تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج45

- شمس الدين الذهبي المزيد...
425 /
5

[الطبقة الثالثة و الستون‏]

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

و من الحوادث سنة إحدى و عشرين و ستّمائة

استرداد الأشرف خلاط

فيها استردّ الأشرف خلاط من أخيه شهاب الدّين غازي، و أبقى عليه ميّافارقين [ (1)].

ظهور السلطان جلال الدين‏

و فيها ظهر السّلطان جلال الدّين ابن خوارزم شاه- بعد ما انفصل عن بلاد الهند و كرمان- على أذربيجان، و حكم عليها، و راسله الملك المعظّم ليعينه على قتال أخيه الأشرف، و كتب المعظّم إلى صاحب إربل في هذا المعنى، و بعث ولده النّاصر داود إليه رهينة [ (2)].

استيلاء لؤلؤ على الموصل‏

و فيها استولى بدر الدّين لؤلؤ على الموصل، و أظهر أنّ محمود ابن الملك القاهر قد توفّي، و كان قد أمر بخنقه [ (3)].

____________

[ (1)] الخبر في: ذيل الروضتين 142، و الكامل في التاريخ 12/ 421، و مفرّج الكروب 4/ 138- 139، و زبدة الحلب 3/ 195- 196، و المختصر في أخبار البشر 3/ 134، و البداية و النهاية 13/ 104، و العسجد المسبوك 2/ 399.

[ (2)] انظر خبر (جلال الدين) في: ذيل الروضتين 142، و تاريخ الخميس 2/ 412، و سير أعلام النبلاء 22/ 241، و البداية و النهاية 13/ 104.

[ (3)] انظر خبر (لؤلؤ) في: ذيل الروضتين 142، و سير أعلام النبلاء 22/ 241، و المختار من تاريخ ابن الجزري 117، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 632.

6

بناء الكاملية

و فيها بنيت دار الحديث الكامليّة بين القصرين، و جعل أبو الخطّاب ابن دحية شيخها [ (1)].

قدوم الأقسيس من اليمن‏

و فيها قدم الملك المسعود أقسيس على أبيه الكامل، من اليمن، طامعا في أخذ الشّام من عمّه المعظّم. و قدّم لأبيه أشياء عظيمة منها: ثلاثة فيلة، و مائتا خادم [ (2)].

عودة التتار من القفجاق‏

قال ابن الأثير [ (3)]: و فيها عادت التّتار من بلاد القفجاق، و وصلت إلى الرّيّ، و كان من سلم من أهله قد عمّروها، فلم يشعروا إلّا بالتّتر بغتة، فوضعوا فيهم السّيف، و سبوا، و نهبوا، و ساروا إلى ساوة، ففعلوا بها كذلك، ثمّ ساروا إلى قمّ و قاشان، و كانت عامرة، فأخذوها، ثمّ وصلوا إلى همذان فقتلوا أهلها، ثمّ ساروا إلى تبريز، فوقع بينهم و بين الخوارزميّة مصافّ [ (4)].

استيلاء غياث الدين على شيراز

و فيها سار غياث الدّين محمد بن السّلطان علاء الدّين محمد خوارزم شاه إلى بلاد فارس، فلم يشعر صاحبها أتابك سعد إلّا بوصوله، فلم يتمكّن من الامتناع، و احتمى بقلعة إصطخر، فملك غياث الدّين شيراز بلا تعب، و أقام بها، و استولى على أكثر بلاد فارس، و بقي لسعد بعض الحصون،

____________

[ (1)] انظر خبر (الكاملية) في: ذيل الروضتين 142، و سير أعلام النبلاء 22/ 241، و البداية و النهاية 13/ 104.

[ (2)] انظر خبر (الأقسيس) في: ذيل الروضتين 142، و فيه: «أطسيس»، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 633، و سير أعلام النبلاء 22/ 241.

[ (3)] في الكامل 12/ 419- 420.

[ (4)] و انظر خبر (عودة التتار) في: المختصر لأبي الفداء 3/ 133، و تاريخ ابن الوردي 2/ 145، و تاريخ الخميس 2/ 412 و فيه تصحّفت «تبريز» إلى «تورين»، و تاريخ ابن سباط 1/ 283، و المختار من تاريخ ابن الجزري 118، و العسجد المسبوك 2/ 398، و البداية و النهاية 13/ 103، و السلوك ج 1 ق 1/ 215.

7

و تصالحا على ذلك [ (1)].

تملّك امرأة على الكرج‏

و فيها أو قبلها بيسير جرت واقعة قبيحة، و هي أنّ الكرج- لعنهم اللَّه تعالى- لم يبق فيهم من بيت الملك أحد سوى امرأة، فملّكوها عليهم.

قال ابن الأثير [ (2)]: طلبوا لها رجلا يتزوّجها، و ينوب عنها في الملك، و يكون من بيت مملكة. و كان صاحب أرزن الرّوم مغيث الدّين طغريل شاه ابن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان، و هو من الملوك السّلجوقية، و له ولد كبير، فأرسل إلى الكرج يخطب الملكة لولده، فامتنعوا، و قالوا: لا يملكنا مسلم، فقال لهم: إنّ ابني يتنصّر و يتزوّجها، فأجابوه، فتنصّر، و تزوّج بها، و أقام عندها حاكما في بلادهم، نعوذ باللَّه من الخذلان. و كانت تهوى مملوكا لها، و كان هذا الزّوج يسمع عنها القبائح، و لا يمكنه الكلام لعجزه، فدخل يوما، فرآها مع المملوك، فأنكر ذلك، فقالت: إن رضيت بهذا، و إلّا أنت أخبر، ثمّ نقلته إلى بلد، و وكّلت به، و حجرت عليه. و أحضرت رجلين وصفا لها بحسن الصورة فتزوّجت أحدهما، و بقي معها يسيرا، ثمّ فارقته، و أحضرت آخر من كنجة [ (3)] و هو مسلم، فطلبت منه أن يتنصّر ليتزوّجها، فلم يفعل، فأرادت أن تتزوّجه، فقام عليها الأمراء و معهم إيواني مقدّمهم، فقالوا لها:

فضحتنا بين الملوك بما تفعلين. قال: و الأمر بينهم متردّد، و الرجل الكنجيّ عندهم، و هي تهواه [ (4)].

____________

[ (1)] خبر (غياث الدين) في: الكامل في التاريخ 12/ 420- 421، و المختصر في أخبار البشر 3/ 134، و تاريخ ابن الوردي 2/ 145، و مفرّج الكروب 4/ 136، و المختار من تاريخ ابن الجزري 118، و سير أعلام النبلاء 22/ 242، و البداية و النهاية 13/ 103- 104، و العسجد المسبوك 2/ 399، و تاريخ الخميس 2/ 412.

[ (2)] في الكامل 12/ 416- 417 (حوادث سنة 620 ه-).

[ (3)] يقال لها «كنجة» و «جنزة»، و هي قصبة بلاد أرّان.

[ (4)] انظر الخبر باختصار في: دول الإسلام 2/ 126.

8

سنة اثنتين و عشرين و ستّمائة

إيقاع جلال الدّين بالكرج‏

في ربيع الأوّل وصل السّلطان جلال الدّين إلى دقوقا، فافتتحها بالسّيف، و سبى، و نهب، و فعل مثل ما تفعل الكفّار، و أحرق البلد، لكونهم شتموه، و لعنوه على الأسوار، ثمّ عزم على قصد بغداد، فانزعج الخليفة، و نصب المجانيق، و حصّن بغداد، و فرّق العدد و الأهراء، و أنفق ألف ألف دينار [ (1)].

قال أبو المظفّر [ (2)]: قال لي الملك المعظّم: كتب إليّ جلال الدّين يقول: تحضر أنت و من عاهدني و اتّفق معي حتّى نقصد الخليفة، فإنّه كان السّبب في هلاك أبي، و في مجي‏ء الكفّار إلى البلاد، وجدنا كتبه إلى الخطا و تواقيعه لهم بالبلاد، و الخلع، و الخيل. قال المعظّم: فكتبت إليه، أنا معك على كلّ حال، إلّا على الخليفة، فإنّه إمام المسلمين. قال: فبينا هو على قصد بغداد- و كان قد جهّز جيشا إلى الكرج إلى تفليس- فكتبوا إليه: أدركنا، فما لنا بالكرج طاقة، فسار إليهم، و خرج إليه الكرج، فعمل معهم مصافا، فظفر بهم، فقتل منهم سبعين ألفا، قاله أبو شامة [ (3)]، و أخذ تفليس بالسّيف، و قتل بها ثلاثين [ (4)] ألفا أيضا، و ذلك في سلخ ذي الحجّة.

____________

[ (1)] في مرآة الزمان: «و فرق في العساكر ألف دينار»! و وقع في: المختار من تاريخ ابن الجزري ص 119: «و فرض على العساكر ألف ألف دينار» و هو غلط، و الصواب: «فرّق».

[ (2)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 634.

[ (3)] في ذيل الروضتين 144 و ما قاله أبو شامة هو ما قاله سبط ابن الجوزي في مرآته حيث ينقل عنه.

[ (4)] جاء في الكامل لابن الأثير 12/ 435: «فالذي تحقّقناه أنه قتل منهم عشرون ألفا، و قيل أكثر من ذلك». و انظر المختار من تاريخ ابن الجزري 121، و البداية و النهاية 13/ 105،

9

ملك جلال الدّين مراغة

و قال ابن الأثير [ (1)]: سار جلال الدّين من دقوقا فقصد مراغة فملكها، و أقام بها، و أعجبته، و شرع في عمارتها، فأتاه الخبر أن إيغان طائي [ (2)]، خال أخيه غياث الدّين، قد جمع عسكرا نحو خمسين ألفا [ (3)]، و نهب بعض أذربيجان، و سار إلى البحر من بلاد أرّان فشتّى هناك، فلمّا عاد، نهب أذربيجان مرّة ثانية، و سار إلى همذان بمراسلة الخليفة، و إقطاعه إياها. فسمع جلال الدّين بذلك فسار جريدة [ (4)]، و دهمه، فبيّته في اللّيل، و هو نازل في غنائم كثيرة، و مواشي أخذها من أذربيجان، فأحاط بالغنائم، و طلع الضّوء، فرأى جيش إيغان السّلطان جلال الدّين و الچتر [ (5)] على رأسه، فسقط في أيديهم، و أرعبوا.

فأرسل إيغان زوجته و هي أخت جلال الدّين تطلب لزوجها الأمان، فأمّنه، و حضر إليه، و انضاف عسكره إلى جلال الدّين، و بقي إيغان وحده، إلى أن أضاف إليه جلال الدّين عسكرا غير عسكره، و عاد إلى مراغة [ (6)].

ملك جلال الدّين تبريز

و كان أوزبك [ (7)] بن البهلوان صاحب أذربيجان قد سار من تبريز إلى كنجة

____________

[ ()] و العسجد المسبوك 2/ 405.

[ (1)] في الكامل 12/ 432 و ما بعدها.

[ (2)] هكذا في الأصل، و في المطبوع من «الكامل»: «طائيسي» و مثله في «المختار من تاريخ ابن الجزري» بخط المؤلّف- (رحمه اللَّه)-، و في مفرّج الكروب 4/ 148: «طايسي»، و في العسجد المسبوك 2/ 403: «طانسي».

[ (3)] وقع في المطبوع من الكامل: «خمسة آلاف».

[ (4)] الجريدة: جيش من الخيالة لا رجالة فيهم.

[ (5)] الچتر: مظلة أو قبة من حرير أصفر مزركش بالذهب على أعلاها طائر من فضة، كان يحمل على رأس السلطان في المناسبات، و منها الخروج لصلاة العيدين (انظر صبح الأعشى: 4/ 7- 8).

[ (6)] انظر خبر (مراغة) أيضا في: المختار من تاريخ ابن الجزري 119- 120، و مفرّج الكروب 4/ 148- 149، و العسجد المسبوك 2/ 403.

[ (7)] في المختصر لأبي الفداء: «أزبك»، و مثله في مفرّج الكروب.

10

خوفا من جلال الدّين، فأرسل جلال الدّين إلى الكبار بتبريز يطلب منهم أن يتردّد عسكره إليهم، ليمتاروا، فأجابوه إلى ذلك. فتردّد العسكر، و باعوا، و اشتروا، ثمّ مدّوا أعينهم إلى أموال النّاس، فصاروا يأخذون الشّي‏ء بأبخس ثمن، فأرسل جلال الدّين لذلك شحنة [ (1)] إلى تبريز. و كانت زوجة أوزبك ابنة السّلطان طغرل بن أرسلان شاه بن محمد بن ملك شاه، مقيمة بالبلد، و كانت الحاكمة في بلاد زوجها، و هو منهمك في اللّذّات و الخمور، ثمّ شكى أهل تبريز من الشّحنة فأنصفهم جلال الدّين منه، ثمّ قدم تبريز، فلم يمكّنوه من دخولها، فحاصرها خمسة أيّام، و قاتله أهلها أشدّ قتال، ثمّ طلبوا الأمان، و كان جلال الدّين يذمّهم و يقول: هؤلاء قتلوا أصحابنا المسلمين، و بعثوا برءوسهم إلى التّتار، فلهذا خافوا منه، فلمّا طلبوا الأمان، ذكر لهم فعلهم هذا، فاعتذروا بأنّه إنّما فعل ذلك ملكهم، فقبل عذرهم، و آمنهم، و أخذ البلد، و آمن ابنة طغرل، و ذلك في رجب. و بعث ابنة طغريل إلى خويّ مخفرة محترمة، و بثّ العدل في تبريز، و نزل يوم الجمعة إلى الجامع، فلمّا دعا الخطيب للخليفة، قام قائما حتّى فرغ من الدّعاء. ثمّ سيّر جيشا إلى بلاد الكرج- لعنهم اللَّه- ثمّ سار هو و عمل معهم مصافّا هائلا.

قال ابن الأثير [ (2)]: فالّذي تحقّقناه أنّه قتل من الكرج عشرون ألفا، و انهزم مقدّمهم إيواني.

