاتل حتى يظفر او يهلك، قال: و اللّه ما غاب عن رأيي ذلك و ان كنت سجينا بنفسي عن الدنيا طيب النفس بالموت، و لقد هممت بالإقدام على القوم فنظرت الى هذين قد ابتدراني يعني الحسن و الحسين، و نظرت الى هذين و قد استقدماني، يعني عبد اللّه بن جعفر و محمد بن علي، فعلمت ان هذين ان هلكا انقطع نسل رسول اللّه من هذه الأمة، و أشفقت على هذين ان يهلكا و ايم اللّه لئن لقيتهم بعد يومي هذا لألقيتهم و ليسوا معي في عسكر أبدا.

18

و جاء في المجلد الثاني من أسد الغابة ص 193 و 194 عن شقيق بن سلمة ان الحسين (ع) برز في معارك أبيه مع القاسطين او المارقين و الناكثين، و نادى: هل من مبارز؟ فأقبل رجل من آل ذي لعوة اسمه الزبرقان بن احلم و كان بطلا شديد البأس فقال للحسين: من أنت؟ قال أنا الحسين بن علي، فقال له الزبرقان: انصرف يا بني،؛ فاني و اللّه لقد نظرت إلى رسول اللّه مقبلا من ناحية قباء على ناقة حمراء و انك يومئذ قدامه فما كنت لألقى رسول اللّه بدمك و انصرف عنه‏ (1).

____________

(1) ان صحت هذه الرواية فمن الجائز أن يكون انصرافه عنه خوفا على نفسه لا عليه لأن الحسين كان معروفا بالبطولة و القوة.

19

وصية أمير المؤمنين الى الحسين (ع)

لقد روى الرواة أنه لما ضرب ابن ملجم أمير المؤمنين بالسيف و أدخل بيته كان يغمى عليه ساعة بعد ساعة، و في الليلة التي توفي فيها جمع ولده و نص على إمامة الحسن و الحسين و أوصى أولاده بإطاعتهما، و قال لهما: أوصيكما بتقوى اللّه و أن لا تبغيا الدنيا و إن بغتكما و لا تأسفا على شي‏ء زوى منها عنكما، و كونا للمظلوم عونا و للظالم خصما، و التفت الى من كان عنده من بنيه و بني هاشم، و قال: يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون قتل أمير المؤمنين، لا تقتلن بي إلا قاتلي، و انظروا إذا أتاحت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة و لا تمثلوا بالرجل فإني سمعت رسول اللّه يقول: اياكم و المثلة و لو بالكلب العقور.

و كان مما أوصى به الحسين كما في الاعجاز و الايجاز لأبي منصور الثعالبي:

يا بني ما شر بعده الجنة بشر و لا خير بعده النار بخير، و كل نعيم دون الجنة محضور، و كل بلاء دون النار عافية، اعلم يا بني: ان من أبصر عيب نفسه شغل عن غيره، و من رضي بقسم اللّه لم يحزن على ما فاته و من سل سيف البغي قتل به، و من حفر لأخيه حفرة وقع فيها و من هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته على الناس، و من نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، و من كابد الأمور عطب، و من اقتحم البحر غرق، و من أعجب برأيه ضل،

20

و من استغنى بعقله ذل، و من تكبر على الناس ذل، و من سفه عليهم شتم، و من دخل مداخل السوءاتهم، و من خالط الأنذال حقر، و من جالس العلماء وقر.

يا بني اعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله، كفى أدبا لنفسك ما كرهته من غيرك، و ان لاخيك عليك مثل الذي لك عليه، الى غير ذلك من النصائح و الارشادات التي أوصاه بها كما جاء في إعجاز الثعالبي و غيره من مجاميع الحديث و التاريخ.

21

الحسين مع أخيه الحسن‏

لقد أوصى أمير المؤمنين لولده الحسن و عهد إليه في الإمامة و سلمه مواريث النبوة، كما أوصى الحسين (ع) و بقية أولاده باطاعته، و قد وقف الحسين الى جانب أخيه الحسن و شاهد جميع الأحداث التي مر بها أخوه و كانا على اتّفاق تام في الرأي و جميع التدابير التي اتخذها الحسن (ع) بعد أن رأى موقف أهل العراق المتخاذل و أحاط بكل ما دبره معاوية من المكائد و الدسائس و أصبحت الأكثرية من جيش العراق في تصرف معاوية بن أبي سفيان و طغمته، و لم يكن ليخفى على الإمام أبي عبد اللّه الحسين (ع) ان المعركة لو قدر للحسن أن يدخلها مع معاوية في حرب ستكون لصالح معاوية و ستنتهي حتما إما بقتل الحسن و الحسين و جميع الهاشميين و خلص شيعتهم أو بأسرهم، كما يبدو ذلك لكل من تتبع الأحداث التي رافقت تلك الفترة القصيرة من خلافة الحسن (ع)، و قد تحدثنا عن ذلك خلال حديثنا عن سيرة الإمام أبي محمد الحسن بما لا يدع مجالا لكل من يحاول التشكيك في موقف الحسن و إلصاق التهم به.

و من ذلك يتبين أن ما رواه ابن الأثير في أسد الغابة و ابن كثير في البداية و النهاية، و ابن عساكر في تاريخه الكبير من أن الحسين (ع) كان كارها لما فعله الحسن، و أنه قال له: أنشدك اللّه أن لا تصدق أحدوثة معاوية و تكذب‏

22

أحدوثة ابيك، و أن الحسن قال له: اسكت أنا أعلم بهذا الأمر منك كما يدعي في أسد الغابة، و أنه قال له: لقد هممت أن أسجنك في بيت و أطينه عليك حتى اقضي بشأني هذا و أفرغ منه ثم اخرجك منه كما يزعم ابن كثير في البداية و النهاية، و أنه قال له: و اللّه ما اردت أمرا الا خالفتني الى غيره كما يزعم ابن عساكر في تاريخه، مما ذكرناه سابقا من تحديد الملابسات و الاحداث التي احاطت بموقف الحسن (ع) يتبين ان هذه المرويات لا اساس لها من الصحة، هذا بالاضافة الى ان الحسين (ع) كان ابعد نظرا و أعمق تفكيرا في الأمور و معطياتها حتى من أفذاذ عصره الذين قدروا للحسن (ع) موقفه الحكيم الذي لم يكن له مجال لاختيار سواه، و كان ارفع شأنا من ان تخفى عليه المصلحة التي ادركها غيره فيما فعله اخوه حتى يقف منه ذلك الموقف المزعوم. و حسب تقديري ان الذين وضعوا اسطورة الخلاف بينهما بهذا الشكل ارادوا بذلك ان يسجلوا على احدهما و لو خطأ من هذا النوع بعد ان تعسر عليهم ان يقفوا لاحدهما على عثرة او زلة قدم في تاريخهما الناصع المحفوف بالمصاعب و الاحداث، لأن النتيجة الحتمية لموقف الحسين السلبي من اخيه لو صح هو خطأ احدهما، اذ لا يعقل ان يكون الصواب حليفهما و كل منهما يرى و يتبنى خلاف ما يراه الآخر و يتبناه.

و من الجائز أن تكون غاية اولئك الذين وضعوا أسطورة الخلاف بينهما و نسبوا إلى الحسين ذلك الموقف من أخيه أن يسجلوا عليه وحده الخطأ، بحجة أن ما فعله الحسن (ع) كان لمصلحة المسلمين، و قد نفذ فيه أمنية جده الرسول الأعظم (ص) حيث قال كما زعم أبو بكرة: إن ابني هذا سيد و سيصلح اللّه به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، و لازم ذلك حسب تقديرهم ان الحسين لم يكن مصيبا في موقفه من أخيه كما لم يكن مصيبا في ثورته لأنه تجاهل مصلحة المسلمين كما يزعمون.

و مهما كان الحال فالذي اراه و تؤكده عشرات الشواهد انهما كانا

23

منسجمين في تفكيرهما و نظرتهما للأمور و معطياتها و متفقين في كل ما جرى و تم التوصل إليه، و كما نسبوا إليه ذلك فقد نسبوا للحسن أنه كان على خلاف مع أبيه في كثير من مواقفه السياسية قبيل خلافته و خلالها، و أضاف بعضهم أنه كان عثمانيا يقابله أحيانا بما لا يليق من سائر الناس مع آبائهم، و قد ذكرنا ما قيل حول ذلك في محله خلال حديثنا عن الإمام الحسن (ع) و أثبتنا أن هذه المقالة من صنع الأمويين، و أنه كان منسجما مع سياسة أبيه كل الانسجام، لم يخالفه في شي‏ء من أموره في جميع المراحل و الادوار التي مر بها.

24

غزوة القسطنطينية

لقد نص جماعة من المؤرخين ان المسلمين في عهد معاوية بن أبي سفيان قد غزوا القسطنطينية مرتين سنة 49 و 51 بقيادة يزيد بن معاوية، و في الثانية يدعون بأنه كان مع الغزاة أبو أيوب الأنصاري و الحسين بن علي (ع)، و قال ابن كثير في تاريخه: ان الحسين كان يفد على معاوية بعد وفاة اخيه، فصادف ان وفد عليه سنة 51 و توجه مع الجيش إلى القسطنطينية غازيا بقيادة يزيد بن معاوية، و أكد ذلك علي بن الحسين بن عساكر في المجلد الرابع من تاريخه.

