عوالم العلوم و المعارف - ج2

- الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني‏ المزيد...
632 /
1

الجزء الخامس عشر عوالم العلوم و المعارف و الأحوال من الآيات و الأخبار و الأقوال ج 15/ 3 الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) «حديث الغدير» للمحدّث الكبير المتتبّع الخبير الشّيخ عبد اللّه البحراني الاصفهاني «و مستدركاتها» لسماحة السّيّد محمّد باقر بن المرتضى الموحّد الأبطحي الاصفهاني‏

2

بمناسبة مرور 1414 عاما على إبلاغ رسول ربّ العالمين رسالة ربّه‏ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏ و نصبه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أوّل أوصيائه الأئمّة الاثنى عشر، و تصريحه في خطبته عام حجّة الوداع يوم غدير خمّ الاغرّ بقوله «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» و قد قال (صلى اللّه عليه و سلّم) قبل ذلك أكيدا و مكرّرا «إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي» تقديم هذا الكتاب هديّة و تهنئة و تبريك إلى امّته (صلى اللّه عليه و سلّم) و شيعة علي (عليه السلام) و لا سيّما إلى خاتم أوصيائه الإمام الثاني عشر الموعود المنتظر (عليه السلام) الذي يملأ اللّه بظهوره الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا.

هويّة الكتاب‏

الكتاب: عوالم العلوم و المعارف و الأحوال من الآيات و الأخبار و الأقوال:

المجلّد: ج 15/ 3

في أحوال إمام المشارق و المغارب مولانا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في النصّ على إمامته (عليه السلام) في حديث الغدير

المؤلّف: العلّامة الشيخ عبد اللّه بن نور اللّه البحراني الأصفهاني ((قدس سره)).

من أعلام تلامذة شيخ الإسلام العلّامة المجلسي الأصفهاني ((قدس سره)).

المستدركات: لسماحة السيّد محمّد باقر نجل آية اللّه المرتضى الموحّد الأبطحي الأصفهاني تحقيق و نشر: مؤسّسة الإمام المهدي (عليه السلام).

الطبعة: الثانية- 1382 ه. ش. التاريخ: ذو الحجّة الحرام، أيّام عيد الغدير.

المطبعة: أنصار المهدي (عليه السلام)- قم المقدّسة.

العدد: 1000 نسخة.

شابك: 3- 7- 94159- 964.

حقوق الطبع و النشر محفوظة للمؤسّسة- تلفون: 7703060.

تذكرة للمرحوم الحاج محمّد حسن الرجالي الأصفهاني‏

3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

4

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ‏ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً

()

5

الإهداء

إلى خاتم الأنبياء و الرسل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)؛ إلى من بلّغ رسالات ربّه، و غرس بذرة الولاء لعليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم «غدير خمّ» إلى من أعلنها كلمة حقّة، و صرخة مدويّة لإكمال الدين و إتمام النعمة و رضى الربّ بأمره تعالى فقال (صلّى اللّه عليه و آله):

«أ لست أولى بكم من أنفسكم»؟ قالوا: بلى. فقال:

«من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه ...».

و إلى خليفته و وصيّه و ابن عمّه و زوج بضعته «الزهراء البتول»:

«الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)» و إلى أبنائه حجج اللّه على عباده من بعده؛ و إلى خاتم أوصيائه الإمام المهديّ المنتظر (صلوات اللّه عليهم) جميعا؛ إليكم جميعا نقدّم هذا الجهد المتواضع، لتكونوا لنا شفعاء يوم فقرنا و فاقتنا؛ يوم لا ينفع مال و لا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم.

6

المقدّمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه خالق كلّ شي‏ء و وليّه، ذي الكبرياء و العظمة و الجلالة، الّذي هدانا بالشمس إذ جلّاها و القمر إذ تلاها، و منّ علينا بهداية الرسالة و الخلافة؛ فبعث في الامّيّين رسولا و سراجا منيرا، و خصّ يوما بإكمال الدين و إتمام النعمة و رضا الربّ بالإسلام دينا، لتثبيت أهميّة الولاية في إخلاد الرسالة، فله الحمد على ما هدانا لها و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه، أمانا من الحيرة و الضلالة؛ و صلّى اللّه على حبيبه محمّد رسول اللّه البقيّة من إبراهيم خليل اللّه، الّذي ختمت به النبوّة و الرسالة، و هو الّذي بلّغ رسالات ربّه كما أمره في أشهر زمان و مكان، لتعيين وزيره و خليفته بأحسن حديث و أتمّ دلالة؛ و على وصيّه أمير المؤمنين المنصوص بأنّه لا يؤدّي- الرسالة- عنه إلا هو، و أنّه الدائر مع الحقّ حيثما دار، فإنّه رمز الإيمان و الولاء، و معدن الحكمة و العلم و العدالة و على صفوة اللّه من ذرّيّته و أهل بيته أطهر الخلق و أنبل الأنام و أشرف سلالة، سيّما المهديّ صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه الشريف) مظهر الحقّ و محيي آثار النبوّة و مجتثّ جذور الشقاوة و الجهالة ....

