تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج5

- شمس الدين الذهبي المزيد...
565 /
5

الطبقة السابعة

[حوادث‏] سنة إحدى و ستين‏

توفي فيها: جرهد الأسلمي، و الحسين بن علي رضي اللَّه عنهما، و حمزة ابن عروة الأسلمي، و أم سلمة أمّ المؤمنين، و جابر بن عتيك بن قيس الأنصاري، و خالد بن عرفطة، و عثمان بن زياد ابن أبيه أخو عبيد اللَّه، توفي شابا و له ثلاث و ثلاثون سنة، و همّام بن الحارث، و هو مخضرم.

مقتل الحسين‏

و استشهد مع الحسين ستة عشر رجلا من أهل بيته. و كان من قصّته أنه توجّه من مكة طالبا الكوفة ليلي الخلافة.

و روى ذلك ابن سعد الكاتب من وجوه متعدّدة [ (1)]، قال بعد أن سرد عدّة أسطر، أسانيد و غير هؤلاء: حدّثني في هذا الحديث بطائفة، فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين رضي اللَّه عنه قالوا: لما أخذ البيعة معاوية لابنه يزيد، كان الحسين ممّن لم يبايع، و كان أهل الكوفة يكتبون إلى الحسين يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية، و هو يأبى، فقدم منهم قوم إلى محمد ابن الحنفية، و طلبوا إليه أن يخرج معهم، فأبى،

و جاء الحسين، فأخبره بما عرضوا عليه و قال: إنّ القوم إنّما يريدون أن يأكلونا و يشيطوا [ (2)] دماءنا، فأقام الحسين على ما هو عليه مهموما، يجمع الإقامة مرّة، و يريد أن يسير إليهم مرّة، فجاءه أبو سعيد الخدريّ فقال: يا أبا عبد اللَّه إنّي لك ناصح و مشفق،

____________

[ (1)] ما رواه ابن سعد هو في القسم غير المنشور من طبقاته، و هو في تاريخ دمشق.

[ (2)] أشاط الدم: سفكه و أراقه.

6

و قد بلغني أنّ قوما من شيعتكم كاتبوك، فلا تخرج فإنّي سمعت أباك بالكوفة يقول: و اللَّه إني لقد مللتهم، و أبغضوني و ملّوني، و ما بلوت منهم وفاء، و من فاز بهم، فإنّما فاز بالسهم الأخيب، و اللَّه ما لهم ثبات و لا عزم و لا صبر على السيف، قال: و قدم المسيّب بن نجبة [ (1)] الفزاري و عدّة معه إلى الحسين، بعد وفاة الحسن، فدعوه إلى خلع معاوية و قالوا: قد علمنا رأيك و رأي أخيك، فقال: إني لأرجو أن يعطي اللَّه أخي على نيّته، و أن يعطيني على نيّتي في حبّي جهاد الظالمين [ (2)].

و كتب مروان إلى معاوية: إنّي لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة، و أظنّ يومكم من حسين طويلا [ (3)].

فكتب معاوية إلى الحسين: إنّ من أعطى اللَّه تعالى صفقة يمينه و عهده لجدير بالوفاء، و قد أنبئت أنّ قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، و أهل العراق من قد جرّبت، قد أفسدوا على أبيك و أخيك، فاتّق اللَّه و اذكر الميثاق، فإنّك متى تكدني أكدك.

فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك، و أنا بغير الّذي بلغك عني جدير، و ما أردت لك محاربة، و لا عليك خلافا، و ما أظنّ لي عند اللَّه عذرا في ترك جهادك، و ما أعظم فتنة أعظم من ولايتك هذه الأمة [ (4)].

و قال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد اللَّه إلا أسدا [ (5)].

رواه بطوله الواقدي، عن جماعة، و عن أشياخهم.

و قال جويرية بن أسماء، عن نافع بن شيبة قال: لقي الحسين معاوية بمكة، فأخذ بخطام راحلته، فأناخ به، ثم سارّه طويلا و انصرف، فزجر معاوية راحلته، و قال له يزيد ابنه: لا تزال رجل قد عرض لك، فأناخ بك،

____________

[ (1)] بفتح النون و الجيم و الموحدة، على ما في الخلاصة 377.

[ (2)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 330.

[ (3)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 330.

[ (4)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 330.

[ (5)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 330.

7

قال: دعه لعلّه يطلبه من غيري، فلا يسوّغه، فيقتله [ (1)].

مروان بن سعد، عن المدائني، عن جويرية، ثم قال: رجع الحديث إلى الأول.

قالوا: و لما احتضر معاوية أرسل إلى يزيد فأوصاه و قال: انظر حسين ابن فاطمة، فإنه أحبّ الناس إلى الناس، فصل رحمه، و ارفق به، فإنّ بك منه شي‏ء، فإنّي أرجو أن يكفيكه اللَّه بمن قتل أباه و خذل أخاه [ (2)].

و لما بويع يزيد كتب إلى الوليد بن عتبة أمير المدينة: أن أدع الناس إلى البيعة، و ابدأ بوجوه قريش، و ليكن أول من تبدأ به الحسين، و ارفق به،

فبعث الوليد في الليل إلى الحسين و ابن الزبير، و أخبرهما بوفاة معاوية، و دعاهما إلى البيعة، فقالا: نصبح و ننظر فيما يصنع الناس، و وثبا فخرجا،

و أغلظ الوليد للحسين، فشتمه الحسين و أخذ بعمامته فنزعها، فقال الوليد:

إن هجنا بأبي عبد اللَّه إلا أسدا، فقيل للوليد: اقتله، قال: إنّ ذلك لدم مصون [ (3)].

و خرج الحسين و ابن الزبير لوقتهما إلى مكة، و نزل الحسين بمكة دار العباس. و لزم عبد اللَّه الحجر، فلبس المغافر، و جعل يحرّض على بني أميّة، و كان يتردّد إلى الحسين، و يشير عليه أن يقدم العراق و يقول له: هم شيعتكم، و كان ابن عباس يقول له: لا تفعل [ (4)].

و قال له عبد اللَّه بن مطيع: فداك أبي و أمّي متّعنا بنفسك و لا تسر إلى العراق، فو اللَّه لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذنّا خولا أو عبيدا [ (5)].

و قد لقي عبد اللَّه بن عمر، و عبد اللَّه بن عبّاس بن أبي ربيعة بالأبواء، منصرفين من العمرة، فقال لهما ابن عمر: أذكّركما اللَّه إلّا رجعتما، فدخلتما

____________

[ (1)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 330.

[ (2)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 330.

[ (3)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 330.

[ (4)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 331.

[ (5)] طبقات ابن سعد 5/ 145، و تهذيب تاريخ دمشق 4/ 331.

8

في صالح ما يدخل فيه الناس، و ننظر، فإن أجمع على يزيد الناس لم تشذّا [ (1)]، و إن افترقوا عليه كان الّذي تريدان [ (2)].

و قال ابن عمر للحسين: لا تخرج فإنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) خيّره اللَّه بين الدنيا و الآخرة، فاختار الآخرة، و إنك بضعة منه، و لا تنالها- عني الدنيا- فاعتنقه و بكى، و ودّعه، فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بالخروج، و لعمري لقد رأى في أبيه و أخيه عبرة، و رأى من الفتنة و خذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش [ (3)].

و قال له ابن عباس: أين تريد يا ابن فاطمة؟ قال: العراق و شيعتي، قال: إني لكاره لوجهك هذا، تخرج إلى قوم قتلوا أباك و طعنوا أخاك، حتى تركهم سخطة و ملّهم، أذكّرك اللَّه [أن‏] تغرّر بنفسك [ (4)].

الواقدي: حدّثني عبد اللَّه بن جعفر المخرمي [ (5)]، عن أبي عون قال:

خرج الحسين من المدينة، فمرّ بابن مطيع و هو يحفر بئره، فقال: إلى أين، فداك أبي و أمّي! متّعنا بنفسك و لا تسر، فأبى الحسين، قال: إنّ بئري هذه رشحها، و هذا اليوم ما خرج إلينا في الدلو، ماء، فلو دعوت لنا فيها بالبركة، قال: هات من مائها، فأتى بما في الدلو فشرب منه، ثم مضمض، ثم ردّه في البئر.

و قال أبو سعيد: غلبني الحسين على الخروج، و قد قلت له: اتّق اللَّه و الزم بيتك، و لا تخرج على إمامك، و كلّمه في ذلك جابر بن عبد اللَّه، و أبو واقد الليثي، و غيرهما.

____________

[ (1)] في الأصل «لم يشدوا».

[ (2)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 331.

[ (3)] تهذيب 4/ 331.

[ (4)] في (مجمع الزوائد ج 9 ص 192):

عن ابن عباس قال: استأذنني الحسين في الخروج فقلت: لو لا أن يزري ذلك بي أو بك لشبكت بيدي في رأسك، فكان الّذي رد عليّ أن قال:

لأن أقتل بمكان كذا و كذا أحب إليّ من أن يستحلّ بي حرم اللَّه و رسوله، قال: فذلك الّذي سلى نفسي عنه.

[ (5)] بفتح الميم، كما في الخلاصة 193.

9

و قال سعيد بن المسيّب: لو أنّ حسينا لم يخرج لكان خيرا له.

و قد كتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظّم عليه ما يريد أن يصنع، و تأمره بلزوم الجماعة، و تخبره أنه إنما يساق إلى مصرعه و تقول: أشهد

لحدّثتني عائشة أنها سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«يقتل حسين بأرض بابل» [ (1)]

و كتب إليه عبد اللَّه بن جعفر كتابا يحذّره أهل الكوفة، و يناشده اللَّه أن يشخص إليهم.

فكتب إليه الحسين: إني رأيت رؤيا، و رأيت فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و أمرني بأمر أنا ماض له، و لست بمخبر أحدا بها حتى ألاقي عملي [ (2)].

و لم يقبل الحسين غدا، و صمّم على المسير إلى العراق.

فقال له ابن عباس: و اللَّه إني لأظنّك ستقتل غدا بين نسائك و بناتك كما قتل عثمان، و إني لأخاف أن تكون الّذي يقاد به عثمان، ف

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

. فقال:

يا أبا العباس إنك شيخ قد كبرت،

فبكى ابن عباس و قال: أقررت عين ابن الزبير، و لما رأى ابن عباس عبد اللَّه بن الزبير قال له: قد أتى ما أحببت، هذا الحسين يخرج و يتركك و الحجاز. ثم تمثّل:

يا لك من قنبرة [ (3)] بمعمّر* * * خلا لك الجو [ (4)] فبيضي و اصفري‏

و نقّري ما شئت أن تنقري [ (5)]

و بعث الحسين إلى أهل المدينة، فسار إليه من خفّ معه من بني عبد المطّلب، و هم تسعة عشر رجلا، و نساء و صبيان، و تبعهم محمد بن الحنفيّة فأدرك أخاه الحسين بمكة، و أعلمه أنّ الخروج ليس له برأي، يومه هذا، فأبى الحسين عليه،

فحبس محمد ولده، فوجد عليه الحسين و قال:

ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه!

و بعث أهل العراق إلى الحسين الرسل،

____________

[ (1)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 332، 333.

[ (2)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 333.

[ (3)] في التاج: القبرة: طائر، الواحدة بهاء، و لا تقل قنبرة، أو لغية، و قد جاء ذلك في الرجز ...

[ (4)] في الأصل «خلا لك البر».

[ (5)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 334، تاريخ الطبري 5/ 384، الكامل في التاريخ 4/ 39، البداية و النهاية 8/ 160.

10

و الكتب يدعونه إليهم، فخرج من مكة متوجّها إلى العراق، في عشر ذي الحجّة، فكتب مروان إلى عبيد اللَّه بن زياد أمير الكوفة: أما بعد فإنّ الحسين قد توجّه إليك، و تاللَّه ما أحد أحبّ إلينا سلمة من الحسين، فإياك أن تفتح على الحسين ما لا يسدّه شي‏ء. و كتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: أما بعد، توجّه إليك الحسين، و في مثلها تعتق أو تسترق كما تسترقّ العبيد [ (1)].

و قال جرير بن حازم: بلغ عبيد اللَّه بن زياد مسير الحسين و هو بالبصرة، فخرج على بغاله هو و اثنا عشر رجلا حتى قدموا الكوفة، فاعتقد أهل الكوفة أنه الحسين و هو متلثّم، فجعلوا يقولون: مرحبا بابن بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و سار الحسين حتى نزل نهري كربلاء، و بعث عبيد اللَّه عمر بن سعد على جيش.

قال: و بعث شمر بن ذي الجوشن فقال: إن قتله و إلّا فأقتله و أنت على الناس [ (2)].

و قال محمد بن الضّحّاك الحزامي، عن أبيه: خرج الحسين إلى الكوفة، فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد اللَّه بن زياد: إنّ حسينا صائر إلى الكوفة، و قد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، و بلدك من بين البلدان، و أنت من بين العمال، و عندها تعتق أو تعود عبدا. فقتله ابن زياد و بعث برأسه إليه [ (3)].

و قال الزبير بن الخرّيت: سمعت الفرزدق يقول:

لقيت الحسين بذات عرق و هو يريد الكوفة، فقال لي: ما ترى أهل الكوفة صانعين؟ معي حمل بعير من كتبهم؟ قلت: لا شي‏ء، يخذلونك، لا تذهب إليهم. فلم يطعني [ (4)].

و قال ابن عيينة: حدّثني بجير، من أهل الثعلبيّة

، قلت له: أين كنت‏

____________

[ (1)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 335.

[ (2)] سير أعلام النبلاء 3/ 300.

[ (3)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 335.

[ (4)] سير أعلام النبلاء 3/ 304.

11

حين مرّ الحسين؟ قال: غلام قد أيفعت [ (1)]، قال: كان في قلّة من الناس، و كان أخي أسنّ منّي، فقال له: يا ابن بنت رسول اللَّه، أراك في قلّة من الناس! فقال بالسوط، و أشار إلى حقيبة الرحل: هذه [خلفي‏] [ (2)] مملوءة كتبا.