و يبدو بعد التتبع انه لم يدع أحد من المؤرخين اشتراك الحسين في تلك الغزوة سوى ابن عساكر و ابن كثير في تاريخهما كما ذكرنا، و لم يذكر ابن جرير الطبري في تاريخه سوى غزوة واحدة كانت سنة 49، و نص على اشتراك ابن عباس و ابن عمر و ابن الزبير و أبي أيوب الانصاري فيها و لم يذكر الحسين معهم، و كل من كتب عن معارك المسلمين في تلك الفترة لم يتعرضوا للحسين (ع)، و اتفقوا على أن أبا أيوب الأنصاري قد توفي خلال تلك الغزوة و أنه دفن حيث توفي بناء لطلبه و وصيته، و لما فتح السلطان محمد الثاني القسطنطينية كان أول ما فعله أن بنى قبره و شيده و أتقن بناءه، و جرت عادة سلاطين بني عثمان بعد ذلك أن كل من يتولى الحكم لا بد و ان يتقلد السيف و يتوج في مشهد أبي أيوب تيمنا به.

25

و يدعي بعض المؤرخين من العرب و غيرهم: ان المسلمين صنعوا طائرة ليستخدموها في حروبهم مع الرومان في تلك الغزوة، و بعد أن طار بها قائدها في الجو سقطت به و تحطمت، و يرى جماعة آخرون من الكتّاب أن عامل بيزنطية استخدم طائرة من القسطنطينية فوق الجيوش العربية التي حاصرتها، و بعد ان تسربت الى العرب اسرارها صنعوا مثلها و طاروا بها و لكنها سقطت في البسفور بعد أن قطعت مسافة و كادت أن تحقق اهدافها.

و مهما كان الحال فالنصوص التاريخية لم تؤكد اشتراك الحسين (ع) في تلك الغزوة، و هذا هو الراجح لا لأن قائدها يزيد و مسيّرها معاوية كما يذهب إلى ذلك بعض من لا يدرك حقيقة أهل البيت (ع) من الشيعة و غيرهم، ذلك لأن أهل البيت (ع) كانوا يتفانون في سبيل الإسلام سواء كان القائد صالحا أو فاسدا كما يؤكد ذلك تاريخهم الغني بالتضحيات في سبيله، بل لأن الحسين (ع) لم يكثر الاتصال بمعاوية، و لم يثبت تردده على الشام خلال حكم معاوية، و لو صح اشتراك الحسين كجندي في جيش يقوده يزيد بن معاوية لأذاعته اجهزة الأمويين بكل وسائلها، و لما خفي على أحد من المؤرخين، في حين أن أكثرهم لم يذكره مع المشتركين في تلك الغزوة بل لم يذكره في عداد المشتركين فيها سوى ابن كثير و ابن عساكر كما ذكرنا و مجرد ذلك لا يكفي لإثبات أمر من هذا النوع كما و أن إهمال أكثر المؤرخين لذلك لا يصلح لأن يكون دليلا على العدم ما لم يقترن ببعض القرائن و الملابسات.

26

الحسين مع عمال معاوية

لقد روى بعض المؤرخين أنه حصل بين الحسين (ع) و الوليد بن عتبة بن أبي سفيان و كان يوم ذاك أمير المدينة لعمه معاوية بن أبي سفيان، نزاع على أرض كانت بينهما، و قد احتال الوليد على الحسين و استعان عليه بسلطانه، فقال له الحسين: و اللّه لتنصفني من حقي، أو لآخذن سيفي ثم أقوم في مسجد رسول اللّه (ص) و أدعو بحلف الفضول، و كان عبد اللّه بن الزبير حاضرا، فقال: و أنا أحلف باللّه إن دعا به لآخذن سيفي و أقف معه حتى ينتصف من حقه أو نموت معا، و بلغت مقالتهما المسور بن محرمة الزهري فقال مثل ذلك، ثم بلغت عبد الرحمن بن عثمان التيمي فقال مثل ذلك، فلما بلغ هذا الموقف الوليد بن عتبة انصف الحسين ورد إليه ماله.

و جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد أنه كان بين معاوية و الحسين (ع) نزاع على أرض في الحجاز فقال الحسين (ع) لمعاوية: إما أن تشتري مني و إما أن تردها علي أو تجعل بيني و بينك احد الاثنين عبد اللّه بن عمر أو عبد اللّه بن الزبير، و إلا فالرابعة و هي الصيلم، فقال معاوية و ما الصيلم؟ قال:

أهتف بحلف الفضول، ثم قام من مجلسه مغضبا فمر بعبد اللّه بن الزبير و أخبره بحواره مع معاوية و مقالته له، فقال ابن الزبير: و اللّه لئن هتفت به و أنا مضطجع لأقعدن أو قاعد لأقومن أو قائم لأمشين، أو ماش لأسعين حتى‏

27

تنفذ روحي مع روحك أو لينصفنك، و لما بلغت مقالتهما معاوية قال: لا حاجة لنا بالصيلم و أرسل إلى الحسين (ع) ان ابعث فخذ مالك فقد ابتعناه منك.

و حلف الفضول هذا هو الحلف الذي تداعت إليه بعض القبائل من قريش لمكافحة الظلم و العدوان و قد اجتمعوا من أجله في دار عبد اللّه بن جدعان و تعاهدوا على أن لا يجدوا مظلوما في مكة إلا و يردوا عليه ظلامته، أو صاحب حق إلا و يقفوا إلى جانبه.

و جاء عن النبي (ص) انه قال: لقد شهدت في دار عبد اللّه بن جدعان حلفا لو دعيت إلى مثله لأجبت، و إنما قال ذلك، لأن هذا الحلف يتفق في أهدافه مع الإسلام الذي يدعو لإحقاق الحق و نصرة المظلومين و المستضعفين، و يقال في سبب تسميته بهذا الاسم أن رجالا من وجوه مكة تحالفوا على رد المظالم يقال لهم فضيل و فضال و فضل و مفضل فسمي لذلك بحلف الفضول.

28

جود الحسين و عبادته‏

لقد جاء في الفصل السابع من مناقب آل الرسول لمحمد بن أبي طلحة الشافعي: قد اشتهر عن الحسين أنه كان يكرم الضيف و يمنح الطالب و يصل الرحم و يعطي الفقير و يسعف السائل و يكسو العاري و يشبع الجائع و يعطي الغارم و يشفق على اليتيم و يعين اصحاب الحاجات و قلما وصله مال إلا فرقه.

و قد روى الرواة ما جرى له و لأخيه الحسن و عبد اللّه بن جعفر مع العجوز التي ذبحت لهم الشاة و هم في طريقهم إلى مكة و ما جرى لهم معها حينما رأوها في المدينة بعد ذلك و هي في أسوأ الحالات من البؤس و الفقر، و قد اعطاها الحسن (ع) الف شاة و ألف دينار، و أعطاها كل من الحسين و عبد اللّه بن جعفر مثل ذلك، فرجعت مع زوجها إلى بلادها بثلاثة آلاف شاة و ثلاثة آلاف دينار.

و جاء في كتاب عقد اللآل في مناقب الآل ان الحسين كان جالسا في مسجد النبي (ص) بعد وفاة اخيه الحسن في ناحية، و عبد اللّه بن الزبير و عتبة بن أبي سفيان في ناحية أخرى فجاء اعرابي على ناقة، فعقلها بباب المسجد و دخل، فوقف على عتبة و سلم عليه فرد (عليه السلام)، فقال له الأعرابي:

لقد قتلت ابن عم لي و طالبني أهله بديته فهل لك ان تعطيني شيئا منها؟ فرفع‏

29

عتبة رأسه الى غلامه و قال له: ادفع له مائة درهم، فرفضها الأعرابي و اتجه الى عبد اللّه بن الزبير، و قال له مثل مقالته لعتبة فأمر له بمائتي درهم فرفضها الأعرابي و قال ان مثل هذا المبلغ لا يصنع لي شيئا، ثم اتجه الى الحسين (ع) فسلم عليه و عرض له حاجته فقال له: يا اعرابي نحن قوم لا نعطي المعروف الا بمقدار المعرفة، فقال له: سل ما تريد، فقال الحسين: يا اعرابي ما النجاة من الهلكة؟ قال التوكل على اللّه، فقال له: اي الأعمال افضل؟

فقال الثقة باللّه، فقال له الإمام: أي شي‏ء خير للعبد في حياته؟ قال علم معه حلم، قال فإن خانه ذلك؟ قال مال يزينه سخاء و سعة، قال فإن اخطأه ذلك؟ قال الموت و الفناء خير له من الحياة و البقاء، و مضى الإمام يسأله و هو يجيب حتى اعجب به الإمام (ع) و قال لوكيله ادفع له عشرين ألفا، و قال له: عشرة منها لقضاء ديونك و عشرة تلم بها شعثك و تنفقها على عيالك فأنشأ الأعرابي يقول:

طربت و ما هاج لي معبق‏* * * و لا لي مقام و لا معشق‏

و لكن طربت لآل الرسول‏* * * فلذ لي الشعر و المنطق‏

هم الأكرمون هم الأنجبون‏* * * نجوم السماء بهم تشرق‏

سبقت الأنام الى المكرمات‏* * * و أنت الجواد فلا تلحق‏

أبوك الذي ساد بالمكرمات‏* * * فقصر عن سبقه السبق‏

به فتح اللّه باب الرشاد* * * و باب الفساد بكم مغلق‏

و جاء في تاريخ ابن عساكر ان سائلا خرج يتخطى ازقة المدينة حتى اتى باب الحسين فقرع الباب و أنشأ يقول:

لم يخب الآن من رجاك و من‏* * * حرك من خلف بابك الحلقة

أنت ذو الجود و أنت معدنه‏* * * أبوك قد كان قاتل الفسقة

و كان الحسين يصلي فخفف من صلاته و خرج إلى الأعرابي فرأى عليه‏

30

أثر الضر و الفاقة فرجع و نادى وكيله فأقبل إليه مسرعا، فقال له: ما بقي معك من نفقتنا؟ قال: مائتا درهم امرتني بصرفها على أهل بيتك، فقال هاتها فقد اتى من هو احق بها منهم فأخذها و دفعها إلى الأعرابي و أنشد يقول:

خذها و إني إليك معتذر* * * و اعلم بأني عليك ذو شفقه‏

لو كان في سيرنا عصا تمد اذن‏* * * كانت سمانا عليك مندفقه‏

لكن ريب المنون ذو نكد* * * و الكف منا قليلة النفقة

فأخذها الأعرابي و هو يقول:

مطهرون نقيات جيوبهم‏* * * تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

و أنتم أنتم الأعلون عندكم‏* * * علم الكتاب و ما جاءت به السور

من لم يكن علويا حين تنسبه‏* * * فما له في جميع الناس مفتخر

و جاءه رجل من الأنصار يريد أن يسأله حاجة، فقال له: يا أخا الأنصار: صن وجهك عن ذل المسألة و ارفع إلي حاجتك في رقعة فإني آت فيها ما يسرك إن شاء اللّه. فكتب إليه أن لفلان علي خمسمائة دينار و قد ألح بي فكلمه أن ينتظرني الى ميسرة، فلما قرأ الرقعة أبو عبد اللّه دخل الى منزله و أخرج صرة فيها ألف دينار و قال له: هذه الف دينار منها خمسمائة لقضاء دينك و الباقي تستعين بها على دهرك، و لا ترفع حاجتك إلا إلى ثلاثة إلى ذي دين او مروءة أو حسب، فأما ذو الدين فيصون دينه، و أما ذو المروءة فإنه يستحي لمروءته، و أما ذو الحسب فيعلم أنك لم تكرم وجهك أن تبذله في حاجتك فهو يصون وجهك أن يردك بغير قضاء حاجتك.

و روى الرواة أنه دخل على أسامة بن زيد في مرضه و هو يقول:

وا غماه، فقال له الحسين: و ما غمك يا أخي؟ قال: ديني و هو ستون ألف درهم، فقال له الحسين (ع): هو علي، فقال له أسامة أخشى أن أموت‏

31

قبل وفائه، فوفاها عنه من ساعته.

و جاء في الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي عن أنس بن مالك أنه قال: كنت عند الحسين (ع) فدخلت عليه جارية له و بيدها باقه ريحان فحيته بها فقال لها: أنت حرة لوجه اللّه تعالى، فقلت له: جارية. تجيئك بطاقة ريحان و تحييك بها فتعتقها!؟ فقال هكذا ادبنا اللّه حيث قال: و اذا. حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها و أحسن منها عتقها.

و جنى بعض مواليه جناية توجب القصاص و التأديب فأمر بتأديبه، فقال يا مولاي، إن اللّه يقول: و الكاظمين الغيظ، فقال الإمام (ع): خلوا عنه فقد كظمت غيظي، فقال: و العافين عن الناس، فقال (ع): لقد عفوت عنك، فقال: و اللّه يحب المحسنين، فقال الإمام: أنت حر لوجه اللّه و أعطاه ما يكفيه في حياته.

و روى ابن عساكر في تاريخه انه كان يحمل إليه المال من البصرة و غيرها فلا يقوم من مكانه حتى يفرقه على الفقراء بكامله.

و قال ابن قتيبة في عيون الأخبار: ان معاوية وفد على المدينة في بعض سفراته إلى الحجاز فبعث الى الحسنين و عبد اللّه بن جعفر و ابن الزبير و ابن عمر و عبد اللّه بن صفوان بهدايا مؤلفة من كسوة و طيب و مبالغ كبيرة من الأموال، و قال لرسله إليهم: ليحفظ كل منكم ما يرى و يسمع، فلما خرج رسله الى القوم، قال لمن حضره: إن شئتم أنبأتكم بما يكون من القوم، فقالوا: أخبرنا بما ترى، فقال: أما الحسن، فلعله ينيل نساءه شيئا من الطيب و يهب الباقي لمن حضره و لا ينتظر غائبا، و أما الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه في صفين، فإن بقي شي‏ء نحر به الجزر و سقى به اللبن، و أما عبد اللّه بن جعفر فيقول: يا بديح اقض به ديني، و ما يبقى فأنفذ به عداتي، و أما عبد اللّه بن عمر فيبدأ بفقراء عدي بن كعب، فإن بقي شي‏ء ادخره لنفسه و مون به عياله، و أما عبد اللّه بن الزبير فيأتيه رسولي و هو يسبح‏

32

فلا يلتفت إليه، ثم يعاوده الرسول فيقول لبعض غلمانه خذوا من رسول معاوية ما بعث به وصله اللّه و جزاه خيرا و لا يلتفت إليها و هي أعظم في عينيه من أحد، ثم ينصرف إلى أهله فيعرضها على عينيه و يقول: ارفعوها لعلي ان اعود بها على ابن هند يوما ما، و أما عبد اللّه بن صفوان، فيقول:

قليل من كثير و ما كل رجل من قريش وصل إليه هكذا ردوها عليه فإن رد قبلنا، فرجع رسله من عندهم بنحو ما قاله معاوية فقال لما سمع منهم: انا ابن هند اعلم قريش بقريش.

إلى غير ذلك مما رواه الرواة عن جوده و كرمه، و لكن اكثر تلك المرويات من نوع المراسيل التي لا تثبت في مقام النقد و التمحيص، و بلا شك فإن بعضها من صنع القصاصين الذين كانوا يستدرجون بمثل هذه الحكايات عطف الناس، اما الرواية الاخيرة فمع انها من جملة مراسيل هذا الباب فمتنها يشير الى انها من موضوعات انصار الأمويين ليثبتوا بها الذكاء و حذق الفراسة لمعاوية و ليصفوا الحسن بأنه لا يفكر بأحد قبل النساء.

و تؤكد جميع المصادر الموثوقة أن الحسن و الحسين (ع) كانا يبذلان كل ما لديهما في سبيل اللّه و يؤثران الفقير و المحروم على نفسيهما، و كانا يقبلان صلات معاوية لأنها من حقهما، و هما أولى بها منه و من أمثاله ممن تقمصوا الخلافة و تسلطوا على الأمة و استغلوا خيراتها و مقدراتها لشراء الأنصار و الأتباع و الخونة كابن العاص و ابن شعبة و أمثالهما.

كانا يقبلان صلات معاوية لإيصالها إلى أصحابها المحرومين و المساكين، و كانت كل حياتهما للّه و في سبيل اللّه، و قد شاع بين الرواة و المؤرخين أن الحسن (ع) كان يخرج من نصف ما يملك في كل عام للفقراء و المحتاجين و يمسك النصف الآخر لعياله.

و في بعض الروايات أنه كان أحيانا يخرج من جميع ما يملك، و هكذا كان أبو عبد اللّه الحسين (ع) لا يدخر مالا و لا يحسب للمال حسابا، و قد

33

تواترت الروايات عنه انه حج خمسا و عشرين حجة ماشيا على قدميه و الرواحل تقاد بين يديه، و كلما مر هو و أخوه على راكب نزل عن راحلته و مشى معهما، فاشتد ذلك على كثير من الناس، فجاء وفد من الحجاج الى سعد بن أبي وقاص و قالوا له: ان المشي قد اشتد علينا و لا يسعنا أن نركب و ابنا رسول اللّه يمشيان، فقال لهما سعد: ان المشي قد ثقل على الناس، و لا يسع أحدا أن يركب و أنتما تمشيان، فلو ركبتما رحمة بالناس، فقالا: قد جعلنا على أنفسنا أن نمشي في طريقنا هذا، و لكن نتنكب الطريق فسلكا طريقا آخر على غير الجادة حتى لا يراهما أحد من الناس.

و جاء في رواية ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري أنه قال: رأيت الحسن و الحسين (ع) قد صليا مع الإمام صلاة العصر في الكعبة، ثم أتيا الحجر فاستلماه و طافا في البيت سبعا و صليا ركعتين و قد احاط بهما الناس حتى لا يستطيعان أن يمضيا و معهما رجل من الركانات فأخذ الحسن بيد الركان ورد الناس عن الحسين حتى استطاع أن يخرج من بينهما، و كان حيث يوجد يلتف حوله الناس كالحلقة هذا يستفتيه في أمر دينه، و هذا يأخذ من فقهه، و هذا يستمع الى روايته، و هذا لحاجته، و قد وصفه معاوية لبعض من سأله عنه فقال: إذا وصلت مسجد رسول اللّه (ص) فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رءوسهم الطير فتلك حلقة ابي عبد اللّه الحسين (ع) مؤتزرا إلى أنصاف ساقيه. و كان الحسين (ع) إلى جانب ذلك كله يصلي في اليوم و الليلة ألف ركعة كما جاء في المجلد الثاني من العقد الفريد لابن عبد ربه و غيره، و قيل لعلي بن الحسين (ع) ما أقل ولد أبيك؟ فقال: العجب كيف ولدت له لقد كان يصلي في اليوم و الليلة الف ركعة فمتى كان يتفرغ للنساء؟ و مما كان يناجي به ربه في جوف الليل: الهي نعمتني فلم تجدني شاكرا و أبليتني فلم تجدني صابرا فلا أنت سلبت النعمة عني بترك الشكر، و لا أدمت الشدة علي بترك الصبر إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم.