و بعد، فإنّ واقعة الغدير حادثة عظمى في تاريخ البشريّة؛ لأنّها نظّمت مسألة الخلافة و الوصاية بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و هذا بلا ريب أمر خطير و ضرورة حياتيّة يحتّمها التسلسل القيادي لبني البشر، إذ لا بدّ من قائد يرعى مصالح الامّة، و ينظّم شئونها، و يدير امورها.

7

و سيبدو لنا عظم هذا الأمر جليّا إذا أخذنا بنظر الاعتبار الظروف الموضوعيّة للامّة الإسلاميّة باعتبار أن قيادتها إلهيّة تمتاز عن الحكومات الوضعيّة في امور كثيرة.

فبعد أن صدع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بأمر ربّه الكريم، و بلّغ رسالاته، و سنّ اسس الشريعة السمحاء و قرّر اصولها و فروعها، كان لا بدّ له من وزير و وصيّ يخلفه في إكمال المسيرة بحيث يعد ممثّلا له و لا يؤدّي عنه إلّا هو، و يكون عمله امتدادا للرسالة و ذلك بممارسة دوره في البيان و التبيين و التبليغ، و تفصيل ما كان مجملا، و تفسير ما كان مشكلا، و تحليل ما كان معضلا، و القتال على تأويل القرآن كما قاتل (صلّى اللّه عليه و آله) على تنزيله، و كان عليه أيضا أن يثني الوسادة، و يتحمّل مسئوليّته الجليلة في تنوير أذهان المسلمين و تربيتهم و تهذيبهم، و أن يكون مرجعا لهم في كلّ امورهم الحياتيّة، و ما إلى ذلك من المهامّ الّتي لا تتأتّى و لا يأتي بها إلّا من اختاره اللّه.

أضف إلى هذا أنّ الأرضيّة الصلبة الّتي ينبغي للامّة الإسلاميّة أن تقف عليها لم تتكامل بعد، و ذلك لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يبيّن و يفصّل جميع الامور بحذافيرها حدّ البلاغ المبين و إن أشار إليها في مواطن كثيرة، و هذا إمّا لعدم توفّر الظرف المناسب، أو لأنّ الإمكانيّات الذاتيّة لدى الأفراد لم تكن مستعدّة لقبول مثل تلك الامور و استيعابها دون أن يمضي وقت كاف على إيمانهم و ذوبانهم في الإسلام.

و عند ما نضع في الحسبان أن تلك القيادة الدينيّة و الدنيويّة و المؤطرة بخاصيّة الأزليّة و إمكانيّة القيادة و الهداية إلى يوم القيامة كانت بيد خاتم النبيّين (صلّى اللّه عليه و آله)، الّذي «ما ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى» و أنّه معصوم و مسدّد من اللّه تعالى، يظهر لنا واضحا جسامة الأمر و عظم خطره، و أنّ اختيار الشخص الّذي سيخلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و المؤهّل بالكفاءة العالية الّتي تمكّنه من النهوض بذلك العب‏ء الثقيل و القيام بواجبه المقدّس خير قيام- ناهيك عن ضرورة عصمته و علمه الواسع و اطّلاعه و خبرته بدقائق الامور و شجاعته و حلمه و حكمته- هو ليس بالأمر الهيّن‏

8

الّذي يمكن للامّة أن تقرّره و تختاره ببساطة، معتمدة في ذلك على عقول أفرادها القاصرة و الخاضعة للأهواء المتباينة؛ بل صار لزاما على الامّة أن تخضع في ذلك لما يقرّره و يختاره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن اللّه جلّ و علا، و ذلك لأنّه سبحانه و تعالى يقول: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى‏ (1) و قال أيضا: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ‏ (2)؛ و قال أيضا: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏ (3).

