تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج24

- شمس الدين الذهبي المزيد...
324 /
5

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

الطبقة الثالثة و الثلاثون‏

سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة

[شغب الجند على القاهر]

فيها شغب الجند على القاهر باللَّه، و هجموا الدّار، فنزل في طيّار إلى دار مؤنس فشكا إليه. فصبّرهم مؤنس عشرة أيّام.

و كان ابن مقلة منحرفا عن محمد بن ياقوت، فنقل إلى مؤنس أنّ ابن ياقوت يدبّر عليهم. فبعث مؤنس غلمان عليّ بن بليق إلى دار الخلافة يطلبون عيسى الطّبيب لأنّه اتّهم بالفضول. فهجموا إلى أن أخذوه من حضرة القاهر فنفاه مونس إلى الموصل [ (1)].

[التضييق على القاهر]

و اتّفق ابن مقلة و مونس و بليق [ (2)] و ابنه على الإيقاع بابن ياقوت، فعلم فاستتر و تفرّق رجاله. و جاء عليّ بن بليق إلى دار الخلافة، فوكّل بها أحمد بن زيرك [ (3)]، و أمره بالتّضييق على القاهر و تفتيش من يدخل [ (4)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 75، الكامل في التاريخ 8/ 250، النجوم الزاهرة 3/ 238.

[ (2)] يرد في المصادر: «بليق» و «يلبق» بتقديم الياء المثنّاة.

[ (3)] في نهاية الأرب 23/ 109 «زيزك»، و المثبت يتفق مع أكثر المصادر.

[ (4)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 75، تجارب الأمم 5/ 259، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 12، و الإنباء في تاريخ الخلفاء 161، صلة تاريخ الطبري لعريب 185، المنتظم‏

6

و طالب ابن بليق القاهر بما كان عنده من أثاث أمّ المقتدر، فأعطاه إيّاه، فبيع و جعل في بيت المال، و صرف إلى الجند [ (1)].

[موت أم المقتدر]

و نقل ابن بليق أمّ المقتدر إلى عند أمّه، فبقيت عندها مكرّمة عشرة أيّام، و ماتت [ (2)] في سادس جمادى الآخرة [ (3)].

[الإرجاف بسبّ معاوية]

و فيها وقع الإرجاف بأنّ عليّ بن بليق و كاتبه الحسن بن هارون عزما على سبّ معاوية على المنابر، فارتجّت بغداد [ (4)].

[استتار البربهاريّ‏]

و تقدّم ابن بليق بالقبض على رئيس الحنابلة أبي محمد البربهاريّ فاستتر، فنفي جماعة من أصحابه إلى البصرة [ (5)].

[القبض على ابن بليق‏]

و بقي تحيّل القاهر في الباطن على مونس و ابن مقلة، فبلغهم فعملوا على خلعه و تولية ابن المكتفي. فدبّر ابن مقلة تدبيرا انعكس عليه. أشاع بأنّ القرمطيّ قد غلب على الكوفة، و أرسل إلى القاهر: المصلحة خروج ابن بليق إلى قتاله. ليدخل ابن بليق يقبّل يده، فيقبض عليه. ففهمها القاهر، و كرّر ابن‏

____________

[ (- 6)]/ 249، الكامل في التاريخ 8/ 251، تاريخ الزمان 55، تاريخ مختصر الدول 159، نهاية الأرب 23/ 109، النجوم الزاهرة 3/ 238.

[ (1)] تجارب الأمم 1/ 260، المنتظم 6/ 249، تاريخ مختصر الدول 159، النجوم الزاهرة 3/ 238.

[ (2)] جاء في هامش الأصل هذا التعليق: «ث. في آخر السنة قبلها ماتت تحت عذابه معلّقة بحبل، و في هذه السنة ماتت عند أم بليق».

[ (3)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 75، تجارب الأمم 5/ 260، المنتظم 6/ 249، الكامل في التاريخ 8/ 251، البداية و النهاية 11/ 175، 176، تاريخ ابن خلدون 3/ 392.

[ (4)] تجارب الأمم 5/ 260، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 12، المنتظم 6/ 249، نهاية الأرب 23/ 116، البداية و النهاية 11/ 172، النجوم الزاهرة 3/ 238.

[ (5)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 75، تجارب الأمم 5/ 260، 261، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 12، 13، المنتظم 6/ 249.

7

مقلة الطّلب بأن يدخل ابن بليق ليقبّل يده و يسير. فاستراب القاهر، و راسل الغلمان الحجريّة و فرّقهم على الدّركاه، و راح ابن بليق إلى القاهر في عدد يسير، فقام إليه السّاجيّة و شتموه، فهرب و استتر، و اضطرب النّاس، و أصبحوا في مستهلّ شعبان قلقين [ (1)].

[القبض على مؤنس‏]

و جاء بليق إلى دار الخليقة ليعتذر عن ابنه، فقبض عليه و على أحمد بن زيرك، و على يمن المؤنسيّ صاحب شرطة بغداد و حبسوا و صار الجيش كلّه في دار الخليفة، فراسل مونسا و قال: أنت عندي كالوالد، فأتني تشير عليّ. فاعتذر بثقل الحركة. ثمّ أشاروا عليه بالإتيان، فلمّا حصل في دار الخلافة قبض عليه [ (2)]، فاختفى ابن مقلة.

فاستوزر القاهر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد اللَّه [ (3)]،

[إحراق دار ابن مقلة]

و أحرقت دار ابن مقلة، كما أحرقت قبل هذه المرّة [ (4)].

[هرب ابن ياقوت إلى فارس‏]

و هرب محمد بن ياقوت إلى فارس، فكتب إليه بعهده على أصبهان [ (5)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 77، تجارب الأمم 5/ 264، الكامل في التاريخ 8/ 252- 254، تاريخ مختصر الدول 160، نهاية الأرب 23/ 111، 112، البداية و النهاية 11/ 172، تاريخ ابن خلدون 3/ 393، النجوم الزاهرة 3/ 238.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 77، تجارب الأمم 5/ 261- 264، الكامل في التاريخ 8/ 255، 256، تاريخ مختصر الدول 159، 160، زبدة الحلب 1/ 97، نهاية الأرب 23/ 112، 113، المختصر في أخبار البشر 2/ 77، تاريخ ابن الوردي 1/ 263، النجوم الزاهرة 3/ 238.

[ (3)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 78، تجارب الأمم 5/ 264، 265، تاريخ حلب للعظيميّ 286 و فيه «أبو جعفر بن القاسم بن سليمان»، الكامل في التاريخ 8/ 256، نهاية الأرب 23/ 115، المختصر في أخبار البشر 2/ 77، النجوم الزاهرة 3/ 238.

[ (4)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 78، تجارب الأمم 5/ 265، المنتظم 6/ 250، الكامل في التاريخ 8/ 256، نهاية الأرب 23/ 113، النجوم الزاهرة 3/ 238.

[ (5)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 78، تجارب الأمم 5/ 265، نهاية الأرب 23/ 113.

8

[حجابة الطولوني‏]

و قلّد سلامة الطولونيّ الحجابة [ (1)].

[القبض على ابن المكتفي‏]

و قبض على أبي أحمد بن المكتفي و طيّن عليه بن حيطتين، و نهب القاهر دور المخالفين [ (2)].

[ذبح بليق و مؤنس‏]

ثمّ إنّه ظفر بعليّ بن بليق بعد جمعة، فحبسه بعد الضّرب [ (3)]، فاضطرب رجال مونس [ (4)] و شغبوا، و قصدوا دار الوزير محمد بن القاسم و أحرقوا بعض داره في ثامن عشر شعبان. فدخل القاهر إلى مونس و بليق و ابنه، فأمر بذبح بليق و ابنه، و ذبح بعدهما مونسا، و أخرجت رءوسهم إلى النّاس و طيف بها [ (5)].

و كان على مونس دماغ هائل [ (6)].

[ذبح يمن و ابن زيرك‏]

ثم ذبح يمن و ابن زيرك [ (7)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 78، تجارب الأمم 5/ 265، 266، الكامل في التاريخ 8/ 260، نهاية الأرب 23/ 113.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 78، تجارب الأمم 5/ 266، الكامل في التاريخ 8/ 260، نهاية الأرب 23/ 113، المختصر في أخبار البشر 2/ 77، تاريخ ابن الوردي 1/ 263، البداية و النهاية 11/ 173، تاريخ الخلفاء 386.

[ (3)] انظر في ذلك: تجارب الأمم 5/ 266، الكامل في التاريخ 8/ 260، نهاية الأرب 23/ 113.

[ (4)] في تجارب الأمم 1/ 167، «اضطرب حال مونس و يلبق و شغبوا».

[ (5)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 78، تجارب الأمم 5/ 267، 268، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 13، 14، الإنباء في تاريخ الخلفاء 162، الكامل في التاريخ 8/ 260، 261، تاريخ مختصر الدول 160، خلاصة الذهب المسبوك 244، نهاية الأرب 23/ 114، المختصر في أخبار البشر 2/ 77، 78، دول الإسلام 1/ 195، العبر 2/ 185، تاريخ ابن الوردي 1/ 263، 264، مرآة الجنان 2/ 281، البداية و النهاية 11/ 173، تاريخ ابن خلدون 3/ 394، النجوم الزاهرة 3/ 238، تاريخ الخلفاء 386.

[ (6)] قال الهمدانيّ: «و كال وزن رأس مونس بعد تفريغ دماغه ستة أرطال». (تكملة تاريخ الطبري 1/ 78) و انظر: تجارب الأمم 5/ 268.

[ (7)] دول الإسلام 1/ 195، العبر 2/ 185.

9

ثمّ أطلقت أرزاق الجند فسكنوا [ (1)].

[تلقيب القاهر بالمنتقم‏]

و استقامت الأمور للقاهر، و عظم في القلوب، و زيد في ألقابه: «المنتقم من أعداء دين اللَّه». و نقش ذلك على السّكّة [ (2)].

ثمّ أحضر عيسى الطّبيب من الموصل [ (3)].

و أمر أن لا يركب في طيّار سوى الوزير و الحاجب، و القاضي، و عيسى الطّبيب.

[تقليد ابن كيغلغ مصر]

و فيها خلع القاهر على أحمد بن كيغلغ، و قلّده مصر.

[تحريم الخمر و القيان‏]

و فيها أمر القاهر بتحريم القيان و الخمر، و قبض على المغنّين، و نفى المخانيث، و كسر آلات اللهو. و أمر ببيع المغنّيات من الجواري على أنّهم سواذج [ (4)]. و كان مع ذلك يشرب المطبوخ و السّلاف، و لا يكاد يصحو من السّكر، و يختار القينات و يسمعهنّ [ (5)].

[وزارة ابن الخصيب‏]

و فيها عزل القاهر الوزير محمدا، و استوزر أبا العبّاس بن الخصيب [ (6)].

____________

[ (1)] تاريخ الخلفاء 386.

[ (2)] نهاية الأرب 23/ 114، مآثر الإنافة 1/ 283، النجوم الزاهرة 3/ 239، تاريخ الخلفاء 386.

[ (3)] نهاية الأرب 23/ 113.

[ (4)] السواذج: غير البالغات. (لسان العرب 3/ 121).

[ (5)] تجارب الأمم 5/ 269، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 14، الكامل في التاريخ 8/ 273، تاريخ الزمان 55، نهاية الأرب 23/ 116، مرآة الجنان 2/ 281، البداية و النهاية 11/ 172، النجوم الزاهرة 3/ 239، تاريخ الحلفاء 386.

[ (6)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 79، تجارب الأمم 5/ 270، الكامل في التاريخ 8/ 262، نهاية الأرب 23/ 115، العبر 2/ 185، دول الإسلام 1/ 195، تاريخ ابن الوردي 1/ 264 و فيه «الحصيني» و هو تصحيف، البداية و النهاية 11/ 173، تاريخ ابن خلدون 3/ 394، النجوم الزاهرة 3/ 239.

10

[الحجّ هذا الموسم‏]

و حجّ بالنّاس مؤنس الورقانيّ [ (1)].

[وفاة الطحاوي‏]

و فيها توفّي أبو جعفر الطّحاويّ شيخ الحنفيّة [ (2)].

[وفاة الأمير تكين‏]

و في ربيع الأوّل توفّي أمير مصر أبو منصور تكين الخاصّة بمصر و حمل إلى بيت المقدس، و قام بعده بالأمر ابنه محمد يسيرا [ (3)].

[ولاية ابن طغج‏]

ثمّ ولي محمد بن طغج.

[ولاية ابن كيغلغ‏]

و عزل بابن كيغلغ بعد اثنتين و ثلاثين يوما [ (4)]

[القضاء في مصر]

و قدم على قضاء مصر أحمد بن عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة، ثم، صرف بعد شهرين و نصف [ (5)].

[وفاة أمّ المقتدر]

و فيها توفّيت شغب أمّ المقتدر كما قدّمنا [ (6)].

____________

[ (1)] مآثر الإنافة ج 1/ 283 و ليس فيه اسم أمير الحاجّ، و هو في: النجوم الزاهرة 3/ 239 و 245.

[ (2)] المختصر في أخبار البشر 2/ 78، العبر 2/ 186، دول الإسلام 1/ 195، تاريخ ابن الوردي 1/ 265، مرآة الجنان 2/ 281، تاريخ الخميس 2/ 391، النجوم الزاهرة 3/ 239، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 175.

[ (3)] الولاة و القضاة للكندي 281، ولاة مصر، له 298، تجارب الأمم 5/ 258، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 11، 12، الكامل في التاريخ 8/ 273، العبر 2/ 186، دول الإسلام 1/ 195، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 175.

[ (4)] ولاة مصر 299، 300، الولاة و القضاة 281، 282، النجوم الزاهرة 3/ 237، 238، بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 186.

[ (5)] الولاة و القضاة 546 نقلا عن: رفع الإصر 13 ب.

[ (6)] المختصر في أخبار البشر 2/ 77، النجوم الزاهرة 3/ 239.

11

و كان دخل مغلّها في العام ألف ألف دينار، فتتصدّق بها، و تخرج من عندها مثلها. و كانت صالحة. و لمّا قتل ابنها كانت مريضة، فعظم جزعها، و امتنعت من الأكل حتّى كادت تهلك. ثمّ عذّبها القاهر، فحلفت أنّه ما عندها مال، فقيل: ماتت في العذاب معلّقة، و قيل لا.

و لم يظهر لها إلّا ما قيمته مائة و ثلاثون ألف دينار لا غير. و كان لها الأمر و النّهي في دولة ابنها [ (1)].

