تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج3

- شمس الدين الذهبي المزيد...
672 /
5

سنة احدى عشرة

خلافة الصّدّيق رضي اللَّه عنه و أرضاه‏

قال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة إنّ النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) توفّي و أبو بكر بالسّنح [ (1)]، فقال عمر: و اللَّه ما مات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، قال عمر: و اللَّه ما كان يقع في نفسي إلّا ذاك، و ليبعثنّه اللَّه فيقطع أيدي رجال و أرجلهم، فجاء أبو بكر الصّدّيق فكشف عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فقبّله، و قال: بأبي أنت و أمّي، طبت حيّا و ميتا، و الّذي نفسي بيده لا يذيقك اللَّه موتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيّها الحالف على رسلك، فلمّا تكلّم أبو بكر جلس عمر، فقال بعد أن حمد اللَّه و أثنى عليه: من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات، و من كان يعبد اللَّه فإنّ اللَّه حيّ لا يموت، و قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ [ (2)]. و قال‏ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ‏ [ (3)]. الآية، فنشج النّاس يبكون، و اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة [ (4)]، فقالوا: منّا أمير و منكم أمير، فذهب إليهم‏

____________

[ (1)] السّنح: بضمّ أوّله و ثانيه: منازل بني الحارث بن الخزرج بالمدينة، بينها و بين منزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) ميل. و ضبطه في التاج بسكون النون و ضمّها أيضا. (معجم ما استعجم 3/ 76).

[ (2)] سورة الزمر، الآية 30.

[ (3)] سورة آل عمران، الآية 144.

[ (4)] هي بالقرب من دار سعد بن عبادة زعيم الأنصار.

6

أبو بكر و عمر و أبو عبيدة، فذهب عمر يتكلّم فسكّته أبو بكر، فكان عمر يقول: و اللَّه ما أردت بذلك إلّا أنّي هيّأت كلاما قد اعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، فتكلم فأبلغ، فقال في كلامه: نحن الأمراء و أنتم الوزراء [ (1)]، فقال الحباب بن المنذر: لا و اللَّه لا نفعل أبدا، منّا أمير و منكم أمير. فقال أبو بكر: لا، و لكنّا الأمراء و أنتم الوزراء، قريش أوسط العرب دارا و أعزّهم أحسابا فبايعوا عمر بن الخطّاب أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك، أنت خيرنا و سيّدنا و أحبّنا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و أخذ عمر بيده فبايعه و بايعه النّاس. فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله اللَّه. رواه سليمان بن بلال عنه، و هو صحيح السّند [ (2)].

و قال مالك، عن الزّهري، عن عبيد اللَّه، عن ابن عبّاس، أنّ عمر خطب النّاس فقال في خطبته: و قد بلغني أنّ قائلا يقول: «لو مات عمر بايعت فلانا» فلا يغترّنّ أمرؤ أن يقول: كانت بيعة أبي بكر فلتة، و ليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، و إنّه كان من خيرنا حين توفّي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) [ (3)] اجتمع المهاجرون، و تخلّف عليّ و الزّبير في بيت فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و تخلّف الأنصار في سقيفة بني ساعدة، فقلت: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نؤمّهم، فلقينا رجلان صالحان من الأنصار فقالا: لا عليكم أن لا تأتوهم و أبرموا أمركم، فقلت:

و اللَّه لنأتينّهم، فأتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا هم مجتمعون على رجل‏

____________

[ (1)] من هنا إلى قوله (الوزراء) ساقط من نسخة دار الكتب.

[ (2)] الحديث أخرجه البخاري في المغازي 5/ 143 باب مرض النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و وفاته، و انظر: طبقات ابن سعد 2/ 268- 269، و تاريخ الطبري 3/ 202، 203، و سيرة ابن هشام 4/ 260، و أنساب الأشراف للبلاذري 1/ 581، 582، و البدء و التاريخ لمطهر المقدسي 5/ 63، 64، و نهاية الأرب للنويري 18/ 385.

[ (3)] سقطت هنا أسطر من نسخة (ع).

7

مزمّل [ (1)] بالثياب، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة مريض، فجلسنا، و قام خطيبهم فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أمّا بعد فنحن الأنصار و كتيبة الإيمان، و أنتم معشر المهاجرين رهط منّا، و قد دفّت إليكم دافّة [ (2)] يريدون أن يختزلونا [ (3)] من أصلنا و يحضنونا [ (4)] من الأمر.

قال عمر: فلمّا سكت أردت أن أتكلّم بمقالة قد كانت أعجبتني بين يدي أبي بكر: فقال أبو بكر: على رسلك، و كنت أعرف منه الجدّ [ (5)]، فكرهت أن أغضبه، و هو كان خيرا منّي و أوفق و أوقر، ثم تكلّم فو اللَّه ما ترك كلمة أعجبتني إلّا قد قالها و أفضل منها حتّى سكت، ثم قال: أمّا بعد: ما ذكرتم من خير فهو فيكم معشر الأنصار، و أنتم أهله و أفضل منه، و لن تعرف العرب هذا الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبا و دارا، و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيّهما شئتم، و أخذ بيدي و يد أبي عبيدة بن الجرّاح، قال: فما كرهت شيئا ممّا قاله غيرها. كان و اللَّه أن أقدّم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك إلى إثم أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر إلا أن تتغيّر نفسي عند الموت، فقال رجل من الأنصار [ (6)]: أنا جذيلها المحكّك [ (7)] و عذيقها المرجّب [ (8)]، منّا أمير و منكم أمير معشر

____________

[ (1)] مزّمّل: ملتفّ في كساء أو غيره.

[ (2)] الدّافّة: القوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد.

[ (3)] أي يقتطعونا. و في البدء و التاريخ 5/ 65 «يحتازونا»، و كذلك في سيرة ابن هشام 4/ 261.

[ (4)] كذا في الأصل، بمعنى يخرجونا. و في حاشية الأصل، و النسخة (ح): «يمنعونا» و كذلك في النسخة (ع)، و في المنتقى لابن الملا «يمحصونا» و هو تصحيف. و في تاريخ الطبري 3/ 205 «يغصبونا».

[ (5)] كذا في الأصل، و في سيرة ابن هشام 4/ 261، و تاريخ الطبري 3/ 205 «الحدّ» بالحاء المهملة، أي الحدّة.

[ (6)] هو الحباب بن المنذر الأنصاريّ.

[ (7)] الجذيل: تصغير جذل. و هو عود يكون في وسط مبرك الإبل تحتكّ به و تستريح إليه، فيضرب به المثل في الرجل يشتفى برأيه.

[ (8)] العذيق: تصغير عذق، و هو النخلة نفسها. و المرجّب: الّذي تبنى إلى جانبه دعامة. ترفده‏

8

المهاجرين، قال: و كثر اللّغط و ارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف، فقلنا: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته و بايعه المهاجرون و بايعه الأنصار، و نزوا [ (1)] على سعد بن عبادة، فقال قائل: قتلتم سعدا. فقلت:

قتل اللَّه سعدا، قال عمر: فو اللَّه ما وجدنا فيما حضرنا أمرا أوفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن نحن فارقنا القوم و لم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإمّا بايعناهم على ما لا نرضى، و إمّا خالفناهم فيكون فساد. رواه يونس بن يزيد [ (2)]، عن الزّهريّ بطوله، فزاد فيه: قال عمر: «فلا يعتزل امرؤ أن يقول: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمّت، فإنّها قد كانت كذلك إلّا أنّ اللَّه وقى شرّها، فمن بايع رجلا عن غير مشورة فإنّه لا يتابع هو و لا الّذي بايعه تغرّة [ (3)] أن يقتلا». متّفق على صحّته [ (4)].

____________

[ ()] لكثرة حمله و لعزّه على أهله، فضرب به المثل في الرجل الشريف الّذي يعظّمه قومه.

[ (1)] نزوا: وثبوا عليه و وطئوه.

[ (2)] في نسخة دار الكتب (زيد) و هو وهم، على ما في الأصل و (ع) و (التاريخ الكبير للبخاريّ 2/ 4/ 406).

[ (3)] حقّ البيعة أن تكون صادرة عن المشورة و الاتّفاق، فإذا استبدّ رجلان دون الجماعة فبايع أحدهما الآخر، فذلك تظاهر منهما بشقّ العصا و اطّراح الجماعة، فإن عقد لأحد بيعة فلا يكون المعقود له واحدا منهما، و ليكونا معزولين من الطائفة التي تتّفق على تمييز الإمام منها، لأنّه إن عقد لواحد منهما و قد ارتكبا تلك الفعلة الشنيعة التي أحفظت الجماعة من التّهاون بهم و الاستغناء عن رأيهم لم يؤمن أن يقتلا. كما في (النهاية لابن الأثير) و غيرها. و في بعض النسخ: (يبايع) بدل (يتابع).

[ (4)] أخرجه البخاري بشرح السندي 2/ 290، 291 و لكن من غير طريق الزهري، و أحمد في المسند 1/ 55، 56 و كذلك ابن هشام في السيرة 4/ 261، 262، برواية ابن إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبي بكير، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن عبد اللَّه بن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، و رواه الطبري في تاريخه 3/ 205، 206 عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس، و البلاذري في أنساب الأشراف 1/ 583 و 584، و اليعقوبي في تاريخه 2/ 123، و المطهّر المقدسي في البدء و التاريخ 5/ 64- 66، و النويري في نهاية الأرب 19/ 29- 33، و ابن كثير في البداية و النهاية 5/ 245، 246، و السيوطي في تاريخ الخلفاء 67، 68، و ابن شاكر الكتبي في عيون التواريخ 1/ 485- 487، و مناقب عمر لابن الجوزي 51، 52.

9

و قال عاصم بن بهدلة [ (1)]، عن زرّ [ (2)]، عن عبد اللَّه قال: لمّا قبض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قالت الأنصار: منا أمير و منكم أمير. فأتاهم عمر فقال: يا معشر الأنصار أ لستم تعلمون أن أبا بكر قد أمره النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) أن يؤمّ النّاس؟ قالوا: بلى، قال: فأيّكم تطيب نفسه أن يتقدّم أبا بكر؟ قلت: يعني في الصّلاة- فقالت الأنصار: نعوذ باللَّه أن نتقدّم أبا بكر. رواه النّاس [ (3)] عن زائدة عنه [ (4)].

و قال يزيد بن هارون: أنا العوّام بن حوشب، عن إبراهيم التّيميّ قال: لمّا قبض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أتى عمر أبا عبيدة فقال: أبسط يدك لأبايعك، فإنّك أمين هذه الأمّة على لسان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فقال أبو عبيدة لعمر: ما رأيت لك فهّة [ (5)] قبلها منذ أسلمت، أ تبايعني و فيكم الصّدّيق و ثاني اثنين [ (6)]؟.

و روى نحوه عن مسلم البطين عن أبي البختري.

و قال ابن عون، عن ابن سيرين، قال أبو بكر لعمر: ابسط يدك نبايع لك، فقال عمر [ (7)]: أنت أفضل منّي، فقال أبو بكر: أنت أقوى منّي، قال: إنّ قوّتي لك مع فضلك [ (8)].

و قال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم، أنّ النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) لمّا توفّي اجتمعت الأنصار إلى سعد، فأتاهم أبو بكر و جماعة، فقام الحباب بن‏

____________

[ (1)] في نسخة (ح) بالنون «نهدلة» و هو تصحيف.

[ (2)] هو: زرّ بن حبيش.

[ (3)] في نسخة دار الكتب «الياس» و هو تصحيف.

[ (4)] رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى 3/ 178، 179 عن الحسين بن عليّ الجعفيّ، عن زائدة، به، و الحاكم في المستدرك 3/ 67، و تابعه الذهبي في التلخيص، و مناقب عمر لابن الجوزي 50.

[ (5)] الفهّة: السّقطة و الجهلة. و في حاشية الأصل: الفهة مخفّفة: ضعف الرأي.

[ (6)] رواه ابن سعد في الطبقات 3/ 181.

[ (7)] في نسخة (ح): «فقال له عمر».

[ (8)] في تاريخ الطبري 3/ 203 «إن لك قوّتي مع قوّتك».

10

المنذر، و كان بدريا فقال: منا أمير و منكم أمير [ (1)].

و قال وهيب: ثنا داود بن أبي هند، عن أبي نضرة [ (2)]، عن أبي سعيد قال: لمّا توفّي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قام خطباء الأنصار، فجعل منهم من يقول: يا معشر المهاجرين إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منّا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان منّا و منكم، قال: و تتابعت [ (3)] خطباء الأنصار على ذلك، فقام زيد بن ثابت فقال: إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان من المهاجرين، و إنّما يكون الإمام من المهاجرين، و نحن أنصاره، كما كنّا أنصار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فقام أبو بكر فقال: جزاكم اللَّه خيرا من حيّ يا معشر الأنصار و ثبّت قائلكم، أم [ (4)] و اللَّه لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم، ثم أخذ زيد بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعوه، قال: فلمّا قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليّا، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به. فقال أبو بكر: ابن عمّ رسول اللَّه و ختنه أردت أن تشقّ عصا المسلمين! فقال: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فبايعه [ (5)]، ثم لم ير الزّبير، فسأل عنه حتّى جاءوا به، فقال: ابن عمّة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و حواريّه أردت أن تشقّ عصا المسلمين! فقال: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه، فبايعه.

روى منه أحمد في «مسندة» [ (6)] إلى قوله (لمّا صالحناكم) عن‏

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 3/ 182.

[ (2)] في نسخة (ح): «نصرة» و هو تصحيف.

[ (3)] في نسخة (ح): «و تبايعت» و هو تصحيف.

[ (4)] بفتح الميم بدون ألف، كما في الأصل و بقيّة النسخ، و في المنتقى لابن الملّا «أما»، و كلاهما صحيح.

[ (5)] و هذا من الأدلّة على أنّ بيعته لم تتأخّر، أو يقال بأنّ هذه هي البيعة الأولى، على ما قاله الحافظ، ابن كثير في (البداية و النهاية 5/ 301).

[ (6)] البداية و النهاية ج 5/ 185، 186.

11

عفّان [ (1)] عن وهيب [ (2)]، و رواه بتمامه ثقة، عن عفّان [ (3)].

و قال الزّهريّ عن عبيد اللَّه، عن ابن عبّاس، قال عمر في خطبته: و إنّ عليا و الزّبير و من معهما تخلفوا عنّا، و تخلّفت الأنصار عنّا بأسرها، فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، و اجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فبينما نحن في منزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إذا رجل ينادي من وراء الجدار: أخرج يا بن الخطّاب، فخرجت فقال: إنّ الأنصار قد اجتمعوا فأدركوهم قبل أن يحدثوا أمرا يكون بيننا و بينهم فيه حرب، و قال في الحديث: و تابعه المهاجرون و الأنصار فنزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل: قتلتم سعدا، قال عمر: فقلت و أنا مغضب: قتل اللَّه سعدا فإنّه صاحب فتنة و شرّ [ (4)].

و هذا من حديث جويرية بن أسماء، عن مالك. و روى مثله الزّبير بن بكّار، عن ابن عيينة، عن الزّهري.

و قال أبو بكر الهذليّ [ (5)] عن الحسن، عن قيس بن عباد، و ابن‏

____________

[ (1)] هو عفّان بن مسلم الصّفّار البصريّ، الثّقة الثّبت، من رواة الإمام البخاري في الصحيح، كما في (تهذيب التهذيب 7/ 230 رقم 423) و غيره.

[ (2)] هو وهيب بن خالد بن عجلان، الثقة الثّبت، روى له الإمام البخاريّ في صحيحه، على ما في (التهذيب لابن حجر 11/ 169 رقم 299).