و جهّز جلال الدّين عسكرا لحصار القلعة الّتي لجأ إليها إيواني، و فرّق باقي جيوشه في بلاد الكرج، يقتلون، و يسبون، مع أخيه غياث الدّين. ثمّ تزوّج جلال الدّين بابنة السّلطان طغريل، لأنّه ثبت عنده أنّ أزبك حلف بطلاقها على أمر و فعله. و أقام بتبريز مدّة، و جهّز جيشا إلى كنجة، فأخذوها، و تحصّن أزبك بقلعتها، ثمّ أرسل يخضع لجلال الدّين، ففتر عنه [ (3)].

____________

[ (1)] الشحنة: هو بمثابة المحافظ أو الحاكم العسكري.

[ (2)] في الكامل 12/ 435.

[ (3)] و انظر خبر (تبريز) أيضا في: مفرّج الكروب 4/ 149- 155، و المختصر في أخبار البشر 3/ 135، و المختار من تاريخ ابن الجزري 120- 121، و العسجد المسبوك 2/ 403- 404.

11

وفاة الناصر لدين اللَّه‏

و في سلخ رمضان توفّي النّاصر لدين اللَّه [ (1)].

بيعة الظاهر بأمر اللَّه‏

قال أبو المظفّر سبط الجوزيّ [ (2)]: و فيها حججت راكبا في المحمل السّلطانيّ المعظّميّ، فجاءنا الخبر بموت الخليفة بعرفة، فلمّا دخلنا للطّواف، إذا الكعبة قد ألبست كسوة الخليفة، فوجدت اسم النّاصر في الطّراز في جانبين، و اسم الخليفة الظّاهر في جانبين [ (3)].

و هو أبو نصر محمد، بويع بالخلافة و كان جميلا، أبيض مشربا حمرة، حلو الشّمائل، شديد القوى، بويع و هو ابن اثنتين و خمسين سنة، فقيل له: ألا تتفسّح؟ قال: قد لقس [ (4)] الزّرع، فقيل: يبارك اللَّه في عمرك، قال: من فتح دكّانا بعد العصر أيش يكسب؟ ثمّ إنّه أحسن إلى الرّعيّة، و أبطل المكوس، و أزال المظالم، و فرّق الأموال. و غسّل النّاصر محيي الدّين يوسف ابن الجوزيّ، و صلّى عليه ولده الظّاهر بأمر اللَّه بعد أن بويع بالخلافة.

قال ابن السّاعي [ (5)]: بايعه أولا أهله و أقاربه من أولاد الخلفاء، ثمّ مؤيّد الدّين محمد بن محمد القمّيّ نائب الوزارة، و عضد الدّولة أبو نصر ابن الضّحّاك أستاذ الدّار، و قاضي القضاة محيي الدّين بن فضلان الشّافعيّ، و النّقيب الطّاهر قوام الدّين الحسن بن معدّ الموسويّ، ثمّ بويع يوم عيد الفطر البيعة العامّة، و جلس بثياب بيض، و عليه الطّرحة و على كتفه بردة النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في‏

____________

[ (1)] انظر ترجمته و مصادرها في الوفيات برقم (67).

[ (2)] قول سبط الجوزي ليس في المطبوع من مرآة الزمان، و هو في: ذيل الروضتين 144- 145.

[ (3)] زاد أبو شامة نقلا عن السبط: «فعلمت أنهم كانوا قد فرغوا من نسج الجانبين عند وفاة الناصر، ثم استأنفوا ما بقي باسم الظاهر» ص 145.

[ (4)] يقال: لقست نفسه: إذا غثت و خبثت.

[ (5)] هو تاج الدين أبو طالب علي بن أنجب خازن كتب المدرسة المستنصرية المتوفى سنة 674 ه-، له كتاب مشهور على السنين لم يصل إلينا، ذكره الإربلي في خلاصة الذهب 282 فقال إن ابن الساعي جمع كتابا في مناقب و فضائل الإمام الناصر في خمس مجلّدات سمّاه «الروض الناضر في أخبار الإمام الناصر».

12

شبّاك القبّة الّتي بالتّاج [ (1)]، فكان الوزير قائما بين يدي الشّبّاك على منبر، و أستاذ الدّار دونه بمرقاة، و هو الّذي يأخذ البيعة على النّاس، و لفظ المبايعة: «أبايع سيّدنا و مولانا الإمام المفترض الطّاعة على جميع الأنام، أبا نصر محمّدا الظّاهر بأمر اللَّه على كتاب اللَّه، و سنّة نبيّه، و اجتهاد أمير المؤمنين، و أن لا خليفة سواه».

و لمّا أسبلت السّتارة، توجّه الوزير و أرباب الدّولة، و جلسوا للعزاء، و وعظ محيي الدّين ابن الجوزيّ، ثمّ دعا الخطيب أبو طالب الحسين ابن المهتدي باللَّه [ (2)].

قضاء القضاة ببغداد

و بعد أيّام عزل ابن فضلان عن قضاء القضاة، و ولّي أبو صالح نصر بن عبد الرّزّاق ابن الشّيخ عبد القادر، و خلع عليه [ (3)].

اشتداد الغلاء بالموصل و الجزيرة

قال ابن الأثير [ (4)]: فيها اشتدّ الغلاء بالموصل و الجزيرة جميعها، فأكل النّاس الميتة و السّنانير و الكلاب، ففقد الكلاب و السّنانير. و لقد دخلت يوما إلى داري، فرأيت الجواري يقطّعن اللّحم، فرأيت حواليه اثني عشر سنّورا، و رأيت اللّحم في هذا الغلاء في الدّار و ليس عنده من يحفظه من السّنانير لعدمها، و ليس بين المدّتين كثير. و مع هذا فكانت الأمطار متتابعة إلى آخر الربيع، و كلّما جاء المطر غلت الأسعار، و هذا ما لم يسمع بمثله. إلى أن قال: و اشتدّ الوباء، و كثر الموت و المرض، فكان يحمل على النّعش الواحد عدّة من الموتى [ (5)].

____________

[ (1)] التاج: قصر مشهور بدار الخلافة ببغداد، كان أول من وضع أساسه، و سمّاه بهذه التسمية الخليفة المعتضد، و لم يتم في أيامه، فأتمّه ابنه المكتفي، و جرت عليه تطورات ذكرها ياقوت مفصلة في «معجم البلدان». و القبة المشار إليها هي التي كان يجلس فيها الخلفاء للمبايعة في شباك كبير إلى صحن كبير يجتمع فيه الناس لذلك.

[ (2)] انظر خبر (البيعة) أيضا في: المختار من تاريخ ابن الجزري 123- 124.

[ (3)] المختار من تاريخ ابن الجزري 124.

[ (4)] في «الكامل»: 12/ 447- 448.

[ (5)] الخبر أيضا في: العسجد المسبوك 2/ 413.

13

سنة ثلاث و عشرين و ستّمائة

وصول الخلع من الظاهر بأمر اللَّه إلى أولاد العادل بمصر

فيها قدم محيي الدّين يوسف ابن الجوزيّ بالخلع و التّقاليد من الظّاهر بأمر اللَّه إلى المعظّم، و الكامل، و الأشرف.

قال أبو المظفّر سبط الجوزي [ (1)]: قال لي المعظّم: قال لي خالك:

المصلحة رجوعك عن هذا الخارجيّ- يعني جلال الدّين- إلى إخوتك، و نصلح بينكم. و كان المعظّم قد بعث مملوكه أيدكين إلى السّلطان جلال الدّين، فرحّله من تفليس و أنزله على خلاط، و الأشرف حينئذ بحرّان، قال:

فقلت لخالك: إذا رجعت عن جلال الدّين، و قصدني إخوتي تنجدوني؟ قال:

نعم. قلت: ما لكم عادة تنجدون أحدا، هذه كتب الخليفة عندنا و نحن على دمياط، و نحن نكتب إليه نستصرخ به و نقول: أنجدونا، فيجي‏ء الجواب بأن قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة، و لم يفعلوا. و قد اتّفق إخوتي عليّ، و قد أنزلت الخوارزميّ على خلاط، إن قصدني الأشرف منعه الخوارزميّ، و إن قصدني الكامل كان فيّ له.

تقديم الأشرف الطاعة للمعظّم‏

و فيها قدم الأشرف دمشق، و أطاع المعظّم، و سأله أن يسأل جلال الدّين أن يرحل عن خلاط، و كان قد أقام عليها أربعين يوما، فبعث المعظّم، فرحل‏

____________

[ (1)] لا يوجد سوى خبر مقتضب في المطبوع من مرآة الزمان، و هو في: ذيل الروضتين 147- 148، و تاريخ ابن سباط 1/ 287، و مفرّج الكروب 4/ 175، و نهاية الأرب 29/ 135- 136.

14

الخوارزميّ عن خلاط. و كان المعظّم يلبس خلعة الخوارزميّ، و يركب فرسه، و إذا حادث الأشرف، حلف برأس خوارزم شاه جلال الدّين، فيتألّم الأشرف [ (1)].

سفر خال ابن الجوزي إلى الكامل في مصر

و توجّه خالي إلى الملك الكامل [ (2)].

عصيان نائب كرمان على جلال الدّين‏

و قال ابن الأثير [ (3)]: في جمادى الآخر جاء جلال الدّين الخبر أن نائبة بكرمان قد عصى عليه، و طمع في تملّك ناحيته، لاشتغال السّلطان بحرب الكرج و بعده، فسار السّلطان جلال الدّين يطوي الأرض إلى كرمان، و قدّم بين يديه رسولا إلى متولّي كرمان بالخلع ليطمّنه، فلمّا جاءه الرسول، علم أنّ ذلك مكيدة لخبرته بجلال الدّين، فتحوّل إلى قلعة منيعة، و تحصّن، و أرسل يقول:

أنا العبد المملوك، و لمّا سمعت بمسيرك إلى البلاد أخليتها لك، و لو علمت أنّك تبقي عليّ، لحضرت إلى الخدمة. فلمّا عرف جلال الدّين، علم أنّه لا يمكنه أخذ ما بيده من الحصون، لأنّه يحتاج إلى تعب و حصار، فنزل بقرب أصبهان، و أرسل إليه الخلع، و أقرّه على ولايته. فبينما هو كذلك، إذ وصل الخبر من تفليس بأنّ عسكر الأشرف الّذي بخلاط قد هزموا بعض عسكره، فساق كعادته يطوي المراحل حتّى نازل مدينة منازكرد في آخر السّنة، ثمّ رحل من جمعته، فنازل خلاط، فقاتل أهلها قتالا شديدا، و وصل عسكره إلى السور، و قتل خلق من الفريقين، ثمّ زحف ثانيا و ثالثا، و عظمت نكاية عسكره في أهل خلاط، و دخلوا الرّبض، و شرعوا في السّبي و النّهب، فلمّا رأى ذلك أهل خلاط تناخوا، و أخرجوهم، ثمّ أقام يحاصرها، حتّى كثر البرد و الثّلج، فرحل عند ما بلغه إفساد التّركمان في بلاد أذربيجان، و جدّ في السّير، فلم‏

____________

[ (1)] الخبر في: ذيل الروضتين 148، و انظر: المختصر في أخبار البشر 3/ 136، و زبدة الحلب 3/ 198- 199، و مفرّج الكروب 4/ 179- 180، و نهاية الأرب 29/ 137.

[ (2)] الخبر في: ذيل الروضتين 148، و مفرّج الكروب 4/ 176.

[ (3)] في «الكامل»: 12/ 454- 455.

15

يرعهم إلّا و الجيوش قد أحاطت بهم، فأخذتهم السّيوف، و كثر فيهم النّهب و السّبي [ (1)].

أخذ ملك الروم عدّة حصون لصاحب آمد

و في شعبان سار علاء الدّين كيقباذ ملك الرّوم، فأخذ عدّة حصون للملك المسعود صاحب آمد [ (2)].

موت ملك الأرمن‏

و فيها جمع البرنس صاحب أنطاكية جموعه، و قصد الأرمن، فمات ملك الأرمن قبل وصوله، و لم يخلف ولدا ذكرا، فملّك الأرمن بنته عليهم، و زوّجوها بابن البرنس، و سكن عندهم، ثمّ ندمت الأرمن، و خافوا أن تستولي الفرنج على قلاعهم و بلادهم، فقبضوا على ابن البرنس و سجنوه، فسار أبوه لحربهم، فلم يحصل له غرض فرجع [ (3)].

الأرنبة العجيبة

قال ابن الأثير [ (4)]: و فيها اصطاد صديق لنا أرنبا و لها أنثيان و ذكر، و له فرج أنثى، فلمّا شقّوا بطنه رأوا فيه جروين [ (5)]، سمعت هذا منه و من جماعة

____________

[ (1)] انظر الخبر باختصار في: المختصر في أخبار البشر 3/ 136، و المختار من تاريخ ابن الجزري 128- 129، و زبدة الحلب 3/ 199، و مفرّج الكروب 4/ 186- 188، و العسجد المسبوك 2/ 418.

[ (2)] خبر (ملك الروم) في: الكامل 12/ 458- 459، و المختصر في أخبار البشر 3/ 137، و مفرّج الكروب 4/ 202- 204، و المختار من تاريخ ابن الجزري 129، و تاريخ الخميس 2/ 412، و العسجد المسبوك 2/ 421.

[ (3)] انظر خبر (الأرمن) في: الكامل 12/ 464- 465، و المختار من تاريخ ابن الجزري 129، و البداية و النهاية 13/ 112.

[ (4)] في الكامل 12/ 467.

[ (5)] هكذا في الأصل، و قد كتب المؤلّف على هامش الأصل: «خ: خرقين». و في المطبوع من الكامل: «حريفين»، و مثله في: المختار من تاريخ ابن الجزري بخط المؤلّف- (رحمه اللَّه)-.

و في تاريخ ابن سباط: «في بطنها جوفان»، و في تاريخ الخميس: «جروان» و هو الأشبه، كما في: دول الإسلام 2/ 128.

16

كانوا معه، و قالوا: ما زلنا نسمع أن الأرنب تكون سنة ذكرا، و سنة أنثى، و لا نصدّق، فلمّا رأينا هذا، علمنا أنّه قد حمل و هو أنثى، و انقضت السّنة فصار ذكرا، و يحتمل أن يكون خنثى [ (1)].

