تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج26

- شمس الدين الذهبي المزيد...
688 /
5

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

الطبقة السادسة و الثلاثون‏

حوادث سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة

فيها نقلت سنة خمسين و ثلاثمائة من حيث المغلّات في سنة إحدى و خمسين الخراجية.

و كتب «الصّابي» [ (1)] كتابا عن «المطيع» [ (2)] في المعنى، فمنه: أنّ السنة الشمسية ثلاثمائة و خمسة و ستون يوما و ربع بالتقريب، و أنّ الهلالية ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما و كسر، و ما زالت الأمم السالفة تكبس زيادات السنين على اختلاف مذاهبها. و في كتاب اللَّه شهادة بذلك. قال اللَّه تعالى: وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً [ (3)]. فكانت هذه الزيادة بإزاء ذلك.

____________

[ (1)] هو: إبراهيم بن هلال أبو إسحاق الصابي‏ء (313- 384 ه). كان نابغة كتّاب جيله غير مدافع، و تقلّد في خلافة المطيع العبّاسي دواوين الرسائل و المظالم، و قلّده معزّO الدولة البويهي ديوان رسائله عام 349 ه. و خدم ولده عزّ الدولة بختيار. و حين ملك «عضد الدولة» بغداد سنة 367 ه، قبض عليه و صادر أمواله، و في السجن وضع كتابه «التاجي» في تاريخ بني بويه، و أطلق سراحه صمصام الدولة ابن عضد الدولة سنة 371 ه. و ظل صابئيا حتى مات. (من مصادر ترجمته: الفهرست 199- 200، الإمتاع و المؤانسة 1/ 67، يتيمة الدهر 2/ 242- 312، وفيات الأعيان 1/ 52- 54، معجم الأدباء 2/ 20- 94، النجوم الزاهرة 3/ 324 و 5/ 126، البداية و النهاية 11/ 313، شذرات الذهب 3/ 106- 109، العبر 3/ 24).

[ (2)] الخليفة العباسي أبو القاسم الفضل بن المقتدر. بويع بالخلافة يوم الخميس 12 جمادى الآخرة سنة 334 ه. و لقّب «المطيع للَّه».

[ (3)] قرآن كريم- سورة الكهف- الآية 25.

6

فأمّا الفرس فإنّهم أجروا معاملاتهم على السنة المعتدلة التي شهورها اثني عشر شهرا، و أيامها ثلاثمائة و ستون يوما، و لقّبوا الشهور اثني عشر لقبا، و سمّوا الأيام بأسامي، و أفردوا الأيام الخمسة الزائدة و سمّوا المشرقة، و كسبوا الربع في كل مائة و عشرين سنة شهرا، فلما انقرض ملكهم بطل ذلك. و ذكر كلاما طويلا حاصله تعجيل الخراج و حساب أيام الكسر.

*** قال «ثابت بن سنان» [ (1)]: و دخلت الروم عين زربه [ (2)] مع الدّمستق في مائة و ستين ألفا، و هي في سفح جبل مطلّ عليها، فصعد بعض جيشه الجبل، و نزل هو على بابها، و أخذوا في نقب الصّور، فطلبوا الأمان، فأمّنهم، و فتحوا له، فدخلها و قدّم جيشا منهم، و نادى بأن يخرج جميع من في البلد إلى الجامع. فلما أصبح بثّ رجاله- و كانوا ستين ألفا- فكلّ من وجدوه في منزله قتلوه، فقتلوا عالما لا يحصى، و أخذوا جميع ما كان فيها.

و كان من جملة ما أخذوا أربعون ألف رمح. و قطع- لعنة اللَّه- من حوالي البلد أربعين ألف نخلة [ (3)]، و هدم البيوت و أحرقها. و نادى: من كان في الجامع فليذهب حيث شاء، و من أمسى فيه قتل، فازدحم الناس في أبوابه، و مات جماعة و مرّوا على وجوههم حفاة عراة لا يدرون أين يذهبون، فماتوا في الطّرقات جوعا و عطشا، و أخرب السّور و الجامع، و هدم حولها أربعة و خمسين حصنا، أخذ منها بالأمان جملة و منها بالسيف. انتهى قول «ثابت» [ (4)].

____________

[ (1)] هو: ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الصابي‏ء الحرّاني. كان مختصّا بخدمة الخليفة الراضي (322- 329 ه-. 934- 940 م). بارعا بالطبّ، تولّى تدبير المارستان في بغداد، و خدم عددا من الخلفاء بعد الراضي، و توفي سنة 365 ه. وضع عدّة كتب في التاريخ، نقل عنها ابن العديم الحلبي في بغية الطلب.

[ (2)] عين زربه: عين زربى: بفتح الزاي، و سكون الراء، و باء موحّدة، و ألف مقصورة. بلد بالثغر من نواحي المصّيصة. (معجم البلدان 4/ 177) و ضبطها اليافعي بضم الزاي و سكون الراء و فتح الموحّدة. (مرآة الجنان 2/ 346).

[ (3)] في «تجارب الأمم» لمسكويه- ج 2/ 190: (نحو خمسين ألف نخلة).

[ (4)] قارن مع: تجارب الأمم لمسكويه- ج 2/ 190 و 191، تكملة تاريخ الطبري للهمداني- ص‏

7

و لما عاد إلى بلاده أعاد «سيف الدولة» عين زربه [ (1)] إلى بعض ما كانت، و ظنّ أنّ الدمستق لا يعود إلى البلاد في العام فلم يستعدّ [ (2)]، فبينا هو غافل و إذا بالدّمستق قد دهمه و نازل حلب و معه ابن أخت الملك، فخرج إليه و حاربه، و الدمستق في مائتي ألف بالرّجّالة و أهل إحصار، فلم يقو به سيف الدولة و انهزم في نفر يسير.

و كانت داره بظاهر حلب، فنزلها الدمستق و أخذ منها ثلاثمائة و تسعين بدرة دراهم، و ألفا و أربع مائة بغل، و من السلاح ما لا يحصى، فنهبها ثم أحرقها، و ملك ربض حلب. و قاتله [ (3)] أهل حلب من وراء السور، فقتلوا جماعة من الروم، فسقطت ثلمة من السور على جماعة من أهل حلب فقتلتهم، فأكبّت الروم على تلك الثلمة، فدافع المسلمون عنها، فلما كان الليل بنوها، و لما أصبحوا صعدوا عليها و كبّروا، فعدل الروم عنها إلى جبل جوشن [ (4)] فنزلوا به، و مضى رجّالة الشّرط بحلب إلى بيوت الناس فنهبوها، فقيل لمن على السّور: الحقوا منازلكم، فنزلوا و أخلوا السّور، فسوّرته الروم و نزلوا ففتحوا الأبواب و دخلوها، فوضعوا السيف في الناس حتى كلّوا و ملّوا، و سبوا أهلها و أخذوا ما لا يحصى، و أخربوا الجامع، و أحرقوا ما عجزوا عن حمله، و لم ينج إلّا من صعد القلعة.

ثم ألحّ ابن أخت الملك في أخذ القلعة، حتى أنه أخذ سيفا و ترسا و أتى إلى القلعة، و مسلكها ضيّق لا يحمل أكثر من واحد، فصعد و صعدوا خلفه. و كان في القلعة جماعة من الدّيلم، فتركوه حتى قرب من الباب‏

____________

[ ()] 180، الكامل في التاريخ لابن الأثير- ج 8/ 538 و 539، العيون و الحدائق في أخبار الحقائق لمؤرخ مجهول- ج 4 ق 2/ 218 تحقيق نبيلة عبد المنعم داود- بغداد 1973 (حوادث سنة 350 ه.)، مرآة الجنان لليافعي 2/ 346، البداية و النهاية لابن كثير 11/ 239.

[ (1)] في الأصل «رزنه».

[ (2)] في الأصل «يستبعد».

[ (3)] في الأصل «و قافلة».

[ (4)] بالفتح ثم السكون و شين معجمة و نون: جبل مطلّ على حلب في غربيّها. (معجم البلدان 2/ 186).

8

و أرسلوا عليه حجرا أهلكه، فانصرف به خواصّه إلى الدّمستق، و كان قد أسر من أعيان حلب ألفا و مائتين فضرب أعناقهم بأسرهم، و ردّ إلى أرض الروم و لم يردّ أهل القرى، و قال لهم: ازرعوا فهذا بلدنا، و بعد قليل نعود إليكم [ (1)].

*** و فيها كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد لعنة معاوية و لعنة من غصب فاطمة حقّها من فدك [ (2)]، و من منع الحسن أن يدفن مع جدّه، و لعنة من نفى أبا ذرّ. ثم إنّ ذلك محي في الليل، فأراد معزّ الدولة إعادته، فأشار عليه الوزير المهلّبيّ أن يكتب مكان ما محي: لعن اللَّه الظالمين لآل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و صرّحوا بلعنة معاوية فقط [ (3)].

*** و فيها أسرت الروم أبا فراس بن سعيد بن حمدان من منبج [ (4)] و كان واليها [ (5)].

***

____________

[ (1)] قارن ذلك مع: تجارب الأمم- ج 2/ 192- 194، تكملة تاريخ الطبري 181 و 182، الكامل في التاريخ- ج 8/ 540- 542، مرآة الجنان 2/ 346، البداية و النهاية 11/ 239 و 240، و تاريخ يحيي بن سعيد الأنطاكي (بتحقيقنا)، و زيدة الحلب 1/ 834- 139.

[ (2)] فدك: بالتحريك، قرية بالحجاز، أفاءها اللَّه على رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في سنة 7 صلحا، ثم نحلها الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لابنته فاطمة، و في هذا رواية طويلة. (انظر: فتوح البلدان للبلاذري- ق 1/ 32- 38، معجم البلدان- ج 4/ 238 و 239). و انظر: سيرة ابن هشام- ج 3/ 286، 287 (بتحقيقنا) و الجزء الأول من تاريخ الإسلام الخاص بالمغازي- ص 422 (بتحقيقنا أيضا).

[ (3)] المنتظم 7/ 8، الكامل في التاريخ 8/ 542، 543.

[ (4)] منبج: بالفتح ثم السكون و باء موحّدة مكسورة و جيم. مدينة كبيرة واسعة قريبة من حلب.

(معجم البلدان 5/ 205 و 206).

[ (5)] تكملة تاريخ الطبري 180.

9

[الوفيات‏]

و فيها توفّي الوزير أبو محمد الحسن بن محمد بن هارون المهلّبيّ [ (1)] من بني المهلّب بن أبي صفرة. [أقام‏] [ (2)] في وزارة معزّ الدولة ثلاث عشرة سنة.

و كان فاضلا شاعرا فصيحا نبيلا سمحا جوادا حليما ذا مروءة و أناة [ (3)].