[ (3)] رواه الحاكم في المستدرك 3/ 76 عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن جعفر بن محمد بن شاكر، عن عفان بن مسلم .. به، و تابعه الذهبي في تلخيصه.

[ (4)] قال الأستاذ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه (نقد علمي لكتاب الإسلام و أصول الحكم ص 30):

و أمّا تخلّف سعد بن عبادة رضي اللَّه عنه عن بيعة أبي بكر فهو الصحابيّ الوحيد الّذي لم يبايع لأبي بكر، فلا بدّ من تأوّل فعله بما يليق بصحابيّ جليل: لعلّه لمّا رأى الأنصار قد أعدّته للخلافة يوم السقيفة، ثم رأى إجماع الصحابة على أبي بكر و انصرافهم عن بيعة سعد استوحش نفسه بين النّاس، و كان سعد رجلا عزيز النّفس، فخرج من المدينة و لم يرجع إليها حتّى مات ... و لم ينقل عنه طعن في بيعة الصّدّيق و لا نواء بخروج، فتخلّفه عن البيعة لا يقتضي رفضه لها و لا مخالفته فيها.

[ (5)] في طبعة القدسي 3/ 7 «الهزلي» بالزاي، و هو تصحيف.

12

الكواء،

أنّ عليّا رضي اللَّه عنه ذكر مسيره و بيعة المهاجرين أبا بكر فقال: إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) لم يمت فجأة، مرض ليالي، يأتيه بلال فيؤذنه بالصّلاة فيقول: «مروا أبا بكر بالصّلاة»، فأرادت امرأة من نسائه أن تصرفه إلى غيره فغضب و قال: إنّكنّ صواحب يوسف، فلمّا قبض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) اخترنا و اختار المهاجرون و المسلمون لدنياهم من اختاره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) لدينهم، و كانت الصّلاة عظم الأمر و قوام الدّين [ (1)].

و قال الوليد بن مسلم: فحدّثني محمد بن حرب، نا الزّبيديّ، حدّثني الزّهريّ، عن أنس أنّه سمع خطبة عمر الآخرة قال: حين جلس أبو بكر على منبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) غدا من متوفّى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فتشهّد عمر، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّي قلت لكم أمس مقالة، و إنّها لم تكن كما قلت، و ما وجدت المقالة [ (2)] التي قلت لكم في كتاب اللَّه و لا في عهد عهده رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و لكن رجوت أنّه يعيش حتّى يدبرنا- يقول حتّى يكون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) آخرنا- فاختار اللَّه لرسوله ما عنده على الّذي عندكم، فإن يكن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قد مات، فإنّ اللَّه قد جعل بين أظهركم كتابه الّذي هدى به محمّدا، فاعتصموا به تهتدوا بما هدي به محمّد (صلّى اللَّه عليه و سلم)، ثم ذكر أبا بكر صاحب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و ثاني اثنين و أنه أحقّ النّاس بأمرهم، فقوموا فبايعوه، و كان طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، و كانت البيعة على المنبر بيعة العامّة.

صحيح غريب [ (3)].

و قال موسى بن عقبة، عن سعد بن إبراهيم، حدّثني أبي أنّ أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، و أنّ محمد بن مسلمة كسر سيف‏

____________

[ (1)] انظر طبقات ابن سعد 3/ 183.

[ (2)] في نسخة (ح) «في المقالة»، و هو وهم.

[ (3)] انظر طبقات ابن سعد 2/ 271، و البداية و النهاية لابن كثير 6/ 301، و سيرة ابن هشام 262، و نهاية الأرب للنويري 19/ 42.

13

الزّبير، ثم خطب أبو بكر و اعتذر إلى النّاس و قال: و اللَّه ما كنت حريصا على الإمارة يوما و لا ليلة و لا سألتها اللَّه في سرّ و لا علانية، فقبل المهاجرون مقالته.

و قال عليّ و الزّبير:

ما غضبنا [ (1)] إلّا لأنّا أخّرنا عن المشاورة، و إنّا نرى أبا بكر أحق النّاس بها بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، إنّه لصاحب الغار، و إنّا لنعرف شرفه و خيره، و لقد أمره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بالصّلاة بالنّاس و هو حيّ [ (2)].

و قد قيل إنّ عليّا رضي اللَّه عنه تمادى عن المبايعة مدّة: فقال يونس ابن بكير، عن ابن إسحاق، حدّثني صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة قالت: لمّا توفّيت فاطمة بعد أبيها بستّة أشهر اجتمع الى عليّ أهل بيته، فبعثوا إلى أبي بكر: ائتنا، فقال عمر: لا و اللَّه لا تأتيهم، فقال أبو بكر: و اللَّه لآتينّهم، و ما تخاف عليّ منهم! فجاءهم حتّى دخل عليهم فحمد اللَّه ثمّ قال: إنّي قد عرفت رأيكم، قد وجدتم عليّ في أنفسكم من هذه الصّدقات التي ولّيت عليكم، و و اللَّه ما صنعت ذلك إلّا أنّي لم أكن أريد أن أكل شيئا من أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) كنت أرى أثره فيه و عمله إلى غيري حتى أسلك به سبيله و أنفذه فيما جعله اللَّه، و و اللَّه لأن أصلكم أحبّ إليّ من أن أصل أهل قرابتي لقرابتكم من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و لعظيم حقّه. ثم تشهّد عليّ و قال: يا أبا بكر و اللَّه ما نفسنا عليك خيرا جعله اللَّه لك أن لا تكون أهلا لما أسند إليك، و لكنّا كنّا من الأمر حيث قد علمت فتفوت به علينا، فوجدنا في أنفسنا، و قد رأيت أن أبايع و أدخل فيما دخل فيه النّاس، و إذا كانت العشيّة [ (3)] فصلّ بالنّاس الظّهر، و اجلس على المنبر حتّى آتيك فأبايعك، فلمّا صلّى أبو بكر الظّهر ركب المنبر، فحمد اللَّه و أثنى عليه، و ذكر الّذي كان من‏

____________

[ (1)] في بعض النسخ (عصينا) و هو تصحيف.

[ (2)] البداية و النهاية 6/ 302.

[ (3)] ما بعد الزوال إلى المغرب عشيّ، و قيل العشيّ من زوال الشمس إلى الصباح، على ما في (النهاية لابن الأثير).

14

أمر عليّ، و ما دخل فيه من أمر الجماعة و البيعة، و ها هو ذا فاسمعوا منه، فقام عليّ فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم ذكر أبا بكر و فضله و سنّه، و أنّه أهل لما ساق اللَّه إليه من الخير، ثم قام إلى أبي بكر فبايعه. أخرجه البخاري [ (1)] من حديث عقيل عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، و فيه: «و كان لعليّ من النّاس وجه، حياة فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليّ وجوه النّاس، فالتمس مصالحة أبي بكر و مبايعته. [ (2)].

قصّة الأسود العنسيّ [ (3)].

قال سيف بن عمر التّميمي: ثنا المستنير بن يزيد النّخعي، عن عروة ابن غزيّة، عن الضّحّاك بن فيروز الدّيلميّ، عن أبيه قال: أوّل ردّة كانت في‏

____________

[ (1)] في المغازي 5/ 82، 83 باب غزوة خيبر، و مسلم في الجهاد و السير (1759) باب‏

قول النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم): لا نورث ما تركنا فهو صدقة.

[ (2)] قال الحافظ ابن كثير في (البداية و النهاية 5/ 286) فهذه البيعة التي وقعت من عليّ لأبي بكر، بعد وفاة فاطمة، بيعة مؤكّدة للصلح الّذي وقع بينهما، و هي ثانية للبيعة التي ذكرناها أوّلا يوم السّقيفة، كما رواه ابن خزيمة، و صحّحه مسلم، و لم يكن عليّ مجانبا لأبي بكر هذه الستّة الأشهر، بل كان يصلّي وراءه، و يحضر عنده للمشورة، و ركب معه إلى ذي القصّة. و انظر:

نهاية الأرب للنويري 19/ 39 حيث يقول:

و روى أبو عمر بن عبد البرّ بسنده: عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنّ عليّا و الزبير كانا حين بويع لأبي بكر يدخلان على فاطمة فيشاورانها في أمرهم، فبلغ ذلك عمر، فدخل عليها فقال: يا بنت رسول اللَّه، ما كان من الخلق أحد أحبّ إلينا من أبيك، و ما أحد أحبّ إلينا بعده منك، و قد بلغني أن هؤلاء النفر يدخلون عليك، و لئن بلغني لأفعلنّ و لأفعلنّ، ثم خرج و جاءوها، فقالت لهم: إنّ عمر قد جاءني و حلف إن عدتم ليفعلنّ، و ايم اللَّه ليفينّ بها، فانظروا في أمركم، و لا تنظروا إليّ، فانصرفوا و لم يرجعوا حتى بايعوا لأبي بكر. رضي اللَّه عنهم أجمعين.

و هذا الحديث يردّ قول من زعم أنّ عليّ بن أبي طالب لم يبايع إلّا بعد وفاة فاطمة رضي اللَّه عنها.

[ (3)] بفتح العين و سكون النون، نسبة إلى عنس بن مالك بن أدد. انظر عنه: فتوح البلدان للبلاذريّ 1/ 125- 127، و تاريخ الطبري 3/ 185، و تاريخ خليفة 116، 117، و ثمار القلوب للثعالبي 148، و المعرفة و التاريخ للفسوي 3/ 262، و البدء و التاريخ لمطهّر المقدسي‏

15

الإسلام على عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) على يد عبهلة [ (1)] بن كعب، و هو الأسود في عامّة مذحج: خرج بعد حجّة الوداع، و كان شعباذا [ (2)] يريهم الأعاجيب، و يسبي قلوب من يستمع [ (3)] منطقه، فوثب هو و مذحج بنجران إلى أن صار إلى صنعاء فأخذها، و لحق بفروة [ (4)] من تمّ على إسلامه، لم يكاتب الأسود رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) لأنّه لم يكن معه أحد يشاغبه، وصفا له ملك اليمن.

فروى سيف، عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن عبيد بن صخر قال: بينما نحن بالجند [ (5)] قد أقمناهم على ما ينبغي، و كتبنا بيننا [ (6)] و بينهم الكتب، إذ جاءنا كتاب من الأسود أن أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، و وفّروا ما جمعتم فنحن أولى به، و أنتم على ما أنتم عليه، فبينا نحن ننظر في أمرنا إذ قيل هذا الأسود بشعوب [ (7)]، و قد خرج إليه شهر بن باذام، ثم‏

____________

[ (5)]/ 153، و جمهرة أنساب العرب لابن حزم 405، و المعارف لابن قتيبة 105 و 170، و الكامل في التاريخ لابن الأثير 2/ 336، و تهذيب الأسماء و اللغات للنووي ق 1 ج 2/ 52، و وفيات الأعيان لابن خلكان 3/ 66، 67 في ترجمة أبي بكر الصدّيق رضي اللَّه عنه، و 6/ 36 في ترجمة وهب بن منبه، و نهاية الأرب للنويري 19/ 49- 60، و البداية و النهاية لابن كثير 6/ 307- 311، و الإصابة لابن حجر 1/ 467.

[ (1)] هكذا في الأصول، و تاريخ الطبري 3/ 185، و نهاية الأرب 19/ 49، و البداية و النهاية لابن كثير 6/ 307، و جمهرة أنساب العرب لابن حزم 405، و قد قيّده الدكتور صلاح الدين المنجّد في تحقيقه لفتوح البلدان للبلاذري 1/ 125 «عيهلة» بالياء المثنّاة بدل الباء الموحّدة، و كذلك محقّق الكامل في التاريخ لابن الأثير 2/ 336.

[ (2)] شعباذا: بكسر الشين، مشعبذا، و الشعبذة و الشعوذة: أخذ كالسحر يري الشي‏ء بغير ما عليه أصله في رأي العين.

[ (3)] في نسخة (ح) «سمع».

[ (4)] هو: فروة بن مسيك، و هو على مراد. (تاريخ الطبري 3/ 185).

[ (5)] الجند: بفتح الجيم و النون. بلد في اليمن بين تعز و عدن، و هو أحد مخاليفها المشهورة نزلها معاذ بن جبل رضي اللَّه عنه. (تاج العروس 7/ 24) و انظر معجم ما استعجم 2/ 397.

[ (6)] كلمة «بيننا» ساقطة من نسخة (ح).

[ (7)] في نسخة دار الكتب «يشعوذ»، و هو تصحيف، و الصحيح ما أثبتناه، فهو اسم مكان أو قصر باليمن. (تاج العروس 3/ 141).

16

أتانا الخبر أنّه قتل شهرا و هزم الأبناء، و غلب على صنعاء بعد نيّف و عشرين ليلة، و خرج معاذ هاربا حتى مرّ بأبي موسى الأشعري بمأرب، فاقتحما حضر موت.

و غلب الأسود على ما بين أعمال الطّائف إلى البحرين و غير ذلك، و جعل يستطير [ (1)] استطارة الحريق، و كان معه سبعمائة فارس يوم لقي شهرا، و كان قوّاده: قيس بن عبد يغوث، و يزيد بن مخزوم، و فلان، و فلان، و استغلظ أمره و غلب على أكثر اليمن، و ارتدّ معه خلق، و عامله المسلمون بالتقية، و كان خليفته في مذحج عمرو بن معديكرب، و أسند [ (2)] أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث، و أمر الأبناء [ (3)] إلى فيروز الدّيلميّ، و داذويه [ (4)]، فلمّا أثخن في الأرض استخفّ بهؤلاء، و تزوّج امرأة شهر، و هي بنت عمّ فيروز، قال: فبينا نحن كذلك بحضر موت و لا نأمن أن يسير إلينا الأسود، و قد تزوّج معاذ في السّكون [ (5)]، إذ جاءتنا كتب النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) يأمرنا فيها أن نبعث الرجال لمجاولته و مصاولته، فقام معاذ في ذلك، فعرفنا القوّة و وثقنا بالنصر.

و قال سيف: فحدّثنا المستنير، عن عروة، عن الضّحّاك بن فيروز، عن جشنس [ (6)] ابن الدّيلميّ قال: قدم علينا وبر بن يحنّس بكتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)

____________

[ (1)] في نسخة دار الكتب «و جعل أمره يستطير»، و هو مغاير لما في الأصل و تاريخ الطبري 3/ 230 و (ع) و المنتقى لابن الملّا.

[ (2)] في نسخة دار الكتب (و أسلم).

[ (3)] أي أبناء أهل فارس في اليمن. (فتوح البلدان 3/ 125، 126).

[ (4)] في الأصل و في (ع) و المنتقى لابن الملّا (ذادويه)، و التحقيق من تاريخ خليفة بن خياط- ص 117 و تاريخ الطبري 3/ 230، و فتوح البلدان للبلاذري 1/ 126 و المعرفة و التاريخ للفسوي 3/ 262.

[ (5)] السّكون: بطن من كندة. و هو السكن بن أشرس بن ثور. (اللباب 2/ 125).

[ (6)] في الأصل «جشنسن»، و في نسخة (ع) و (ح) «خشنس» و عند الطبري 3/ 231: «جشيش» و «جشنس»، و عند ابن ماكولا في الإكمال 3/ 152 «جشيش» و قال: في نسب الفرس:

جشنس جماعة. (3/ 156)، و ورد في المشتبه للذهبي 1/ 265 «جشيش».