و جدير بالذكر هنا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يعلن بين الفينة و الاخرى عن وصيّه و خليفته- منذ الأيّام الاولى للدعوة الإسلاميّة- و كان أوّلها يوم أمره جلّ جلاله أن ينذر عشيرته الأقربين‏ (4) من العذاب الإلهي، و يدعوهم إلى عقيدة التوحيد قبل أن يبدأ دعوته العامّة للناس كافّة، و يومها قال (صلّى اللّه عليه و آله):

«أيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم»؟

فأحجم القوم، و قام الإمام عليّ (عليه السلام) و أعلن مؤازرته و تأييده، فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيده، و قال أمام الحاضرين: «إنّ هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم».

ثمّ كان آخرها و أعظمها و أشهرها عند غدير خمّ يوم أعلنها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمام الملأ صرخة حقّ مدوية ما زال التاريخ يردّدها بشغف و تقدير، يوم أمره الباري تبارك و تعالى بتبليغ ما انزل إليه- من قبل- و علّق كلّ أعماله السابقة بل تمام نبوّته (صلّى اللّه عليه و آله) بأداء هذا الأمر الخطير و وعده العصمة من الناس.

و هنا تكمن جلالة هذا اليوم، و تتجلّى عظمة تلك الشخصيّة الّتي أرادها اللّه تعالى أن تكون خليفة لحبيبه و خاتم أنبيائه، و الّتي بنصبها كمل الدين و تمّت النعمة و رضي الربّ بالإسلام دينا.

____________

(1) الليل: 12.

(2) الحشر: 7.

(3) الأحزاب: 36.

(4) إشارة إلى قوله تعالى‏ «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» سورة الشعراء: 214.

9

حقّا كان يوما خالدا، و وقفة خالدة، و كلمة باقية أطلقها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ما انفكّت حروفها ساطعة تتلألأ في بطون الكتب: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، و أدر الحقّ معه حيثما دار».

و ذلك بعد ما حجّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حجّته الأخيرة المعروفة «بحجّة الوداع» و قد حجّ معه أكثر من مائة و عشرين ألفا، فلمّا قضى مناسكه و انصرف راجعا إلى المدينة، و وصل إلى غدير خمّ من الجحفة، و ذلك يوم الثامن عشر من ذي الحجّة، نزل إليه الأمين جبرئيل عن اللّه بقوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏ و أمره أن يقيم عليّا علما للناس، و يبلّغهم ما نزل فيه من الولاية، و كان ذلك اليوم هاجرا يضع الرجل بعض ردائه على رأسه و بعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء، فظلّل لرسول اللّه بثوب على شجرة سمرة من الشمس، و جمعت له أقتاب الإبل، فاعتلاها (صلّى اللّه عليه و آله) و عليّ (عليه السلام) معه، و ألقى في تلك الجموع المحتشدة خطابا بليغا: ذكّرهم فيه بلقاء اللّه، و أنّ الجنّة حقّ، و أنّ النار حقّ، و أنّ البعث بعد الموت حقّ.

ثمّ قال: ... إنّي أشهد أنّ اللّه مولاي و أنا مولى كلّ مسلم، و أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهل تقرّون بذلك؛ و تشهدون لي به؟ فقالوا: نشهد لك بذلك.

فقال: «ألا من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ...» و هو هذا.

ثمّ أخذ بيد عليّ (عليه السلام) فرفعها حتّى بدت آباطهما. (1)

و حريّ بالإشارة هنا إلى أنّ المتعمّق و المتتبّع لدراسة مواضيع القرآن الكريم، يجد ذكرا لثلاثة أيّام أو وقائع تنحصر بين يوم (بدء) خلق اللّه تعالى السماوات و الأرضين و ما بينهما و ما بثّ فيهما من دابّة في ستّة أيّام، و بين يوم يجمع اللّه فيه الأوّلين و الآخرين يوم القيامة؛ و إنّما نحدّدها «ثلاثة» لما حدث فيها من وقائع و أحداث تاريخيّة جسام، و لما ترتّب عليها من آثار هزّت الأفكار و العقائد، باتّخاذها طابع الانصياع و الانقياد

____________

(1) انظر خطبته (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الغدير و أخذه البيعة لعلي (عليه السلام) ح 255.

10

و الإيمان و الالتزام و السموّ و الرفعة، أو بفرزها حالة الاختلاف و التمرّد و الافتراق و الفتنة و الانحطاط و السقوط.