[ترجمة مؤنس الخادم‏]

و قد ذكرنا قتل مؤنس الخادم الملقّب بالمظفّر، و كان شجاعا فاتكا مهيبا، عاش تسعين سنة، منها ستّون سنة أميرا. و كان كلّ ما له [ (2)] في علوّ و رفعة.

كان قد أبعده المعتضد إلى مكّة، و لمّا بويع المقتدر أحضره و فوّض إليه الأمور. و قد مرّ من أخباره [ (3)].

[تغلّب الرّوم على الرساتيق‏]

و فيها غلبت الرّوم على رساتيق ملطية و سميساط، و صار أكثر البلد في أيديهم.

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 71، 72، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 5، تاريخ الزمان لابن العبري 54، 55، مختصر التاريخ لابن الكازروني 176، خلاصة الذهب المسبوك 241 و 243، النجوم الزاهرة 3/ 239.

[ (2)] في الأصل: «كلما له»، و المثبت عن: النجوم الزاهرة.

[ (3)] النجوم الزاهرة 2/ 239.

12

سنة اثنتين و عشرين‏

[ظهور الدّيلم‏]

فيها ظهرت الدّيلم، و ذاك لأنّ أصحاب مرداويخ [ (1)] دخلوا أصبهان، و كان من قوّاده عليّ بن بويه. فاقتطع مالا جليلا و انفرد عن مخدومه.

ثمّ التقى هو و محمد بن ياقوت، فهزم محمدا و استولى على فارس [ (2)].

و كان بويه فقيرا صعلوكا يصيد السّمك، رأى أنّه بال، فخرج من ذكره عمود نار. ثمّ تشعّب العمود حتّى ملأ الدّنيا. فقصّ رؤياه على معبّر، فقال: لا أعبّرها إلّا بألف درهم.

فقال: و اللَّه ما رأيت عشرها، و إنّما أنا صيّاد.

ثمّ مضى و صاد سمكة فأعطاه إيّاها، فقال له: أ لك أولاد؟ قال: نعم.

قال: أبشر فإنّهم يملكون الدّنيا، و يبلغ سلطانهم على قدر ما احتوت النّار الّتي رأيتها [ (3)].

____________

[ (1)] يرد في المصادر «مرداويخ» و مزداويخ»، بالراء المهملة و الزاي المنقوطة، و «مرداويج» بالجيم المنقوطة في الآخر كما في: تجارب الأمم 5/ 275 و ما بعدها. انظر عنه: الأوراق للصولي 20 و 62، و قال ابن الوردي «مرداويج»: بفتح الميم و سكون الراء و فتح الدال المهملتين ثم ألف و واو ممالة و ياء مثنّاة تحت و جيم. فارسيّة معناها: معلّق الرجال. (تاريخ ابن الوردي 1/ 267).

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 88 و فيه «مزداويج»، و سيعاد الخبر مفصّلا، تجارب الأمم 5/ 279، النجوم الزاهرة 3/ 244.

[ (3)] انظر رواية مختلفة في: تاريخ حلب 287، و رواية مفصّلة في: المنتظم 6/ 268، و الكامل في‏

13

و كان معه أولاده عليّ، و الحسن، و أحمد.

ثمّ مضت السّنون، و خرج بولده إلى خراسان، فخدموا مرداويخ بن زيار الدّيلميّ، إلى أن صار عليّ قائدا، فأرسله يستخرج له مالا من الكرج، فاستخرج خمسمائة ألف درهم [ (1)]، فأخذ المال و أتى همدان ليملكها، فغلّق أهلها في وجهه الأبواب، فقاتلهم و فتحها عنوة و قتل خلقا.

ثم صار إلى أصبهان و بها المظفّر بن ياقوت [ (2)]، فلم يحاربه و سار إلى أبيه بشيراز. ثمّ صار إلى أرّجان [ (3)]، فأخذ الأموال [ (4)]، و تنقّل في النّواحي، و انضمّ إليه خلق، و صارت خزائنه خمسمائة ألف دينار [ (5)]. فجاء إلى شيراز و بها ابن ياقوت، فخرج إليه في بضع عشر ألفا، و كان عليّ بن بويه في ألف رجل، فهابه عليّ و سأله أن يفرج له عن الطّريق لينصرف، فأبى عليه، فالتقوا فانكسر عليّ، ثمّ انهزم ابن ياقوت، و دخل عليّ شيراز [ (6)].

ثمّ إنّه قلّ ما عنده فنام على ظهره، فخرجت حيّة من سقف المجلس، فأمر بنقضه، فخرجت صناديق ملأى ذهبا، فأنفقها في جنده [ (7)].

____________

[ ()] التاريخ 8/ 266، و تاريخ مختصر الدول 160، 161، الفخري 277/ 278، و خلاصة الذهب المسبوك 245، 246، و البداية و النهاية 11/ 173، 174، النجوم الزاهرة 1/ 245، تاريخ الخلفاء 387.

[ (1)] تجارب الأمم 5/ 296، تاريخ مختصر الدول 161، الفخري 278، تاريخ الخلفاء 387.

[ (2)] في تجارب الأمم 5/ 279 «أبو الفتح بن ياقوت»، و في 1/ 296، «المظفر بن ياقوت»، و هما واحد، خلاصة الذهب المسبوك 248، المختصر في أخبار البشر 2/ 78، تاريخ ابن الوردي 1/ 264.

[ (3)] و بها «أبو بكر بن ياقوت» كما في: تجارب الأمم 5/ 280، و المختصر في أخبار البشر 2/ 79، و تاريخ ابن الوردي 1/ 264.

[ (4)] قال مسكويه في تجارب الأمم 1/ 297: «و استخرج من مال أرّجان نحو ألفي ألف درهم».

[ (5)] تجارب الأمم 5/ 297.

[ (6)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 88، تجارب الأمم 5/ 281- 283 و 1/ 297، 298، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 21 و 33، تاريخ مختصر الدول 161، خلاصة الذهب المسبوك 249، 250.

[ (7)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 89، تجارب الأمم 5/ 298، 299، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 33، المنتظم 6/ 281، خلاصة الذهب المسبوك 251، البداية و النهاية 11/ 177، تاريخ الخلفاء 387.

14

و أضاق مرّة فطلب خيّاطا يخيط له، و كان أطروشا، فظنّ أنّه قد سعي به، فقال: و اللَّه ما عندي سوى اثني عشر صندوقا، لا أعلم ما فيها. فأمر عليّ بإحضارها، فوجد فيها مالا عظيما فأخذه [ (1)].

و ركب يوما، فساخت قوائم فرسه، فحفروه فوجد فيه كنزا [ (2)].

و استولى على البلاد، و خرجت خراسان و فارس عن حكم الخلافة.

و سيأتي من أخبار هؤلاء الثّلاثة الإخوة، و أنّ المستكفي باللَّه لقّب عليّا «عماد الدّولة». أبا شجاع، و لقّب الحسن «ركن الدّولة»، و لقّب أحمد «معزّ الدّولة». و ملكوا الدّنيا سنين [ (3)].

[قتل أبي السّرايا و النوبختيّ‏]

و فيها قتل القاهر أبا السّرايا نصر بن حمدان و إسحاق بن إسماعيل النّوبختيّ الّذي كان قد أشار بخلافة القاهر، ألقاهما على رءوسهما في بئر و طمّت و كان ذنبهما أنّهما فيما قيل زايدا القاهر قبل الخلافة في جاريتين و اشترياهما، فحقد عليهما [ (4)].

[وفاة الورقانيّ‏]

و مات مؤنس الورقانيّ الّذي حجّ بالنّاس [ (5)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 89، تجارب الأمم 5/ 299، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 33، المنتظم 6/ 271، خلاصة الذهب المسبوك 251، البداية و النهاية 11/ 177، تاريخ الخلفاء 387.

[ (2)] المنتظم 6/ 271، البداية و النهاية 11/ 177، تاريخ الخلفاء 387.

[ (3)] الإنباء في تاريخ الخلفاء 164، المنتظم 6/ 270، الفخري 277، مآثر الإنافة 1/ 284.

[ (4)] انظر التفاصيل في: تجارب الأمم 5/ 284، 285، و الكامل في التاريخ 8/ 261، و خلاصة الذهب المسبوك 244 (باختصار شديد) و 252، المختصر في أخبار البشر 2/ 81، دول الإسلام 1/ 195، العبر 2/ 189، تاريخ ابن الوردي 1/ 366، 267، البداية و النهاية 11/ 177، 178، مآثر الإنافة 1/ 283، النجوم الزاهرة 3/ 245، تاريخ الخلفاء 387.

[ (5)] النجوم الزاهرة 3/ 245.

15

[رواية ابن سنان عن القاهر]

و قال ثابت بن سنان: كان أبو عليّ بن مقلة في اختفائه يراسل السّاجيّة و الحجريّة و يضربهم على القاهر و يوحشهم منه. و كان الحسن بن هارون كاتب بليق يخرج باللّيل في زيّ المكدّيّين [ (1)] أو النّساء [ (2)] فيسعى إلى أن اجتمعت كلمتهم على الفتك بالقاهر. و كان يقول لهم: قد بنى [ (3)] لكم المطامير ليحبسكم. و ألزموا منجّم سيما [ (4)] حتّى كان يقول له: إنّ القاهر يقبض عليك.

و هاجت الحجريّة و قالوا: أ تريد أن تحبسنا في المطامير؟

فحلف القاهر أنّه لم يفعل، و إنّما هذه حمّامات للحرم [ (5)].

و حضر الوزير ابن خصيب و عيسى المتطبّب عند القاهر، فقال لسلامة الحاجب: اخرج فاحلف لهم. ففعل، فسكنوا.

[القبض على القاهر]

ثمّ بكّروا على الشّر إلى دار القاهر، و كان نائما سكرانا إلى أن طلعت الشّمس، و نبّهوه فلم ينتبه لشدّة سكره، و هرب الوزير في زيّ امرأة، و كذا سلامة الحاجب. فدخلوا بالسّيوف على القاهر، فأفاق من سكره، و هرب إلى سطح حمّام فاستتر، فأتوا مجلس القاهر و فيه عيسى الطّبيب، و زيرك الخادم، و اختيار القهرمانة، فسألوهم، فقالوا: ما نعرف له خبرا. فرسّموا عليهم. و وقع في أيديهم خادم له فضربوه، فدلّهم عليه، فجاءوه و هو على السّطح و بيده سيف مسلول، فقالوا: انزل. فامتنع، فقالوا: نحن عبيدك فلم تستوحش منّا؟ فلم‏

____________

[ (1)] المكدّيّين: من تكدّى تكدّيا: تسوّل و تكلّف التكدية.

[ (2)] في: تجارب الأمم 5/ 286: «و هو يتزيّا بزيّ السّؤال، و في يده زبيل، و في وقت بزيّ النساء»، و انظر: تاريخ مختصر الدول 161.

[ (3)] في الأصل: «قد بنا».

[ (4)] في تجارب الأمم 5/ 286 «منجّم كان لسيما». و «سيما» هو: «سيما المناخلي» كما في كتاب «الأوراق» للصولي، و هو رئيس السّاجيّة، كما في نهاية الأرب 23/ 117.

[ (5)] تجارب الأمم 5/ 287.

16

ينزل. ففوّق واحد منهم سهما و قال: انزل و إلّا قتلتك. فنزل إليهم، فقبضوا عليه في سادس جمادى الآخرة [ (1)].

[خلافة الراضي‏]

و أخرجوا أبا العبّاس محمد بن المقتدر و أمّه، و بايعوه بالخلافة و لقّبوه الرّاضي باللَّه، فأحضر عليّ بن عيسى و أخاه عبد الرحمن و اعتمد على رأيهما [ (2)] و أدخل عليّ بن عيسى، و القاضي أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف، و القاضي أبو محمد الحسن بن عبد اللَّه بن أبي الشّوارب، و القاضي أبو طالب بن البهلول على القاهر، فقال له طريف اليشكريّ [ (3)]: ما تقول؟

قال: أنا أبو منصور محمد بن المعتضد، لي في أعناقكم بيعة و في أعناق النّاس، و لست أبرّئكم و لا أحلّكم منها، فقوموا [ (4)] فقاموا، فلمّا بعدوا قال القاضي لطريف: و أيّ شي‏ء كان مجيئنا إلى رجل هذا اعتقاده؟

فقطّب عليّ بن عيسى و قال: يخلع و لا يفكّر فيه. أفعاله مشهورة.

قال القاضي أبو الحسين: فدخلت على الرّاضيّ و أعدت ما جرى سرّا، و أعلمته بأنّي أرى إمامته فرضا. فقال: انصرف و دعني و إيّاه. و أشار سيما مقدّم‏

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 80، تجارب الأمم 5/ 286- 289، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 22- 25، الإنباء في تاريخ الخلفاء 162 و فيه أن أبا محمد الحسن بن أبي الهيجاء بن حمدان الّذي تلقّب أخيرا بناصر الدولة هو الّذي واطأ جماعة من الغلمان الساجية و الحجرية، الكامل في التاريخ 8/ 279- 281، تاريخ مختصر الدول 161، خلاصة الذهب المسبوك 244، 245، نهاية الأرب 23/ 117، 118، المختصر في أخبار البشر 2/ 80، العبر 2/ 89، دول الإسلام 1/ 195، 196، تاريخ ابن الوردي 1/ 266، البداية و النهاية 11/ 178، تاريخ الخميس 2/ 392، تاريخ ابن خلدون 3/ 396، 397، تاريخ الخلفاء 387.

[ (2)] تجارب الأمم 5/ 290، الكامل في التاريخ 8/ 282، نهاية الأرب 23/ 121، 122.

[ (3)] في تجارب الأمم 5/ 291 «طريف السّبكريّ»، و مثله في: الكامل في التاريخ، و غيره، و في تاريخ ابن الوردي 1/ 266 «السنكري».

[ (4)] العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 25، مآثر الإنافة 1/ 282.

17

الحجريّة على الرّاضى بسمله. فأرسل سيما و طريفا إلى البيت الّذي فيه القاهر، فكحّل بمسمار محمّى [ (1)].

[وزارة ابن مقلة]

ثمّ طلب الرّاضيّ من عليّ بن عيسى أن يلي الوزارة، فامتنع، فقال:

يتولّى أخوك عبد الرحمن. فقال: لا.

فاستوزر ابن مقلة بعد أن كتب له أمانا [ (2)].