عاش أربعا و ستّين سنة، و صادر معزّ الدولة أولاده من بعده، ثم استوزر أبا الفضل العبّاس ابن الحسن الشيرازي.

و فيها توفّي المحدّث أبو محمد دعلج [ (4)] بن أحمد بن دعلج السّجستانيّ [ (5)] المعدّل نزيل بغداد.

و الشيخ أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد النقّاش [ (6)] المقرئ صاحب التفسير.

و شيخ وقته أبو بكر محمد بن داود الدّقّي [ (7)] الدّينوري الزاهد نزيل الشام.

____________

[ (1)] ترجمته في: معجم الأدباء 9/ 118، يتيمة الدهر 2/ 202، وفيات الأعيان 2/ 124- 127، المنتظم لابن الجوزي 7/ 9، فوات الوفيات 1/ 256، شذرات الذهب 3/ 9، مرآة الجنان 2/ 347- 349، البداية و النهاية 11/ 241، و أخباره مبثوثة في كتب التواريخ العامّة.

[ (2)] زيادة على الأصل للتوضيح.

[ (3)] في الأصل: «أناوة».

[ (4)] دعلج: مفتوحة فساكنة مهملتين و فتح لام، و في موضع آخر بكسر دال. (المغني في أسماء الرجال، للهندي 101).

[ (5)] ترجمته في: تاريخ بغداد 8/ 387، العبر للذهبي 2/ 291، طبقات الشافعية للسبكي 2/ 222، الرسالة المستطرفة 73، وفيات الأعيان 2/ 271 و 272، البداية و النهاية 11/ 241 و 242، تهذيب تاريخ دمشق 5/ 242، تذكرة الحفاظ 3/ 881 رقم 850، المنتظم 7/ 10 رقم 10، الوافي بالوفيات 14/ 17 رقم 13، معجم الشيوخ لابن جميع الصيداوي 274، رقم 234 (بتحقيقنا).

[ (6)] ترجمته في: تاريخ بغداد 2/ 201، الفهرست 33، معجم الأدباء 18/ 146، الوافي بالوفيات 2/ 345، تذكرة الحفّاظ 908، غاية النهاية 2/ 119، طبقات السبكي 2/ 148، ميزان الاعتدال 3/ 521، الرسالة المستطرفة 77، وفيات الأعيان 4/ 298.

[ (7)] الدّقّي: بضمّ الدال المهملة و القاف المشدّدة المكسورة. (تاريخ بغداد 5/ 266، الوافي بالوفيات 63 رقم 955).

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[حوادث‏] سنة اثنتين و خمسين و ثلاثمائة

يوم عاشورا. قال ثابت: ألزم معزّ الدولة الناس بغلق الأسواق و منع الهرّاسين و الطبّاخين من الطبيخ، و نصبوا القباب في الأسواق و علّقوا عليها المسوح، و أخرجوا نساء منشّرات الشعور مضجّات [ (1)] يلطمن في الشوارع و يقمن المآتم على الحسين (عليه السلام)، و هذا أول يوم نيح عليه ببغداد [ (2)].

و فيها قلّد القضاء بالعراق أبو البشر عمر بن أكثم على أن لا يأخذ رزقا، و صرف ابن [ (3)] أبي الشوارب [ (4)].

و فيها قتل ملك الروم، و صار الدمستق هو الملك و اسمه نقفور [ (5)].

و فيها أصاب سيف الدولة فالج في يده و رجله، و كان دخل الروم و وصل إلى قريب، ثم عاد، و كان هبة اللَّه ابن [ (6)] أخيه ناصر الدولة عنده بحلب، ثم إنه قتل رجلا من أعيان النصارى، و ساق إلى أبيه إلى الموصل.

____________

[ (1)] في الأصل «مصحمات» و التصحيح من «تجارب الأمم- حاشية ص 200).

[ (2)] المنتظم 7/ 15.

[ (3)] في الأصل «بن».

[ (4)] المنتظم 7/ 16، الكامل 8/ 549، تكملة الطبري 184.

[ (5)] في الأصل «بقفور». و هو «نقفور فوكاس» تولّى العرش في 16 آب 963 م.

[ (6)] في الأصل «بن».

12

و في ثامن عشر ذي الحجّة عمل عيد غدير خمّ [ (1)] و ضربت الدبادب، و أصبح الناس إلى مقابر [ (2)] قريش للصلاة هناك، و إلى مشهد الشيعة.

*** قال ثابت بن سنان: و أنفذ بعض بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين ملتصقين عمرهما خمس و عشرون سنة و معهما أبوهما، و الالتصاق كان في معدة الجنب، و لهما بطنان و سرّتان و معدتان، و يختلف أوقات جوعهما و عطشهما و بولهما، و لكلّ واحد كتفان و ذراعان و يدان و فخذان و ساقان و إحليل [ (3)] و كان أحدهما يميل إلى النساء و الآخر إلى المرد.

قال القاضي التنوخي: و مات أحدهما و بقي أياما فأنتن، و أخوه حيّ، و جمع ناصر الدولة الأطبّاء على أن يقدروا على فصلهما فلم يمكن، ثم مرض الحيّ من رائحة الميت فمات [ (4)].

[الوفيات‏]

و فيها توفّيت خولة أخت سيف الدولة بحلب، و هي التي رثاها المتنبّي بقوله:

يا أخت خير أخ يا بنت خير أب* * * كناية بهما عن أشرف النّسب‏

____________

[ (1)] موضع آخى فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعليّ بن أبي طالب. (انظر: كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات للهروي- ص 89).

[ (2)] في الأصل «معابر» و التصحيح من تكملة تاريخ الطبري للهمداني- ص 187.

[ (3)] كلمة غير واضحة في الأصل «و لطيل».

[ (4)] انظر: المنتظم لابن الجوزي 7/ 16 و 17 و دول الإسلام للذهبي 1/ 218 في الهامش، رقم (1).

13

[حوادث‏] سنة ثلاث و خمسين و ثلاثمائة

عمل ببغداد يوم عاشورا كعام أوّل إلى الضّحى، فوقعت فتنة عظيمة بين السّنّة و الرافضة، و جرح جماعة و نهب الناس [ (1)].

و فيها نزل الدّمستق على المصّيصة في جيش ضخم، فأقام أسبوعا و نقب السّور في أماكن، و قاتله أهلها فضاقت بهم الأسعار، ثمّ رحل عنها بعد أن أهلك الضياع، و إنّما رحل لشدّة الغلاء فإنّ القحط كان بالشام و الثغور [ (2)].

و فيها بعثت القرامطة إلى سيف الدولة يستهدونه حديدا، فاشترى [ (3)] لهم شيئا كثيرا منه أبواب الرّقّة، و حمل إليهم في الفرات، ثم في البرّيّة إلى هجر [ (4)].

*** و فيها خرج معزّ الدولة إلى الموصل غضبانا على ناصر الدولة، فلما

____________

[ (1)] انظر: تكملة تاريخ الطبري 189، تجارب الأمم 2/ 202، العبر 2/ 296، دول الإسلام 1/ 219، المنتظم 7/ 19، ابن الأثير 8/ 552.

[ (2)] انظر: المنتظم 7/ 19 و 20، البداية و النهاية 11/ 254، تكملة تاريخ الطبري 187، تجارب الأمم 2/ 203.

[ (3)] في الأصل «فيشتريهم».

[ (4)] «هجر» بالتحريك، مدينة و قاعدة البحرين. (معجم البلدان 5/ 393).

14

وصل في الماء إلى بلد [ (1)] كان قد لحقه برد [ (2)] شديد، فخلّف بالموصل جماعة من الأتراك لحفّظ [ (3)] البلد، و قصد نصيبين [ (4)]، فسار ناصر الدولة إلى ميّافارقين [ (5)]، فساق وراءه طائفة فخرج عن ميّافارقين و لا يدرى أين ذهب، فرجعت الطائفة إلى معزّ الدولة.

ثم جاء ناصر الدولة إلى الموصل و اقتتل مع من فيها، فظهر و انتصر، فاستأمن إليه الدّيلم، و استأسر جميع الترك، و أخذ حواصل معزّ الدولة و نقله، فسار معزّ الدولة يريد الموصل، و جرت لهم فصول. ثم اصطلحوا، و عاد معزّ الدولة إلى بغداد خائبا [ (6)].

*** و فيها جاء الدّمستق إلى طرسوس و أهدى هدايا إلى سيف الدولة، فاحتفل و جلس على سرير و على رأسه تاج [ (7)].

و فيها عمل لسيف الدولة خيمة عظيمة، ارتفاع عمودها خمسون ذراعا.

*** [الوفيات‏]

و فيها توفي بندار بن الحسين الشيرازي الزاهد العارف بأرّجان [ (8)].

____________

[ (1)] مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل. (معجم 1/ 481).

[ (2)] في الأصل «درب».

[ (3)] في الأصل «بحفظ».

[ (4)] نصيبين: بالفتح ثم الكسر ثم ياء علامة الجمع الصحيح. مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادّة القوافل من الموصل إلى الشام. (معجم البلدان 5/ 288).

[ (5)] ميّافارقين: بفتح أوله و تشديد ثانيه، ثم فاء، و بعد الألف راء، و قاف مكسورة، و ياء، و نون.

أشهر مدينة بديار بكر. (معجم البلدان 5/ 235).

[ (6)] راجع تكملة تاريخ الطبري 187 و 188، تجارب الأمم 2/ 204- 207، العبر 2/ 296، دول الإسلام 2/ 219، مرآة الجنان 2/ 350، ابن الأثير 8/ 553 و 554، تاريخ الأنطاكي.

[ (7)] راجع ابن الأثير 8/ 555، العبر 2/ 296، تجارب الأمم 2/ 208.

[ (8)] أرجان: بفتح أوّله و تشديد الراء، و جيم و ألف و نون. مدينة كبيرة بين حدّ فارس و الأهواز.

(معجم البلدان 1/ 143).

15

و أبو بكر محمد بن أحمد بن خروف المحدّث بمصر.

و الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة الأصبهانيّ بها.

و الحافظ أبو عليّ سعيد بن عثمان بن السكن البغداديّ بمصر.

و المحدّث أبو القاسم عليّ بن يعقوب بن أبي الغوث الدمشقيّ بها.

و أبو علي محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري بدمشق.

و أبو عيسى بكار بن أحمد، أحد القرّاء المتقنين ببغداد.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

[حوادث‏] سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة

فيها عمل يوم عاشوراء ببغداد مأتم الحسين كالعام الماضي [ (1)].

و فيها و ثبت غلمان سيف الدولة على غلامه نجا الكبير و ضربوه بالسيوف، و كان أكبر غلمانه و مقدّم جيشه [ (2)].

و سار سيف الدولة إلى خلاط فملكها و كانت لنجا [ (3)].