قال ابن عيينة: و حدّثني شهاب بن خراش، عن رجل من قومه قال:

كنت في الجيش الذين بعثهم عبيد اللَّه بن زياد إلى الحسين، و كانوا أربعة آلاف يريدون الدّيلم، فصرفهم عبيد اللَّه إلى الحسين، فلقيت حسينا، فرأيته أسود الرأس و اللحية، فقلت له: السلام عليك يا أبا عبد اللَّه، فقال: و عليك السلام، و كانت فيه غنّة.

قال شهاب: فحدّثت به زيد بن علي، فأعجبه قوله و كانت فيه غنّة [ (3)].

ابن سعد، عن الواقدي، و غيره، بإسنادهم، أنّ عمر بن سعد بن أبي وقّاص أرسل رجلا على ناقة إلى الحسين، يخبره بقتل مسلم بن عقيل، و كان قد بعثه الحسين إلى الكوفة كما مرّ في سنة ستين، فقال للحسين ولده علي الأكبر: يا أبه ارجع، فإنّهم أهل العراق و غدرهم، و قلّة وفائهم، و لا لك بشي‏ء، فقالت بنو عقيل: ليس هذا حين رجوع، و حرّضوه على المضيّ.

و قال الحسين لأصحابه:

قد ترون ما يأتينا، و ما أرى القوم إلا سيخذلوننا، فمن أحب أن يرجع فليرجع، فانصرف عنه جماعة،

و بقي فيمن خرج معه من مكة، فكانت خيلهم اثنين و ثلاثين فرسا [ (4)]. و أما ابن زياد فجمع المقاتلة و أمر لهم بالعطاء.

و قال يزيد الرشك: حدّثني من شافه الحسين قال:

رأيت أبنية مضروبة بالفلاة للحسين، فأتيته، فإذا شيخ يقرأ القرآن و الدموع تسيل على خدّيه، فقلت: بأبي و أمّي يا بن بنت رسول اللَّه، ما أنزلك هذه البلاد و الفلاة التي‏

____________

[ (1)] في الأصل «أينعت».

[ (2)] زيادة من سير الأعلام 3/ 305.

[ (3)] سير أعلام النبلاء 3/ 305.

[ (4)] في (المذكر و المؤنث لابن جني): الفرس يقع على الذكر و الأنثى.

12

ليس بها أحد؟ قال: هذه كتب أهل الكوفة إليّ، و لا أراهم إلا قاتليّ، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا للَّه حرمة إلا انتهكوها، فيسلّط اللَّه عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من فرم [ (1)] الأمة، يعني مقنّعتها.

قلت: ندب ابن زياد لقتال الحسين، عمر بن سعد بن أبي وقّاص.

فروى الزبير بن بكار، عن محمد بن حسين قال:

لما نزل عمر بن سعد بالحسين أيقن أنهم قاتلوه، فقام في أصحابه، فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: قد نزل بنا ما ترون، إنّ الدنيا قد تغيّرت و تنكّرت، و أدبر معروفها، و استمرت حتى لم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء، و إلا خسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون الحق لا يعمل به، و الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء اللَّه، و إني لا أرى الموت إلا سعادة، و الحياة مع الظالمين إلا برما [ (2)].

و قال خالد الحذّاء، عن الجريريّ، عن عبد اللَّه أو غيره‏

، إنّ الحسين لما أرهقه السلاح قال: ألا تقبلون منّي ما كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقبل من المشركين؟ قيل: و ما كان يقبل منهم؟ قال: كان إذا جنح أحدهم للسلم قبل منه، قالوا: لا، قال: فدعوني أرجع، قالوا: لا، قال: فدعوني آتي أمير المؤمنين يزيد. فأخذ له رجل السلاح، فقال له: أبشر بالنار، فقال: بل إن شاء اللَّه برحمة ربّي و شفاعة نبيّي،

قال: فقتل و جي‏ء برأسه حتى وضع في طست بين يدي ابن زياد [ (3)]، فنكته بقضيبه [ (4)] و قال: لقد كان غلاما صبيحا، ثم‏

____________

[ (1)] في الأصل «فدم»، و التحرير من تاريخ ابن جرير و النهاية حيث قال: هو بالتحريك ما تعالج به المرأة فرجها، و قيل: هو خرقة الحيض (انظر تاريخ الطبري 5/ 394).

[ (2)] في الأصل «ندما» و في مجمع الزوائد ج 9 ص 193 «برما» أي مللا و سآمة. و الخبر في المعجم الكبير للطبراني (2842) و حلية الأولياء 2/ 39، و تاريخ الطبري 5/ 403، 404.

[ (3)] في (مجمع الزوائد ج 9 ص 196) و (اللمعات البرقية في النكت التاريخية لمحمد بن طولون ص 3): روي من غير وجه عن عبد الملك بن عمير اللخمي الكوفي أنه قال: رأيت في هذا القصر- و أشار إلى قصر الإمارة بالكوفة- رأس الحسين بن علي رضي اللَّه عنهما بين يدي عبيد اللَّه بن زياد على ترس، ثم رأيت فيه رأس عبيد اللَّه بن زياد بين يدي المختار بن عبيد على ترس، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب على ترس، ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان على ترس ...

[ (4)] تاريخ الطبري 5/ 393.

13

قال: أيّكم قاتله؟ فقال الرجل، فقال: ما قال لك؟ فأعاد الحديث، فاسودّ وجهه [ (1)].

و روى ابن سعد في «الطبقات» بأسانيده، قالوا:

و أخذ الحسين طريق العذيب [ (2)]، حتى نزل قصر أبي مقاتل [ (3)]، فخفق خفقة، ثم انتبه يسترجع و قال: رأيت كأنّ فارسا يسايرنا و يقول: القوم يسيرون و المنايا تسري إليهم، فعلمت أنه نعى إلينا أنفسنا، ثم سار فنزل بكربلاء،

فسار إليه عمر بن سعد في أربعة آلاف كالمكره، و استعفى عبيد اللَّه فلم يعفه، و مع الحسين خمسون رجلا، و تحوّل إليه من الجيش عشرون رجلا، و كان معه من أهل بيته تسعة عشر رجلا، و قتل عامّة أصحابه حوله، و ذلك في يوم الجمعة يوم عاشوراء، و بقي عامة نهاره لا يقدم عليه أحد، و أحاطت به الرجّالة، فكان يشدّ عليهم فيهزمهم، و هم يتدافعونه، يكرهون الإقدام عليه، فصاح بهم شمر: ثكلتكم أمهاتكم ما ذا تنتظرون به؟ فطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته، ثم انتزع الرمح و طعن في بواني [ (4)] صدره، فخرّ رضي اللَّه عنه صريعا، و احتزّ رأسه خولي الأصبحي، لا (رحمه اللَّه) و لا رضي عنه [ (5)].

و قال أبو معشر [ (6)] نجيح، عن بعض مشيخته‏

، إنّ الحسين رضي اللَّه عنه قال حين نزلوا كربلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء، قال: كرب و بلاء، فبعث عبيد اللَّه عمر بن سعد فقابلهم، فقال الحسين: يا عمر اختر منّي إحدى ثلاث: إما تتركني أن أرجع، أو تسيّرني إلى يزيد فأضع يدي في‏

____________

[ (1)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 337.

[ (2)] العذيب: ماء بين القادسية و المغيثة.

[ (3)] هكذا في الأصل، و في تاريخ الطبري 5/ 407 و الكامل لابن الأثير 4/ 50 «قصر بني مقاتل».

قال ياقوت في معجم البلدان 4/ 364: «و قصر مقاتل: كان بين عين التمر و الشام، و قال السكونيّ: هو قرب القطقطانة و سلام ثم الفريّات: منسوب إلى مقاتل بن حسّان بن ثعلبة بن أوس ..

[ (4)] البواني: أضلاع الصدر. و في الأصل «ثواني».

[ (5)] انظر تاريخ الطبري 5/ 449 و ما قبلها.

[ (6)] في الأصل مطموسة، و التصحيح من (ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربى ص 144).

14

يده، فيحكم في ما أرى [ (1)]، فإن أبيت فسيّرني إلى الترك، فأقاتلهم حتى أموت. فأرسل عمر إلى ابن زياد بذلك، فهمّ أن يسيّره إلى يزيد، فقال له شمر بن جوشن- كذا قال: و الأصح شمر بن ذي [ (2)] الجوشن-: لا أيها الأمير، إلا أن ينزل على حكمك، فأرسل إليه بذلك، فقال الحسين: و اللَّه لا أفعل.

و أبطأ عمر، فأرسل إليه ابن زياد شمر المذكور فقال: إن تقدّم عمر و قاتل و إلّا فأقتله و كن مكانه، و كان مع عمر ثلاثون رجلا من أهل الكوفة، قالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول اللَّه ثلاث خصال، فلا تقبلون منها شيئا! و تحوّلوا مع الحسين فقاتلوا [ (3)].

و قال عبّاد بن العوّام، عن حصين، عن سعد بن عبيدة قال: رأيت الحسين و عليه جبّة برود [ (4)]، و رماه رجل يقال له عمرو بن خالد الطهوي بسهم، فنظرت إلى السهم معلّقا بجنبه [ (5)].

و قال ابن عيينة، عن أبي موسى، عن الحسن قال: قتل [ (6)] مع الحسين رضي اللَّه عنه ستة عشر رجلا من أهل بيته.

و عن غير واحد قالوا: قاتل يومئذ الحسين، و كان بطلا شجاعا إلى أن أصابه سهم في حنكه، فسقط عن فرسه، فنزل شمر، و قيل غيره، فاحتزّ رأسه، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏.

____________

[ (1)] في البداية و النهاية للحافظ ابن كثير 8/ 175: قد روى أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عقبة بن سمعان قال: لقد صحبت الحسين من مكة إلى حين قتل، و اللَّه ما من كلمة قالها في مواطن إلا و قد سمعتها، و إنه لم يسأل أن يذهب إلى يزيد فيضع يده إلى يده، و لا أن يذهب إلى ثغر من الثغور، و لكن طلب منهم أحد أمرين: إما أن يرجع من حيث جاء و إما أن يدعوه يذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه. و أورد ابن جرير نحو هذا في تاريخه 5/ 414.

[ (2)] في الأصل «دلى»، و التصحيح من (ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربى ص 146) حيث ترجم لأبي عبد اللَّه الحسين في صفحات.

[ (3)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 338.

[ (4)] في (مجمع الزوائد): جبة خز دكناء.

[ (5)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 338.

[ (6)] في سير أعلام النبلاء 3/ 312 «أقبل مع الحسين».

15

و روى شريك، عن مغيرة قال: قالت مرجانة لابنها عبيد اللَّه: يا خبيث، قتلت ابن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، لا ترى الجنة أبدا.

و قال عبّاد بن العوّام، عن حصين: حدّثني سعد بن عبيدة قال: إنّا لمستنقعين في الفرات مع عمر بن سعد، إذ أتاه رجل فسارّه، فقال: قد بعث إليك عبيد اللَّه جويرة بن بدر التميمي، و أمره إن أنت لم تقاتل أن يضرب عنقك، قال: فوثب على فرسه، و دعا بسلاحه و علا فرسه، ثم سار إليهم، فقاتلهم حتى قتلهم، قال سعد: و إني لأنظر إليهم، و إنهم لقريب مائة رجل، ففيهم من صلب علي رضي اللَّه عنه خمسة أو سبعة، و عشرة من الهاشميّين، و رجل من بني سليم، و آخر من بني كنانة.

و روى أبو شيبة العبسيّ، عن عيسى بن الحارث الكندي قال: لما قتل الحسين مكثنا أياما سبعة، إذا صلّينا العصر نظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان، كأنها الملاحف المعصفرة، و بصرنا إلى الكواكب، يضرب بعضها بعضا [ (1)].

و قال المدائني، عن علي بن مدرك، عن جدّه الأسود بن قيس قال:

احمرّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر، يرى فيها كالدم، فحدّثت بذلك شريكا، فقال لي: ما أنت من الأسود؟ فقلت: هو جدّي أبو أمّي، فقال: أما و اللَّه إن كان لصدوق الحديث.

و قال هشام بن حسّان، عن ابن سيرين قال: تعلم هذه الحمرة في الأفق ممّ؟ هو من يوم قتل الحسين.

رواه سليمان بن حرب، عن حمّاد، عنه.

و قال جرير بن عبد الحميد، عن زيد بن أبي زياد قال: قتل الحسين ولي أربع عشرة سنة، و صار الورس الّذي في عسكرهم رمادا، و احمرّت آفاق السماء، و نحروا ناقة في عسكرهم، و كانوا يرون في لحمها النيران [ (2)].

____________

[ (1)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 342 و أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (2839).

[ (2)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 342.

16

و قال ابن عيينة: حدّثتني جدّتي قالت: لقد رأيت الورس عاد رمادا، و لقد رأيت اللحم كأنّ فيه النار حين قتل الحسين [ (1)].

و قال حمّاد بن زيد: حدّثني جميل بن مرّة قال: أصابوا إبلا في عسكر الحسين يوم قتل، فنحروها و طبخوها، فصارت مثل العلقم.

و قال قرّة بن خالد: ثنا أبو رجاء العطاردي قال: كان لنا جار من بلهجيم، فقدم الكوفة فقال: ما ترون هذا الفاسق ابن الفاسق قتله اللَّه- يعني الحسين-، قال أبو رجاء: فرماه اللَّه بكوكبين من السماء، فطمس بصره، و أنا رأيته [ (2)].

و قال معمر بن راشد: أو ما عرف الزّهريّ تلكم في مجلس الوليد بن عبد الملك؟، فقال الوليد: تعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين؟ فقال الزهري: إنه لم يقلب حجر إلا وجد تحته دم عبيط.

و روى الواقدي، عن عمر بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه قال:

أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت فقال: هل كان في قتل الحسين علامة؟ قال: ما كشف يومئذ حجر إلا وجد تحته دم عبيط [ (3)].

و قال جعفر بن سليمان: حدّثتني أمّ سالم خالتي قالت: لما قتل الحسين مطرنا مطرا كالدم على البيوت و الجدر [ (4)].