[سبب خلع القاهر]

و قال محمود الأصبهانيّ: كان سبب خلع القاهر سوء سيرته و سفكه الدّماء. فامتنع عليهم من الخلع فسملوا عينيه حتّى سالتا على خدّيه. و كانت خلافته سنة و نصفا و أسبوعا.

و قال الصّوليّ: كان أهوج، سفّاكا للدّماء، قبيح السّيرة، كثيرة التّلوّن و الاستحالة، مدمن الخمر. و لو لا جودة حاجبه «سلامة» [ (3)] لأهلك الحرث و النّسل.

و كان قد صنع أحربة يحملها فلا يطرحها حتّى يقتل بها إنسانا [ (4)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري للهمداني 81، 82، تجارب الأمم 5/ 291، 292، تاريخ حلب 287، الإنباء في تاريخ الخلفاء 162، تاريخ الزمان 55، الفخري 276، مختصر التاريخ لابن الكازروني 176، خلاصة الذهب المسبوك 241، تاريخ ابن الوردي 1/ 266، تاريخ الخميس 2/ 392، تاريخ ابن خلدون 3/ 397، مآثر الإنافة 1/ 282، النجوم الزاهرة 3/ 245، تاريخ الخلفاء 387، 388.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 82، تجارب الأمم 5/ 293، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 27، تاريخ حلب 287، الإنباء في تاريخ الخلفاء 162 و 163، الكامل في التاريخ 8/ 283، تاريخ مختصر الدول 162، الفخري 276، خلاصة الذهب المسبوك 242 و 253، نهاية الأرب 23/ 122، المختصر في أخبار البشر 2/ 80، دول الإسلام 1/ 196، العبر 2/ 189، تاريخ ابن الوردي 1/ 266، مآثر الإنافة 1/ 287.

[ (3)] هو: سلامة المؤتمن المعروف بأخي نجح. (التنبيه و الإشراف 336)،

[ (4)] مروج الذهب 4/ 313، العبر 2/ 189، 190، دول الإسلام 1/ 196، تاريخ الخميس 2/ 392، تاريخ الخلفاء 388.

18

[سؤال القاهر عن خلفاء بني العباس‏]

و قال محمد بن عليّ الخراسانيّ [ (1)]: أحضرني القاهر يوما و الحربة بين يديه، فقال: قد علمت حالي إذا وضعت هذه.

فقلت: الأمان.

فقال: على الصّدق.

قلت: نعم.

قال: أسألك عن خلفاء بني العبّاس في أخلاقهم و سيمتهم.

قلت: أمّا السّفّاح، فكان مسارعا إلى سفك الدّماء. سفك ألف دم، و اتّبعه عمّاله على ذلك، مثل محمد بن الأشعث بالمغرب، و عمّه صالح بن عليّ بمصر، و خازم بن خزيمة، و حميد بن قحطبة. و كان مع ذلك سمحا بحرا، وصولا بالمال.

قال: فالمنصور؟

قلت: كان أوّل من أوقع الفرقة بين ولد العبّاس و ولد أبي طالب. و كانوا قبله متّفقين. و هو أوّل خليفة قرّب المنجّمين و عمل بقولهم. و كان عنده نوبخت المنجّم، و عليّ بن عيسى الأصطرلابيّ. و هو أوّل خليفة ترجمت له الكتب السّريانيّة و الأعجميّة ككتاب «كليلة و دمنة»، و كتاب أرسطاطاليس في المنطق، و إقليدس، و كتب اليونان. فنظر النّاس فيها و تعلّقوا بها. فلمّا رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازي و السّير. و المنصور أوّل من استعمل مواليه و قدّمهم على العرب.

قال: فما تقول في المهديّ؟

قلت: كان جوادا عادلا منصفا. ردّ ما أخذ أبوه من أموال النّاس غصبا، و بالغ في إتلاف الزّنادقة و أحرق كتبهم لمّا أظهروا المعتقدات الفاسدة كابن ديصان، و ماني، و ابن المقفّع، و حمّاد عجرد. و بنى [ (2)] المسجد الحرام، و مسجد المدينة، و مسجد بيت المقدس.

قال: فالهادي؟

____________

[ (1)] هو: محمد بن علي العبديّ الخراساني الأخباريّ، و قوله في: مروج الذهب 4/ 313- 320، و نقله السيوطي في: تاريخ الخلفاء 388، 389.

[ (2)] في الأصل: «بنا».

19

قلت: كان جبّارا متكبّرا، فسلك عمّاله طريقه على قصر أيّامه.

قال: فالرّشيد؟

قلت: كان مواظبا على الجهاد و الحجّ، و عمّر القصور و البرك بطريق مكّة، و بنى الثغور كأذنة، و طرسوس، و المصيصة، و عين زربة، و الحدث، و مرعش.

و عمّ النّاس إحسانه. و كان في أيّامه البرامكة و ما اشتهر من كرمهم. و هو أوّل خليفة لعب بالصّوالجة و رمى النّشّاب في البرجاس، و لعب الشّطرنج من بني العبّاس.

و كانت زوجته بنت عمّه أمّ جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور من أكمل النّساء. وقفت الأوقاف و عملت المصانع و البرك، و فعلت و فعلت.

قال: فالأمين؟

قلت: كان جوادا، إلّا أنّه انهمك في لذّاته ففسدت الأمور.

قال: فالمأمون؟

قلت: غلب عليه الفضل بن سهل، فاشتغل بالنّجوم، و جالس العلماء.

و كان حليما جوادا.

قال: فالمعتصم؟

قلت: سلك طريقه، و غلب عليه حبّ الفروسيّة، و التّشبّه بملوك الأعاجم، و اشتغل بالغزو و الفتوح.

قال: فالواثق؟

قلت: سلك طريقة أبيه.

قال: فالمتوكّل؟

قلت: خالف ما كان عليه المأمون و المعتصم و الواثق من الاعتقادات، و نهى عن الجدل و المناظرات في الأهواء، و عاقب عليها. و أمر بقراءة الحديث و سماعه، و نهى عن القول بخلق القرآن، فأحبّه النّاس.

ثمّ سأل عن باقي الخلفاء، و أنا أجيبه بما فيهم، فقال لي: قد سمعت كلامك و كأنّي مشاهد القوم. و قام على أثري و الحربة بيده، فاستسلمت للقتل، فعطف على دور الحرم [ (1)].

____________

[ (1)] في مروج الذهب 4/ 320 «ثم عطف نحو دار الخدم».

20

[رواية المسعودي عن القاهر]

و قال المسعوديّ [ (1)]: أخذ القاهر من مؤنس و أصحابه أموالا كثيرة، فلمّا خلع و سمل طولب بها. فأنكر، فعذّب بأنواع العذاب، فلم يقرّ بشي‏ء. فأخذه الراضي باللَّه فقرّبه و أدناه و قال له: قد ترى مطالبة الجند بالمال، و ليس عندي شي‏ء، و الّذي عندك فليس بنافع لك، فاعترف به.

فقال: أمّا إذا فعلت هذا فالمال مدفون في البستان، و كان قد أنشأ بستانا فيه أصناف الشّجر حملت إليه من البلاد، و زخرفه و عمل فيه قصرا، و كان الرّاضي مغرما بالبستان و القصر، فقال: و في أيّ مكان المال منه؟ فقال: أنا مكفوف لا أهتدي إلى مكان، فاحفر البستان تجده.

فحفر الرّاضي البستان و أساسات القصر، و قلع الشجر، فلم يجد شيئا.

فقال له: و أين المال؟

فقال: و هل عندي مال، و إنّما كان حسرتي في جلوسك في البستان و تنعّمك، فأردت أن أفجعك فيه.

فندم الرّاضي و أبعده و حبسه [ (2)]. فأقام إلى سنة ثلاث و ثلاثين.

ثمّ أخرج إلى دار ابن طاهر، فكان تارة يحبس، و تارة يطلق. فوقف يوما بجامع المنصور بين الصّفوف و عليه مبطّنة بيضاء و قال: تصدّقوا عليّ، فأنا من قد عرفتم. و كان مقصوده أن يشنّع على المستكفي، فقام إليه أبو عبد اللَّه بن أبي موسى الهاشميّ، فأعطاه خمسمائة درهم.

و قيل: ألف درهم، ثمّ منع من الخروج. و عاش إلى سنة تسع و ثلاثين خاملا. و عاش ثلاثا و خمسين سنة. و كان له من الولد عبد الصّمد، و أبو القاسم، و أبو الفضل، و عبد العزيز [ (3)].

____________

[ (1)] رواية المسعودي عن القاهر أوردها في ضمن الحديث عن سيرة الخليفة الراضي، في: مروج الذهب 4/ 335، 336، و نقلها السيوطي في: تاريخ الخلفاء 389، 390.

[ (2)] إلى هنا تنتهي رواية المسعودي، و قد نقلها المؤلّف الذهبيّ- (رحمه اللَّه)- باختصار.

[ (3)] تاريخ الخلفاء 390.

21

و وزر له ابن مقلة، ثمّ محمد بن القاسم بن عبيد اللَّه، فكان جبّارا ظالما، ثمّ الخصيبيّ.

[صفة الراضي‏]

و كان الراضي باللَّه أبو العبّاس محمد بن المقتدر مربوعا، خفيف الجسم، أسمر، و أمّه ظلوم الروميّة. بويع يوم خلع القاهر، و كان هو و أخوه في حبس القاهر، و قد عزم على قتلهما. فأخرجهما الغلمان و رأسهم سيما المناخليّ.

و عاش سيما بعد البيعة مائة يوم.

[إمرة ابن رائق الجيش‏]

و ولّى الراضي أتابكه محمد بن رائق إمارة الجيش ببغداد.

[مثالب القاهر في كتاب‏]

ثمّ أمر ابن مقلة عبد اللَّه بن ثوابة أن يكتب كتابا فيه مثالب القاهر و يقرأ على النّاس [ (1)].

[مصادرة عيسى المتطبّب‏]

و صودر عيسى المتطبّب على مائتي ألف دينار [ (2)].

[قتل مرداويخ الدّيلميّ‏]

و فيها مات مرداويخ، مقدّم الدّيلم بأصبهان. و كان قد عظم أمره، و تحدّثوا أنّه يريد قصد بغداد. و أنّه مسالم لصاحب المجوس. و كان يقول: أنا أردّ دولة العجم و أمحق دولة العرب. ثمّ إنّه أساء إلى أصحابه، فتواطئوا على قتله في حمّام [ (3)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 83.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 83 و فيه أن ابن مقلة سلّم عيسى المتطبّب إلى بني البريدي فأخذوا منه ثلاثين ألف دينار، ارتفق بها منهم، و ردّوه على ابن مقلة و قالوا: إنّه قد امتنع من أداء شي‏ء.

و انظر: تجارب الأمم 5/ 294، 295.

[ (3)] تجارب الأمم 5/ 302 و 301- 314، الكامل في التاريخ 8/ 298- 303، العبر 2/ 190، دول الإسلام 1/ 196، تاريخ ابن الوردي 1/ 267 (حوادث سنة 323 ه-)، النجوم الزاهرة 3/ 245، 246، و في تاريخ سنيّ الملوك و الأرض 175، 176: «قتل مرداويج بأصبهان يوم الثلاثاء الثالث من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة ماه بهمن روزابان بالفارسية».

22

[مقاطعة ابن بويه للراضي على البلاد]

و فيها بعث عليّ بن بويه إلى الرّاضي يقاطعه على البلاد الّتي استولى عليها بثمانية آلاف ألف درهم كلّ سنة. فبعث له لواء و خلعا. ثمّ أخذ ابن بويه يماطل بحمل المال [ (1)].

[وفاة المهديّ صاحب المغرب‏]

و فيها في نصف ربيع الأوّل مات المهديّ عبيد اللَّه صاحب المغرب عن اثنتين و ستّين سنة. و كانت أيّامه خمسا و عشرين سنة و أشهرا. و قام بالأمر بعده ابنه القائم بأمر اللَّه أبو القاسم محمد، فبقي إلى سنة أربع و ثلاثين [ (2)].

[نسب المهديّ‏]

و قال القاضي عبد الجبّار بن أحمد بن عبد الجبّار البصريّ: اسم جدّ الخلفاء المصريّين سعيد، و يلقّب بالمصريّ. و كان أبوه يهوديّا حدّادا [ (3)] بسلميّة.

زعم سعيد هذا أنّه ابن ابن الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن ميمون القدّاح. و أهل الدّعوة أبو القاسم بن الأبيض العلويّ، و غيره يزعمون أنّ سعيدا إنّما هو ابن امرأة الحسين المذكور. و أنّ الحسين ربّاه و علّمه أسرار الدّعوة، و زوّجه ببنت أبي الشّلغلغ فجاءه ابن سمّاه عبد الرحمن، فلمّا دخل المغرب و أخذ سجلماسة تسمّى بعبيد و تكنّى بأبي محمد، و سمّى ابنه الحسن.

و زعمت المغاربة أنّه يتيم ربّاه، و ليس بابنه، و كنّاه أبا القاسم، و جعله وليّ عهده. و قتل عبيد خلقا من العساكر و العلماء، و بثّ دعاته في الأرض.

و كانت طائفة تزعم أنّه الخالق الرّازق، و طائفة تزعم أنّه نبيّ، و طائفة تزعم أنّه المهديّ حقيقة.

____________

[ (1)] تجارب الأمم 5/ 299، 300، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 34، النجوم الزاهرة 3/ 246.

[ (2)] العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 27، رسالة افتتاح الدعوة 276 و 279، تاريخ حلب 287، الكامل في التاريخ 8/ 284، المختصر في أخبار البشر 2/ 80، العبر 2/ 193، دول الإسلام 1/ 197، 198، الدرّة المضيّة 109، 110، البيان المغرب 1/ 206، اتعاظ الحنفاء 1/ 72، المواعظ و الاعتبار 1/ 351، تاريخ ابن الوردي 1/ 266، مرآة الجنان 2/ 285، البداية و النهاية 11/ 179، 180، النجوم الزاهرة 3/ 246، تاريخ الخلفاء 391.

[ (3)] و قيل: صبّاغا. (البداية و النهاية 11/ 180).

23

[قول الباقلّاني في القدّاح‏]

و قال القاضي أبو بكر بن الباقلّانيّ: إنّ القدّاح جدّ عبيد اللَّه كان مجوسيّا.