و فيها توفّيت أخت معزّ الدولة ببغداد، فنزل المطيع في طيّارة إلى دار معزّ الدولة يعزّيه، فخرج إليه معزّ الدولة و لم يكلّفه الصعود من الطيّارة، و قبّل الأرض مرّات، و رجع الخليفة إلى داره [ (4)].

*** و فيها بنى نقفور [ (5)] ملك الروم قيساريّة، بناها قريبا من بلاد المسلمين‏

____________

[ (1)] المنتظم 7/ 23.

[ (2)] انظر: تكملة تاريخ الطبري- ص 189، النجوم الزاهرة 3/ 339، الأعلاق الخطيرة- ج 3 ق 1/ 307 و 308.

[ (3)] خلاط: بكسر أوّله، و آخره طاء مهملة، قصبة أرمينية الوسطى. (معجم البلدان 2/ 380 و 381).

[ (4)] انظر: البداية و النهاية 11/ 255، المنتظم 7/ 23 و 24، النجوم 3/ 339.

[ (5)] في الأصل «يقفور».

18

و سكنها ليغير كلّ وقت، و ترك أبناءه بالقسطنطينية، فبعث أهل طرسوس و المصّيصة إليه يسألونه أن يقبل منهم حملا كل سنة، و ينفذ إليهم نائبا له يقيم عندهم، فأجابهم، ثم رأى أنّ أهل البلاد قد ضعفوا جدّا و أنّهم لا ناصر لهم، و أنّهم من القحط قد أكلوا الميتة و الكلاب، و أنّه يخرج كل يوم من طرسوس ثلاثمائة جنازة، فبدا له في الإجابة، ثم أحضر رسولهم و قال: مثلكم مثل الحيّة في الشتاء إذا لحقها البرد ضعفت و ذبلت حتى يظنّ الظانّ أنّها ميّتة، فإذا أخذها إنسان و أحسن إليها و دفّاها انتعشت و لدغته قتلته، و أنا إن أترككم حتى تستقيم أحوالكم تأذّيت بكم، ثم أحرق الكتاب على رأس الرسول فاحترقت لحيته، و قال: قم، ما لهم عندي إلّا السيف. ثم سار بنفسه إلى المصّيصة ففتحها بالسيف في رجب، و قتل و سبى و أسر ما لا يحصى، ثم سار إلى طرسوس فحاصرها، فطلب أهلها أمانا، فأعطاهم، ففتحوا له، فدخلها، و لقي أهلها بالجميل، و أمرهم بالخروج منها و أن يحمل كل واحد من ماله و سلاحه ما أطاق، ففعلوا، و بعث من يخفرهم إلى أنطاكية، و جعل الجامع إصطبلا لدوابّه، و عمل فيها و في المصّيصة جيشا يحفظونهما و أمر بتحصينهما. و قيل رجع جماعة من أهل المصّيصة إليها و تنصّروا [ (1)].

و كان السبب في فتح المصّيصة أنهم هدموا سورها بالثقوب، فأشار عليهم رجل بحيث أن يخرجوا الأسارى ليعطف عليهم الملك نقفور [ (2)]، فأخرجوهم، فعرّفه الأسارى بعدم الأقوات، و أطمعوه في فتحها، فزحف عليها. و لقد قاتل أهلها في الشوارع حتى أبادوا من الروم أربعة آلاف، ثم غلبوهم بالكثرة و قتلوهم و أخذوا من أعيانهم مائة ضربوا رقابهم بإزاء طرسوس، فأخرج أهل طرسوس من عندهم من الأسرى فضربوا أعناقهم على باب البلد، و كانوا ثلاثة آلاف [ (3)].

____________

[ (1)] في الأصل «تبصّروا». و التصويب عن المنتظم 7/ 24. و انظر: تكملة تاريخ الطبري 190، زبدة الحلب 1/ 142، 143، الكامل 8/ 560، 561، تجارب الأمم 2/ 211، تاريخ الأنطاكي.

[ (2)] في الأصل «يقفور».

[ (3)] راجع في هذا: تكملة تاريخ الطبري 190، تجارب الأمم 2/ 210- 212، المنتظم 7/ 24،

19

و فيها حجّ الركب [ (1)] من بغداد.

*** و فيها توفّي شاعر زمانه أبو الطيّب أحمد بن الحسين الجعفي المتنبّي عن نيّف و خمسين سنة، قتل بين شيراز و بغداد و أخذ ما معه من الذهب [ (2)].

*** و من بقايا سنة أربع اشتدّ الحصار كما ذكرنا على مدينة طرسوس، و تكاثرت عليهم جموع الروم، و ضعفت عزائمهم بأخذ المصّيصة و بما هم عليه من القلّة و الغلاء، و عجز سيف الدولة عن نجدتهم، و انقطعت الموادّ عنهم. و طال الحصار و خذلوا، فراسلوا نقفور [ (3)] ملك الروم في أن يسلّموا إليه البلد بالأمان على أنفسهم و أموالهم، و استوثقوا منه بأيمان و شرائط.

و دخل طائفة من وكلاء الروم فاشتروا منهم من البزّ الفاخر و الأواني المخروطة، و اشتروا من الروم دوابّ كثيرة تحملهم، لأنه لم يبق عندهم دابّة إلا أكلوها [ (4)]، و خرجوا بحريمهم و سلاحهم و أموالهم، فوافى فتح [ (5)] الثمليّ من مصر في البحر في مراكب، و اتّصل بملك الروم خبره، فقال لأهل طرسوس:

غدرتم! فقالوا: لا و اللَّه لو جاءت جيوش الإسلام كلها، فبعث إلى الثمليّ: يا

____________

[ ()] ابن الأثير 8/ 560 و 561، البداية و النهاية 11/ 254 و 255، العبر 2/ 299، دول الإسلام 1/ 220.

[ (1)] و قد تقلّد إمارة الحاج و نقابة الطالبيين الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي، والد الرّضى و المرتضى. (انظر: ابن الأثير 8/ 565 و 566، البداية و النهاية 11/ 255). و في الأصل وردت العبارة «حجّ الراكب».

[ (2)] ستأتي ترجمته.

[ (3)] في الأصل «يقفور».

[ (4)] في الأصل «أكلوه».

[ (5)] في الأصل «ثج»، و في حاشية تجارب الأمم 2/ 222 نقلا عن الذهبي «تبح»، و ما أثبتناه عن:

ماريوس كانار في: نخب تاريخية و أديبة جامعة لأخبار الأمير سيف الدولة الحمداني- ص 186- طبعة الجزائر 1921، و تاريخ الأنطاكي (بتحقيقنا)، و جاء في زبدة الحلب 1/ 148 «تنج».

20

هذا لا تفسد [ (1)] على القوم أمرهم، فانصرف، ثم عمل نقفور [ (2)] دعوة لكبار أهل البلد و خلع عليهم، و أعطاهم جملة و خفرهم بجيشه حتى حصّلوا ببغراس [ (3)]، و حصل منهم خمسة آلاف بأنطاكيّة، فأكرمهم أهلها. ثم دخلت الروم مدينة طرسوس فأحرقوا المنبر و جعلوا المسجد إصطبلا [ (4)].

و أما سيف الدولة فإنه سار إلى أرزن [ (5)] و أرمينية، و حاصر بدليس [ (6)] و خلاط، و بها أخوا نجا غلامه عصيا عليه، فتملّك المواضع و ردّ إلى ميّافارقين [ (7)]. و عمد [ (8)] أهل أنطاكية و طردوا نائب سيف الدولة عنهم، و قالوا نداري ببيت المال ملك الروم أو ننزح [ (9)] عن أنطاكية فلا مقام لنا بعد طرسوس، ثمّ إنّهم أمّروا عليهم رشيق النّسيميّ [ (10)] الّذي كان على طرسوس، فكاتب ملك الروم على حمل الخراج إليه عن أنطاكية، فتقرّر الأمر على حمل أربعمائة ألف درهم في السنة، و جعل على كل رأس من المسلمين و النصارى ثلاثين درهما [ (11)]. و الأمر للَّه.

____________

[ (1)] في الأصل «يفسد».

[ (2)] في الأصل «يقفور».

[ (3)] بفتح الباء الموحّدة و سكون الغين المعجمة و في آخرها سين مكان الزاي- مدينة في لحف جبل اللّكام، مطلّة على نواحي طرسوس. (معجم البلدان 1/ 467) و قد وردت في الأصل «سغراش».

[ (4)] راجع في ذلك: تكملة تاريخ الطبري 190، تجارب الأمم 2/ 211، ابن الأثير 8/ 561، المنتظم 7/ 24، العبر 2/ 299، دول الإسلام 1/ 220، البداية و النهاية 11/ 255.

[ (5)] في الأصل «أررن» و التصويب من تجارب الأمم- الحاشية- ص 212، نخب تاريخية 186.

و «أرزن»: بالفتح ثم السكون و فتح الزاي و نون. مدينة مشهورة قرب خلاط، كانت من أعمر نواحي أرمينية. (معجم البلدان 1/ 150).

[ (6)] الأعلاق الخطيرة- ج 3 ق 1/ 309.

[ (7)] بدليس: بالفتح ثم السكون و كسر اللام و ياء ساكنة و سين مهملة. بلدة من نواحي أرمينية قرب خلاط ذات بساتين كثيرة. (معجم البلدان 1/ 358).

[ (8)] في الأصل «عمل»، و التصويب عن تجارب الأمم، و نخب تاريخية.

[ (9)] في الأصل «ينزح».

[ (10)] انظر عنه: ابن الأثير 8/ 561 و 562، البداية و النهاية 11/ 255، معجم البلدان 4/ 28، تجارب الأمم 214.

[ (11)] ينفرد الذهبي بين المصادر المتوافرة لدينا بهذا النص.

21

و من [ (1)] سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة

قدم أبو الفوارس محمد بن ناصر الدولة من [ (2)] الأسر إلى ميّافارقين، أخذته أخت الملك لتفادي [ (3)] [به‏]، فجاء ستة آلاف فنفّذ سيف الدولة أخاها في ثلاثمائة إلى حصن الهتّاخ [ (4)] فلما شاهد بعضهم بعضا سرّح المسلمون أسيرهم [ (5)] في خمسة فوارس، و سرّح الروم أسيرهم [ (5)] أبا [ (6)] الفوارس في خمسة، فالتقيا في وسط الطريق و تعانقا، ثم صار كل واحد إلى أصحابه، فترجّلوا له و قبّلوا الأرض، ثم احتفل سيف الدولة لابن أخيه و عمل الخيل و المماليك و العدد التامّة، فمن ذلك مائة مملوك بمناطقهم و سيوفهم و خيولهم [ (7)].

*** و فيها قتل رشيق النّسيميّ، و يقال: لم يقتل بل أصابته هيضة و ضعف‏

____________

[ (1)] استخدم «من» لأنّه سيعود إلى حوادث السنة مرة أخرى.