و قال عليّ بن زيد بن جدعان، عن أنس قال: لما قتل الحسين جي‏ء برأسه إلى عبيد اللَّه بن زياد، فجعل ينكت بقضيب على ثناياه و قال: إن كان‏

____________

[ (1)] رواه الطبراني 3/ 128 رقم (2858).

[ (2)] الطبراني (2830).

[ (3)] الطبراني (2834) و مجمع الزوائد 9/ 196.

[ (4)] قال الحافظ ابن كثير في البداية و النهاية 8/ 201 و 202: و لقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء فوضعوا أكاذيب كثيرة. و نقل نحو ما نقله الذهبي هنا ثم قال: إلى غير ذلك من الأكاذيب في قتله فأكثرها غير صحيح، فإنه قل من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة و عاهة في الدنيا و أكثرهم أصابهم الجنون. و بسط المحب الطبري بعض ما أصابهم في (ذخائر العقبي).

17

لحسن الثغر، فقلت: لقد رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقبّل موضع قضيبك من فيه [ (1)].

و قال حمّاد بن سلمة، عن عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عباس قال:

رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بنصف النهار، أشعث أغبر، و بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي و أمّي يا رسول اللَّه، ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين و أصحابه، لم أزل منذ اليوم ألتقطه، فأحصي ذلك اليوم، فوجدوه قتل يومئذ [ (2)].

و عن سلمى أنها دخلت على أمّ سلمة و هي تبكي فقالت: ما يبكيك؟

قالت: رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في المنام، على رأسه و لحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول اللَّه؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا.

أخرجه الترمذي [ (3)] من حديث أبي خالد الأحمر: ثنا رزين، حدّثتني سلمى.

قلت: رزين هو ابن حبيب، كوفي. قال الترمذي: هذا حديث غريب.

و قال حمّاد بن سلمة، عن عمّار: سمعت أمّ سلمة قالت: سمعت الجنّ تبكي على حسين و تنوح عليه [ (4)].

و روي عن أمّ سلمة نحوه من وجه آخر [ (5)].

و روى عطاء بن مسلم، عن أبي جناب [ (6)] الكلبي قال: ثم أتيت كربلاء، فقلت لرجل من أشراف العرب بها: بلغني أنكم تسمعون نوح الجنّ، فقال: ما تلقى أحدا إلا أخبرك أنه سمع ذلك، قلت: فأخبرني ما سمعت أنت، قال: سمعتهم يقولون:

____________

[ (1)] الطبراني (2878)، و أخرجه البخاري في الفضائل 7/ 75 من طريق: جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، و الترمذي (3778) و ابن حبّان (2243).

[ (2)] أخرجه أحمد في المسند 1/ 283، و الطبراني (2822) و ابن عساكر 4/ 343.

[ (3)] في المناقب (3771).

[ (4)] الطبراني (2867) و مجمع الزوائد 9/ 199.

[ (5)] تهذيب تاريخ دمشق 4/ 344 من طريق سويد بن سعيد، عن عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أم سلمة.

[ (6)] بالأصل مهمل، و التصويب من الخلاصة 465 و هو: يحيى بن أبي حية.

18

مسح الرسول جبينه* * * فله بريق في الخدود

أبواه من عليا قريش* * * و جدّه خير الجدود

رواه ثعلب في أماليه [ (1)].

ثنا عمر بن شيبة [ (2)]: ثنا عبيد بن جناد: ثنا عطاء، فذكره.

و قال الزبير بن بكار: حدّثني محمد بن حسن المخزومي قال:

لما أدخل ثقل الحسين على يزيد و وضع رأسه بين يديه بكى يزيد و قال:

نفلّق [ (3)] هاما من رجال أحبّة* * * إلينا و هم كانوا أعقّ و أظلما [ (4)]

أما و اللَّه لو كنت أنا صاحبك ما قتلتك أبدا. فقال علي بن الحسين:

ليس هكذا، قال: فكيف يا بن أم؟ قال:

ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها

[ (5)]،

و عنده عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان، فقال:

لهام بجنب الطّفّ أدنى قرابة* * * من ابن زياد العبد ذي النسب [ (6)] الوغل‏

سميّة أمسى نسلها عدد الحصى* * * و بنت رسول اللَّه ليس لها نسل‏

قال يحيى بن بكير: حدّثني الليث بن سعد قال:

أبي الحسين أن يستأسر، فقاتلوه، فقتل، و قتل ابنه و أصحابه بالطّفّ، و انطلق ببنيه: علي و فاطمة و سكينة إلى عبيد اللَّه بن زياد، فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية، فجعل‏

____________

[ (1)] الطبراني (2865) و (2866)، و مجمع الزوائد 9/ 199 و قال الهيثمي: و فيه من لم أعرفه، و أبو جناب مدلّس، و انظر: تهذيب تاريخ دمشق 4/ 344، و البداية و النهاية 8/ 200.

[ (2)] في الأصل «شبيه».

[ (3)] في الأصل: «تعلّق»، و التصحيح من (مجمع الزوائد- ج 9/ 193) و ترجم فيه للحسين بن علي في 16 صفحة.

[ (4)] ورد هذا البيت في تاريخ الطبري 5/ 460 على هذا النحو:

يفلّقن هاما من رجال أعزّة* * * علينا و هم كانوا أعقّ و أظلما

[ (5)] سورة الحديد 22.

[ (6)] عند الطبري 5/ 460: «الحسب».

19

سكينة خلف سريره، لئلّا ترى رأس أبيها، و علي بن الحسين في غلّ، فضرب يزيد على ثنيّتي الحسين رضي اللَّه عنه و قال:

نفلّق هاما من أناس أعزّة* * * علينا و هم كانوا أعقّ و أظلما [ (1)]

فقال علي:

ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها

[ (2)] فثقل على يزيد أن تمثّل ببيت، و تلا علي آية فقال:

فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ

[ (3)]، فقال: أما و اللَّه لو رآنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) مغلوبين، لأحبّ أن يحلّنا من الغلّ، قال: صدقت، حلّوهم، قال: و لو وقفنا بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) على بعد لأحبّ أن يقرّبنا، قال:

صدقت، قرّبوهم، فجعلت فاطمة و سكينة يتطاولان ليريا رأس أبيهما، و جعل يزيد يتطاول في مجلسه، فيستره عنهما، ثم أمر بهم فجهّزوا، و أصلح آلتهم و أخرجوا إلى المدينة [ (4)].

كثير [ (5)] بن هشام: ثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما أتي يزيد بن معاوية برأس الحسين جعل ينكت بمخصرة معه سنّه و يقول: ما كنت أظنّ أبا عبد اللَّه بلغ هذا السنّ، و إذا لحيته و رأسه قد نصل من الخضاب الأسود.

و قال ابن سعد، عن الواقدي، و المديني، عن رجالهما، أن محفّز بن ثعلبة العائذي، عائذة [ (6)] قريش، قدم برأس الحسين على يزيد فقال: أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس و ألأمهم، قال يزيد: ما ولدت أمّ محفّز أحمق و ألأم، لكن الرجل لم يقرأ كتاب اللَّه: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ‏الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 5/ 460، المعجم الكبير للطبراني 3/ 124 رقم (2848)، و الكامل في التاريخ 4/ 89، 90، و مجمع الزوائد 9/ 193.

[ (2)] سورة الحديد- الآية 22.

[ (3)] سورة الشورى- الآية 30.

[ (4)] انظر البدآية و النهاية 8/ 194، و هو عند الطبراني (806).

[ (5)] في الأصل «كبير»، و التصويب من (تهذيب التهذيب 8/ 429).

[ (6)] في الأصل مهملة، و التصحيح من (اللباب 2/ 307).

20

الآية [ (1)].

ثم بعث يزيد برأس الحسين على عامله على المدينة، فقال: وددت أنه لم يبعث به إليّ، ثم أمر به، فدفن بالبقيع عند قبر أمّه فاطمة، رضي اللَّه عنها [ (2)].

و قال عبد الصمد بن سعيد القاضي: ثنا سليمان بن عبد الحميد البهراني: سمعت أبا أميّة الكلاعي، سمعت أبا كرب قال: كنت في القوم الذين توثّبوا على الوليد بن يزيد، و كنت فيمن نهب خزائنهم بدمشق، فأخذت سفطا و قلت: فيه غنائي، فركبت فرسي و جعلته بين يديّ، و خرجت من باب توما، ففتحته، فإذا بحريرة فيها رأس مكتوب عليه: «هذا رأس الحسين»، فحفرت له بسيفي و دفنته.

و قال ابن جرير الطبري [ (3)]: حدّثت عن أبي عبيدة، أنّ يونس بن حبيب حدّثه قال: لما قتل الحسين و بنو أبيه، بعث ابن زياد برءوسهم إلى يزيد، فسرّ بقتلهم أولا، ثم ندم فكان يقول: و ما عليّ لو احتملت الأذى و أنزلت الحسين معي، و حكّمته فيما يريد، و إن كان عليّ في ذلك وهن في سلطاني حفظا لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و رعاية لحقّه و قرابته، لعن اللَّه ابن مرجانة- يريد عبيد اللَّه-، فإنه أخرجه و اضطرّه، و قد كان سأل أن يخلى سبيله، و يرجع من حيث أقبل، أو يأتيني فيضع يده في يدي، أو يلحق بثغر من الثغور، فأبى ذلك و ردّه عليه، فأبغضني بقتله المسلمون [ (4)].

و قال المدائني، عن إبراهيم بن محمد، عن عمرو بن دينار: حدّثني محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه قال:

لما قتل الحسين دخلنا الكوفة، فلقينا رجل، فدخلنا منزله، فأحلفنا، فنمت، فلم استيقظ إلا بحسّ الخيل في الأزقّة، فحملنا إلى يزيد، فدمعت عينه حين رآنا، و أعطانا ما شئنا و قال: إنه‏

____________

[ (1)] آل عمران/ 26.

[ (2)] تاريخ الطبري 5/ 463.

[ (3)] تاريخ الطبري 5/ 506 (حوادث سنة 64 ه).

[ (4)] سير أعلام النبلاء 3/ 320، 321.

21

سيكون في قومك أمور، فلا تدخل معهم في شي‏ء، فلما كان من أهل المدينة ما كان، كتب مع مسلّم بن عقبة كتابا فيه أماني، فلما فرغ مسلّم من الحرّة بعث إليّ، فجئته و قد كتبت وصيّتي، فرمى إليّ بالكتاب، فإذا فيه:

استوص بعلي بن الحسين خيرا، و إن دخل معهم، في أمرهم فأمّنه و اعف عنه، و إن لم يكن معهم فقد أصاب و أحسن [ (1)].

و قال غير واحد: قتل مع الحسين ابن عمّه مسلّم بن عقيل بن أبي طالب، و قد كان في آخر سنة ستين، قتله ابن زياد صبرا، و كان الحسين قد قدّمه إلى الكوفة، ليخبر من بها من شيعته بقدومه، فنزل على هانئ بن عروة المرادي، فأحسّ به عبيد اللَّه بن زياد، فقتل مسلما و هانئا.

و ممّن قتل مع الحسين يوم عاشوراء إخوته بنو أبيه: جعفر، و عتيق، و محمد، و العباس الأكبر بنو علي، و ابنه الأكبر علي- و هو غير علي زين العابدين-، و ابنه عبد اللَّه بن الحسين، و ابن أخيه القاسم بن الحسين، و محمد بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب، و أخوه عون، و عبد اللَّه، و عبد الرحمن ابنا مسلّم بن عقيل، رضي اللَّه عنهم [ (2)].

(و فيها): ظنّا و تخمينا، قدم على ابن الزبير و هو بمكة المختار بن أبي عبيد الثقفي من الطائف، و كان قد طرد إلى الطائف، و كان قويّ النفس، شديد البأس، يظهر المناصحة و الدهاء، و كان يختلف إلى محمد بن الحنفيّة، فيسمعون منه كلاما ينكرونه، فلما مات يزيد استأذن ابن الزبير في المضيّ إلى العراق، فأذن له و ركن إليه، و كتب إلى عامله على العراق عبد اللَّه بن مطيع يوصيه به، فكان يختلف إلى ابن مطيع، ثم أخذ يعيب في الباطن ابن الزبير و يثني على ابن الحنفيّة، و يدعو إليه، و يحرّض أهل الكوفة على ابن مطيع، و يكذب و ينافق، فراج أمره و استغوى طائفة، و صار له شيعة، إلى أن خافه ابن مطيع، و هرب منه، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى.

____________

[ (1)] سير اعلام النبلاء 3/ 320، 321.

[ (2)] انظر تاريخ الطبري 5/ 468، 469، و تاريخ خليفة 234.

22

[حوادث‏] سنة اثنتين و ستين‏

توفي فيها: بريدة بن الحصيب، و عبد المطّلب بن ربيعة بن الحارث الهاشمي، و مسلمة بن مخلد، و أبو مسلّم الخولانيّ الدارانيّ الزاهد، و علقمة بن قيس النخعي الفقيه.

و فيها استعمل عبيد اللَّه بن زياد أمير العراق على السند [ (1)] المنذر بن الجارود العبديّ، و لابنه الجارود بن عمرو صحبة.

و كان المنذر من وجوه أهل البصرة من أصحاب علي، قتله الحجّاج.

و فيها غزا سلّم بن أحور [ (2)] خوارزم فصالحوه على مال، ثم عبر إلى سمرقند، فنازلها، فصالحوه أيضا.

و فيها نقض أهل كابل، و أخذوا أبا عبيدة بن زياد بن أبي سفيان بن حرب أسيرا، فسار أخوه يزيد في جيش، فهجم عليهم، فقاتلوه، فقتل يزيد، و قتل معه زيد بن جدعان التّيمي والد علي بن زيد، و صلة بن أشيم العدوي، و ولداه [ (3)]، و عمرو بن قثم [ (4)]، و بديل بن نعيم العدوي، و عثمان بن آدم العدوي، في رجال من أهل الصدق. قاله خليفة.

و أقام الموسم للناس عثمان بن محمد بن أبي سفيان بن حرب [ (5)].

____________

[ (1)] في تاريخ خليفة ص 236 «ثغر قندابيل».