و هذه الأيّام أو الوقائع هي:

1- يوم خلق اللّه سبحانه و تعالى آدم (عليه السلام) فاستجابت الملائكة، و انفرد إبليس بعصيانه، فترتّب عليه، ما ترتّب من امور معروفة:

و إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ‏ ... إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ ....

2- يوم كان الناس أمّة واحدة، فبعث اللّه النبيّين، عصرا بعد عصر، مبشّرين و منذرين، فاختلف الناس فيما بينهم، فأهلك اللّه الظالمين، و أنشأ قرونا آخرين ...

و هكذا جرت السنّة الإلهيّة، حتّى منّ اللّه تعالى على الناس إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم- و هو خاتم النبيّين- يتلو عليهم آياته، و يبيّن لهم ما كانوا فيه يختلفون، لئلّا يكون للناس على اللّه حجّة، و ليهلك من هلك عن بيّنة، و يحيى من حيّ عن بيّنة و تكون للّه الحجّة البالغة.

3- يوم إكمال الدين و إتمام النعمة و رضا الربّ بنصب عليّ (عليه السلام) بالولاية في يوم غدير خمّ، يوم أمر سبحانه و تعالى خاتم أنبيائه (صلّى اللّه عليه و آله)- بالتأكيد و التهديد الّذي لا مثيل له- قائلا: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏.

و ذلك بعد منصرفه من حجّة الوداع، و قبيل وفاته (صلّى اللّه عليه و آله) بمدة قليلة، و عندها أطلق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مقولته الأبديّة: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه» الّتي قرعت أسماع الألوف ممّن حضر الموقف، فأنزل اللّه تعالى:

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (1) فتهافت القوم يتقدّمهم أبو بكر و عمر و عثمان و طلحة و و ... يهنّئون و يباركون‏

____________

(1) المائدة: 3.

11

و يبايعون، ما بين قائل بلسانه و مقرّ بجنانه، و ما بين مردّد لكلمات ألجأه الموقف للفظها، ثمّ نكثها بعد ذلك و نساها حتّى كأنّه ما سمع شيئا! و هناك أيضا من زيّن له الشيطان سوء عمله فعصى و تجبّر، و طغى و تكبّر، فكان جزاؤه وافرا من الخزي و الذلّ في الدنيا، و العذاب الأليم في الآخرة بما كسبت يداه.

فهذا رجل يقول دون أدنى حياء أو خجل من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

«لا نصدّق محمّدا على مقالته، و لا نقرّ لعليّ بولايته»! فأنزل سبحانه و تعالى: فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى* وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى‏ (1).

و ذاك الحارث الفهري- و قيل: جابر العبدري- يجادل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تعنّتا و بمنتهى التجبّر و الغباء، و قد بلغ من تفاهته و حقده أن قال: ... رفعت ضبع ابن عمّك ففضّلته علينا و قلت: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» أ فهذا الشي‏ء منك أم من اللّه؟

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و الّذي لا إله إلّا هو، إنّ هذا من اللّه.

فولّى الحارث يريد راحلته و هو يقول: اللّهمّ إن كان ما يقول محمد حقّا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فما وصل إليها حتّى رماه اللّه بحجر، فسقط على هامته، و خرج من دبره فقتله، و أنزل تعالى:

سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ‏ (2).

فنال كلّ شقيّ منهما جزاء فعلته، و ذهب بعارها و شنارها إلى يوم القيامة.

و الّذي يهمّنا هنا- عزيزي القارئ- هو المقطع الثالث:

أعني واقعة الغدير، تلك الواقعة الّتي رواها جمع عديد من الصحابة و التابعين و نقلها الحفّاظ و أئمّة الحديث، و فاضت بها الصحاح و المسانيد، و اتّفق أرباب السير و التاريخ و التفسير و المحدّثون على صحّتها و شهرتها و تواترها، بشكل لم تشهد بمثله واقعة اخرى في تاريخنا الإسلامي المجيد، سيّما و قد اختصّها اللّه بآيتين من القرآن الكريم في سورة المائدة المتقدّم ذكرهما؛

____________

(1) القيامة: 31.

(2) المعارج: 1.

12

بل لم تحظ حادثة اخرى بالبحث و تستقطب اهتمام مختلف الطبقات كما حظيت به هذه الواقعة الّتي احتلّت عرش صدارة الأحداث.

و ممّا تجدر الإشارة إليه أنّ مسألة الإمامة و الخلافة هي ليست بالشي‏ء الطارئ، أو أنّها وليدة واقعة «الغدير».