17

فأمرنا فيه بالنّهوض في أمر الأسود فرأينا أمرا كثيفا، و رأينا الأسود قد تغيّر لقيس بن عبد يغوث، فأخبرنا قيسا و أبلغناه عن النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فكأنّما وقعنا عليه من السماء [ (1)] فأجابنا، و جاء وبر و كاتبنا النّاس و دعوناهم، فأخبر الأسود شيطانه فأرسل إلى قيس فقال: ما يقول الملك؟ يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته، حتّى إذا دخل منك كلّ مدخل مال ميل عدوّك، فحلف له و تنصّل، فقال: أ تكذّب الملك؟ قد صدق و عرفت أنّك تائب، قال: فأتانا قيس و أخبرنا فقلنا: كمن [ (2)] على حذر، و أرسل إلينا الأسود: أ لم أشرّفكم على قومكم، أ لم يبلغني عنكم؟ فقلنا: أقلنا مرّتنا هذه، فقال: فلا يبلغني عنكم فأقتلكم، فنجونا و لم نكد، و هو في ارتياب [ (3)] من أمرنا، قال: فكاتبنا عامر بن شهر، و ذو الكلاع، و ذو ظليم، فأمرناهم أن لا يتحرّكوا بشي‏ء، قال: فدخلت على امرأته آذاد [ (4)] فقلت: يا بنت عمّ قد عرفت بلاء هذا الرجل، و قتل زوجك و قومك و فضح النّساء، فهل من ممالأة عليه؟ قالت:

ما خلق اللَّه أبغض إليّ منه، ما يقوم على حقّ و لا ينتهي عن حرمة، فخرجت فإذا فيروز و داذويه ينتظراني [ (5)]، و جاء قيس و نحن نريد أن نناهضه، فقال له رجل قبل أن يجلس: الملك يدعوك، فدخل في عشرة فلم يقدر على قتله، و قال يا عبهلة أ منّي [ (6)] تتحصّن بالرجال، أ لم أخبرك الحقّ و تخبرني الكذب، تريد قتلي! فقال: كيف و أنت رسول اللَّه فمرني بما أحببت، فأمّا الخوف و الفزع فأنا فيهما فاقتلني و ارحمني، فرقّ له و أخرجه، فخرج علينا و قال:

____________

[ (1)] «من السماء» ساقطة من الأصل، و من نسخة (ع)، و المنتقى لابن الملّا، و الاستدراك من تاريخ الطبري 3/ 231، و نهاية الأرب للنويري 19/ 53.

[ (2)] عند الطبري 3/ 232 «نحن» بدل «كمن».

[ (3)] في الأصل (في ارتياد)، و التصحيح من المنتقى لابن الملّا، و تاريخ الطبري (3/ 232).

[ (4)] في طبعة القدسي 3/ 12 «آزادي» بالزاي، و التصويب من تاريخ الطبري.

[ (5)] في طبعة القدسي 3/ 12 «ينتظر أبي» و هو وهم، و التصويب من تاريخ الطبري.

[ (6)] في طبعة القدسي 3/ 12 «أنا عبهلة أمتي» و هو وهم، و التصويب من تاريخ الطبري 3/ 233.

18

اعملوا عملكم، و خرج علينا الأسود في جمع، فقمنا له، و بالباب مائة بقرة و بعير فنحرها [ (1)]، ثم قال: أحقّ ما بلغني عنك يا فيروز؟ لقد هممت بقتلك، فقال: اخترتنا لصهرك و فضّلتنا على الأبناء، و قد جمع لنا [ (2)] أمر آخرة و دنيا، فلا تقبلن [ (3)] علينا أمثال ما يبلغك. فقال: اقسم هذه، فجعلت آمر للرهط بالجزور [ (4)]، ثم اجتمع بالمرأة فقالت: هو متحرّز، و الحرس محيطون بالقصر سوى هذا الباب فانقبوا عليه، و هيّأت لنا سراجا، و خرجت، فتلقّاني الأسود خارجا من القصر فقال: ما أدخلك؟ و وجأ رأسي فسقطت، فصاحت المرأة و قالت: ابن عمّي زارني، فقال: اسكتي لا أبا لك فقد وهبته لك، فأتيت أصحابي و قلت: النّجاء، و أخبرتهم الخبر، فأنا على ذلك إذ جاءني رسولها: لا تدعن ما فارقتك عليه. فقلنا لفيروز: ائتها و أتقن أمرنا، و جئنا بالليل و دخلنا، فإذا سراج تحت جفنة، فاتّقيا بفيروز، و كان أنجدنا، فلمّا دنا من البيت سمع غطيطا شديدا، و إذا المرأة جالسة.

فلمّا قام فيروز على الباب أجلس الأسود شيطانه و كلّمه فقال أيضا: فما لي و لك يا فيروز، فخشي إن رجع أن يهلك هو و المرأة، فعاجله و خالطه و هو مثل الجمل، فأخذ برأسه فدقّ عنقه و قتله، ثم قام ليخرج فأخذت المرأة بثوبه تناشده، فقال: أخبر أصحابي بقتله، فأتانا فقمنا معه، فأردنا حزّ رأسه فحرّكه [ (5)] الشيطان و اضطرب، فلم يضبطه فقال: اجلسوا على صدره، فجلس اثنان و أخذت المرأة بشعره، و سمعنا بربرة [ (6)] فألجمته بملاءة [ (7)]،

____________

[ (1)] في نسخة (ح) «فنحرناها».

[ (2)] في تاريخ الطبري «اجتمع لنابك».

[ (3)] في طبعة القدسي 3/ 12 «نقبلن» بالنون في أولها، و التصحيح من تاريخ الطبري.

[ (4)] زاد في تاريخ الطبري 3/ 233: «و لأهل البيت بالبقرة».

[ (5)] في ح (فحرله) و هو تصحيف.

[ (6)] أي صياحا.

[ (7)] هكذا في الأصل، و عند الطبري 3/ 235 «مئلاة». و هي الخرقة التي تمسكها المرأة عند النوح تشير بها.

19

و أمرّ الشّفرة على حلقه، فخار كأشدّ خوار ثور، فابتدر الحرس الباب: ما هذا ما هذا؟ قالت: النّبيّ يوحى إليه، قال: و سمرنا ليلتنا كيف نخبر أشياعنا، فأجمعنا على النّداء بشعارنا ثم بالأذان، فلما طلع الفجر نادى داذويه بالشعار، ففزع المسلمون و الكافرون، و اجتمع الحرس فأحاطوا بنا، ثم ناديت بالأذان، و توافت خيولهم إلى الحرس، فناديتهم: أشهد أنّ محمّدا رسول اللَّه، و أنّ عبهلة كذّاب، و ألقينا إليهم الرأس، و أقام وبر الصّلاة، و شنّها القوم غارة، و نادينا: يا أهل صنعاء من دخل عليه داخل فتعلّقوا به، فكثر النّهب و السّبي، و خلصت صنعاء و الجند، و أعزّ اللَّه الإسلام، و تنافسنا الإمارة، و تراجع أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فاصطلحنا على معاذ بن جبل، فكان يصلّي بنا، و كتبنا إلى النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) الخبر فقدمت رسلنا، و قد قبض النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) صبيحتئذ فأجابنا أبو بكر عنه.

و روى الواقديّ عن رجاله قال: بعث أبو بكر قيس بن مكشوح [ (1)] إلى اليمن، فقتل الأسود العنسيّ، هو و فيروز الدّيلميّ. و لقيس هذا أخبار، و قد ارتدّ، ثم أسره المسلمون فعفا عنه أبو بكر، و قتل مع عليّ بصفّين.

جيش أسامة بن زيد

قال هشام بن عروة، عن أبيه قال: جعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول في مرضه:

«أنفذوا جيش أسامة، فسار حتى بلغ الجرف،

فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول: لا تعجل فإنّ رسول اللَّه ثقيل [ (2)]، فلمّا يبرح حتى قبض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فلمّا قبض رجع إلى أبي بكر فقال: إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بعثني و أنا على غير حالكم هذه، و أنا اتخوّف أن تكفر العرب، و إن كفرت كانوا أوّل من يقاتل، و إن لم تكفر مضيت، فإنّ معي سروات النّاس‏

____________

[ (1)] هو قيس بن هبيرة المكشوح المرادي. سمّي بالمكشوح لأنه كوي على كشحة من داء كان به.

(فتوح البلدان 1/ 126).

[ (2)] هكذا في الأصل، و نسخة (ح)، و طبقات ابن سعد 4/ 67، و في نسخة دار الكتب «يعتل».

20

و خيارهم، قال: فخطب أبو بكر النّاس، ثم قال: و اللَّه لأن تخطفني الطّير أحبّ اليّ من أن أبدأ بشي‏ء قبل أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، قال: فبعثه أبو بكر، و استأذن لعمر أن يتركه عنده، و أمر أن لا [ (1)] يجزر في القوم، أن يقطع الأيدي، و الأرجل و الأوساط في القتال، قال: فمضى حتى أغار، ثم رجعوا و قد غنموا و سلموا.

فكان عمر يقول: ما كنت لأحيّي [ (2)] أحدا بالإمارة غير أسامة، لأنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قبض و هو أمير، قال: فسار، فلمّا دنوا من الشّام أصابتهم ضبابة شديدة فسترتهم، حتى أغاروا و أصابوا حاجتهم، قال: فقدم بنعي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) على هرقل و إغارة أسامة في ناحية أرضه خبرا واحدا، فقالت الروم:

ما بال هؤلاء يموت صاحبها ثمّ أغاروا على أرضنا [ (3)].

و عن الزهري قال: سار أسامة في ربيع الأول حتى بلغ أرض الشام و انصرف، فكان مسيره ذاهبا و قافلا أربعين يوما [ (4)].

و قيل كان ابن عشرين سنة [ (5)].

و قال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: فلمّا فرغوا من البيعة، و اطمأنّ النّاس قال أبو بكر لأسامة بن زيد: امض لوجهك. فكلّمه رجال من المهاجرين و الأنصار و قالوا: أمسك أسامة و بعثه فإنّا نخشى أن تميل علينا العرب إذا سمعوا بوفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فقال: أنا أحبس جيشا بعثهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)! لقد اجترأت على أمر عظيم، و الّذي نفسي بيده لأن تميل عليّ العرب أحبّ إليّ من أن أحبس جيشا بعثهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، امض يا

____________

[ (1)] «لا» في الأصل و غيره، و ساقطة من نسخة (ح)، و ليست في طبقات ابن سعد 40/ 67.

[ (2)] في طبقات ابن سعد «لأجي‏ء» و هو تصحيف.

[ (3)] طبقات ابن سعد 4/ 67، 68 و فيه: «ما بالي هؤلاء بموت صاحبهم أن أغاروا على أرضنا»، و انظر تهذيب تاريخ دمشق 2/ 397، و سير أعلام النبلاء 2/ 503، و تاريخ خليفة- ص 100.

[ (4)] تاريخ خليفة بن خيّاط 101، و تاريخ الطبري 3/ 227.

[ (5)] و قيل: ابن ثماني عشرة سنة. (طبقات ابن سعد 4/ 66).

21

أسامة في جيشك للوجه الّذي أمرت به، ثم أغز حيث أمرك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من ناحية فلسطين، و على أهل مؤتة، فإنّ اللَّه سيكفي ما تركت، و لكن إن رأيت أن تأذن لعمر فأستشيره و أستعين به فافعل، ففعل أسامة. و رجع عامّة العرب عن دينهم و عامّة أهل المشرق و غطفان و أسد و عامّة أشجع، و تمسّكت طيِّئ بالإسلام.

شأن أبي بكر و فاطمة رضي اللَّه عنهما

قال الزّهري، عن عروة، عن عائشة

أنّ فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أن يقسم لها ميراثها ممّا ترك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) ممّا أفاء اللَّه عليه، فقال لها: إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» فغضبت و هجرت أبا بكر حتّى توفّيت [ (1)].

و أرسل أزواج النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) عثمان بن عفّان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ مما أفاء اللَّه على رسوله، حتّى كنت أنا رددتهنّ فقلت لهنّ: ألّا تتّقين اللَّه أ لم تسمعن من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول: «لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال» [ (2)].

____________

[ (1)] أخرجه البخاري في الفرائض 8/ 3 باب قول النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم): لا نورث ما تركنا صدقة، و في الوصايا 3/ 197 باب نفقة القيّم للوقف، و في فضائل الصحابة 4/ 209، 210، باب مناقب قرابة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و منقبة فاطمة (عليها السلام)، و في المغازي 5/ 23 باب حديث بني النضير، و مسلم في الجهاد و السير (1758) باب قول النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم): لا نورث ما تركنا فهو صدقة، و رقم (1759) و (1761)، و أبو داود في الخراج و الإمارة (2975) باب في صفايا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من الأموال، و الترمذي في السير 3/ 81 (1658) باب ما جاء في تركة النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و النسائي في الفي‏ء 7/ 132 في كتاب قسم الفي‏ء، و مالك في الموطأ 702 رقم 1723، باب ما جاء في تركة النبيّ، و أحمد في المسند 1/ 4 و 6 و 9 و 10 و 25 و 47 و 48 و 49 و 60 و 164 و 179 و 191 و 6/ 145 و 262، و ابن سعد في الطبقات 2/ 315، و ابن جميع الصيداوي (بتحقيقنا) ص 374 رقم 365.

[ (2)] انظر تخريج الحديث قبله.

22

و قال أبو الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

«لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي و مئونة عاملي [ (1)] فهو صدقة [ (2)]».

و قال محمد بن السّائب- و هو متروك- [ (3)] عن أبي صالح مولى أمّ‏

____________

[ (1)] في الأصل (عمالي)، و في الحاشية (عيالي، خ) رمزا لنسخة فيها ذلك و هو الموافق لما في (ع) و بعض المراجع، و في (ح) (عاملي)، و في الحاشية (عيالي). و ما أثبتناه هو الموافق لما في الصّحاح.

[ (2)] أخرجه البخاري في الوصايا 3/ 197 باب نفقة القيّم للوقف، و مسلم في الجهاد و السير (1759) باب قول النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم): لا نورث ما تركنا فهو صدقة، و أبو داود في الخراج و الإمارة (2974) باب في صفايا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من الأموال، و مالك في الموطّأ 702 رقم 1723، باب ما جاء في تركة النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و أحمد في المسند 2/ 242 و 376 و 464.

[ (3)] هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي، العلّامة الأخباريّ المفسّر. كان رأسا في الأنساب إلّا أنه شيعيّ. توفي سنة 146 ه-. قال معتمر بن سليمان عن أبيه: كان بالكوفة كذّابان أحدهما الكلبي، و قال الدوري عن يحيى بن معين. ليس بشي‏ء، و قال أبو حاتم: الناس مجمعون على ترك حديثه هو ذاهب الحديث لا يشتغل به، و قال النسائيّ: ليس بثقة و لا يكتب حديثه، و قال ابن عديّ: له غير ما ذكرت أحاديث صالحة و خاصّة عن أبي صالح، و هو معروف بالتفسير و ليس لأحد أطول من تفسيره، و حدّث عنه ثقات من الناس و رضوه في التفسير، و أما في الحديث ففيه مناكير، و لشهرته فيما بين الضعفاء يكتب حديثه، و قال عليّ بن الجنيد، و الحاكم أبو أحمد، و الدار الدّارقطنيّ: متروك، و قال الجوزجاني: ساقط، و قال ابن حبّان:

وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه، و قال الساجي: متروك الحديث، و كان ضعيفا جدا لفرطه في التشيّع، و قد اتّفق ثقات أهل النقل على ذمّة و ترك الرواية عنه في الأحكام و الفروع.