[ (2)] في تاريخ خليفة بن خياط 235: «سلّم بن زياد».

[ (3)] في تاريخ خليفة: «و ابنه».

[ (4)] في تاريخ خليفة: «عمرو بن قتيبة».

[ (5)] تاريخ خليفة 236.

23

[حوادث‏] سنة ثلاث و ستين‏

فيها توفي: ربيعة بن كعب الأسلمي، و مسروق بن الأجدع.

و فيها وقعة الحرّة على باب طيبة، و استشهد فيها خلق و جماعة من الصحابة.

و فيها بعث سلّم بن زياد: ابن أبيه طلحة بن عبد اللَّه الخزاعي واليا على سجستان، فأمره أن يفدي أخاه من الأسر، ففداه بخمسمائة ألف، و أقدمه على أخيه، و أقام طلحة بسجستان [ (1)].

فيها غزا عقبة بن نافع من القيروان، فسار حتى أتى السوس الأقصى، و غنم و سلّم، و ردّ، فلقيه كسيلة و كان نصرانيا، فالتقيا، فاستشهد في الوقعة عقبة بن نافع، و أبو المهاجر دينار مولى الأنصار، و عامّة أصحابهما. ثم سار كسيلة الكلب، فسار لحربه زهير بن قيس البلوي خليفة عقبة على القيروان، فقتل في الوقعة كسيلة، و هزم جنوده، و قتلت منهم مقتلة كبيرة [ (2)].

قصة الحرّة

قال جويرية بن أسماء: سمعت أشياخنا يقولون: وفد إلى يزيد عبد اللَّه بن حنظلة بن الغسيل الأوسي المدني، و له صحبة، وفد في ثمانية بنين له،

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 250، 251.

[ (2)] تاريخ خليفة 251، البيان المغرب 1/ 26- 30.

24

فأعطاه يزيد مائة ألف، و أعطى لكل ابن عشرة آلاف، سوى كسوتهم، فلما رجع إلى المدينة قالوا: ما وراءك؟ قال: أتيتكم من عند رجل و اللَّه لو لم أجد إلا بنيّ هؤلاء لجاهدته بهم، قالوا: إنه قد أكرمك و أعطاك، قال: نعم و ما قبلت ذلك منه إلا لأتقوّي به عليه، ثم حضّ الناس فبايعوه [ (1)].

و قال خليفة بن خياط [ (2)]: قال أبو اليقظان: دعوا إلى الرضا و الشورى، و أمّروا على قريش عبد اللَّه بن مطيع العدوي، و على الأنصار عبد اللَّه بن حنظلة، و على قبائل المهاجرين معقل بن سنان الأشجعي، و أخرجوا من بالمدينة من بني أميّة.

و قال غيره: خلعوا يزيد، فأرسل إليهم جيشا عليه مسلّم بن عقبة، و أرسل أهل المدينة إلى مياه الطريق، فصبّوا في كل ماء زقّ قطران و غوّروه، فأرسل اللَّه السماء عليهم، فما استقوا بدلو [ (3)].

و جاء من غير وجه أنّ يزيد لما بلغه و ثوب أهل المدينة بعامله و أهل بيته، و نفيهم، جهّز لحربهم مسلّم بن عقبة المرّي، و هو شيخ، و كانت به النوطة، و جهّز معه جيشا كثيفا، فكلّم يزيد عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب في أهل المدينة، و كان عنده، و قال: إنما تقتل بهم نفسك، فقال: أجل أقتل بهم نفسي و أشقى، و لك عندي واحدة، آمر مسلما أن يتّخذ المدينة طريقا، فإن هم لم ينصبوا له الحرب، و تركوه يمضي إلى ابن الزبير فيقاتله، و إن منعوه و حاربوه قاتلهم، فإن ظفر بهم قتل من أشرف له و أنهبها ثلاثا، ثم يمضي إلى ابن الزبير. فكتب عبد اللَّه بن جعفر إلى أهل المدينة أن لا تعرضوا لجيشه، فورد مسلّم بن عقبة، فمنعوه و نصبوا له الحرب، و نالوا من يزيد، فأوقع بهم و أنهبها ثلاثا، و سار إلى الزبير، فمات بالمشلل [ (4)]، و عهد

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 237، تاريخ الطبري 2/ 423، 424.

[ (2)] تاريخ خليفة 237.

[ (3)] تاريخ خليفة 838، تاريخ الطبري 5/ 495.

[ (4)] المشلّل: بضمّ أوله، و فتح ثانيه، و فتح اللام و تشديدها، و هي ثنيّة مشرفة على قديد. (معجم ما استعجم 4/ 1233).

25

إلى حصين بن نمير في أول سنة أربع و ستين [ (1)].

و روى محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم قال:

دخل عبد اللَّه بن مطيع ليالي الحرّة على ابن عمر، فقال ابن عمر: سمعت النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«من نزع يدا من طاعة لم يكن له حجّة يوم القيامة، و من مات مفارقا للجماعة فإنه يموت موتة جاهلية» [ (2)].

و قال المدائني: توجّه مسلم بن عقبة إلى المدينة في اثني عشر ألف رجل، و يقال في اثنى عشر ألف فارس، و خمسة عشر راجل، و نادى منادي يزيد: سيروا على أخذ أعطياتكم، و معونة أربعين دينارا لكل رجل.

و قال النعمان بن بشير ليزيد: وجّهني أكفك، قال: لا، ليس لهم إلا هذا، و اللَّه لا أقبلهم بعد إحساني إليهم و عفوي عنهم مرة بعد مرة، فقال:

أنشدك اللَّه يا أمير المؤمنين في عشيرتك و أنصار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و قال له عبد اللَّه بن جعفر: أ رأيت إن رجعوا إلى طاعتك، أ تقبل ذلك منهم؟ قال: إن فعلوا فلا سبيل عليهم، يا مسلم إذا دخلت المدينة و لم تصدّ عنها، و سمعوا و أطاعوا فلا تعرضنّ لأحد، و امض إلى الملحد ابن الزبير، و إن صدّوك عن المدينة فادعهم ثلاثة أيام، فإن لم يجيبوا فاستعن باللَّه و قاتلهم، فستجدهم أول النهار مرضى، و آخره صبرا، سيوفهم أبطحية، فإذا ظهرت عليهم، فإن كان بنو أميّة قد قتل منهم أحد فجرّد السيف و اقتل المقبل و المدبر، و أجهز على الجريح و انهبها ثلاثا، و استوص بعلي بن الحسين، و شاور حصين بن نمير، و إن حدث بك حدث، فولّه الجيش.

و قال جرير بن حازم، عن الحسن، أنه ذكر الحرّة فقال: و اللَّه ما كاد ينجو منهم أحد، و لقد قتل ابنا زينب بنت أم سلمة، فأتيت بهما فوضعتهما بين يديها، فقالت: و اللَّه إنّ المصيبة عليّ فيكما لعظيمة، و هي في هذا- و أشارت إلى أحدهما- أعظم منها في هذا- و أشارت إلى الآخر-، لأنّ هذا

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 5/ 498.

[ (2)] أخرجه أحمد في المسند 3/ 70 و 83 و 93 و 97 و 123 و 33 و 154.

26

بسط يده، و أما هذا فقعد في بيته، فدخل عليه فقتل، فأنا أرجو به.

و قال جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة قال: نهب مسرف [ (1)] بن عقبة المدينة ثلاثا، و افتضّ فيها ألف عذراء.

قال يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن السائب بن خلّاد، أنه سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«من أخاف أهل المدينة أخافه اللَّه، و عليه لعنة اللَّه و الملائكة و الناس أجمعين» [ (2)].

رواه مسلّم بن أبي مريم، و عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن عطاء عن السائب‏

،

و خالفهم موسى بن عقبة، عن عطاء فقال: عن عبادة بن الصّامت، و الأول أصحّ.

و قال جويرية بن أسماء: سمعت أشياخنا من أهل المدينة يتحدّثون قالوا: خرج أهل المدينة يوم الحرّة بجموع كبيرة، و هيئة لم ير مثلها، فلما رآهم أهل الشام كرهوا قتالهم، فأمر مسلّم بن عقبة بسريره، فوضع بين الصفّين، ثم أمر مناديه: قاتلوا عنّي، أو دعوا، فشدّ الناس في قتالهم، فسمعوا التكبير خلفهم من المدينة، و أقحم عليهم بنو حارثة و هم على الحرّة، فانهزم الناس، و عبد اللَّه بن حنظلة متساند إلى بعض بنيه يغطّ نوما، فنبّهه ابنه، فلما رأى ما جرى أمر أكبر بنيه، فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقدّمهم واحدا بعد واحد، حتى أتى على آخرهم، ثم كسر جفر سيفه، فقاتل حتى قتل [ (3)].

و قال وهيب بن خالد: ثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: قيل لعبد اللَّه ابن زيد يوم الحرّة: ها ذاك ابن حنظلة يبايع الناس على الموت، فقال: لا أبايع عليه أحدا بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) [ (4)]. إسناده صحيح.

____________

[ (1)] هو مسلم بن عقبة، و قد سمّي «مسرف» بعد وقعة الحرّة.

[ (2)] أخرجه أحمد في المسند 4/ 55.

[ (3)] انظر تاريخ الطبري 5/ 489، و الخبر في تاريخ خليفة 238.

[ (4)] أخرجه البخاري في الجهاد 4/ 8 باب البيعة في الحرب أن لا يفرّوا ..، و في المغازي 5/ 65 باب غزوة الحديبيّة، و مسلم في الإمارة (81/ 1861)، و أحمد في المسند 4/ 41 و 42.

27

و قال الواقدي: أنا ابن أبي ذئب، عن صالح بن أبي حسّان، أنا إسماعيل بن إبراهيم المخزومي، عن أبيه، و ثنا سعيد بن محمد بن عمرو بن يحيى، عن عبادة بن تميم، كلّ قد حدّثني، قالوا: لما وثب أهل الحرّة، و أخرجوا بني أمية عن المدينة، و اجتمعوا على عبد اللَّه بن حنظلة، و بايعهم على الموت قال: يا قوم اتّقوا اللَّه، فو اللَّه ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمي بالحجارة من السماء، إنه رجل ينكح أمهات الأولاد و البنات و الأخوات، و يشرب الخلّ و يدع الصلاة، قال: فكان ابن حنظلة يبيت تلك الليالي في المسجد، و ما يزيد على أن يشرب، يفطر على شربة سويق و يصوم الدهر، و ما رئي رافعا رأسه إلى السماء إخباتا [ (1)]، فلما قرب القوم خطب عبد اللَّه بن حنظلة أصحابه، و حرّضهم على القتال، و أمرهم بالصدق في اللقاء و قال:

اللَّهمّ إنّا بك واثقون، فصبّح القوم المدينة، فقاتل أهل المدينة قتالا شديدا حتى كثّرهم [ (2)] أهل الشام، و دخلت المدينة من النواحي كلها، و ابن حنظلة يمشي بها في عصابة من الناس أصحابه، فقال لمولى [ (3)] له: احم لي ظهري حتى أصلّي الظهر، فلما صلّى قال له مولاه: ما بقي أحد، فعلام نقيم؟

و لواؤه قائم ما حوله إلا خمسة [ (4)]، فقال: ويحك، إنما خرجنا على أن نموت، قال: و أهل المدينة كالنّعام الشرود، و أهل الشام يقتلون فيهم، فلما هزم الناس طرح الدّرع، و قاتلهم حاسرا حتى قتلوه، فوقف عليه مروان و هو مادّ إصبعه السّبّابة، فقال: أما و اللَّه لئن نصبتها ميتا لطالما نصبتها حيا [ (5)].

و قال مبارك بن فضالة، عن أبي هارون العبديّ قال: رأيت أبا سعيد الخدريّ ممعّط اللحية، فقلت: تعبث بلحيتك! فقال: لا، هذا ما لقيت من ظلمة أهل الشام يوم الحرّة، دخلوا عليّ زمن الحرّة فأخذوا ما في البيت، ثم دخلت عليّ طائفة، فلم يجدوا في البيت شيئا، فأسفوا و قالوا: أضجعوا

____________

[ (1)] في نسخة القدسي 2/ 356: «أحيانا»، و التصويب من (الطبقات الكبرى 5/ 67).

[ (2)] في نسخة القدسي 2/ 356: «كبر»، و التصويب من (الطبقات الكبرى).

[ (3)] في نسخة القدسي 2/ 356: «ولى»، و التصويب من (الطبقات).

[ (4)] في (الطبقات الكبرى 5/ 67): «ما حوله خمسة».

[ (5)] طبقات ابن سعد 5/ 67، 68.

28

الشيخ، فأضجعوني، فجعل كلّ واحد منهم يأخذ من لحيتي خصلة.

عن بعضهم قالوا: و دخلوا المدينة و نهبوا و أفسدوا، و استحلّوا الحرمة.

قال خليفة [ (1)]: فجميع من أصيب من قريش و الأنصار يوم الحرّة ثلاثمائة و ستة رجال، ثم سرد أسماءهم في ستّ [ (2)] أوراق، قال: و كانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجّة.

الواقدي: حدّثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن شبل، عن أبي جعفر، أنه سأله عن يوم الحرّة: هل خرج فيها أحد من بني عبد المطّلب؟

قال: لا، لزموا بيوتهم، فلما قدم مسرف و قتل الناس، سأل عن أبي، أ حاضر هو؟ قالوا: نعم، قال: ما لي لا أراه! فبلغ ذلك أبي، فجاءه و معه ابنا محمد ابن الحنفية، فرحّب بهم، و أوسع لأبي على سريره و قال: كيف كنت؟ إنّ أمير المؤمنين أوصاني بك خيرا، فقال: وصل اللَّه تعالى أمير المؤمنين، ثم سأله عن عبد اللَّه و الحسين ابني محمد، فقال: هما ابنا عمّي، فرحّب بهما.

قلت: فمن أصيب يومئذ: أميرهم عبد اللَّه بن حنظلة، و بنوه، و عبد اللَّه ابن زيد بن عاصم الأنصاري الّذي حكى وضوء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و معقل بن سنان الأشجعي، حامل لواء قومه يوم الفتح، و واسع بن حبّان الأنصاري، مختلف في صحبته، و كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، أحد من نسخ المصاحف التي سيّرها عثمان، رضي اللَّه عنه، إلى الأمصار، و أبوه أفلح، و محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، و محمد بن أبي حذيفة، قتلا مع معقل الأشجعي صبرا.