[ (2)] في الأصل «عن».

[ (3)] في الأصل «ليفادى».

[ (4)] بالفتح و التشديد. قلعة حصينة في ديار بكر قرب ميّافارقين. (معجم البلدان 5/ 392).

[ (5)] في الأصل «أسرهم».

[ (6)] في الأصل «أمّا».

[ (7)] انظر: تكملة تاريخ الطبري 190 و 191، النجوم الزاهرة 4/ 11.

22

و تجرّى عليه غلام له فأمسك بعنانه فسقط من الفرس ميتا و قطع رأسه و حمل إلى قرغويه [ (1)]. و تغلّب على أنطاكية وزير الدّيلميّ و حارب قرغويه [ (2)].

و طال مقام سيف الدولة بميّافارقين فأنفق في سنة و ثلاثة أشهر: نيّفا و عشرين ألف ألف درهم و مائتين و ستين ألف دينار.

و تمّ الفداء في رجب، فخلّص من الأسر من بين أمير إلى راجل ثلاثة آلاف و مائتان و سبعون نفسا. و تقرّر أمر أربعة أعوام. و أرسل أبو القاسم الحسين بن علي المغربي لتقرير ذلك و معه هديّة بعشرة آلاف دينار منها ثلاثمائة مثقال مسك، و أنفق سيف الدولة على الفداء ثلاثمائة ألف دينار. ثم قدم حلب و قدم عزم دزبر [ (3)] صاحب أنطاكية على منازلة حلب، فقصده سيف الدولة ثم حمل عليه، فهرب دزبر [ (3)]، و قاتل رجّالته أعظم قتال [ (4)]، و سيف الدولة قد شهر سيفه يصيح في الناس، فانتصر و أسر طائفة، و غنم جنده شيئا كثيرا، و ردّ إلى حلب و صادر أعيان الأسرى الأنطاكيّين و أخذ خطوطهم بأموال عظيمة. و هرب دزبر [ (5)] الدّيلميّ إلى بني كلاب فأسلموه، فوسّطه سيف الدولة و أحرقه، و قتل وزراءه و أعوانه، و قطع أيدي جماعة، حتى قيل إنّه قتل نحو الخمسة آلاف رجل.

ثم كتب سيف الدولة يبشّر ولده أبا المعالي بنصره على دزبر [ (5)] يقول:

و قد أنجز اللَّه وعده و أعزّ جنده و نصر عبده و أظفر ممن كان استشرى بالشام أمره، و غمر أهله غشمه و ظلمه، دزبر [ (5)] الدّيلميّ، و محمد بن أحمد الأهوازي، و قد استوليا على مدن الشام و كاتبا الديلم من كل صقع، و تجمّع لهما عدد كثير من العرب و خلق من الثغريّين، و جبى الأموال و استغلب بأمر

____________

[ (1)] في الأصل «فرعونة». و انظر: تجارب الأمم 2/ 214، ابن الأثير 8/ 562.

[ (2)] في الأصل «فرعونه».

[ (3)] في الأصل «وزير»، و التصويب من: تجارب الأمم 2/ 214، ابن الأثير 8/ 562.

[ (4)] في الأصل عبارة مضطربة: «فهرب وزير صاحب انطاكية و قاتل و سلمه و رجالته أعظم قتال».

و قد شطب الناسخ كلمتي (صاحب أنطاكية).

[ (5)] في الأصل «وزير».

23

الفداء مدّة حتى لم يبق بأيدي الكفرة أسير، و للَّه الحمد.

ثم عبرت الفرات و نظرت في التقويم فوجدت الكسوف فتأمّلته على حسب ما أوجبه علم النجوم و المولد فكان نحسا على أعدائنا، فقصدتهم [ (1)] و هم على مرحلة من حلب بالناعورة، إلى ذكر هزيمتهم، ثم قال: و لا شهدت عسكرا على كثرة مشاهدتي للحرب استولى على جميع رؤسائه و أتباعه مثل هؤلاء، و لا غنم من عسكر مثل ما غنم منهم، و قد كنت ناديت بأن من جاء بدزبر [ (2)] و الأهوازي فله كذا و كذا، فتعاقد طوائف على ذلك و جعلوهما و كدهم فأسروهما، و قيّدا، إلى أن قال: و لا شكّ عندي في أنّ ما أنفق على الفداء نحو ثلاثمائة ألف دينار، فكّ اللَّه بها ثلاثة آلاف و خمسمائة إنسان.

*** و فيها جرت بالرّيّ فتنة هائلة بين ركن الدولة و بين الخراسانية الغزاة فقتل من الفريقين نحو ثلاثة آلاف، و انتهب أهل الرّيّ من الغزاة ألفي جمل محمّلة أمتعة، ثم ظفرت الغزاة و دخلوا الرّيّ و ضربوا جوانبها [ (3)] بالنّار، ثم طلب خلق منهم بالموصل، و ذهب خلق منهم فوق العشرين ألفا إلى خويّ [ (4)] لو سلماس [ (5)].

و فيها سار طاغية الروم بجيوشه إلى بلد الشام فعاث و أفسد، و أقام به نحو خمسين يوما، فبعث سيف الدولة يستنجد أخاه ناصر الدولة يقول: إن نقفور قد عسكر بالدّرب و منع رسولنا المغربيّ أن يكتب بشي‏ء و قال: لا أجيب سيف الدولة إلّا من أنطاكية، ليذهب من الشام فإنّه لنا و يمضي إلى بلده و يهادن‏

____________

[ (1)] في الأصل «فقصدهم» و التصويب يقتضيه السياق.

[ (2)] في الأصل «بدريز».

[ (3)] في الأصل «جوابيها».

[ (4)] خويّ: بلفظ تصغير خوّ. بلد مشهور من أعمال أذربيجان. (معجم البلدان 2/ 408).

[ (5)] سلماس: بفتح أوّله و ثانيه، و آخره سين أخرى. مدينة مشهورة بأذربيجان (معجم البلدان 3/ 238).

24

عنه، و إنّ أهل أنطاكية راسلوا نقفور [ (1)] و بذلوا له الطاعة و أن يحملوا إليه مالا، و إنّه التمس منهم يد يحيى بن زكريا (عليهما السلام) و الكرسيّ، و أن يدخل بيعة أنطاكية ليصلّي فيها و يسير إلى بيت المقدس.

و كان الّذي جرّ خروجه و أحنقه إحراق بيعة القدس في هذا العام.

و كان البترك كتب إلى كافور صاحب مصر يشكو قصور يده عن استيفاء حقوق البيعة، فكاتب متولّي القدس بالشدّ على يده، فجاءه من الناس ما لم يطق رفعه، فقتلوا البترك و حرّقوا البيعة و أخذوا زينتها، فراسل كافور طاغية الروم بأن يردّ البيعة إلى أفضل ما كانت، فقال: بل أنا أبنيها بالسيف [ (2)].

و أما ناصر الدولة فكتب إلى أخيه إن أحبّ مسيره إليه سار، و إن أحبّ حفظه ديار بكر سار إليها، و بثّ سراياه، و أصعد سيف الدولة الناس إلى قلعة حلب و شحنها، و انجفل الناس و عظم الغضب، و أخليت نصيبين.

ثم نزل عظيم الروم بجيوشه إلى منبج و حرّق الربض [ (3)] و خرج إليه أهلها فأقرّهم و لم يؤذهم. ثم سار إلى وادي بطنان [ (4)].

و سار سيف الدولة متأخّرا إلى قنسرين، و رجاله و الأعراب قد ضيّقوا الخناق على الروم، فلا يتركون لهم علوفة تخرج إلّا أوقعوا بها، و أخذت الروم أربعة ضياع بما حوت، فراسل سيف الدولة ملك الروم و بذل له مالا يعطيه إيّاه في ثلاثة أقساط، فقال: لا أجيبه إلّا [أن‏] [ (5)] يعطيني نصف الشام، فإنّ طريقي إلى ناحية الموصل على الشام، فقال سيف الدولة: و اللَّه لا أعطيه و لا حجرا واحدا.

ثم جالت الروم بأعمال حلب، و تأخّر سيف الدولة إلى ناحية

____________

[ (1)] في الأصل «يقفور».

[ (2)] تاريخ الأنطاكي.

[ (3)] في الأصل: «الربضى».

[ (4)] بطنان: بالضمّ ثم السكون، و نونان بينهما ألف. اسم واد بين منبج و حلب. (معجم البلدان 1/ 447).

[ (5)] ما بين الحاصرتين أضفناها على الأصل.

25

شيزر [ (1)]، و انكبّ [ (2)] العربان في الروم غير مرّة، و كسبوا ما لا يوصف.

و نزل عظيم الروم على أنطاكية فحاصرها ثمانية أيّام ليلا و نهارا و بذل الأمان لأهلها، فأبوا، فقال: أنتم كاتبتموني و وعدتموني بالطاعة، فأجابوا: إنّما كاتبنا الملك حيث كان سيف الدولة بأرمينية بعيدا عنّا، و ظننّا أنّه لا حاجة له في البلد، و كان السيف بين أظهرنا، فلما عاد سيف الدولة لم نؤثر على ضبط أدياننا و بلدنا شيئا. فناجزهم الحرب من جوانبها، فحاربوه أشدّ حرب، و كان عسكره معوزا من العلوفة.

ثم بعث نائب أنطاكية محمد بن موسى إلى قرغويه [ (3)] متولّي نيابة حلب بتفاصيل الأمور و بثبات الناس على القتال، و أنّا قد قتلنا جملة من الروم، و أنّ المسلمين قد أثّروا في الروم و تشجعوا و نشطوا للقتال، و أنا ليلي و نهاري في الحرب لا أستقرّ ساعة، و أنّ اللعين قد ترحّل عنّا و ترك الجسر.

و فيها أوقع تقى [ (4)] السيفي بسريّة للروم فاصطلموها، ثم خرج الطاغية من الدروب [ (5)] و ذهب.

ثم جاء الخبر بأنّ نائب أنطاكية محمد بن موسى الصّلحيّ أخذ الأموال التي في الخزائن في أنطاكية معدّة و خرج بها كأنّه متوجّه إلى سيف الدولة، فدخل بلد الروم مرتدّا، فقيل: كان عزم على تسليم أنطاكية للملك فلم يمكن لاجتماع أهل البلد على ضبطه، فخشي أن ينمّ خبره إلى سيف الدولة فيتلفه، فهرب بالأموال.

و فيه قدم الغزاة الخراسانية ميّافارقين فتلقّاهم أبو المعالي بن سيف الدولة و بالغ في إكرامهم بالأطعمة و العلوفات و رئيسهم أبو بكر محمد بن عيسى.

____________

[ (1)] في الأصل «سرر». و شيزر: بتقديم الزاي على الراء، و فتح أوّله. قلعة تشتمل على كورة بالشام قرب المعرّة. (معجم البلدان 3/ 383).

