شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار(ع) - ج3

- القاضي نعمان المغربي‏ المزيد...
599 /
3

الجزء الحادى عشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

[بقية فضائل أهل البيت‏]

[912] أبو سلمة، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري. و سعيد بن المسيب‏ (1) عن أبي ذر رضي اللّه عنه. و أبو عبد اللّه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي صلوات اللّه عليه، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق، مثل باب حطة لبني إسرائيل.

[913] هشام بن الحكم، قال: قال لي موسى بن جعفر بن محمد (عليه السلام): عشر من كانت فيه واحدة منها فليس منا و لا من شيعتنا:

الجنون، و الجذام، و البرص، و فساد الأهل، و رداء الأصل، و المفعول في دبره، و المتصدق على الأبواب‏ (2)، و البخيل، و الجبان، و المتشبه بالنساء.

[في قبة تحت العرش‏]

[914] ابن إسحاق الهمداني، عن حسان الطائي، عن أبي موسى‏

____________

(1) و هو سعيد بن المسيب بن حزين بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ القريشي المخزومي أبو محمد المتوفى سنة 94 ه بالمدينة.

(2) و في الخصال ص 336: و أن يسأل الناس بكفه.

4

الأشعري، قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: أنا و علي و فاطمة و الحسن و الحسين [يوم القيامة] (1) في قبة تحت العرش.

[أبو الحمراء و آية التطهير]

[915] أبو الحمراء (2)، قال: رابطت المدينة سبعة أشهر كيوم واحد (3)، فكنت أرى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا طلع الفجر جاء الى باب علي و فاطمة (عليهما السلام)، فقال: الصلاة الصلاة «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (4).

[916] و عن علي (عليه السلام)، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من صنع الى أحد من أهل بيتي معروفا كافأته يوم القيامة.

[حبّ أهل البيت‏]

[917] محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، باسناده عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أحبوا اللّه لما يعدكم به من نعمته‏ (5)، و أحبوني لحب اللّه، و احبوا أهل بيتي لحبي.

[918] إسحاق بن عبد اللّه بن طلحة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): نحن بنو عبد المطلب سادة الجنة، أنا، و علي، و جعفر بن أبي طالب، و حمزة بن عبد المطلب، و الحسن، و الحسين، و المهدي.

____________

(1) ما بين المعقوفتين من مجمع الزوائد 9/ 184.

(2) و اسمه هلال بن الحارث أو ابن الظفر، خادم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

(3) أي أن هذه الصورة تتكرر يوميا طيلة سبعة اشهر التي سكنت فيها المدينة.

(4) الأحزاب: 33.

(5) و في صحيح الترمذي 2/ 301 الحديث 14: لما يغذوكم من نعمه.

5

[919] عبد اللّه بن سليمان، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أهل بيتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره.

[كل نسب منقطع إلا نسبي‏]

[920] الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أنه قال في قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ» (1) قال: نزلت في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ذوي أرحامه لأنه قال (صلّى اللّه عليه و آله): كل سبب و نسب منقطع يوم القيامة إلا سببي و نسبي.

[921] أبو صالح، عن ابن عباس، أنه قال في قول اللّه تعالى: «وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً» (2)، قال: يقول: لا يقتلوا أهل بيت نبيكم‏ (3).

[922] سماعة بن مهران‏ (4) قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً» (5).

____________

(1) النساء: 1.

(2) النساء: 29.

(3) و أضاف في البرهان 1/ 364: إن اللّه عزّ و جلّ يقول في كتابه: قل تعالوا ندع أبناءنا و ابناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم. قال: كان أبناء هذه الامة الحسن و الحسين و كان نساؤهم فاطمة (عليها السلام) و أنفسهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و علي (عليه السلام).

(4) أبو ناشرة سماعة بن مهران بن عبد الرحمن الحضرمي مولى عبد بن وائل بن حجر الحضرمي، كان يتجر في القز و يخرج به إلى حران و نزل الكوفة في كندة، و مات بالمدينة 145 ه.

(5) النساء: 75.

6

قال: نحن اولئك.

[توبة آدم‏]

[923] صفوان الجمال‏ (1)، قال: دخلت على أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام) و هو يقرأ هذه الآية: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (2) ثم التفت إليّ.

فقال: يا صفوان إن اللّه تعالى ألهم آدم (عليه السلام) أن يرمي بطرفه نحو العرش، فإذا هو بخمسة أشباح من نور يسبّحون اللّه و يقدسونه.

فقال آدم: يا ربّ من هؤلاء؟

قال: يا آدم صفوتي من خلقي لولاهم ما خلقت الجنة و لا النار، خلقت الجنة لهم و لمن والاهم، و النار لمن عاداهم. لو أن عبدا من عبادي أتى بذنوب كالحبال الرواسي ثم توسل إليّ بحق هؤلاء لعفوت له.

فلما أن وقع آدم في الخطيّة قال: يا رب بحق هؤلاء الأشباح اغفر لي فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: إنك توسلت إليّ بصفوتي و قد عفوت لك.

قال آدم: يا ربّ بالمغفرة التي غفرت إلا أخبرتني من هم.

فأوحى اللّه إليه: يا آدم هؤلاء خمسة من ولدك، لعظيم حقهم عندي اشتقت لهم خمسة أسماء من أسمائي، فأنا المحمود و هذا محمد، و أنا العلي و هذا علي، و أنا الفاطر و هذه فاطمة، و أنا المحسن و هذا

____________

(1) و هو أبو محمد صفوان بن مهران بن المغيرة الأسدي الكوفي و كان يسكن بني حرام بالكوفة.

(2) البقرة: 37.

7

الحسن، و أنا الإحسان فهذا الحسين‏ (1).

[ملّة ابراهيم‏]

[924] سفيان بن عمرة (2)، عن حسان، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام)، أنه قال في قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ» (3).

قال: نحن و اللّه على ملّة إبراهيم، و شريعته شريعتنا، و لقد رغب أعداؤنا عن ملّة إبراهيم بتركهم ولايتنا، و اللّه يا حسان لقد أخذ اللّه ميثاقا بالولاية لنا في الدجى الأول على لسان كل نبي و أخذ ميثاقنا عليه و أخذه على امته، فمن رغب عنا فقد رغب عن ملّة إبراهيم و شريعته.

[925] ابن أبي زياد الكوفي‏ (4)، عن أبيه، عن علي (عليه السلام)، قال: لما انزلت: «الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (5)، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ذلك من أحبّ اللّه [و رسوله‏] (6) و أحبّ أهل بيتي صادقا غير كاذب.

[926] المفضل‏ (7)، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام)، أنه قال:

____________

(1) و في فرائد السمطين 1/ 37: و أنا الإحسان و هذا الحسن و أنا المحسن و هذا الحسين.

(2) و أظنه سفيان بن أبي عمير البارقي الكوفي.

(3) البقرة: 130.

(4) و أظنه اسماعيل بن أبي زياد.

(5) الرعد: 28.

(6) ما بين المعقوفتين من كنز العمال 1/ 251.

(7) المفضل بن عمر (اعيان الشيعة 10/ 132).

8

من أحبنا أهل البيت تتابعت الحكمة على لسانه، و جدّد له كل يوم عمل سبعين عابد عبد اللّه سبعين سنة.

[أساس الاسلام‏]

[927] مدرك بن عبد الرحمن، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام)، أنه قال: الإسلام عريان و لباسه الحياء، و زينته الوقار، و مروته العمل الصالح، و عماده الورع. لكل شي‏ء أساس و أساس الإسلام حبنا أهل البيت.

[طيب الولادة و حبّ أهل البيت‏]

[928] حسين بن زياد، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام): أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: من أحبنا أهل البيت فليحمد اللّه على أول النعم.

قيل: يا رسول اللّه و ما أول النعم؟

قال: طيب الولادة، و لا يحبنا إلا من طابت ولادته.

[929] يونس بن ظبيان، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام)، أنه قال: إن موسى و هارون (عليهما السلام) لما دخلا على فرعون لم يكن في الذين حضروا و استشارهم يومئذ فيهم من هو لغير رشده‏ (1)، و لو كانوا كذلك أمروه بقتلهما، و لما قالوا: «أَرْجِهْ وَ أَخاهُ»* (2) و أشاروه بالتأنّي و النظر.

قال: ثم وضع أبو عبد اللّه يده على صدره، قال: و كذلك- و اللّه-

____________

(1) و في البرهان 2/ 27: لم يكن في جلسائه يومئذ ولد سفاح كانوا ولد نكاح كلهم.

(2) الأعراف: 111.

9

نحن لا ينزع إلينا (1)- يعني بالمكروه- إلا كل خبيث الولادة.

[أصل الخير]

[930] عبد اللّه بن مسكان‏ (2)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، أنه قال: نحن أصل‏ (3) كل خير، و من فروعنا كل بر، و من البر: التوحيد، و الصلاة، و الصيام، و كظم الغيظ، و العفو عن المسي‏ء، و رحمة الفقير، و تعاهد الجار، و الاقرار بالفضل لأهله. و عدونا أصل‏ (4) الشر، و من فروعهم كل قبيح، و من القبيح: التشبيه، و الكذب، و البخل، و النميمة، و القطيعة، و أكل الربا، [و أكل‏] مال اليتيم بغير حقه، و تعدّي الحدود التي أمر اللّه تعالى بها، و ركوب الفواحش ما ظهر منها و ما بطن، و الزنا، و السرقة، و كل ما وافق ذلك من القبيح. و كذب من زعم أنه معنا و هو متعلق بفروع غيرنا.

[931] أبو حمزة الثمالي، عن أبي الطفيل‏ (5)، قال: قام أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنبر، فقال:

إن اللّه بعث محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) بالنبوة و اصطفاه بالرسالة، و عندنا أهل البيت مفاتيح العلم و أبواب الحكمة و ضياء الأمر، و فصل الخطاب. و من أحبنا ينفعه إيمانه، و يتقبل منه عمله، و من لا يحبنا أهل البيت لا يتقبل منه إيمانه و لا ينفعه عمله، و إن أدأب‏ (6) نفسه‏

____________

(1) هكذا صححناه و في الاصل: لا يسرع إلينا.

(2) أبو محمد: مولى عنزة، له كتاب في الامامة و في الحلال و الحرام، مات في أيام الامام الرضا (عليه السلام).

(3- 4) هكذا صححناه و في الاصل: أهل.