و ممّن قتل يومئذ: سعد، و سليمان، و يحيى، و إسماعيل، و سليط، و عبد الرحمن، و عبد اللَّه بنو زيد بن ثابت لصلبه. قاله محمد بن سعد.

و ممّن قتل يوم الحرّة: إبراهيم بن نعيم النّحّام [ (3)] بن عبد اللَّه بن أسيد

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 250.

[ (2)] في الأصل «ستة».

[ (3)] في (نزهة الألباب في الألقاب للحافظ ابن حجر): ضبطه الأكثر بفتح النون و تشديد الحاء، و ضبطه ابن الكلبي بضم النون و تخفيف الحاء.

29

القرشي [ (1)] العدوي.

قال ابن سعد [ (2)]: كان ابن النّحّام أحد الرءوس يوم الحرّة، و قتل يومئذ، و كان زوج رقيّة ابنة عمر بن الخطّاب.

و قتل يوم الحرّة أيضا محمد بن أبيّ بن كعب، و عبد الرحمن بن أبي قتادة، و يزيد، و وهب ابنا عبد اللَّه بن زمعة، و يعقوب بن طلحة بن عبيد اللَّه التيمي، و أبو حكيمة معاذ بن الحارث الأنصاري القارئ، الّذي أقامه عمر يصلّي بالناس التراويح، و قد روى عن أبي بكر و عمر، و روى عنه سعيد المقبري، و نافع مولى ابن عمر.

و منهم عمران بن أبي أنيس، توفي النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و له ستّ سنين، و الفضل ابن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، و يزيد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، و محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، و محمد بن ثابت بن قيس بن شماس.

قال عوانة بن الحكم: أتى مسلم بن عقبة بين يدي عبد اللَّه بن زمعة ابن الأسود الأسدي فقال: بايع على كتاب اللَّه و سنّة نبيّه، فامتنع، فأمر به مسلم فقتل [ (3)].

و قال: دخل مسلم بن عقبة المدينة، و دعا الناس إلى البيعة، على أنهم خول ليزيد، يحكم في أهلهم و دمائهم و أموالهم ما شاء، حتى أتي بابن عبد اللَّه بن زمعة، و كان صديقا ليزيد و صفيّا له، فقال: بل أبايعك على أنّي ابن عمّ أمير المؤمنين، يحكم في دمي و أهلي، فقال: اضربا عنقه، فوثب مروان بن الحكم فضمّه إليه، فقال مسلم: و اللَّه لا أقتله أبدا، و قال: إن تنحّى مروان، و إلا فاقتلوهما معا، فتركه مروان، فضربت عنقه [ (4)].

و قتل أيضا صبرا أبو بكر بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب، و أبو بكر بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب، و يعقوب بن طلحة بن عبيد اللَّه.

____________

[ (1)] في الأصل «العرسي»، و التصحيح من أسد الغابة 5/ 32.

[ (2)] الطبقات الكبرى 5/ 170 و 171.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 5/ 492، تاريخ خليفة 239.

[ (4)] تاريخ الطبري 5/ 493 و الخبر في تاريخ خليفة 238، 239.

30

و جاء أنّ معقل بن سنان، و محمد بن أبي الجهم كانا في قصر العرصة، فأنزلهما مسلم بالأمان، ثم قتلهما، و قال لمحمد: أنت الوافد على أمير المؤمنين [ (1)]، فوصلك و أحسن جائزتك، ثم تشهد عليه بالشرب.

و قيل: بل قال له: تبايع أمير المؤمنين على أنك عبد قنّ، إن شاء أعتقك، و إن شاء استرقّك، قال: بل أبايع على أنّي ابن عمّ لئيم، فقال:

اضربوا عنقه.

و روي عن مالك بن أنس قال: قتل يوم الحرّة من حملة القرآن سبعمائة.

قلت: و لما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل، و قتل الحسين و إخوته و آله، و شرب يزيد الخمر، و ارتكب أشياء منكرة، بغضه الناس، و خرج عليه غير واحد، و لم يبارك اللَّه في عمره، فخرج عليه أبو بلال مرداس بن أديّة [ (2)] الحنظليّ.

قال ثابت البناني: فوجّه عبيد اللَّه بن زياد جيشا لحربه، فيهم عبد اللَّه ابن رباح الأنصاري، فقتله أبو بلال.

و قال غيره: وجّه عبيد اللَّه بن زياد أيضا عبّاد بن أخضر في أربعة آلاف، فقاتلوا أبا بلال في سواد ميسان، ثم قتل عبّاد غيلة.

و قال يونس بن عبيد: خرج أبو بلال أحد بني ربيعة بن حنظلة في أربعين رجلا، فلم يقاتل أحدا، لم يعرض للسبيل، و لا سأل، حتى نفذ زادهم و نفقاتهم، حتى صاروا يسألون، فبعث عبيد اللَّه لقتالهم جيشا، عليهم عبد اللَّه بن حصن الثعلبي، فهزموا أصحابه، ثم بعث عليهم عبّاد بن أخضر، فقتلهم أجمعين [ (3)].

____________

[ (1)] سيأتي في الجزء الخامس في ترجمة (يزيد بن معاوية) أن نوفل بن أبي الفرات قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر رجل يزيد فقال: قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فقال: تقول أمير المؤمنين! و أمر به فضرب عشرين سوطا.

[ (2)] هذا ما في تاريخ الطبري 5/ 313، و في الأصل «أذنه».

[ (3)] تاريخ خليفة 256.

31

و روى غسّان بن مضر، عن سعيد بن يزيد قال: خرج أبو بلال من البصرة في أربعين رجلا، فلم يقاتلوا، فحدّثني من كان في قافلة قال: جاءونا يقودون خيولهم، فتكلّم أبو بلال فقال: قد رأيتم ما كان يؤتى إلينا، و لعلّنا لو صبرنا لكان خيرا لنا، و قد أصابتنا خصاصة، فتصدّقوا، إنّ اللَّه يجزي المتصدّقين، قال: فجاءه التجّار بالبدر، فوضعوها بين يديه، فقال: لا، إلا درهمين لكلّ رجل، فلعلّنا لا نأكلها حتى نقتل، فأخذ ثمانين درهما لهم، قال: فسار إليهم جند فقتلوهم [ (1)].

و قال عوف الأعرابي: كان أبو بلال صديقا لأبي العالية، فلما بلغ أبا العالية خروجه، أتاه فكلّمه فما نفع.

و قال ابن عيينة: كان أبو بلال يلبس سلاحه في الليل، و يركب فرسه، فيرفع رأسه إلى السماء و يقول:

إنّي وزنت الّذي يبقى لأعدله* * * ما ليس يبقى فلا و اللَّه ما اتّزنا

خوف الإله و تقوى اللَّه أخرجني* * * و يبيع نفسي بما ليست له ثمنا

و خرج نافع بن الأزرق في آخر خلافة يزيد، فاعترض الناس، فانتدب له أهل البصرة مع مسلم بن عبيس [ (2)] العبشمي القرشي، فقتلا كلاهما.

قال معاوية بن قرّة: خرجت مع أبي في جيش ابن عبيس، فلقيناهم بدولاب، فقتل منا خمسة أمراء [ (3)].

و قال غيره: قتل في الوقعة قرّة بن إياس المزني أبو معاوية، و له صحبة و رواية [ (4)].

و قال أبو اليقظان: قتل ربيعة السليطي مسلم بن عبيس فارس أهل‏

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 256.

[ (2)] هو مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة. كما في (تاريخ الطبري 5/ 569، الكامل في التاريخ 4/ 194).

[ (3)] تاريخ خليفة 256 و 257.

[ (4)] تاريخ خليفة 257.

32

البصرة، و لما قتل ابن الأزرق رأست الخوارج عليهم عبد اللَّه بن ماحوز، فسار بهم إلى المدائن [ (1)].

و لما قتل مسعود المعنّى غلبوا على الأهواز و جبوا المال، و أتتهم الأمداد من اليمامة و البحرين، و خرج طوّاف بن المعلّى السّدوسيّ في نفر من العرب، فخرج في يوم عيد، فحكّم أبيّ قال: لا حكم إلا عند قصر أوس، فرماه الناس بالحجارة، و قاتله ابن زياد ثلاثة أيام، قتل و تمزّق جمعه [ (2)].

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 256.

[ (2)] تاريخ خليفة 259.

33

[حوادث‏] سنة أربع و ستين‏

توفي فيها: ربيعة الجرشيّ في ذي الحجّة بمرج راهط، و شقيق بن ثور السّدوسي، و المسور بن مخرمة، و الضّحّاك بن قيس الفهري، و يزيد بن معاوية، و معن بن يزيد السلمي، و ابنه ثور، و النعمان بن بشير في آخرها، و معاوية بن يزيد بن معاوية، و الوليد بن عقبة بن أبي سفيان الأموي، و المنذر ابن الزبير بن العوّام، و مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، و مسعود بن عمرو الأزدي، و مسلم بن عقبة.

قال محمد بن جرير [ (1)]: لما فرغ مسلم بن عقبة المرّي من الحرّة، توجّه إلى مكة، و استخلف على المدينة روح بن زنباع الجذاميّ، فأدرك مسلما الموت، و عهد بالأمر إلى حصين بن نمير، فقال: انظر يا برذعة الحمار، لا ترع سمعك قريشا، و لا تردّنّ أهل الشام عن عدوّهم، و لا تقيمنّ إلا ثلاثا حتى تناجز ابن الزبير الفاسق، ثم قال: اللَّهمّ إنّي لم أعمل عملا قطّ بعد الشهادتين أحبّ إليّ من قتل أهل المدينة، و لا أرجى عندي منه، ثم مات، فقدم حصين على ابن الزبير، و قد بايعه أهل الحجاز، و قدم عليه وفد أهل المدينة، و قدم عليه نجدة بن عامر الحنفي الحروريّ، في أناس من الخوارج، فجرّد أخاه المنذر لقتال أهل الشام، و كان ممّن شاهد الحرّة، ثم لحق به، فقاتلهم ساعة، ثم دعي إلى المبارزة، فضرب كلّ واحد صاحبه،

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 5/ 496 و 497.

34

و خرّ ميتا. و قاتل مصعب بن عبد الرحمن حتى قتل، صابرهم ابن الزبير على القتال إلى الليل، ثم حاصروه بمكة شهر صفر، و رموه بالمنجنيق، و كانوا يوقدون حول الكعبة، فأقبلت شررة هبّت بها الريح، فأحرقت الأستار و خشب السقف، سقف الكعبة، و احترق قرنا الكبش الّذي فدى اللَّه به إسماعيل، و كانا في السقف. قال: فبلغ عبد اللَّه بن الزبير موت يزيد بن معاوية، فنادى بأهل الشام: إنّ طاغيتكم قد هلك. فغدوا يقاتلون، فقال ابن الزبير للحصين ابن نمير: أدن منّي أحدّثك، فدنا، فحدّثه، فقال: لا نقاتلك، فائذن لنا نطف بالبيت و ننصرف، ففعل.

و ذكر عوانة بن الحكم، أنّ الحصين سأل ابن الزبير موعدا بالليل، فالتقيا بالأبطح، فقال له الحصين: إن يك هذا الرجل قد هلك، فأنت أحقّ الناس بهذا الأمر، هلمّ نبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام، فإنّ هؤلاء وجوه أهل الشام و فرسانهم، فو اللَّه لا يختلف عليك اثنان، و أخذ الحصين يكلّمه سرا، و ابن الزبير يجهر جهرا، و يقول: أفعل، فقال الحصين: كنت أظنّ أنّ لك رأيا، ألا أراني أكلّمك سرا و تكلّمني جهرا، و أدعوك إلى الخلافة و تعدني القتل! ثم قام و سار بجيشه، و ندم ابن الزبير فأرسل وراءه يقول: لست أسير إلى الشام، إني أكره الخروج من مكة، و لكن بايعوا لي الشام، فإنّي عادل عليكم، ثم سار الحصين، و قلّ عليهم العلف، و اجترأ على جيشه أهل المدينة و أهل الحجاز، و جعلوا يتخطّفونهم و ذلّوا، و سار معهم بنو أميّة من المدينة إلى الشام [ (1)].

و قال غيره: سار مسرف بن عقبة و هو مريض من المدينة، حتى إذا صدر عن الأبواء هلك، و أمّر على جيشه حصين بن نمير الكندي، فقال: قد دعوتك، و ما أدري أستخلفك على الجيش، أو أقدّمك فأضرب عنقك؟، قال: أصلحك اللَّه، سهمك، فارم به حيث شئت، قال: إنك أعرابيّ جلف جاف، و إنّ قريشا لم يمكّنهم رجل قط من أذنه إلا غلبوه على رأيه، فسر بهذا

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 5/ 502، 503، و انظر: الأخبار الطوال 268.

35

الجيش، فإذا لقيت القوم فاحذر أن تمكّنهم من أذنيك، لا يكون إلا الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف [ (1)].

و قال الواقدي: ثنا عبد اللَّه بن جعفر، عن أبي عون قال: جاء نعي يزيد ليلا، و كان أهل الشام يردّون ابن الزبير، قال ابن عون: فقمت في مشربة لنا في دار مخرمة بن نوفل، فصحت بأعلى صوتي: يا أهل الشام، يا أهل النفاق و الشؤم، قد و اللَّه الّذي لا إله إلا هو مات يزيد، فصاحوا و سبّوا و انكسروا، فلما أصبحنا جاء شابّ فاستأمن، فأمّنّاه، فجاء ابن الزبير، و عبد اللَّه بن صفوان، و أشياخ جلوس في الحجر، و المسور يموت في البيت، فقال الشابّ: إنكم معشر قريش، إنما هذا الأمر أمركم، و السلطان لكم، و إنما خرجنا في طاعة رجل منكم، و قد هلك، فإن رأيتم أن تأذنوا لنا فنطوف بالبيت و ننصرف إلى بلادنا، حتى يجتمعوا على رجل. فقال ابن الزبير: لا، و لا كرامة، فقال ابن صفوان: لم! بلى نفعل ذلك، فدخلا على المسور فقال: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ‏ الآية [ (2)]، قد خرّبوا بيت اللَّه، و أخافوا عوّاده، فأخفهم كما أخافوا عوّاده، فتراجعوا، و غلب المسور و مات من يومه.