[ (2)] في الأصل «الكب».

[ (3)] في الأصل «فرعونه».

[ (4)] في الأصل «تقى».

[ (5)] في الأصل «الدردب».

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

و من سنة ست و خمسين و ثلاثمائة

دخلت الخراسانية فغزوا بلد ابن [ (1)] مسلمة و خرجوا بالسلامة و الغنائم، و تصدّر أهل نصيبين إلى ناصر الدولة بمصادرة العمّال، فأزال ضررهم و ردّ إليهم كثيرا من أموالهم، حتى قيل إنّه قال لهم: قد أبحت لكم دماء من ظلمكم.

و فيها رجع غزاة خراسان إلى بلادهم، و دخل سيف الدولة إلى حلب و معه قوم من الخراسانية. و معهم فيل، فمات الفيل بعد أيام، فاتّهموا أنّ النّصارى سمّته.

*** و مات سيف الدولة في صفر، و بعث بتابوته إلى عند قبر أمّه [ (2)]. و كان تقى [ (3)] مولى سيف الدولة أكبر الأمراء، و كان قد أخذ من أنطاكية مالا كثيرا، حتى ضجّ الناس منه، و شكوه إلى قرغويه الحاجب نائب حلب، فاجتاز بعده عن الشام، فرفق به حتى جاء إلى حلب، و نفّذه مع التابوت المذكور في‏

____________

[ (1)] في الأصل «بن».

[ (2)] الأعلاق الخطيرة- ج 3 ق 1/ 315، زبدة الحلب 1/ 151، تاريخ الأنطاكي.

[ (3)] في الأصل «تقا» و في تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي- ص 807 «تقى»، و كذا في نخب تاريخية- ص 273.

28

سبعمائة فارس و راجل، و قال له: أقم بديار بكر، فإنّها مملكة مفتقرة إلى مثلك.

فأجمع رأي أبي المعالي بن سيف الدولة على المجي‏ء إلى حلب، فلما [وصل‏] [ (1)] تقى بالتابوت إلى ميّافارقين [ (2)]، خرج أبو المعالي منها لتلقّيه، فصعب على تقى، كون القاضي و ابن سهل الكاتب و ابن حلبة لم يترجّلوا [ (3)] له، فلمّا نزل قبض عليهم، فاضطرب لذلك البلد، فجهّزت والدة أبي المعالي إلى كبار الغلمان و لاطفتهم ففرّقتهم عن تقى، قالوا: ما جئنا لنخرق بابن مولانا و لا لنقاتله، و اجتمعوا على مخالفة تقى، فلما أحسّ بذلك سار في حاشيته إلى ناحية أرزن، فلم يمكنه عبور النهر لزيادته، فرجع و تذلّل، فقبض عليه أبو المعالي و قيّده و اعتقله بحصن كافا [ (4)]، و أخذ منه سبعة و عشرين ألف دينار و ثلاثمائة ألف درهم كانت معه.

*** و فيها قبض على الملك ناصر الدولة بن حمدان ولده تغلب، لأن أخلاقه ساءت، و ظلم و عسف و قتل جماعة و شتم أولاده و تزايد أمره، فقبض عليه ابنه بشورة الدولة في جمادى الأول و نفّذه إلى قلعة، و رتب له كل ما يحتاج إليه، و وسّع عليه و قال: هذا قد اختلّ مزاجه [ (5)].

و في رجب دخل أبو المعالي حلب و فرح الناس به.

*** و في هذه الأيام نزلت الروم على رعبان [ (6)]، فسار عسكر حلب للكشف‏

____________

[ (1)] في الأصل «يقفور».

[ (2)] قارن بتاريخ ابن سعيد الأنطاكي- بتحقيقنا.

[ (3)] في الأصل «يترجوا».

[ (4)] هكذا في الأصل، و لعلّه أراد حصن الكاف بسواحل الشام قرب جبلة. (معجم البلدان 4/ 431).

[ (5)] راجع تجارب الأمم 2/ 238، ابن الأثير 8/ 579، الأعلاق الخطيرة ج 1 ق 3/ 317، زبدة الحلب 1/ 155.

[ (6)] في الأصل «رعيان»، و رعبان: بفتح أوّله و سكون ثانيه و باء موحّدة، و آخره نون: مدينة بالثغور

29

عنها، فدخل ملك الروم، ثم سار عسكر حلب فنزلوا على حصن سرجون فافتتحوه بعد أيام بالسيف بعد حرب عظيم، فأخذوا منه ما لا يوصف، و حصل من السبي خمسة آلاف آدميّ، ثم نازلوا حصن سنّ الحمراء، فافتتحوه و سبوا منه نحو الألف، و أسروا ثلاثمائة علج، و أسروا سرجون لعنه اللَّه، و هو الّذي كان أسر أبا فراس بن حمدان، فلله الحمد.

و غزت الخراسانية مع لؤلؤ الجراحي [ (1)] من أنطاكية إلى ناحية المصّيصة، فالتقاهم ثلاثة آلاف فارس من الروم، فنصر اللَّه و قتلوا ألفا من الروم، و أسروا خلقا، و ردّوا بالغنائم إلى أنطاكية، ثم عادوا غزوا فأصلبوا.

و سار نحو ألفي فارس من الترك إلى مصر لأنّ كافورا راسلهم.

و دخل الثغر محمد بن عيسى رئيس الخراسانية و معه ابن شاكر الطرسوسي، فظفروا و غنموا و ردّوا بالغنائم. و تأخّر في الساقة محمد بن عيسى و ابن شاكر في نحو ثمانمائة فارس، فدهمهم جموع الروم، فقال ابن عيسى: ما أستحلّ أن أولّيهم الدّبر بعد أن قربوا. و سار ابن شاكر يكشفهم فإذاهم فيما يقال في ثلاثين ألفا، فرجع و قال: لا طاقة لك بهؤلاء، فلم يقبل، و التقاهم و قاتلوا أشدّ قتال، و أنكوا في الروم نكاية عظيمة، و استشهد عامّة المسلمين. و بقي محمد بن عيسى في مائة و خمسين فارسا، فقال له ابن شاكر: لا تلقي بيدك إلى التهلكة، فقال له فقيه معه: إن ولّيت الدّبر لحقوك و قتلوك و أنت فارّ، فقاتل حتى قتل أكثر أصحابه، ثم أسر محمد بن عيسى، و ابن شاكر، ثم ورد الخبر بأنّ ابن عيسى اشترى نفسه بمائة ألف درهم و بمائة و عشرين علجا كانوا بأنطاكيّة، و برطل فصوص فيروزج، و إنّه بعد ذلك غزا العدوّ و ظفر.

____________

[ ()] بين حلب و سميساط قرب الفرات معدودة في العواصم. (معجم البلدان 3/ 51).

[ (1)] في الأصل «الححراحي».

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

[حوادث‏] سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة

فيها مات ناصر الدولة، و قتل أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان، و كان قد طمع في تملّك الشام، و جاء إليه خلق من غلمان سيف الدولة، و أطمعوه، فصادر أهل حمص و غيرهم، و قتل قاضيهم أبا عمّار، فأخذ من داره ستمائة ألف درهم، فلما أحسّ بأنّ أبا المعالي بن سيف الدولة يقصده سار فنزل على بني كلاب، و خلع عليهم و أعطاهم الأموال، و نفّذ حرمه معهم إلى البرّيّة، ثم سار أبو المعالي و قرغويه [ (1)] الحاجب إلى سلمية [ (2)]، فاستأمن إلى أبي المعالي جماعة من بني عقيل، و تأخّر أبو فراس و قال: قد أخليت لهم البلد، ثم سار قرغويه و أحاط به فقاتل أشدّ قتال، و ما زال يقاتل و هم يتبعونه إلى ناحية جبل سنير [ (3)]، فتقنطر به فرسه بعد العصر، فقتلوه [ (4)]. و له شعر رائق في الدّرر [ (5)].

____________

[ (1)] في الأصل «مرعونه».

[ (2)] سلمية: بفتح أوله و ثانيه، و سكون الميم، و ياء مثنّاة من تحت خفيفة. بليدة في ناحية البرّيّة من أعمال حماة. (معجم البلدان 3/ 240).

[ (3)] في الأصل «سبير» و الصواب: سنير: بفتح أوّله و كسر ثانيه. ثم ياء معجمة باثنتين من تحت.

جبل بين حمص و بعلبكّ على الطريق. (معجم البلدان 3/ 269).

[ (4)] انظر: ابن الأثير 8/ 588.

[ (5)] كتب فوقها «كذا»، و لعلّه أراد «يتيمة الدهر» للثعالبي حيث توجد ترجمته و أشعاره- ج 1/ 27- 71، أو أنه أراد «من الدّرر» فكتبها «في».

32

و مات الخادم كافور صاحب مصر و ردّ أمرها إلى الملك أبي الفوارس حسين بن علي بن طغج الإخشيدي، فوقع الخلف بين الكافورية و بينه، و تحاربوا و عظم البلاء و قتل بينهم خلق، ثم هزمت الإخشيدية الكافورية و طردوهم عن مصر، فصاروا إلى الرملة و فيهم ابن محمد بن رائق، و أبو منخل، و فنّك، وفاتك الهندي، فقدموا على صاحب الرملة الحسن بن عبد اللَّه بن طغج، فلم يقبل عليهم و قال: لا أحارب برغمتي، ثم ضاق بنفقاتهم، فتوجّهوا إلى دمشق و متولّيها فاتك الإخشيدي، فتمّ بينهم قتال و بلاء.

*** و في ذي القعدة أقبل عظيم الروم نقفور بجيوشه إلى الشام، فخرج من الدّرب و نازل أنطاكية، فلم يلتفتوا عليه، فهدّدهم و قال: أرحل و أخرّب الشام كلّه و أعود إليكم من الساحل. و رحل في اليوم الثالث و نازل معرّة مصرين [ (1)]، فأخذها و غدر بهم، و أسر منها أربعة آلاف و مائتي نسمة.

ثم نزل على معرّة النّعمان [ (2)] فأحرق جامعها، و كان الناس قد هربوا في كلّ وجه إلى الحصون و البراري و الجبال المنيعة.

ثم سار إلى كفر طاب [ (3)]، و شيزر، ثم إلى حماة و حمص، فخرج من تبقّى فيها، فأمّنهم و دخلها، فصلّى في البيعة، و أخذ منها رأس يحيى بن زكريا، و أحرق الجامع.

ثم سار إلى عرقة [ (4)] فافتتحها.

____________

[ (1)] معرّة مصرين: بفتح أوّله و سكون ثانيه، و كسر الراء. بليدة و كورة بنواحي حلب و من أعمالها.

(معجم البلدان 5/ 155).