و دخل عبيد اللَّه المغرب، و ادّعى أنّه علويّ، و لم يعرفه أحد من علماء النّسب، و كان باطنيّا خبيا، حريصا على إزالة ملّة الإسلام. أعدم العلماء و الفقهاء ليتمكّن من إغواء الخلق. و جاء أولاده على أسلوبه. أباحوا الخمور و الفروج، و أشاعوا الرّفض، و بثّوا دعاة، فأفسدوا عقائد خلق من جبال الشّام كالنّصيريّة و الدّرزيّة.

و كان القدّاح كاذبا ممخرقا. و هو أصل دعاة القرامطة.

و قال أيضا في كتاب «كشف أسرار الباطنيّة». أوّل من وضع هذه الدّعوة طائفة من المجوس و أبناء الأكاسرة. فذكر فصلا، ثمّ قال: ثمّ اتّفقوا على عبد اللَّه بن عمرو بن ميمون القدّاح الأهوازيّ و أمدّوه بالأموال في سنة ثلاثين و مائتين أو قبلها، و كان مشعوذا ممخرقا يظهر الزّهد، و يزعم أنّ الأرض تطوى له.

و جدّ القدّاح هو ديصان أحد الثّنويّة. و جاء ابن القدّاح على أسلوب أبيه، و كذا ابنه، و ابن ابنه سعيد بن حسين بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه.

و هو الّذي يقال له عبيد اللَّه. يلقّب بالمهديّ صاحب القيروان، و جدّ بني عبيد الّذين تسمّيهم جهلة النّاس الخلفاء الفاطميّين.

[قول ابن خلّكان في نسب المهديّ‏]

قال ابن خلّكان [ (1)]: اختلف في نسبه، فقال صاحب «تاريخ القيروان»: هو عبيد اللَّه بن الحسن بن عليّ بن محمد بن عليّ الرّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق.

و قال غيره: هو عبيد اللَّه بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصّادق.

و قيل: هو عليّ بن الحسين بن أحمد بن عبد اللَّه بن الحسن بن محمد بن زين العابدين عليّ بن الحسين.

و إنّما سمّى نفسه عبيد اللَّه استتارا. و هذا على قول من يصحّح نسبه.

و أهل العلم بالأنساب و المحقّقين ينكرون دعواه في النّسب و يقولون:

____________

[ (1)] في وفيات الأعيان 3/ 117- 118.

24

اسمه سعيد، و لقبه عبيد اللَّه، و زوج أمّه الحسين بن أحمد القدّاح. و كان كحّالا يقدح العين.

و قيل: إنّ عبيد اللَّه لمّا سار من الشّام و توصّل إلى سجلماسة أحسّ به ملكها أليسع آخر ملوك بني مدرار، و أعلم بأنّه الّذي يدعو إليه أبو عبد اللَّه الشّيعيّ بالقيروان، فسجنه. فجمع الشّيعيّ جيشا من كتامة و قصد سجلماسة، فلمّا قربوا قتله اليسع في السّجن، و هرب. فلمّا دخل الشّيعيّ السّجن وجده مقتولا، و خاف أن ينتقض عليه الأمر، و كان عنده رجل من أصحابه يخدمه، فأخرجه إلى الجند، و قال: هذا المهديّ.

قلت: و هذا قول منكر. بل أخرج عبيد اللَّه و بايع النّاس له، و سلّم إليه الأمر، ثمّ ندم، و وقعت الوحشة بينهما كما قدّمنا قبل هذا في موضعه من هذا الكتاب.

آخر الأمر أنّ المهديّ قتل أبا عبد اللَّه الشّيعي و أخاه، و دانت له المغرب، و بنى مدينة المهديّة، و اللَّه أعلم.

[ظهور الشلمغانيّ‏]

و فيها ظهر محمد بن عليّ الشلمغانيّ [ (1)] المعروف بابن أبي العزاقر [ (2)]. و كان مستترا ببغداد، و قد شاع أنّه يدّعي الألوهيّة، و أنّه يحيي الموتى و له أصحاب.

فتعصّب له أبو عليّ بن مقلة، فأحضره عند الرّاضي، فسمع كلامه و أنكر ما قيل عنه، و قال: إن لم تنزل العقوبة على الّذي باهلني بعد ثلاثة أيّام و أكثره تسعة أيام، و إلّا فدمي حلال.

قال: فضرب ثمانين سوطا، ثمّ قتل و صلب [ (3)].

____________

[ (1)] الشلمغاني: نسبة إلى شلمغان، قرية بنواحي واسط، و قيل: موضع ببغداد، (مرآة الجنان 2/ 284).

[ (2)] في المنتظم 6/ 271 «العزاقير»، و في الكامل في التاريخ 8/ 290 «القراقر»، و في نهاية الأرب 23/ 124 «العراقيد»، و في تاريخ الخلفاء 391 «القراقر».

[ (3)] انظر عن: ابن أبي العزاقر الشلمغاني، في:

تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 86، و التنبيه و الإشراف 343، و العيون و الحدائق ج 4

25

[قتل وزير المقتدر]

و قتل بسببه الحسين بن القاسم بن عبيد اللَّه بن سليمان بن وهب وزير المقتدر، و كان زنديقا متّهما بالشّلمغانيّ، و في نفس الرّاضي منه لكونه أذاه عند المقتدر باللَّه [ (1)].

[قتل الأنباري‏]

و قتل معه أيضا أبو إسحاق إبراهيم بن أبي عون أحمد بن هلال الأنباريّ الكاتب، صاحب كتاب «الأجوبة المسكتة»، و كتاب «التّشبيهات»، و كتاب «بيت مال السّرور». و كان قد مرق من الإسلام و صحب ابن أبي العزاقر، و صار من المتغالين في حبّه، و صرّح بالهيّتة، تعالى اللَّه عما يقول علوّا كبيرا.

[قتل ابن أبي عون‏]

فلمّا تتبّعوا أصحاب ابن أبي العزاقر قالوا لإبراهيم بن أبي عون: سبّه و أبصق عليه. فامتنع و أرعد و أظهر الخوف، فضرب بالسّياط، فلم يرجع، فضربت عنقه، و أحرق في أوّل ذي القعدة [ (2)].

[قتل ابن غريب الخال‏]

و فيها قتل هارون بن غريب الخال. كان مقيما بالدّينور، فلمّا ولي الرّاضي كاتب قوّاد بغداد بأنّه أحقّ بالحضرة و رئاسة الجيش، فأجابوه، فسار إلى بغداد حتّى بقي بينه و بينها يوم. فعظم ذلك على ابن مقلة الوزير و محمد بن ياقوت و الحجريّة، و خاطبوا الراضي فعرّفهم كراهيته له، و أمر بممانعته، فأرسل ابن مقلة إليه بأن يرجع، فقال، قد انضمّ إليّ جند لا يكفيهم عملي.

____________

[ ()] ق 2/ 93، المنتظم 6/ 271، الكامل في التاريخ 8/ 290- 292، و نهاية الأرب 23/ 124، 125، المختصر في أخبار البشر 2/ 80، 81، دول الإسلام 1/ 196، العبر 2/ 190، 191، تاريخ ابن الوردي 1/ 266، مرآة الجنان 2/ 284، مآثر الإنافة 1/ 289، 290، تاريخ الخلفاء 391.

[ (1)] العبر 2/ 192، دول الإسلام 1/ 197.

[ (2)] التنبيه و الإشراف 343، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 93، الكامل في التاريخ 8/ 291، 292، نهاية الأرب 23/ 125، المختصر في أخبار البشر 2/ 81، العبر 2/ 191، دول الإسلام 1/ 197، تاريخ ابن الوردي 1/ 266، مرآة الجنان 2/ 285، مآثر الإنافة 1/ 290.

26

فأرسل إليه الراضي ابن ياقوت القراريطيّ بأن قد قلّدوك أعمال طريق خراسان، فقال للقراريطيّ: إنّ جندي لا يقنعون بهذا، و من أحقّ منّي بخدمة الخليفة؟

فقال: لو كنت تراعي أمير المؤمنين ما عصيته. فأغلظ له، فقام من عنده و أدّى الرسالة إلى الخليفة [ (1)].

و شخص إلى هارون معظم جند بغداد، فبعث إليه محمد بن ياقوت يتلطّف به، فلم يلتفت. و وقعت طلائعه على طلائع ابن ياقوت، فظهر عليها، ثمّ تقدّم إلى قنطرة نهربين [ (2)]، و اشتبكت الحرب، فعبر هارون القنطرة، و انفرد عن أصحابه على شاطئ النّهر، و هو يظنّ أنّه يظفر بمحمد بن ياقوت، فتقنطر به فرسه، و بادره مملوك ابن ياقوت فقتله، و مزّق جيشه، و نهبهم عسكر ابن ياقوت، و ذلك في جمادى الآخرة [ (3)].

[وفاة السّجزيّ‏]

و فيها توفّي أبو جعفر السّجزيّ أحد الحجّاب. قيل: بلغ من العمر أربعين و مائة سنة. و كان يركب وحده و حواسّه جيّدة [ (4)].

[القبض على الخصيبي و ابن مخلد]

و فيها قبض ابن مقلة على أبي العبّاس الخصيبيّ، و الحسن بن مخلد [ (5)] و نفاهما إلى عمان، فرجعا إلى بغداد مختفيين.

[وفاة ابن المقتدر]

و فيها توفّي موسى بن المقتدر.

____________

[ (1)] العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 28، 29.

[ (2)] في الأصل: «قنطرة النهروان»، و التصحيح من المصادر.

[ (3)] تجارب الأمم 5/ 306- 309، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 30، 31، الإنباء في تاريخ الخلفاء 163، الأوراق 6، 7، الكامل في التاريخ 8/ 288، 289، نهاية الأرب 23/ 123، 124، العبر 2/ 192، دول الإسلام 1/ 197، تاريخ ابن خلدون 3/ 398.

[ (4)] انظر عن (السجزيّ) في: تكملة تاريخ الطبري 1/ 85 و فيه «السجري» بالراء المهملة، تاريخ الخلفاء 391.

[ (5)] في تكملة تاريخ الطبري 86 ما يفيد أنّ المنفيّين هما: الخصيبي، و سليمان بن الحسن.

27

[توقّف الحجّ‏]

و لم يحجّ الناس إلى سنة سبع و عشرين من بغداد [ (1)].

و اللَّه أعلم.

____________

[ (1)] دول الإسلام 1/ 197، تاريخ الخلفاء 391.

28

سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة

[تقليد ولدي الراضي المشرق و المغرب‏]

فيها تمكّن الرّاضي باللَّه و قلّد ابنيه المشرق و المغرب، و هما أبو جعفر و أبو الفضل. و استكتب لهما أبا الحسين عليّ بن محمد بن مقلة [ (1)].

[القبض على ابن شنبوذ المقرئ و ضربه‏]

و فيها بلغ الوزير أبا عليّ بن مقلة أن ابن شنبوذ المقرئ يغيّر حروفا من القرآن، و يقرأ بخلاف ما أنزل. فأحضره، و أحضر عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف القاضي، و أبا بكر بن مجاهد، و جماعة من القرّاء، و نوظر، فأغلظ للوزير في الخطاب و للقاضي و لابن مجاهد، و نسبهم إلى الجهل، و أنّهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر. فأمر الوزير بضربه، فنصب بين الهنبازين و ضرب سبع درر، و هو يدعو على الوزير بأن تقطع يده، و يشتّت شمله [ (2)] ثمّ أوقف على الحروف الّتي قيل إنّه يقرأ بها، فأهدر منها ما كان شنيعا، و توّبوه غصبا. و كتب عنه الوزير محضرا.

و ممّا أخذ عليه: (فامضوا) إلى ذكر اللَّه في الجمعة [ (3)].

و كان (أمامهم) ملك يأخذ كلّ سفينة (صالحة) غصبا [ (4)].

____________

[ (1)] تجارب الأمم 5/ 309، 310، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 28، الكامل في التاريخ 8/ 311، دول الإسلام 1/ 198، العبر 2/ 195، النجوم الزاهرة 3/ 248، تاريخ الخلفاء 391.

[ (2)] العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 93، المنتظم 6/ 275، نهاية الأرب 23/ 147، العبر 2/ 196، البداية و النهاية 11/ 181، و مرآة الجنان 2/ 291، مآثر الإنافة 1/ 287، النجوم الزاهرة 3/ 248، 249.

[ (3)] انظر: سورة الجمعة، الآية 9 و هي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏.

[ (4)] انظر: سورة الكهف، الآية 78، و هي: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً.

29

و تكون الجبال (كالصّوف) المنفوش [ (1)].

تبّت يدا أبي لهب و (قد) تبّ [ (2)].

فلمّا خرّ تبيّنت (الإنس أنّ) الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب (لما) لبثوا (حولا) في العذاب المهين [ (3)].

و الذّكر و الأنثى [ (4)]. فاعترف بها [ (5)]. و لا ريب أنّها قد رويت و لم يخترعها الرّجل من عنده.

و قيل إنّه نفي إلى البصرة.

و قيل: إلى الأهواز [ (6)]. و كان إماما في القراءة [ (7)].

[شغب الجند على محمد بن ياقوت‏]

و في ربيع الأوّل شغبت الجند، و صاروا إلى دار محمد بن ياقوت، و طلبوا أرزاقهم، فأغلظ لهم، فغضبوا و همّوا به، فدافع عنه غلمانه، و قام إلى دار الحرم. فجاء الوزير و سكّنهم.

ثمّ عادوا في اليوم الثّاني و خرجوا إلى الصّحراء، و عاونتهم العامّة. فعبروا إلى الجانب الغربيّ، و فتحوا السّجون و المطبق، و أخرجوا من بها، و عظمت الفتنة، و شرع القتال، و نهبت الأسواق. و ركب بدر الخرشنيّ ليكفّهم، فرموه بالنّشّاب.

و اتّفق الحجريّة و السّاجيّة، و قصدوا دار الخليفة فمنعهم الحجّاب، فكاشفوا محمد بن ياقوت و قالوا: لا نرضى أن تكون كبير الجيش. و حاصروا دار الخليفة أيّاما، ثمّ أرضاهم، فسكنوا [ (8)].

____________

[ (1)] سورة القارعة، الآية 5: و هي: وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ‏.

[ (2)] سورة اللهب، الآية 1، و هي: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ‏.

[ (3)] سورة سبإ، الآية 14، و هي: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى‏ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ، فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ‏.

[ (4)] سورة اللّيل، الآية 3، و هي: وَ ما خَلَقَ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏.

[ (5)] تكملة تاريخ الطبري 87، المنتظم 6/ 275، العبر 2/ 196، مرآة الجنان 2/ 286، و 291، البداية و النهاية 11/ 181، مآثر الإنافة 1/ 287، النجوم الزاهرة 3/ 248، 249، تاريخ الخلفاء 391.