قلت: و كان له خمسة أيام قد أصابه من حجر المنجنيق شقّه في خدّه فهشم خدّه.

و روى الواقدي، عن جماعة، أنّ ابن الزبير دعاهم إلى نفسه، فبايعوه، و أبى عليه ابن عباس و ابن الحنفية و قالا: حتى تجتمع لك البلاد و ما عندنا خلاف، فكاشرهما ثم غلظ عليهما سنة ست و ستين.

و قال غيره: لما بلغ ابن الزبير موت يزيد بايعوه بالخلافة، لما خطبهم و دعاهم إلى نفسه، و كان قبل ذلك إنما يدعو إلى الشورى، فبايعوه في رجب. [ (3)]

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 254، 255.

[ (2)] سورة آل عمران/ 114.

[ (3)] تاريخ خليفة 257 و 258.

36

و لما هلك يزيد بويع بعده ابنه معاوية بن يزيد، فبقي في الخلافة أربعين يوما، و قيل شهرين، أو أكثر متمرّضا، و الضّحّاك بن قيس يصلّي بالناس، فلما احتضر قيل له: ألا تستخلف؟ فأبى و قال: ما أصبت من حلاوتها، فلم أتحمّل مرارتها! و كان لم يغيّر أحدا من عمّال أبيه [ (1)].

و كان شابا صالحا، أبيض جميلا وسيما، عاش إحدى و عشرين سنة [ (2)].

و صلّى عليه عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان [ (3)]، فأرادت بنو أميّة عثمان هذا على الخلافة، فامتنع و لحق بخاله عبد اللَّه بن الزبير.

و قال حصين بن نمير لمروان بن الحكم عند موت معاوية: أقيموا أمركم قبل أن يدخل عليكم شامكم، فتكون فتنة، فكان رأي مروان أن يردّ إلى ابن الزبير فيبايعه، فقدم عليه عبد اللَّه بن زياد هاربا من العراق، و كان عند ما بلغه موت يزيد خطب الناس، و نعى إليهم يزيد و قال: اختاروا لأنفسكم أميرا، فقالوا: نختارك حتى يستقيم أمر الناس، فوضع الديون و بذل العطاء، فخرج عليه سلمة الرياحيّ بناحية البصرة، فدعا إلى ابن الزبير، فمال الناس إليه.

و قال سعيد بن يزيد الأزدي: قال عبيد اللَّه لأهل البصرة: اختاروا لأنفسكم، قالوا: نختارك، فبايعوه و قالوا: أخرج لنا إخواننا، و كان قد ملأ السجون من الخوارج، فقال: لا تفعلوا فإنّهم يفسدون عليكم، فأبوا عليه، فأخرجهم، فجعلوا يبايعونه، فما تتامّ آخرهم حتى أغلظوا له، ثم خرجوا في ناحية بني تميم [ (4)].

و روى جرير بن حازم، عن عمّه، أنهم خرجوا، فجعلوا يمسحون أيديهم بجدر باب الإمارة، و يقولون: هذه بيعة ابن مرجانة، و اجترأ عليه‏

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 255.

[ (2)] تاريخ دمشق (الظاهرية) 16/ 395 ب.

[ (3)] في البداية و النهاية 8/ 237: صلى عليه أخوه خالد، و قيل عثمان بن عنبسة، و قيل الوليد بن عقبة و هو الصحيح، فإنه أوصى إليه بذلك.

[ (4)] انظر تاريخ الطبري 5/ 505.

37

الناس حتى نهبوا خيله من مربطه.

و قال غيره: فهرب بالليل، فاستجار بمسعود بن عمرو رئيس الأزد، فأجاره.

ثم إنّ أهل البصرة بايعوا عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل الهاشمي ببّه [ (1)]، و رضوا به أميرا عليهم، و اجتمع الناس لتتمة البيعة، فوثبت الحروريّة على مسعود بن عمرو، فقتلوه، و هرب الناس، و تفاقم الشرّ، و افترق الجيش فرقتين، و كانوا نحوا من خمسين ألفا، و اقتتلوا ثلاثة أيام، فكان على الخوارج نافع بن الأزرق.

و قال الزبير بن الخرّيت، عن أبي لبيد، إنّ مسعودا جهّز مع عبيد اللَّه بن زياد مائة من الأزد، فأقدموه الشام.

و روى ابن الخرّيت، عن أبي لبيد، عن الحارث بن قيس الجهضمي قال: قال ابن زياد: إني لأعرف سورا كان في قومك، قال الحارث: فوقفت عليه فأردفته على بغلتي، و ذلك ليلا، و أخذ على بني سليم فقال: من هؤلاء؟

قلت: بنو سليم، قال: سلمنا إن شاء اللَّه، ثم مررنا على بني ناجية و هم جلوس معهم السلاح، فقالوا: من ذا؟ قلت: الحارث بن قيس، قالوا:

امض راشدا، فقال رجل: هذا و اللَّه ابن مرجانة خلفه، فرماه بسهم، فوضعه في كور عمامته، فقال: يا أبا محمد من هؤلاء؟ قلت: الذين كنت تزعم أنهم من قريش، هؤلاء بنو ناجية، فقال: نجونا إن شاء اللَّه، ثم قال: إنك قد أحسنت و أجملت، فهل تصنع ما أشير به عليك، قد عرفت حال مسعود بن عمرو و شرفه و سنّه، و طاعة قومه له، فهل لك أن تذهب بي إليه، فأكون في داره، فهي أوسط الأزد دارا، فإنك إن لم تفعل تصدع عليك قومك؟ قلت:

نعم، فانطلقت به، فأشعر مسعود و هو جالس يوقد له بقصب على لبنة، و هو يعالج أحد خفّيه بخلعه، فعرفنا فقال: إنه قد كان يتعوّذ من طوارق السوء، فقلت له: أ فتخرجه بعد ما دخل عليك بيتك! فأمره، فدخل عليه بيت ابنه‏

____________

[ (1)] بتشديد الموحدة، كما في (نزهة الألباب في الألقاب لابن حجر العسقلاني).

38

عبد الغافر، و ركب معي في جماعة من قومه، و طاف في الأزد فقال: إنّ ابن زياد قد فقد، و إنّا لا نأمن أن نلطخ به، فأصبحت الأزد في السلاح، و أصبح الناس قد فقدوا ابن زياد فقالوا: أين توجّه، ما هو إلا في الأزد؟

قال خليفة [ (1)]: قال أبو اليقظان: فسار مسعود و أصحابه يريدون دار الإمارة، و دخلوا المسجد، و قتلوا قصّارا كان في ناحية المسجد، و نهبوا دار امرأة، و بعث الأحنف حين علم بذلك إلى بني تميم، فجاءوا، و دخلت الأساورة المسجد فرموا بالنشّاب، فيقال: فقئوا عين أربعين نفسا. و جاء رجل من بني تميم إلى مسعود فقتله، و هرب مالك بن مسمع، فلجأ إلى بني عديّ، و انهزم الناس.

و قال الزبير بن الخرّيت، عن أبي لبيد: إن عبد اللَّه قدم الشام، و قد بايع أهلها عبد اللَّه بن الزبير، ما خلا أهل الجابية و من كان من بني أميّة، فبايع هو و مروان و بنو أميّة خالد بن يزيد بن معاوية، بعد موت أخيه معاوية، في نصف ذي القعدة، ثم ساروا فالتقوا هم و الضّحّاك بن قيس الفهري بمرج راهط، فاقتتلوا أياما في ذي الحجّة، و كان الضّحّاك في ستين ألفا، و كان مروان في ثلاثة عشر ألفا، فأقاموا عشرين يوما يلتقون في كل يوم. فقال عبيد اللَّه بن زياد لمروان: إنّ الضّحّاك في فرسان قيس، و لن تنال منهم ما تريد إلا بمكيدة، فسلهم الموادعة، و أعدّ الخيل، فإذا كفّوا عن القتال فادهمهم، قال: فمشت بينهم السفراء حتى كفّ الضّحّاك عن القتال، فشدّ عليهم مروان في الخيل، فنهضوا للقتال من غير تعبئة، فقتل الضّحّاك، و قتل معه طائفة من فرسان قيس [ (2)]. و سنورد من أخباره في اسمه.

و قال أبو عبيدة: لما مات يزيد انتقض أهل الريّ، فوجّه إليهم عامر بن مسعود أمير الكوفة محمد بن عمير بن عطارد الدارميّ. و كان أصبهبذ [ (3)] الريّ‏

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 258.

[ (2)] تاريخ خليفة 259، 260.

[ (3)] الأصبهبذ: اسم يطلق على كل من يتولّى بلاد طبرستان (انظر معجم البلدان 4/ 14 و 15) و هو أمير الأمراء، و تفسيره حافظ الجيش لأن الجيش «إصبه» و «بذ» حافظ. و هذه ثالثة

39

يومئذ الفرخان [ (1)]، فانهزم الفرخان و المشركون.

(و فيها) ظهرت الخوارج الذين بمصر، و دعوا إلى عبد اللَّه بن الزبير، و كانوا يظنّونه على مذهبهم، و لحق به خلق من مصر إلى الحجاز، فبعث ابن الزبير على مصر: عبد الرحمن بن جحدم الفهري [ (2)]، فوثبوا على سعيد الأزدي فاعتزلهم.

و أما الكوفيون، فإنّهم بعد هروب ابن زياد اصطلحوا على عامر بن مسعود الجمحيّ، فأقرّه ابن الزبير [ (3)] (و فيها) هدم ابن الزبير الكعبة لما احترقت، و بناها على قواعد إبراهيم الخليل، صلّى اللَّه عليه و على نبيّنا- الحديث المشهور-،

و هو في البخاري، و متنه أنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

«يا عائشة، لو لا أنّ قومك حديثو عهد بكفر لنقضت الكعبة، و لأدخلت الحجر في البيت، و لجعلت لها بابين، بابا يدخل الناس منه، و بابا يخرجون منه،

و قال:

«إنّ قريشا قصّرت بهم النفقة، فتركوا من أساس إبراهيم الحجر، و اقتصروا على هذا»،

و قال:

«إنّ قومك عملوا لها بابا عاليا، ليدخلوا من أرادوا، أو يمنعوا من أرادوا» [ (4)]

فبناه ابن الزبير كبيرا، و ألصق بابه بالأرض، فلما قتل ابن الزبير و ولّي الحجّاج على مكة أعاد البيت على ما كان في زمن النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و نقض حائطه‏

____________

[ ()] المراتب العظيمة عند الفرس. (التنبيه و الإشراف للمسعوديّ 91).

[ (1)] في تاريخ خليفة 261 «البرجان».

[ (2)] تاريخ الطبري 5/ 530 و 540.

[ (3)] تاريخ الطبري 5/ 524

[ (4)] أخرجه البخاري في العلم 1/ 198 1/ 198 و 199، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشدّ منه، و في الحج، باب فضل مكة و بنيانها، و في الأنبياء، باب قول اللَّه تعالى‏ وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا، و في تفسير سورة البقرة، باب قوله تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ‏، و في التمنّي، باب ما يجوز من اللّو.

و أخرجه مسلم في الحجّ (1333) باب نقض الكعبة و بنائها.

40

من جهة الحجر فصغّره، و أخرج منه الحجر، و أخذ ما فضل من الحجارة، فدكّها في أرض البيت، فعلا بابه، و سدّ الباب الغربي [ (1)].

____________

[ (1)] أخبار مكة 1/ 206 و 207، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام (بتحقيقنا)- ج 1/ 342، تاريخ خليفة 261، الطبري 5/ 582.

41

[حوادث‏] سنة خمس و ستين‏

توفي فيها: أسيد بن ظهير الأنصاري، و عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، و مروان بن الحكم، و سليمان بن صرد، و المسيّب بن نجبة، و مالك بن هبيرة السكونيّ، و له صحبة، و النعمان بن بشير في أول سنة، و قيل في آخر سنة أربع، و الحارث بن عبد اللَّه الهمدانيّ الأعور.

و لما انقضت وقعة مرج راهط في أول السنة بايع أكثر أهل الشام لمروان، فبقي تسعة أشهر، و مات، و عهد إلى ابنه عبد الملك [ (1)].

و فيها دخل المهلّب بن أبي صفرة الأزدي خراسان أميرا عليها من جهة ابن الزبير، فكلّمه أميرها الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي في قتال الأزارقة و الخوارج، و أشار بذلك الأحنف بن قيس، و أمدّوه بالجيوش، فسار و حارب الأزارقة أصحاب ابن الأزرق، و صابرهم على القتال حتى كسرهم، و قتل منهم أربعة آلاف و ثمانمائة [ (2)].

____________

[ (1)] تاريخ خليفة 259 و 261.

[ (2)] انظر تاريخ الطبري 5/ 613 و ما بعدها.

42

و فيها سار مروان بجيوشه إلى مصر، و قد كان كاتبه كريب بن أبرهة، و عابس بن سعيد قاضي مصر، فحاصر جيشه والي مصر لابن الزبير، فخندق على البلد، و خرج أهل مصر، و هو اليوم الّذي يسمّونه يوم التراويح، لأنّ أهل مصر كانوا ينتابون القتال و يستريحون، و استحرّ القتل في المعافر، فقتل منهم خلق، و قتل يومئذ عبد اللَّه بن يزيد بن معديكرب الكلاعي، أحد الأشراف، ثم صالحوا مروان، فكتب لهم كتابا بيده، و تفرّق الناس، و أخذوا في دفن قتلاهم و في البكاء، ثم تجهّز إلى مصر عبد الرحمن بن جحدم، و أسرع إلى ابن الزبير، و ضرب مروان عنق ثمانين رجلا تخلّفوا عن مبايعته. و ضرب عنق الأكيدر [ (1)] بن حمام اللخميّ سيّد لخم و شيخها في هذه الأيام، و كان من قتلة عثمان رضي اللَّه عنه، و ذلك في نصف جمادى الآخرة، يوم مات عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنهما. و ما قدروا يخرجون بجنازة عبد اللَّه، فدفنوه بداره.