[ (2)] معرّة النّعمان: مدينة كبيرة قديمة مشهورة من أعمال حمص بين حلب و حماة. تنسب إلى النعمان بن بشير الصحابي رضي اللَّه عنه. (معجم البلدان 5/ 156).

[ (3)] كفرطاب: بالطاء المهملة. بلدة بين المعرّة و مدينة حلب في برّيّة. (معجم البلدان 4/ 470).

[ (4)] عرقة: بكسر أوّله و سكون ثانيه، بلدة في شرقي طرابلس. و هي آخر عمل دمشق، في سفح‏

33

ثم سار إلى طرابلس، فأخذ بعضها.

و أقام في الشام أكثر من شهرين و ربع، فأرضاه أهل أنطاكية بمال عظيم [ (1)]

____________

[ ()] جبل، بينها و بين البحر نحو ميل. (معجم البلدان 4/ 109).

[ (1)] راجع تفاصيل هذه الغزوة في: تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي 815 و 816، نسخة كاراتشوفسكي و فاسيلييف- باريس 1924، و النسخة التي قمنا بتحقيقها- طبعة جرّوس برس- طرابلس 1988، ابن الأثير 8/ 596 و 597، زيدة الحلب من تاريخ حلب لابن العديم 1/ 158، ذيل تجارب الأمم للروذراوري- نشرة آمدروز- ج 3/ 13- مصر 1916، تكملة تاريخ الطبري 1/ 201، البداية و النهاية 11/ 268. و انظر كتابنا: تاريخ طرابلس السياسي و الحضاريّ عبر العصور- الطبعة الثانية- ج 1/ 253- 257.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

[عود إلى حوادث‏] سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة

أقيم المأتم يوم عاشوراء ببغداد على العادة [ (1)].

و فيها ورد الخبر بأن ركب الشام و مصر و المغرب أخذوا و هلك أكثرهم، و وصل الأقلّ إلى مصر، و تمزّق الناس كلّ ممزّق، فلا حول و لا قوة إلّا باللَّه، أخذتهم بنو سليم، و كان ركبا عظيما يمدّه نحو عشرين ألف، حمل معهم الأمتعة و الذهب، فما أخذ لقاضي [ (2)] طرسوس المعروف بالخواتيمي عشرون ألف دينار [ (3)].

*** و فيها سار جيش من خراسان بضعة عشر ألفا إلى غزو الروم، فأتوا الرّيّ [ (4)]، فبعث إليهم ركن الدولة إقامات كثيرة، فلما كان في يوم من الأيام ركب هؤلاء الغزاة إلى منازل قوّاد ركن الدولة، فقتلوا من وجدوا من الدّيلم، و نهبوا دار أبي الفضل بن العميد وزير ركن الدولة، فظفر بهم و قتل منهم نحو ألف و خمسمائة، فانهزموا على طريق أذربيجان، ثم قدموا الموصل إلى الشام فغزوا في الروم [ (5)].

____________

[ (1)] المنتظم 7/ 33.

[ (2)] في الأصل «القاضي».

[ (3)] انظر: تجارب الأمم 2/ 215، ابن الأثير 8/ 574، مرآة الجنان 2/ 358، البداية و النهاية 11/ 260 و 261، المنتظم 7/ 33.

[ (4)] في الأصل «لري».

[ (5)] راجع: تجارب الأمم 2/ 222 و ما بعدها، المنتظم 7/ 33 و 34، البداية و النهاية 11/ 260، ابن الأثير 8/ 569- 571.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

[حوادث‏] سنة ست و خمسين و ثلاثمائة

عملت الرافضة يوم عاشوراء ببغداد و ناحت [ (1)].

*** و فيها مات معزّ الدولة بن بويه، و ولي إمرة العراق ابنه عزّ الدولة بختيار ابن أحمد بن بويه [ (2)].

قال القاسم [ (3)] التنوخي: حدّثني الحسين بن عثمان الفارقيّ الحنبلي [ (4)]، قال: كنت بالرملة في سنة خمس و خمسين [ (5)]، فقدمها أبو علي القرمطيّ القصير الثياب [ (6)]، يعني الّذي ملك الشام، فقرّبني، فكنت ليلة عنده، فقال بديها:

و مجدولة مثل صدر القناة* * * تعرّت و باطنها مكتسي‏

لها مقلة هي روح لها* * * و تاج على هيئة البرنس [ (7)]

____________

[ (1)] المنتظم 7/ 38.

[ (2)] المنتظم 7/ 38.

[ (3)] كذا في الأصل، و في (نشوار المحاضرة 7/ 106): «أبو القاسم»، بدائع البدائه 160.

[ (4)] في «نشوار المحاضرة 7/ 106): «أنبأنا أبو عبد اللَّه محمد بن عثمان الخرقي الفارقيّ الحنبلي».

[ (5)] في «نشوار المحاضرة 7/ 106): «سنة ثلاثمائة و خمس و ستين»، بدائع البدائه 160.

[ (6)] في الأصل «الشاب» و التصحيح من: نشوار المحاضرة و بدائع البدائه.

[ (7)] هكذا في الأصل، و ورد هذا الشطر في: نشوار المحاضرة 7/ 107 و بدائع البدائه 161:

38

إذا غازلتها الصّبا حرّكت* * * لسانا من الذّهب الأملس [ (1)]

فنحن من النور في أسعد* * * و تلك من النار في أنحس [ (2)]

و في المجلس أبو نصر بن كشاجم [ (3)]، فقبّل الأرض و زاد فيها:

و ليلتنا [ (4)] هذه ليلة* * * تشاكل أشكال أقليدس‏

فيا ربّه العود غنّي الغنا* * * و يا حامل الكاس لا تنعس [ (5)]

____________

[ ()] «و تاج على الرأس كالبرنس».

[ (1)] زاد التنوخي و ابن ظافر بيتين من الشعر:

و إن رنّقت لنعاس عرا* * * و قطّت من الرأس لم تنعس‏

و تنتج في وقت تلقيحها* * * ضياء يجلّي دجى الحندس‏

[ (2)] زاد التنوخي و ابن ظافر الأزدي، بيتا أخيرا:

تكيد الظلام و ما كادها* * * فتفنى و تفنيه في مجلس‏

[ (3)] انظر بعض شعره في يتيمة الدهر 1/ 247- 250.

[ (4)] في المتن «ليلة»، و التصويب عن الحاشية، و نشوار المحاضرة 7/ 107، بدائع البدائه 161.

[ (5)] و ورد هذا البيت في نشوار المحاضرة و بدائع البدائه:

فيا ربّه العود غنّي لنا* * * و يا حامل الكأس لا تجلس‏

39

[حوادث‏] سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة

عملت الرافضة يوم عاشورا بالنّوح و تعليق المسوح، و عيّدوا يوم الغدير و بالغوا في الفرح [ (1)].

و لم يحجّ أحد من الشام و لا مصر [ (2)].

و فيها كانت فتنة الأمير أبي الحسن محمد بن المستكفي باللَّه عبد اللَّه بن المكتفي باللَّه على ابن المعتضد العبّاسي لما خلع أبوه المستكفي و سمل [ (3)]، و هرب هو و دخل الشام و مصر و أقام هناك عند كافور الإخشيدي، فلاذ به جماعة و أطمعوه في الأمر و قالوا:

إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

«المهدي من بعدي يواطئ اسمه اسمي و اسم أبيه اسم أبي» [ (4)]

و إن أنت قدمت بغداد بايعك الدّيلم، فتوجّه إلى بغداد ثم دخلها سرّا و بايعه جماعة من الدّيلم في هذه‏

____________

[ (1)] المنتظم 7/ 43، الكامل 8/ 589.

[ (2)] شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام (بتحقيقنا)- ج 2/ 351.

[ (3)] سمل: قدحت عيناه.

[ (4)] أخرج الترمذيّ نحوه في كتاب الفتن (2331) باب ما جاء في المهديّ (44) من طريق:

سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ، عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».

و في الباب عن:

عليّ، و أبي سعيد، و أمّ سلمة، و أبي هريرة. و قال الترمذيّ: هذا حسن صحيح.

40

السّنة، فاطّلع الملك عزّ الدولة بختيار ابن معزّ الدولة على ذلك، و كان قد ادّعى أنّ والده نصّبه للخلافة من بعده، فصحبه من أهل بغداد خلق كثير من رؤسائها و أعيانها و بايعوه سرّا، منهم أبو القاسم إسماعيل بن محمد المعروف بزنجي، و ترتّب له وزيرا، فقبض عليه عزّ الدولة ثم جدع أنفه و قطع شفته العليا و شحمتي أذنيه، و سجن بدار الخلافة، و كان معه أخوه علي و أنّهما هربا من الدار في يوم عيد، و اختلطا [ (1)] بالنّاس، و مضيا إلى ما وراء النهر [ (2)].

و روى المتنبّي من شعره، و له شعر و أدب، و مات بخراسان خاملا.

*** و وصل ملك الروم- لعنهم اللَّه- إلى حمص و ملكوها بالأمان، و خافهم صاحب حلب أبو المعالي بن سيف الدولة، فتأخّر عن حلب إلى بالس [ (3)] و أقام بها الأمير قرغويه [ (4)]، ثم ذهب أبو المعالي إلى ميّافارقين لما تفرّق عنه جنده، و صاروا إلى ابن عمّه صاحب الموصل أبي تغلب، فبالغ في إكرامهم، ثم ورد أبو المعالي إلى حلب فلم يمكّن من دخولها و استضعفوه، و تشاغل بحبّ جارية، فردّ إلى سروج فلم يفتحوها له، ثم إلى حرّان فلم يفتحوا له أيضا، و استنصر بابن عمّه أبي تغلب، فكتب إليه يعرض عليه المقام بنصيبين، ثم صار إلى ميّافارقين في ثلاثمائة فارس و قلّ ما بيده.

و وافت الروم إلى ناحية ميّافارقين و أرزن يعبثون و يقتلون، و أقاموا ببلد الإسلام خمسة عشر يوما و رجعوا بما لا يحصى.

*** و كان الحجّ في هذا العام صعبا إلى الغاية لما لحقهم من العطش و القتل، مات من حجّاج خراسان فوق الخمسة آلاف، و قيل بل ثلاثة آلاف‏

____________

[ (1)] في الأصل «و اختلط».

[ (2)] انظر: تجارب الأمم 2/ 248 و 249، ابن الأثير 8/ 584.

[ (3)] بالس: بلدة بالشام بين حلب و الرّقّة. (معجم البلدان 1/ 328).

[ (4)] في الأصل: «الأمر فرعونه».

41

بالعطش، فلما حصلوا بمكة خرج عليهم الطلحيّون و البكريّون فوضعوا في الحجيج السيف، و أخذوا الركب بما حوى، و لم يحجّ من مصر و لا الشام أحد [ (1)]. و كان حجّاج المغرب خلقا [ (2)]، فرجع معهم خلق من التّجّار فأخذوا، فيقال إنّه أخذ لتاجر فيها متاع بنحو مائتي ألف دينار، فإنّا للَّه و إنّا إليه راجعون.