(5) و هو عامر بن وائلة بن عبد اللّه بن عمرو بن جحش بن جري الليثي المتوفي 110 ه.

(6) أدأب: أي أجهد و أتعب.

10

بالليل و النهار.

[قوام الاسلام‏]

[932] أبو صادق‏ (1)، قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: إن في الاسلام ثلاثا، لا يقوم إلا عليهن، و لا ينفع واحدة دون صاحبتها: الصلاة، و الزكاة، و الولاية (2).

[933] عبد اللّه بن نمير الهمداني‏ (3)، باسناده، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أنه قال:

النجوم أمان لأهل السماء و أهل بيتي أمان لأهل الأرض.

[934] الليث بن سعد، باسناده، عن أبي وائل‏ (4)، قال: كنت بالمدينة لما بويع لعثمان، فدخلت المسجد، فرأيت رجلا يصفّق باحدى يديه على الأخرى، و يقول: يا عجبا من قريش استأثروها على أهل البيت معدن الفضيلة و نجوم الأرض، و نور البلاد، و اللّه إن فيهم رجلا ما رأينا بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو أولى بالحق، و لا أقضى بالعدل، و لا آمر بالمعروف و لا أنهى عن المنكر منه.

فقلت له: من أنت يرحمك اللّه، و من الرجل الذي و صفت؟

فقال: أنا المقداد بن الأسود (5)، و الذي و صفته: علي بن أبي طالب.

____________

(1) و هو أبو صادق الأزدى الكوفي، قيل: اسمه مسلم بن يزيد، و قيل: عبد اللّه بن ناجد.

(2) و في فرائد السمطين 1/ 79 الحديث 49: الموالاة.

(3) و اظنه عبد اللّه بن نمير الكوفي، يكنى أبا هشام، توفي 199 ه.

(4) و هو شقيق بن سلمة الكوفي.

(5) أبو معبد أو أبو عمرو الصحابي البطل ولد 37 ق ه في اليمن ثم الى مكة شهد بدرا و سكن المدينة و توفي في مقربة منها و دفن في المدينة 33 ه.

11

قال: فمكث ما شاء اللّه، ثم لقيت أبا ذر، فحدثته بقول المقداد.

فقال أبو ذر: صدق و اللّه مقداد.

قلت له: فما منعكم أن تجعلوا هذا الأمر فيهم؟

قال: أبى ذلك عليهم قومهم.

قلت: فما منعكم أن تعينوهم؟

قال: مه، لا تسألني عن هذا.

قال: ثم كان من أمر أبي ذر مع عثمان ما كان- يعني عن نفيه إياه من المدينة الى الربذة-.

[935] الحسن بن عبد اللّه، عن أبي الضحى، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إني تارك فيكم اثنين: القرآن و أهل بيتي، و إنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة.

[936] عبد اللّه بن عثمان العمري، عن أبي لهيعة (1)، عن عبد اللّه- أبي هبيرة-، عن أبي ذر، أنه قال: مثلكم و مثل أهل بيت نبيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلّف عنها غرق.

[937] عبد اللّه بن صالح، يرفعه الى علي (عليه السلام)، أنه قال:

نزل القرآن ارباعا، ربعا فينا، و ربعا في عدونا، و ربعا سيرة و أمثال‏ (2)، و ربعا فرائض و أحكام. لنا عزائم القرآن.

[938] سفيان، باسناده، عن علي بن الحسين، أنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ستة لعنهم اللّه [و لعنتهم‏] (3) و كل نبيّ مجاب:

الزائد في القرآن، و كل مكذّب بقدر اللّه، و التارك لسنّتي، و المتسلّط

____________

(1) و أظنه عبد اللّه بن لهيعة بن فرعان الحضرمي المصري.

(2) و في ما نزل من القرآن في علي للحبري ص 44: و ربع حلال و حرام.

(3) ما بين المعقوفتين من كنز العمال 8/ 191 و اسد الغابة 4/ 107.

12

بالجبروت ليذلّ من أعزّ اللّه و يعزّ من أذلّ اللّه، و المستحلّ من عترتي ما حرّم اللّه، و المستحلّ لحرم اللّه‏ (1).

[الذرّية الطيّبة]

[939] على بن هاشم، باسناده، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام):

قال: قال اللّه عز و جلّ لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله):

إني اصطفيتك، و انتجبت لك عليا، و جعلت منكما ذريّة طيبة جعلت لهم الخمس.

[939] و قال (عليه السلام):

إن اللّه عزّ و جلّ اتخذ محمدا عبدا قبل أن يتخذه رسولا و كان علي أحبّ اللّه، فأحبه اللّه، و نصح للّه فنصح اللّه له، و إن حقنا في كتاب اللّه لنا صفو الأموال، و لنا الأنفال.

[941] شريك بن عبد اللّه، عن الدكين، عن القاسم، عن زيد بن ثابت‏ (2)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي [ألا و هما الخليفتان من بعدي‏] (3) لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.

[942] المطلب بن عبد اللّه، عن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

إني فرط لكم‏ (4)، فاوصيكم بعترتي خيرا، فإن موعدكم‏

____________

(1) و في اسد الغابة 4/ 107 أضاف: و المستأثر بالفي‏ء.

(2) صحابي خزرجي أمره الرسول أن يتعلم السريانية ليقرأ له ما يرد عليه من الكتب المدونة بالعبرية توفي 45 ه.

(3) ما بين المعقوفتين من بحار الانوار 23/ 126 الحديث 54.

(4) و في تاريخ دمشق 2/ 368: أيها الناس إني لكم فرط.

13

الحوض.

[أهل البيت أمان للامّة]

[943] سلمة بن الأكوع‏ (1)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

النجوم أمان لأهل السماء و أهل بيتي أمان لامّتي.

[944] إسماعيل بن موسى، باسناده، عن أبي هريرة، قال: نظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) فقال:

أنا حرب لمن حاربتم و سلم لمن سالمتم‏ (2).

[945] محول‏ (3) بن إبراهيم، باسناده، عن أمّ سلمة، قالت:

نزلت هذه الآية في بيتي: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (4). و في البيت سبعة: جبرائيل، و ميكائيل، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و علي، و فاطمة، و الحسن، و الحسين.

قالت: و أنا على باب البيت جالسة، فقلت: يا رسول اللّه أ لست من أهل البيت؟

قال: إنك على خير و إنك من أزواج النبي. و ما قال أنا من أهل البيت.

فأفضل أهل البيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و به استحق الفضل من استحقه من أهل البيت.

____________

(1) و هو سلمة بن عمرو بن سنان الاكوع الاسلمي صحابي توفي بالمدينة 74 ه.

(2) و في كفاية الطالب ص 331: أنا حرب لمن حاربكم و سلم لمن سالمكم.

(3) و في الخصال ص 403: مخول.

(4) الاحزاب: 33.

14

و الذي يليه منهم علي صلواته اللّه عليه، و هو كما جاء فيما تقدم أخوه و وزيره و وصيه و خليفته و الشاهد على امته من بعده، فما جاء في فضل أهل البيت (عليهم السلام) فله بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أفضله‏ (1) و فاطمة (عليها السلام) بعده، هي ابنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمّ الأئمة من ذريته فهي في الفضل أولاهم به، ثم الأئمة من ولدها واحد بعد واحد، سادات أهل زمانهم أئمتهم و مواليهم، و لهم من الفضل على جميعهم ما يوجب الإمامة لهم، و هم أفضل ذرية علي و فاطمة (عليهما السلام) و من أهل البيت الفاضل أعلى و أشرف من غيرهم، منهم يعلو الإمامة و شرفها، و من لم يتولّ الإمام في كل زمان منهم، فمن ينسب إليهم، و يعرف فضله، و يدين بالطاعة له فهو منقطع النسب كما قطع اللّه عزّ و جلّ نسب ابن نوح لما تخلّف عن الركوب في السفينة معه عنه، و قال: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» (2). و من تولّى أئمة الحق من أهل بيت محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و عرف حقهم، و دان بإمامتهم، و تقلد عهد إمام زمانه منهم، و وفى بما أخذ له، فهو من أهل البيت بالتولّي لهم، كما قال إبراهيم (عليه السلام) فيما حكاه اللّه تعالى من قوله: «فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي» (3)، و كما قال سبحانه: «وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ» (4)، كما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لسلمان الفارسي رحمة اللّه عليه: سلمان منا أهل البيت. فنسبه الى أهل بيته لتوليه إياهم (صلوات الله عليهم).

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) هود: 6،.

(3) إبراهيم: 36.

(4) المائدة: 51.

15

خديجة الكبرى‏

[ذكر فضل خديجة بنت خويلد زوج النبي‏]

هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن القصي، و لم يولد للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) ولد إلا منها، ما خلا ابنه إبراهيم، فإنه ولد له من مارية القبطية (1). و ولد له من خديجة القاسم و به كان يكنى و الطاهر و الطيب و فاطمة و زينب و رقية (2) و أمّ كلثوم.

فأما القاسم و الطيب فماتا بمكة صغيرين، و مات الطاهر كذلك صغيرا.

و أما إبراهيم من مارية فولد بالمدينة بعد ثمان سنين من مقدمه، و عاش سنة و عشرة أشهر و ثمانية أيام، و مات بالمدينة.

و كانت خديجة قبل النبي عند عتيق بن عامر المخزومي، و ولدت له حارثة، و مات عنها بمكة، و تزوجها بعده أبو هالة زرارة بن ساس الأسدي، و مات عنها بمكة و ولدت له هند بن أبي هالة، و كانت خديجة ذات مال كثير و عبيد و مضاربين لها يتجرون في مالها، و يسافرون به لها إلى الشام. فلما اتصل بها عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما هو عليه من الأمانة و الطهارة و الصدق و العفاف أرسلت إليه، و سألته أن يخرج ببضاعة الى الشام، ففعل و أرسلت معه غلاما

____________

(1) مصرية الاصل أهداها المقوقس عامل الاسكندرية فتزوجها توفيت 16 ه.

(2) و أما زينب فكانت في الجاهلية تحت أبي العاص ابن الربيع. و رقية تحت عتبة بن أبي لهب، ثم تزوجهما عثمان بن عفان بالتعاقب.

16

يقال له: ميسرة فجاءها بفضل واسع لم يأتها غيره.