انظر عنه:

طبقات ابن سعد 6/ 249، تاريخ خليفة 423، طبقات خليفة 167، المعارف لابن قتيبة 533، التاريخ الكبير للبخاريّ 1/ 101 رقم 283، التاريخ الصغير له 2/ 51، أحوال الرجال للجوزجانيّ 54 رقم 37، الضعفاء الصغير للبخاريّ 322، الضعفاء و المتروكين للنسائي 414، الجرح و التعديل لابن أبي حاتم 7/ 270، 271 رقم 1478، الضعفاء الكبير للعقيليّ 4/ 76 رقم 1632، كتاب المجروحين لابن حبّان 2/ 253، الضعفاء و المتروكين للدار للدّارقطنيّ 151 رقم 468، الفهرست لابن النديم 95، الكامل في ضعفاء الرجال لابن عديّ 6/ 2127- 2132، اللباب لابن الأثير 3/ 105، وفيات الأعيان لابن خلكان 4/ 309- 311، تهذيب الكمال للمزّي 3/ 1199، ميزان الاعتدال للذهبي 3/ 556- 559 رقم‏

23

هانئ إنّ فاطمة دخلت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر أ رأيت لو متّ اليوم من كان يرثك؟ قال: أهلي و ولدي، فقالت: مالك ترث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من دون أهله و ولده! فقال: ما فعلت يا بنت رسول اللَّه. قالت: بلى قد عمدت إلى فدك [ (1)] و كانت صافية لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فأخذتها، و عمدت إلى ما أنزل اللَّه من السماء فرفعته منّا، فقال: لم أفعل، حدّثني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أنّ يطعم النّبيّ الطّعمة ما كان حيا فإذا قبضة رفعها، فقالت: أنت و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أعلم، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي هذا [ (2)].

ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطّفيل قال:

لما قبض النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أنت وريث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أم أهله؟

فقال: لا بل أهله، قالت: فأين سهمه؟ قال: إنّي سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إنّ اللَّه إذا أطعم نبيّا طعمة [ (3)] ثمّ قبضة جعلها للذي يقوم من بعده»، فرأيت أن أردّه على المسلمين، قالت: أنت و ما سمعت من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم).

رواه أحمد في مسندة»

[ (4)]، و هو منكر، و أنكر ما فيه قوله: «لا، بل أهله».

____________

[ (7574،)] الكاشف 3/ 40، 41 رقم 4941، المغني في الضعفاء 2/ 584 رقم 5542، سير أعلام النبلاء 6/ 248- 249 رقم 111، الوافي بالوفيات للصفدي 3/ 83 رقم 1001، الكشف الحثيث لبرهان الدين الحلبي 373 رقم 667، الموضوعات لابن الجوزي 1/ 47، تهذيب التهذيب لابن حجر 9/ 178- 181 رقم 266، تقريب التهذيب له 2/ 163 رقم 240، خلاصة تذهيب الكمال للخزرجي 337، طبقات المفسّرين 2/ 144، شذرات الذهب 1/ 217.

[ (1)] فدك، قرية على مسافة يومين من المدينة المنوّرة، و سمّيت بفدك بن حام لأنّه أوّل من نزلها.

(وفاء ألوفا للسمهودي 2/ 355).

[ (2)] الحديث ضعيف لضعف محمد بن السائب، و لكن يقوّيه الحديث الآتي بعده.

[ (3)] يريد بالطعمة، ما كان له من الفي‏ء و غيره. (النهاية لابن الأثير).

[ (4)] ج 1/ 4، و أخرجه أبو داود في الخراج و الإمارة و الفي‏ء (2973) باب في صفايا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من الأموال.

24

و قال الوليد بن مسلم، و عمر بن عبد الواحد: ثنا صدقة أبو معاوية، عن محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصّديق، عن يزيد الرقاشيّ، عن أنس‏

أنّ فاطمة أتت أبا بكر فقالت: قد علمت الّذي خلّفنا عنه من الصّدقات أهل البيت. ثم قرأت عليه‏

وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ‏

[ (1)] إلى آخر الآية، فقال لها: بأبي و أمّي أنت و والدك و ولدك، و عليّ السمع و البصر كتاب اللَّه و حقّ رسوله و حقّ قرابته، و أنا أقرأ من كتاب اللَّه مثل الّذي تقرئين، و لا يبلغ علمي فيه أن أرى لقرابة [ (2)] رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) هذا السّهم كلّه من الخمس يجري بجماعته عليهم، قالت:

أ فلك هو و لقرابتك؟ قال: لا، و أنت عندي أمينة مصدّقة، فإن كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عهد إليك في ذلك عهدا و وعدك موعدا أوجبه لك حقّا و سلّمته إليك، قالت: لا، إلّا أنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) حين أنزل عليه في ذلك قال: أبشروا آل محمد فقد جاءكم الغنى.

فقال أبو بكر: صدقت فلك الغنى، و لم يبلغ علمي فيه و لا بهذه الآية أن يسلّم هذا السّهم كلّه كاملا، و لكن لكم الغنى الّذي يغنيكم، و يفضل عنكم، فانظري هل يوافقك على ذلك أحد منهم، فانصرفت إلى عمر فذكرت له كما ذكرت لأبي بكر، فقال لها مثل الّذي راجعها به أبو بكر، فعجبت و ظنّت أنّهما قد تذاكرا ذلك و اجتمعا عليه.

و بالإسناد إلى محمد بن عبد اللَّه- من دون ذكر الوليد بن مسلم- قال:

حدّثني الزّهريّ قال: حدّثني من سمع ابن عبّاس يقول: كان عمر عرض علينا أن يعطينا من الفي‏ء بحقّ ما يرى أنّه لنا من الحقّ، فرغبنا عن ذلك‏

____________

[ (1)] سورة الأنفال- الآية 41.

[ (2)] في نسخة (ح) «أن لذي قرابة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)».

25

و قلنا: لنا ما سمّى اللَّه من حقّ ذي القربى، و هو خمس [ (1)] الخمس، فقال عمر: ليس لكم ما تدّعون أنّه لكم حقّ، إنّما جعل اللَّه الخمس لأصناف سمّاهم، فأسعدهم فيه حظا أشدّهم فاقة و أكثرهم عيالا، قال: فكان عمر يعطي من قبل منّا من الخمس و الفي‏ء نحو ما يرى أنّه لنا، فأخذ ذلك منّا ناس و تركه ناس.

و ذكر الزّهري أنّ مالك بن أوس بن الحدثان النّصريّ [ (2)] قال: كنت عند عمر، فقال لي: يا مالك إنّه قدم علينا من قومك أهل أبيات و قد أمرت فيهم برضخ فاقسمه بينهم، قلت: لو أمرت به غيري، قال: أقبضه أيّها المرء، قال: و أتاه حاجبه يرفأ [ (3)] فقال: هل لك في عثمان، و الزّبير، و عبد الرحمن، و سعد يستأذنون؟ قال: نعم، فدخلوا و سلّموا و جلسوا، ثم لبث يرفأ قليلا، ثم قال لعمر: هل لك في عليّ و العبّاس؟ قال: نعم، فلمّا دخلا سلّما فجلسا، فقال عبّاس: يا أمير المؤمنين اقض بيني و بين هذا الظّالم الفاجر الغادر الخائن، فاستبّا، فقال عثمان و غيره: يا أمير المؤمنين أقض بينهما و أرح أحدهما من الآخر، فقال: أنشدكما باللَّه هل تعلمان‏

أنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال‏

«: لا نورث ما تركنا صدقة»؟

قالا: قد قال ذلك، قال: فإنّي أحدّثكم عن هذا الأمر: إنّ اللَّه كان قد خصّ رسوله في هذا الفي‏ء بشي‏ء لم يعطه غيره، فقال تعالى: وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ [ (4)]، فكانت هذه خالصة لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، ثم و اللَّه ما احتازها [ (5)] دونكم و لا استأثر

____________

[ (1)] (خمس) ساقطة من أكثر النسخ.

[ (2)] في (ح) و المنتقى لابن الملّا (النضري) و هو تصحيف.

[ (3)] «يرفا» غير مهموز، هكذا ذكره الجمهور، و منهم من همزة، يرفأ، و هو حاجب عمر بن الخطّاب.

[ (4)] سورة الحشر، الآية 6.

[ (5)] في طبعة القدسي 3/ 19 «اختارها» و هو تصحيف، و التصويب من صحيح البخاري.

26

بها عليكم، لقد أعطاكموها و بثّها فيكم حتّى بقي منها هذا المال، فكان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يجعل ما بقي مجعل مال اللَّه، أنشدكم باللَّه هل تعلمون ذلك، قالوا: نعم، ثم توفّى اللَّه نبيّه، فقال أبو بكر: أنا وليّ رسول اللَّه، فقبضها و عمل فيها بما عمل به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فيها، و أنتما تزعمان أنّ أبا بكر فيها كاذب فاجر غادر، و اللَّه يعلم أنّه فيها لصادق بارّ راشد، ثم توفّاه اللَّه فقلت [ (1)]: أنا وليّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و وليّ أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بعمله، و أنتم حينئذ تشهدون [ (2)]،

و أقبل عليّ عليّ و عبّاس [ (3)] يزعمون أنّي فيها فاجر كاذب، و اللَّه يعلم أنّي فيها لصادق بارّ راشد تابع للحق، ثم جئتماني و كلمتكما واحدة و أمركما جميع، فجئتني تسألني عن نصيبك من ابن أخيك، و جاءني هذا يسألني عن نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال: «لا نورث ما تركنا صدقة»، فلمّا بدا لي أن أدفعها إليكما قلت:

إن شئتما دفعتها إليكما على أنّ عليكما عهد اللَّه و ميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و بما عمل فيها أبو بكر، و إلّا فلا تكلّماني، فقلتما:

ادفعها إلينا بذلك، فدفعتها إليكما [ (4)] أنشدكم باللَّه هل دفعتها إليهما بذلك؟

قال الرّهط: نعم، فأقبل على عليّ و عبّاس فقال: أنشدكما باللَّه هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم، قال أ فتلتمسان منّي قضاء غير ذلك! فو الّذي بإذنه تقوم السماء و الأرض لا أقضي فيها غير ذلك حتّى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ أكفيكماها [ (5)].

____________

[ (1)] في صحيح الإمام البخاري (فكنت) بدل (فقلت) التي في الأصل و غيره.

[ (2)] «تشهدون» ساقطة من (ح) و المنتقى نسخة أحمد الثالث، و ليست في صحيح البخاري.

[ (3)] لعلّ في الأصل و غيره هنا كلمات مقحمة لا تفسد المعنى. فانظر صحيح الإمام البخاري حيث يختلف النصّ عمّا هنا.

[ (4)] في (صحيح الامام البخاري): ادفعها إلينا. فبذلك دفعتها إليكما.

[ (5)] رواه البخاري في الخمس 4/ 43، 44 باب فرض الخمس، و مسلم في الجهاد و السير

27

و قال الزّهري: حدّثني الأعرج أنّه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«و الّذي نفسي بيده لا يقتسم ورثتي شيئا ممّا تركت، ما تركنا صدقة»

[ (1)] فكانت هذه الصّدقة بيد عليّ غلب عليها العبّاس، و كانت فيها خصومتهما، فأبى عمر أن يقسمها بينهما حتى أعرض عنها عبّاس فغلبه عليها عليّ، ثمّ كانت على يدي الحسن [ (2)]، ثم كانت بيد الحسين، ثم بيد عليّ ابن الحسين و الحسن بن الحسن، كلاهما يتداولانها، ثم بيد زيد، و هي صدقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) حقا.

خبر الرّدّة

لما اشتهرت وفاة النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) بالنّواحي، ارتدّت طوائف كثيرة من العرب عن الإسلام و منعوا الزّكاة، فنهض أبو بكر الصّديق رضي اللَّه عنه لقتالهم، فأشار عليه عمر و غيره أن يفتر عن قتالهم. فقال: و اللَّه لو منعوني عقالا أو عناقا [ (3)] كانوا يؤدّونها إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) لقاتلتهم على منعها، فقال عمر:

كيف تقاتل النّاس و قد

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

«أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلّا اللَّه و أنّ محمدا رسول اللَّه فمن قالها عصم منّي ماله و دمه إلّا بحقّها و حسابه على اللَّه»،

فقال أبو بكر: و اللَّه لأقاتلنّ من فرّق بين الصّلاة و الزّكاة، فإنّ الزّكاة حقّ المال و قد قال: إلا بحقها فقال عمر: فو اللَّه ما هو إلّا أن رأيت اللَّه شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنّه الحق [ (4)]، فعن‏

____________

[ ()] (1757/ 49) باب حكم الفي‏ء.

[ (1)] رواه مسلم في الجهاد و السير (1760) باب‏

قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم): «لا نورث ما تركنا صدقة».

[ (2)] في المنتقى لابن الملا «بيد الحسن» و هو الأصوب.

[ (3)] بالفتح، و هي الأنثى من ولد المعز. (مختار الصحاح).

[ (4)] أخرجه البخاري في الاعتصام 8/ 140، 141 باب الاقتداء بسنن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و مسلم في الإيمان (20) باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلّا اللَّه محمد رسول اللَّه، و أبو داود في الزكاة (1556) أول الباب، و الترمذي في الإيمان (2733) أول الباب، و النسائي في الزكاة 5/ 14، 15 باب جامع الزكاة. و المطهّر المقدسي في البدء و التاريخ 5/ 153، و البلاذري في فتوح البلدان 1/ 113.

28

عروة و غيره قال: فخرج أبو بكر في المهاجرين و الأنصار حتّى بلغ نقعا حذاء نجد، و هربت الأعراب بذراريهم، فكلّم النّاس أبا بكر و قالوا: ارجع إلى المدينة و إلى الذّرّية و النّساء و أمّر رجلا على الجيش، و لم يزالوا به حتى رجع و أمّر خالد بن الوليد، و قال له: إذا أسلموا و أعطوا الصّدقة فمن شاء منكم فليرجع، و رجع أبو بكر إلى المدينة.

و قال غيره: كان مسيره في جمادى الآخرة فبلغ ذا القصّة [ (1)]، و هي على بريدين و أميال من ناحية طريق العراق، و استخلف على المدينة سنانا الضّمري، و على حفظ أنقاب المدينة عبد اللَّه بن مسعود [ (2)].

و قال ابن لهيعة: أنا أسامة بن زيد عن الزّهريّ، عن حنظلة بن عليّ اللّيثي، أنّ أبا بكر بعث خالدا، و أمره أن يقاتل النّاس على خمس، من ترك واحدة منهنّ قاتله كما يقاتل من ترك الخمس جميعا. على شهادة أن لا إله إلا اللَّه و أنّ محمدا عبده و رسوله، و إقام الصّلاة، و إيتاء الزّكاة، و صوم رمضان، و حجّ البيت.

و قال عروة، عن عائشة: لو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها [ (3)]، اشرأب النّفاق بالمدينة و ارتدّت العرب، فو اللَّه ما اختلفوا في نقطة إلّا طار أبي بحظّها من الإسلام [ (4)].

و عن يزيد بن رومان أنّ النّاس قالوا له: إنّك لا تصنع بالمسير بنفسك شيئا، و لا تدري لمن تقصد، فأمر من تثق به و ارجع الى المدينة، فإنّك‏

____________

[ (1)] ذو القصّة: بالفتح و تشديد الصاد. على بريد من المدينة تلقاء نجد. (معجم البلدان 4/ 366).

[ (2)] تاريخ خليفة بن خيّاط- ص 101.

[ (3)] هاضها: كسرها.

[ (4)] تاريخ خليفة- ص 102 و فيه: «إلّا طار أبي إلى أعظمها في الإسلام».

29

تركت بها النّفاق يغلي، فعقد لخالد على النّاس، و أمّر على الأنصار خاصّة ثابت بن قيس بن شماس، و أمر خالدا أن يصمد لطليحة الأسدي [ (1)].