[ (6)] المنتظم 6/ 275.

[ (7)] النجوم الزاهرة 3/ 249.

[ (8)] المنتظم 6/ 275، 276، دول الإسلام 1/ 198، العبر 2/ 192.

30

[القبض على ابن ياقوت و القراريطيّ‏]

و فيها قبض الرّاضي على محمد بن ياقوت، و أخيه المظفّر، و أبي إسحاق القراريطيّ، و أخذ خطّ القراريطيّ بخمسمائة ألف دينار [ (1)].

[ازدياد شأن ابن مقلة]

و عظم شأن الوزير ابن مقلة، و استقلّ بالدّولة [ (2)].

ثمّ شغب الجند عليه و نهبوا داره، فأرضاهم بمال [ (3)].

[فتح جنوة]

و فيها أخرج المنصور إسماعيل العبيديّ يعقوب بن إسحاق في أسطول من المهديّة عدّته ثلاثون حربيّا إلى ناحية إفرنجة، ففتح مدينة جنوة، و مرّوا بمدينة سردانية، فأوقعوا بأهلها و سبوا و أحرقوا عدّة مراكب، و قتلوا رجالها، و أسرعوا بالخروج إلى جنوة، و حرّقوا مراكب قرسقة [ (4)]، و نقبوا أسوار جنوة، و استولوا على المدينة، و أسروا ألف امرأة، و قدموا بالغنائم إلى المهديّة [ (5)].

[فتنة البربهاريّ و أصحابه‏]

و في جمادى الأولى جرت فتنة عظيمة من البربهاريّ الحنبليّ و أصحابه، فنودي أن لا يجتمع أحد من أصحاب البربهاريّ. و حبس منهم جماعة و استتر الشّيخ [ (6)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 88، تجارب الأمم 5/ 318، 319، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 31، أخبار الراضي للصولي 7، الكامل في التاريخ 8/ 305، نهاية الأرب 23/ 129، تاريخ ابن خلدون 3/ 398، النجوم الزاهرة 3/ 249.

[ (2)] تجارب الأمم 5/ 319 و 321 و كانت سنّه إذ ذاك ثماني عشرة سنة، الكامل في التاريخ 8/ 305، العبر 2/ 196، دول الإسلام 1/ 198، مرآة الجنان 2/ 287، تاريخ ابن خلدون 3/ 398، النجوم الزاهرة 3/ 249.

[ (3)] تجارب الأمم 5/ 320، المختصر في أخبار البشر 2/ 83.

[ (4)] هكذا في الأصل، و في الكامل في التاريخ 8/ 310 «قرقيسيا»، و هو وهم، و المثبت هو الصواب، و هي الآن جزيرة كورسيكا.

[ (5)] الكامل في التاريخ 8/ 285 و 310، المختصر في أخبار البشر 2/ 83، دول الإسلام 1/ 198، العبر 2/ 196، تاريخ ابن الوردي 1/ 268، البداية و النهاية 11/ 182، مآثر الإنافة 1/ 290، النجوم الزاهرة 3/ 249.

[ (6)] تكملة تاريخ الطبري، تجارب الأمم 5/ 322 و فيه: «ألّا يجتمع منهم نفسان في موضع‏

31

فقيل: إنّهم صاروا يكبسون دور الأمراء و الكبراء، فإن رأوا نبيذا أراقوه، و إن صادفوا مغنّية ضربوها، و كسروا آلة الملاهي، و أنكروا في بيع النّاس و شرائهم، و في مشي الرجال مع الصّبيان. فنهاهم متولّي الشّرطة، فما التفتوا عليه: فكتب الرّاضي توقيعا يزجرهم و يوبّخهم باعتقادهم: و أنّكم تزعمون أنّ اللَّه على صوركم الوحشة، و تذكرون أنّه يصعد و ينزل. و أقسم: إن لم تنتهوا لأقتلنّ فيكم و لأحرقنّ دوركم [ (1)].

[هبوب الريح ببغداد]

و في الشّهر هبّت ريح عظيمة ببغداد، و اسودّت الدّنيا و أظلمت من العصر إلى المغرب برعد و برق [ (2)].

[شغب الجند بابن مقلة]

و فيه شغب الجند بابن مقلة و همّوا بالشّرّ [ (3)].

[قتل سعيد بن حمدان‏]

و كان سعيد بن حمدان قد ضمن الموصل و غيرها سرّا من ابن أخيه الحسن بن عبد اللَّه بن حمدان، و خلع عليه ببغداد، فخرج سعيد في صورة أنّه يساعد ابن أخيه في الضّمان في خمسين فارسا، فدخل الموصل، فخرج ابن أخيه مظهرا لتلقّيه. و مضى العمّ إلى دار ابن أخيه فنزلها، و سأل عنه فقيل: خرج لتلقّيك. فجلس ينتظره.

____________

[ ()] واحد». و انظر: نص توقيع الراضي باللَّه إلى الحنبليّين، المنتظم 6/ 276، تاريخ مختصر الدول 163، العبر 2/ 196، 197، مرآة الجنان 2/ 286، 287، البداية و النهاية 11/ 181، 182.

[ (1)] الكامل في التاريخ 8/ 307- 309، تاريخ مختصر الدول 163، المختصر في أخبار البشر 2/ 82، تاريخ ابن الوردي 1/ 267، تاريخ الخميس 2/ 392.

[ (2)] المنتظم 6/ 276، النجوم الزاهرة 3/ 249، تاريخ الخلفاء 392.

[ (3)] تقدّم مثل هذا الخبر قبل قليل. انظر، تجارب الأمم 5/ 320 و 321 و 323، و المنتظم 6/ 276، و الكامل في التاريخ 8/ 321، تاريخ ابن الوردي 1/ 368، مرآة الجنان 2/ 287، البداية و النهاية 11/ 182.

32

فلمّا علم الحسن بأنّ عمّه في داره وجّه غلمانه فقبضوا عليه و قيّدوه، ثمّ قتله بعد أيام [ (1)].

[خروج ابن مقلة لحرب الحسن بن حمدان‏]

و تألّم له الرّاضي، و أمر أبا عليّ بن مقلة بالخروج إلى الموصل، و الإيقاع بالحسن. فخرج في جميع الجيش و استخلف ابنه ابا الحسين موضعه. فلمّا قرب من الموصل نزح عنها الحسن في شعبان، فتبعه ابن مقلة، فصعد الجبل و دخل بلد الزّوزان، فاستقرّ ابن مقلة بالموصل يستخرج أموالا، و يستسلف من التّجّار على غلّات البلد، فاجتمع له أربعمائة ألف دينار. فاحتال سهل بن هاشم كاتب الحسن، و كان مقيما ببغداد، فبذل لولد ابن مقلة عشرة آلاف دينار حتّى يكتب إلى أبيه بأنّ الأمور بالحضرة مضطربة. فانزعج الوزير و سار إلى بغداد، فدخل في ذي القعدة [ (2)].

[القبض على جعفر بن المكتفي‏]

و فيها وقعوا برجل قد أخذ البيعة لجعفر بن المكتفي، و بذل أموالا عظيمة، فقبض عليه و على جعفر، و نهب منزل جعفر [ (3)].

[عود الحسن بن حمدان إلى الموصل‏]

و عاد الحسن بن عبد اللَّه بن حمدان إلى الموصل بعد حرب تمّ له مع جيش الخليفة و هزمهم، و كتب إلى الخليفة يعتذر [ (4)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 91، تجارب الأمم 5/ 323، 324، الكامل في التاريخ 8/ 309، المختصر في أخبار البشر 2/ 83، دول الإسلام 1/ 198، العبر 2/ 197، تاريخ ابن الوردي 1/ 268، البداية و النهاية 11/ 182.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 91، تجارب الأمم 5/ 325، الكامل في التاريخ 8/ 309، 310، نهاية الأرب 23/ 131، 132، العبر 2/ 197، دول الإسلام 1/ 198، تاريخ ابن الوردي 1/ 268.

[ (3)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 92.

[ (4)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 92، تجارب الأمم 5/ 329، نهاية الأرب 23/ 132، المختصر في أخبار البشر 2/ 83، البداية و النهاية 11/ 182، 183.

33

[مهاجمة القرمطيّ لركب الحجّاج‏]

و خرج الرّكب العراقيّ و معهم لؤلؤ يخفرهم، فاعترضهم أبو طاهر القرمطيّ، فانهزم لؤلؤ و به ضربات. فقتل القرمطيّ الحاجّ و سبى الحرم، و التجأ الباقون إلى القادسيّة، و تسلّلوا إلى الكوفة [ (1)].

[موت الأمير ابن ياقوت‏]

و في ذي الحجّة مات الأمير أبو بكر محمد بن ياقوت في الحبس حتف أنفه [ (2)].

[الغلاء ببغداد]

و فيها غلا السّعر ببغداد حتّى أبيع كرّ القمح بمائة و عشرين دينارا [ (3)].

[استمالة ابن رائق للدّيلم‏]

و فيها قدم غلمان مرداويخ الدّيلميّ إلى بغداد، و فيهم بجكم، فخافت الحجريّة منهم.

ثمّ إنّ محمد بن رائق أمير واسط و نواحيها كاتبهم، فأتوا إليه، فأكرمهم و قدّم عليهم بجكم، و أفرط في الإحسان إليه، و أمره بمكاتبة جند الجبال ليقدموا عليه. ففعلوا، فصار عنده عدّة كبيرة، و تمكّن و جبى الخراج [ (4)].

____________

[ (1)] تجارب الأمم 5/ 330، التنبيه و الإشراف 337، 338، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 34، 35، تاريخ أخبار القرامطة 55، المنتظم 6/ 276، الكامل في التاريخ 8/ 311، نهاية الأرب 23/ 132، دول الإسلام 1/ 198، العبر 2/ 197، مرآة الجنان 2/ 287، البداية و النهاية 11/ 182، شفاء الغرام (بتحقيقنا) 2/ 348.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 93، تجارب الأمم 5/ 330، 331، الكامل في التاريخ 8/ 311، 312، نهاية الأرب 23/ 132، دول الإسلام 1/ 198، العبر 2/ 197، مرآة الجنان 2/ 287.

[ (3)] قال حمزة بن الحسن الأصفهاني: و في سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة في آخرها و أول سنة أربع و عشرين شملت المجاعة للناس و تفاقم الأمر فيها، و اقترن بها الموت الذريع ... (تاريخ سنيّ ملوك الأرض و الأنبياء 147)، و الخبر في: تكملة تاريخ الطبري للهمداني 1/ 93، و المنتظم 6/ 277، و البداية و النهاية 11/ 182، النجوم الزاهرة 3/ 249.

[ (4)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 93، تجارب الأمم 5/ 331، 332.

34

سنة أربع و عشرين‏

[وفاة هارون بن المقتدر]

توفّي هارون بن المقتدر، و حزن عليه أخوه الخليفة، و اغتمّ له، و أمر بنفي الطّبيب بختيشوع بن يحيى، و اتّهمه بتعمّد الخطإ في علاجه [ (1)].

[تقليد ابن طغج عملا في مصر]

و فيها قلّد ابن مقلة أبا بكر محمد بن طغج أعمال المعاون [ (2)] بمصر مضافا إلى ما بيده من الشّام [ (3)].

[قطع ابن رائق الحمل عن بغداد]

و فيها قطع الحمل عن بغداد محمد بن رائق، و احتجّ بكثرة كلفة الجيش عنده [ (4)]، و قطع حمل الأهواز، و طمع غيرهم.

[إطلاق المظفّر بن ياقوت من الحبس‏]

و في ربيع الأوّل أطلق من الحبس المظفّر بن ياقوت، و حلف للوزير على المصافاة [ (5)]، و في نفسه الحقد عليه لأنّه نكبه، و نكب أخاه محمدا. ثمّ أخذ

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 93، النجوم الزاهرة 3/ 257.

[ (2)] في الأصل: «المعاول»، و التصحيح من: تجارب الأمم 5/ 332، و غيره.

[ (3)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 93، تجارب الأمم 5/ 332، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 35، الولاة و القضاة 285، العيون الدعج 157، المختصر في أخبار البشر 2/ 82، 83، البداية و النهاية 11/ 185، النجوم الزاهرة 3/ 257.

[ (4)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 93، تجارب الأمم 5/ 332، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 36، الكامل في التاريخ 8/ 313، نهاية الأرب 23/ 132، النجوم الزاهرة 3/ 257.

[ (5)] تجارب الأمم 5/ 332، تاريخ حلب 287، الكامل في التاريخ 8/ 312، 313، النجوم الزاهرة 3/ 257.

35

يسعى في هلاكه و يشغب عليه الحجريّة. فعلم الوزير، فاعتضد بالأمير بدر صاحب الشّرطة ليوقع بالمظفّر، فانحدر بدر و أصحابه بالسّلاح إلى دار الخليفة، و منعوا الحجريّة من دخولها [ (1)] فضعفت نفس المظفّر، و أشار على الحجريّة بالتّذلّل لابن مقلة، و أظهر له المظفّر أنّه على أيمانه، فاغترّ بذلك و صرف بدرا و الجند من دار الخلافة. فمشى الغلمان بعضهم إلى بعض و أوحشوا نفوس الجند من ابن مقلة و من بدر، و تحالفوا و صارت كلمتهم واحدة. ثمّ صاروا إلى دار الخلافة فأحدقوا بها، و صار الرّاضي في أيديهم كالأسير، و طالبوه أن يخرج معهم إلى الجامع فيصلّي بالنّاس ليعلموا أنّه من حزبهم. فخرج يوم الجمعة سادس جمادى الأولى، فصلّى بالنّاس، و قال في خطبته: اللَّهمّ إنّ هؤلاء الغلمان بطانتي و ظهارتي، فمن أرادهم بخير فأزده [ (2)]، و من كادهم فكده [ (3)].

[إمرة بدر الخرشني على دمشق‏]

و أمر بدرا الخرشنيّ بالمسير على إمرة دمشق مسرعا [ (4)].