تحوّل بنت إلى رجل‏

قال ابن الأثير [ (2)]: و كنت بالجزيرة و لنا جار له بنت، اسمها صفيّة، فبقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة، و إذا قد طلع لها ذكر رجل، و نبتت لحيته، فكان له فرج امرأة و ذكر رجل [ (3)].

غنم مرّ

قال: و فيها ذبح إنسان بالموصل رأس غنم، فإذا لحمه و رأسه و معلاقه مرّ [ (4)] شديد المرارة، و هذا شي‏ء لم يسمع بمثله [ (5)].

زلزلة الموصل و شهرزور

و في ذي الحجّة زلزلت الموصل، و غيرها، و خرب أكثر شهرزور، لا سيما القلعة، فإنّها أجحفت بها، و بقيت الزّلزلة تتردّد عليهم نيفا و ثلاثين يوما، و خرب أكثر قرى تلك النّاحية [ (6)].

____________

[ (1)] و انظر خبر (الأرنبة) في: المختار من تاريخ ابن الجزري 129- 130، و تاريخ الخميس 12/ 412- 413، و تاريخ ابن سباط 287- 288، و دول الإسلام 2/ 128، و العسجد المسبوك 2/ 424 و فيه: «حريفين» مثل الكامل: «خمسة آلاف».

[ (2)] في الكامل 12/ 467.

[ (3)] انظر الخبر أيضا في: المختار من تاريخ ابن الجزري 130، و العسجد المسبوك 2/ 424.

[ (4)] في الأصل: «مرا»، و هو غلط.

[ (5)] الخبر في: الكامل 12/ 467 و قد أضاف: «و أكارعه»، و المختار من تاريخ ابن الجزري 130، و العسجد المسبوك 2/ 424، و البداية و النهاية 13/ 114.

[ (6)] انظر خبر (الزلزلة) في: الكامل 12/ 467، و دول الإسلام 2/ 128، و المختار من تاريخ ابن الجزري 130، و العسجد المسبوك 2/ 424، و تاريخ الخميس 2/ 413، و البداية و النهاية 13/ 114، و كشف الصلصلة للسيوطي 198.

17

انخساف القمر

و في هذه السّنة انخسف القمر مرّتين [ (1)].

برد ماء عين القيّارة

و فيها برد ماء عين القيّارة [ (2)] حتّى كان السّابح يجد البرد، فتركوها، و هي معروفة بحرارة الماء، بحيث إنّ السّابح فيها يجد الكرب. و كان بردها في هذه السّنة من العجائب [ (3)].

كثرة الحيوانات‏

و فيها كثرت الذّئاب، و الخنازير، و الحيّات، و قتل كثير منها [ (4)].

القحط و الجراد بالموصل‏

و فيها كان قحط و جراد كثير بالموصل.

و جاء برد كبار أفسد الزّرع و المواشي، قيل: كان وزن البردة مائتي درهم، و قيل: رطلا بالموصليّ [ (5)].

وفاة الظاهر بأمر اللَّه‏

و في رجب توفّي أمير المؤمنين الظّاهر بأمر اللَّه، و كانت خلافته تسعة أشهر و نصفا [ (6)].

____________

[ (1)] انظر خبر (الخسوف) في: الكامل 12/ 466، و المختار من تاريخ ابن الجزري 130، و العسجد المسبوك 2/ 424، و تاريخ الخميس 2/ 413.

[ (2)] عين القيّارة: تحت الموصل، و ماؤها معدنيّ حارّ، يستحمّ فيه الناس للشفاء من أمراض المفاصل حتى الآن. (معجم البلدان 4/ 419).

[ (3)] الخبر في: الكامل 12/ 466، المختار من تاريخ ابن الجزري 130، و العسجد المسبوك 2/ 424.

[ (4)] خبر (الحيوانات) في: الكامل 12/ 466، و المختار من تاريخ ابن الجزري 130، و العسجد المسبوك 2/ 424.

[ (5)] خبر (القحط و البرد) في: الكامل 12/ 466، و المختار من تاريخ ابن الجزري 131.

[ (6)] ستأتي ترجمة الظاهر بأمر اللَّه و مصادرها في الوفيات برقم (200).

18

بيعة المستنصر باللَّه‏

و بويع ابنه الأكبر أبو جعفر المستنصر باللَّه، فبايعه جميع إخوته و بنو عمّه.

قال ابن السّاعي: حضرت بيعته العامّة، فلمّا رفعت السّتارة، شاهدته و قد كمّل اللَّه صورته و معناه، و عمره إذ ذاك خمس و ثلاثون سنة، و كان أبيض مشربا حمرة، أزجّ الحاجبين، أدعج العينين، سهل الخدّين، أقنى، رحب الصدر، عليه قميص [ (1)] أبيض، و بقيار [ (2)] أبيض مسكّن [ (3)]، و عليه طرحة قصب بيضاء، و لم يزل جالسا إلى أن أذّن الظّهر، ثمّ جلس كذلك يوم الأحد و يوم الإثنين، و أحضر بين يدي الشبّاك شمس الدّين أحمد ابن النّاقد، و قاضي القضاة أبو صالح الجيليّ، فرقيا المنبر، فقال الوزير مؤيّد الدّين القمّي لقاضي القضاة: أمير المؤمنين قد وكّل أبا الأزهر أحمد هذا وكالة جامعة في كلّ ما يتجدّد من بيع و إقرار و عتق و ابتياع.

فقال القاضي: أ هكذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: نعم، فقال القاضي:

ولّيتني يا أمير المؤمنين ما ولّاني والدك رحمة اللَّه عليه؟ فقال: نعم، ولّيتك ما ولّاك والدي. فنزلا، و أثبت القاضي الوكالة بعلمه.

رسليّة ابن الأثير

و في شعبان قدم الصّاحب ضياء الدّين نصر اللَّه ابن الأثير [ (4)] رسولا عن صاحب الموصل بدر الدّين، فأورد الرسالة و هذه نسختها:

«ما للّيل و النهار لا يعتذران و قد عظم حادثهما، و ما للشّمس و القمر لا ينكسفان و قد فقد ثالثهما.

فيا وحشة الدّنيا و كانت أنيسة* * * و وحدة من فيها لمصرع واحد

و هو سيّدنا، و مولانا، الإمام الظّاهر أمير المؤمنين، الّذي جعلت ولايته‏

____________

[ (1)] في تاريخ الخميس 2/ 413: «عليه ثوب».

[ (2)] في تاريخ الخميس 2/ 413: «و مئزر».

[ (3)] هذا اللفظ ليس في تاريخ الخميس.

[ (4)] هو صاحب كتاب «المثل السائر»، و غيره. توفي سنة 637 ه.

19

رحمة للعالمين، و اختير من أرومة النّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، الّذي هو سيّد ولد آدم»، ثمّ ذكر فصلا [ (1)].

قال ابن السّاعي: و خلعت الخلع، فبلغني أنّ عدّتها ثلاثة آلاف خلعة و خمسمائة و نيّف و سبعون خلعة، و ركب الخليفة ظاهرا لصلاة الجمعة بجامع القصر، و ركب ظاهرا يوم الإثنين الآتي في دجلة بأبّهة الخلافة، ثمّ ركب و النّاس كافّة مشاة، و وراءه الشّمسة [ (2)]، و الألوية المذهّبة، و القصع تضرب وراء السّلاحيّة، فقصد السرادق الّذي ضرب له، و نزله به ساعة، ثمّ ركب و عاد في طريقه [ (3)].

كسر جلال الدّين للكرج‏

و فيها التقى جلال الدّين ملك الخوارزميّة الكرج، و كانوا في جمع عظيم إلى الغاية، فكسرهم، و أمر عسكره، أن لا يبقوا على أحد، فتتبّعوا المنهزمين، و لم يزالوا يستقصون في طلب الكرج إلى أن كادوا يفنونهم. ثمّ نازل تفليس و أخذها عنوة، و كانت دار ملك الكرج، و قد أخذوها من المسلمين من سنة خمس عشرة و خمسمائة، و خرّبوا البلاد، و قهروا العباد، فاستأصلهم اللَّه في هذا الوقت، «و لكلّ أجل كتاب» [ (4)].

____________

[ (1)] النص في المختار من تاريخ ابن الجزري 135، و مفرّج الكروب 4/ 198.

[ (2)] الشمسة: المظلّة التي يحتمي بها من الشمس.

[ (3)] انظر الخبر أيضا في: المختار من تاريخ ابن الجزري 135- 136، و تاريخ الخميس 2/ 413.

[ (4)] انظر: المختصر في أخبار البشر 3/ 136، و العسجد المسبوك 2/ 417، و سيرة جلال الدّين 210، و البداية و النهاية 13/ 112.

20

سنة أربع و عشرين و ستّمائة

الوقعة بين جلال الدّين و التتار

فيها جرت وقعة بين جلال الدّين الخوارزميّ و بين التتار، و كان بتوريز [ (1)] فجاءه الخبر أنّ التّتار قد قصدوا أصبهان، فجمع عسكره، و تهيّأ للملتقى، لكون أولاده و حرمه فيها، فلمّا وصلها، و أزاح علل الجند بما احتاجوا، جرّد منهم أربعة آلاف صوب الريّ و دامغان يزكا، فكانت الأخبار ترد من جهتهم و هم يتقهقرون، و التّتار يتقدّمون، إلى أن جاءه اليزك [ (2)]، و أخبروه بما في عسكر التّتار من الأبطال المذكورين مثل باجي‏نوين [ (3)]، و باقونوين [ (4)]، و أسر طغان، و وصلت التّتار، فنزلوا شرقيّ أصبهان. و كان المنجّمون أشاروا على السّلطان جلال الدّين بمصابرتهم ثلاثة أيّام، و التقائهم في اليوم الرابع، فلزم المكان مرتقب اليوم الموعود، و كان أمراؤه و جيشه قد انزعجوا من التّتار، و السّلطان يتجلّد، و يظهر قوّة، و يشجّع أصحابه، و يسهل الخطب، ثمّ استحلفهم أن لا يهربوا، و حلف هو، و أحضر قاضي أصبهان و رئيسها و أمرهما بعرض الرّجّالة في السّلاح. فلمّا رأى التّتار تأخّر السّلطان عن الخروج إليهم، ظنّوا أنّه امتلأ خوفا، فجرّدوا ألفي فارس إلى الجبال يغارون [ (5)] و يجمعون ما

____________

[ (1)] يرد في المصادر: «توريز» و «تبريز» و هما واحد.

[ (2)] اليزك: طليعة العسكر.

[ (3)] في المطبوع من «تاريخ الإسلام»- الطبقة الثالثة و الستون- (طبعة مؤسسة الرسالة)، ص 18 «نوبل» باللام، و قد تكرّرت، و هو غلط. و الصحيح ما أثبتناه، و هو لفظ مغوليّ معناه أمير.

(صبح الأعشى 4/ 425).

[ (4)] المراد: «يغيرون».

[ (5)] يعني: يغيرون.

21

يقوتهم مدّة الحصار، فدخلوا الجبال و توسّطوها، فجهّز السّلطان وراءهم ثلاثة آلاف فارس، فأخذوا عليهم المضايق و المسالك، و واقعوهم، و قتلوا فيهم و أسروا.

ثمّ خرج في اليوم الموعود، و عبّى جيشه للمصافّ، فلمّا تراءى الجمعان، خذله أخوه غياث الدّين و فارقه بعسكره، فتبعه جهان بهلوان، لوحشة حدثت له ذلك الوقت، و تغافل السّلطان عنه، و وقف التّتار كراديس متفرّقة مترادفة، فلمّا حاذاهم جلال الدّين أمر رجّالة أصبهان بالعود، و رأى عسكره كثيرا، و تباعد ما بين ميمنة السّلطان و ميسرته حتّى لم تعرف الواحدة منهما ما حال الأخرى، فحملت ميمنته على مسيرة التّتار هزمتها، و فعلت ميسرته. فلمّا أمسى السّلطان، و رأى انهزام التّتار نزل، فأتاه أحد أمرائه و قال له: قد تمنّينا دهرا نرزق فيه يوما نفرح فيه، فما حصل لنا مثل هذا اليوم و أنت جالس، فلم يزل به حتّى ركب و عبر الجرف، و كان آخر النهار، فلمّا شاهد التّتار السّواد الأعظم، تجرّد جماعة من شجعانهم، و كمنوا لهم، و خرجوا وقت المغرب على ميسرة السّلطان كالسّيل و حملوا حملة واحدة، فزالت الأقدام، و انهزموا، و قتل من الأمراء ألب خان، و أرتق خان، و كوج خان، و بولق خان، و ماج الفريقان، و حمي الوطيس و اشتدّ القتال، و أسر علاء الدّولة آناخان صاحب يزد، و وقف السّلطان في القلب و قد تبدّد نظامه، و تفرّقت أعلامه، و أحاط به التّتار، و صار المخلص من شدّة الاختلاط أضيق من سمّ الخياط، و لم يبق معه إلّا أربعة عشر نفسا من خواصّ مماليكه، فانهزم على حميّة، فطعن طعنة لو لا الأجل، لهلك. ثمّ أفرج له الطّريق، و خلص من المضيق، ثمّ إنّ القلب و الميسرة تمزّقت في الأقطار، فمنهم من وقع إلى فارس، و منهم من وصل كرمان، و منهم من قصد تبريز.

و عادت الميمنة بعد يومين، فلم نسمع بمثله مصافّا لانهزام كلا الفريقين، و ذلك في الثّاني و العشرين من رمضان. ثمّ لجأ السّلطان إلى أصبهان، و تحصّن بها، فلم تصل التّتار إليه، و حاصروا أصبهان، و ردّوا إلى خراسان [ (1)].

____________

[ (1)] انظر خبر (الموقعة) في: الكامل لابن الأثير 12/ 470 (باختصار)، و سيرة جلال الدين ص 232، و دول الإسلام 2/ 97- 98، و العبر 5/ 97، و المختار من تاريخ ابن الجزري‏

22

انتقام جلال الدّين من الإسماعيلية

قال ابن الأثير [ (1)]: و في هذه السّنة قتل الإسماعيليّة أميرا كان جلال الدّين خوارزم شاه قد أقطعه مدينة كنجة، و كان نعم الأمير ينكر على جلال الدّين ما يفعله عسكره من النّهب و الشّر، فعظم قتله على جلال الدّين و اشتدّ عليه، فسار بعساكره إلى بلاد الإسماعيليّة من حدود الألموت إلى كردكوه بخراسان، فخرّب الجميع، و قتل أهلها، و سبى، و نهب، و استرقّ الأولاد، و قتل الرجال و كان قد عظم شرّهم، و زاد ضررهم، فكفّ عاديتهم، و لقّاهم اللَّه بما عملوا بالمسلمين [ (2)].