و عن الزّهري قال: سار خالد بن الوليد من ذي القصّة في ألفين و سبعمائة إلى ثلاثة آلاف، يريد طليحة، و وجّه عكّاشة بن محصن الأسديّ حليف بني عبد شمس، و ثابت بن أقرم الأنصاري رضي اللَّه عنهما [ (2)] فانتهوا إلى قطن [ (3)] فصادفوا فيها حبالا متوجّها إلى طليحة بثقله، فقتلوه و أخذوا ما معه، فسار وراءهم طليحة و أخوه سلمة فقتلا عكّاشة و ثابتا [ (4)].

و قال الوليد الموقّري، عن الزّهريّ قال: فسار خالد لقتال طليحة الكذّاب فهزمه اللَّه، و كان قد بايع عيينة بن حصن، فلمّا رأى طليحة كثرة انهزام أصحابه قال: ما يهزمكم؟ فقال رجل: أنا أحدّثك، ليس منّا رجل إلّا و هو يحبّ أن يموت صاحبه قبله، و إنّا نلقى قوما كلهم يحبّ أن يموت قبل صاحبه، و كان طليحة رجلا شديد البأس في القتال، فقتل طليحة يومئذ عكّاشة بن محصن و ثابت بن أقرم، و قال طليحة:

عشيّة غادرت ابن أقرم ثاويا* * * و عكّاشة الغنميّ تحت [ (5)] مجالي‏

أقمت [ (6)] لهم صدر الحمالة إنّها* * * معاودة [ (7)] قبل الكماة نزالي‏

فيوما تراها في الجلال مصونة* * * و يوما تراها في ظلال عوال [ (8)]

____________

[ (1)] تاريخ خليفة- ص 102.

[ (2)] انظر عنهما طبقات ابن سعد 3/ 467 في ترجمة ثابت بن أقرم.

[ (3)] قطن: بالتحريك. جبل لبني عبس كثير النخل و المياه بين الرمّة و بين أرض بني أسد. (معجم البلدان 4/ 375).

[ (4)] تاريخ خليفة- ص 102- 103.

[ (5)] في تهذيب تاريخ دمشق 7/ 103 «عند» بدل «تحت».

[ (6)] في التهذيب «نصبت».

[ (7)] في التهذيب، و البداية و النهاية لابن كثير 6/ 317 «معودة».

[ (8)] انظر تهذيب تاريخ دمشق فقد ورد هذا الشطر عجزا لصدر بيت آخر.

30

فما ظنّكم بالقوم إذ تقتلونهم* * * أ ليسوا و إن لم يسلموا برجال‏

فإن تك أذواد [ (1)] أصبن و نسوة* * * فلم ترهبوا فرغا بقتل حبال [ (2)]

فلمّا غلب الحقّ طليحة ترجّل. ثم أسلم و أهلّ بعمرة، فركب يسير في النّاس آمنا، حتّى مرّ بأبي بكر بالمدينة، ثم سار إلى مكة فقضى عمرته، ثم حسن إسلامه [ (3)].

و في غير هذه الرواية أنّ خالدا لقي طليحة ببزاخة [ (4)]، و مع طليحة عيينة بن حصن، و قرّة بن هبيرة القشيريّ، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم هرب طليحة و أسر عيينة و قرّة، و بعث بهما إلى أبي بكر فحقن دماءهما [ (5)].

و ذكر أنّ قيس بن مكشوح أحد من قتل الأسود العنسيّ ارتدّ. و تابعه [ (6)] جماعة من أصحاب الأسود، و خافه أهل صنعاء، و أتى قيس إلى فيروز الدّيلميّ و داذويه يستشيرهما في شأن أصحاب الأسود خديعة منه، فاطمأنّا إليه، و صنع لهما من الغد طعاما، فأتاه داذويه فقتله. ثم أتاه فيروز ففطن بالأمر فهرب، و لقيه جشيش بن شهر و مضى معه الى جبال خولان، و ملك‏

____________

[ (1)] في نسخة (ح) و الأصل، و المنتقى: «ذاود»، و التصحيح من نسخة دار الكتب، و لسان العرب، و تهذيب تاريخ دمشق. و في البداية و النهاية «و إن يك أولاد» و هو تصحيف.

و الأذواد: الإبل.

[ (2)] حبال: بكسر الحاء و فتح الباء، و هو أخو طليحة.

و راجع الأبيات في تاريخ دمشق- الجزء العاشر- تحقيق محمد أحمد دهمان- ص 506، و تهذيب تاريخ دمشق 7/ 103، و البداية و النهاية لابن كثير 6/ 317.

[ (3)] وردت العبارة التالية في حاشية النسخة (ح): «مررت على هذه الكرّاسة و حرّرتها و قابلتها على نسخة بخط البدر البشتكي. صحّت و للَّه الحمد. قاله سبط ابن حجر العسقلاني».

[ (4)] قال الطبري في تاريخه 3/ 254 بزاخة: ماء من مياه بني أسد. و في معجم البلدان لياقوت: ماء لطيّئ بأرض نجد.

[ (5)] تاريخ الطبري 3/ 260، و تاريخ خليفة- ص 103.

[ (6)] في المنتقى لابن الملّا، نسخة أحمد الثالث: «بايعه».

31

قيس صنعاء، فكتب فيروز إلى أبي بكر يستمدّه، فأمدّه، فلقوا قيسا فهزموه ثمّ أسروه و حملوه إلى أبي بكر فوبّخه: فأنكر الرّدّة: فعفا عنه أبو بكر [ (1)].

و قال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: فسار خالد- و كان سيفا من سيوف اللَّه تعالى- فأسرع السير حتى نزل ببزاخة، و بعثت إليه طيِّئ: إن شئت أن تقدم علينا فإنّا سامعون مطيعون، و إن شئت، نسير إليك؟ قال خالد: بل أنا ظاعن إليكم إن شاء اللَّه، فلم يزل ببزاخة، و جمع له هناك العدوّ بنو أسد و غطفان فاقتتلوا، حتّى قتل من العدو خلق و أسر منهم أسارى، فأمر خالد بالحظر [ (2)] أن تبنى ثمّ أوقد فيها النّيران و ألقى الأسارى فيها، ثم ظعن يريد طيِّئا، فأقبلت بنو عامر و غطفان و النّاس مسلمين مقرّين بأداء الحقّ، فقبل منهم خالد.

و قتل في ذلك الوجه مالك بن نويرة التميمي في رجال معه من تميم، فقالت الأنصار: نحن راجعون، قد أقرّت العرب بالذي كان عليها، فقال خالد و من معه من المهاجرين: قد لعمري آذن لكم، و قد أجمع أميركم بالمسير إلى مسيلمة بن ثمامة الكذّاب، و لا نرى أن تفرّقوا على هذه الحال، فإنّ ذلك غير حسن، و إنّه لا حجّة لأحد منكم فارق أميره و هو أشدّ ما كان إليه حاجة، فأبت الأنصار إلا الرجوع، و عزم خالد و من معه، و تخلّفت الأنصار يوما أو يومين ينظرون في أمرهم، و ندموا و قالوا: ما لكم و اللَّه عذر عند اللَّه و لا عند أبي بكر إن أصيب هذا الطّرف و قد خذلناهم، فأسرعوا نحو خالد و لحقوا به، فسار الى اليمامة [ (3)]، و كان مجّاعة بن مرارة [ (4)] سيّد بني حنيفة خرج في ثلاثة و عشرين فارسا يطلب دماء في بني عامر، فأحاط بهم المسلمون، فقتل‏

____________

[ (1)] راجع تاريخ الطبري 3/ 330.

[ (2)] في تاريخ خليفة- ص 103 و سير أعلام النبلاء 1/ 372 «حظائر».

[ (3)] في نجد.

[ (4)] في المنتقى لابن الملّا «فزارة» و هو وهم.

32

أصحاب مجّاعة و أوثقه [ (1)].

و قال العطاف بن خالد: حدّثني أخي عبد اللَّه عن بعض آل عدي، عن وحشيّ قال: خرجنا حتّى أتينا طليحة فهزمهم اللَّه، فقال خالد: لا أرجع حتى آتي مسيلمة حتّى يحكم اللَّه بيننا و بينهم، فقال له ثابت بن قيس: إنّما بعثنا إلى هؤلاء و قد كفى اللَّه مؤنتهم، فلم يقبل منهم، و سار، ثمّ تبعه ثابت بعد يوم في الأنصار.

[و قال الثّوريّ، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: لمّا قدم وفد بزاخة أسد و غطفان على أبي بكر يسألونه الصّلح، خيّرهم أبو بكر بين حرب مجلّية أو حطّة مخزية، فقالوا: يا خليفة رسول اللَّه أمّا الحرب فقد عرفناها، فما الحطّة المخزية؟ قال: تؤخذ منكم الحلقة و الكراع [ (2)] و تتركون أقواما تتبعون أذناب الإبل حتّى يري اللَّه خليفة نبيّه و المؤمنين أمرا يعذرونكم به، و تؤدّون ما أصبتم منّا و لا نؤدّي ما أصبنا منكم، و تشهدون أنّ قتلانا في الجنّة و أن قتلاكم في النّار، و تدون قتلانا و لا ندي قتلاكم، فقال عمر: أمّا قولك «تدون قتلانا» فإنّ قتلانا قتلوا على أمر اللَّه لا ديات لهم. فاتبع عمر، و قال عمر في الباقي: نعم ما رأيت‏] [ (3)].

مقتل مالك بن نويرة التميميّ الحنظليّ اليربوعيّ‏

قال ابن إسحاق [ (4)]: أتي خالد بن الوليد بمالك بن نويرة في رهط من‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ خليفة- ص 107، و تاريخ الطبري 3/ 286- 289.

[ (2)] الكراع: بضم الكاف، اسم لجميع الخيل. (النهاية لابن الأثير).

[ (3)] ما بين الحاصرتين في حاشية الأصل، و نسخة (ح).

[ (4)] الخبر في تاريخ خليفة- ص 105، و تاريخ الطبري 3/ 280، و الأغاني لأبي الفرج 15/ 303، 304.

33

قومه بني حنظلة، فضرب أعناقهم، و سار في أرض تميم، فلمّا غشوا قوما منهم أخذوا السّلاح و قالوا: نحن مسلمون، فقيل لهم: ضعوا السّلاح، فوضعوه، ثمّ صلّى المسلمون و صلّوا.

فروى سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه قال: قدم أبو قتادة الأنصاريّ على أبي بكر رضي اللَّه عنه فأخبره بقتل مالك بن نويرة و أصحابه، فجزع لذلك، ثم ودى مالكا و ردّ السّبي و المال [ (1)].

و روي أنّ مالكا كان فارسا شجاعا مطاعا في قومه و فيه خيلاء، كان يقال له الجفول [ (2)]، قدم على النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أسلم فولّاه صدقة قومه، ثمّ ارتدّ، فلمّا نازلة خالد قال: أنا آتي بالصّلاة دون الزّكاة، فقال: أما علمت أنّ الصّلاة و الزّكاة معا؟ لا تقبل واحدة دون الأخرى! فقال: قد كان صاحبك يقول ذلك، قال خالد: و ما تراه لك صاحبا! و اللَّه لقد هممت أن أضرب‏

____________

[ (1)] تاريخ خليفة- ص 105، الأغاني 14/ 64، سير أعلام النبلاء 1/ 376، 377، الكامل في التاريخ 2/ 359.

[ (2)] قال المرزباني في «معجم الشعراء»- ص 432: كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) استعمله على صدقات قومه، فلما بلغه وفاة النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) أمسك الصدقة و فرّقها في قومه، و جفّل إبل الصدقة فسمّي الجفول.

و انظر عنه:

الشعر و الشعراء 1/ 254، الأغاني 15/ 298 و ما بعدها، المؤتلف و المختلف 297، معجم الشعراء 432، جمهرة أنساب العرب 224، شرح شواهد المغني 2/ 568، الاستيعاب 3/ 1362، سمط اللآلئ 1/ 87، خزانة الأدب 1/ 236، طبقات فحول الشعراء 170، الكامل في الأدب 3/ 1242- 1244، سمط النجوم 2/ 351، سرح العيون 86، النقائض 2/ 782، الخيل لأبي عبيدة 11/ 12، شرح نهج البلاغة 2/ 58، حلية الفرسان 162، البيان و التبيين 3/ 24، المعمّرون 15، العقد الفريد 2/ 114، فصل المقال 171، مجمع الأمثال 2/ 24، عيون الأخيار 4/ 31، 32، الأشباه و النظائر 2/ 345، ثمار القلوب 24، و المحبّر 126، المعارف 267، الأخبار الموفّقيّات 629 رقم 421 و 630 رقم 423، تاريخ اليعقوبي 2/ 148، أسماء المغتالين 244، حور العين 131، و مالك و متمّم ابنا نويرة اليربوعي- تأليف د. ابتسام مرهون الصفار- طبعة بغداد 1968، فوات الوفيات 3/ 233، 236، معجم الشعراء في لسان العرب 366، البدء و التاريخ للمطهر المقدسي 5/ 159.

34

عنقك، ثم تحاورا طويلا [ (1)] فصمّم على قتله: فكلّمه أبو قتادة الأنصاري و ابن عمر، فكره كلامهما، و قال لضرار بن الأزور: اضرب عنقه، فالتفت مالك إلى زوجته و قال: هذه التي قتلتني، و كانت في غاية الجمال، قال خالد: بل اللَّه قتلك برجوعك عن الإسلام، فقال: أنا على الإسلام، فقال: اضرب عنقه، فضرب عنقه و جعل رأسه أحد أثافي قدر طبخ فيها طعام، ثم تزوّج خالد بالمرأة، فقال أبو زهير السّعديّ من أبيات:

قضي خالد بغيا عليه لعرسه* * * و كان له فيها هوى قبل ذلكا [ (2)]

____________

[ (1)] كذا في الأصل، و نسخة (ع)، و المنتقى لابن الملّا. و في نسخة دار الكتب «قليلا».

[ (2)] قال الأستاذ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (رحمه اللَّه) في كتابه (نقد علميّ لكتاب الإسلام و أصول الحكم ص 33).

أما محاورة مالك بن نويرة لخالد بن الوليد فهي نفس ما قام به الفريق الثاني من أهل حروب الرّدّة، و كان مالك بن نويرة من زعمائهم، و لعلّ ذلك سبب قتل خالد بن الوليد له، لأنّه رآه مثوّرا للعامّة و مغريا لهم- كما هو الشأن في حمل التّبعات على القادة و الرؤساء- إذ العامّة أتباع كلّ ناعق، و مجرّد النّطق بالشهادتين مانع من القتل لأجل الكفر، و بقي القتل لأجل حقوق الإسلام، و قد ثبت القتل على الصلاة، و ثبتت مقارنة الزّكاة للصلاة في آيات القرآن ... و كلمة الشهادة قد يسهل النّطق بها على من لم يعتقد الإسلام، فجعلت الصلاة و الزكاة دليلا على صدق المسلم فيما نطق به ...

و قال الشيخ محمد زاهد الكوثري (رحمه اللَّه):

كان مالك بن نويرة قدم المدينة و أسلم، فاستعمله النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) على جباية زكاة قومه، و لذلك ذكره من ذكره في عداد الصّحابة، و بعد وفاته (صلّى اللَّه عليه و سلم) خان العهد و التحقق بسجاح المتنبّئة، و أبي دفع الزكاة مرارا و تكرارا عند مناقشته في ذلك، و اجترأ أن يقول: صاحبكم يقول كذا، فمثل خالد (رضوان اللَّه عليه) في صرامته و حزمه ضدّ أهل الرّدّة- و هو شاهد يرى ما لا يراه الغائب- إذا قسا على مثل مالك هذا، لا يعدّ أنه اقترف ذنبا، و القتل و السبي من أحكام الرّدّة.