[تدبير ابن مقلة للإيقاع بابن رائق‏]

ثمّ أخذ ابن مقلة يشير على الرّاضي سرّا أن يخرج بنفسه ليدفع محمد بن رائق عن واسط و البصرة. ثمّ بعث ابن مقلة بمقدّم من الحجريّة، و آخر من السّاجيّة برسالة إلى ابن رائق يطلب المحاسبة. فأحسن ابن رائق إليهما، و حمّلهما رسالة إلى الرّاضي سرّا بأنّه إن استدعي إلى الحضرة قام بتدبير الخلافة، و كفى أمير المؤمنين كلّ مهمّ. فقدما. فلم يلتفت الراضي إلى الرسالة. و لمّا رأى ابن مقلة امتناع ابن رائق عليه عمل على خروج الرّاضي إلى الأهواز، و أن يرسل القاضي برسالة إلى ابن رائق لئلّا يستوحش [ (5)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 93.

[ (2)] في تجارب الأمم 5/ 334: «فمن أرادهم بسوء فأرده به»، و المنتظم 6/ 281.

[ (3)] تجارب الأمم 5/ 333، 334.

[ (4)] تجارب الأمم 5/ 334، أمراء دمشق في الإسلام 17 رقم 59، النجوم الزاهرة 3/ 279.

[ (5)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 94، تجارب الأمم 5/ 335.

36

[إخراج ابن مقلة من الوزارة]

فبينا ابن مقلة في الدّهليز شغب الغلمان و معهم المظفّر، و أظهروا المطالبة بالأرزاق، و قبضوا على الوزير، و بعثوا إلى الرّاضي يعرّفونه ليستوزر غيره، فبعث إليهم يستصوب رأيهم، ثمّ قال: سمّوا من شئتم حتّى استوزره.

فسمّوا عليّ بن عيسى، و قالوا: هو مأمون كافي. فاستحضره و خاطبه بالوزارة فامتنع، فخاطبه ثانية و ثالثة فامتنع، فقال: أشر بمن ترى. فأومى إلى أخيه عبد الرحمن بن عيسى. فبعث الرّاضي إليه المظفّر بن ياقوت، فأحضره و قلّده، و ركب الجيش بين يديه [ (1)]، و أحرقت دار ابن مقلة، و هذه المرّة الثالثة [ (2)].

و كان قد أحرق دار سليمان بن الحسن. فكتبوا على داره:

أحسنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت‏* * * و لم تخف سوء ما يأتي به القدر

و سالمتك اللّيالي فاغتررت بها* * * و عند صفو اللّيالي يحدث الكدر [ (3)]

و اختفى الوزير و أعوانه.

[ظهور الخصيبيّ و سليمان بن الحسن‏]

و ظهر أبو العبّاس الخصيبيّ، و سليمان بن الحسن، و صارا يدخلان مع الوزير عبد الرحمن و أخيه عليّ، و يدخل معهم أبو جعفر محمد بن القاسم و الأعيان [ (4)].

[تعذيب ابن مقلة]

و أخذ ابن مقلة فتسلّمه عبد الرحمن الوزير، و ضرب بالمقارع، و أخذ خطّه‏

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 94، تجارب الأمم 5/ 336، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 36، 37، المنتظم 6/ 281، الكامل في التاريخ 8/ 314، نهاية الأرب 23/ 133، المختصر في أخبار البشر 2/ 83، تاريخ ابن الوردي 1/ 369، النجوم الزاهرة 3/ 257.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 94، تجارب الأمم 5/ 336، المنتظم 6/ 281، النجوم الزاهرة 3/ 257.

[ (3)] المنتظم 6/ 282.

[ (4)] تجارب الأمم 5/ 336، 337، المنتظم 6/ 281.

37

بألف ألف دينار [ (1)]. ثمّ سلّم إلى أبي العبّاس الخصيبيّ، فجرى عليه من المكاره و التّعليق و الضّرب عجائب [ (2)].

[رواية ثابت بن سنان عن تعذيب ابن مقلة]

قال ثابت [ (3)]: كلّفني الخصيبيّ الدّخول إليه يوما و قال: إن كان يحتاج إلى الفصد فليفصد بحضرتك. فدخلت فوجدته مطروحا على حصير، و تحت رأسه مخدّة وسخة، و هو عريان في وسطه سراويل، و رأيت بدنه من رأسه إلى أطراف رجليه كالباذنجان، و به ضيق نفس شديد. و كان الّذي تولّى عذابه و دهق صدره الدّستوائيّ [ (4)]. فقلت: يريد الفصد.

فقال الخصيبيّ: و كيف نعمل، و لا بدّ من تعذيبه كلّ يوم؟

قلت: فيتلف.

قال: افصده.

ففصدته و رفّهته ذلك اليوم. و اتّفق أنّ الخصيبيّ استتر ذلك اليوم، فاطمأنّ ابن مقلة و تصلّح. و حضر أبو بكر بن قرابة، و ضمن ما عليه و تسلّمه [ (5)].

[القبض على المظفّر بن ياقوت و هدم داره‏]

و في جمادى الأولى قبض الرّاضي على المظفر بن ياقوت و هدم داره، ثمّ أطلقه بعد جمعة و أصدره إلى أبيه ياقوت [ (6)].

[عزل الخرشني عن الشرطة]

و عزل بدر الخرشنيّ عن الشّرطة، و وليها كاجوا [ (7)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 94، مرآة الجنان 2/ 288، و 292، البداية و النهاية 11/ 184.

[ (2)] تجارب الأمم 5/ 337، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 37، الكامل في التاريخ 8/ 314، العبر 2/ 200، مرآة الجنان 2/ 288 و 292.

[ (3)] روايته في: تكملة تاريخ الطبري 1/ 94.

[ (4)] في تكملة تاريخ الطبري 1/ 94 «الدستواني».

[ (5)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 94، 95.

[ (6)] الخبر مبتور في: تكملة تاريخ الطبري 1/ 95.

[ (7)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 95، تجارب الأمم 5/ 338، العيون و الحدائق ج 4، ق 2/ 37، الكامل في التاريخ 8/ 314.

38

[تقليد الخرشني أعمال أصبهان و فارس‏]

و قلّد الخرشنيّ أعمال أصبهان و فارس [ (1)].

[وزارة الكرخي‏]

و عجز الوزير عبد الرحمن عن النّفقات، و ضاق المال. فاستعفى. فقبض عليه الرّاضي في رجب و على أخيه، و استوزر أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخيّ، و سلّم ابني عيسى إلى الكرخيّ، فصادرهما برفق، فأدّى كلّ واحد سبعين ألف دينار، و انصرفا إلى منازلهما [ (2)].

[قتل ياقوت الأمير]

و في رمضان قتل ياقوت الأمير بعسكر مكرم، فأراد الحجريّة قتل أبي الحسين البريديّ ببغداد، و كان يخلف أخاه في الكتابة لياقوت، فاختفى.

و كان ياقوت قد سار بجموعه لحرب عليّ بن بويه [ (3)]، فالتقيا بباب أرّجان، فهزمه ابن بويه، فعاد إلى الأهواز، و تواترت الأخبار بأنّ ابن بويه وافى إلى رامهرمز مقتفيا آثار ياقوت. فعبر ياقوت إلى عسكر مكرم و قطع الجسر. و أقام ابن بويه أيّاما برامهرمز إلى أن وقع الصّلح بينه و بين الخليفة، و جرت فصول.

و ضعف أمر ياقوت، و جاع عسكره، و تفرّقت رجاله، و تمّت له حروب مع كاتبه أبي عبد اللَّه البريديّ، ثمّ انهزم و أوى إلى قرية، فظفروا به و قتلوه، و كان قد شاخ [ (4)].

ثمّ طغى البريديّ و أظهر العصيان [ (5)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 95، تجارب الأمم 5/ 338.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 95، تجارب الأمم 5/ 338، مروج الذهب 4/ 323، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 37، تاريخ حلب 287، الكامل في التاريخ 8/ 315، نهاية الأرب 23/ 133، 134 و فيه: «و سلّم إليه علي بن عيسى فصادره على مائة ألف دينار، و صادر أخاه عبد الرحمن بسبعين ألف دينار». تاريخ ابن الوردي 1/ 269، البداية و النهاية 11/ 184، مآثر الإنافة 1/ 287، النجوم الزاهرة 3/ 257.

[ (3)] في تكملة تاريخ الطبري 1/ 95: «علي بن بلقويّه»!

[ (4)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 97، تجارب الأمم 5/ 339- 347، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 37، الكامل في التاريخ 8/ 315- 321، العبر 2/ 200، تاريخ ابن خلدون 3/ 399.

[ (5)] تجارب الأمم 5/ 348، نهاية الأرب 23/ 134.

39

[وزارة سليمان بن الحسن‏]

و فيها استوزر الرّاضي أبا القاسم سليمان بن الحسن. و سببه أنّ ابن رائق تغلّب على ناحيته، و ابن بويه تغلّب على فارس. و ضاقت الدّنيا على الوزير الكرخيّ، و كان غير ناهض بالأمور، فعزل في شوّال، و قلّد سليمان، فكان في العجز بحال الكرخيّ و زيادة [ (1)].

[عودة ابن رائق إلى بغداد]

فدعت الضّرورة إلى أن كاتب الراضي محمد بن رائق يلاطفه مع كاجوا، فأصغى و أسرع، فأرسل اليه الراضي بالخلع و اللّواء. فانحدر إليه أعيان السّاجيّة، فقيّدهم و حبسهم، فاستوحش الحجريّة ببغداد، و أحدقوا بباب دار الخليفة. فوصل ابن رائق في جيشه إلى بغداد في ذي الحجّة، و دخل على الراضي في قوّاده [ (2)].

ثمّ إنّه أمر الحجريّة بقلع خيامهم و ذهابهم إلى منازلهم، فلم يفعلوا، و بطل حينئذ أمر الوزارة و الدّواوين و بقي الاسم لا غير، و تولّى الجميع محمد بن رائق و كتّابه، و صارت الأموال تحمل إليه، و بطلت بيوت المال. و حكم ابن رائق على البلاد و بقي الراضي معه صورة [ (3)].

[الوباء و الغلاء بأصبهان و بغداد]

و فيها وقع الوباء العظيم بأصبهان و بغداد، و غلت الأسعار [ (4)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 98، تجارب الأمم 5/ 350، مروج الذهب 4/ 323، المنتظم 6/ 281، الكامل في التاريخ 8/ 322، نهاية الأرب 23/ 134، تاريخ ابن الوردي 1/ 369، البداية و النهاية 11/ 184، مآثر الإنافة 1/ 287، النجوم الزاهرة 3/ 257.

[ (2)] العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 37، 38، الكامل في التاريخ 8/ 322، 323، نهاية الأرب 23/ 134، 135، البداية و النهاية 11/ 184، مآثر الإنافة 1/ 287.

[ (3)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 99، تجارب الأمم 5/ 351، 352، العيون و الحدائق ج 4 ق 3/ 38، تاريخ مختصر الدول 163، الفخري 282، نهاية الأرب 23/ 135، المختصر في أخبار البشر 2/ 84، العبر 2/ 200، دول الإسلام 1/ 199، تاريخ ابن الوردي 1/ 269، البداية و النهاية 11/ 184، مآثر الإنافة 1/ 288، النجوم الزاهرة 3/ 258، تاريخ الخلفاء 392.

[ (4)] قال حمزة بن الحسن الأصفهاني: و في سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة في آخرها، و أوّل سنة أربع و عشرين شملت المجاعة للناس و تفاقم الأمر فيها، و اقترن بها الموت الذريع، فمات من أهل مدينتي أصبهان أكثر من مائتي ألف إنسان. استقصيت وصف أحداث تلك السنة في كتاب‏

40

[الغزوة الأولى لعليّ بن حمدان‏]

و فيها سار الدّمستق في جيوش الرّوم إلى أرض آمد و سميساط فسار عليّ ابن عبد اللَّه بن حمدان، و هو شابّ، و هذه من أوّل مغازيه، إلى أمد، و بعث الأقوات إلى سميساط، فاختلف عليه بعض أمرائه، ثمّ حاربه فظفر به، ثمّ عفا عنه [ (1)].

[تغلّب الحسن بن حمدان على الموصل‏]

و كان الحسن بن عبد اللَّه بن حمدان أخوه قد غلب على الموصل، فسار إليه خلق من السّاجيّة و الحجريّة، و هم خاصّكيّة الخليفة، هربوا من محمد بن رائق، فأحسن الحسن إليهم [ (2)].

[محاربة اليشكري للساجي و انهزامه‏]

و سار من عنده نظيف السّاجيّ متقلّدا آذربيجان، فحاربه اليشكريّ، فانهزم نظيف و استبيح عسكره، و غلب اليشكريّ على آذربيجان، فسار لحربه ديسم و ابن الدّيلميّ و طائفة، فهزموه و نهبوا و سبوا، و فعلوا القبائح.

[استيلاء الروم على سميساط]

و فيها استولت الروم على سميساط و دكّوها، و أمّن الدّمستق أهلها و وصّلهم إلى مأمنهم [ (3)].

[غارات بني نمير و قشير]

و فيها عاثت العرب من بني نمير و قشير و ملكوا ديار ربيعة و مضر، و شنّوا الغارات، و سبوا و قطعوا السّبل، و خلت المدائن من الأقوات، فسار لحربهم عليّ ابن عبد اللَّه بن حمدان، فأوقع بهم و هزمهم بسروج و طردهم إلى ناحية سنجار و هيت [ (4)].

____________

[ (-)] أصفهان و اقتصرت هاهنا على اليسير من وصفها. (تاريخ سنّي ملوك الأرض و الأنبياء- ص 147)، و انظر: المنتظم 6/ 282.

[ (1)] النجوم الزاهرة 3/ 258.

[ (2)] النجوم الزاهرة 3/ 258.

[ (3)] النجوم الزاهرة 3/ 258.

[ (4)] النجوم الزاهرة 3/ 258.

41

[خلعة الملك لصاحب الموصل‏]

و نفد الرّاضي باللَّه خلع الملك إلى صاحب الموصل الحسن بن عبد اللَّه، فبعث على آذربيجان ابن عمه حسين بن سعيد بن حمدان. و كان على ديار بكر أخوه عليّ.

42

سنة خمس و عشرين و ثلاثمائة

[محاربة ابن رائق للحجريّة و السّاجيّة]

فيها أشار محمد بن رائق على الرّاضي بأن ينحدر معه إلى واسط، فخرج أول السّنة منحدرا، فوصل واسط في عاشر المحرّم. و استخلف بالحضرة أبا محمد الصّلحيّ، فاضطربت الحجريّة و قالوا: هذه حيلة علينا ليعمل بنا مثل ما عمل بالسّاجيّة. فأقام بعضهم ثمّ انحدروا. و استخدم ابن رائق ستّين حاجبا، و أسقط الباقين، و كانوا أربعمائة و ثمانين. و نقّص أرزاق الحشم، فثاروا و حاربوا ابن رائق، و جرى بينهم قتال شديد، و انهزم من بقي من السّاجيّة إلى بغداد [ (1)] و لم يبق من الحجريّة [ (2)] إلّا قليل، مثل صافي الخازن، و الحسن بن هارون، فأطلقا.