و أخبرها غلامها بما شاهده من فضله و آيات رآها فيه. و كان لها ابن عم يقال له ورقة بن نوفل على دين النصرانية قد قرأ الكتب، و كان يذكر لها أن نبيا إن بعثه يبعث من قريش، فلما أخبرها غلامها بما شاهد منه مع ما اتصل بها من آياته و علامات النبوة فيه ذكرت ذلك لابن عمها ورقة.

فقال: و اللّه ما أشك، إنه هو النبي المنتظر.

و كان ورقة هذا قد خطب خديجة، و همّت بتزويجه لما تبيّن لها أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أراد اللّه كرامتها ألهمها أن أرسلت الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تعرض بنفسها عليه، فتزوجها و بنى بها (صلّى اللّه عليه و آله) و هو ابن خمس و عشرين سنة، و لم يتزوج عليها غيرها، و لا تزوج امرأة إلّا بعد أن ماتت.

و كانت من أفضل نسائه و أحبهن إليه، و كانت تنتظر نبوته، و يسألها ابن عمها عن ذلك، و عن دلائل تعرفها فيه، فتخبره بذلك، فيقول: هو و اللّه النبي المنتظر، و له في ذلك أشعار كثير قالها (1)، و مات قبل أن يبعث اللّه نبيه محمدا (صلّى اللّه عليه و آله).

و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعارض خديجة و يخبرها بما يأتيه من قبل أن ينبأ به، و ما يراه في منامه، و تخبره هي بقول ورقة، فلما أتاه الوحي من عند اللّه عزّ و جلّ بالرسالة أخبرها بذلك و دعاها إلى الإسلام، فأسلمت، فكانت أول من أسلم، ثم دعا عليا (عليه السلام) من غد، فأسلم. و قد مضى ذكر خبر إسلامه (عليه السلام)(2).

و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ابتداء أمره إذا دعا قومه فكذبوه،

____________

(1) راجع الجزء الثاني.

(2) في الجزء الثاني.

17

و نالوا منه و هموا به، منعه منهم عمه أبو طالب. و كان سيدا مطاعا فيهم، و كان يأتي خديجة مغموما لما يناله منهم، فتهدئه، و تصبره، و تهون عليه. و بذلت ما لها له، فكان ذلك مما يعزّبه.

فلما كثر الاسلام و المسلمون بمكة مات أبو طالب عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثم ماتت خديجة بعده بثلاثة أيام. و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول:

ما اغتممت بغمّ أيام حياة أبي طالب و خديجة لما كان أبو طالب يدفعه عنه و خديجة تعزيه و تصبره و تهون عليه ما يلقاه في ذات اللّه عزّ و جلّ.

[بيت من لؤلؤ]

[946] الدغشي، باسناده، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام)، أنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام):

إن جبرائيل (عليه السلام) عهد إليّ إن بيت امك خديجة في الجنة بين بيت مريم ابنة عمران و بين بيت آسية امرأة فرعون، من لؤلؤ جوفاء، لا صخب فيه و لا نصب.

[947] و بآخر، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أنه قال: قال لي جبرائيل:

بشّر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه و لا نصب فيه- يعني قصب الزمرد-.

[منزلة خديجة عند الرسول‏]

[948] و بآخر، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أنه أهدى إليه لحم جمل- أو لحم جزور-. فأخذ بيده لحما، فأعطاه رسول اللّه، و قال: اذهب الى فلانة- أو قال [الى‏] فلان-.

18

فقالت عائشة: يا رسول اللّه لم غمرت يدك قد كان فينا من يكفيك؟

قال: و يحك إن خديجة أوصتني بها- أو قال: [أوصتني‏] به-.

يعني من أرسل ذلك اللحم إليه. فأدركت عائشة الغيرة لذكر خديجة. فقالت: كأن ليس في الأرض امرأة إلا خديجة.

فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو غضبان فلبث ما شاء اللّه أن يلبث. ثم دخل عليها و عندها امها- أم رومان- (1). فقالت: يا رسول اللّه ما لعائشة؟ إنها حدثة، و هي غيراء.

فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بشدق عائشة، ثم قال:

أ لست القائلة: كأن ليس في الأرض امرأة إلا خديجة؟ لقد آمنت بي إذ كفر بي قومك، و قبلتني إذ رفضني قومك، و رزقت مني الولد إذ حرمت مني.

قالت عائشة: فما ترك شدقي حتى ذهب من نفسي كل شي‏ء كنت أجده على خديجة.

[949] و بآخر، عن عروة بن الزبير (2)، قال: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة (3).

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لقد رأيت لخديجة بيتا من‏

____________

(1) و هي زينب و قيل دعد بنت عبد بن دهمان. و كانت تحت عبد اللّه بن الحارث بن سبنجرة فمات فخلف عليها أبو بكر و هي أم عائشة و عبد الرحمن توفيت 6 ه.

(2) و هو أبو عبد اللّه عروة بن الزبير بن العوام الاسدي القرشي ولد 22 ه انتقل الى البصرة ثم إلى مصر و اقام سبع سنين، و عاد الى المدينة و توفي بها 93 ه و بئر عروة بالمدينة منسوب إليه. و هو أخو عبد اللّه لابيه و أمه.

(3) توفيت خديجة (رضوان اللّه عليها) في شهر رمضان سنة عشرة من النبوة أي قبل الهجرة بثلاث سنوات.

19

قصب لا صخب فيه و لا نصب. و هو قصب اللؤلؤ.

[950] و بآخر، عن ابن شهاب، قال: بلغني أن خديجة بنت خويلد كانت أول من آمن باللّه عزّ و جلّ و رسوله، و ماتت قبل أن تفرض الصلاة.

[951] و بآخر، عن الليث بن سعد، قال: أخبرني غير واحد أن ميسرة- غلام خديجة بنت خويلد- قدم من الشام في السفر الذي خرج فيه مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، سبق الى خديجة فأخبرها بخبره مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و بما أصاب من الربح ببركته، و بما رأى منه.

فقالت له: أرينه إذا دخلت العير.

و وقفت حتى دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على بعير.

فقال لها ميسرة: (1) هذا محمد و هذه السحابة التي ذكرت لك.

فنظرت خديجة الى سحابة من نور تظله، و تسير معه، لما أراد اللّه عزّ و جلّ من كرامتها به. و وقع في قلبها لما أراده اللّه بها من السعادة.

فأرسلت الى عمها و صنعت له طعاما و شرابا، فأكل و شرب حتى إذا أخذ الشراب منه أرسلت الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أقبل أنت و نفر من أهل بيتك فليخطبوني في ذلك من عمي فإنه سيزوجك. ففعل، و أتوه و هو ثمل، فكلموه في ذلك، فتزوجها.

و أمرت بمكانها بحلة حبرة فألقتها عليه، و بعير فنحر ليأكل منه الناس، و بطيب عبير فطيبت به عمها. فلما أفاق من سكره قال: ما هذه الحبرة، و ما هذا البعير. و ما هذا اللحم؟

قالوا: زوجت خديجة من محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب.

____________

(1) ذكره ابن حجر في الاصابة 3/ 470 رقم 8284 دون الاشارة الى نسبه.

20

قال: ما فعلت.

قالت خديجة: لا تجمع على أمرين، إن عقدت عليّ و لم تشاورني ثم تسفه نفسك في قومك، و قد حضرك فلان و فلان و فلان، فان الرجل و إن كان قليل المال حدث السن، فله نسب و أصل في قومه، فاسكت على ما صنعت، فأنا كنت أولى بالغضب منك إذ زوجتني بغير أمري.

فقبل ذلك، و سكت.

[ذكرى خديجة]

[952] عن عائشة، قالت: سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صوت هالة بنت خويلد (1)، فقال: ما رأيت كاليوم صوتا أشبه بصوت أم هند- يعني خديجة- من هذا الصوت.

قالت عائشة: فقلت: يا رسول اللّه ما يذكرك عجوزا من عجائز قريش!.

فغضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) غضبا شديدا لم أره غضب مثله قبله و لا بعده.

ثم قال: لا تذكري أم هند، فقد كانت لها مني اثنتان أول من آمنت بي، و رزقت مني الولد و حرمتيه.

[953] و بآخر، عن قتادة (2)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

كفى بك من نساء العالمين‏ (3) أربع: مريم ابنة عمران، و آسية

____________

(1) و هي هالة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشية الاسدية اخت خديجة و والدة أبي العاص بن الربيع.

(2) و أظنه قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، ولد 61 ه و هو أبو الخطاب السدوسى البصري توفي بالطاعون 118 ه.

(3) و في بحار الانوار 37/ 68: حسبك من نساء العالمين.

21

امرأة فرعون، و خديجة بنت خويلد، و فاطمة بنت محمد.

[954] الليث بن سعد، باسناده، عن [ابن‏] (1) شهاب، قال: بلغنا أن خديجة كانت أول من آمن باللّه و رسوله، و ماتت قبل أن تفرض الصلاة.

[955] وكيع، باسناده، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لخديجة:

يا خديجة، هذا جبرائيل يخبرني أن اللّه عزّ و جلّ أرسله إليك بالسلام.

فقالت خديجة: اللّه السلام و للّه السلام و على جبرائيل السلام.

[956] عبد الرحمن بن صالح، باسناده، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذكر يوما خديجة فأثنى عليها، و عائشة تسمع.

فقالت عائشة: عجبا منك كان رجلا لم يتزوج قبلك ذات و جنتين.

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أ ذكرتيها يا عائشة؟

و غضب فاشتدّ غضبه.

قال: و اللّه لقد كانت أول من آمن بي، و صدّقني و تبعني.

فقالت عائشة: أعوذ باللّه من غضب اللّه و غضب رسوله.

فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا تعودي يا عائشة أن تذكري خديجة إلا بما هي أهله.

فقالت عائشة: و اللّه لا أعود الى ذلك أبدا.

[957] و بآخر، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أنه ذكر يوما خديجة، فترحم عليها، و ذكر محاسن أفعالها، فغارت عائشة لذلك.

قالت: ليت شعري، ما يذكرك من عجوز حمراء الشدقين قد

____________

(1) هكذا صححناه و في الاصل: أبي. ولد 61 ه.

22

أبدلك اللّه عزّ و جلّ بها من هو خير منها! فغضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) غضبا شديدا.

قال: لا و اللّه ما بدلت خيرا منها لقد آمنت بي قبل أن تر مني، و صدّقتني قبل أن تصدّقن، و رزقت مني من الولد ما قد حرمتنّ.