ثمّ سار إلى التّتار و حاربهم و هزمهم، و قتل و أسر، ثمّ تجمّعوا له و قصدوه.

فتح خويّ و مرند

و فيها سارت عساكر الملك الأشرف مع الحاجب حسام الدّين عليّ إلى خويّ بمكاتبة من أهلها، فافتتحها، ثمّ افتتح مرند، و قويت شوكته.

قال ابن الأثير [ (3)]: لو داموا لملكوا تلك النّاحية، إنّما عادوا إلى خلاط، و استصحبوا معهم زوجة جلال الدّين خوارزم شاه، و هي ابنة السّلطان طغريل بن أرسلان السّلجوقيّ، و كان قد تزوّج بها بعد أزبك بن البهلوان، فأهملها، و لم يلتفت إليها، فخافته مع ما حرمته من الأمر و النّهي، و كاتبت الحسام عليّا المذكور تطلبه لتسلّم إليه البلاد [ (4)].

القضاة بدمشق‏

و كان بدمشق في سنة أربع: أربع قضاة. شافعيّان و حنفيّان: الخوييّ‏

____________

[ ()] 137- 139، و البداية و النهاية 13/ 117، و تاريخ الخميس 2/ 414.

[ (1)] في الكامل 12/ 470.

[ (2)] و الخبر باختصار في: دول الإسلام 2/ 130، و هو في: العسجد المسبوك 2/ 427.

[ (3)] في الكامل 12/ 471.

[ (4)] و الخبر باختصار في: البداية و النهاية 13/ 117، و هو في العسجد المسبوك 2/ 427، و دول الإسلام 2/ 131.

23

قاضي القضاة، و نائبة نجم الدّين ابن خلف، و شرف الدّين عبد الوهّاب الحنفيّ، و العزيز ابن السّنجاريّ.

شنق ابن السقلاطوني‏

و شنق ابن السّقلاطونيّ العدل نفسه بسبب مال عليه للدّولة، طولب به، و كان عدلا من نيّف و أربعين سنة من شهود شرف الدّين بن عصرون.

ترتيب مسند أحمد

و فيها أحضر البكريّ المحتسب، الجمال ابن الحافظ، و الشّرف الإربليّ، و البرزاليّ، و قرّر معهم أن يرتّبوا «مسند» أحمد على الأبواب، و قرّر للجمال في الشّهر خمسين درهما، و للآخرين ستّين درهما، و بذل لهم الورق و أجرة النّسّاخ، فما أظنّة تمّ هذا.

مرض المعظّم و موته‏

و مرض الملك المعظّم، فتصدّق و أخرج المسجونين، و أعطى الأشراف ألف غرارة، و فرّقوا على الفقهاء و الصّوفيّة و غيرهم ثمانين ألفا و خمسمائة غرارة. و حلف من بالحضرة لولده النّاصر. و اشترى ابن زويزان حصانا أصفر للمعظّم بألف دينار مصريّة، و أحضرها، فأمر بالتّصدّق بها بالمصلّى، فازدحم الخلق لذلك، فمات ثمانية أنفس. ثمّ مات المعظّم في آخر ذي القعدة عن تسع و أربعين سنة. و أوصى أن يغسّله الحصيريّ. مات قبل صلاة الجمعة.

و رمى ابنه الكلوتة و المماليك، و لطموا في الأسواق، و قرأ النّجيب في العزاء:

يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ‏ [ (1)] فضجّ النّاس [ (2)].

قدوم رسول ملك الفرنج‏

و قال أبو شامة [ (3)]: فيها قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج من البحر، على‏

____________

[ (1)] سورة ص، الآية 26.

[ (2)] انظر ترجمة (المعظّم) و مصادرها في الوفيات، برقم (257).

[ (3)] في ذيل الروضتين 151، و الخبر في: مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 643.

24

المعظّم- بعد اجتماعه بأخيه الكامل- يطلب البلاد الّتي فتحها السّلطان صلاح الدّين، فأغلظ له و قال له: قل لصاحبك ما أنا مثل الغير، ما له عندي إلّا السّيف.

الحجّ الشاميّ‏

و فيها حجّ بالشّاميّين شجاع الدّين عليّ ابن السّلّار، و هي آخر إمرته على الرّكب، و انقطع بعدها ركب الشّام مدّة بسبب الفتن. و كان قد جاء من ميّافارقين سلطانها شهاب الدّين غازي ابن العادل، ليحجّ أيضا [ (1)].

قال أبو المظفّر [ (2)]: كان ثقله على ستّمائة جمل، و معه خمسون هجينا عليها خمسون مملوكا، و سار على الرّحبة و عانة و كبيسات [ (3)] إلى كربلاء إلى الكوفة. فبعث الخليفة له فرسين و بغلة و ألفي دينار، فلما عاد لم يصل الكوفة، بل صار غربيّ الطريق فكاد يهلك هو و من معه عطشا حتى وصل إلى حرّان [ (4)].

و توفّي الملك المعظّم و قام بعده ابنه النّاصر داود.

____________

[ (1)] خبر (الحج) في: ذيل الروضتين 151.

[ (2)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 644.

[ (3)] كبيسات: بلدة قريبة من عانة على الفرات. و قد تصحفت في المرآة إلى: «كيسان».

[ (4)] و الخبر في: ذيل الروضتين 151.

25

سنة خمس و عشرين و ستّمائة

المنشور بولاية الناصر

في صفر جاء منشور الولاية من الملك الكامل لابن أخيه الملك النّاصر داود [ (1)].

تحرّك الفرنج بالسواحل‏

و تحرّكت الفرنج و انبثّوا في السّواحل، لأنّ الهدنة فرغت [ (2)].

غارة المسلمين على صور

و فيها أغار المسلمون على أعمال صور، و غنموا كثيرا من المواشي [ (3)].

نزول الملك العزيز على بعلبكّ‏

و فيها نزل الملك العزيز عثمان ابن العادل على بعلبكّ ليأخذها من الملك الأمجد، فأرسل إليه النّاصر داود يأمره بالرّحيل عنها، فرحل، و قد حقد على النّاصر، فقالوا: إنّه كاتب الملك الكامل، و حثّه على قصد دمشق، و إنّها في يده. فقدم الكامل و انضاف إليه العزيز، و جاءه الملك المجاهد أسد الدين شيركوه من حمص، و كانت عنده ضغينة على المعظّم، لكونه نازل حمص و شعث ظاهرها. فاستنجد الملك النّاصر بعمّه الملك الأشرف، فجاء و أكرمه‏

____________

[ (1)] خبر (المنشور) في: ذيل الروضتين 152.

[ (2)] المصدر نفسه، و الكامل 12/ 477.

[ (3)] نفسه، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 652.

26

غاية الإكرام، و نزل بالنّيرب. و كان رسوله إلى الأشرف فخر الدّين ابن بصاقة.

و لمّا وصل الكامل إلى الغور، بلغه قدوم الأشرف، فرجع إلى غزّة، و قال: أنا ما خرجت على أن أقاتل أخي. فبلغ ذلك الأشرف، فقال لابن أخيه النّاصر: إنّ أخي قد رجع حردان [ (1)]، و المصلحة أنّني ألحقه و أسترضيه. فنزل الكامل غزّة، و أرسل إليه ملك الفرنج يطلب منه القدس، و قال: أنا قد حضرت أنجدك بمقتضى مراسلتك، و معي عساكر عظيمة، فكيف أرجع بلا شي‏ء؟ فأعطاه بعض القدس.

و سار الأشرف إلى الكامل و اجتمع به في القدس، فكان نجدة على النّاصر لا له. و اتّفق الأخوان على أخذ البلاد من النّاصر، و أنّ دمشق تكون للأشرف، و انضاف إليهما من عسكر النّاصر أخوهما الملك الصّالح إسماعيل، و ابن عمّ النّاصر شهاب الدّين محمود بن المغيث، و عزّ الدّين أيدمر، و كريم الدّين الخلاطيّ. و جاء المظفّر شهاب الدّين غازي ابن العادل، فاجتمع الكلّ بفلسطين.

و قد كان النّاصر خرج ليتلقّى عمّه الكامل، و اعتقد أنّ الأشرف قد أصلح أمره عنده، فسار إلى الغور، فلمّا سمع باجتماع أعمامه عليه ليمسكوه رجع إلى دمشق فحصّنها، و استعدّ للحصار [ (2)].

المشيخة و الحسبة بدمشق‏

و فيها عزل الصّدر البكري [ (3)] عن مشيخة الشيوخ و عن حسبة دمشق، فولي المشيخة عماد الدّين ابن حمويه، و الحسبة رشيد الدّين ابن الهادي.

____________

[ (1)] هكذا بالعامية، و الصحيح: «حردانا»، يعني غضبانا.

[ (2)] الخبر في: ذيل الروضتين 153، و الكامل في التاريخ 12/ 479- 480، و التاريخ المنصوري 161- 162، و زبدة الحلب 3/ 202، و أخبار الزمان 272- 273، و مفرّج الكروب 4/ 225- 231، و نهاية الأرب 29/ 150 (حوادث سنة 626 ه-)، و المختصر لأبي الفداء 3/ 140- 141، و تاريخ المسلمين لابن العميد 137، و الدرّ المطلوب 289، و دول الإسلام 2/ 132، و العبر 5/ 201، و البداية و النهاية 13/ 123، و العسجد المسبوك 433- 434، و تاريخ ابن خلدون 5/ 351، و السلوك ج 1 ق 1/ 255- 227، و شفاء القلوب 310- 311، و تاريخ ابن سباط 1/ 292- 293.

[ (3)] في البداية و النهاية 13/ 123: «التكريتي» ...

27

نزول جلال الدّين على خلاط ثانية

و فيها نزل جلال الدّين ابن خوارزم شاه مرّة ثانية على خلاط، ثمّ هجم عليه الشّتاء، فترحّل إلى أذربيجان. و خرج الحاجب عليّ من خلاط فاستولى على خويّ و سلماس و تلك النّاحية، و ساق فأخذ خزائن جلال الدّين و عائلته و عاد إلى خلاط، فقيل له: أيش فعلت؟ تحرّشت به ليهلك البلاد فلم تفكّر [ (1)].

جري الكويز الساعي‏

و فيها جرى الكويز [ (2)] السّاعي من واسط إلى بغداد في يوم و ليلة، و وصل إلى باب سور البصليّة قبل الغروب بساعة، و رزق قبولا عظيما، و أعطي خلعا و أموالا من الدّولة و التّجّار. و من جملة ما حصل له نيّف و عشرون فرسا، و قماش بألف و سبعمائة دينار، و من الذّهب خمسة آلاف و أربعمائة دينار، و اسمه معتوق الموصليّ. و لازم خدمة الشّرابيّ [ (3)]. ذكر هذا ابن السّاعي [ (4)].

تأسيس المستنصريّة

و فيها شرعوا في أساس المستنصريّة ببغداد، و كان مكانها إصطبلات و أبنية، و تولّى عمارتها أستاذ دار الخلافة [ (5)].

موقعة الريّ بين جلال الدّين و التتار

و فيها- و قيل: في التي قبلها كما تقدم بعبارة أخرى- عادت التّتار إلى‏

____________

[ (1)] الخبر في: مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 652 و قد تصحّفت فيه: «سلماس» إلى «سلمان»، و سيرة جلال الدين منكبرتي 299- 319، و المختصر في أخبار البشر 3/ 141، و المختار من تاريخ ابن الجزري 140، و تاريخ ابن الوردي 2/ 216، و العسجد المسبوك 2/ 434.

[ (2)] في المختار من تاريخ ابن الجزري «الكوثر»، و مثله في: العسجد المسبوك، و المثبت يتفق مع: دول الإسلام.

[ (3)] يعني إقبالا.

[ (4)] خبر (الساعي) في: دول الإسلام 2/ 132، و المختار من تاريخ ابن الجزري 141، و العسجد المسبوك 2/ 435.

[ (5)] المختار من تاريخ ابن الجزري 141.

28

الريّ، و جرى بينهم و بين جلال الدّين حروب. و كان هؤلاء التّتار قد سخط عليهم جنكزخان و أبعدهم، و طرد مقدّمهم، فقصد خراسان، فرآها خرابا، فقصد الريّ ليتغلّب على تلك النّواحي، فالتقى هو و جلال الدّين، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثمّ انهزم جلال الدّين، ثمّ عاود بمن انهزم، و قصد أصبهان، و أقام بينها و بين الرّيّ، و جمع جيشه، و أتاه ابن أتابك سعد بعد وفاة والده. ثمّ عاد جلال الدّين، فضرب مع التّتار رأسا، فبينما هم مصطفّون انفرد غياث الدّين أخو السّلطان، و قصد ناحية، فظنّهم التّتار يريدون أن يأتوهم من ورائهم، فانهزموا، و تبعهم صاحب بلاد فارس.

و أمّا جلال الدّين، فإنّه لمّا رأى مفارقة أخيه له، ظنّ أنّ التّتر قد رجعوا خديعة ليستدرجوه، فانهزم أيضا، و لم يجسر أن يدخل أصبهان خوفا من الحصار، فمضى إلى شبرم.

و أمّا صاحب فارس، فلمّا ساق وراء التّتار، و أبعد و لم ير جلال الدّين، خاف و ردّ عن التّتار، و رأى التّتر أنّه لا يطلبهم أحد فوقفوا، و ردّوا إلى أصبهان و حاصروها، و ظنّوا أنّ جلال الدّين قد عدم، فبينما هم كذلك، إذ وصل إليهم قاصد من جلال الدّين يعرّفهم بأنّه سالم، و أنّه يجمع، و ينجد أهل أصبهان، ففرح أهل البلد، و قويت نفوسهم، و فيهم شجاعة طبيعيّة، فقدم عليهم، و دخل إليهم، ثمّ خرج بهم، فالتقوا التّتار، فانهزم التّتار أقبح هزيمة، فساق جلال الدّين وراءهم إلى الرّيّ قتلا و أسرا، و أقام بالريّ، فأتته رسل ابن جنكزخان يقول: إنّ هؤلاء ليسوا من أصحابي، و إنّما نحن أبعدناهم، فاطمأنّ جلال الدّين من جانب ابن جنكزخان، و عاد إلى أذربيجان ..