و قد اشتهرت بين محدثي الشيعة و مختلف طبقاتهم مواقفه في عرفات أيام‏

34

الموسم و مناجاته الطويلة و هو واقف على قدميه في ميسرة الجبل و الناس من حوله، تلك المناجاة التي ما قرأها قارى‏ء و أمعن النظر في معانيها و ما تهدف إليه إلا و خشع قلبه و سالت الدموع من عينيه، و لقد جاء فيها:

الهي لو حاولت و اجتهدت مدى الأعصار و الأحقاب لو عمرتها أن أؤدي شكر واحدة من نعمك ما استطعت ذلك إلا بمنك الموجب علي شكرا جديدا، اللهم اجعلني اخشاك كأني اراك، و اجعل غناي في نفسي و اليقين في قلبي و الاخلاص في عملي و النور في بصري و البصيرة في ديني.

اللهم حاجتي التي ان اعطيتنيها لم يضرني ما منعتني، و إن منعتنيها لم ينفعني ما اعطيتني اسألك فكاك رقبتي من النار يا أرحم الراحمين.

اللهم ما أخاف فاكفني و ما أحذر فقني و في نفسي و ديني فاحرسني، و في سفري فاحفظني و في أهلي و مالي فاخلفني، و فيما رزقتني فبارك لي و في نفسي فذللني و في أعين الناس فعظمني و من شر الجن و الانس فسلمني و بذنوبي فلا تفضحني و بسريرتي فلا تخزني، و بعملي فلا تبتلني، و نعمك فلا تسلبني و إلى غيرك فلا تكلني إلهي إلى من تكلني إلى قريب يقطعني أم إلى بعيد يتجهمني، أم الى المستضعفين لي و أنت ربي و مليك أمري اشكو إليك غربتي و بعد داري و هواني على من ملكته أمري.

يا من دعوته مريضا فشفاني و عريان فكساني و جائعا فأشبعني و عطشان فأرواني و ذليلا فأعزني و جاهلا فعرفني و وحيدا فكثرني و غائبا فردني و مقلا فأغناني و مستنصرا فنصرني و أمسكت عن جميع ذلك فابتدأني.

و مما جاء فيها: إلهي أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيرا في فقري و أنا الجاهل في علمي فكيف لا اكون جهولا في جهلي، الهي مني ما يليق بلؤمي و منك ما يليق بكرمك، إلهي كلما اخرسني لؤمي انطقني كرمك و كلما آيستني ذنوبي انطقني عفوك، و مضى يقول: و قد اجتمع حوله الناس و قد شغلهم الاستماع له و التأمين على دعائه و البكاء لبكائه عن الدعاء لأنفسهم على‏

35

حد تعبير الراوي: إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أ يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك و متى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك عميت عين لا تراك عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لم يجعل لك من حبه نصيبا إلى غير ذلك من فقراته التي هي من أنفع الدروس للإنسان في دنياه و آخرته.

و من وصاياه لبعض أصحابه: لا تتكلف بما لا تطيق، و لا تتعرض لما لا تدرك، و لا تعد بما لا تقدر عليه، و لا تنفق الا بقدر ما تستفيد، و لا تطلب من الجزاء الا بقدر ما صنعت، و لا تفرح إلا بما نلت من طاعة اللّه، و لا تتناول إلا ما رأيت نفسك أهلا له.

و من أقواله: من دلائل العالم انتقاده لحديثه و علمه بحقائق فنون النظر، و هذه الكلمة على اختصارها تضع الحد الفاصل بين العالم و الجاهل، ذلك ان الجاهل يستصوب رأيه دائما و يرى غيره مخطئا و لا ينظر الى الأمور إلا من زاوية تفكيره المحدود و فهمه الضيق لحقائق الأمور، و العالم يتهم نفسه دائما و يبحث عن رأي غيره لعله يرى فيه ما لم تتسع له أفكاره و مداركه، و إلى ذلك يشير الإمام الصادق (ع) بقوله: المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل، و إليه يشير الإمام أمير المؤمنين بقوله:

من اعجب برأيه ضل و من استغنى بعقله زل.

و من أقواله: المؤمن لا يسي‏ء و لا يعتذر، و المنافق كل يوم يسي‏ء و يعتذر و رب ذنب أهون من الاعتذار منه، و قال لبعض اصحابه: من أحبك نهاك و من أبغضك أغراك.

فقال له الرجل: أنا أعصي اللّه و لا أصبر عن المعصية فعظني بموعظة انتفع فيها يا ابن رسول اللّه، فقال له: افعل خمسة أشياء و أذنب ما شئت، قال له الرجل: هاتها يا ابا عبد اللّه، فقال له: لا تأكل من رزق اللّه و أذنب‏

36

ما شئت، فقال الرجل: و من أين آكل اذن و كل ما في الكون للّه و من عطائه؟ فقال له الإمام: اخرج من أرض اللّه و أذنب ما شئت، فقال الرجل: و هذه أعظم من الأولى فأين اسكن و كل ما في الكون للّه وحده؟

فقال له الإمام: اطلب موضعا لا يراك اللّه فيه و أذنب ما شئت، فقال الرجل: و هل تخفى على اللّه خافية؟ فقال الإمام: اذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فادفعه عن نفسك و اذنب ما شئت، و الخامسة اذا اراد مالك ان يدخلك النار فلا تدخلها و أذنب ما شئت فقال له الرجل: حسبي يا ابن رسول اللّه، لن يراني اللّه بعد اليوم حيث يكره.

و له مناظرات مع أحد زعماء الخوارج و مع معاوية و حاشيته، و كلمات قصار في الحكم و المواعظ كان يلقيها على من يجتمع إليه بين الحين و الآخر و رواها المحدثون و المؤرخون في مجاميعهم و لا يسعنا استقصاؤها مخافة التطويل و الملل.

كما روى المؤرخون موقفه من أرينب بنت إسحاق التي هام بحبها يزيد بن معاوية زوجة عبد اللّه بن سلام الوالي على العراق على حد تعبير بعض المؤرخين و كيف احتال عليه معاوية و وعده أن يزوجه من ابنته اذا طلقها، و بعد أن طلقها و خطب منه ابنته رفضت الزواج منه كما خطط لها معاوية و ابن العاص، و بالتالي لم ينجح معاوية في مكيدته فأرسل الى أرينب بعد انتهاء عدتها من يخطبها لولده يزيد، و أرسل لها مهرا مغريا و كان الخاطب أبا الدرداء، و في رواية أبا هريرة، و تشاء الصدف أن يلتقي بالحسين و يخبره بغايته فيكلفه الحسين أن يذكره لها، و لما دخل عليها ذكر لها يزيد و ما ينتظره من الملك بعد أبيه، و ذكر لها الحسين و مكانته من الإسلام و من رسول اللّه (ص) كما ذكر لها عبد اللّه بن عمرو و ابن الزبير كما في بعض الروايات، قالت له على حد تعبير الراوي: زوجني بمن تختاره لي منهم، و لو لم تأتني أنت لأرسلت إليك و أخذت رأيك في هذا الأمر، و مضى الراوي يقول: ان الوسيط الذي أرسله معاوية قال لها: لا اقدم احدا على فم قبله رسول اللّه‏

37

فزوجها من الحسين (ع) و دفع لها الأموال التي حملها من معاوية و عاد الى معاوية ليخبره بما جرى له، فقال له معاوية: يا ابا هريرة لقد صرفت اموالنا على غيرنا، فرد عليه بقوله: انك لم ترثها عن أبيك.

و لما يئس ابن سلام من ابنة معاوية و صرفه معاوية عن عمله ضاق به أمره فرجع إلى المدينة و كان قد اودع مطلقته أموالا فاستأذن الحسين (ع) أن يدخل عليها فأذن له و لما دخل و استلم منها وديعته تأوه كل منهما وخيم على عبد اللّه بن سلام صمت ينم عن حزنه لفراقها و رغبته في الرجوع إليها لو كان له من سبيل لذلك فطلقها الحسين (ع) قبل ان يمسها و أرجعها لزوجها و فوت على معاوية مكيدته.

و جاء في رواية النويري في المجلد السادس من نهاية الأرب و الإمامة و السياسة لابن قتيبة ان الحسين كان يوم ذاك لا يزال يسكن الكوفة و كان عبد اللّه بن سلام واليا لمعاوية على العراق و ان الحسين ارجعها إليه لما صرفه معاوية عن ولاية العراق و رجع إلى الكوفة.