فقالت عائشة: و اللّه لا أذكرها بعد هذا بسوء يا رسول اللّه.

فخديجة (رضوان اللّه عليها) ولدت الأئمة، و كانت أول من آمن من الامة و اللّه عزّ و جلّ يقول و هو أصدق القائلين: «وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» (1) و بشرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالجنة و آتاها جبرائيل (عليه السلام) عن اللّه عزّ و جلّ، و أنفقت مالها في سبيل اللّه و على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله). و كانت أول من عرفه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من النساء و بنى بها منهن، لم يعرف من النساء امرأة قبلها. و كانت أحبّ أزواجه إليه و أكرمهن عليه و أفضلهن عنده و أم بنيه و بناته و مسليته كما ذكر (صلّى اللّه عليه و آله) و مفرجة غمومه. و لم يكن بينه و بينها اختلاف أيام حياتها حتى قبضت و هو عنها راض و لها شاكر رحمة اللّه و رضوانه عليها.

____________

(1) الواقعة: 11.

23

فاطمة الزهراء (عليها السلام)

[ذكر فضل فاطمة بنت رسول اللّه‏]

كانت أحبّ بناته إليه و أكرمهن عليه، و خصّ اللّه عزّ و جلّ بها وصيه و خليفته من بعده على امته، و هي أمّ الأئمة من ذريته. و لها من الفضل ما يطول ذكره. فمن ذلك ما رواه.

[958] الدغشي، عن عائشة، أنها قالت: أقبلت يوما فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، تمشي- كأن مشيتها مشيته- فلما رآها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: مرحبا يا بنتي.

ثم أجلسها الى جانبه، فأسرّ إليها سرا. فبكت [بكاء شديدا] (1).

فقلت لها: سبحان اللّه، خصّك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بسره و تبكين.

ثم أقبل عليها رسول اللّه، فأسرّ إليها سرا أيضا، فضحكت.

فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن و ضحكا أقرب من بكاء.

ثم سألتها بعد ذلك عما أسره إليها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فقالت: ما كنت لأفشي سره في أيام حياته.

____________

(1) حلية الاولياء 2/ 29.

24

فلما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سألتها عن ذلك.

فقالت: إنه أسرّ إليّ: يا فاطمة، إن جبرائيل (عليه السلام) كان يعارضني بالقرآن في كل عام مرة، و إنه عارضني به في هذا العام مرتين لا أراني إلا و قد حضر أجلي و إنك أول أهل بيتي لحوقا بي، فبكيت.

ثم أسرّ لي ثانيا، فقال لي: يا فاطمة، إني لك نعم السلف أ و ما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الامة- أو قال: نساء المؤمنين- فسررت بذلك، و ضحكت.

[959] و بآخر، عنه (صلّى اللّه عليه و آله)، أنه نظر يوما الى فاطمة (عليها السلام)، فقال لها:

يا فاطمة إنك سدت نساء امتي كما سادت مريم ابنة عمران على نساء [عالمها] (1).

[الرسول يسقي الحسن‏]

[960] و بآخر، عن علي صلوات اللّه عليه، أنه قال: زارنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاستسقى الحسن. فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى [منحة] (2) لنا بكية (3)، فمصّ منها في قدح، و أتى به الحسن، فقام إليه الحسين، فنال بيده إليه بكفه.

فقالت فاطمة: كأن الحسن أحبهما إليك يا رسول اللّه؟

قال: لا، إلا أنه هو الذي استسقاه، اني و إياك و هذان- يعني‏

____________

(1) هكذا صححناه و في الاصل: العالمين.

(2) هكذا صححناه و في الاصل: مبنحه. و المنحة: أن يمنح الرجل أخاه ناقة أو شاة يحلبها زمانا و أياما ثم يردها.

(3) و في بحار الانوار 37/ 72 الحديث 39: فقام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الى شاة لنا بكي‏ء، فدرت.

25

الحسن و الحسين- و هذا- و أومى إليّ- في الجنة في مكان واحد [يوم القيامة] (1).

[ضبط الغريب‏]

قوله: منحة لنا بكية يعني: شاة للحلب، قليلة اللبن في الضرع بغير درة فيه.

و يقال منه: مصّ صلبه: الشي‏ء إذا أعطاه إياه قليلا قليلا.

و المصّ أيضا: الحلب الذي باصبعين.

[961] و بآخر، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أنه قال: سيد اشباب أهل الجنة الحسن و الحسين إلا ابني الخالة يحيى و عيسى. و امهما سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم ابنة عمران‏ (2).

[حديث الدينار]

[962] و بآخر، عن عبد اللّه بن مسعود (3)، قال: جاء علي (عليه السلام) الى أبي ثعلبة الجهني، فقال له: يا أبا ثعلبة، أقرضني دينارا.

قال: أمن حاجة، يا أبا الحسن؟

قال [أمير المؤمنين‏]: نعم.

قال: فشطر مالي لك، فخذه حلالا في الدنيا و الآخرة.

فقال له علي (عليه السلام): ما بي حاجة الي غير ما سألتك.

قال: فربع مالي أو ما أردت منه خذه حلالا في الدنيا و الآخرة.

قال: ما اريد غير قرض دينار، فإن فعلت، و إلا انصرف.

____________

(1) مسند أحمد بن حنبل 1/ 101.

(2) و جملة: و امهما سيدة ... الخ لم تكن في بحار الانوار 43/ 316.

(3) و هو عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب، أبو عبد الرحمن الهذلي توفي 33 ه.

26

فدفع إليه دينارا واحدا، فأخذه ليشتري به لأهله ما يقوتهم و قد مضت لهم ثلاثة أيام لم يطعموا شيئا. فمرّ بالمقداد قاعدا في ظل جدار قد غارتا عيناه من الجوع.

فقال له علي (عليه السلام): يا مقداد ما أقعدك في هذه الظهيرة في ظل هذا الجدار.

قال: يا أبا الحسن، أقول كما قال العبد الصالح لما تولى الى الظل‏ «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» (1).

قال: مذ كم يا مقداد؟

قال: مذ أربع، يا أبا الحسن.

قال علي (عليه السلام): فنحن مذ ثلاث و أنت مذ أربع، أنت أحق بالدينار.

فأعطاه الدينار، و مضى علي (عليه السلام) الى المسجد فصلّى فيه الظهر و العصر و المغرب مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) [و كان ذلك اليوم صائما، فأتاه جبرائيل (عليه السلام) فقال: يا محمد يكون إفطارك الليلة عند علي و فاطمة (عليهما السلام): فلما قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صلاة المغرب أخذ بيد علي و مشى معه الى منزله و دخلا.

فقالت فاطمة: وا سوأتاه من رسول اللّه أ ما علم أبو الحسن أنه ليس في منزلنا شي‏ء.

و دخلت الي البيت، فصلّت ركعتين، ثم قالت:

اللهمّ إنك تعلم أن هذا محمد رسولك، و أن هذا صهره علي وليك، و أن هذين الحسن و الحسين سبطا نبيك، و أني فاطمة بنت نبيك، و قد نزل بي من الأمر ما أنت أعلم به مني، اللهمّ فأنزل علينا

____________

(1) القصص: 24.

27

مائدة من السماء كما أنزلتها على بني إسرائيل، اللهمّ إن بني إسرائيل كفروا بها و إنا لا نكفر بها.

ثم التفت، فإذا هي بصحفة (1) مملؤة ثريد عليها عراق كثير تفور من غير نار، تفوح منها رائحة المسك. فحمدت اللّه و شكرته و احتملتها، فوضعتها بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و علي (عليه السلام) و دعت الحسن و الحسين (عليهما السلام)، و جلست معهم. فجعل علي يأكل و ينظر إليها.

فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا أبا الحسن كل و لا تسأل حبيبتي عن شي‏ء. فالحمد للّه الذي رأيت في منزلك مثل مريم بنت عمران: «كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» (2) هذا يا أبا الحسن بالدينار الذي أعطيته المقداد. قسمه اللّه عزّ و جلّ على خمسة و عشرين جزء. عجّل لك منها جزء في الدنيا، و أخّر لك أربعة و عشرين منها الى الآخرة.

[فدك لفاطمة]

[963] و بآخر، عن أبي سعيد الخدري، أن اللّه عزّ و جلّ لما أنزل على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله): «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (3) دعا فاطمة، فأعطاها فدكا.

[964] الحكم بن سليمان، باسناده، عن علي (عليه السلام)، أنه قال:

____________

(1) و في بحار الانوار 43/ 31: فاذا بجفنة من خبز و لحم.

(2) آل عمران: 37.

(3) الاسراء: 26.

28

زوّجني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خير نساء هذه الامة، و أنا خير الوصيين.

[اللّه يأمر بتزويج فاطمة]

[965] عن النور، باسناده، عن عمر بن الخطاب، أنه ذكر عليا، فقال:

صهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نزل جبرائيل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فقال:

يا محمد، إن اللّه يأمرك أن تزوج فاطمة من علي.

[966] الفضل بن دكين‏ (1)، باسناده، عن عبد اللّه بن عباس، أنه قال:

لما زفّت فاطمة الى علي (عليه السلام) كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قدامها (2)، و جبرائيل عن يمينها، و ميكائيل عن شمالها، و سبعون الف ملك من خلفها يسبحون اللّه و يقدّسونه حتى طلع الفجر.

[ليلة زفاف فاطمة]

[967] ابن الأعرابي، باسناده، عن أسماء بنت عميس‏ (3)، أنها قالت:

كنت فيمن زفّت فاطمة الى علي (عليه السلام)، فلما دخلت بيتها أقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى دخل عليها، فدعا بماء، فذكر اسم اللّه عليه، ثم شرب منه، و مجّ من الماء فيما بين درع فاطمة و بدنها، ثم مجّ منه أيضا فيما بين سربال علي و بدنه.

____________

(1) و هو أبو نعيم، الفضل بن دكين- عمرو- بن حماد بن زهير التميمي، ولد 130 ه و توفي 218 ه و هو من كبار شيوخ البخاري.

(2) و في ذخائر العقبى: أمامها.

(3) راجع الهامش الثاني من صحفة 57 حول أسماء بنت عميس.

29

ثم قال: اللهمّ احفظ أهل البيت، و بارك فيهم و بارك عليهم، و اجعلهم مباركين أين كانوا.

ثم جزى اللّه أسماء و صويحباتها خيرا.