و أمّا ما يحاك حول زواج خالد بامرأة مالك من الخيالات الشائنة فليس إلّا صنع يد الكذّابين، و لم يذكر منه شي‏ء بسند متّصل فضلا عن أن يكون مرويا برجال ثقات. و تزوّج خالد المسبيّة بعد انقضاء عدّتها هو الواقع في الروايات عند ابن جرير و ابن كثير و غيرهما، و لا غبار على ذلك، لأنّ مالكا إن قتل خطأ فقد انقضت عدّة امرأته ثمّ تزوّجت، و إن قتل عمدا على الرّدّة فقد انقضت عدّة امرأته أيضا فتزوّجت، فما ذا في هذا؟!! و لو صحّت رواية قتله لمسلم بغير حقّ و نزوه على امرأته بدون نكاح لاستحال أن يبقيه أبو بكر (رضوان اللَّه عليه) في قيادة الجيش لبعده رضي اللَّه عنه عن الاعتضاد بفاجر سفّاك، و لسان سيرته يقول في كلّ موقف: وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً و لما يعود من ذلك على الإسلام من سوء القالة في أخطر الأيام- أيام حرب الرّدّة- و قد

35

____________

[ ()] لقّب الوحي خالدا بلقب «سيف اللَّه» تشريفا له، أ فلا يكون من المحال أن يصف الوحي بهذا اللّقب سفّاكا فاجرا؟! و أمّا أداء الصّدّيق ديته من بيت المال فاقتداء بالمصطفى (صلّى اللَّه عليه و سلم) فيما فعله في وقعة بني جذيمة تهدئة للخواطر و تسكينا للنفوس في أثناء ثورانها، مراعاة للأبعد في باب السياسة، و إنّما عابه على النّكاح في أثناء الحرب على خلاف تقاليد العرب. و أمّا ما يعزى إلى عمر رضي اللَّه عنه من الكلمات القاسية في خالد، فيكفي في إثبات عدم صحّتها قول عمر عند عزله خالدا: (ما عزلتك عن ريبة) بل لو صحّ ذلك عنه لرماه بالجنادل و قتله رجما بالحجارة، لأنّ الإسلام لا يعرف المحاباة ...

و لا شكّ أنّ خالدا من أعاظم المجتهدين في علم تعبئة الجيوش و تدبير الحروب فلو تنزّلنا غاية التنزّل و قلنا إنّه أخطأ في قتله- و هو شاهد- و أصاب من استنكر عمله- و هو غائب- وجب الاعتراف بأنّ الإثم مرفوع عنه، و إليه يشير ما يروى عن أبي بكر أنّه قال: هبه يا عمر تأوّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد. على أنّ خالدا أخذ في عمله بالظاهر الراجح فيكون غير متأوّل في الحقيقة، و ليس في استطاعة أحد أن يسوق سندا واحدا صحيحا يصم خالدا بمخالفة الشرع في هذه المسألة، مع أنّ خبر الآحاد لا يفيد علما في مثل هذا الموضوع، و هذا المطلب علميّ يحتاج إلى دليل يفيد العلم.

و أمّا أسطورة التأثيف فغير ثابتة لأنّها من مقطوعات ابن شهاب الزّهريّ، و مراسيله شبه الريح عند يحيى بن سعيد القطّان و غيره، و سماع ابن عقبة منه ينفيه الحافظ الإسماعيل كما في (أحكام المراسيل) و (تهذيب التهذيب). و يقول ابن معين في محمد بن فليح الراويّ عن ابن عقبة:

ليس بثقة، و الزّبير بن بكّار الراويّ عنه كثير المناكير.

و خالد بطل عظيم من أبطال الإسلام، و قائد عبقريّ له مواقف عظيمة في سبيل الإسلام في مؤتة و بلاد اليمن و الشام و العراق، و به زال أهل الرّدّة من الوجود، فتصوير مثله بصورة رجل شهوانيّ سفّاح ممّا ينادى على مصوّرة بالويل و الثبور.

و لا يخفى على القارئ الكريم مبلغ سعي أعداء الإسلام في كل دور، و وجوه تجدّد مكرهم في كلّ طبقة، فمن ألوان مكرهم في عهد تدوين الروايات اندساس أناس منهم بين نقلة الأخبار متلفعين بغير أزيائهم لترويج أكاذيب بينهم لتشويه سمعة الإسلام و سمعة القائمين بالدعوة إلى الإسلام، فراجت تلك الأخبار على نقلة لم يؤتوا بصيرة نافذة فخلّدوها في الكتب، لكنّ اللَّه سبحانه أقام ببالغ فضله جهابذة تضع الموازين القسط لتعرف الأنباء الصّافية العيار من بهرج الأخبار، فأصبحت شئون الإسلام و أنباء الإسلام في حرز أمين من دسّ الدّساسين عند من يحذق وزنها بتلك الموازين.

و من رجال كتب السّير محمد بن إسحاق، و قد كذّبه كثير من أهل النقد، و من قوّاه اشترط في رواياته شروطا لا تتوفّر في مواضع الريبة من مروياته، و روايته زياد البكائي مختلف فيه، ضعّفه النّسائيّ، و تركه ابن المديني، و قال أبو حاتم: لا يحتجّ به، و منهم هشام بن محمد الكلبيّ و أبوه، و هما معروفان بالكذب. و منهم محمد بن عمر الواقديّ و قد كذّبه أناس، و الذين وثّقوه لا ينكرون أنّ في رواياته كثيرا من الأخبار الكاذبة، لأنّه كان يروي عمّن هبّ و دبّ، و الخبر لا يسلم ما لم يسلم سنده. و منهم سيف بن عمر التميميّ، يقول عنه أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقديّ، و قال الحاكم: اتهم بالزّندقة و هو في الرواية ساقط، و قال ابن‏

36

و ذكر ابن الأثير في (كامله) [ (1)] و في (معرفة الصحابة) [ (2)] قال: لما توفّي النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و ارتدّت العرب، و ظهرت سجاح و ادّعت النّبوّة صالحها مالك، و لم تظهر منه ردّة، و أقام بالبطاح، فلمّا فرغ خالد من أسد و غطفان سار إلى مالك و بثّ سراياه فأتى بمالك. فذكر الحديث، و فيه: فلمّا قدم خالد قال عمر: يا عدوّ اللَّه قتلت امرأ مسلما ثمّ نزوت على امرأته، لأرجمنّك، و فيه أنّ أبا قتادة شهد أنّهم أذّنوا و صلّوا.

و قال الموقّريّ [ (3)]، عن الزّهريّ قال: و بعث خالد إلى مالك بن نويرة

____________

[ ()] حبّان: قالوا إنّه كان يضع الحديث و يروي الموضوعات عن الأثبات. و منهم موسى بن عقبة، و قد أثنوا عليه خيرا إلّا أنّ رواياته هي عن ابن شهاب الزهريّ، و يدّعي الحافظ الإسماعيلي أنّه لم يسمع منه شيئا، و ابن شهاب الزهري تغلب عليه المراسيل في المغازي و السير، و مراسيله شبه الريح عند أهل النقد كما سبق. و منهم محمد بن عائذ الدمشقيّ، يقول عنه أبو داود: هو كما شاء اللَّه. و هذه نماذج من حملة الروايات في السير و المغازي، و التهم الموجّهة إلى بعضهم في باب الرواية تدعو الحريص على العلم الصحيح إلى إمعان النّظر فيما يكتب في السير. أ ه-.

و قال الدكتور عزّت علي عطيّة في مؤلّفه: (البدعة- تحديدها و موقف الإسلام منها- ص 67):

من المعلوم أنّ الأخبار التاريخية يتسامح فيها بما لا يتسامح فيه فيما يتّصل بنقل السّنّة. انتهى-.

لذلك نرى الذهبيّ و غيره من المؤرّخين ينقلون في كتبهم التاريخية نصوصا غير محقّقة اعتمادا على ذكر السّند.

و قد أثبت أكثر هؤلاء أسماء رواة الأخبار التي أوردوها ليكون الباحث على بصيرة من كلّ خبر بالبحث عن حال رواية. و قد وصلت إلينا هذه التركة لا على أنّها هي تاريخنا، بل على أنّها مادّة غزيرة للدرس و البحث، يستخرج منها تاريخنا، و هذا ممكن و ميسور إذ تولّاه من يلاحظ مواطن القوّة و الضّعف في هذه المراجع، و له من الا لمعيّة ما يستخلص به حقيقة ما وقع، و يجرّدها عمّا لم يقع مكتفيا بأصول الأخبار الصحيحة، مجرّدة عن الزّيادات الطارئة عليها، و قد آن لنا أن نقوم بهذا الواجب. من حواشي الأستاذ محبّ الدين الخطيب على (العواصم من القواصم).

و في «لسان الميزان للحافظ ابن حجر» و غيره تفصيل سبب إيراد بعضهم كلّ ما ورد في الموضوع الّذي يدوّنونه، و ذلك أنّهم يوردون السّند فيتركون للمطّلع معرفة الصّحيح من الملفّق للدخيل (انظر مقالات الكوثري ص 312 الطبعة الأولى).

و انظر حول هذا الموضوع أيضا كتاب «أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ»، للدكتور إبراهيم شعوط، و كتاب «مالك و متمّم بن نويرة اليربوعي» للدكتورة ابتسام مرهون الصفّار.

[ (1)] الكامل في التاريخ 2/ 358.

[ (2)] أسد الغابة في معرفة الصحابة 4/ 295.

[ (3)] في (تهذيب التهذيب 11/ 148): يروي عن الزّهريّ عدّة أحاديث ليس لها أصول، روى عن الزهري أشياء موضوعة لم يروها الزهريّ قطّ. و نسب كلّ جرح إلى مصدره.

37

سريّة فيهم أبو قتادة، فساروا يومهم سراعا حتى انتهوا إلى محلّة الحيّ، فخرج مالك في رهطه فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المسلمون، فزعم أبو قتادة أنّه قال: و أنا عبد اللَّه المسلم، قال: فضع السلاح، فوضعه في اثني عشر رجلا، فلمّا وضعوا السلاح ربطهم أمير تلك السّريّة و انطلق بهم أسارى، و سار معهم السّبي حتى أتوا بهم خالدا، فحدّث أبو قتادة خالدا أنّ لهم أمانا و أنّهم قد ادّعوا إسلاما، و خالف أبا قتادة جماعة السّريّة فأخبروا خالدا أنّه لم يكن لهم أمان، و إنّما أسروا قسرا [ (1)]، فأمر بهم خالد فقتلوا و قبض سبيهم، فركب أبو قتادة فرسه و سار قبل أبي بكر. فلمّا قدم عليه قال: تعلم أنّه كان لمالك بن نويرة عهد و أنّه ادّعى إسلاما، و إنّي نهيت خالدا فترك قولي و أخذ بشهادات الأعراب الذين يريدون الغنائم، فقام عمر فقال: يا أبا بكر إنّ في سيف خالد رهقا، و إنّ هذا لم يكن حقّا فإنّ حقا عليك أن تقيّده، فسكت أبو بكر [ (2)].

و مضى خالد قبل اليمامة، و قدم متمّم بن نويرة فأنشد أبا بكر مندبة ندب بها أخاه، و ناشده في دم أخيه و في سبيهم، فردّ إليه أبو بكر السّبي، و قال لعمر و هو يناشد في القود: ليس على خالد ما تقول، هبه تأوّل فأخطأ.

قلت و من المندبة:

و كنّا كندماني جذيمنة [ (3)] حقبة* * * من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا

فلمّا تفرّقنا كأنّي و مالكا* * * لطول اجتماع [ (4)] لم نبت ليلة معا [ (5)]

____________

[ (1)] في (ع) (قهرا) بدل (قسرا) و كذلك في (ح).

[ (2)] انظر: تاريخ خليفة- ص 104، و تاريخ الطبري 3/ 278، و الأغاني 15/ 301، و الكامل في التاريخ 2/ 358، و سير أعلام النبلاء 1/ 377.

[ (3)] ندمانا جذيمة: هما مالك و عقيل ابنا فارح بن كعب، نادما جذيمة، و كانا قد ردّا على ابن أخته عمرو بن عديّ فسألهما حاجتهما فسألاه منادمته، فكانا نديميه ثم قتلهما. (انظر حاشية رقم (4) من تاريخ خليفة- ص 105).

[ (4)] هكذا في الأصل و المصادر المختلفة، و في المنتقى لابن الملّا «افتراق» و هو وهم.

[ (5)] البيتان من جملة أبيات في: الطبقات الكبرى ج 3 ق 2/ 275، الكامل للمبرّد 3/ 242،

38

قتال مسيلمة الكذّاب‏

ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: سار بنا خالد إلى اليمامة إلى مسيلمة، و خرج مسيلمة بمجموعة فنزلوا بعقرباء [ (1)] فحلّ بها خالد عليهم، و هي طرف اليمامة، و جعلوا الأموال خلفها كلّها و ريف اليمامة وراء ظهورهم.

و قال شرحبيل بن مسيلمة [ (2)]: يا بني حنيفة اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم ستردف النّساء سبيّات و ينكحن غير حظيات [ (3)]، فقاتلوا عن أحسابكم، فاقتتلوا بعقرباء قتالا شديدا، فجال المسلمون جولة، و دخل ناس من بني حنيفة فسطاط خالد و فيه مجّاعة أسير، و أمّ تميم امرأة خالد، فأرادوا أن يقتلوها فقال مجّاعة: أنا لها جار، و دفع عنها، و قال ثابت بن قيس حين رأى المسلمين مدبرين: أف لكم و لما تعملون، و كرّ المسلمون فهزم اللَّه العدوّ، و دخل نفر من المسلمين فسطاط خالد فأرادوا قتل مجّاعة، فقالت أمّ تميم: و اللَّه لا يقتل و أجارته. و انهزم أعداء اللَّه حتى إذا كانوا عند حديقة الموت اقتتلوا عندها، أشدّ القتال. و قال محكّم بن الطّفيل: يا بني حنيفة ادخلوا الحديقة [ (4)]

____________

[ ()] الشعر و الشعراء 255، طبقات فحول الشعراء 173، أمالي اليزيدي 25، تاريخ خليفة 105، 106، الأغاني 15/ 308، حور العين للحميري 132، الكامل في التاريخ 2/ 360، البداية و النهاية 6/ 322.

و ورد في حاشية الأصل، و في متن النسخة (ح) بعد البيتين: «و من الروايات ما يزعم أن مالك بن نويرة قاتل المسلمين برجاله، فقتل».

[ (1)] في النسخ كلها و المنتقى لابن الملا (بعفرا) فصححتها من تاريخ الطبري 3/ 297 و معجم البلدان 4/ 135.

[ (2)] في طبعة القدسي 3/ 32 «سلمة»، و التصحيح من تاريخ الطبري 3/ 288 و 299، و الكامل لابن الأثير 2/ 362.

[ (3)] في تاريخ الطبري: «قبل أن تستردف النساء غير رضيّات، و ينكحن غير خطيبات» (3/ 299) و انظر (3/ 288) و الكامل لابن الأثير 2/ 362.

[ (4)] محرّفة في الأصل. و التصحيح من جميع النسخ الأخرى، و تاريخ خليفة- ص 109.

و الحديقة هي الحائط (الطبري 3/ 300) أو البستان المسوّر بالجدران. و البساتين كثيرة في قرى اليمامة.

39

فإنّي سأمنع أدباركم، فقاتل دونهم ساعة و قتل، و قال مسيلمة: يا قوم قاتلوا عن أحسابكم، فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى قتل مسيلمة.

و حدّثني مولى بني نوفل [ (1)].

و قال الموقّريّ، عن الزّهري: قاتل خالد مسيلمة و من معه من بني حنيفة، و هم يومئذ أكثر العرب عددا و أشدّه شوكة، فاستشهد خلق كثير، و هزم اللَّه بني حنيفة، و قتل مسيلمة، قتله وحشيّ بحربة [ (2)].