و جاء في رواية شهاب الدين احمد بن القليوبي في نوادره ان يزيد بن معاوية رأى امرأة جميلة على حائط فهام بها و كانت زوجة لعدي بن حاتم و تكنى بأم خالد فمرض بسببها و لازم الفراش و لم يعرف الناس علته، فأشار ابن العاص على معاوية أن تخلو به والدته و تسأله عما يشكوه، و لما اجتمعت به و أخبرها بما في نفسه احتال ابن العاص على عدي و مناه بالزواج من ابنة معاوية إن هو طلق زوجته أم خالد، و بعد ان طلقها و تمت عدتها ارسل معاوية ابا هريرة ليخطبها ليزيد، و في المدينة مر على الحسين و ابن الزبير و ابن عمر فكلفوه بأن يذكرهم لها، و تم الأمر للحسين بعد ان ذكرهم لها ابو هريرة و تركت له ان يختار اصلحهم لها فاختار لها الحسين (ع)، و رفضت بنت معاوية ان تتزوج من عدي كما ذكرت الرواية الأولى، فاغتم لذلك و ضاق به امره، و لما رآه الحسين حزينا أرجع إليه زوجته، و قيل يوم ذاك:

38

انعمي أم خالد* * * رب ساع لقاعد

هذه الروايات على ما بينها من اختلاف و تضارب ليست بعيدة عما فطر عليه ابن هند من الغدر و المكر و الاحتيال، و ما فطر عليه الحسين (ع) من كرم الاخلاق و الوفاء و محاربة الظلم و البغي، و من الجائز ان تتكرر الحادثة مع يزيد بن معاوية لأنه كان مسترسلا مع شهواته إلى أبعد الحدود، غير أن ذلك لا يفيد اكثر من الظن بوقوع هاتين الحادثتين أو احداهما، و يبقى احتمال كونهما من صنع القصاصين أو المحبين قائما و ليس ببعيد.

39

[الحسين (ع) و يزيد]

موقف الحسين (ع) من ولاية العهد ليزيد بن معاوية

و قبل الحديث عن موقف الحسين (ع) من ولاية يزيد و ما انتهى إليه أمره لا بد و أن نعرف من هو يزيد بنظر الإسلام و المسلمين و رأي الإسلام في البيت الأموي بصورة عامة، و الذي لا يشك به أحد من الباحثين و المؤرخين أن الأمويين كانوا من ألد أعدائه و أنكد خصومه منذ أن بزغ فجره و حتى آخر مرحلة من مراحل حكمهم، و لم يدخلوا فيه إلا بعد أن استنفدوا جميع إمكانياتهم في حربه و باؤوا بالفشل، و لما دخلوا فيه مرغمين أخذوا يخططون لتشويه معالمه و إعادة مظاهر الجاهلية بكل أشكالها بأسلوب جديد و تحت ستار الإسلام.

و كانت ترتعش اعصاب معاوية جزعا و هلعا عند ما كان يسمع اسم محمد بن عبد اللّه (ص) ينطلق في اجواء العالم من أعلى المآذن في كل يوم مئات المرات كما حدث هو عن ذلك إلى المغيرة بن شعبة في حديث ذكرناه في خلال حديثنا عن الحسن بن علي (ع) في الفصول السابقة، و هكذا كان غيره من حكام ذلك البيت الذين حكموا باسم الإسلام و كانوا يعلمون على تقويضه و إبرازه على غير واقعه، و تشويه قوانينه و تشريعاته و مثله، و يزيد بن معاوية الذي وقف الحسين (ع) منه ذلك الموقف الخالد، كان كما يصفه المؤرخون و المحدثون مستهترا الى حد الاسراف في الاستهتار، و ممعنا في‏

40

الفحشاء و المنكرات الى حدود الغلو في الامعان.

و قال فيه الإمام ابو عبد اللّه الحسين (ع) حينما استدعاه الوليد ليلا ليأخذ منه البيعة ليزيد: ان يزيد بن معاوية رجل فاسق شارب للخمر و قاتل للنفس المحرمة معلن بالفسق و الفجور و مثلي لا يبايع مثله.

و قال فيه عبد اللّه بن حنظلة كما جاء في رواية ابن سعد من طبقاته، و كان عبد اللّه بن حنظلة قد بايع أهل المدينة حينما أرسل يزيد بن معاوية جيشه لقتالها قال عبد اللّه و هو يخاطب الغزاة: يا قوم اتقوا اللّه وحده لا شريك له، فو اللّه ما خرجنا على يزيد بن معاوية حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء ان رجلا ينكح الأمهات و البنات و الأخوات و يشرب الخمر و يترك الصلاة و الصيام و اللّه لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت في اللّه فيه بلاء حسنا.

و قال المسعودي في المجلد الثاني من مروجه: كان يزيد صاحب طرب و جوارح و كلاب و قرود و منادمة على الشراب، و أضاف الى ذلك: انه جلس ذات يوم على الشراب و عن يمينه ابن زياد بعد مقتل الحسين (ع) و أقبل على ساقيه و قال:

اسقني شربة تروي مشاشي‏* * * ثم مل واسق مثلها ابن زياد

صاحب السر و الامانة عندي‏* * * و لتسديد مغنمي و جهادي‏

ثم أمر المغنين فغنوا في مجلسه، و مضى يقول: و في زمانه غلب على أصحابه و على الناس ما كان يفعله من المنكرات و الفسق و الفجور، و ظهر الغناء في مكة و المدينة و شرب الشراب و استعملت فيهما الملاهي بكل أنواعها.

و كان له قرد يكنى أبا قيس يحضر مجلس منادمته و يطرح له متكأ و هو قرد خبيث على حد تعبيره يحمله على أتان وحشية قد ريضت و ذللت لذلك بسرج و لجام يسابق عليها الخيل يوم الحلبة، فجاء في بعض الأيام سابقا

41

فتناول القصبة و دخل الحجرة قبل الخيل، و على أبي قيس قباء من الحرير الاحمر و الاصفر منقوش بأنواع الألوان فقال في وصفه بعض شعراء الشام:

تمسك ابا قيس بفضل عنانها* * * فليس عليها ان سقطت ضمان‏

الا من رأى القرد الذي سبقت به‏* * * جياد أمير المؤمنين اتان‏

و قال ابن الطقطقي في ص 49 من كتابه الفخري: كان يزيد بن معاوية يلبس كلاب الصيد اساور الذهب و الجلال المنسوجة منه و يهب لكل كلب عبدا يخدمه.

و وصفه ابن كثير في بدايته بأنه كان كثير اللحم عظيم الجسم و كثير الشعر مجدورا و قد طلق معاوية أمه و هي حامل به، و كان مع ذلك شاعرا مجيدا مكثرا من نظم الشعر في المجون و الخلاعة و من شعره في هذا الباب:

أقول لصحب ضمت الكأس شملهم‏* * * و داعي صبابات الهوى يترنم‏

خذوا بنصيب من نعيم و لذة* * * فكل و إن طال المدى يتصرم‏

و روي من شعره في هذا الباب قوله أيضا كما يدعي الطقطقي.

جاءت بوجه كأن البدر برقعه‏* * * نورا على مائس كالغصن معتدل‏

احدى يديها تعاطيني مشعشعة* * * كخدها عصفرته صبغة الخجل‏

ثم استبدت و قالت و هي عالمة* * * بما تقول و شمس الراح لم تقل‏

لا ترحلن فما ابقيت من جلدي‏* * * ما استطيع به توديع مرتحل‏

و لا من النوم ما القى الخيال به‏* * * و لا من الدمع ما ابكى على الطلل‏

و جاء في الإمامة و السياسة لابن قتيبة ان عتبة بن مسعود قال لعبد اللّه بن عباس: أ تبايع يزيد و هو يشرب الخمر و يلهو بالقيان و يستهتر بالفواحش؟ فقال له: فأين ما قلت لكم و كم بعده من آت ممن يشرب الخمر او هو شر من شاربها. و كانت ولايته كما هو المشهور بين المؤرخين ثلاث سنين و ستة أشهر، ففي السنة الأولى قتل الحسين بن علي (عليهما السلام)، و في‏

42

السنة الثانية نهب المدينة و قتل أهلها و أباح نساءها ثلاثة أيام لجنده، و في الثالثة غزا الكعبة و سلط عليها المنجنيق و هدمها.

و قال محمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي في كتابه الفخري: لقد كان يزيد بن معاوية موفور الرغبة في اللهو و القنص و الخمر و النساء و كان يجيد نظم الشعر حتى قيل بدى‏ء الشعر بملك و ختم بملك، و لم يتعرض لتاريخه أحد الا وصفه بالاستهتار بالدين و تعاطي جميع المنكرات مما يشكل اجماعا من المؤرخين و الباحثين على استهتاره بالقيم و امعانه في الفحشاء و جميع المنكرات.