[968] أحمد بن الطبري، باسناده، عن أنس بن مالك، قال: سألت أمي عن صفة فاطمة (عليها السلام).

فقالت: بيضاء بيضة كأنها القمر في ليلة التمام، و الشمس إذا خرجت من السحاب‏ (1).

[يغضب اللّه لغضب فاطمة]

[969] جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام)، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لفاطمة: يا فاطمة إن اللّه عزّ و جلّ ليغضب لغضبك، و يرضى لرضاك.

فقيل: إن بعض موالي‏ (2) جعفر بن محمد (عليه السلام) بلغه هذا الحديث، فأتاه.

فقال: ما هذا الحديث الذي يحدّث عنك بعض فتبان قريش؟

قال: و ما هو؟

قال: يزعمون أنك حدّثتهم أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال لفاطمة (عليها السلام): إن اللّه ليغضب لغضبك.

قال: نعم، قد حدثتهم بذلك، فما أردت بسؤالك عن ذلك؟

____________

(1) و في دلائل الامامة ص 75: بيضاء مشربة حمرة لها شعر أسود.

قال عبد اللّه: فكانت و اللّه كما قال الشاعر:

بيضاء تحسب من قيام شهرها * * * و تغيب فيه و هو داج أسحم‏

فكأنها فيه نهار مشرق * * * و كأنه ليل عليها مظلم‏

(2) أمالي الصدوق ص 314: هو صندل.

30

قال: سمعت قوما ينكرونه.

قال: أو ليس قد جاء عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال:

إن اللّه عزّ و جلّ ليغضب لعبده المؤمن [و يرضى لرضاه‏]، فما أنكروا أن تكون فاطمة أحد المؤمنين [يغضب اللّه لغضبها و يرضى لرضاها] (1).

قال الموالي: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.

[فاطمة بضعة مني‏]

[970] حسن بن زيد، عن جعفر بن محمد (عليه السلام)، أنه قال، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

إنما فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني، و من أحبها فقد أحبني، و من سرها فقد سرني‏ (2).

[فاطمة و أسماء]

[971] موسى بن أيوب، باسناده، عن أسماء ابنة عميس، أنها قالت: لما اشتكت فاطمة (عليها السلام) شكواها التي توفيت فيها.

قالت لي: وا سوأتاه، فما يصنع بالنساء إذا متن؟

قالت: و كنّ يحملن على سرير الموتى و عليهم ثوب.

فقلت لها: أ لا اريك شيئا رأيته إذ كنت مع ابن عمك بأرض الحبشة يصنعونه بالنساء إذا حملن.

قالت: نعم.

____________

(1) أمالي الصدوق: ص 314.

(2) قال الشاعر:

و قد علموا أن النبي يسره * * * مسرتها جدا و يشنى اغتمامها

31

فدعوت بجريد [رطبة]، و عملت نعشا ثم أراءتها إياه، فاستحسنته و قالت: نعم، اجعلي هذا عليّ و لا يلي غسلي إلا علي و أنت.

و أمرت (صلوات الله عليها) بأن تدفن ليلا.

فدفنت ليلا، و لم يصلّ أحد منهم عليها، و لا عرفوا مكان قبرها ...

و قالوا في ذلك لعلي (عليه السلام)، فقال: بذلك أوصت.

و كان الذي بين وفاتها و وفات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سبعين يوما.

[972] سفيان، باسناده، أن عليا (عليه السلام) ذكرت له بنت أبي جهل، فأراد أن ينكحها، فبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال على المنبر- و علي (عليه السلام) يسمعه-: ألا و إنه انتهى إليّ أن عليا أراد أن ينكح العوراء ابنة أبي جهل، و لم يكن له أن يجمع بين بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بنت عدو اللّه، و إنما فاطمة بضعة مني من أغضبها فقد أغضبني‏ (1).

____________

(1) و محصل ما قاله السيد المرتضى في تنزيه الأنبياء ص 212:

إن هذا الخبر من الاخبار الموضوعة و ينحصر راويه بالكرابيسي و هو من العامة مستدلا به للنيل من مقام أمير المؤمنين (عليه السلام) مما يشهد العقل بكذبه و فساده، و هي امور:

1- أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا ينكر ما اباحه الاسلام، فللرجل أن يتزوج أربعا فكيف ينكر الرسول هذا المباح و يعلن بذلك على المنابر.

2- أن الخبر يتضمن الطعن على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لانه انما زوج فاطمة (عليها السلام) من أمير المؤمنين بعد أن اختار اللّه لها ذلك، و من المعلوم أن اللّه لا يختار لها من بين الخلائق من يؤذيها و يغمها، و هذا أدل دليل على كذب القصة.

3- أنه لم يعهد من أمير المؤمنين (عليه السلام) خلاف على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و لا كان، فكيف يتصور منه هذه المخالفة التي توجب تأثر الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و قد ذكر ذلك المؤلف في الرواية المشابهة (987) قول أمير المؤمنين (عليه السلام): ما كنت لآتي شيئا تكرهه يا رسول اللّه.

4- أنه لو صحّ ذلك لانتهزه الاعداء من بني أميّة و أتباعهم للطعن به على أمير المؤمنين في الوقت الذي لم نعثر على من يرويه سوى الكرابيسي.

32

فماتت (صلوات الله عليها) و هي غضباء على جميعهم لما [منعوها و أخذوا] (1) من حقها، و استنصرت بهم فلم تجد أحدا ينصرها. و من أجل ذلك منعتهم الصلاة عليها، و أوصت أن تدفن ليلا كما جاء ذلك، و لم يشهدها غير علي (عليه السلام) و خاصته و ذلك لما كان من أمرها.

[مطالبتها بالميراث‏]

[973] مما رواه محمد بن سلام بن سار الكوفي، باسناده، عنها (عليها السلام)، أنه لما أمر أبو بكر بأخذ فدك‏ (2) من يديها، و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أقطعها إياها لما أنزل اللّه عزّ و جلّ‏ «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (3) فكانت مما أفاء اللّه عزّ و جلّ عليه.

فقال أبو بكر: هي لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فشهد علي (عليه السلام) و أم أيمن- و هي ممن شهد له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالجنة- إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أقطعها ذلك فاطمة (عليها السلام).

فردّ أبو بكر شهادتها، و قال: علي جار الى نفسه و شهادة أم أيمن وحدها لا تجوز.

فقالت فاطمة (عليها السلام): إن لا يكن ذلك، فميراثي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1) و في الاصل: لما منعته و أخذ من حقها.

(2) واحة في الحجاز على مقربة من خيبر، كان أهلها من المزارعين اليهود اشتهرت قديما بثمرها و قمحها، أرسل النبي عليا على رأس مائة من رجاله لمحاربتهم ثم صالحهم على املاكهم سنة 7 ه، فوهبا لفاطمة الزهراء و جعلت فاطمة عاملها فيها. و بعد وفاة الرسول طرف عاملها و صادروها.

(3) الاسراء: 26.

33

فقال: إن الأنبياء لا يورثون.

و هذا خلاف كتاب اللّه عزّ و جلّ لأنه يقول جلّ من قائل: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1) و قال حكاية عن زكريا (عليه السلام): «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (2). و ذكر فرض المواريث ذكرا عاما لم يستثن فيها أحدا.

خرجت (صلوات الله عليها) في ذلك الى مجلس أبي بكر، و احتجت فيه عليه، فلم ينصرف الى قولها و استنصرت الامة فلم تجد لها ناصرا، فلذلك و لما هو أعظم و أجلّ منه في الاستيثار بحق بعلها، و بينها لزمت فراشها أسفا و كمدا (3) حتى لحقت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد سبعين يوما من وفاته غما و حزنا عليه، و هي ساخطة على الامة لما اضطهدته فيها و ابتزته من حق بعلها و بنيها.

____________

(1) النمل: 16.

(2) مريم: 6.

(3) لقد أجمل المؤلف الكلام هنا، و ليس ملازمتها الفراش لما ذكره فحسب، بل عوامل اخرى أجاد الشاعر بيانها قائلا:

و للسياط رنة صداها * * * في مسمع الدهر فما أشجاها

و الأثر الباقي كمثل الدملج * * * في عضد الزهراء أقوى الحجج‏

و من سواد متنها اسود الفضا * * * يا ساعد اللّه الامام المرتضى‏

و لست أدري خبر المسمار * * * سل صدرها خزانة الأسرار

و في جنين المجد ما يدمي الحشى * * * و هل لهم إخفاء أمر قد فشى‏

و الباب و الجدار و الدماء * * * شهود صدق ما به خفاء

لقد جنى الجاني على جنينها * * * فاندكت الجبال من حنينها

و رضّ تلك الاضلع الزكية * * * رزية ما مثلها رزية

و جاوز الحدّ بلطم الخدّ * * * شلت يد الطغيان و التعدي‏

فاحمرت العين و عين المعرفة * * * تذرف بالدمع على تلك الصفة

فإن كسر الظلع ليس ينجبر * * * إلا بصمصام عزيز مقتدر

أ هكذا يصنع بابنة النبي * * * حرصا على الملك فيا للعجب‏

34

[خطبة الزهراء]

[974] [و روى‏] (1) محمد بن سلام، باسناده، عن فاطمة (عليها السلام)، أنه لما اعتزم أبو بكر على منعها فدك و العوالي‏ (2). لاءت خمارها على رأسها [و اشتملت بجلبابها]، ثم أقبلت في لمة من حفدتها و نساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم من مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مشيتها حتى انتهت إلى أبي بكر، و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار. فنيطت دونها و دون الناس ملاءة. [فجلست‏] ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء [فارتجّ المجلس‏].

فأمسكت حتى سكن نشيج القوم، و هدأت فورتهم. ثم افتتحت الكلام بالحمد للّه و الثناء عليه بما هو أهله، و الصلاة على نبيه محمد (صلّى اللّه عليه و آله). فعلت أصوات الناس بالبكاء عند ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فأمسكت حتى سكنوا ثم قالت:

[أيها الناس اعلموا أني فاطمة و أبي محمد، أقول عودا و بدء، و لا أقول ما أقول غلطا، و لا أفعل ما أفعل شططا] (3) بسم اللّه الرحمن‏

____________

(1) و في الاصل: واه.

(2) العوالي: ضيعة عامر بينها و بين المدينة ثلاثة أميال. (عمدة الاخبار للعباسي ص 374).

(3) ما بين المعقوفتين من دلائل الامامة.