و كان يقال: قتل وحشيّ خير أهل الأرض بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) شرّ أهل الأرض [ (3)].

و عن وحشيّ قال: لم أر قطّ أصبر على الموت من أصحاب مسيلمة، ثمّ ذكر أنّه شارك في قتل مسيلمة.

و قال ابن عون، عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: لمّا كان يوم اليمامة دخل ثابت بن قيس فتحنّط، ثم قام فأتى الصّفّ و النّاس منهزمون فقال: هكذا عن وجوهنا، فضارب القوم ثم قال: بئسما عوّدتم أقرانكم، ما هكذا كنّا نقاتل مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) فاستشهد رضي اللَّه عنه [ (4)].

و قال الموقّريّ، عن الزّهريّ قال: ثمّ تحصّن من بني حنيفة من أهل اليمامة ستة آلاف مقاتل في حصنهم، فنزلوا على حكم خالد فاستحياهم.

و قال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: و عمدت بنو حنيفة حين انهزموا إلى الحصون فدخلوها، فأراد خالد أن ينهد إليهم الكتائب، فلم‏

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 109، و تاريخ الطبري 3/ 288 و 299، و الكامل لابن الأثير 2/ 362.

[ (2)] عن عبد اللَّه بن عمر قال: سمعت رجلا يومئذ يصرح يقول: قتله العبد الأسود. (تاريخ خليفة 109، تاريخ الطبري 3/ 291).

[ (3)] كان وحشيّ يقول: «قتلت خير الناس في الجاهلية و شرّ الناس في الإسلام». (أسد الغابة لابن الأثير 5/ 83).

[ (4)] في الحديث أنه كان مع سالم مولى أبي حذيفة فقالا: ما هكذا كنّا نقاتل مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فجعلا لأنفسهما حفرة فدخلا فيها، فقاتلا حتى قتلا. (مجمع الزوائد للهيثمي 9/ 322).

40

يزل مجّاعة حتّى صالحه على الصّفراء و البيضاء و الحلقة و الكراع، و على نصف الرقيق، و على حائط من كلّ قرية، فتقاضوا على ذلك [ (1)].

و قال سلامة بن عمير الحنفيّ: يا بني حنيفة قاتلوا و لا تقاضوا خالدا على شي‏ء، فإنّ الحصن حصين، و الطعام كثير، و قد حضر النّساء، فقال مجّاعة: لا تطيعوه فإنّه مشئوم. فأطاعوا مجّاعة. ثمّ إنّ خالدا دعاهم إلى الإسلام و البراءة ممّا كانوا عليه، فأسلم سائرهم [ (2)].

و قال ابن إسحاق، إنّ خالدا قال: يا بني حنيفة ما تقولون؟ قالوا: منّا نبيّ و منكم نبيّ، فعرضهم على السيف، يعني العشرين الذين كانوا مع مجّاعة بن مرارة، و أوثقه هو في الحديد، ثم التقى الجمعان فقال زيد بن الخطّاب حين كشف النّاس: لا نجوت بعد الرجال، ثم قاتل حتى قتل [ (3)].

و قال ابن سيرين: كانوا يرون أنّ أبا مريم الحنفي [ (4)] قتل زيدا.

و قال ابن إسحاق: رمى عبد الرحمن بن أبي بكر محكّم اليمامة بن طفيل بسهم فقتله [ (5)].

قلت: و اختلفوا في وقعة اليمامة متى كانت: فقال خليفة بن خياط [ (6)]، و محمد بن جرير الطبري [ (7)]: كانت في سنة إحدى عشرة.

قال عبد الباقي بن قانع: كانت في آخر سنة إحدى عشرة.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 3/ 298.

[ (2)] تاريخ الطبري 3/ 299.

[ (3)] تاريخ الطبري 3/ 290.

[ (4)] هو القاضي. انظر الطبري 4/ 95، و تاريخ خليفة- ص 108.

[ (5)] تاريخ الطبري 3/ 288، تاريخ خليفة- ص 109.

[ (6)] لم يقل خليفة ما ذكره الذهبي، و إنّما ذكر حوادث الوقعة في السنة الحادية عشرة. (تاريخ خليفة 107 و ما بعدها).

[ (7)] انظر تاريخه- ج 3/ 281 و ما بعدها.

41

و قال أبو معشر: كانت اليمامة في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة. فجميع من قتل يومئذ أربعمائة و خمسون رجلا [ (1)].

و قال الواقدي: كانت سنة اثنتي عشرة، و كذلك قال أبو نعيم، و معن ابن عيسى، و محمد بن سعد كاتب الواقديّ و غيرهم.

قلت: و لعلّ مبدأ وقعة اليمامة كان في آخر سنة إحدى عشرة كما قال ابن قانع، و منتهاها في أوائل سنة اثنتي عشرة، فإنّها بقيت أياما لمكان الحصار. و سأعيد ذكرها و الشهداء بها في أوّل سنة اثنتي عشرة إن شاء اللَّه.

____________

[ (1)] تاريخ خليفة- ص 111.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

المتوفّون هذه السّنة

وفاة فاطمة رضي اللَّه عنها و هي سيّدة نساء هذه الأمّة

كنيتها فيما بلغنا أمّ أبيها [ (1)]، دخل بها عليّ بعد وقعة بدر، و قد استكملت خمس عشرة سنة أو أكثر.

روى عنها: ابنها الحسين، و عائشة، و أمّ سلمة، و أنس، و غيرهم.

و قد ذكرنا أنّ النّبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) أسرّ إليها في مرضه.

و قالت لأنس: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)؟. و لها مناقب مشهورة و لقد جمعها أبو عبد اللَّه الحاكم [ (2)]. و كانت أصغر من زينب، و رقيّة، و انقطع نسب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إلّا منها، لأنّ أمامة

____________

[ (1)] مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لابن المغازلي- ص 213 رقم 392 من طريق كثير بن يزيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، و ذيل المذيّل للطبري 499.

[ (2)] في المستدرك على الصحيحين 3/ 151 و ما بعدها.

44

بنت بنته زينب تزوّجت بعليّ، ثمّ بعده بالمغيرة بن نوفل، و جاءها منهما أولاد.

قال الزّبير بن بكّار [ (1)]: انقرض عقب زينب.

و صحّ عن المسور أنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

«إنّما فاطمة بضعة منّي يريبني ما رابها و يؤذيني ما آذاها» [ (2)].

و في فاطمة و زوجها و بنيها نزلت: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ (3)]

فجلّلهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بكساء و قال:

«اللَّهمّ هؤلاء أهل بيتي» [ (4)].

و أخرج التّرمذيّ [ (5)]، من حديث عائشة أنّها قيل لها: أيّ النّاس كان أحبّ إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)؟ قالت: فاطمة من قبل النّساء، و من الرجال زوجها، و إن كان ما علمت قوّاما.

____________

[ (1)] نسب قريش- ص 22.

[ (2)] أخرجه البخاري في النكاح 6/ 158 باب ذبّ الرجل عن ابنته في الغير و الإنصاف، و أبو داود في النكاح 2/ 226 رقم 2071 باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، و الترمذي في المناقب 5/ 359 رقم 3959 باب ما جاء في فضل فاطمة رضي اللَّه عنها، و أحمد في المسند 4/ 328، و انظر مناقب علي لابن المغازلي 235 و 236 رقم 428 و 429.

[ (3)] سورة الأحزاب- الآية 33.

[ (4)] رواه الترمذي في المناقب 5/ 361 رقم 3963 باب ما جاء في فضل فاطمة رضي اللَّه عنها، من طريق سفيان، عن زبيد، عن شهر بن حوشب، عن أمّ سلمة: أنّ النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) جلّل على الحسن و الحسين و عليّ و فاطمة كساء ثم قال: «اللَّهمّ هؤلاء أهل بيتي و حامتي، أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا» فقالت أم سلمة: و أنا معهم يا رسول اللَّه! قال: «إنّك على خير».

و هو حديث حسن صحيح، و هو أحسن شي‏ء روي في هذا الباب.

[ (5)] في المناقب 5/ 362 رقم (3965) باب ما جاء في فضل فاطمة رضي اللَّه عنها، رواه عن حسين بن يزيد الكوفي، عن عبد السلام بن حرب، عن أبي الجحّاف، عن جميع بن عمير التيميّ قال: دخلت مع عمّتي على عائشة فسئلت: أيّ الناس كان أحبّ إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)؟

قالت: فاطمة، فقيل: من الرجال، قالت: زوجها، إن كان ما علمت صوّاما قوّاما».

هذا حديث حسن غريب.

45

و في التّرمذيّ [ (1)]، عن زيد بن أرقم أنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال‏

لعليّ و فاطمة و ابنيهما: «أنا حرب لمن حاربكم و سلم لمن سالمكم».

و قد أخبرها أبوها أنّها سيّدة نساء هذه الأمّة في مرضه كما تقدّم.

و خلّفت من الأولاد: الحسن، و الحسين، و زينب، و أمّ كلثوم. فأمّا زينب فتزوّجها عبد اللَّه بن جعفر، فتوفّيت عنده و ولدت له عونا و عليّا. و أمّا أمّ كلثوم فتزوّجها عمر، فولدت له زيدا، ثمّ تزوجها بعد قتل عمر عون بن جعفر فمات، ثمّ تزوّجها أخوه محمد بن جعفر، فولدت له بنته، ثم تزوّج بها أخوه [ (2)] عبد اللَّه بن جعفر، فماتت عنده. قاله الزّهريّ.

و قال الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختريّ قال: قال عليّ لأمّه:

اكفي فاطمة الخدمة خارجا، و تكفيك العمل في البيت: العجن و الخبز و الطّحن.

أبو العبّاس السّرّاج: ثنا محمد بن الصبّاح، ثنا عليّ بن هاشم، عن كثير النّواء، عن، عمران بن حصين،

أنّ النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) عاد فاطمة و هي مريضة فقال لها: «كيف تجدينك»؟ قالت: إنّي وجعة و إنّه ليزيدني أنّي ما لي طعام آكله، قال: «يا بنيّة أما ترضين أن تكوني سيّدة العالمين»، قالت: فأين مريم؟ قال: «تلك سيّدة نساء عالمها، و أنت سيّدة نساء عالمك، أما و اللَّه لقد زوّجتك سيّدا في الدنيا و الآخرة».

هذا حديث ضعيف [ (3)]، و أيضا فقد سقط بين كثير و عمران رجل.

____________

[ (1)] في المناقب 5/ 360 رقم (3962) و لفظه: «أنا حرب لمن حاربتم و سلم لمن سالمتم» و قال:

هذا حديث غريب إنّما نعرفه من هذا الوجه.

[ (2)] في (ع) و منتقى أحمد الثالث: أخوهما.

[ (3)] الحديث ضعيف كما قال الحافظ، و لكن يقوّيه ما

في صحيح البخاري 4/ 183 في المناقب، من حديث السيدة عائشة، قول الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلم): «أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنة. و نساء المؤمنين ...».

46

و قال علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

«أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد، و فاطمة بنت محمد، و مريم، و آسية».

رواه أبو داود [ (1)].

و قال أبو جعفر الرازيّ [ (2)] عن ثابت، عن أنس مثله مرفوعا و لفظه:

(خير نساء العالمين أربع) [ (3)]

و قال معمر عن قتادة، عن أنس رفعه:

(حسبك من نساء العالمين أربع [ (4)])

و ذكرهنّ. و يروى نحوه من حديث أبي هريرة و غيره.

و قال ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة قالت:

ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما و حديثا برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من فاطمة، و كانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبّلها و رحّب بها كما كانت هي تصنع به، و قد شبّهت عائشة مشيتها بمشية النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) [ (5)].

و قد كانت وجدت على أبي بكر حين طلبت سهمها من فدك،

فقال:

سمعت النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«ما تركنا صدقة» [ (6)].

____________

[ (1)] و رواه الحاكم في المستدرك 3/ 160 و قال: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه، و ابن عبد البر في الاستيعاب 4/ 376.

[ (2)] هكذا في النسخ، و في نسخة دار الكتب «البخاري».

[ (3)] رواه الحاكم في المستدرك 3/ 154 و قال: تفرّد مسلم بإخراج حديث أبي موسى، و ابن عبد البر في الاستيعاب 4/ 377.

[ (4)] رواه الحاكم في المستدرك 3/ 158 و قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه بهذا اللفظ، فإنّ‏

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم): «حسبك من نساء العالمين يسوي بين نساء الدنيا».

[ (5)] رواه أبو داود في الأدب 4/ 355 رقم (5217) باب ما جاء في القيام، و الترمذي في المناقب 5/ 361، 362 رقم (3964) باب ما جاء في فضل فاطمة رضي اللَّه عنها، و الحاكم في المستدرك 3/ 154 و قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه. و رواه أيضا في ج 3/ 160، و ابن سعد في الطبقات 8/ 26، 27.

[ (6)] مرّ تخريج هذا الحديث في الصفحة 21، و انظر طبقات ابن سعد 8/ 28.

47

و قال أبو حمزة السّكري، عن ابن أبي خالد، عن الشّعبيّ قال:

لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر فاستأذن، فقال عليّ: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أ تحبّ أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له، فدخل عليها يترضّاها و قال: و اللَّه ما تركت الدار و المال و الأهل و العشيرة إلّا ابتغاء مرضاة اللَّه و رسوله و مرضاتكم أهل البيت، ثم ترضّاها حتى رضيت.

و قال الزهري عن عروة، عن عائشة، إنّ فاطمة عاشت بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) ستّة أشهر، و دفنت ليلا [ (1)].

و قال الواقديّ [ (2)]: هذا أثبت الأقاويل عندنا. و قال: و صلّى عليها العبّاس، و نزل في حفرتها هو و عليّ، و الفضل بن العبّاس [ (3)].

و قال سعيد بن عفير: ماتت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان، و هي بنت سبع و عشرين سنة [ (4)] أو نحوها، و دفنت ليلا.

و قال يزيد بن أبي زياد، عن عبد اللَّه بن الحارث قال: مكثت فاطمة بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) ستّة أشهر و هي تذوب [ (5)].

و قال أبو جعفر الباقر:

ماتت بعد أبيها بثلاثة أشهر [ (6)].

و روي عن الزّهري أنّها توفيت بعده بثلاثة أشهر [ (7)].

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 8/ 28 و 29.

[ (2)] ابن سعد 8/ 28، و الحاكم في المستدرك 3/ 162، و الطبري في الذيل 498.

[ (3)] ابن سعد 8/ 29.

[ (4)] و قيل: و هي ابنة تسع و عشرين. (المستدرك 3/ 162) و ابن سعد 8/ 28، و ذيل المذيّل للطبري 498.

[ (5)] من الحزن.

[ (6)] الحاكم في المستدرك 3/ 162.

[ (7)] ابن سعد في الطبقات 8/ 28، و ذيل المذيّل للطبري 498.

48

و روي عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: كان بينها و بين أبيها شهران. و هذا غريب [ (1)].

قلت: و الصحيح أنّ سنّها أربع و عشرون سنة رضي اللَّه عنها.

و قد روي عن أبي جعفر محمد بن عليّ‏

أنّها توفّيت بنت ثمان و عشرين سنة، كان مولدها و قريش تبني الكعبة، و غسّلها عليّ.

قال قتيبة: نا محمد بن موسى، عن عون بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، عن أمّه أمّ جعفر، و عن عمارة بن مهاجر، عن أمّ جعفر، أنّ فاطمة قالت لأسماء بنت عميس:

إني أستقبح ما يصنع بالنّساء: يطرح على المرأة الثّوب فيصفها، فقالت: يا بنت رسول اللَّه ألا أريك شيئا رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنّتها ثمّ طرحت عليها ثوبا، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا و أجمله، إذا متّ فغسّليني أنت و عليّ، و لا يدخلنّ عليّ أحد. فلمّا توفّيت جاءت عائشة [ (2)] تدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي، فشكت إلى أبي بكر، فجاء فوقف على الباب فكلّم أسماء فقالت: هي أمرتني، قال: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف.