و يرد بعض الكتّاب من العرب و المستشرقين هذه الظاهرة البارزة في حياته الى تربيته و نشأته، لأن اباه معاوية طلق أمه ميسون بنت بحدل الكلبية و هي حامل به فذهبت الى أهلها في البادية و وضعته فيها، و بقي معها الى ان اجتاز سن الصبا، و يدعي المؤرخون ان سبب طلاق معاوية لأمه، هو أنه دخل عليها و هي تنشد الأبيات التالية:

و لبس عباءتي و تقر عيني‏* * * احب الي من لبس الشفوف‏

و بيت تخفق الأرياح فيه‏* * * احب الي من قصر منيف‏

و بكر تتبع الأظعان صعب‏* * * احب الي من بغل زفوف‏

و كلب ينبح الأضياف دوني‏* * * احب الي من هر ألوف‏

و خرق من بني عمي فقير* * * احب الي من علج عنيف‏

فقال لها معاوية: ما رضيت يا ابنة بحدل حتى جعلتني علجا عنيفا الحقي بأهلك فمضت الى بادية بني كلب، و كانت قد غلبت عليها النصرانية و وضعته فيها و بقي معها حتى تجاوز دور الطفولة، و رجح جماعة من المؤرخين ان بعض نساطرة النصارى تولى تربيته و تعليمه فنشأ على لون من التربية النابية تمازجها خشونة البادية و جفاء الطبع على حد تعبير بعض الكتّاب‏

43

و المحدثين، و أضاف الى ذلك بعض الكتاب أنه أراد من كعب بن جعيل أن يهجو الأنصار فامتنع عليه، و أرشده الى الأخطل التغلبي و كان نصرانيا فأجابه إلى ذلك، و كان من آثار تربيته المسيحية انه كان يتزيد من تقريب المسيحيين و يستكثر منهم في بطانته الخاصة، و بلغ من اطمئنانه إليهم أن عهد بتربية ولده الى مسيحي كما اتفق على ذلك المؤرخون، و لا يمكن ان تعلل هذه الصلة الوثيقة و التعلق الشديد بالاخطل و غيره إلا بتربيته ذات الصبغة المسيحية و اللون الغابي، و أضاف الى ذلك العلائلي، في كتابه اشعة من حياة الحسين: إذا كان يقينا أو ما يشبه اليقين أن تربية يزيد كانت مسيحية خالصة لم يبق ما يستعزب معه أن يكون متجاوزا مستهترا مستخفا بما عليه الجماعة الإسلامية لا يحسب لتقاليدها و اعتقاداتها أي حساب و لا يقيم لها وزنا، بل الذي يستغرب ان يكون على غير ذلك.

بهذه الظاهرة حاول بعض الكتّاب ان يعلل استهتار يزيد بالإسلام و مقدساته و حرماته و هذا التعليل يمكن ان يكون له ما يبرره لو كانت لحياة البادية و للتربية المسيحية تلك الصبغة الشاذة التي برزت في حياة يزيد من مطلع شبابه الى ان اصبح وليا لعهد أبيه و حاكما من بعده، في حين ان العرب في حاضرتهم و باديتهم كانت لهم عادات و اعراف كريمة قد أقرها الإسلام كالوفاء و حسن الجوار و الكرم و النجدة و صون الأعراض و غير ذلك مما تحدث به التاريخ عنهم، و لم يعرف عن يزيد شي‏ء من ذلك، كما و أن التاريخ لم يحدث عنهم بأنهم استباحوا نكاح الأخوات و العمات كما حدث التاريخ عنه، و الذين ولدوا في البادية على النصرانية طيلة حياتهم قبل الفتح الإسلامي و عاشوا في ظل أعرافها و عاداتها حينما دخلوا في الإسلام تغلبوا على كل ما اعتادوه و ألفوه عن الآباء و الاجداد، هذا بالاضافة إلى أن معاوية قد ولد على الشرك و نشأ عليه و اشترك مع قريش في جميع مواقفها العدائية من الإسلام و كان في صباه و رجولته يتلقى من أبوين كانا من اشرس خلق اللّه و أشدهم عداوة للإسلام و للهاشميين و العلويين، و لم يدخل هو و أبوه و أمه في الإسلام إلا قبل وفاة

44

النبي (ص) بسنتين، و كانوا يبطنون الشرك، و مع ذلك فقد كان عنده من الكياسة ما يسر له ان يتظاهر بما عليه الجماعة الإسلامية في أكثر الأحيان، و حتى في سني امارته على الشام و حكمه للبلاد الإسلامية استطاع أن يخفي أكثر ما كان يكنه من سوء للإسلام و ظهر للملإ الاسلامي بمظهر الحريص عليه مع انه نشأ و شب في وسط كان أهله من ألد أعدائه و أشرس خصومه، على أن اكثر حكام الأمويين كانوا من حيث تجاهرهم بالمنكرات و استهتارهم بمظاهر الإسلام و اسرافهم في كل ما يتنافى مع تعاليم الإسلام، كيزيد بن معاوية في حين أنهم لم ينشأوا في البادية و لا في احضان المسيحيين.

و مجمل القول ان ما ذهب إليه بعض الكتّاب من تعليل تلك الظاهرة التي طغت على حياة يزيد بتربيته في البادية و في وسط مسيحي لا تؤيده الأرقام و لا يعتمد على أساس معقول، و لا أرى سببا لذلك إلا أنه كان من الحمقى المسيرين لشهواتهم و أحقادهم لا يدرك من أمور السياسة شيئا و ليس أدل على ذلك من إقدامه على قتل الحسين و من معه من اسرته و أصحابه و سبي نسائه و أطفاله و عرضهم على الجماهير من بلد الى بلد و هم ذرية الرسول و ملايين المسلمين تقدسهم و تذكر فيهم رسول اللّه و كل ما في الإسلام من حق و خير، و اقدامه بعد ذلك على حرب أهل المدينة و إباحة نسائهم لجيش الشام لأنهم استعظموا قتل الحسين و أنكروه، و إقدامه على حصار مكة و تدمير الكعبة إلى كثير من أعماله و تصرفاته التي لا يصح تفسيرها إلا بالرعونة و الحمق و الجهل.

و مهما كان الحال فقد لاذ المسلمون بالحسين في الحجاز و خارجه و استغاثوا به عند ما رأوا ان معاوية بدأ بعد وفاة الحسن يمهد الأمور لولده المستهتر الخليع، و كان (ع) يوصيهم بالتريث و الصبر و معالجة الأمور بالحكمة و التدبر و قد عبر عبد اللّه بن همام السلولي عن موقف المسلمين و نقمتهم على ولاية يزيد بالأبيات التالية:

فإن تأتوا برملة أو بهند* * * نبايعها اميرة مؤمنينا

45

اذا ما مات كسرى قام كسرى‏* * * نعد ثلاثة متناسقينا

خشينا الغيظ حتى لو شربنا* * * دماء بني أمية ما روينا

لقد ضاعت رعيتكم و أنتم‏* * * تصيدون الأرانب غافلينا

و جاء في سيرة أهل البيت لأبي علم: ان مروان بن الحكم كتب الى معاوية و كان عامله على المدينة، أما بعد فإن عمرو بن عثمان ذكر ان رجالا من أهل العراق و وجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي (ع) و أنه لا يؤمن و ثوبه و قد بحثت عن ذلك فبلغني أنه يريد الخلاف يومه هذا فاكتب الي برأيك، فكتب إليه معاوية: بلغني كتابك و فهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين فإياك أن تتعرض له بشي‏ء و اترك حسينا ما تركك، فإنا لا نريد ان نتعرض له ما و فى بيعتنا و لم ينازعنا سلطاننا فأمسك عنه ما لم يبد لك صفحته.

و كتب إلى الحسين (ع): أما بعد فقد انتهت إلي أمور عنك ان كانت حقا فإني ارغب بك عنها و لعمر اللّه إن من أعطى اللّه عهده و ميثاقه لجدير بالوفاء، و إن احق الناس بالوفاء من هو مثلك في خطرك و شرفك و منزلتك التي انزلك اللّه بها فاذكر و بعهد اللّه اوف فانك متى تنكرني انكرك و متى تكدني اكدك فاتق شق عصا هذه الأمة و أن يردهم اللّه على يديك في فتنة فقد عرفت الناس و بلوتهم، فانظر لنفسك و لدينك و لأمة جدك و لا يستخفنك السفهاء الذين لا يوقنون.

و كتب إليه الحسين (ع) في جوابه: اما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه انه انتهت إليك عني امور أنت لي عنها راغب و أنا لغيرها عندك جدير فإن الحسنات لا يهدي إليها و لا يسدد لها الا اللّه تعالى. و أما ما ذكرت أنه رقي إليك عني فإنما رقاه إليك الملاقون المشاءون بالنميمة المفرقون بين الجميع و كذب الغاوون ما اردت لك حربا و لا عليك خلافا، و إني لا أخشى اللّه في ترك ذلك منك و من الإعذار فيه إليك و إلى أوليائك القاسطين الملحدين حزب‏

46

الظلمة و أولياء الشيطان أ لست القاتل حجر بن عدي أخا كندة و أصحابه المصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم و يستفظعون البدع و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و لا يخافون في اللّه لومة لائم ثم قتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما اعطيتهم الأيمان المغلظة و المواثيق المؤكدة لم تأخذهم بحد كان بينك و بينهم جرأة على اللّه و استخفافا بعهده؟

أ و لست القاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه العبد الصالح الذي ابلته العبادة فنحل جسمه و اخضر لونه فقتلته بعد ما امنته و أعطيته من العهود و المواثيق ما لو فهمته العصم لنزلت رءوس الجبال؟

أ و لست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد بن ثقيف فزعمت أنه ابن ابيك، و قد قال رسول اللّه (ص): الولد للفراش و للعاهر الحجر، فتركت سنّة رسول اللّه تعمدا و تبعت هواك بغير هدى من اللّه، ثم سلطته على أهل الإسلام يقتلهم و يقطع ايديهم و أرجلهم و يسمل أعينهم و يصلبهم على جذوع النخل كأنك لست من هذه الأمة و ليسوا منك؟

أ و لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية انهم على دين علي (ع)، فكتبت إليه ان اقتل كل من كان على دين علي فقتلهم و مثل فيهم بأمرك، و دين علي (ع) هو دين ابن عمه محمد رسول اللّه (ص) الذي كان يضرب عليه اباك و يضربك لترجعا عن ضلالكما، و بهذا الدين جلست مجلسك الذي أنت فيه، و لو لا ذلك لكان شرفك و شرف آبائك تجشم الرحلتين رحلة الشتاء و الصيف، و قلت فيما قلت: انظر لنفسك و لدينك و لأمة محمد و اتق شق عصا المسلمين و أن تردهم الى فتنة، و إني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها، و لا أعظم نظرا لنفسي و لديني و لأمة محمد (ص) أفضل من أن أجاهدك، فإن فعلت فإنه قربة إلى اللّه و إن تركت فإني استغفر اللّه لديني و أسأله توفيقه لارشاد امري.