35

الرحيم‏ «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (1). فإن تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم، و أخا ابن عمي دون رجالكم، قد بلغ النذارة صادعا بالرسالة، سائلا عن مدرجة المشركين، حائدا عن سنتهم، ضاربا ثبجهم‏ (2)، و آخذا بأكظامهم، يجذ الهام و يكبّ الاصنام، حتى انهزم الجمع و ولّوا الدبر، و أوضح الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين، و فهتم بكلمة الإخلاص، و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم، مذقة الشارب، و نهزة الطامع، و قبسة العجلان، و موطأ الإقدام، تشربون الطرق، و تقتاتون القد، أذلة خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم اللّه برسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بعد اللتيا و التي، و بعد أن مني ببهم الرجال، و ذؤبان العرب، و بعد لفيف من ذوايب العرب، كلما أحشوا نارا للحرب أو نجم قرن للضلالة أو فغرت فاغرة للمشركين [فاها] قذف أخاه عليا في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ سماكها بأخمصه، و يخمد حرّ لهبها بحده، مكدودا في ذات اللّه [مجتهدا في أمر اللّه، قريبا من رسول اللّه، سيدا في أولياء اللّه‏] مشمرا ناصحا، و أنتم في رفاهية، وادعون آمنون، حتى إذا اختار اللّه لنبيه دار أوليائه و محل أنبيائه، ظهرت حسكة النفاق و استهتك جلباب الدين و نطق كاظم الغاوين، و نبغ خامل الآفلين، و هذر فنيق المبطلين، يخطر في عرصاتكم و أطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخا بكم، فوجدكم لدعائه مجيبين و لعزمه متطاولين، و استنهضكم فوجدكم خفافا،

____________

(1) التوبة: 128.

(2) و في الاصل: اشجعم.

36

و أحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، و وردتم غير شربكم، هذا، و العهد قريب و الكلم رحيب، و الجرح لما يندمل [و الرسول لما يقبر].

حذرا زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا، و إن جهنم لمحيطة بالكافرين، فهيهات [منكم، و كيف‏] بكم و أنى لكم أنى تؤفكون، و كتاب اللّه بين أظهركم [اموره ظاهرة، و أحكامه زاهرة، و أعلامه باهرة] و زواجره بينة، و شواهده لائحة، و أوامره واضحة. أرغبة عنه تريدون أم بغيره تحكمون؟ بئس للظالمين بدلا.

ألا و من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين.

ثم أنتم هؤلاء تزعمون أن لا إرث لنا، أ فحكم الجاهلية تبغون؟

و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون؟

إيها معاشر [الناس‏] أبتزّ إرثيه.

[يا ابن أبي قحافة] أ في الكتاب أن ترث أباك و لا أرث أبي! لقد جئت شيئا فريا.

[جرأة منكم على قطيعة الرحم و نكث العهد.

أ فعلي عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول:

«وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1) و فيما اقتصّ من خبر يحيى و زكريا إذ يقول‏ «قالَ رَبِ‏ ... فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» (2) و قال عزّ و جلّ: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (3) و قال تعالى: «إِنْ تَرَكَ خَيْراً

____________

(1) النمل: 16.

(2) مريم: 3- 6.

(3) النساء: 11.

37

الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» (1).

و زعمتم أن لا حظّ لي و لا إرث من أبي. أ فخصكم اللّه بآية أخرج أبي منها؟ أم تقولون: إن أهل ملّتين لا يتوارثان؟

أو لست أنا و أبي من أهل ملّة واحدة؟ أم أنتم بخصوص القرآن و عمومه أعلم ممن جاء به‏] (2).

فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك. فنعم الحكم اللّه، و الزعيم محمد، و الموعد يوم القيامة، و عند الساعة يخسر المبطلون، و لكلّ نبأ مستقر، و سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه و يحلّ عليه عذاب مقيم.

ثم عدلت (صلوات الله عليها) الى مجلس الأنصار، فقالت:

معاشر [النقيبة] (3) و أعضاد الملّة و حصون الإسلام ما هذه الفترة في حقي و السنة عن ضلامتي؟ أ ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) [أبي يقول: المرء] (4) يحفظ في ولده.

سرعان ما نسيتم و عجلان ما أحدثتم. ثم تقولون مات محمد فخطب جليل استوسع وهيه، و استشمر فتقه لفقدان راتقه فاظلمت البلاد لغيبته و اكتأب خيرة اللّه لموته‏ (5) و اكدت الآمال و اطيع الحريم و زالت الحرمة عند مماته (صلّى اللّه عليه و آله).

فتلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه في [افنيتكم‏] (6)، و عند ممساكم‏

____________

(1) البقرة: 180.

(2) ما بين المعقوفتين سقط من الاصل، و نقلناها من دلائل الامامة.

(3) و في الاصل: البقية.

(4) سقط من الاصل، و نقلناها من دلائل الامامة.

(5) هكذا صححناه و في الاصلى: و اكتابت خيرة اللّه في خلقه.

(6) و في الاصل: افيتكم.

38

و مصبحكم هاتفا بكم و لقبل ما حلّ بأنبياء اللّه و رسله. «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» (1).

[إيها بني قيلة! أ أهضم‏] (2) تراث أبي؟ و أنتم بمرأى و مسمع تشملكم الدعوة، و فيكم [العدة] و العدد و لكم الدار، و أنتم نخبة اللّه التي انتخب لدينه و أنصار رسوله و الخيرة التي اختار لنا أهل البيت، فنابذتم [فينا] العرب، و كافحتم الامم، حتى دارت بكم و بنا (3) رحى الإسلام، و خضعت رقاب أهل الشرك، و خبت نيران الباطل، و وهنت دعوته، و استوسق نظام الدين، فنكصتم بعد الإقدام، و أسررتم بعد البيان لقوم نكثوا أيمانهم‏ «أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (4).

[ألا لا أرى و اللّه إلا أن أخلدتم الى الخفض و ركنتم الى الدعة فمججتم الذي استرعيتم، و لفظتم الذي سوغتم‏ «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ. أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ (5) وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ‏] (6).

____________

(1) آل عمران: 144.

(2) هكذا في بلاغة النساء و في الاصل: ابني قبلة اهتضم.

(3) و في الاصل: لكم بنا.

(4) التوبة: 13.

(5) قوم ثمود: قبيلة بائدة يرجع تاريخها الى أقدم العصور سكنت بالقرب من الحجر في وادي القرى.

(6) دلائل الامامة ص 34 و الآية 8 و 9 من سورة ابراهيم.

39

ألا، لقد قلت ما قلت على علم مني بالخذلان الذي خامر صدوركم و استفزّ قلوبكم. و لكن قلت الذي قلت لبثة الصدر و نفثة (1) الغيظ و معذرة إليكم و حجة عليكم و إن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا فإنّ اللّه لغنيّ حميد.

فدونكموها، فاحتقبوها دبرة الظهر باقية العار موسومة [بغضب اللّه‏] و شنار الأبد موصولة بنار اللّه الموقدة التي تطّلع على الأفئدة. فبعين اللّه ما تفعلون، و سيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

أنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فاعملوا إنا عاملون و انتظروا إنا منتظرون.

ثم قالت: ربنا احكم بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الحاكمين.

ثم انحرفت الى قبر أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقالت: (2).

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختل قومك فأشهدهم فقد شغبوا (3)

[إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و غاب مذ غبت عنا الوحي و الكتب‏

ابدى رجال لنا نجوى صدورهم * * * لما مضيت و حالت دونك الترب‏]

تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * إذ غبت عنا فكل الخلق قد غضبوا (4)

____________

(1) هكذا صححناه و في الاصل: بعثة الغيظ.

(2) قال الأربلي: ثم التفتت الى قبر أبيها متمثلة بقول هند ابنة أثاثة و ذكر الابيات.

و الظاهر أن الذي قالته (عليها السلام) هو البيتان الأولان اللذان لهند، و الباقي مقول عن لسانها (عليها السلام).

(3) و في كشف الغمة: فقد نكبوا.

(4) و العجز في كشف الغمة: لما فقدت و كل الإرث منتصب.

40

[و كنت بدرا و نورا يستضاء به * * * عليك تنزل من ذي العزة الكتب‏

و كان جبريل بالآيات يؤنسنا * * * فقد فقدت و كل الخير محتجب‏]

فليت قبلك كان الموت حلّ بنا * * * قوم تمنوا فعموا بالذي طلبوا (1)

[إنا رزئنا بما لم يرز ذو شجن * * * من البرية لا عجم و لا عرب‏] (2)

ثم انصرفت (صلوات الله عليها) الى منزلها، فلم تزل ذات فراش حتى لحقت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما أخبرها أنها أول لاحق به من أهل بيته.

[شرح الخطبة]

شرح ما في خطبة فاطمة (صلوات الله عليها) جملة ذلك أن معنى كلامها هذا (عليها السلام) ليس فيما منعت من فدك و العوالي خاصة، بل كان ذلك فيما تغلب فيه عليها من ذلك و علي بعلها و الأئمة من بعده بنيها من الإمامة التي جعلها عزّ و جلّ فيهم و نصّ بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فما قدمنا في هذا الكتاب ذكر جمل منه.

و أرادت بذلك (صلوات الله عليها) ما قد ذكرته في كلامها من إقامة الحجة على الامة، و إبلاغ المعذرة إليهم، و إيضاح الحقّ و البيان فيما فيها اهتضموه، و تغلب عليهم فيه و استأثر من حقهم به لئلّا يقولوا، كما قالوا: أهل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سلموا ذلك طائعين، و لم يكن خروجها لما خرجت له و قالته من ذلك إلا عن إذن علي (عليه السلام) إذ لا يجوز أن تخرج من بيتها لمثل هذا المقام، و أن تتكلم على رءوس الناس بمثل هذا [من‏] المهاجرين و الأنصار.

____________

(1) و في الكشف:

فليت قبلك كان الموت صادقنا * * * لما مضيت و حالت دونك الكتب‏

(2) ما بين المعقوفات في القصيدة من دلائل الامامة ص 35.

41

الحشد: الجمع إذا دعوا فأتوا لما دعوا له.

كان أبو بكر قد علم بمجي‏ء فاطمة (عليها السلام) إليه، فجمع الناس لئلّا يعتابوا عليه رأيا إذ لم يكونوا بحضرته.

و قوله: نيطت دونها و دون الناس ملاءة.