و أمّا غياث الدّين أخوه، فقصد خوزستان، فلم يمكّنه نائب الخليفة من دخولها، فقصد بلاد الإسماعيليّة، و التجأ إليهم، و استجار بهم. فقصد جلال الدّين بلاد الإسماعيليّة لينهبها إن لم يسلّموا إليه أخاه، فأرسل مقدّمهم يقول:

لا يجوز لنا أن نسلّمه إليك، لكن نحن ننزله عندنا، و لا نمكّنه أن يقصد شيئا من بلادك، و الضّمان علينا. فأجابهم إلى ذلك، و عاد فنازل خلاط [ (1)].

____________

[ (1)] انظر خبر (الموقعة) في: الكامل في التاريخ 12/ 476- 477، و سيرة جلال الدين منكبرتي‏

29

تملّك كيقباذ مدينة أرزن‏

و فيها تملّك علاء الدّين كيقباذ صاحب الروم مدينة أرزنكان، و كان صاحبها بهرام شاه قد طال ملكه لها، و جاز ستّين سنة، فمات، و لم يزل في طاعة قلج أرسلان و أولاده، فملك بعده ولده علاء الدّين داود شاه، فأرسل إليه كيقباذ يطلب منه عسكرا ليسير معه إلى مدينة أرزن الروم، ليحاصرها، و أن يكون معهم، فأتاه في عسكره، فقبض عليه، و أخذ بلده. و كان له حصن كماخ، و له فيه وال، فتهدّده إن لم يسلّم الحصن أيضا، فأرسل إلى نائبة، فسلّم الحصن، فلمّا سمع صاحب أرزن، و هو ابن عمّ كيقباذ أنّه يقصده، استنجد بالأمير حسام الدّين عليّ الحاجب نائب الملك الأشرف على خلاط، فسار الحسام و نجده، فردّ كيقباذ لذلك، و لأنّ العدوّ أخذوا له حصن صمصون [ (1)] و هو مطلّ على البحر عاص، فأتاه و استعاده منهم، ثمّ أتى أنطاكية يشتّي بها [ (2)].

ظهور محضر للعناكيّين‏

و فيها ظهر محضر للعناكيّين أثبت على نجم الدّين مهنّا قاضي المدينة أنّ حكّام بن حكم بن يوسف بن جعفر بن إبراهيم بن محمد الممدوح بن عبد اللَّه الجواد بن جعفر الطّيّار سكن بقرية بالشّام تعرف بالأعناك، و أولد بها، و عقبه بها، و بالشّام، و من نسله فلان، و ساق نسبه إلى حكّام.

تدريس المسمارية

و تقرّر بالمسماريّة بنو المنجّا للتدريس بحكم أنّ نظرها إليهم.

____________

[ (241)] و ما بعدها، و مفرّج الكروب 4/ 231- 233، و الدرر المطلوب 2889، و دول الإسلام 2/ 132- 133، و العبر 5/ 101، و المختار من تاريخ ابن الجزري 141- 143، و البداية و النهاية 13/ 123، و العسجد المسبوك 2/ 432- 433، و السلوك ج 1 ق 1/ 228، و تاريخ الخميس 2/ 414.

[ (1)] في الكامل: «صنوب». و في المختار من تاريخ ابن الجزري: «صمنوب»،

[ (2)] انظر خبر (أرزن) في: الكامل 12/ 478- 479، و المختار من تاريخ ابن الجزري 143.

30

تقييد الفتوى‏

و تقدّم الخويّي إلى المفتين بأن لا يكتبوا فتوى إلّا بإذنه.

طلوع الفرنج إلى صيدا

و فيها طلع الفرنج من البحر و عكّا إلى صيدا، و كانت مناصفة لهم و للمسلمين، فاستولوا عليها و حصّنوها، و تمّ لهم ذلك، و قويت شوكتهم، و جاءهم الأنبرور ملك الألمان و معناه: ملك الأمراء، و كان قبيل مجيئه قد استولى على قبرص، و قدم عكّة [ (1)]، و ارتاع المسلمون لذلك. و قدم الكامل كما مرّ من مصر، و أقام على تلّ العجول، ثمّ كاتب الأنبرور، و اتّفق معه على النّاصر داود ابن المعظّم، و نشب الكامل بالكلام، و لم تكن عساكر الأنبرور وصلت إليه من البحر، و خافه المسلمون، و ملوك الفرنج بالسّاحل، فكاتبوا الكامل إذا حصل مصافّ نمسك الأنبرور، فسيّر إلى الأنبرور كتبهم، و أوقفه عليها، فعرف الأنبرور ذلك للكامل، و أجابه إلى كلّ ما يريد، و قدمت رسله على الكامل يتشكّر لما أولاه، و تردّدت بينهم المراسلات.

و سيّر الأنبرور إلى الكامل يتلطّف معه، و يقول: أنا عتيقك و أسيرك، و أنت تعلم أنّي أكبر ملوك البحر، و أنت كاتبتني بالمجي‏ء، و قد علم البابا و سائر ملوك البحر باهتمامي و طلوعي، فإن أنا رجعت خائبا، انكسرت حرمتي بينهم، و هذه القدس فهي أصل اعتقادهم و حجّهم، و المسلمون قد أخربوها، و ليس لها دخل طائل، فإن رأى السلطان- أعزّه اللَّه- أن ينعم عليّ بقصبة البلد، و الزيادة تكون صدقة منه، و ترتفع رأسي بين الملوك، و إن شاء السلطان أن يكشف عن محصولها، و أحمل أنا مقداره إلى خزانته فعلت. فلما سمع الكامل ذلك، مالت نفسه و جاوبه أجوبة مغلّظة، و المعنى فيها نعم [ (2)].

____________

[ (1)] هكذا في الأصل: «قبرص» و «عكّة»، و هما: «قبرس» و «عكّا».

[ (2)] انظر خبر (صيدا) في: الكامل 12/ 477- 478، و التاريخ المنصوري 156، و مفرّج الكروب 4/ 233، و دول الإسلام 2/ 133، و المختار من تاريخ ابن الجزري 144، و البداية و النهاية 13/ 123، و السلوك ج 1 ق 1/ 229، و شفاء القلوب 311، و تاريخ ابن سباط 294، و الإعلام و التبيين 54.

31

خلعة الزعامة

أنبأني ابن البزوريّ، قال: و في المحرّم منها استدعي الأمير علاء الدّين الدّويدار الظاهريّ أبو شجاع ألطبرس، و خلعت عليه خلعة الزّعامة و هي: قباء أطلس نفطيّ، و شربوش كبير، و فرس بعدّة كاملة، و ألحق بالزّعماء.

رسول جلال الدّين‏

قال: و فيها وصل قاضي الرّيّ رسولا من عند جلال الدّين منكوبريّ بن خوارزم شاه.

العقد على ابنة صاحب الموصل‏

و فيها عقد عقد علاء الدّين الدّويدار المذكور على ابنة بدر الدّين صاحب الموصل، على صداق مبلغه عشرون ألف دينار.

قدوم الحجّاج إلى بغداد

و فيها قدم بغداد من الحجّاج أخت السلطان صلاح الدين يوسف، زوجة مظفّر الدّين صاحب إربل، و ابن أخيها الملك المحسن أحمد، فخلع على المحسن.

قدوم الحجّاج على الدويدار

و في رمضان خلع على علاء الدّين الدّويدار خلعة عظيمة، و أعطي تسعة أحمال كوسات.

تغلّب ابن هود على الأندلس‏

و فيها تغلّب ابن هود على معظم الأندلس، فكان ملكه تسعة أعوام.

32

سنة ستّ و عشرين و ستّمائة

دخول الفرنج بيت المقدس‏

في ربيع الأوّل أخلى الكامل البيت المقدّس من المسلمين، و سلّمه إلى الأنبرور، و صالحه على ذلك، و على تسليم جملة من القرى فدخلته الفرنج مع الأنبرور. و كانت هذه من الوصمات الّتي دخلت على المسلمين، و توغّرت القلوب على الكامل- فإنّا للَّه و إنّا إليه راجعون [ (1)].

حصار الكامل دمشق‏

ثمّ أتبعها بحصار دمشق و أذيّة المسلمين، فنزل جيشه على الجسورة، و قطعوا عن دمشق بأناس و القنوات، ثمّ قطعوا يزيد و ثورا [ (2)]، و نهبوا البساتين، و أحرقوا الجواسق.

ثمّ جرت بين عسكر النّاصر داود، و بين عسكر عمّه الكامل وقعات، و قتل جماعة و جرح جماعة، و أخربت حواضر البلد. فلمّا كان يوم رابع‏

____________

[ (1)] خبر (بيت المقدس) في: الكامل 12/ 482- 483، و التاريخ المنصوري 176، و ذيل الروضتين 154- 155، و زبدة الحلب 3/ 205، و تاريخ مختصر الدول 244، و تاريخ الزمان 272- 273، و مفرّج الكروب 4/ 241- 251، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 431- 432، و المختصر في أخبار البشر 3/ 141، و تاريخ المسلمين 138، و الدرّ المطلوب 292، و نهاية الأرب 29/ 151، و العبر 5/ 104- 105، و تاريخ ابن الوردي 2/ 150، و مرآة الجنان 4/ 59، و البداية و النهاية 13/ 123- 124، و مآثر الإنافة 2/ 79، و العسجد المسبوك 2/ 436، و السلوك ج 1 ق 1/ 230- 231، و النجوم الزاهرة 6/ 271، و شفاء القلوب 311، و تاريخ ابن سباط 1/ 295.

[ (2)] بأناس و القنوات و يزيد و ثورا من أنهار دمشق المتفرّعة من نهر بردي.

33

جمادى الأولى وقعت بينهم وقعة عظيمة [ (1)].

قال أبو شامة [ (2)]: قتل فيها خلق كثير، و نهب قصر حجّاج و الشّاغور، و أطلق فيها النّيران، و تسلّموا حصن عزّتا صلحا مع متولّيه.

دخول الكامل دمشق‏

و في تاسع جمادى الآخرة وصل الكامل، فنزل عند مسجد القدم، فأنفذ النّاصر إليه جماعة من الكبراء: الدّولعيّ، و القاضي شمس الدّين الخويّيّ، و القاضي شمس الدّين ابن الشّيرازيّ، و الشّيخ جمال الدّين الحصيريّ، نيابة عنه في السّلام و الخدمة. ثمّ خرج من الغد عزّ الدين أيبك أستاذ الدّار باستدعاء من الكامل فتحدّثا في الصّلح، فلمّا كان يوم منتصف الشّهر، كان بينهم وقعة تلقاء باب الحديد و في الميدان، و انتصر الدّمشقيّون. ثمّ أصبح من الغد النّهب و الحريق بظاهر باب توما، و بدّعوا في الغوطة، و خرّبوها، و غلت الأسعار، و صار اللّحم بستّة دراهم، و الجبن بستّة دراهم أيضا. و اشتدّ الحصار، ثمّ إنّهم زحفوا على دمشق من غربيّها مرارا، و تكون الكرّة عليهم، و اتّخذوا مسجد خاتون، و مسجد الشّيخ إسماعيل، و خانقاه الطّاحون، و جوسق الميدان، حصونا و ظهرا لهم. و أحرق النّاصر لأجل ذلك مدرسة أسد الدّين، و خانقاه خاتون، و خانقاه الطّواويس، و تلك الخانات. و جرت أمور.

ثمّ زحفوا في تاسع رجب إلى أن قاربوا باب الحديد، ثمّ كان انتظام الصّلح في أوّل شعبان، و ذلك أنّ الملك النّاصر داود خرج ليلة رابع عشر رجب إلى الكامل و اجتمع به، ثمّ اجتمع به مرّات، و تقرّر الصّلح، أنّ النّاصر رضي بالكرك و نابلس و بعض الغور و البلقاء. ثمّ دخل الملك الكامل القلعة، و نزل إلى قبّة والده، و وجّه العسكر، فنازلوا حماة، و حاصروها.

____________

[ (1)] انظر عن (محاصرة دمشق) في: ذيل الروضتين 154، و الكامل في التاريخ 12/ 484، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 654، و مفرّج الكروب 4/ 252- 253، و المختصر في أخبار البشر 3/ 142، و نهاية الأرب 29/ 153- 155، و تاريخ المسلمين 138، و البداية و النهاية 13/ 124، و مرآة الجنان 4/ 59، و تاريخ ابن الوردي 2/ 150، و السلوك ج 1 ق 1/ 234، و تاريخ ابن سباط 1/ 295.

[ (2)] في ذيل الروضتين 155.

34

و في أواخر شعبان سلّم الكامل دمشق لأخيه الملك الأشرف، و أعطاه الأشرف عوضها حرّان و الرّها، و رأس عين و الرّقة، ثمّ توجّه إلى الشّرق ليتسلّم هذه البلاد، فسار في تاسع رمضان فلمّا نزل على حماة، خرج إلى خدمته صاحبها صلاح الدّين قلج أرسلان ابن الملك المنصور محمد بن عمر، و سلّم إلى الكامل حماة، فأعطاها لأخي صاحبها لكونه أكبر سنّا، و لأنّ العهد من أبيه كان إليه. ثمّ سار إلى حرّان، و نزل عسكره على بعلبكّ، و جاء إليها الأشرف من دمشق، فحاصر الملك الأمجد، ثمّ تسلّموا البلد، و بقي الحصار على القلعة، و رجع الأشرف [ (1)].

الاشتغال بعلوم الأوائل‏

قال أبو شامة [ (2)]: و كان في آخر دولة المعظم قد كثر الاشتغال بعلوم الأوائل، فأخمده اللَّه بدولة الملك الأشرف.