و قلت فيما قلت: إن انكرتك تنكرني و إن كدتك تكدني، فكدني ما بدا

47

لك فإني أرجو اللّه ان لا يضرني كيدك و ان لا يكون على احد أضر منه على نفسك، لأنك قد ركبت جهلك و تجرأت على نقض عهدك، و لعمري ما وفيت بشرط، و لقد نقضت عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح و الأيمان و العهود و المواثيق، و لم تفعل ذلك بهم الا لذكرهم فضلنا و تعظيمهم حقنا فقتلتهم مخافة امر لعلك لو لم تقتلهم مت قبل ان يفعلوا او ماتوا قبل أن يدركوا، فابشر يا معاوية بالقصاص و استيقن بالحساب، و اعلم ان للّه تعالى كتابا لا يغادر صغيرة و لا كبيرة الا أحصاها، و ليس اللّه بناس لأخذك لأوليائه على الظنة و التهمة و نفيهم من دورهم الى دار الغربة، و أخذك للناس ببيعة ابنك و هو غلام حدث يشرب الشراب و يلعب بالكلاب ما اراك إلا قد خسرت نفسك و غششت رعيتك و سمعت مقالة السفيه الجاهل و أخفت الورع التقي.

و لما قرأ معاوية كتابه قال: لقد كان في نفسه خب ما اشعر به، فقال له ولده يزيد: اجبه جوابا يصغر إليه نفسه تذكر اباه بشر فعله، ثم دخل عليه عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقال له معاوية: أ ما رأيت ما كتب لنا الحسين (ع) فقال: و ما هو، فأقرأه الكتاب، فقال و ما يمنعك أن تجيبه بما يصغر إليه نفسه، فقال معاوية: لقد اشار علي يزيد بذلك، و قد اخطأتما، أ رأيتما لو اني ذهبت لعيب علي محقا فما عسى أن أقول فيه، و علي لا يحسن أن يعاب بالباطل و ما لا يعرف، و متى ما عبت رجلا بما لا يعرفه الناس لم يحفل به و لا يراه الناس شيئا و كذبوه، و ما عسيت أن أعيب حسينا و اللّه ما أرى للعيب فيه موضعا، و قد رأيت ان أكتب إليه أتوعده و أتهدده، ثم رأيت أن لا أفعل.

و يروي الرواة انه جرى بين الحسين و معاوية اكثر من حوار كان معاوية على ما يبدو يحاول من وراء ذلك أن يقف على ما يكنه الحسين تجاه البيعة ليزيد و موقعها من نفسه، و في الوقت ذاته كان يأمل أن يخفف حدته حسب الامكان، لأنه يخاف منه اكثر من أي شخص سواه نظرا لمكانته الرفيعة في‏

48

جميع الأوساط الإسلامية، و لم تكن لتخفى على الحسين (ع) اساليب معاوية او ينخدع بنعومة الفاظه و طراوة حديثه و مراوغته و خداعه، فرد عليه في مناسبة جرى فيها حوار بينهما و أخذ ورد، بقوله: و قد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش و الحمام السبق لأترابهن و القينات و ذات المعازف و ضروب الملاهي تجده ناصرا، ودع عنك ما تحاول فما اغناك ان تلقى اللّه بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فو اللّه ما برحت تقدح باطلا في جور و حنقا في ظلم حتى ملأت الاسقية و ما بينك و بين الموت الا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود و لات حين مناص.

و قال ابن جرير الطبري في حوادث سنة ستين من تاريخه: ان معاوية في مرضه الأخير الذي توفي فيه دعا يزيد ابنه و قال: يا بني اني قد كفيتك الرحلة و الترحال و وطأت لك الاشياء و ذللت لك الأعداء و أخضعت لك أعناق العرب، و إني لا أتخوف ان ينازعك هذا الأمر الذي استتب لك الا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي و عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن الزبير، و عبد الرحمن بن أبي بكر، فأما عبد اللّه بن عمر فرجل قد وقذته العبادة و إذا لم يبق احد غيره بايعك، و أما الحسين بن علي فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه فإن خرج عليك و ظفرت به فاصفح عنه فإن له رحما ماسة و حقا عظيما، و أما ابن ابي بكر فرجل إن رأى اصحابه صنعوا شيئا صنع مثلهم ليس له همة إلا في النساء و اللهو، و أما الذي يجثم لك جثوم الأسد و يراوغك مراوغة الثعلب فإذا أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك و قدرت عليه فقطعه اربا اربا.

و في رواية ثانية انه قال: و أما الحسين بن علي فرجل خفيف و أرجو ان يكفيكه بمن قتل أباه و خذل أخاه و إن له رحما ماسة و حقا عظيما و قرابة من رسول اللّه و ما أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه فإن قدرت عليه فاصفح عنه.

49

و لو صح أنه أوصاه بالحسين (ع) فذاك لأنه يعلم بأن قتل الحسين (ع) سيجر عليه و على البيت الأموي بكامله الخراب و الدمار، على أني في شك من ذلك، و ما كان هو ليعفو و يصفح إذا تعارض وجود الحسين مع ملكه و سلطانه فكيف يوصي ولده بما لم يفعله هو مع اخصامه فلقد قتل الحسن بن علي من قبل كما قتل حجر بن عدي و أصحابه البررة و العشرات من الصلحاء و الأبرياء و القديسين، و قتل بالإضافة إلى هؤلاء سعد بن أبي وقاص و عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لأنهما كانا يعارضان في استخلاف يزيد من بعده، و متى كان البيت الأموي يتعرف على العفو و الصفح و يحسب للرحم الماسة التي تربطه بالبيت العلوي حسابا، و أرجح أن هذه الوصية وضعت على لسان معاوية للتخفيف من مسئوليته عما ارتكبه ولي عهده بالحسين و أهل بيته الأطهار.

و الذي رواه ابن الأثير في المجلد الثاني من أسد الغابة يتناسب مع سياسة الأمويين التي تقوم على الشدة و الفتك و استعمال جميع أساليب العنف في سبيل الملك و التسلط على الناس.

فقد جاء فيها ان الحسين امتنع عن البيعة ليزيد بن معاوية لما بايع له أبوه بولاية العهد و امتنع معه ابن عمر و ابن الزبير و عبد الرحمن بن أبي بكر و كان قد بايعه أكثر الناس فخرج معاوية إلى الحجاز في الف فارس من جند الشام فلما دنا من المدينة لقيه الحسين بن علي (ع) فلما نظر إليه قال: لا مرحبا و لا أهلا بدنة يترقرق دمها و اللّه مهريقه، فقال الحسين (ع): مهلا يا معاوية إني و اللّه لست أهلا لهذه المقالة، فرد عليه معاوية بقوله: بلى و شر منها، و لقيه ابن الزبير فقال له: لا مرحبا و لا أهلا خب صعب يدخل رأسه و يضرب بذنبه و يوشك و اللّه أن يؤخذ بذنبه و يدق ظهره نحياه عني و ضرب وجه راحلته، ثم لقيه عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له لا أهلا و لا مرحبا بشيخ قد خرف و ذهب عقله و ضرب وجه راحلته و فعل مع ابن عمر مثل ذلك.

50

ثم دخل المدينة فلم يأذن لهم على منازلهم و لم يروا منه ما يحبون، فخرجوا إلى مكة، و خطب معاوية في الناس و ذكر ولده يزيد و أطراه بالمديح و الثناء، ثم دخل على عائشة و كان قد بلغها انه ذكر الحسين و أصحابه و توعدهم بالقتل ان لم يبايعوا فشكاهم إليها، فقالت له: بلغني انك تتهددهم بالقتل، فقال: يا أم المؤمنين، لقد بايعت ليزيد و بايعه غيرهم أ فترين ان انقض بيعة قد تمت، فقالت: ارفق بهم فإنهم يصيرون إلى ما تحب ان شاء اللّه.

ثم قالت له تمازحه: ما يؤمنك أني قد أعددت لك من يغتالك بأخي محمد و قد فعلت به ما فعلت، فقال لها: إني في بيتك آمن، و خرج من بيتها و هو عازم أن يعامل المعارضين بالرفق إذا اذعنوا لطلبه، و أرسل إلى الحسين و بقية المعارضين و عرض عليهم وجهة نظره في اختيار يزيد و دعاهم إلى مؤازرته و الوقوف بجانبه و استعمل معهم نفس الأسلوب الذي استعمله مع الإمام الحسن (ع) حينما دعاه إلى الصلح، و مما قاله لهم: إن الأمر في الواقع لكم و التخطيط بيدكم و ليس ليزيد من الخلافة إلا الاسم.