نيطت: علقت، يقال منه: ناط الشي‏ء ينوطه: إذا علقه. يقال منه: نطت القربة إذا علقتها.

و النوط علق الشي‏ء، و هو مصدر ناط، يقول: ناط الشي‏ء بنوطة نوطا إذا علقه‏ (1).

و الملاءة: الربطة، و هي مثل الرداء في العرض و الطول.

و قوله: أجهش القوم بالبكاء.

يقال منه: أجهش نفسي، إذا نهضت إليه و هم بالبكاء (2). قال الطرماح:

أجهش نفسي و قلت ألا لا تبعدوا.

و قوله: حتى سكن نشيج القوم.

يقال منه: نشيج الباكي، ينشج إذا غصها البكاء في حلقه و لما ينتحب.

و من ذلك نشيج الحمار، لأنه صوت في حلقه. و يقال منه: نشجت القدر: إذا غلت‏ (3)، و الطعنة إذا سمع خروج الدم منها، صوت في داخلها.

و قولها: فإن تعزوه: من اعتزى، و الاعتزاء: الاتصال في الدعوة، إذا كانت حرب. فكل من ادعى في شعاره أنا فلان بن فلان أو فلان الفلاني فقد اعتزى إليه.

____________

(1) لسان العرب 7/ 421.

(2) لسان العرب 6/ 276.

(3) لسان العرب 2/ 378.

42

قال نصر بن سيار:

فكيف و أصلي من تميم و فرعها الى أصل فرعي و اعتزاي اعتزاؤها و قولها: صادعا بالرسالة.

من قول اللّه عزّ و جلّ‏ «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ» (1). يقال منه: صدع الرجل بالحق إذا تكلم به جهارا.

و قولها: مائلا عن مدرجة المشركين. أي عن طريق الباطل الذي هم عليه.

و المدرجة: ممرّ الإنسان على مسلك الطريق. و كذلك مدارج الريح. يقال:

ريح دروج: و هي التي تؤثر في الأرض خطوطا كالطريق.

قال العجاج:

أمثالها في الراسيات مدرجة و قولها: ضاربا ثبجهم.

الثبج: أعلى الكاهل. و الكاهل: أصل العنق تعني ضرب رقابهم.

و قولها: آخذا بأكظامهم.

الكظم مخرج النفس. يقال منه: قد غمّه الشي‏ء فأخذ بكظمه. فما يقدر أن يتنفس فهو مكظوم.

و كظيم: أي مكروب‏ (2).

و قولها: يجذ الهام.

تقول: بقطع الرءوس. و الجذ: القطع المستأصل الوحي و الكسر للشي‏ء الصلب.

و قولها: يكبّ الأصنام.

تقول: يكفئها على وجوهها. و ذلك كسره (صلّى اللّه عليه و آله) إياها و قلبه‏

____________

(1) الحجر: 94.

(2) لسان العرب 12/ 518.

43

لها عن مواضعها التي كانت فيها على الكعبة و غيرها.

و قولها: و نطق زعيم الدين.

الزعيم هاهنا الذي يسود قومه. يقال منه: زعم يزعم زعامة: اي صار لهم زعيما (1)، و لذلك قيل للكفيل زعيم، كأنه ساد من كفل به. و عنت (صلوات الله عليها) بزعيم الدين: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، تقول: إنه نطق بالرسالة و بما أوحاه اللّه عزّ و جلّ إليه من القرآن.

و قولها: خرست شقاشق الشياطين.

الخرس: ذهاب الكلام و ذهاب الصوت من الشي‏ء. يقال منه: كتيبة خرساء: إذا لم يسمع لها صوت و لا جلبة، و علم اخرس: إذا لم يسمع صوت صدى‏ (2).

و الشقاشق: جمع شقشقة، و هي التي يغط بها البعير، و تخرج من شدقه إذا هدر. و إذا نحر لم توجد كذلك، و إنما هي لحمة في آخر فيه تنتفخ إذا هاج و تمتد حتى تخرج من حلقه، فاذا سكن انفشت. و الناقة تهدر و لا تغط (3)، لانه لا شقشقة لها تمتد كذلك إذ لا تهيج، فضربت ذلك مثلا لصولة الكفار و انقطاعها برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و الشياطين جمع الشيطان، على قدر فيعال. يقال منه: تشيطن الرجل، و تشطن: أي صار شيطانا، و فعل فعله.

و قولها: فهتم بكلمة الاخلاص.

يقال منه فاه الرجل بالكلام: إذا لفظ به، و هو يفوه به شعر، و ما فاهوا به و لهم مقيم. و رجل مفوه: قادر على الكلام.

____________

(1) لسان العرب 12/ 266.

(2) لسان العرب 6/ 62.

(3) لسان العرب 10/ 184.

44

و كلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه.

و قولها: مذفة الشارب، و نهزة الطامع، و قبسة العجلان، و موطأ الأقدام.

المذاق في الشراب: خلط الماء باللبن. تقول مذقته: إذا خلطته مذقا.

و النهزة: اسم الشي‏ء الذي يتناول و يمكن تناوله كالغنيمة. يقال: انتهزها فقد امكنتك قبل الفوت.

و القبس: شعلة النار، قال اللّه عزّ و جلّ حكاية عن موسى (عليه السلام):

«إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ» (1). يقال للآخذ من ذلك قبس و اقتبس إذا أخذ من لهب النار في طعم يعلق به. و من ذلك يقال: قبست العلم فاقتبسته، و اقتبست الرجل نارا.

و أقبسته علما إذا أعطيته ذلك‏ (2).

و موطأ الأقدام: الموضع الذي تطأه. ضربت ذلك (صلوات الله عليها) مثلا لما كانوا فيه من الذلة حتى أعزّهم اللّه عزّ و جلّ برسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و أن الناس كانوا يتخطفونهم من حولهم كما أخبر اللّه عزّ و جلّ بذلك في كتابه و يطعمون فيهم و ينتهزونهم و يطئونهم بالذل و الصغار.

و قولها: تشربون الطرق.

و الطرق: الماء الذي بالت فيه الدواب قد اصفر (3) تقول: هذا ماء قد طرقته الإبل و هي تطرقه طرقا، و هو ماء طرق.

قال الشاعر:

و قال الذي يرجو الغلالة و ادعوا * * * عن الماء لا يطرق و من طوارق‏

فما زلن حتى صار طرقا و شسه * * * بأصفر تذريه سجالا أيانق‏

____________

(1) النمل: 7.

(2) لسان العرب 6/ 167.

(3) لسان العرب 10/ 216.

45

و قولها: تقتاتون القد.

من القوت. و القد: ما يقد من الجلد الني‏ (1) و منه اشتق القديد الذي يقد من اللحم و كانوا يأكلون [ذلك‏] عند المسغبة.

و قولها: أذلة خاشعين.

الذل: الهوان. و الخشوع: الخضوع.

و قولها: بعد اللتيا و التي.

و اللتيا: تصغير التي، و التي: معرفة لتي و لا تقول بها في المعرفة إلا على هذه اللغة، و جعلوا إحدى اللامين تقوية للاخرى، و جمعها اللاتي، و جمع الجمع اللواتي. و كأنهم كنوا بها في قولهم اللتيا و التي عن شدة أو داهية صغرى و كبرى.

و قولها: بعد لفيف ذوايب العرب.

فاللفيف: ما اجتمع من الناس من قبائل شتى‏ (2)، يقال منه: جاء القوم بلفهم و لفيفهم. و لف الناس ما يلف من هاهنا و هاهنا كما يلف الانسان القوم لما يريده من شهادة زور و غير ذلك مما يريد أن يجمعهم إليه من مثل هذا.

و الذوايب جمع ذؤابة. و ذؤابة القوم موضع عزهم و شرفهم، يقال منه: فلان من ذؤابة بني فلان إذا كان من أهل بيت شرفهم و عزهم. و الجمع ذوائب و القياس الذائب، و لكنهم يستثقلون الجمع بين همزتين فلينوا الاولى منهما.

و قولها: كلما أحشوا نارا للحرب أو نجم قرن للضلالة أو فغرت فاغزة للمشركين فاها قذف أخاه [عليا] في لهواتها.

أحشوا: أوقدوا. تقول: حششت النار بالحطب. و أنا أحشها، و هو ضمك ما تفرق من الحطب الى النار لتستوقد. قال العجاج:

تالله لو لا أن تحش الطبخ * * * بي الجحيم، حيث لا مستصرخ‏

____________

(1) لسان العرب 3/ 344.

(2) لسان العرب 9/ 318.

46

يعني بالطبخ: ملائكة النار الموكلين بالعذاب من فيها، شبههم بالطباخين الذين يوقدون النار على اللحم ليطبخوه‏ (1).

و نجم قرن للضلالة، تقول: ارتفع للضال و نجم قام. يقال للخارج الذي يخرج على السلطان ناجم لقيامه على من يقوم عليه. و قرن الرجل نده في الشجاعة و القوة. و يقال منه: تبارزت الأقران و تواجهوا و اقتتلوا.

و فغرت فاغرة فاها. و الفغر: فتح الفم. يقال: فغر الرجل فاه: أي فتحه.

و الفاغرة: التي قد فتحت فمها. ضربت ذلك مثلا للحرب إذ اشتدت و مثلث من يقتل فيها بابتلاعها إياهم كأنها فغرت فاها: أي فتحته لتأتيهم من يقتل فيها.

قذف أخاه [عليا] في لهواتها. تعني: إنهاض النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليا (عليه السلام) لمبارزة الأقران من المشركين الشجعان.

و اللهوات، جمع لهات. و اللهات: لحمة مشرفة في أقصى الفم فيما يلي الحلق. و يقال: إنها شقشقة البعير و لكل ذي حلق لهاه. و الجمع: اللها، و اللهوات.

و قولها: فلا ينكفئ، تقول: لا ينقلب منهزما إذا بعثه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لحرب. يقال منه الكفئ القوم إذا انهزموا و انكفأوا.

و قولها: حتى يطأ سماكها بأخمصه.

فالسماك و السمك: المرتفع. قال اللّه عزّ و جلّ‏ «رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها» (2) و يقال: سنام سامك: أي مرتفع. و السماكان: نجمان مرتفعان. و من ذلك سمي الرجل سماكا، يريدون به العلو و الرفعة. تقول: لا ينثني و لا يرجع في الحرب حتى يطأ أعلى من فيها، فمن يقاتله و يبارزه بأخمصه.