*** و في آخر العام جاءت القرامطة من البرّيّة و توثّبوا على دمشق فملكوها، و ساروا إلى الرملة، فالتقاهم الحسن بن عبد اللَّه الإخشيدي فهزموه، ثم قاتلوا أهل الرملة أشدّ قتال، و استباحوها بعد يومين، ثم إنّ أهلها دافعوا عن نفوسهم بمائة و عشرين ألف دينار، و سبوا من أعمال الرملة عشرة آلاف نسمة، و عزموا على قصد مصر ليملكوها، فجاء العبيديّون فأخذوها، و قامت دولة الرفض في الأقاليم: المغرب و مصر و العراق و غير ذلك [ (3)].

____________

[ (1)] المنتظم 7/ 43، شفاء الغرام 2/ 351 (بتحقيقنا).

[ (2)] في الأصل «و خلق».

[ (3)] انظر: الدرة المضيّة 122.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

[حوادث‏] سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة

أقامت الرافضة الشعار الجاهليّ يوم عاشورا و يوم الغدير. [ (1)]

و كان ببغداد قحط واسع، الكرّ [ (2)] بتسعين دينارا.

*** و أغارت الروم بالشام فقتلوا و سبوا، و بدّعوا في حمص، و الثغور، و قتلوا خلائق [ (3)].

*** و فيها ملك جوهر القائد ديار مصر، و خطب لبني عبيد [ (4)].

*** و حجّ بالناس من العراق أبو أحمد الموسوي والد المرتضى.

و فيها ولي إمرة دمشق الحسن بن عبد [ (5)] اللَّه بن طغج الإخشيدي، فأقام‏

____________

[ (1)] المنتظم 7/ 47، الكامل 8/ 600.

[ (2)] اسم مكيل للقمح.

[ (3)] المنتظم 7/ 47.

[ (4)] المنتظم 7/ 47.

[ (5)] كذا في الأصل، و في الكامل في التاريخ 8/ 591، البداية و النهاية 11/ 267 أما في: أمراء دمشق في الإسلام للصفدي- ص 27 رقم 90 و النجوم الزاهرة 4/ 21 «عبيد» بالتصغير.

44

شهرا و رحل في شعبان، فاستناب بها شمول الكافوري [ (1)]، ثم سار إلى الرملة فالتقى العبيديّين في ذي الحجّة بالرملة، فانهزم جيشه و أخذ أسيرا، و حمل إلى المغرب إلى المعزّ [ (2)].

و أمّا ابن سيف الدولة فإنّ جند حلب عصوه، فجاء من ميّافارقين و نازل حلب، و بقي القتال عليها مدّة [ (3)].

و استولى على أنطاكية الرّغيليّ، رجل شاطر [ (4)]، فجاءت الروم فنزلوا على أنطاكية، و أخذوها في ليلة، و هرب الرّعيليّ من باب البحر هو و خمسة آلاف إنسان، فنجوا إلى الشام، و كان أخذها في ذي الحجّة، و أسر أهلها، و قتل جماعة من أكابرها [ (5)].

و فيها جاء القائد جعفر بن فلاح إلى دمشق فحاربه أميرها ابن أبي يعلى الشريف، فانهزم الشريف ثم أسره جعفر و تملّك دمشق [ (6)].

____________

[ (1)] هكذا في الأصل بالشين المعجمة، و كذلك في الدرّة المضيّة في أخبار الدولة الفاطمية لابن أيبك الدواداريّ- ص 122، أما في النجوم 4/ 21 «سمول» بالسين المهملة، و كان مدبّرا للعساكر. و انظر حول اسمه في: تاريخ الأنطاكي (بتحقيقنا).

[ (2)] راجع في ذلك: ابن الأثير 8/ 591، الدرّة المضيّة 122 و 123، البداية و النهاية 11/ 267، النجوم الزاهرة 4/ 23، تاريخ الأنطاكي (حوادث 359 ه.).

[ (3)] راجع: ابن الأثير 8/ 597 و 598. و زبدة الحلب 1/ 161.

[ (4)] انظر عنه: النجوم الزاهرة 4/ 26 الحاشية رقم (3) عن الشطّار.

[ (5)] البداية و النهاية 11/ 267.

[ (6)] راجع: ابن الأثير 8/ 591 و 592، البداية و النهاية 11/ 266.

45

[حوادث‏] سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة

أقامت الشيعة ببغداد مأتم عاشوراء [ (1)].

و جاء الخبر في المحرّم أنّ الروم- لعنهم اللَّه- وردوا مع نقفور [ (2)]، فأحاطوا بأنطاكيّة، و ملكوها بالأمان فيما أحسب، فأخرجوا أهلها، فأطلعوا العجائز و الشيوخ و الأطفال و قالوا: أمضوا حيث شئتم. و أخذوا الشباب و الصّبايا و الغلمان سبيا، فكانوا أكثر من عشرين ألفا [ (3)].

و كان نقفور [ (4)] قد عتا و تجبّر و قهر البلاد و عظمت هيبته، و تزوّج امرأة الملك الّذي قبله على كره منها، و كان لها ولدان، فأراد أن يخصيهما و يهديهما للبيعة و يستريح منهما لئلّا يملّكا، فعلمت زوجته بذلك، فأرسلت إلى الدّمستق ليأتي إليها في زيّ النساء و معه جماعة في زيّ النساء، فجاءوا و باتوا عندها ليلة الميلاد فقتلوه، و أجلس في الملك ولدها الأكبر [ (5)].

***

____________

[ (1)] المنتظم 7/ 51.

[ (2)] في الأصل «يقفور».

[ (3)] انظر: المنتظم 7/ 51، ابن الأثير 8/ 603، البداية و النهاية 11/ 267.

[ (4)] في الأصل «يقفور».

[ (5)] انظر: المنتظم 7/ 51، دول الإسلام 1/ 222، البداية و النهاية 11/ 267، و تاريخ الأنطاكي.

46

و في ذي الحجّة انقضّ بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنّه شعاع الشمس، و سمع بعد انقضاضه صوت كالرّعد الشديد [ (1)].

و حجّ بالناس من بغداد أبو أحمد النقيب والد المرتضى و الرّضي.

____________

[ (1)] انظر: المنتظم 7/ 51 و 52، البداية و النهاية 11/ 267، و تاريخ الأنطاكي.

47

[حوادث‏] سنة ستين و ثلاثمائة

أقامت الرافضة رسم يوم عاشورا من النّوح و اللّطم و البكاء و تعليق المسوح و غلق الأسواق، و عملوا العيد و الفرح يوم الغدير، و هو ثامن عشر ذي الحجّة [ (1)].

*** و في أول صفر لحق المطيع للَّه سكنة، آل الأمر فيها إلى استرخاء جانبه الأيمن و ثقل لسانه [ (2)].

*** و فيها تقلّد قضاء القضاة أبو أحمد [ (3)] بن معروف و قبل شهادة أبي سعيد الحسن بن عبد اللَّه السّيرافيّ [ (4)] ولّاه القضاء على الجانب الشرقيّ من بغداد.

____________

[ (1)] المنتظم 7/ 35.

[ (2)] المنتظم 7/ 53، تكملة تاريخ الطبري 205، مرآة الجنان 2/ 372، النجوم 4/ 57.

[ (3)] كذا في الأصل، و في المنتظم 7/ 54 «أبو محمد»، و كذلك في تكملة تاريخ الطبري 208، و العبر للذهبي 3/ 18 و فيه ترجمته، تاريخ بغداد 10/ 369.

[ (4)] ترجمته في: تاريخ بغداد 7/ 341، الأنساب 321 ب، إنباه الرواة 1/ 313، العبر 2/ 347، معجم الأدباء 8/ 145، لسان الميزان 2/ 218، المنتظم 7/ 95، دمية القصر 1/ 507، غاية النهاية 1/ 218، مرآة الجنان 2/ 390، نزهة الألبّاء 211، الكامل في التاريخ 8/ 698، اللّباب 1/ 586، الفهرست 99، وفيات الأعيان 2/ 78، الجواهر المضيّة 1/ 196، البداية

48

و وثبت العامّة بالمطهّر بن سليمان، و نسبوه إلى القول بخلق القرآن [ (1)].

*** و في صفر أعلن المؤذّنون بدمشق بحيّ على خير العمل، بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعزّ [ (2)] باللَّه، و لم يجسر أحد على مخالفته. و في جمادى الآخرة أمرهم بذلك في الإقامة، فتألّم الناس لذلك، فهلك لعامه [ (3)]، و اللَّه أعلم.

***

____________

[ ()] و النهاية 11/ 294، الوافي بالوفيات 12/ 74 رقم 65، روضات الجنّات 217.

[ (1)] المنتظم 7/ 54.

[ (2)] في الأصل «المعزّ».

[ (3)] النجوم الزاهرة 4/ 58.

49

[وفيات هذه الطبقة]

سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة

* أحمد بن إبراهيم بن جامع أبو العباس المصري السكّري [ (1)].

سمع: مقداد بن داود الرّعينيّ، و يحيى بن عثمان بن صالح، و أحمد بن محمد بن رشدين، و علي بن عبد العزيز البغوي، و جماعة من طبقتهم.

و عنه: ابن مندة، و أبو محمد بن النّحّاس، و أحمد بن محمد الحاجّ الإشبيليّ [ (2)]، و محمد بن إبراهيم بن غالب التمّار، و الحسين بن ميمون الصّفّار.

* أحمد بن محمد بن خليع البغدادي نزيل مصر.

سمع: بشر بن موسى الأسديّ، و غيره.

قال الخطيب: كان ثقة مجوّدا.

* أحمد بن محمد بن أبي دارم أبو بكر التميمي الكوفي، توفّي في المحرّم.

سمع: إبراهيم القصّار، و أحمد بن موسى الحمّاد، و موسى بن هارون و خلقا.

____________

[ (1)] في الأصل «البسكري»، و التصحيح من: العبر 2/ 290، شذرات الذهب 3/ 7.

[ (2)] في الأصل «الأشبلي».

50

رافضيّ.

و عنه: الحاكم، و ابن مردويه، و يحيى المزنيّ، و الحيريّ.

أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي الموت [ (1)] أبو بكر المكيّ.

سمع: علي بن عبد العزيز، و يوسف بن يزيد القراطيسي، و القاسم بن الليث الرسعني، و أحمد بن زغبة، و محمد بن علي الصايغ.

و عنه: أبو محمد بن النّحّاس، و محمد بن نظيف، و أبو العباس أحمد بن الحاجّ، و آخرون.

توفّي في ربيع الآخر، و له تسعون سنة بمصر.