قال ابن عبد البرّ [ (3)]: فهي أوّل من غطّى نعشها في الإسلام على تلك الصّفة.

وفاة أم أيمن‏

مولاة النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و حاضنته ورثها من أبيه، و اسمها بركة، من كبار المهاجرات، و قد زارها أبو بكر و عمر بعد موت النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) فبكت، فقال لها أبو بكر: أ تبكين! ما عند اللَّه‏

____________

[ (1)] رواه الحاكم في المستدرك 3/ 163.

[ (2)] «عائشة» ساقطة من منتقى أحمد الثالث.

[ (3)] في الاستيعاب 4/ 378، 379.

49

خير لرسوله. فقالت: ما أبكي لذلك، و لكن أبكي لأنّ الوحي انقطع عنّا من السماء، فهيّجتهما، على البكاء [ (1)].

توفّيت بعد النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) بخمسة أشهر [ (2)]. و هي أمّ أسامة بن زيد.

و من مناقب أمّ أيمن، قال جرير بن حازم: سمعت عثمان بن القاسم يقول: لما هاجرت أمّ أيمن أمست بدون الرّوحاء [ (3)] فعطشت و ليس معها ماء، فدلّي عليها من السّماء دلو فشربت، فكانت تقول: ما عطشت بعدها، عطشت و لقد تعرّضت للعطش فأصوم في الهواجر فما عطشت [ (4)].

و عن أبي الحويرث‏

أنّ أمّ أيمن قالت يوم حنين: «سبّت» اللَّه أقدامكم، فقال النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم): «اسكتي يا أمّ أيمن فإنّك عثراء اللّسان» [ (5)].

و ذكر الواقديّ أنّها بقيت إلى أوّل خلافة عثمان [ (6)].

(وفاة عبد اللَّه بن أبي بكر الصّدّيق) قيل: إنّه أسلم قديما، لكن لم يسمع له بمشهد، جرح يوم الطّائف، رماه يومئذ بسهم أبو محجن الثّقفيّ، فلم يزل يتألّم منه، ثمّ اندمل الجرح، ثمّ إنّه انتقض عليه. و توفّي في شوّال سنة إحدى عشرة، و نزل في حفرته عمر، و طلحة، و عبد الرحمن بن أبي بكر أخوه. ذكره محمد بن جرير و غيره [ (7)]. و قيل هو

____________

[ (1)] رواه مسلم في فضائل الصحابة (2454) باب من فضائل أم أيمن رضي اللَّه عنهما، و ابن ماجة في الجنائز 1/ 524 رقم 1635، و ابن سعد في الطبقات 8/ 226، و ابن الأثير في أسد الغابة 5/ 567، و أبو نعيم في الحلية 2/ 68.

[ (2)] أسد الغابة 5/ 568.

[ (3)] الرّوحاء: بين المدينة و مكة، من عمل الفرع. (معجم البلدان 3/ 76).

[ (4)] حلية الأولياء 2/ 67.

[ (5)] طبقات ابن سعد 8/ 225 و فيه «عسراء اللّسان».

[ (6)] طبقات ابن سعد 8/ 229 و كذا قال مصعب بن عبد اللَّه. انظر المستدرك للحاكم 4/ 64.

[ (7)] تاريخ الرسل و الملوك 3/ 241، و تاريخ خليفة- ص 117 و انظر عنه: نسب قريش- ص 277، و أنساب الأشراف للبلاذري 1/ 261، و ثمار القلوب للثعالبي 88 و 294، و المعرفة

50

الّذي كان يأتي بالطّعام و بأخبار قريش الى الغار تلك اللّيالي الثلاث.

عكّاشة [ (1)] بن محصن الاسديّ‏

أبو محصن، من السّابقين الأوّلين، دعا له النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) بالجنّة في حديث «سبقك بها عكاشة» و هو أيضا بدريّ أحديّ، استعمله النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) على سريّة الغمر [ (2)] فلم يلقوا كيدا.

و يروى عن أمّ قيس بنت محصن قالت: توفّي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و عكاشة ابن أربع و أربعين سنة. و قتل بعد ذلك بسنة ببزاخة [ (3)] في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة، و كان من أجمل الرجال.

____________

[ ()] و التاريخ للفسوي 2/ 117، و المعارف لابن قتيبة 172، 173، و الاستيعاب لابن عبد البرّ 3/ 874، 875 رقم 1484، و التاريخ الكبير للبخاريّ 5/ 2 رقم 2، و أسد الغابة لابن الأثير 3/ 199، و تهذيب الأسماء للنووي ق 1 ج 1/ 262 رقم 289، و البداية و النهاية لابن كثير 6/ 338، و الوافي بالوفيات للصفدي 17/ 85 رقم 72، و الإصابة لابن حجر 2/ 283، 284 رقم 4528، و عيون التواريخ للكتبي 1/ 497.

[ (1)] عكّاشة: بضمّ العين و تخفيف الكاف، و قيل بتشديدها. انظر عنه: طبقات ابن سعد 3/ 92، و طبقات خليفة 35، و تاريخ خليفة 102، 103، و التاريخ الكبير 7/ 86، و التاريخ الصغير 1/ 34، و المعارف 273، 274، و المحبّر 86 و 87 و 122، و أنساب الأشراف 1/ 301 و 308 و 372 و 376، و الجرح و التعديل 7/ 39، رقم 210 و مشاهير علماء الأمصار 16 رقم 50، و ربيع الأبرار 4/ 202، و فتوح البلدان 1/ 114، 115، و حلية الأولياء 2/ 12، 13 رقم 102، و الاستيعاب 8/ 112، و أسد الغابة 4/ 67، و تهذيب الأسماء و اللغات 1/ 338، و العبر 1/ 13، و سير أعلام النبلاء 1/ 307، 308 رقم 60، و مجمع الزوائد 9/ 304، و العقد الثمين 6/ 116، 117، و الإصابة 7/ 32، و شذرات الذهب 1/ 36، و البدء و التاريخ 5/ 104.

[ (2)] كذا في الأصل، و سير أعلام النبلاء 1/ 307 و في أنساب الأشراف 1/ 376 «غمر مرزوق:

على ليلتين من فيد». و في معجم البلدان 4/ 212 «الغمرة»، و كذا في سيرة ابن هشام 2/ 612 قال ياقوت: و هو منهل من مناهل طريق مكة، و منزل من منازلها. و هو فصل ما بين تهامة و نجد. و قال ابن الفقيه: غمرة من أعمال المدينة، على طريق نجد، أغزاها النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)، عكاشة بن محصن، في أربعين رجلا فذهبوا إلى الغمر، فعلم القوم بمجيئه فهربوا، و نزل على مياههم و أرسل عيونه، فعرفوا مكان ماشيتهم فغزاها، فوجد مائتي بعير، فساقها إلى المدينة.

[ (3)] قال الحاكم في المستدرك 3/ 228: و بزاخة: ماء لبني أسد كانت فيه وقعة عظيمة في أيام أبي بكر الصّدّيق مع طليحة بن خويلد الأسدي.

51

كذا روي أنّ بزاخة سنة اثنتي عشرة، و الصّحيح أنّها سنة إحدى عشرة. قتله طليحة الأسديّ [ (1)]. و قد أبلى عكاشة يوم بدر بلاء حسنا، و انكسر في يده سيف، فأعطاه النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) عرجونا أو عودا فعاد سيفا، فقاتل به، ثمّ شهد به المشاهد [ (2)].

روى عنه أبو هريرة [ (3)] و ابن عبّاس.

ثابت [ (4)] بن أقرم [ (5)]

بن ثعلبة بن عديّ بن عجلان، و بنو العجلان حلفاء بني زيد [ (6)] بن مالك [ (7)] بن عوف. شهد بدرا و المشاهد، سيّره خالد بن الوليد مع عكاشة طليعة على فرسين، فقتلهما طليحة و أخوه. و ذكر

____________

[ (1)] في طبقات ابن سعد 3/ 92، 93 عن الواقدي: «و أقبل خالد بن الوليد و معه المسلمون فلم يرعهم إلا ثابت بن أقرم قتيلا تطؤه المطيّ، فعظم ذلك على المسلمين، ثم لم يسيروا إلّا يسيرا حتى وطئوا عكاشة قتيلا، فثقل القوم على المطيّ، كما وصف واصفهم، حتى ما تكاد المطيّ ترفع أخفافها». «فوقفنا عليهما حتى طلع خالد يسيرا فأمرنا فحفرنا لهما و دفنّاهما بدمائهما و ثيابهما، و لقد وجدنا بعكاشة جراحات منكرة».

[ (2)] رواه ابن هشام في السيرة 1/ 637، بدون سند. و ابن كثير في السيرة 2/ 447 و قال: روى البيهقي، عن الحاكم، من طريق محمد بن عمر الواقدي، حدّثني عمر بن عثمان الخشنيّ، عن أبيه، عن عمّته، قال عكاشة: «انقطع سيفي يوم بدر فأعطاني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، عودا فإذا هو سيف أبيض طويل، فقاتلت به حتى هزم اللَّه المشركين، و لم يزل عنده حتى هلك».

و الخبر ضعيف لضعف الواقدي.

[ (3)] في المنتقى، نسخة أحمد الثالث «الزهري» بدل «أبو هريرة» و هو وهم.

[ (4)] طبقات ابن سعد 3/ 466، 467، و الجرح و التعديل 2/ 448 رقم 1803، و المعرفة و التاريخ 3/ 257، و تهذيب تاريخ دمشق 3/ 365- 367، و فتوح البلدان 1/ 114، 115، و تاريخ خليفة 102، 103، و تهذيب الأسماء و اللغات ق 1 ج 1/ 139، و عيون التواريخ 1/ 495، و جمهرة أنساب العرب 443، و تاريخ الطبري 2/ 640 و 3/ 40 و 254، و الاستيعاب 1/ 74، و أسد الغابة 1/ 220، و الوافي بالوفيات 10/ 453 رقم 4940، و الإصابة 1/ 190 رقم 872.

[ (5)] في المنتقى لابن الملّا، و السيرة الحلبية، و تهذيب الأسماء 1/ 139 رقم 91 «أرقم بدل «أقرم» و هو تحريف.

[ (6)] في نسخة دار الكتب «يزيد» و هو وهم.

[ (7)] كذا في الأصل. و في الأنساب، و عجالة المبتدي، و نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب:

«زيد بن غنم بن سالم بن عوف».

52

الواقديّ أنّ قتلهما كان يوم بزاخة سنة اثنتي عشرة، كذا قال [ (1)]. و كان ثابت من سادة الأنصار.

الوليد بن عمارة بن الوليد [ (2)] بن المغيرة المخزوميّ‏

أخو أبي عبيدة، قتلا بالبطاح [ (3)] مع عمّهما خالد في سنة إحدى عشرة، و أبوهما هو الّذي سار مع عمرو بن العاص إلى النّجاشيّ، و قصّته مشهورة. تأخّرت وفاته [ (4)].

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 3/ 467.

[ (2)] الاستيعاب 3/ 637، و أسد الغابة 5/ 92، و الإصابة 3/ 638، 639 رقم 9148، نسب قريش. 33.

[ (3)] البطاح: بضم الباء. ماء في ديار بني أسد.

[ (4)] كتب في حاشية الأصل هنا: «بلغت قراءة خليل بن أيبك على مؤلّفه، فسح اللَّه في مدّته، في الميعاد الثالث عشر، و للَّه الحمد».

53

سنة اثنتي عشرة

في أوائلها- على الأشهر- وقعة اليمامة، و أمير المسلمين خالد بن الوليد، و رأس الكفر مسيلمة الكذاب، فقتله اللَّه. و استشهد خلق من الصّحابة.

أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة

[ (1)] بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ. قيل اسمه مهشم [ (2)]، أسلم قبل دخول النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) دار الأرقم، و شهد بدرا و ما بعدها، و هاجر الهجرتين إلى الحبشة [ (3)]، فولد له بها محمد بن أبي حذيفة- الّذي حرّض المصريّين على قتال عثمان- من سهلة بنت سهيل بن عمرو.

و عن أبي الزّناد قال: دعا أبو حذيفة بن عتبة يوم بدر أباه إلى البراز، فقالت أخته هند بنت عتبة، و هي والدة معاوية:

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 3/ 84، 85، تاريخ خليفة 111، المعارف 272، الاستيعاب 4/ 39، 40، أسد الغابة 6/ 70- 72، تهذيب الأسماء و اللغات 2/ 212، العبر 1/ 14، سير أعلام النبلاء 1/ 164- 167 رقم 13، العقد الثمين 3/ 295، الإصابة 4/ 42، 43 رقم 264.

[ (2)] و قيل: هشيم، و قيل: هاشم، و قيل: قيس.

[ (3)] في سير أعلام النبلاء 1/ 165 «هاجر إلى الحبشة مرتين».

54

الأحول الأثعل الملعون [ (1)] طائره* * * أبو حذيفة شرّ النّاس في الدين‏

أما شكرت أبا ربّاك من [ (2)] صغر* * * حتّى شببت شبابا غير محجون [ (3)]

قال: و كان أبو حذيفة طويلا، حسن الوجه، مرادف الأسنان- و هو «الأثعل»- و كان أحول، و قتل يوم اليمامة و له ثلاث و خمسون سنة، رضي اللَّه عنه [ (4)].

سالم مولى أبي حذيفة [ (5)] ابن عتبة.

قال موسى بن عقبة: هو سالم بن معقل، أصله من إصطخر، و الى أبا حذيفة. و إنّما أعتقته ثبيتة [ (6)] بنت يعار [ (7)] الأنصاريّة زوجة أبي حذيفة، و تبنّاه أبو حذيفة.

قال ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد:

إنّ سهلة بنت سهيل بن عمرو أتت النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و هي امرأة أبي حذيفة فقالت: سالم معي، و قد أدرك ما

____________

[ (1)] في طبقات ابن سعد 3/ 85، و أسد الغابة 6/ 71 «المشئوم» و في سير أعلام النبلاء 1/ 166 «المذموم».

[ (2)] في المنتقى نسخة أحمد الثالث، و نسخة دار الكتب «في».

[ (3)] المحجون: من حجن يحجنه حجنا. عطفه. و المحجن: العصا المعوجّة.

[ (4)] طبقات ابن سعد 3/ 85.

[ (5)] طبقات ابن سعد 3/ 85- 88، و التاريخ الكبير 4/ 107 رقم 2131، و التاريخ الصغير 1/ 38، 40، و المعارف 273، و مشاهير علماء الأمصار 23 رقم 101، و جمهرة أنساب العرب 77، و المحبّر 71، 72 و 288 و 418، و أنساب الأشراف 1/ 224 و 239 و 258 و 264 و 270 و 297 و 469، و المعرفة و التاريخ 2/ 538 و 3/ 367، و الاستبصار 294- 296، و حلية الأولياء 1/ 176- 178 رقم 29، و الاستيعاب 4/ 101- 104، و أسد الغابة 2/ 307- 309، و تهذيب الأسماء و اللغات 1/ 206، 207 رقم 195، و عيون التواريخ 1/ 496، و الوافي بالوفيات 15/ 91 رقم 122، الإصابة 2/ 6- 8 رقم 3052.

[ (6)] و يقال بثينة. (الإصابة 2/ 6) و كذا في النسخ الخطّيّة لعيون التواريخ 1/ 496 حاشية رقم 2.

[ (7)] قيل «يعار»، و قيل «تعار». (أسد الغابة).