____________

(1) لسان العرب 6/ 284.

(2) النازعات: 28.

47

و الأخمص: ما ارتفع من أسف القدم عن الأرض و هو وسطه. و يقال: و هو خميص القدم‏ (1).

قال الشاعر:

و كأن أخمصها بالشوك منتعل و قولها: و يخمد حرّ لهبا بحده.

تعني الحرب شبهتها، فاذا هو قتل المناحبين له فيها أو هزمهم اخمدوا (2) كحدّ السيف و حدّ السنان. و احتدّ الرجل إذا غضب وحده و غضبه.

و قولها: و أنتم في رفاهية.

يقال منه: رفهه عيش فلان رفاهية، فهو رفيه العيش، أي هو في خير و خفض.

و قولها: ظهرت حسكة النفاق.

من حسك الصدر: و هو حقد العداوة. و تقول إنه حسك الصدر على فلان.

و قولها: و استهتك جلباب الدين.

استهتك، استفعل من الهتك‏ (3)، و الهتك أن تجذب ثوبا أو سترا فتقطعه من موضعه، أو تشق طائفة فيبدو لذلك ما وراءه، فلذلك يقال: هتك اللّه ستره، و رجل مهتوك الستر، متهتك. و رجل مستهتك لا يبالي أن يهتك ستره عن عورته. و يقال ذلك لكل شي‏ء هتك و أهتك و استهتك.

و الجلباب: ثوب أوسع من الخمار و دون الرداء تغطي به المرأة رأسها و صدرها، فإذا فعلت ذلك قيل تجلببت‏ (4)، فضربت فاطمة (صلوات الله عليها)

____________

(1) لسان العرب 7/ 30.

(2) لسان العرب 3/ 164.

(3) لسان العرب 10/ 411.

(4) لسان العرب 1/ 272.

48

ذلك مثلا لهتكهم حرمان الدين و استخفافهم بها.

و قولها: و نطق كاظم الغاوين.

فالكظم: السكوت. و الكاظم: الساكت. تقول: نطق من كان من الغد، أن قد أسكته رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و الغاوون جمع غاو من الغي.

و الغي مصدر من قولك غوي الغاوي، فهو يغوى غيا. و الغي: الضلال ضد الهدى.

و قولها: نبغ خامل الآفلين.

يقال: نبغ فلان إذا قال الشعر و لم يكن قاله قبل ذلك. و قيل: إن زيادا قال الشعر بعد أن كبر، فسمي النابغة لذلك، و قيل: بل سمي بذلك لقوله:

(و قد نبغت لهم مناشئون) (1).

فمعنى نبغ هاهنا: ظهر اليوم من كان خاملا من الآفلين.

و قولها: و هدر فنيق المبطلين.

البعير يهدر هديرا و هدرا. و الحمامة أيضا تهدر.

و الفنيق: الفحل من الإبل.

ضربته مثلا لمن استفحل من المبطلين من الامة فراءس عليها و تناول ما ليس له منها.

و قولها: يخطر في عرصاتكم.

تعني: الفحل من الإبل الذي ضربته مثلا. و الفحل من الإبل يخطر بزينه إذا مشى مختالا. و كذلك الناقة، و كذلك الإنسان إذا مشى يخطر بيديه كبرا.

و العرصات: جمع عرصة. و عرصة الدار: وسطها.

و قولها: و اطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخا بكم.

____________

(1)

و حلت في بني القين بن جسر * * * و قد نبغت لنا منهم شئون‏

(لسان العرب 8/ 452).

49

مغرز الشي‏ء: أصله مثل مغارز الريش، و مغارز الاضلاع.

و قولها: و لعزمه متطاولين.

المتطاول: الشي‏ء المستشرف إليه. قال الشاعر:

تطاولت فاستشرفته فرأيته * * * فقلت له أ أنت عمرو الفوارس‏

و قولها: و احمشكم فألفاكم غضابا.

تقول: أغضبكم فوجدكم كذلك. يقال منه الرجل إذا اشتدّ غضبه: قد استحمش غضبا.

و قولها: فوسمتم غير إبلكم، و وردتم غير شربكم.

مثل ضربته لاغتصابهم الامامة من أهلها و أخذهم غير حقهم منها.

و قولها: هذا و العهد قريب.

تعني برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و إن ذلك كان منهم بقرب وفاته.

و قولها: و الكلم رحيب.

أي واسع. تعني ما تكلم به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في امامة علي (عليه السلام) فما أوجبها و أكدها.

و قولها: و الجرح لما يندمل.

تقول يبرأ. و اندمال الجرح: برؤه. تعني: موت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و قولها: أنى تؤفكون.

تقول: أين تصدون عن الحق. و الأفاك الذي يأفك الناس عن الحق بالكذب. و الإفك، تقول: أفك الرجل عن أمر كذا، إذا صرف عنه بالكذب و الباطل.

و قولها: ابتز ارثيه.

تقول: اسلب ارثي، تعني ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي استلبته و منعته.

50

و البز هاهنا الاستلاب. و العرب تقول: من عزّ بزّ معناه من غلب سلب.

و الهاء من ارثيه زائدة و هي تسمى هاء الاستراحة من قول اللّه عزّ و جلّ‏ «ما أَغْنى‏ عَنِّي مالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ» (1) و قوله تعالى: «وَ ما أَدْراكَ ما هِيَهْ» و هي لغة قريشية.

و قولها: لقد جئت شيئا فريا.

و الفريّ- هاهنا-: الأمر العظيم. و الفري أيضا: الكذب. و الفري: القذف.

و قولها: فدونكها مخطومة مرحولة.

تعني ظلامتها مثلتها بناقة عليها رحلها و خطامها، ضربتها مثلا لظلامتها التي ارتكبها منها.

و قولها: و الزعيم محمد.

فالزعيم: الكفيل. لأن محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) قد تكفل لمن أطاعه بالجنة. و تكفل لمن بغي عليه بالنصر، و الانتصاف ممن بغى عليه و ظلمه.

و قولها: ما هذه السنة عن ظلامتي.

السنة: الوسن. يقال منه: قد و سن الرجل، إذا أخذته سنة النعاس، و قد غلبه و سنه. قال اللّه عزّ و جلّ: «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ» (2) فالسنة النعاس من غير استشغال نوم.

قال الشاعر:

و سنان أقصده النعاس فرنقت * * * في عينه سنة و ليس بنائم‏ (3)

و معنى قولها ما هذه السنة عن ظلامتي تعني التغافل عنها. و التهاون بها كما يكون الناعس عن الشي‏ء غافلا عنه إذا لم ينصروها في ذلك، و لا أعانوها عليه.

و قولها: سرعان ما نسيتم و عجلان ما أحدثتم. هي كلمات تقولها العرب‏

____________

(1) الحاقة: 28 و 29.

(2) البقرة: 255.

(3) لسان العرب 6/ 233.

51

لسرعان ما صنعت كذا و كذا. تعني أسرع ما صنعته و لوشكان ما خرجت و لعجلان ما جئت. قال الشاعر:

أ يخطب فيكم بعد قتل رجالكم * * * لسرعان هذا و الدماء تصبب‏ (1)

قولها: فخطب جليل استوسع وهيه.

فالخطب: الأمر، يقال ما خطبك: أي ما أمرك. و يقال: هذا خطب جليل. و خطب يسير. و الجمع خطوب. قال اللّه تعالى: «فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ»* (2).

و استوسع وهيه: أي اتسع ما و هي من أجله، تعني: مصاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ما و هي من أجله من الأمر و اتسع وهيه لذلك.

و قولها: و استشمر فتقه لفقدان راتقه.

يقال منه: رتق الفتق إذا لحمه و أصلحه. تعني فقدان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي كان يرتق ما انفتق من الامور.

و قولها: و اكتابت خيرة اللّه في خلقه.

تعني بموت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الكآبة من الهمة، و الانكسار من الحزن في الوجه خاصة. تقول: كئب الرجل، و الكئب كأبة، يوقف الألف، و كآبة بالمد.

و قولها: و اكدت الآمال.

تقول: انقطعت. قال اللّه عزّ و جلّ: «وَ أَعْطى‏ قَلِيلًا وَ أَكْدى‏» (3) أي قطع ما كان يعطيه. و قد قيل: إن المعطي إذا أعطى عطاء نزرا قليلا قيل أكدى، و الأول أشبه بالمعنى. و يقال: فلان قد بلغ الناس كديته: أي أنه كان يعطي ثم أمسك. قالت الخنساء:

____________

(1) لسان العرب 8/ 152.

(2) الحجر: 57.

(3) النجم: 34.

52

فتى الفتيان ما بلغوا كداها و قولها: [إيها] بني قيلة.

فهو من الدعاء المنسوب، تقول: يا بني قيلة، تعني: الأنصار، و هم الأوس و الخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مادر بن حبد اللّه بن الأمرد بن عوف بن نبتة بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، و هما ابنا قيلة، و هم الأنصار، نسبوا الى امهم.

و قولها: اهتضم تراث أبي.

تقول: انقص ميراث أبي. و يقال منه: هضمت حقي: أي انتقصته.

و هضمت من حقي طائفة: أي تركتها. و الهضام: الذي يترك من حقه و يعطي غيره. يقال: قد هضم له من حقه‏ (1) قال لبيد:

و مقسم يعطي العشيرة حقها * * * و معدلم لحقوقها هضامها

و التراث تاؤه و او و هو تركه الميراث. و لا يجمع كما يجمع الميراث. فيقال:

تواريث.

و قولها: و أنتم نخبة اللّه التي انتخب لدينه.

النخبة: الخيرة لما اختير، و استخلص نخبة و نخابة، و هو مصدر النخيب:

المختار المستخلص المصطفى اختيارا على غيره. و تنخب: اختار و استخلص.

و قولها: فنابذتم العرب و كافحتم الامم.

المنابذة: انتباذ الفريقين للحرب. تقول: نبذت إليهم الحرب على سواء:

أي نابذناهم الحرب. و النبذ طرحك الشي‏ء، و المنبوذ: ولد الزنا الذي تنبذه أمه: أي تطرحه ليخفي أمرها. فكأن المنابذة طرح ما بين الفريقين من الصلح و الاتفاق بين بعضهم و بعض.

و المكافحة- في الحرب-: المضاربة تلقاء الوجوه. قال الشاعر:

____________

(1) لسان العرب 12/ 612.