و استولى مروان على مصر، و أقام بها شهرين، ثم استعمل عليها ابنه عبد العزيز، و ترك عنده أخاه بشر بن مروان، و موسى بن نصير وزيرا، و أوصاه بالمبايعة في الإحسان إلى الأكابر، و رجع إلى الشام [ (2)].

و فيها وفد الزّهري على مروان، قال عنبسة بن سعيد، عن يونس، عن الزهري: وفدت على مروان و أنا محتلم.

قلت: و هذا بعيد، و إنما المعروف وفادته أول شي‏ء على عبد الملك في أواخر إمارته [ (3)].

____________

[ (1)] في كتاب: الولاة و القضاة- ص 43 «أكدر».

[ (2)] انظر كتاب: الولاة و القضاة 41 و ما بعدها.

[ (3)] كان ذلك في سنة 82 ه. كما روى ابن عساكر في ترجمة الزهري التي نشرها: شكر اللَّه بن نعمة اللَّه القوجاني، و ذلك من طريق: محمد بن الحسين، عن عبد اللَّه، عن يعقوب، عن ابن بكير، عن الليث.- ص 12.

43

(و فيها) وجّه مروان حبيش بن دلجة القيني في أربعة آلاف إلى المدينة، و قال له: أنت على ما كان عليه مسلم بن عقبة، فسار و معه عبيد اللَّه ابن الحكم أخو مروان، و أبو الحجّاج يوسف الثقفي، و ابنه الحجّاج و هو شابّ، فجهّز متولّي البصرة من جهة ابن الزبير عمر بن عبيد اللَّه التيمي جيشا من البصرة، فالتقوا هم و حبيش بالربذة في أول رمضان، فقتل حبيش بن دلجة، و عبيد اللَّه بن الحكم، و أكثر ذلك الجيش، و هرب من بقي، فتخطّفتهم الأعراب، و هرب الحجّاج ردف أبيه [ (1)].

(و فيها) دعا ابن الزبير إلى بيعته محمد بن الحنيفة، فأبى عليه، فحصره في شعب بني هاشم في جماعة من بيته و شيعته و توعّدهم [ (2)].

(و فيها) خرج بنو ماحوز بالأهواز و فارس، و تقدّم عسكرهم، فاعترضوا أهل المدائن، فقتلوهم أجمعين، ثم ساروا إلى أصبهان، و عليها عتّاب بن ورقاء الرياحي، فقتل ابن ماحوز، و انهزم الخوارج الذين معه، ثم أمّروا عليهم قطري بن الفجاءة [ (3)].

و أما نجدة الحروريّ فإنه قدم في العام الماضي في جموعه من الحروريّة على ابن الزبير، و قاتلوا معه، فلما ذهب أهل الشام اجتمعوا بابن الزبير و سألوه: ما تقول في عثمان؟ فقال: تعالوا العشيّة حتى أجيبكم، ثم هيّأ أصحابه بالسلاح، فجاءت الخوارج، فقال نافع بن الأزرق لأصحابه: قد خشي الرجل غائلتكم، ثم دنا منه فقال: يا هذا اتّق اللَّه، و أبغض الجائر [ (4)]، و عاد أول من سنّ الضلالة، و خالف حكم الكتاب، و إن خالفت فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم، و أذهبوا طيّباتهم في حياتهم الدنيا.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 5/ 611، 612.

[ (2)] تاريخ خليفة 262.

[ (3)] تاريخ الطبري 5/ 613 و ما بعدها.

[ (4)] في تاريخ الطبري 5/ 565 «و أبغض الخائن المستأثر».

44

ثم تكلّم خطيب القوم عبيدة بن هلال، فأبلغ.

ثم تكلّم ابن الزبير، فقال في آخر مقالته: أنا وليّ عثمان في الدنيا و الآخرة، قالوا: فبرئ اللَّه منك يا عدوّ اللَّه، فقال: و بري‏ء اللَّه منكم يا أعداء اللَّه، فتفرّقوا على مثل هذا.

و رحلوا، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظليّ، و عبد اللَّه بن صفوان [ (1)] السعدي، و عبد اللَّه بن إباض، و حنظلة بن بيهس، و عبد اللَّه، و عبيد اللَّه، و ابن الماحوز اليربوعي، حتى قدموا البصرة، و انطلق أبو طالوت، و أبو فديك عبد اللَّه بن ثور، و عطيّة اليشكري، فوثبوا باليمامة، ثم اجتمعوا بعد ذلك على نجدة بن عامر الحنفي الحروريّ [ (2)].

و لما رجع مروان إلى دمشق إذا مصعب بن الزبير قد قدم في عسكر من الحجاز يطلب فلسطين، فسرّح مروان لحربه عمرو بن سعيد الأشدق، فقاتله، فانهزم أصحاب مصعب [ (3)].

و ورد أنّ مروان تزوّج بأم خالد بن يزيد بن معاوية، و جعله وليّ عهده من بعده، ثم بعده عمرو بن سعيد، ثم لم يتمّ ذلك [ (4)].

و فيها بايع جند خراسان سلم بن زياد بن أبيه، بعد موت معاوية بن يزيد، و أحبّوه حتى يقال: سمّوا باسمه تلك السنة أكثر من عشرين ألف مولود، فبايعوه على أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة، ثم نكثوا و اختلفوا، فخرج سلم و ترك عليهم المهلّب بن أبي صفرة، فلقيه بنيسابور عبد اللَّه بن خازم [ (5)] السلمي فقال: من ولّيت على خراسان؟ فأخبره، قال: ما وجدت في مصر رجلا تستعمله حتى فرّقت خراسان بين بكر بن وائل و أزد

____________

[ (1)] في تاريخ الطبري 5/ 566 «صفار».

[ (2)] تاريخ الطبري 5/ 565، 566.

[ (3)] تاريخ الطبري 5/ 540، 610.

[ (4)] تاريخ الطبري 5/ 610، 611.

[ (5)] في الأصل هنا و فيما يستقبلك «حازم».

45

عمان! و قال: اكتب لي عهدا على خراسان، فكتب له، و أعطاه مائة ألف درهم، فأقبل إلى مرو، فبلغ المهلّب الخبر، فتهيّأ و غلب ابن خازم على مرو، ثم صار إلى سليمان بن مرثد، فاقتتلوا أياما، فقتل سليمان، ثم سار ابن خازم إلى عمرو بن مرثد و هو بالطالقان [ (1)] في سبعمائة، فبلغ عمرا، فسار إليه، فالتقوا فقتل عمرو، و هرب أصحابه إلى هراة، و بها أوس بن ثعلبة، فاجتمع له خلق كثير و قالوا: نبايعك، على أن تشير إلى ابن خازم فيخرج مضر من خراسان كلها، فقال: هذا بغي، و أهل البغي مخذولون، فلم يطيعوه، و سار إليهم ابن خازم، فخندقوا على هراة، فاقتتلوا نحو سنة، و شرع ابن خازم يلين لهم، فقالوا: لا، إلا أن تخرج مضر من خراسان، و إما أن ينزلوا عن كل سلاح و مال، فقال ابن خازم: وجدت إخواننا قطعا للرّحم، قال: قد أخبرتك أنّ ربيعة لم تزل غضابا على ربّها مذ بعث اللَّه تعالى نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من مضر.

ثم كانت بينه و بين أوس بعد الحصار الطويل وقعة هائلة، أثخن فيها أوس بالجراحات، و قتلت ربيعة قتلا ذريعا، و هرب أوس إلى سجستان فمات بها، و قتل من جنده يومئذ من بكر بن وائل ثمانية آلاف، و استخلف ابن خازم ولده على هراة، و رجع إلى مرو [ (2)].

(و فيها) سار المختار بن أبي عبيد الثقفي في رمضان من مكة، و معه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه أميرا من قبل ابن الزبير على خراج الكوفة، فقدم المختار الكوفة و الشيعة، قد اجتمعت على سليمان بن صرد، فليس يعدلون به، فجعل المختار يدعوهم إلى نفسه، و إلى الطلب بدم الحسين، فتقول الشيعة: هذا سليمان شيخنا، فأخذ يقول لهم: إني قد جئتكم من قبل المهديّ محمد بن الحنفية، فصار معه طائفة من الشيعة، ثم قدم على‏

____________

[ (1)] الطالقان: بعد الألف لام مفتوحة و قاف، و آخره نون، بلدتان إحداهما بخراسان بين مروالروذ و بلخ. و هي أكبر مدينة بطخارستان. (المسالك و الممالك للإصطخري 152 و 153، و معجم البلدان 4/ 6).

[ (2)] تاريخ الطبري 5/ 546، 547.

46

الكوفة عبد اللَّه بن يزيد الخطميّ [ (1)] من قبل ابن الزبير، فنبّهوه على أمر الشيعة، و أن نيّتهم أن يتوبوا، فخطب الناس، و سبّ قتلة الحسين، ثم قال: ليس هؤلاء القوم و ليخرجوا ظاهرين إلى قاتل الحسين عبيد اللَّه بن زياد، فقد أقبل إليهم، و أنا لهم على قتاله ظهير، فقتاله أولى بكم، فقام إبراهيم بن محمد بن طلحة، فنقم عليه هذه المقالة و عابها، فقام إليه المسيّب بن نجبة فسبّه، و شرعوا يتجهّزون للخروج إلى ملتقى عبيد اللَّه بن زياد.

و قد كان سليمان بن صرد الخزاعي، و المسيّب بن نجبة الفزاري- و هما من شيعة علي و من كبار أصحابه- خرجا في ربيع الآخر يطلبون بدم الحسين بظاهر الكوفة في أربعة آلاف، و نادوا: يا لثارات الحسين، و تعبّدوا بذلك، و لكن ثبّط جماعة و قالوا: إنّ سليمان لا يصنع شيئاً، إنما يلقي بالناس إلى التهلكة، و لا خبرة له بالحرب، و قام سليمان في أصحابه، فحضّ على الجهاد و قال: من أراد الدنيا فلا يصحبنا، و من أراد وجه اللَّه و الثواب في الآخرة فذلك، و قام صخر بن حذيفة المزني فقال: آتاك اللَّه الرشد، أيها الناس إنما أخرجتنا التوبة من ذنوبنا، و الطلب بدم ابن بنت نبيّنا ليس معنا دينار و لا درهم، إنما نقدم على حدّ السيوف.

و قام عبد اللَّه بن سعد بن نفيل الأزدي في قومه، فدخل على سليمان ابن صرد فقال: إنما خرجنا نطلب بدم الحسين، و قتلته كلهم بالكوفة، عمر ابن سعد، و أشراف القبائل، فقالوا: لقد جاء برأي، و ما نلقى إن سرنا إلى الشام إلا عبيد اللَّه بن زياد، فقال سليمان: أنا أرى أنه هو الّذي قتله، و عبّأ الجنود و قال: لا أمان له عندي دون أن يستسلم، فأمضي فيه حكمي، فسيروا إليه، و كان عمر بن سعد في تلك الأيام خائفا، لا يبيت إلا في قصر الإمارة، فخرج عبد اللَّه بن يزيد الخطميّ، و إبراهيم بن محمد فأتيا سليمان بن صرد، فقال: إنكم أحبّ أهل بلدنا إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، و لا تنقصوا عددنا

____________

[ (1)] في الأصل «الحطمي»، و التصحيح من (اللباب في تهذيب الأنساب ج 1 ص 453).

47

بخروجكم، أقيموا معنا حتى نتهيّأ، فإذا علمنا أنّ عدوّنا قد شارف بلادنا خرجنا كلّنا فقاتلناه، فقال سليمان: قد خرجنا لأمر، و لا نرانا إلا شاخصين إن شاء اللَّه، قال: فأقيموا حتى نعبّئ معكم جيشا كثيفا، فقال: سأنظر و يأتيك رأيي.

ثم سار، و خرج معه كل مستميت، و انقطع عنه بشر كثير، فقال سليمان: ما أحبّ أنّ من تخلّف عنكم معكم، و أتوا قبر الحسين فبكوا، و قاموا يوما و ليلة يصلّون عليه و يستغفرون له، و قال سليمان: يا رب إنّا قد خذلناه، فاغفر لنا، و تب علينا.

ثم أتاهم كتاب عبد اللَّه بن زيد من الكوفة ينشدهم اللَّه و يقول: أنتم عدد يسير، و إنّ جيش الشام خلق، فلم يلووا عليه، ثم قدموا قرقيسياء، فنزلوا بظاهرها و بها زفر [ (1)] بن الحارث الكلابي قد حصّنها، فأتى بابها المسيّب ابن نجبة، فأخبروا به زفر [ (1)] فقال: هذا و فارس مضر الحمراء كلها، و هو ناسك دين، فأذن له و لاطفه، فقال: ممّن نتحصّن، إنّا و اللَّه ما إياكم نريد، فأخرجوا لنا سوقا، فأمر لهم بسوق، و أمر للمسيّب بفرس، و بعث إليهم من عنده بعلف كثير، و بعث إلى وجوه القوم بعشر جزائر و علف و طعام، فما احتاجوا إلى شراء شي‏ء من السوق، إلا مثل سوط أو ثوب، و خرج فشيّعهم و قال: إنه قد بعث خمسة أمراء قد فصلوا من الرّقّة: حصين بن نمير السّكونيّ، و شرحبيل ابن ذي الكلاع، و أدهم بن محرز الباهليّ، و ربيعة بن المخارق الغنويّ، و جبلة [ (2)] الخثعميّ، في عدد كثير، فقال سليمان: على اللَّه توكلنا، قال زفر [ (1)]:

فتدخلون مدينتنا، و يكون أمرنا واحدا، و نقاتل معكم، فقال: قد أرادنا أهل بلدنا على ذلك، فلم نفعل، قال: فبادروهم إلى عين الوردة، فاجعلوا المدينة في ظهوركم، و يكون الرّستاق و الماء في أيديكم، و لا تقاتلوا في فضاء، فإنّهم أكثر منكم، فيحيطون بكم، و لا تراموهم، و لا تصفّوا لهم، فإنّي‏

____________

[ (1)] في الأصل «نفر»، و التحرير من تاريخ ابن جرير 5/ 594 و غيره.