و كان من الطبيعي ان لا يقتنع الحسين و رفاقه بهذا الاسلوب و لا ينخدعوا بهذه العروض و اقترحوا عليه ان يفعل كما فعل أبو بكر حيث اختار لها رجلا ليس من أهله، أو يفعل كما فعل ابن الخطاب حيث اختار ستة و جعلها فيهم، فاستشاط غضبا و قال: لقد كنت أخطب أحيانا فيقاطعني الرجل منكم بما أكره فلا ألومه و لا أعنفه، و إني ذاهب إلى المسجد لأعلن ما عزمت عليه، فإن قاطعني أحد منكم و عارضني فيما أقول فسوف يكون السيف أسبق إلى عنقه من لفظه إلى شفتيه، و وكل بكل رجل منهم رجلا و أمره أن يقوم عليه بالسيف و أن يضرب عنقه إن هو عارضه و لو بكلمة واحدة.

و اقتيد المعارضون إلى المسجد و صعد معاوية المنبر و قال بعد أن حمد اللّه‏

51

و أثنى عليه: أنه قد نظر في أمر المسلمين فلم يجد لهم من بعده أصلح من ولده يزيد بن معاوية، و مضى يقول: لقد عرضت الأمر على الحسين بن علي و ابن عمر و ابن الزبير و ابن ابي بكر على أن لا يقطع دونهم أمرا و لا يقضي بغير رأيهم حاجة فوافقوا و تركوا لي أن أفعل ما أراه.

و لكن الجماعة الذين ذكرهم بأسمائهم لم يتكلموا و لم يعارضوه لأن السيوف كانت مشهورة على رءوسهم كما نص على ذلك أكثر المؤرخين، و ظن الناس أنهم موافقون على مقالة معاوية فبايعوا و تم له ما اراد بهذا النوع من التضليل و الخداع، و أعلن موافقة المدينة على البيعة كغيرها من الأمصار.

و عاد معاوية إلى الشام و في قرارة نفسه أن المعارضة ستنطلق أول ما تنطلق من العراق، و أنهم سيكتبون إلى الحسين يدعونه ليبايعوه و سيلبي طلبهم مهما كانت الظروف، و لذا فقد اوصاه بالعفو عنه اذا ظفر به كما يدعي جماعة من المؤرخين، و قد أبديت رأيي في هذه الوصية من قبل، و لو صحت، فذاك لأن قتل الحسين سيكون من امضى الأسلحة ضد البيت الأموي بيد كل طامع في الحكم لفترة طويلة من الزمن.

52

الحسين في عهد يزيد

لقد كانت وفاة معاوية بن أبي سفيان خلال سنة ستين من الهجرة، و قد توج حياته الطويلة المليئة بالجرائم و المنكرات و التحدي الصريح لتعاليم الإسلام و مبادئه بتسليط ولده يزيد على المسلمين مع علمه بحاله، و بالرغم من الأصوات التي تعالت من جميع الأقطار منكرة عليه هذا التصرف، و لكنه أصر على ذلك و أخذ له البيعة من الناس بالوعد و الوعيد، و ما أن استلم السلطة من بعده حتى سلط اجهزته على انتزاع الاعتراف من الحسين (ع) بشرعية ملكه مهما كانت النتائج، و كتب إلى عامله على المدينة أن يأخذ له البيعة من الحسين خاصة و من الناس عامة، و أكد عليه بأن يأخذ الحسين أخذا شديدا لا هوادة فيه و لا رجعة حتى يبايع، و لما وصلت رسالته إلى الوالي أرسل إلى مروان بن الحكم يستشيره في أمر الحسين، و هو يعلم ان الحسين لا يبايع ليزيد مهما كانت النتائج، و لم يكن من الغريب على مروان إذ أشار عليه أن يحجز الحسين فإن بايع و إلا ضرب عنقه و هو من ألد أعداء محمد و آل محمد، و في الوقت ذاته لقد كان يطمع بالحكم، و قد وقف موقف المعارض من استخلاف يزيد حينما استشاره معاوية بذلك، و لهذا السبب عزله معاوية عن المدينة و ولاها غيره كما ذهب إلى ذلك بعض المؤرخين و الباحثين، و هو يعلم بأن قتل الحسين سيكون له أسوأ النتائج على بيت أبي سفيان و سيكون من‏

53

أفتك الأسلحة بيد المحبين و الطامعين بالحكم كما كان الحال كذلك، و من غير البعيد أن يكون قد أدخل في حسابه ذلك حينما أشار على الوالي بقتل الحسين إن لم يبايع ليزيد بن معاوية بالإضافة إلى ما انطوى عليه من الحقد على أهل البيت، و لكن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كان أعقل من أن يستفزه مروان لارتكاب جريمة لا عهد للتاريخ بمثلها، فأرسل الى الحسين يدعوه إليه ليلا فجاءه الرسول و هو في المسجد، و لم يكن قد شاع موت معاوية بين الناس، و جال في خاطر الحسين ان الوليد قد استدعاه ليخبره بذلك و يأخذ منه البيعة الى الحاكم الجديد بناء للاوامر التي جاءته من الشام، فاستدعى الحسين مواليه و إخوته و بني عمومته و أخبرهم بأن الوالي قد استدعاه إليه و أضاف: إني لا آمن أن يكلفني بأمر لا أجيبه عليه، و أضاف: إن يحدث بيني و بينه خلاف، و رغب إليهم أن يذهبوا معه و يقفوا على باب الدار لا يبرحونها حتى يخرج إليهم، و مضى يقول: و إذا سمعتم صوتي قد ارتفع من داخل الدار فاقتحموها عليه، فذهبوا معه و دخل الحسين وحده فنعى إليه الوالي موت معاوية ثم قرأ عليه كتاب يزيد الذي يأمره فيه بأخذ الحسين أخذا شديدا حتى يبايع و كان جواب الحسين (ع) إن هذا الأمر لا يتم إلا في العلن فإذا أصبح الصباح و اجتمع الناس ننظر في هذا الأمر، و هنا التفت مروان بن الحكم و كان حاضرا و أشار على الوالي أن يحتجز الحسين حتى يبايع و إذا امتنع ضرب عنقه، و مضى يقول: إذا خرج و لم يبايع لا تقدر عليه ابدا، فقال الحسين (ع): أنت يا ابن الزرقاء تشير عليه بضرب عنقي. و احتدم النقاش بينهما، و لم يجد الحسين بدا من أن يعلن رأيه للوالي في هذه البيعة بصراحة فقال (ع): إنا أهل بيت النبوة و معدن الرسالة بنا فتح اللّه و بنا ختم و يزيد رجل فاسق فاجر مستهتر و مثلي لا يبايع مثله و لكن نصبح و تصبحون و نرى و ترون، و خاف الوالي ان يتطور النقاش و النزاع بين الطرفين إلى نتائج لا تعود عليه بالمصلحة، و أحس أن حشودا من الهاشميين على الباب تنتظر الحسين (ع) فالتفت إليه و قال: انصرف يا ابا عبد اللّه راشدا و موعدنا غدا المسجد.

54

و لما خرج الحسين من مجلسه قال مروان للوالي: لقد خالفتني، و اللّه لا تتمكن من مثلها ابدا. فقال له: ويحك يا مروان أ تشير علي بقتل الحسين ابن بنت رسول اللّه (ص) و اللّه ان امرأ يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند اللّه يوم القيامة.

و خرج الحسين من ساعته ليعد رواحله و يستعد للخروج من المدينة بعد أن أحس بحراجة الموقف، و خلال أيام قلائل خرج من المدينة في جوف الليل بأهله و إخوته و بني عمومته كما جاء في اكثر المرويات باتجاه مكة و هو يتلو قول اللّه تعالى: فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (1) و سلك الجادة التي اعتاد الناس ان يسلكوها، فقيل له: هلا تنكبت الطريق و سرت على غير الطريق كما فعل عبد اللّه بن الزبير، و كان قد التجأ إلى مكة قبل ان يقصدها الحسين بأيام قلائل فأبى أن يسير على غير الجادة و قال: و اللّه لا أفارق الطريق الأعظم حتى يقضي اللّه ما هو قاض، و دخل مكة في اليوم الثالث من شعبان سنة ستين من الهجرة، فأقام بمكة بقية شعبان و رمضان و شوال و ذي القعدة و خرج من مكة في اليوم الثامن من ذي الحجة و لم يتخلف عنه من اخوته سوى اخيه محمد بن الحنفية.

و هنا تختلف الروايات في أسباب تخلفه ففي بعضها أنه كان مصابا بمرض يمنعه عن الحركة و القيام بأي عمل من الأعمال، و في بعضها أن الحسين تركه في الحجاز ليتتبع له أخبار القوم و تحركاتهم، و قال له كما في بعض المرويات: أما أنت يا أخي فلا عليك أن تبقى في المدينة لتكون لي عينا عليهم فلا تخفي عني شيئا من أخبارهم، و قال له محمد ابن الحنفية: يا أخي تنحّ ببيعتك عن يزيد و عن الأمصار ما استطعت و ابعث رسلك إلى الناس فإن بايعوك حمدت اللّه على ذلك و ان اجتمعوا على غيرك لم ينقص اللّه‏

____________

(1) سورة القصص 21.