خروج الأمجد من بعلبكّ‏

قال أبو المظفّر [ (3)]: بعث الأشرف أخاه الملك الصّالح إسماعيل، فحاصر بعلبكّ، و ضربها بالمجانيق، و ضايقها، ثمّ توجّه إليها الأشرف، فدخل ابن مرزوق بينه و بين صاحبها الملك الأمجد، فأخذت منه، و جاء إلى دمشق، فأقام بداره [ (4)].

حصار جلال الدين خلاط

و فيها نازل جلال الدّين خلاط و ضايقها بأوباشه، فأغاروا، و نهبوا، و هجموا حينة [ (5)]، و قتلوا أهلها قتلا ذريعا، و الكامل على حرّان، فأقام اليزك على الطّرق خوفا من هجمتهم، و توجّهت طائفة منهم إلى ميّافارقين، فالتقاهم‏

____________

[ (1)] خبر (دخول دمشق) في: الكامل 12/ 484، و المصادر السابقة.

[ (2)] في: ذيل الروضتين 156.

[ (3)] في مرآة الزمان 8/ 659 (في حوادث سنة 627 ه-).

[ (4)] و خبر بعلبكّ أيضا في: مفرّج الكروب 4/ 280.

[ (5)] كتب المؤلّف في حاشية نسخته بخطه (حاني)، و هي كذلك في معجم البلدان و يقال لها:

حيني أيضا كما ذكر ياقوت.

35

المظفّر غازي، فكسر و جرح، و هو أشجع أولاد العادل.

و لم يزل جلال الدّين يجدّ في حصار خلاط حتّى افتتحها في آخر العام [ (1)].

____________

[ (1)] انظر عن (حصار خلاط) في: الكامل في التاريخ 12/ 487- 488، مفرّج الكروب 4/ 280- 281، و التاريخ المنصوري 183- 186، و زبدة الحلب 3/ 208، و تاريخ مختصر الدول 245، و تاريخ الزمان 275، و المختصر لأبي الفداء 3/ 145، و نهاية الأرب 29/ 285، و العبر 5/ 105، و دول الإسلام 2/ 133، و تاريخ ابن الوردي 2/ 151، و العسجد المسبوك 2/ 437، و تاريخ الخميس 2/ 414، و السلوك ج 1 ق 1/ 236، و تاريخ ابن سباط 1/ 298.

36

سنة سبع و عشرين و ستّمائة

كسرة الخوارزمية أمام الأشرف‏

قال أبو شامة [ (1)]: أخذت بعلبكّ من الأمجد في ربيع الآخر، و رحل الأشرف إلى الشرق و استعمل على دمشق أخاه إسماعيل، فلمّا كان في شوّال جاءنا الخبر: بأنّ السّلطان الملك الأشرف التقى الخوارزميّ- يعني جلال الدّين- و أنّ الأشرف كسره في أواخر رمضان. و قد كان الخوارزميّ استولى على خلاط، و أخذها من نوّاب الأشرف بعد أن أكلوا الجيف و الكلاب، و زاد فيهم الوباء، و ثبتوا ثباتا لم يسمع بمثله، لعلمهم بجور خوارزم شاه، و لم يقدر عليها إلّا بمخامرة إسماعيل الإيوانيّ، تدنّى إليه، و استوثق منه، ثمّ أطلع الخوارزميّة بالجبال ليلا، و استباحوها، فإنّا للَّه. فسار الأشرف لحربه، و اتّفق هو و صاحب الرّوم على لقائه، فكسرا الخوارزميّة، وقع منهم خلق في واد، فهلكوا، و نهبوا، و تتبّعوا أيّاما، و ضربت البشائر في البلاد [ (2)].

____________

[ (1)] في ذيل الروضتين 158- 159.

[ (2)] انظر خبر (الخوارزميّة) أيضا في: الكامل في التاريخ 12/ 489- 490، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 659- 661، و مفرّج الكروب 4/ 297- 299، و التاريخ المنصوري 201، و تاريخ مختصر الدول 245- 246، و تاريخ الزمان 275، و المختصر في أخبار البشر 3/ 146، و تاريخ المسلمين 139، و الدرّ المطلوب 299، و دول الإسلام 2/ 124، و العبر 5/ 107- 108، و تاريخ ابن الوردي 2/ 153، و مرآة الجنان 4/ 64، و البداية و النهاية 13/ 127، و العسجد المسبوك 2/ 441، و السلوك ج 1 ق 1/ 239، و تاريخ ابن سباط 1/ 299، و نهاية الأرب 29/ 162- 163.

37

انكسار الخوارزميّ في رواية سبط ابن الجوزيّ‏

و قال أبو المظفّر ابن الجوزيّ [ (1)]: أخذ خوارزم شاه جلال الدين مدينة خلاط في جمادى الأولى بعد حصار عشرة أشهر، و كان فيها مجير الدّين ابن العادل، و أخوه تقيّ الدّين، و زوجة الأشرف بنت ملك الكرج، فأسرهم جلال الدّين. فأرسل صاحب الروم إلى الأشرف يأمره بالمسير، فإنّه ينجده، فشاور أخاه الملك الكامل فقال: نعم مصلحة، فجمع جيشه و سار إلى صاحب الروم، و كان معه أخواه شهاب الدّين غازي، و الملك العزيز عثمان، و ابن أخيه الملك الجواد. و جمع ملك الروم جيوشه أيضا و اجتمعا، و التقاهم الخوارزميّ، فانكسر كسرة عظيمة، و أخذ الأشرف خلاط، و أرسل إلى الخوارزميّ يطلب إخوته، فأرسلهم و لم يرسل المرأة.

قال عبد اللّطيف بن يوسف: كسر اللَّه الخوارزميّين بأخفّ مؤنة بأمر لم يكن في الحساب، فسبحان من هدم ذاك الجبل الراسي في لمحة ناظر.

رجوع رسل الخليفة

و فيها رجعت رسل الخليفة من عند جلال الدّين منكوبريّ [ (2)] ملك الخوارزميّة، و خلع على رسوله الّذي قدم معهم [ (3)].

الخطبة للمستنصر باللَّه في المغرب‏

و فيها خرج الموكب الشّريف لتلقّي رسول الملك محمد بن يوسف بن هود المغربيّ، صحبة رسول الملك الكامل زعيم مصر، فأخبر أنّ ابن هود استولى على أكثر بلاد المغرب التي بيد بني عبد المؤمن، و أنّه خطب بها للمستنصر باللَّه، فحمد فعله، و كتب له منشور متضمّن شكر همّته العالية [ (4)].

____________

[ (1)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 659- 662.

[ (2)] هكذا هنا. و قد كتبها المؤلّف- (رحمه اللَّه)- سابقا: «منكوبرتي».

[ (3)] خبر الرسول في: الحوادث الجامعة لابن الفوطي 13.

[ (4)] خبر (الخطبة للمستنصر باللَّه) في: العسجد المسبوك 442، و الحوادث الجامعة 14.

38

تسيير ملابس الفتوّة للخوارزميّ‏

و فيها سيّر جلال الدّين الخوارزميّ إلى المستنصر، و طلب منه سراويل الفتوّة ليتشرّف بذلك، فسيّره إليه مع تحف و نعم لا تحصى، و فرس النّوبة، ففرح بذلك و سرّ و قبّل الأرض مرّات [ (1)].

الخطبة للمستنصر باللَّه في تلمسان‏

و فيها ملك المايرقي تلمسان، و خطب فيها للمستنصر باللَّه.

رواية الموفّق البغدادي عن كسرة الخوارزميّة

و أمّا أمر الخوارزميّة و كسرتهم، قال الموفّق [ (2)]: فتح بعض الأمراء باب خلاط للخوارزميّة في جمادى الآخرة، لا ركونا إلى دينهم و يمينهم، بل إيثارا للموت على شدّة القحط، فدخلوا، و قتلوا، و سبوا، و استحلّوا سائر المحرّمات، دخلوا نصف اللّيل فبقوا كذلك إلى آخر صبيحته، ثمّ رفعوا السّيف، و شرعوا في المصادرات و العذاب. و كانوا يتعمّدون الفقهاء و الأخيار بالقتل و التّعذيب أكثر من غيرهم.

و أمّا الكامل، فانصرف إلى مصر بغتة، فضعف النّاس، و أيقنوا أنّ الخوارزميّ إنّ ملك الشّام و الرّوم عفى آثارها و أباد سكانها.

ثمّ اصطلح الأشرف و علاء الدّين صاحب الرّوم صلحا تامّا بعد عداوة أكيدة، و جيّشوا الجيوش، و القلوب مع ذلك مشحونة خوفا، و لم يزل على وجل مفرط من التقاء الجيشين، حتّى أتاح اللَّه كسرة الخوارزميّين بأهون مؤنة.

فقرأت في كتاب بعض الأجناد: إنّا رحلنا من سيواس، و طلبنا منزلة يقال لها ياصي جمان في طرف أعمال أرزنجان، إذ بها عشب و مياه، فلمّا سمع العدوّ بمجي‏ء العسكرين، ساق سوقا حثيثا في ثلاثة أيّام، و نزل المرج المذكور و به جماعة من عسكر، فكبسهم بكرة الرابع و العشرين من رمضان، و ضرب‏

____________

[ (1)] انظر خبر (ملابس الفتوّة) في: الحوادث الجامعة 13.

[ (2)] هو عبد اللطيف بن يوسف البغداديّ.

39

الأشرف المصافّ مع الخوارزميّ، و قامت الحرب على ساق إلى قرب الظّهر، ثمّ نصر اللَّه، و كسر العدوّ شرّ كسرة. و كان معه خلق لا يحصون. و المصافّ في اليوم التّاسع و العشرين من رمضان.

قال الموفّق: ثمّ تواصل النّاس و معهم السّبي و الأخائذ من المماليك و الدّوابّ و الأسلحة، و الكلّ ردي‏ء، يباع الجوشن بثلاثة دراهم، و الفرس هناك بخمسة دراهم، و في حلب بعشرين درهما و ثلاثين في غاية الرداءة. و كذا قسيّهم و سائر أسلحتهم. و وصل منهم أسرى فيهم رجل، حكى لمن أنس به من الفقهاء العجم، قال: إنّ صاحبنا دهش و تحيّر لما شارف عسكر الشّام، فلمّا رأيناه كذلك، انقطعت قلوبنا، و لو لا عسكر الشّام، أبدنا عسكر الروم، أنا بنفسي قتلت منهم خمسين فارسا.

و حكى نسيب لنا [ (1)] جنديّ، قال: وصلنا إلى مرج ياصي جمان، و نحن متوجّهون إلى خلاط على أنّ العدوّ بها، فإذا بعسكر الخوارزميّ محيط بنا، فوقع على طائفة من عسكر الروم، فقتل منهم مائتين، و نهب، و أسر. ثمّ من الغد وقع جيش الخوارزميّ على عسكر الروم و نحن نرى الغبرة، فأباد فيهم قتلا و أسرا. و قد كثر القول بأنّهم قتلوا من عسكر الروم سبعة آلاف من خيارهم، و قيل: أكثر و أقلّ.

و قال لي رجل من أهل أرزنجان: إنّ جميع عسكر الروم كان بها، و عدّتهم اثنا عشر ألفا، فلم يخلص منهم إلّا جريح، أو هارب توقّل الجبل، و إنّ صاحب الروم بقي في ضعفة من أصحابه نحو خمسة آلاف، و أصبحنا يوم الخميس على تعبئة، و وقعت مناوشات. فكان أصحابنا أبدا يربحون عليهم، و عرفنا قتالهم، و نشّابهم، و ضعف خيلهم، و قلّة فروسيتهم، فتبدّل خوفنا منهم بالطّمع، و احتقرناهم، و تعجّبنا كيف غلب هؤلاء أمما كثيرين؟ و بتنا ليلة الجمعة على تعبئة، و كان الرجل قد عزم على الهرب، ففرّ إليه مملوكان، فشجّعاه، فثبت لشقاوته. و أصبح النّاس، ففرّ من عنده اثنان إلى الملك الأشرف، فسألهما عن عدّة أصحابهم، قالا: هم ثلاثون ألفا. و بقي الأشرف‏

____________

[ (1)] الكلام للموفق.

40

يجول بين الصّفوف، و يشجع النّاس، و يحقر العدوّ. و أصبح النّاس يوم السّبت على تعبئة تامّة، فسأل الأشرف المملوكين عن موضع الخوارزميّ، قالا: هو على ذلك التلّ، و شعره في كيس أطلس، و على رأس كتفه برجم صغير مخيّط بقبائه، فحمل طائفة من الخوارزميّة على عسكر الروم، فثبتوا، فتقدّم الأشرف إلى سابق الدّين و معه من عسكر مصر ألف و خمسمائة فارس، و إلى عسكر حمص و حلب و حماة، فانتقى ألف فارس، و ندب بعض أمراء العرب في ألف فارس من العرب، فحملوا على التّلّ الّذي عليه الخوارزميّ، فلمّا عاين الموت الأحمر مقبلا، انهزم، فلمّا رأى جيشه فراره انهزموا. و أمّا الذّين حملوا على عسكر الرّوم، فبقوا في الوسط، فلم يفلت منهم أحد. ثمّ إنّ الخوارزميّين لشدّة رعبهم لم يقدروا على الهرب، و لم يهتدوا سبيلا، و أكثرهم نزلوا عن خيولهم، و انجحروا في بطون الأودية و البيوت الخربة، فتحكّم فيهم الفلّاحون و الغلمان، و قتلهم أضعف النّاس. و انحرف منهم ثلاثة آلاف على بلاد جانيت، فخرج إليهم فلّاحو الرّوم و النّصارى فقتلوهم عن آخرهم. و فلّق الخوارزميّ عند هربه نحو مائتي حصان، و وصل خلاط في سبعة أنفس، فأخذ حرمه و ما خفّ من الأموال، و اجتاز على منازجرد [ (1)] و كانت محصورة بوزيره، و وصل جائعا فأطعمه وزيره. ثمّ دخل أذربيجان بالخزي و الصّغار، فصادر أهل خويّ، و مات منهم جماعة تحت العقوبة.

و أمّا الأشرف فلو ساق بعسكره وراءهم لأتى عليه قتلا و أسرا. و تسلّم أرزن الرّوم، و سلّمها إلى علاء الدّين كيقباذ، فأخذ ملكا خيرا من جميع مملكته.