[ (2)] في نسخة القدسي 2/ 370: «و حملة»، و التصحيح من تاريخ لطبري.

48

لا أرى معكم رجّالة [ (1)] و القوم ذوو رجال [ (2)] و فرسان، و القوم كراديس.

قال: فعبّأ سليمان بن صرد كنانته، و انتهى إلى عين الوردة، فنزل في غربيّها، و أقام خمسا، فاستراحوا و أراحوا خيولهم، ثم قال سليمان: إن قتلت فأميركم المسيّب، فإن أصيب فالأمير عبد اللَّه بن سعد بن نفيل، فإن قتل فالأمير عبد اللَّه بن وال، فإن قتل فالأمير رفاعة بن شدّاد، رحم اللَّه من صدق ما عاهد اللَّه عليه، ثم جهّز المسيّب بن نجبة في أربعمائة، فانقضّوا على مقدّمة القوم، و عليها شرحبيل بن ذي الكلاع، و هم غارّون، فقاتلوهم فهزموهم، و أخذوا من خيلهم و أمتعتهم و ردّوا، فبلغ الخبر عبيد اللَّه بن زياد.

فجهّز إليهم الحصين بن نمير في اثني عشر ألفا، ثم ردفهم بشرحبيل في ثمانية آلاف، ثم أمدّهم من الصباح بأدهم بن محرز في عشرة آلاف، و وقع القتال، و دام الحرب ثلاثة أيام قتالا لم ير مثله، و قتل من الشاميين خلق كثير. و قتل من التّوّابين- و كذا كانوا يسمّون، لأنّهم تابوا إلى اللَّه من خذلان الحسين رضي اللَّه عنه- فاستشهد أمراؤهم الأربعة، لم يخبر رفاعة بمن بقي و ردّ إلى الكوفة، و كان المختار في الجيش، فكتب إلى رفاعة بن شدّاد:

مرحبا بمن عظّم اللَّه لهم الأجر، فأبشروا إنّ سليمان قضى ما عليه، و لم يكن بصاحبكم الّذي به تنصرون، إني أنا الأمير المأمون، و قاتل الجبّارين، فأعدّوا و استعدّوا، و كان قد حبسه الأميران إبراهيم بن محمد بن طلحة، و عبد اللَّه بن يزيد الخطميّ، فبقي أشهرا، ثم بعث عبد اللَّه بن عمر يشفع فيه إلى الأميرين، فضمنه جماعة و أخرجوه، و حلّفوه فحلف لهما مضمرا للشرّ، فشرعت الشيعة تختلف إليه و أمره يستفحل [ (3)].

و كانت الكعبة احترقت في العام الماضي من مجمر، علقت النار في‏

____________

[ (1)] في نسخة القدسي 2/ 370: «رجال»، و التصحيح من تاريخ (الطبري 5/ 595).

[ (2)] في نسخة القدسي 2/ 370 «رجالا».

[ (3)] الخبر في الطبري مطوّلا 5/ 593- 607.

49

الأستار، فأمر ابن الزبير في هذا العام بهدمها إلى الأساس، و أنشأها محكمة، و أدخل من الحجر فيها سعة ستة أذرع، لأجل الحديث الّذي حدّثته خالته أم المؤمنين عائشة، ثم إنه لما نقضها و وصلوا إلى الأساس، عاينوه آخذا بعضه ببعض كأسنمة البخت، و أنّ الستة الأذرع من جملة الأساس، فبنوا على ذلك، و للَّه الحمد، و ألصقوا داخلها بالأرض، لم يرفعوا داخلها، و عملوا لها بابا آخر في ظهرها، ثم سدّه الحجّاج، فذلك بيّن للناظرين، ثم قصّر تلك الستة الأذرع، فأخرجها من البيت، و دكّ تلك الحجارة في أرض البيت، حتى علا كما هو في زماننا، زاده اللَّه تعظيما [ (1)].

و غلب في هذه السنة عبد اللَّه بن خازم على خراسان، و غلب معاوية الكلابيّ على السّند، إلى أن قدم الحجّاج البحرين، و غلب نجدة الحروريّ على البحرين و على بعض اليمن.

و أما عبيد اللَّه بن زياد فإنه بعد وقعة عين الوردة مرض بأرض الجزيرة، فاحتبس بها و بقتال أهلها عن العراق نحوا من سنة، ثم قصد الموصل و عليها عامل المختار كما يأتي.

____________

[ (1)] انظر تاريخ الطبري 5/ 622.

50

[حوادث‏] سنة ست و ستين‏

توفي فيها: جابر بن سمرة، و زيد بن أرقم على الأصحّ فيهما، و هبيرة بن يريم [ (1)]، و أسماء بن خارجة الفزاري، و قتل عبيد اللَّه بن زياد بن أبيه، و شرحبيل بن ذي الكلاع، و حصين بن نمير السّكونيّ.

و قيل: إنما قتلوا في أول سنة سبع و ستين.

و في أثناء السنة عزل ابن الزبير عن الكوفة، أميرها و أرسل عليها عبد اللَّه بن مطيع، فخرج من السجن المختار، و قد التفّ عليه خلق من الشيعة، و قويت بليّته، و ضعف ابن مطيع معه، ثم إنه توثّب بالكوفة، فناوشه طائفة من أهل الكوفة القتال، فقتل منهم رفاعة بن شدّاد، و عبد اللَّه بن سعد ابن قيس، و غلب على الكوفة، و هرب منه عبد اللَّه بن مطيع إلى ابن الزبير، و جعل يتبع قتلة الحسين، و قتل عمر بن سعد بن أبي وقاص، و شمر بن ذي الجوشن الضبابيّ و جماعة، و افترى على اللَّه أنه يأتيه جبريل بالوحي، فلهذا قيل له المختار الكذّاب، كما قالوا مسيلمة الكذّاب. و لما قويت شوكته في هذا العام، كتب إلى ابن الزبير يحطّ على عبد اللَّه بن مطيع، و يقول: رأيته مداهنا لبني أميّة، فلم يسعني أن أقرّه على ذلك و أنا على طاعتك، فصدّقه ابن الزبير و كتب إليه بولاية الكوفة، فكفاه جيش عبيد اللَّه بن زياد، و أخرج من عنده إبراهيم بن الأشتر [ (2)]، و قد جهّزه للحرب ابن زياد في ذي الحجّة،

____________

[ (1)] في الأصل «هبيرة بن مريم» و التصويب من تاريخ خليفة 263.

[ (2)] في الأصل «إبراهيم بن الأسير».

51

و شيّعه المختار إلى دير ابن أم الحكم، و استقبل إبراهيم أصحاب المختار قد حملوا الكرسي الّذي قال لهم المختار: هذا فيه سرّ، و إنه آية لكم كما كان التابوت آية لبني إسرائيل، قال: و هم يدعون حول الكرسي و يحفّون به، فغضب ابن الأشتر و قال: اللَّهمّ لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، سنّة بني إسرائيل إذ عكفوا على العجل [ (1)].

فائدة

و افتعل المختار كتابا عن ابن الحنفيّة يأمره فيه بنصر الشيعة، فذهب بعض الأشراف إلى ابن الحنفيّة فقال: وددت أنّ اللَّه انتصر لنا بمن شاء، فوثب إبراهيم بن الأشتر، و كان بعيد الصوت، كثير العشيرة، فخرج و قتل إياس بن مضارب أمير الشرطة، و دخل على المختار، فأخبره، ففرح و نادى أصحابه في الليل بشعارهم، و اجتمعوا بعسكر المختار بدير هند، و خرج أبو عثمان النهدي فنادى: يا ثارات الحسين، ألا إنّ أمير آل محمد قد خرج [ (2)].

ثم التقى الفريقان من الغد، فاستظهر المختار، ثم اختفى ابن مطيع، و أخذ المختار يعدل و يحسن السيرة، و بعث في السرّ إلى ابن مطيع بمائة ألف، و كان صديقه قبل ذلك، و قال: تجهّز بهذه و اخرج، فقد شعرت أين أنت، و وجد المختار في بيت المال سبعة آلاف [ (3)]، فأنفق في جنده قوّاهم.

قال ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة: حدّثني معبد بن خالد، حدّثني طفيل بن جعدة بن هبيرة قال: كان لجار لي زيّات، كرسيّ، و كنت قد احتجت، فقلت للمختار: إني كنت أكتمك شيئا، و قد بدا لي أن أذكره. قال: و ما هو؟ قلت: كرسيّ كان أبي يجلس عليه، كان يرى أن فيه أثرةً من علمٍ، قال: سبحان اللَّه! أخّرته إلى اليوم، قال: و كان ركبه وسخ‏

____________

[ (1)] الخبر في تاريخ الطبري مطوّلا 6/ 7 و ما بعدها، و تاريخ خليفة 263.

[ (2)] تاريخ الطبري 6/ 22، 23.

[ (3)] عند الطبري 6/ 33 «تسعة آلاف». و انظر: الأخبار الطوال 291، 292.

52

شديد، فغسل و خرج عوادا نضارا [ (1)]، فجي‏ء به و قد غشي، فأمر لي باثني عشر ألفا، ثم دعا: الصلاة جامعة، فاجتمعوا فقال: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا و هو كائن في هذه الأمة مثله، و إنه كان في بني إسرائيل التابوت، و إنّ فينا مثل التابوت، اكشفوا عنه، فكشفوا الأثواب [ (2)]، و قامت السبائية [ (3)] فرفعوا أيديهم، فقام شبث بن ربعيّ ينكر، فضرب [ (4)].

فلما قتل عبيد اللَّه بن زياد، و خبره المقتلة الآتية، ازداد أصحابه به فتنة، و تغالوا فيه حتى تعاطوا الكفر، فقلت: إنّا للَّه، و ندمت على ما صنعت، فتكلّم الناس في ذلك، فغيّب، قال معبد: فلم أره بعد [ (5)].

قال محمد بن جرير [ (6)]: و وجّه المختار في ذي الحجّة ابن الأشتر لقتال ابن زياد، و ذلك بعد فراغ المختار من قتال أهل السّبيع و أهل الكناسة الذين خرجوا على المختار، و أبغضوه من أهل الكوفة، و أوصى ابن الأشتر و قال:

هذا الكرسيّ لكم آية، فحملوه على بغل أشهب، و جعلوا يدعون حوله و يضجّون، و يستنصرون به على قتال أهل الشام، فلما اصطلم أهل الشام ازداد شيعة المختار بالكرسيّ فتنة، فلما رآهم كذلك إبراهيم بن الأشتر تألّم و قال: اللَّهمّ لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، سنّة بني إسرائيل إذ عكفوا على العجل.

و كان المختار يربط أصحابه بالمحال و الكذب، و يتألّفهم بما أمكن، و يتألّف الشيعة بقتل قتلة الحسين.

و عن الشعبي قال: خرجت أنا و أبي مع المختار من الكوفة، فقال لنا:

أبشروا، فإنّ شرطة اللَّه قد حسوهم بالسيوف بنصيبين أو بقرب نصّيبين،

____________

[ (1)] في تاريخ الأمم و الملوك 6/ 83 «عود نضار».

[ (2)] بالأصل «الأبواب»، و التصحيح من تاريخ الطبري 4/ 83.

[ (3)] في الأصل «السرائية»، و التحرير مما عند ابن جرير 6/ 83.

[ (4)] تاريخ الطبري 6/ 83.

[ (5)] الطبري 6/ 83.

[ (6)] تاريخ الطبري 6/ 81- 82.

53

فدخلنا المدائن، فو اللَّه إنه ليخطبنا إذ جاءته البشرى بالنصر، فقال: أ لم أبشّركم بهذا؟ قالوا: بلى و اللَّه.

قال: يقول لي رجل همدانيّ من الفرسان: أتؤمن الآن يا شعبيّ؟

قلت: بما ذا؟ قال: بأنّ المختار يعلم الغيب، أ لم يقل إنهم انهزموا، قلت:

إنما زعم أنهم هزموا بنصيبين، و إنما كان ذلك بالخازر من الموصل، فقال لي: و اللَّه لا تؤمن حتى ترى العذاب الأليم يا شعبيّ [ (1)].

و روي أنّ أحد عمومة الأعشى كان يأتي مجلس أصحابه، فيقولون: قد وضع اليوم وحي ما سمع الناس بمثله، فيه نبأ ما يكون من شي‏ء [ (2)].

و عن موسى بن عامر قال: إنما كان يصنع لهم ذلك عبد اللَّه بن نوف و يقول: إنّ المختار أمرني به، و يتبرّأ منه المختار [ (3)].

و في المختار يقول سراقة بن مرداس البارقيّ الأزديّ:

كفرت بوحيكم و جعلت نذرا* * * عليّ هجاكم [ (4)] حتّى الممات‏

أري عينيّ ما لم تبصراه [ (5)]* * * كلانا عالم بالترّهات [ (6)]

و فيها وقع بمصر طاعون هلك فيه خلق من أهلها [ (7)].

و فيها ضرب الدنانير بمصر عبد العزيز بن مروان، و هو أول من ضربها في الإسلام.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 6/ 92، و انظر: الأخبار الطوال 289، 290.

[ (2)] تاريخ الطبري 6/ 85.

[ (3)] تاريخ الطبري 6/ 85.

[ (4)] في تاريخ الطبري 6/ 55: «قتالكم».

[ (5)] كذا عند الطبري، و في الأصل: «ما لم ترياه».

[ (6)] في تاريخ الطبري 4 أبيات (6/ 55) و في الكامل 4/ 239 ثلاثة أبيات، و كذلك في الأخبار الطوال 303.

[ (7)] تاريخ خليفة 263.

54

و في ذي الحجّة التقى عسكر المختار، و كانوا ثلاثة آلاف، و عسكر ابن زياد، فقتل قائد أصحاب ابن زياد، و اتفق أنّ قائد عسكر المختار كان مريضا فمات من الغد، فانكسر بموته أصحابه و تحيّزوا.