و لمّا فرغ ابن رائق من الحجريّة و السّاجيّة أشار على الرّاضي باللَّه بالتقدّم إلى الأهواز، فأخرج المضارب [ (3)].

[رسالة الراضي إلى البريديّ‏]

و بعث ابن رائق أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، و الحسن بن إسماعيل الإسكافيّ إلى أبي عبد اللَّه البريدي برسالة من الراضي، مضمونها أنّه قد أخّر

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 99، تجارب الأمم 5/ 357، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 45، الكامل في التاريخ 8/ 329، نهاية الأرب 23/ 137، المختصر في أخبار البشر 2/ 84، العبر 2/ 203، دول الإسلام 1/ 199، تاريخ ابن الوردي 1/ 269، البداية و النهاية 11/ 187.

[ (2)] في البداية و النهاية 11/ 187 «الحجون» و هو غلط.

[ (3)] تجارب الأمم 1/ 358، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 45، 46، الكامل في التاريخ 8/ 329، نهاية الأرب 23/ 137.

43

الأموال و أفسد الجيوش. و أنّه ليس طالبيّا فينازع الأمر، و لا جنديا فينازع الإمارة، و لا ممّن يحمل السّلاح، فيؤهّل لفتح البلاد. و أنّه كان كاتبا صغيرا، فرفع فطغى و كفر النّعمة فإن راجع سومح عن الماضي.

فأجاب إلى أنّه يحمل مالا عيّنه، و أنّ الجيش الّذي عنده لا يقوم بهم مال الحضرة، فسيوجّههم إلى فارس لحرب من بها.

فبعث إليه الرّاضي بالعهد، فما حمل المال و لا جهّز الجيش [ (1)].

[ضمان البريديّ البلاد]

و كان أبو الحسين البريديّ ببغداد، فجهّزه ابن رائق إلى أخيه أبي عبد اللَّه، ثمّ ضمن البريديّ البلاد [ (2)].

[تقلّد بجكم الشرطة]

و رجع الرّاضي إلى بغداد، و تقلّد الشّرطة بجكم [ (3)].

[خروج الحجرية من بغداد]

و خرج من بقي من الحجريّة من بغداد إلى الأهواز، فقبلهم البريديّ، و أجرى أرزاقهم، و رثى لهم [ (4)].

[تفرّق البلدان عن الخلافة]

و صارت البلدان بين خارجيّ قد تغلّب عليها، أو عامل لا يحمل مالا، و صاروا مثل ملوك الطّوائف، و لم يبق بيد الرّاضي غير بغداد و السّواد، مع كون يد ابن رائق عليه [ (5)].

____________

[ (1)] انظر: تكملة تاريخ الطبري 1/ 99، 100، تجارب الأمم 5/ 358، 359، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 46، 47، الكامل في التاريخ 8/ 329- 331، نهاية الأرب 23/ 137، 138، تاريخ ابن الوردي 1/ 270، البداية و النهاية 11/ 187.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 100، تجارب الأمم 5/ 360، الكامل في التاريخ 8/ 332.

[ (3)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 100، تجارب الأمم 5/ 365، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 47.

[ (4)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 101، تجارب الأمم 5/ 365، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 47، 48.

[ (5)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 101، تجارب الأمم 5/ 366، 367، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 48، المنتظم 6/ 288، الكامل في التاريخ 8/ 323، نهاية الأرب 23/ 135، 136، تاريخ الخلفاء 392.

44

[الوحشة بين ابن رائق و البريديّ‏]

و فيها ظهرت الوحشة بين محمد بن رائق و بين أبي عبد اللَّه البريديّ [ (1)].

[دخول القرمطيّ الكوفة]

و وافى أبو طاهر القرمطيّ إلى الكوفة فدخلها في ربيع الآخر، فخرج ابن رائق في جمادى الأولى، و عسكر بظاهر بغداد. و سيّر رسالة إلى القرمطيّ فلم تغن شيئا، ثمّ إنّ القرمطيّ ردّ إلى بلده [ (2)].

[وزارة ابن الفرات‏]

و فيها استوزر الرّاضي أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بمشورة ابن رائق. و كان ابن الفرات بالشّام فأحضروه [ (3)].

[انهزام جيش ابن رائق‏]

و مضى ابن رائق إلى واسط و راسل البريديّ، فلم يلتفت و أخذ يماطله.

و بعث جيشا إلى البصرة يحفظها من ابن رائق، و طيّب قلوب أهلها، فقلق ابن رائق، و بعث إلى البصرة جيشا، فالتقوا فانهزم جيش ابن رائق غير مرّة [ (4)].

[محاربة ابن رائق للبصرة و عصيان أهلها عليه‏]

ثمّ قدم بدر الخرشنيّ من مصر، فأكرمه ابن رائق، ثمّ نفّده و بجكما إلى الأهواز، فجهّز إليهما البريديّ أبا جعفر الجمّال [ (5)] في ألف نفس [ (6)]، فالتقوا على‏

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 102، تجارب الأمم 5/ 367، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 49، الكامل في التاريخ 8/ 333، نهاية الأرب 23/ 139، دول الإسلام 1/ 199، العبر 2/ 203، 204، النجوم الزاهرة 3/ 260.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 102، تجارب الأمم 5/ 367، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 49، الكامل في التاريخ 8/ 334، النجوم الزاهرة 3/ 260.

[ (3)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 102، تجارب الأمم 5/ 367، 368، مروج الذهب 4/ 323، تاريخ حلب 288، المنتظم 6/ 289، النجوم الزاهرة 3/ 260.

[ (4)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 102، 103، تجارب الأمم 5/ 368، 369.

[ (5)] في الكامل في التاريخ 8/ 353 «الحمّال» بالحاء المهملة.

[ (6)] هكذا في الأصل، و في: تكملة تاريخ الطبري 1/ 103: «في عشرة آلاف رجل»، و مثله في:

تجارب الأمم 5/ 370، 371، و العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 50، و في الكامل في التاريخ:

«في ثلاثة آلاف مقاتل».

45

السّوس، فهزمهم الخرشنيّ، و ساق وراءهم، فخرج البريديّ و أخوه في طيّار، و حملوا معهم ثلاثمائة ألف دينار، فغرق بهم الطّيّار، فأخرجهم الغوّاصون، و استخرجوا بعض الذّهب لبجكم، و وافوا البصرة، و دخل بجكم الأهواز، و كتب إلى ابن رائق بالفتح [ (1)].

و دخل البريديّون البصرة و اطمأنّوا، فساق ابن رائق بنفسه إلى البصرة في نصف شوّال. فهرب البريديّ إلى جزيرة أوال [ (2)]، و وافاه بجكم.

و سار ابن رائق و جيشه ليدخلوا البصرة، فقاتلهم أهلها و منعوهم لظلمهم.

و ذهب البريديّ إلى فارس، و استجار بعليّ بن بويه فأجاره، و أنفذ معه أخاه و أبا الحسين أحمد بن بويه لفتح الأهواز [ (3)]. و بلغ ابن رائق ذلك، فجهّز بجكم إلى الأهواز، فقال: لست أحارب هؤلاء إلّا بعد أن تحصل لي إمارتها و خراجها. فقال ابن رائق: نعم. و أمضى له ذلك على مائة و ثلاثين ألف دينار في السّنة [ (4)].

و دام أهل البصرة على عصيان ابن رائق لسوء سيرته، فحلف إن تمكّن من البصرة ليجعلها رمادا. فازدادا غيظهم منه [ (5)].

[ولاية بدير لدمشق‏]

و فيها ولي إمرة دمشق بدير [ (6)] مولى محمد بن طغج، فأقام بها إلى سنة سبع و عشرين.

____________

[ (1)] تجارب الأمم 5/ 371، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 49، 50، الكامل في التاريخ 8/ 335، نهاية الأرب 23/ 140.

[ (2)] أوال: بالضم، و يروى بالفتح، جزيرة يحيط بها البحر بناحية البحرين فيها نخل كثير و ليمون و بساتين. (معجم البلدان 1/ 274).

[ (3)] العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 50.

[ (4)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 103- 105 و فيه زيادة: «و أقطعه إقطاعا بخمسين ألف دينار و نفذ»، تجارب الأمم 5/ 372- 374، الكامل في التاريخ 8/ 334- 337.

[ (5)] نهاية الأرب 23/ 141، العبر 2/ 204، دول الإسلام 1/ 200.

[ (6)] هكذا في الأصل. و في: أمراء دمشق للصفدي 17 رقم 58: «بدر الإخشيدي المعروف ببدير، وليها من قبل مولاه الإخشيد في أيام الراضي باللَّه».

46

[قدوم ابن رائق إلى دمشق‏]

و قدم محمد بن رائق دمشق، فأقام بها، و زعم أنّ المتّقي ولّاه إيّاها، و أخرج بديرا [ (1)].

[عودة الولاية لبدير]

ثم ولي بدير دمشق بعد ذلك من قبل كافور الإخشيدي.

[اختلاف البريديّين‏]

و أمّا البريديّون فهم ثلاثة من الكتّاب: أبو عبد اللَّه، و أبو الحسين، و أبو يوسف. كان أبوهم كاتبا على البريد بالبصرة، فغلبوا على الأهواز و جرت لهم قصص، ثمّ اختلفوا و تمزّقوا.

[تغلّب ابن حمدان على مضر]

و فيها سار عليّ بن عبد اللَّه بن حمدان إلى مضر، فتغلّب عليها لمّا خرج عنها بدر الخرشنيّ إلى العراق.

[امتناع الحجّ‏]

و لم يجسر أحد أن يحجّ هذا العام [ (2)].

[تأسيس مدينة الزهراء بالأندلس‏]

و فيها أسّس أمير الأندلس النّاصر لدين اللَّه الأمويّ مدينة الزّهراء. و كان منتهى الإنفاق في بنائها كلّ يوم ما لا يحدّ، يدخل فيها كلّ يوم من الصّخر [ (3)] المنحوت ستّة آلاف صخرة، سوى التّبليط [ (4)]. و جلب إليها الرّخام من أقطار المغرب، و دخل فيها أربعة آلاف و ثلاثمائة سارية [ (5)]، منها ثلاث و عشرون سارية

____________

[ (1)] أمراء دمشق 77 رقم 337، الوافي بالوفيات 3/ 69، نهاية الأرب 23/ 150.

[ (2)] العبر 2/ 204، النجوم الزاهرة 3/ 260، شفاء الغرام 2/ 348 (بتحقيقنا).

[ (3)] في النجوم الزاهرة: «الحجر».

[ (4)] في النجوم: «سوى الآجرّ».

[ (5)] في البيان المغرب 2/ 231: «أربعة آلاف سارية و ثلاثمائة سارية و ثلاث عشرة سارية».

47

ملوّنة. و أهدى له ملك الفرنج أربعين سارية [ (1)] رخام. و أمّا الورديّ و الأخضر فمن إفريقية و الحوض المذهّب جلب من القسطنطينيّة، و الحوض الصّغير عليه صورة أسد، و صورة غزال، و صورة عقاب، و صورة ثعبان، و غير ذلك.

كلّ ذلك ذهب مرصّع بالجوهر. و بقوا في بنائها ستّ عشرة سنة. و كان ينفق عليها ثلث دخل الأندلس. و كان دخل الأندلس يومئذ خمسة آلاف ألف و أربعمائة ألف و ثمانون ألف درهم.

و عمل في الزّهراء قصر المملكة. غرم عليه من الأموال ما لا يعلمه إلّا اللَّه.

و بين الزّهراء و بين قرطبة أربعة أميال، و طولها ألف و ستّمائة ذراع، و عرضها ألف و سبعون ذراعا.

و لم يبن في الإسلام أحسن منها، لكنّها صغيرة بالنّسبة إلى المدائن كما ترى، لا بل هي متوسّطة المقدار. و كانت من عجائب الدنيا. و سورها ثلاثمائة برج، و كلّ شرّافة حجر واحد. و عمل ثلثها قصور الخلافة، و ثلثها للخدم، و كانوا اثني عشر ألف مملوك، و ثلثها الثّالث بساتين.

و قيل إنّه عمل فيها بحيرة ملأها بالزّئبق.

و قيل: كان يعمل فيها ألف صانع، مع كلّ صانع اثنا عشر أجيرا. و قد أحرقت و هدمت في حدود سنة أربعمائة، و بقيت رسومها و سورها [ (2)]. فسبحان الباقي بلا زوال.

____________

[ (1)] في البيان المغرب 2/ 231: «مائة و أربعين سارية».

[ (2)] النجوم الزاهرة 3/ 260، 261، البيان المغرب 2/ 209 و 223 و 231، 232.

48

سنة ستّ و عشرين و ثلاثمائة

[انتصار البريديّ على بجكم‏]

فيها سار أبو عبد اللَّه البريديّ لمحاربة بجكم. و أقبل في مدد من ابن بويه، فخرج بجكم لحربه، و عاد منهزما بعد ثلاث، لأنّ الأمطار عطّلت نشّاب أصحابه و قسيّهم، فقبض على وجوه أهل الأهواز، و حملهم معه، و سار إلى واسط [ (1)].

[ازدياد قوّة أحمد بن بويه‏]

و أقام البريديّ و أحمد بن بويه بالأهواز أيّاما. ثمّ هرب البريديّ في الماء، ثمّ أخذ يراوغ أحمد بن بويه، و جرت له فصول [ (2)].

و قوي ابن بويه. و بجكم مقيم بواسط ينازع إلى الملك ببغداد [ (3)].

و قد جمع ابن رائق أطرافه و أقام ببغداد، و البريديّ هارب في أسفل الأهواز [ (4)].

[المصاهرة بين ابن رائق و الوزير أبي الفتح‏]

و لمّا رأى الوزير أبو الفتح الفضل اختلاف الحضرة، و استيلاء المخالفين على البلاد، أطمع ابن رائق في أن يحمل إليه الأموال من الشّام و مصر. و أنّ‏

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 105، 106 (حوادث سنة 325 ه)، تجارب الأمم 5/ 378، دول الإسلام 1/ 200، العبر 2/ 206، النجوم الزاهرة 3/ 262.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 107 (حوادث سنة 325 ه)، تجارب الأمم 5/ 380، الكامل في التاريخ 8/ 340 و ما بعدها، و نهاية الأرب 23/ 143، النجوم الزاهرة 262.