و أمّا صاحبها ابن مغيث الدّين ابن عمّ علاء الدّين فإنّه رمي بالخذلان، و التجأ إلى كهف حتّى أخذوه أخذ النّساء. ثمّ نزل الأشرف على منازجرد، و صمّم على أن يدخل وراء الخوارزميّ، و أقام شهورا، ثمّ تراسلا في الصّلح، فاصطلحا على ما يؤثر الملك الأشرف. فرجع و فرّق العسكر، و أمنت خلاط، و شرعت تعمر.

____________

[ (1)] و تكتب منازكرد، و ملازكرد أيضا، و هي معروفة.

41

و حكى أمير قال: حملنا على الخوارزميّ فوقع عسكره في واد و هلكوا، زحمناهم على سفح يفضي إلى واد عميق، فتكردسوا بخيولهم، فتقطّعوا إربا إربا. و أشرفنا على الوادي ثاني يوم فرأيناه مملوءا بالهلكى لم نجد فيهم حيّا إلّا خادم الخوارزميّ مكسور الرّجل، و أقمنا أيّاما نقلّب القتلى لعلّ أن يكون فيهم جلال الدّين الخوارزميّ. و أسر خلق من خواصّه و أعلامه و سناجقه. و ذكروا أنّ العرب أخذوا من خيمته باطية ذهب وزنها خمسة و عشرون رطلا، فنفلهم إيّاها الملك الأشرف.

و العجب أنّ هذه الوقعة لم يقتل فيها من عسكر الشّام أحد، و لا جرح فرس إلّا رجل من عسكر حمص جرح بسهم. و زالت هيبة الخوارزميّة من القلوب، و زال سعدهم.

42

سنة ثمان و عشرين و ستّمائة

ذكر أحداث في المغرب‏

في رجب وصل رجل من المغرب و أخبر أنّ بعض بني عبد المؤمن صعد الجبل، و جمع من أمم البربر نحو مائتي ألف، و نزل بهم، و هاجم مرّاكش و قتل عمّه، و كان قد ولي الأمر دونه، و قتل من أصحابه نحوا من خمسة عشر ألفا. و سيّر إلى الأندلس يهدّد ابن هود، فأطاعه بشرط أن لا يكون عنده أحد من الموحّدين إلّا إذا احتاج إليهم للغزاة.

اضمحلال أمر الخوارزميّ‏

و في رجب وصل قزوينيّ إلى الشّام فأخبر أن التّتر خرجوا إلى الخوارزميّ، و أنّهم كسروه أقبح كسرة. و أنّ الكفّار الّذين كانوا في جملة عسكره غدروا به، و عادوا إلى أصحابهم، و أنّ المجمّعة كلّهم تفرّقوا عنه، و بقي في ضعفة من أصحابه و هم قليلون لا سبد لهم و لا لبد [ (1)]، و هكذا كلّ ملك يؤسّس على الظّلم يكون سريع الهدم.

و قال ابن الأثير [ (2)]- و هذه السّنة هي آخر كتابه- قال: في أوّلها وصل التّتار من بلاد ما وراء النّهر، و قد كانوا يعبرون كلّ قليل، ينهبون ما يرونه، فالبلاد خاوية على عروشها. فلمّا انهزم جلال الدّين خوارزم شاه في العام الماضي أرسل مقدّم الإسماعيليّة يعرّف التّتار ضعف جلال الدّين، فبادرت‏

____________

[ (1)] يقال: ما له سبد و لا لبد، أي: لا قليل و لا كثير.

[ (2)] في الكامل 12/ 495 و ما بعدها.

43

طائفة و قصدوا أذربيجان، فلم يقدم جلال الدّين على لقائهم، فملكوا مراغة و عاثوا بأذربيجان، فسار هو إلى آمد، و تفرّق جنده، فبيّته التّتار ليلة، فنجا و تفرّق أصحابه في كلّ وجه. فقصد طائفة منهم حرّان، فأوقع بهم الأمير صواب، مقدّم الملك الكامل بحرّان، و قصد طائفة منهم سنجار و الموصل و غير ذلك. و تخطّفتهم الملوك و الرّعيّة، و طمع فيهم كلّ أحد حتّى الفلّاحون و الأكراد، و انتقم اللَّه منهم.

و دخل التّتار ديار بكر في طلب جلال الدّين، لا يعلمون أين سلك؟

فسبحان من بدّل عزّهم ذلّا، و كثرتهم قلّة، و أخذت التّتار أسعرد بالأمان، ثمّ غدروا بهم، و بذلوا فيهم السّيف. ثمّ ساروا منها إلى مدينة طنزة، ففعلوا فيها كذلك. ثمّ ساروا في البلاد يخرّبونها إلى أن وصلوا إلى ماردين، و إلى نصيبين، إلى أن قال: و خرجت هذه السّنة و لم يتحقّق لجلال الدّين خبر، و لا يعلم هل قتل؟ أو اختفى؟ و اللَّه أعلم [ (1)].

الاحتفال بقدوم صاحب إربل في بغداد

قلت: و في المحرّم وصل الملك مظفّر الدّين صاحب إربل إلى بغداد، و احتفل بقدومه، و جلس المستنصر باللَّه له، و حضر أرباب الدولة كلّهم، و رفع السّتر عن الشّبّاك، فإذا المستنصر جالس، فقبّل الجميع الأرض. و رقي نائب الوزارة مؤيّد الدّين، و أستاذ الدّار مراقي من الكرسيّ المنصوب بين يدي الشّبّاك. و استدعي مظفّر الدّين، فطلع، و أشار بيده بالسّلام على المستنصر، ثمّ قرأ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ [ (2)] الآية، فردّ المستنصر (عليه السلام)، فقبّل الأرض عدّة مرار، فقال له: إنّك اليوم لدينا مكين أمين، في كلام مضمونه:

ثبت عندنا إخلاصك في العبوديّة. فقبّل الأرض، و أذن له في الانكفاء،

____________

[ (1)] و انظر خبر (الخوارزمي) أيضا في: أخبار الزمان 277- 278، و سيرة جلال الدين 384، و مفرّج الكروب 4/ 314- 318، و المختصر لأبي الفداء 3/ 147، و تاريخ المسلمين 139، و نهاية الأرب 27/ 289- 290 و 295- 297، و الدرّ المطلوب 302، و العبر 5/ 110، و دول الإسلام 2/ 134 (باختصار شديد)، و تاريخ ابن الوردي 2/ 153، و مرآة الجنان 4/ 65، و البداية و النهاية 13/ 128، و العسجد المسبوك 2/ 443، و تاريخ الخميس 2/ 414، و تاريخ ابن سباط 1/ 300- 301.

[ (2)] سورة المائدة، الآية 3.

44

و أسلبت الأستار، و أدخل حجرة، فخلع عليه فرجيّة ممزج، و من تحتها قباء أطلس أسود، و عمامة قصب كحليّة بطرز ذهب، و قلّد سيفين محلّيين بالذّهب، و أمطي فرسا بسرج ذهب، و كنبوش و مشدّة حرير، و رفع وراءه سنجقان مذهّبان. ثمّ اجتمع بالخليفة يوما آخر، و خلع عليه أيضا، و أعطي رايات و كوسات و ستّين ألف دينار، و خلع على جماعة من أصحابه [ (1)].

إمام مشهد أبي بكر

و فيها جدّد لمشهد أبي بكر من جامع دمشق إمام راتب [ (2)].

الغلاء بمصر

و فيها كان الغلاء بمصر لنقص النّيل [ (3)].

حبس الحريري‏

و فيها قدم الملك الأشرف دمشق، و حبس الحريريّ بقلعة عزّتا، و أفتى جماعة بقتله و زندقته، فأحجم السّلطان عن القتل [ (4)].

الشروع ببناء الدار الأشرفية

و أمر السّلطان بشراء دار الأمير قيماز النّجميّ، لتعمل دار حديث، فهي الدّار الأشرفيّة، و أن يكون للشّيخ سبعون درهما، و هو الجمال أبو موسى ابن الحافظ، فمات أبو موسى قبل أن يكمل بناؤها [ (5)].

التدريس بالتقوية و الشامية الجوّانية

و فيها درّس بالتّقويّة العماد الحرستانيّ، و بالشّاميّة الجوّانيّة ابن‏

____________

[ (1)] خبر (الاحتفال بصاحب إربل) في: الحوادث الجامعة 16- 17، و البداية و النهاية 13/ 129.

[ (2)] خبر (الإمام) في: ذيل الروضتين 159، و البداية و النهاية 13/ 128.

[ (3)] خبر (الغلاء) في: ذيل الروضتين 159، و البداية و النهاية 13/ 128، و العسجد المسبوك 2/ 446.

[ (4)] خبر (الحريري) في: العسجد المسبوك 2/ 446، و البداية و النهاية 13/ 128.

[ (5)] خبر (الدار الأشرفية) في: العسجد المسبوك 2/ 446، و الدارس في تاريخ المدارس 1/ 15، و منادمة الأطلال 24.

45

الصّلاح [ (1)]. و حضر الملك الصّالح الدّرس، و تكلّموا في هذه المدرسة، و أرادوا إبطالها، و قالوا: هي وقف على الحنفيّة، و عملوا محضرا أنّ سودكين المعروفة به أوّلا وقفها على الحنفيّة، و شهد ثلاثة بذلك بالاستفاضة، فلم ينهض ذلك.

صلب التكريتي الكحّال‏

و فيها صلب التّاج التّكريتيّ الكحّال، لأنّه قتل جماعة ختلا في بيته، و دفنهم، ففاحت الرائحة، و عدمت امرأة عنده، فصلب، و سمّروه.

التدريس بالصاحبية

و درّس بالصّاحبيّة- مدرسة ربيعة خاتون- النّاصح ابن الحنبليّ، و كان يوما مشهودا، حضرت الواقفة وراء السّتر [ (2)].

____________

[ (1)] انظر عن (التدريس بالشامية الجوانية) في: البداية و النهاية 13/ 128.

و انظر عن (المدرسة التقوية) في: الدارس 1/ 162 و ما بعدها، رقم 37، و عن الشامية الجوانية 1/ 227 رقم 50

[ (2)] انظر عن (المدرسة الصاحبية) في: الدارس 2/ 62 و ما بعدها، رقم 147.

46

ستة تسع و عشرين و ستّمائة

خروج العسكر للتصدّي للتّتار

فيها أنهي إلى الديوان العزيز أنّ التتر قصدوا أذربيجان و عاثوا بها، لأنّ صاحبها جلال الدّين ابن خوارزم شاه قتل، قتله كرديّ بحربة، و كان قد انهزم من التّتار لمّا بيّتوه، و ساقوا وراءه حتّى بقي وحده، و قتل فارسين من التّتار، و لجأ إلى جبل به أكراد، فقتله هذا الكرديّ بأخ له كما زعم [ (1)]، فعاثوا و أفسدوا، و وصلوا إلى شهرزور. فبذل المستنصر باللَّه الأموال في الجيوش، و سأل مظفّر الدّين صاحب إربل إعانته بجيش بغداد ليلتقي التّتار، فجاءته العساكر مع جمال الدّين قشتمر النّاصريّ، و شمس الدّين قيران، و علاء الدّين ألدكز، و فلك الدّين، و سار الكلّ نحو شهرزور. فبلغ ذلك التّتار، فهربوا.

و تمرّض مظفّر الدّين، و عاد إلى بلده [ (2)].

القبض على نائب الوزارة القميّ‏

و في شوّال تقدّم إلى أستاذ دار الخلافة شمس الدين أبي الأزهر أحمد بن محمد بن النّاقد، و إلى مؤيّد الدّين أبي طالب محمد بن أحمد بن العلقميّ مشرف دار التّشريفات، بالقبض على نائب الوزارة القمّيّ، و على ولده فخر الدّين أحمد، و على أخيه و أصحابه، فهيّئ جماعة بسيوف مجرّدة، و دخلوا دار

____________

[ (1)] انظر ترجمة خوارزم شاه و مصادرها في الوفيات، برقم 452.

[ (2)] انظر عن (التتار) في: مفرّج الكروب 4/ 324- 330، و دول الإسلام 2/ 135 (باختصار شديد)، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 673، و البداية و النهاية 13/ 132، و السلوك ج 1 ق 1/ 242- 243، و الحوادث الجامعة 19- 21، و تاريخ الخميس 2/ 414.

47

الوزارة، و قبضوا على مؤيّد الدّين القمّيّ، ثمّ على ولده و أخيه، و حبسوا.

و كانت مدّة ولايته الوزارة بصورة النّيابة- لا الوزارة المحضة- ثلاثا و عشرين سنة. ثمّ ولى نيابة الوزارة ابن النّاقد المذكور، ثمّ ولي الأستاذ داريّة مؤيّد الدّين ابن العلقميّ الرّافضيّ [ (1)].

____________

[ (1)] العلقميّ هذا هو الخائن الّذي كاتب المغول، و كان سببا في سقوط الخلافة العباسية، لعنه اللَّه. و خبر نائب الوزارة القمّي في: الحوادث الجامعة لابن الفوطي 23 و 24.

48

سنة ثلاثين و ستّمائة

فتح الكامل مدينة آمد

فيها افتتح الملك الكامل ثغر آمد بعد أن ضربها بالمجانيق، فسلّمها صاحبها الملك المسعود مودود ابن الصّالح الأتابكيّ، و خرج و في رقبته منديل فرسم عليه، و استولى على أمواله و قلاعه، و بقي حصن كيفا عاصيا، فسيّر أخويه الأشرف و المظفّر غازيا، و معهما المسعود تحت الحوطة، فعذّبه الأشرف عذابا عظيما، لكونه لم يسلّم حصن كيفا، و لأنّه كان يبغضه [ (1)].

قال أبو المظفّر ابن الجوزيّ [ (2)]: فقال لي الملك الأشرف: وجدنا في قصره خمسمائة حرّة من بنات النّاس للفراش. ثمّ سلّمت القلعة في صفر، و عاد الأشرف إلى دمشق [ (3)].

قال أبو شامة [ (4)]: سمعت الصّاحب بدر الدّين جعفرا الآمديّ يحكي عن عظمة يوم دخول الكامل إلى آمد شيئا ما نحسن نعبّر عنه، قال: و أخذ جميع رؤساء آمد إلى مصر، فكنت أنا، و ابن أختي الشّمس، و أخي الموفّق فيهم.