أحمد بن محمد بن عبد اللَّه [ (2)] القاضي أبو الحسين النيسابورىّ الحنفي، قاضي الحرمين و شيخ الحنفية في زمانه.

ولي قضاء الحرمين بضع عشرة سنة، ثم قدم نيسابور و تقلّد قضاءها، و بها توفّي و له سبعون سنة.

تفقّه على: أبي الحسن الكرخي، و أبي طاهر بن الدّبّاس، و برع في المذهب، و سمع: أبا خليفة، و الحسن بن سفيان، و ولي أيضا قضاء الموصل، و قضاء الرملة.

روى عنه أبو عبد اللَّه الحاكم.

و قال أبو إسحاق الشيرازي [ (3)]: به و بأبي سهل الزجّاجي تفقّه فقهاء نيسابور من أصحاب أبي حنيفة.

____________

[ (1)] العبر 2/ 290، شذرات الذهب 3/ 7، ميزان الاعتدال 1/ 152، سير أعلام النبلاء 16/ 25، العقد الثمين 3/ 128، لسان الميزان 1/ 296، 297.

[ (2)] العبر 2/ 290 و 291، الوافي بالوفيات 8/ 34 رقم 3435، تاج التراجم 15، شذرات الذهب 3/ 7، طبقات الفقهاء 144، سير أعلام النبلاء 16/ 25، 26 رقم 13، العقد الثمين 3/ 145، الجواهر المضية 1/ 284- 288، الفوائد البهيّة 36.

[ (3)] طبقات الفقهاء 144.

51

و قال الحاكم: سمعت أبا بكر الأبهريّ المالكي شيخ الفقهاء ببغداد بلا مدافعة يقول: ما قدم علينا من الخراسانيين أفقه من أبي الحسين النيسابورىّ.

إبراهيم بن علي بن عبد اللَّه الأعلى [ (1)] أبو إسحاق الهجيمي البصري.

توفّي في آخر السنة.

سمع: جعفر بن محمد بن شاكر، و عبد الرحيم بن دنوقا، و الحسن بن محمد بن أبي معشر، و عبيد بن عبد الواحد، و محمد بن يونس، و جماعة.

و عنه: طلحة بن يوسف المؤذّن، و أبو بكر محمد بن الفضل البابسيري، و أبو سعيد محمد بن علي النقّاش، و جماعة.

و كان معمّرا من أبناء المائة، و هو مقبول الحديث.

قال الرازيّ في مشيخته: سمعت عبد الرحيم بن أحمد البخاري يقول:

رأى أبو إسحاق الهجيمي أنّه تعمّم، فدوّر على رأسه مائة و ثلاث دورات، فعبّر له أنّه يعيش مائة و ثلاث سنين، فلم يحدّث حتى بلغ المائة، ثم حدّث فقرأ القارئ و أراد أن يختبر عقله:

إنّ الجبان حتفه من فوقه* * * كالكلب يحمي جلده بروقه [ (2)]

فقال الهجيمي: كالثور، فإنّ الكلب لا روق [ (3)] له، ففرحوا بصحّة عقله.

____________

[ (1)] العبر 2/ 291، الوافي بالوفيات 6/ 57 رقم 2498، النجوم الزاهرة 3/ 334، شذرات الذهب 3/ 8، المنتظم 7/ 23، سير أعلام النبلاء 15/ 525، 526 رقم 302.

[ (2)] البيت لعامر بن فهيرة التيمي، مولى أبي بكر الصّدّيق، رضي اللَّه عنهما، استشهد ببئر معونة، و كان إذا أصابته الحمّى يقول:

إنّي وجدت الموت قبل ذوقه* * * إنّ الجبان حتفه من فوقه‏

كلّ امرئ مجاهد بطوقه* * * كالثور يحمي جلده بروقه‏

(انظر: الموطّأ 2/ 891، و الإصابة لابن حجر 4/ 14، 15، و فتح الباري 7/ 263).

[ (3)] الروق: الكلب.

52

إسماعيل بن بدر بن إسماعيل بن زياد [ (1)] أبو بكر القرطبي.

سمع: بقيّ بن مخلد، و محمد بن وضّاح، و مطرّف بن قيس، و الخشنيّ، و عبد اللَّه بن مسرّة.

إلّا أنّ صناعة الشعر غلبت عليه و طارت باسمه و كانت به ألصق. و طال عمره إلى أن سمع بعض الناس منه و تسهّلوا فيه، و ولّي أحكام السوق فحمدوا أمره فيها، و توفّي في هذه السنة، قاله ابن [ (2)] الفرضيّ [ (3)].

قلت: هو آخر من روى في الدنيا عن بقيّ.

الحسن بن إسحاق بن يليل أبو سعيد المغربي القاضي.

سمع بدمشق: محمد بن عون، و محمد بن خريم، و ببغداد: يوسف القاضي، و بمصر: أبا عبد الرحمن الشامي السنائي.

روى عنه: عليّ بن المهذّب التنوخي، و جماعة.

بقي إلى هذا العام.

الحسن بن علي بن الفضل أبو بكر المعافري ابن كبّه.

الحسن بن محمد بن هارون الوزير أبو محمد المهلّبيّ.

توفي سنة إحدى، و قيل سنة اثنتين و خمسين.

و قد ذكرته سنة اثنتين و خمسين.

الحسن بن محمد بن يحيى [ (4)] بن حسن بن جعفر بن عبد اللَّه بن الحسين ابن زين العابدين علي بن الحسين الحسيني.

____________

[ (1)] تاريخ علماء الأندلس 66 رقم 216، جذوة المقتبس 163 رقم 300، بغية الملتمس 230 رقم 543، يتيمة الدهر 2/ 20، سير أعلام النبلاء 16/ 26 رقم 14.

[ (2)] في الأصل «بن».

[ (3)] تاريخ علماء الأندلس 66 رقم 216.

[ (4)] تاريخ بغداد 7/ 421 رقم 3984 قال ابن شاذان إنّه توفي سنة 358 ه.

53

حدّث ببغداد في هذا العام عن جدّه يحيى بكتاب الأنساب، و كان شريفا كبير القدر جليلا.

الحسين بن الفتح أبو عليّ النيسابوريّ الفقيه الشافعيّ.

سمع: الفريابي و غيره.

و عنه: يوسف الميانجي، و ابن جميع [ (1)]، و أبو محمد بن النّحّاس المصري.

دعلج [ (2)] بن أحمد بن دعلج [ (3)] أبو محمد السجزيّ [ (4)] الفقيه المعدّل. ولد سنة ستّين و مائتين أو قبلها.

و سمع بعد الثمانين من: علي بن عبد العزيز بمكة، و هشام بن علي السّيرافيّ، و عبد العزيز بن معاوية بالبصرة، و محمد بن أيّوب، و ابن الجنيد بالرّيّ، و محمد بن إبراهيم البوسنجي و قشمرد [ (5)]، و محمد بن عمرو الحرشيّ، و طائفة بنيسابور، و عثمان بن سعيد الدارميّ و غيره بهراة، و محمد بن غالب،

____________

[ (1)] هو: أبو الحسين محمد بن أحمد بن جميع الغسّاني الصّيداوي المتوفى سنة 402 ه.

بصيداء. له معجم شيوخه. و هو لا يذكر صاحب هذه الترجمة في معجمه الّذي قمنا بتحقيقه عن نسخة جامعة ليدن. و نشرته مؤسسة الرسالة، بيروت 1985.

[ (2)] دعلج: بمفتوحة، فساكنة مهملتين، و فتح لام، و بجيم. و في موضع آخر بكسر الدال.

(المغني في أسماء الرجال 101).

[ (3)] تاريخ بغداد 8/ 387- 392، تاريخ دمشق (مخطوط التيمورية) 13/ 147، تهذيب تاريخ دمشق 5/ 245، تكملة تاريخ الطبري 182 و 183، الرسالة المستطرفة 73، وفيات الأعيان 2/ 271 و 272، طبقات السبكي 2/ 222، الكامل في التاريخ 8/ 545، البداية و النهاية 9/ 241 و 242، العبر 2/ 291، معجم الشيوخ لابن جميع الصيداوي (مخطوط ليدن) 112، المنتظم 7/ 10 رقم 10، تذكرة الحفّاظ 3/ 881 رقم 850، الوافي بالوفيات 14/ 17 رقم 13، مرآة الجنان 2/ 347، النجوم الزاهرة 3/ 333، شذرات 3/ 8، أعلام النبلاء 16/ 30- 35 رقم 21، طبقات الحفاظ 360.

[ (4)] و يقال: السجستاني، بكسر السين و الجيم و سكون السين الثانية، نسبة إلى سجستان.

(اللباب 2/ 105).

[ (5)] في الأصل «قشمر».

54

و محمد بن رمح [ (1)] البزّاز، و محمد بن سليمان الباغندي، و خلقا ببغداد و غيرها.

و عنه: الدارقطنيّ، و الحاكم ابن رزقويه [ (2)]، و أبو عليّ بن شاذان، و أبو إسحاق الأسفرائيني، و عبد الملك بن بشران، و خلق.

و قال الحاكم: أخذ عن ابن خزيمة المصنّفات، و كان يفتي بمذهبه، و كان شيخ أهل الحديث، له صدقات جارية على أهل الحديث بمكة و العراق و سجستان. سمعته يقول: تقدّم ليلة إليّ بمكة ثلاثة فقالوا: أخ لك بخراسان قتل أخانا و نحن نقتلك به. فقلت: اتّقوا اللَّه فإنّ خراسان ليست بمدينة واحدة، فلم أزل أداريهم إلى أن اجتمع الناس و خلّوا عنّي، فهذا سبب انتقالي من مكة إلى بغداد [ (3)].

و قال الحاكم: سمعت الدارقطنيّ يقول: صنّفت لدعلج المسند الكبير، فكان إذا شكّ في حديث ضرب عليه، و لم أر في مشايخنا أثبت منه.

و سمعت عمر البصري يقول: ما رأيت ببغداد فيمن انتخبت عليهم أصحّ كتبا و لا أحسن سماعا من دعلج [ (4)].

قال الحاكم: اشترى دعلج بمكة دار العبّاسية بثلاثين ألف دينار. قال:

و يقال لم يكن في الدنيا من التّجار أيسر من دعلج.

و قال الخطيب [ (5)]: بلغني أنه بعث بالمسند إلى ابن عقدة لينظر فيه، و جعل في الأجزاء بين كل ورقتين دينارا.

و قال ابن حيّويه: أدخلني دعلج داره و أراني بدرا من المال معبّأة و قال‏

____________

[ (1)] في الأصل «رنح» و التصحيح من تاريخ بغداد 8/ 387.

[ (2)] في الأصل «بن ارقويه».

[ (3)] تاريخ بغداد 8/ 389.

[ (4)] تاريخ بغداد 8/ 388.

[ (5)] تاريخ بغداد 8/ 388.