[ (3)] نهاية الأرب 23/ 144.

[ (4)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 107 (حوادث سنة 325 ه)، تجارب الأمم 5/ 381، الكامل في التاريخ 8/ 341.

49

ذلك لا يتم مع بعده. و صاهره فزوّج ابنه بابنة محمد بن رائق، و زوّج مزاحم بن رائق ببنت محمد بن طغج [ (1)].

[محاربة البريديّ لبجكم‏]

ثمّ خرج الوزير أبو الفتح إلى الشّام على البرّيّة، و قد استخلف على الحضرة عبد اللَّه بن عليّ النّقريّ [ (2)].

و سار ابن شيرزاد [ (3)] بين البريديّ و ابن رائق في الصّلح، فكتبوا للبريديّ بالعهد على البصرة، و أن يجتهد في أخذ الأهواز من أحمد بن بويه، و أن يحارب بجكم [ (4)].

فواقع عسكر البريديّ عسكر بجكم فهزمه، فسرّ بذلك ابن رائق. ثمّ أرسل بجكم إلى البريديّ: أنت قد اتّفقت مع ابن رائق عليّ و قد عفوت عنك، و أنا أعاهدك إن ملكت الحضرة أن أقلّدك واسطا.

فسجد البريديّ شكرا للَّه و حلف له و اتّفقا [ (5)].

[قطع يد ابن مقلة]

و فيها قطعت يد ابن مقلة. و سببه أنّ محمد بن رائق لمّا صار إليه تدبير المملكة قبض على ضياع ابن مقلة و ابنه، فسأله ابن مقلة إطلاقها، فوعده و مطله. فأخذ ابن مقلة في السّعي عليه من كلّ وجه، و كتب إلى بجكم يطمعه في الحضرة، و كتب إلى الرّاضي يشير عليه بالقبض على ابن رائق، و يضمن له إذا فعل ذلك و أعاده إلى الوزارة أنّه يستخلص له منه ثلاثة آلاف ألف دينار.

و أشار باستدعاء بجكم و نصبه في بغداد. فأصغى إليه، فكتب ابن مقلة إلى بجكم يخبره و يحثّه على القدوم.

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 108، تجارب الأمم 5/ 383، 384، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 54، تاريخ حلب 288، الكامل في التاريخ 8/ 343.

[ (2)] تجارب الأمم 6/ 409.

[ (3)] هو: أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد.

[ (4)] العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 54.

[ (5)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 108، 109، تجارب الأمم 5/ 384، 385، الكامل في التاريخ 8/ 343، 344، نهاية الأرب 23/ 144، 145.

50

و اتّفق معهم أنّ ابن مقلة ينحدر سرّا إلى الرّاضي و يقيم عنده، فركب من داره، و عليه طيلسان، في رمضان في اللّيل. فلمّا وصل إلى دار الخليفة لم يمكّن، و عدل به إلى حجرة فحبس بها. و بعث الرّاضي إلى ابن رائق فأخبره.

فتردّد الرّسل بينهما أسبوعين، ثمّ أظهر الخليفة أمره، و استفتى القضاة في أمره، و أفشى ما أشار به ابن مقلة من مجي‏ء بجكم و قبض ابن رائق.

فيقال إنّ القضاة، أفتوا بقطع يده، و لم يصحّ.

ثمّ أخرجه الرّاضي إلى الدّهليز، فقطعت يده بحضرة الأمراء [ (1)].

[رواية ابن سنان عن ابن مقلة]

قال ثابت بن سنان [ (2)]: فاستدعاني الرّاضي و أمرني بالدّخول عليه و علاجه، فدخلت، فإذا به جالس يبكي، و لونه مثل الرّصاص، فشكا ضربان ساعده.

فطلبت كافورا، و طليت به ساعده فسكن. و كنت أتردّد عليه، فعرضت له علّة النّقرس في رجله.

ثمّ لما قرب بجكم من بغداد قطع ابن رائق لسان ابن مقلة [ (3)]، و بقي في الحبس مدّة، ثمّ لحقه ذرب و شقي إلى أن مات بدار الخلافة [ (4)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 109، تجارب الأمم 5/ 386، 387، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 60، الإنباء في تاريخ الخلفاء 163، 164، ثمار القلوب 210- 212، المنتظم 6/ 293، الكامل في التاريخ 8/ 345، 346، تاريخ مختصر الدول 163، نهاية الأرب 23/ 145، 146، المختصر في أخبار البشر 2/ 85، العبر 2/ 206، دول الإسلام 1/ 200، تاريخ ابن الوردي 1/ 270، البداية و النهاية 11/ 188، مرآة الجنان 2/ 289، مآثر الإنافة 1/ 288، 289، النجوم الزاهرة 3/ 262.

[ (2)] رواية ابن سنان ذكرها مسكويه في: تجارب الأمم 5/ 387، 388.

[ (3)] هذا الخبر مبتور و مشوّش في: تكملة تاريخ الطبري 1/ 110، و هو: «و قطع لسانه لما قرب بجكم الحضرة و مات فدفن في دار السلطان»، و هو في: تجارب الأمم 5/ 391، و العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 61، المختصر في أخبار البشر 2/ 85، العبر 2/ 206، النجوم الزاهرة 3/ 262.

[ (4)] تجارب الأمم 5/ 391، 392، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 61، تاريخ مختصر الدول 163، المختصر في أخبار البشر 2/ 85، تاريخ ابن الوردي 1/ 270، مآثر الإنافة 1/ 289، النجوم الزاهرة 3/ 262.

51

و قد وزر ثلاث مرّات لثلاثة من الخلفاء [ (1)]. و مات سنة ثمان و عشرين، و هو صاحب الخطّ المنسوب.

[دخول بجكم بغداد و تلقيبه: أمير الأمراء]

ثمّ أقبل بجكم في جيوشه و ضعف عنه محمد بن رائق، فاستتر ببغداد، و دخلها بجكم في ذي القعدة، فأكرمه الرّاضي و رفع منزلته، و لقّبه «أمير الأمراء»، و أنقضت أيّام محمد بن رائق [ (2)].

[كتاب ملك الروم إلى الخليفة بالهدنة]

و فيها ورد كتاب من ملك الروم. و الكتابة بالذّهب، و ترجمتها بالعربيّة الفضّة، و هو: «من رومانس و قسطنطين و أسطانوس [ (3)] عظماء ملوك الروم، إلى الشّريف البهيّ ضابط سلطان المسلمين.

«بسم الأب و الابن و روح القدس الإله الواحد، الحمد للَّه ذي الفضل العظيم، الرّؤوف بعباده، الّذي جعل الصّلح أفضل الفضائل، إذ هو محمود العاقبة في السّماء و الأرض. و لمّا بلغنا ما رزقته أيّها الأخ الشريف الجليل من وفور العقل و تمام الأدب، و اجتماع الفضائل أكثر ممّن تقدّمك من الخلفاء، حمدنا اللَّه ...» و ذكر كلاما يتضمّن طلب الهدنة و الفداء. و قدّموا تقدمة سنيّة.

فكتب إليهم الرّاضي بإنشاء أحمد بن محمد بن ثوابة، بعد البسملة: «من عبد اللَّه أبي العبّاس الإمام الرّاضي باللَّه أمير المؤمنين إلى رومانس و قسطنطين‏

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 110، تجارب الأمم 5/ 388، المختصر في أخبار البشر 2/ 85، و الخلفاء هم: المقتدر، و القاهر، و الراضي، مآثر الإنافة 1/ 289.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 110، تجارب الأمم 5/ 393، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 67، 68، تاريخ الأنطاكي (بتحقيقنا) ص 22، تاريخ حلب 288، الإنباء في تاريخ الخلفاء 164، الأوراق للصولي 108- 129، الكامل في التاريخ 8/ 346، تاريخ مختصر الدول 163، نهاية الأرب 23/ 48، المختصر في أخبار البشر 2/ 85، 86، العبر 2/ 206، دول الإسلام 1/ 200، تاريخ ابن الوردي 1/ 271، البداية و النهاية 11/ 188، 189، مرآة الجنان 2/ 289، مآثر الإنافة 1/ 289، تاريخ الخلفاء 392.

[ (3)] في النجوم الزاهرة 3/ 262 «إسطفانس».

52

و أسطانوس رؤساء الرّوم. سلام على من اتّبع الهدى و تمسّك بالعروة الوثقى و سلك سبيل النّجاة، و الزّلفى». و أجابهم إلى ما طلبوا [ (1)].

[تقلّد بجكم إمارة بغداد و خراسان‏]

و فيها قلّد الرّاضي بجكم إمارة بغداد و خراسان. و ابن رائق مستتر [ (2)].

[امتناع الحجّ‏]

لم يحجّ أحد [ (3)].

[انتصار ابن حمدان على الدّمستق‏]

و فيها كانت ملحمة عظيمة بين الحسن بن عبد اللَّه بن حمدان و بين الدّمستق، و نصر اللَّه الإسلام، و هرب الدّمستق. و قتل من النّصارى خلائق، و أخذ سرير الدّمستق و صليبه [ (4)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 111، الذخائر و التحف للرشيد بن الزبير (من رجال القرن الخامس الهجريّ) طبعة الكويت 1959- ص 60- 65 و فيه ذكر مفصّل للهديّة، تاريخ حلب 288، الكامل في التاريخ 8/ 352، و تاريخ الزمان 56 و فيه قسم من نصّي ملك الروم و الخليفة، البداية و النهاية 11/ 188، النجوم الزاهرة 3/ 262، 263.

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 110، تجارب الأمم 5/ 396، النجوم الزاهرة 3/ 263، تاريخ الخلفاء 392.

[ (3)] شفاء الغرام (بتحقيقنا) 2/ 348 و فيه: «و أما العتيقي فقال في أخبار هذه السنة: و خرج من بغداد نفر يسير من الحجّاج رجّالة، و قوم اكتروا من العرب و نحروا في مكة، و حجّوا و عادوا على طريق الشام، و عاد منهم قوم على طريق الجادّة».

[ (4)] النجوم الزاهرة 3/ 263.

53

سنة سبع و عشرين و ثلاثمائة

[الحرب بين بجكم و ابن حمدان‏]

فيها سافر الرّاضي و بجكم لمحاربة الحسن بن عبد اللَّه بن حمدان، و كان قد أخّر الحمل عن ما ضمنه من الموصل و الجزيرة. فأقام الراضي بتكريت، ثمّ التقى بجكم و ابن حمدان، فانهزم أصحاب بجكم و أسر بعضهم فحقّق [ (1)] بجكم الحملة بنفسه، فانهزم أصحاب ابن حمدان. و اتّبعه بجكم إلى أن بلغ نصّيبين فأقام بها، و هرب ابن حمدان إلى آمد، و سار الرّاضي إلى الموصل [ (2)].

[انضمام القرامطة إلى ابن رائق‏]

و كان في جند بجكم طائفة من القرامطة، و بقوا مع الراضي، فلحقتهم الطّائفة بتكريت، فذهبوا مغاضبين إلى بغداد. و ظهر محمد بن رائق من استتاره فانضمّوا إليه، و كانوا ألف رجل [ (3)].

و قيل إنّ الراضي إنّما سارع إلى الموصل خوفا منهم، فدخلها في صفر، فاستناب بجكم قواده على نصيبين و ديار ربيعة، و عاد إلى الموصل و هو قلق من أمر ابن رائق [ (4)].

____________

[ (1)] في النجوم الزاهرة 3/ 264 «فحنق».

[ (2)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 111، 112، تجارب الأمم 6/ 405، الإنباء في تاريخ الخلفاء 164، المنتظم 6/ 295، 296، الكامل في التاريخ 8/ 353، 354، نهاية الأرب 23/ 149، المختصر في أخبار البشر 2/ 86، العبر 2/ 207، دول الإسلام 1/ 200، البداية و النهاية 11/ 189، النجوم الزاهرة 3/ 264.

[ (3)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 112، تجارب الأمم 6/ 405، الإنباء في تاريخ الخلفاء 164، المنتظم 6/ 296، العبر 207، البداية و النهاية 11/ 189.

[ (4)] تجارب الأمم 6/ 405، 406، المنتظم 6/ 296، البداية و النهاية 11/ 189.

54

[الفتنة بين أهل الموصل و جند بجكم‏]

و بعد أيّام وقعت فتنة بين المواصلة و جند الأمير بجكم، فركب بجكم و وضع السّيف في أهل الموصل، و أحرق فيها أماكن.

[مسير ابن حمدان إلى نصيبين‏]

و سار ابن حمدان إلى نصيبين فهرب عمّال بجكم عنها، و أخذ أصحابه يتسلّلون إلى ابن رائق. ثمّ طلب ابن حمدان من بجكم الصّلح، فما صدّق به، و بعث إليه بعهده [ (1)].

[تقلّد ابن رائق الفرات و جند قنّسرين‏]

و أمّا ابن رائق فهرّب أصحاب السّلطان ببغداد و هزمهم، و راسل والدة الرّاضي و حرمه رسالة جميلة [ (2)]، و راسل الراضي و بجكم يلتمس الصّلح و أن يقلّد الفرات و جند قنّسرين و يخرج إليها. فأجيب إلى ذلك، فسار ابن رائق إلى الشّام [ (3)].

[إهلاك عبد الصمد بن المكتفي‏]

و فيها أهلك عبد الصّمد بن المكتفي لكونه راسل ابن رائق في ظهوره أن يقلّد الخلافة [ (4)].

[مصاهرة بجكم لابن حمدان‏]

و فيها صاهر بجكم الحسن بن عبد اللَّه بن حمدان [ (5)].

____________

[ (1)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 112، تجارب الأمم 6/ 406، الكامل في التاريخ 8/ 354.

[ (2)] انظر: العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 76.

[ (3)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 112، تجارب الأمم 6/ 408، 409، الإنباء في تاريخ الخلفاء 164، الكامل في التاريخ 8/ 354، تاريخ ابن الوردي 2/ 271، مآثر الإنافة 1/ 289.

[ (4)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 112، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 79 و 107 (حوادث سنة 329 ه).

[ (5)] تكملة تاريخ الطبري 1/ 112، العيون و الحدائق ج 4 ق 2/ 77، العبر 2/ 207، دول الإسلام 1/ 200، العبر 2/ 208 و فيه «ظاهر» بدل «و صاهر» و هو تحريف، النجوم الزاهرة 3/ 264.