فلمّا وصلنا الفرات قال أخي: اسمعوا منّي، لا شكّ أنا نعبر إلى بلاد ليس فيها

____________

[ (1)] انظر خبر (آمد) في: الحوادث الجامعة 27، و تاريخ الخميس 2/ 414، و المسجد المسبوك 2/ 452.

[ (2)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 676.

[ (3)] و الخبر في تاريخ الخميس 2/ 414، و المختار من تاريخ ابن الجزري 145، و البداية و النهاية 13/ 135، و دول الإسلام 2/ 135.

[ (4)] هكذا في الأصل بخط المؤلّف، و قد وهم، فليس في ذيل الروضتين شي‏ء من قول أبي شامة. و هو يقصد أبا المظفّر ابن الجوزيّ، و يتّضح ذلك في كتابه: «المختار من تاريخ ابن الجزري» ص 145، فبعد أن نقل عن ابن الجوزي، قال: قال مؤلّفه.

49

أحد يعرفنا، و لا يعضدنا، و لا معنا مال نتّجر فيه، فعاهدوني على أداء الأمانة في خدمنا، فعاهدناه، فرزقنا اللَّه بالأمانة أنّا خدمنا في أجلّ المناصب بمصر و الشّام، و رأيت جماعة ممّن كانوا أكبر منّا ببلدنا في مصر، يستعطون بالأوراق. و افتقر أهل آمد، و تمزّقوا [ (1)].

و نقل الصّلاح الإربلّيّ في أمر الملك المسعود أنّه كثرت عنه الأقاويل، و اشتهر أنّ عينه كانت ممتدة إلى حرم رعيّته، فوكّل نساء يطفن في آمد، و يكشفن عن كلّ مليحة، فإذا تحقّق ذلك سيّر من يحضرها قهرا، و يخلو بها الأيّام و يردّها. و كان ظالما. و لمّا كلموه [ (2)] في تسليم بلاده، و أنّ الكامل يعطيه خبزا [ (3)] جليلا بمصر، قال: بشرط أن لا يحجر عليّ، فإنّي ما أصبر عن المغاني و النّساء. فلمّا أدّى الصّلاح الرسالة إلى الكامل، تضاحكوا.

و عمل الصلاح، و كان شاعرا:

و لمّا أخذنا آمدا بسيوفنا* * * و لم يبق [ (4)] للمخذول صاحبها حسّ‏

غدا طالبا منّا أمانا مؤكّدا* * * و قال مناي [ (5)] ما تطيب به النّفس‏

سلامة أيري ثمّ كسّ أنيكه [ (6)]* * * فقلنا له خذ ما تمنّيت يا نحس‏

[ (7)] ثمّ سلّم الكامل جميع ذلك لولده الصّالح نجم الدّين أيّوب [ (8)].

تقليد الخليفة بسلطنة الكامل‏

و توجّه القاضي الأشرف أحمد ابن القاضي الفاضل رسولا من الكامل [ (9)]، ثمّ مع رسول الخلافة الصّاحب محيي الدّين ابن الجوزيّ [ (10)] إلى‏

____________

[ (1)] في المختار من تاريخ ابن الجزري زيادة عمّا هنا.

[ (2)] في المختار 146: «و ما جاءوه في تسليم». و المثبت هنا هو الصحيح.

[ (3)] في المختار: «خيرا» و المثبت هو الصحيح. و الخبز هو الأعطيات و المخصّصات المرتّبة.

[ (4)] في المختار 146: «نبق».

[ (5)] في المختار: «مقال».

[ (6)] في المختار 146: «سلامة أيدي ثم كيس أتيت به».

[ (7)] في المختار 146: «يا نجس».

[ (8)] الخبر أيضا في: تاريخ الخميس 2/ 414.

[ (9)] زاد في المختار: «إلى العراق».

[ (10)] في المختار: «محيي الدين يوسف ابن الجوزي».

50

الكامل، و معه تقليد من المستنصر باللَّه بسلطنة الكامل، من إنشاء الوزير أبي الأزهر أحمد ابن النّاقد، و بخطّ العدل ناصر بن رشيد، و في أعلاه بخطّ الوزير: «للآراء المقدّسة زادها اللَّه جلالا و تعظيما مزيد شرفها في تتويجه».

و تحت البسملة علامة المستنصر بخطّه: «اللَّه القاهر فوق عباده» [ (1)].

و أوّله خطبة و إسراف في تعظيم الخليفة [ (2)]، و فيه: «و آمره بتقوى اللَّه، و بكذا، و بكذا».

و في أوائله: «و لمّا وفّق اللَّه تعالى نصير الدّين محمد بن سيف الدّين أبي بكر بن أيّوب [ (3)] من الطّاعة المشهورة [ (4)]، و الخدم المشكورة»، إلى أن قال:

«و وسمه- يعني الخليفة- بالملك الأجل، السيّد الكامل، المجاهد، المرابط، نصير الدّين، ركن الإسلام، أثير الإمام، جمال الأنام [ (5)]، سند الخلافة، تاج الملوك و السّلاطين، قامع الكفرة و المشركين، ألب غازي بن [ (6)] محمد بن أبي بكر، معين أمير المؤمنين، رعاية لسوابق خدمه [ (7)]، و خدم أسلافه» [ (8)].

ظ

الغلاء ببغداد

و فيها كان الغلاء ببغداد، و أبيع كرّ القمح بنيّف و ثمانين دينارا [ (9)].

الواقعة بين صاحب ماردين و صاحب الروم و الأشرف‏

و فيها وقع بين صاحب ماردين، و بين صاحب الروم، و الملك الأشرف، فنزل صاحب ماردين، و جاءته عساكر الروم فحاصروا حرّان و الرّها و الرّقة،

____________

[ (1)] وقع في المطبوع من: «المختار»: «عبارة» بالراء.

[ (2)] في المختار زيادة: «و هو مائتا سطر، أسطر طوال جدا من كتابة الشمس الجزري، و فيه يأمره بكذا و أمره بكذا و نحو ذلك من الوصية بالتقوى و الكتاب و السّنة و العلم و الجهاد و النظر في الولاة و القضاة».

[ (3)] في المطبوع من المختار 147: «أبي بكر أيوب».

[ (4)] في المطبوع من المختار 147: «المشهودة».

[ (5)] زاد في المختار: «جلال الدولة، فخر الملّة، عزّ الأمة».

[ (6)] في المطبوع من تاريخ الإسلام (الطبقة الثالثة و الستون) ص 40: «ألب غازي بك».

[ (7)] في المطبوع من تاريخ الإسلام: «خدمة».

[ (8)] انظر نص التقليد بكاملة في: نهاية الأرب 29/ 174- 189.

[ (9)] خبر الغلاء في: المختار 146.

51

فاستولوا على الجزيرة. و فعلت الروم في هذه البلاد كما تفعل التّتار [ (1)].

دخول مكة

و فيها جمع راجح بن قتادة جمعا، و قدم مكّة، فدخلها، و طرد عنها عسكر صاحب مصر الملك الكامل [ (2)].

رسليّة الجيليّ‏

و في ربيع الأوّل نفّذ أبو صالح نصر بن عبد الرزّاق الجيليّ رسولا إلى مظفّر الدّين صاحب إربل، و بدر الدّين صاحب الموصل.

وفاة صاحب إربل‏

و في رمضان توفّي صاحب إربل، فتقدّم إلى شرف الدّين إقبال الخاصّ الشّرابيّ بالتّوجّه إلى إربل، فتوجّه بالعساكر، و جعل مقدّمها جمال الدّين قشتمر. و كان بقلعة إربل خادمان: برنقش [ (3)]، و خالص، فكاتبا عماد الدّين زنكي، صهر مظفّر الدّين، يحثّانه على المجي‏ء ليعطياه البلد. فلمّا وصل عسكر الخليفة، عصيا و تمرّدا. فشرعوا في محاصرتهم، و تفاقم الشّرّ، ثمّ زحف العسكر على البلد، و حمي القتال، ثمّ ظهروا على إربل، و ألقوا النّار في أبوابها، و دخلوها، و نهب الأوباش بعض الدّور، و سلّمت القلعة، و رتّب بها نواب للخليفة، و ضربت البشائر ببغداد. و أمّر على إربل شمس الدّين باتكين [ (4)] أمير البصرة، فسار إليها و رتّب بها عارض الجيش تاج الدّين محمد بن صلايا العلويّ [ (5)].

____________

[ (1)] خبر (الواقعة) في: المختار 147، و البداية و النهاية 13/ 135، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 677.

[ (2)] انظر خبر (قتادة) في: الحوادث الجامعة 27، و نهاية الأرب 29/ 190، و السلوك ج 1 ق 1/ 245، و العسجد المسبوك 2/ 452.

[ (3)] في المختار من تاريخ ابن الجزري 147: «برتقش»، و المثبت يتفق مع: الحوادث الجامعة.

[ (4)] في المطبوع من المختار: «تابكين» و هو تصحيف، و المثبت يتفق مع: الحوادث الجامعة 30.

[ (5)] خبر (إربل) في: الحوادث الجامعة 28- 29، و المختار من تاريخ ابن الجزري 147- 148، و العسجد المسبوك 2/ 454.

52

استيلاء عسكر الكامل على مكة

و فيها جاء من جهة الكامل عسكر استولوا على مكّة، و هرب راجح بن قتادة [ (1)].

فراغ دار الحديث الأشرفية

و فيها فراغ دار الحديث الأشرفيّة، و فتحت ليلة نصف شعبان، و قرئ بها «البخاريّ» على ابن الزّبيديّ، و سمعه خلائق. و كانت أوّلا تعرف بدار قايماز النّجميّ مولى نجم الدّين أيّوب [ (2)].

____________

[ (1)] خبر مكة في: الحوادث الجامعة 27، و العسجد المسبوك 2/ 455.

[ (2)] انظر عن (دار الحديث الأشرفية) في: ذيل الروضتين 161، و نهاية الأرب 29/ 189- 190، و البداية و النهاية 13/ 135.

53

ذكر من توفي فيها

سنة إحدى و عشرين و ستمائة

حرف الألف‏

1- أحمد بن عليّ [ (1)] بن أحمد. أبو العباس، البردانيّ [ (2)]، الضرير.

قدم بغداد، و حفظ القرآن، و قرأ بالروايات، و رحل، فقرأ بالعشرة على ابن الباقلّاني، و برع في التّجويد، و حفظ الحروف. و كان يقرأ في التراويح بالشّواذّ رغبة في الشّهرة.

قال ابن النّجّار: لم يكن في دينه بذاك، سمعت قراءته و كانت في غاية الحسن، لم أسمع قارئا أشدّ صوتا منه. أنشدني أحمد بن عليّ، أنشدنا ابن المعلّم لنفسه بواسط:

وقفت أشكو اشتياقي و السّحاب به‏* * * فانهلّ دمعي و ما انهلّت عزاليه‏

النار من زفراتي لا بوارقه‏* * * و الماء من عبراتي لا عواديه‏

يوهي قوى جلدي من لا أبوح به‏* * * و يستحلّ دمي من لا أسمّيه‏

لم أدر حين بدا و الكأس في يده‏* * * من ريقه الخمر أم عينيه أم فيه‏

فما المدامة إلا من ثنيّته‏* * * و لا التّظلّم إلّا من تثنّيه‏

____________

[ (1)] انظر عن (أحمد بن علي) في: التكملة لوفيات النقلة 3/ 121 رقم 1978، و نكت الهميان 114، و الوافي بالوفيات 7/ 188 رقم 2132.

[ (2)] البرداني: نسبة إلى البردان قرية من قرى بغداد.

54

حكت جواهره أيامه فصفت‏* * * و حدّثت عن لياليه لآليه‏

فيه من النّاس ما في الناس من حسن‏* * * و ليس في الخلق معنى من معانيه‏

2- أحمد بن محمد بن عليّ [ (1)] أبو العبّاس، القادسيّ، ثمّ البغداديّ، الضّرير، الحنبليّ، المقرئ، والد- المؤرّخ الّذي ذيّل على «المنتظم» لابن الجوزيّ- أبي عبد اللَّه محمّد.

ولد في حدود سنة ثمان و أربعين و خمسمائة. و قرأ القرآن على عبد اللَّه ابن أحمد الدّاهريّ. و سمع من: يحيى بن ثابت، و أبي الحسين عبد الحقّ، و غيرهما.

و هو من أهل القادسيّة: قرية بين سامرّاء و بغداد، لا قادسية الكوفة المشهورة، و من أعمال جزيرة ابن عمر قرية القادسية، و من نواحي إربل، أخرى. توفّي في شوّال. و كان صالحا خيّرا.

3- أحمد بن محمد بن الحسين [ (2)] بن مفرّج بن حاتم بن الحسن بن جعفر. القاضي، أبو المعالي، المقدسيّ، ثمّ الإسكندرانيّ، المنعوت بالصّفيّ ابن الواعظ. هو ابن عمّ الحافظ عليّ بن المفضّل.

سمع من: السّلفيّ، و عبد الواحد بن عسكر، و محمد بن عليّ ابن العريف.

روى عنه الزّكيّ المنذريّ، و قال: توفّي في المحرّم.

4- أحمد بن مطيع [ (3)] بن أحمد بن مطيع. أبو العبّاس، الباجسرائيّ.

صحب الشيخ عبد القادر، و قرأ عليه كتاب «الغنية» تصنيفه. و حدّث.

و كان مقيما بقرية باجسرى من نواحي بغداد، و بها مات في المحرّم.

____________

[ (1)] انظر عن (أحمد بن محمد بن علي) في: معجم البلدان 4/ 9، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 224، و ذيل الروضتين 143- 144، و التكملة لوفيات النقلة 3/ 130 رقم 1999، و المشتبه 2/ 492، و البداية و النهاية 13/ 104، و توضيح المشتبه 7/ 11، و شذرات الذهب 5/ 94.

[ (2)] انظر عن (أحمد بن محمد بن الحسن) في: التكملة لوفيات النقلة 3/ 115 رقم 1964.

[ (3)] انظر عن (أحمد بن مطيع) في: التكملة لوفيات النقلة 3/ 116 رقم 1966.