ذلك بأنّ اللّه سبحانه و تعالى قد ذكرها في عدد من آي الذكر الحكيم.

و قد أورد الطبرسي في «الاحتجاج» عن عبد العزيز بن مسلم؛ عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال- ضمن حديث طويل-:

إنّ الإمامة أجلّ قدرا، و أعظم شأنا، و أعلى مكانا، و أمنع جانبا، و أبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالونها بآرائهم، فيقيموها باختيارهم.

إنّ الإمامة خصّ اللّه عزّ و جلّ بها إبراهيم الخليل بعد النبوّة و الخلّة، مرتبة ثالثة و فضيلة شرّفه اللّه بها، فأشاد بها ذكره؛ فقال عزّ و جلّ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فقال الخليل سرورا بها: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي* قال اللّه عزّ و جلّ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏ (1).

فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة، و صارت في الصفوة، ثمّ أكرمه اللّه عزّ و جلّ بأن جعل في ذرّيته أهل الصفوة و الطهارة، فقال تعالى:

وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ‏ (2).

فلم تزل في ذرّيته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا، حتّى ورثها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ‏ (3).

____________

(1) البقرة: 124.

(2) الأنبياء: 72- 73.

(3) آل عمران: 68.

13

فكانت له خاصّة، فقلّدها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام) بأمر اللّه على رسم ما فرض اللّه، فصارت في ذرّيته الأصفياء (1) الّذين آتاهم اللّه العلم و الإيمان، بقوله عزّ و جلّ:

وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى‏ يَوْمِ الْبَعْثِ‏ (2).

فهي في ولد علي (عليهم السلام) خاصّة إلى يوم القيامة إذ لا نبيّ بعد محمّد (صلّى اللّه عليه و آله). (3)

و روى الصدوق في «عيون أخبار الرضا» بإسناده إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال: بينما أنا أمشي مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في بعض طرقات المدينة، إذ لقينا شيخ طويل كثّ اللحية، بعيد ما بين المنكبين، فسلّم على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و رحّب به، ثمّ التفت إليّ، فقال: السلام عليك يا رابع الخلفاء و رحمة اللّه و بركاته، أ ليس كذلك هو يا رسول اللّه؟

فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): بلى. ثمّ مضى.

فقلت: يا رسول اللّه! ما هذا الّذي قال لي هذا الشيخ، و تصديقك له؟

____________

(1) انظر إلى ما تقدّم في كتاب «النصوص على الأئمّة الاثنى عشر، و فيها كثير من النصوص الالهيّة و النبويّة الشريفة المصرّحة بأسمائهم (عليهم السلام)؛ و في طليعتهم عليّ (عليه السلام) فإنّه نفس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في آية المباهلة:

أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏ و إنّه بمنزلة هارون من موسى؛ في النبوي المتواتر، و من بعده (عليه السلام) أطلق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نصوصا- بلغت حدّ التواتر- بحقّ الحسن و الحسين و أولاده إلى المهدي الموعود المنتظر (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، بأنّهم الأئمّة و الأوصياء و كلّهم من قريش، اولئك الّذين جعلهم اللّه «أئمّة يهدون بأمره» و هم الأصفياء في كتابه، قال:

«و الّذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحقّ مصدّقا لما بين يديه ....

ثمّ أورثنا الكتاب الّذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات بإذن اللّه ذلك هو الفضل الكبير» فاطر: 32.

علما بأن ايراث اللّه كتابه بعد وحيه إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خاصّ بمن اصطفاه من جميع عباده و كان هذا فضلا كبيرا من اللّه و عهدا لا يناله الظالم، و لا يستأهله من بينهم إلّا من كان سابقا بالخيرات بإذنه و من المقرّبين لديه.

(2) الروم: 56.

(3) الاحتجاج: 2/ 226.

14

قال: أنت كذلك- و الحمد للّه- إنّ اللّه عزّ و جلّ قال في كتابه:

إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (1) و الخليفة المجعول فيها آدم (عليه السلام)، و قال:

يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ‏ (2) فهو الثاني.

و قال عزّ و جلّ حكاية عن موسى حين قال لهارون: و اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ‏ (3) فهو هارون إذ استخلفه موسى في قومه، فهو الثالث.

و قال عزّ و جلّ: وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ (4).

فكنت أنت المبلّغ عن اللّه و عن رسوله، و أنت وصيّي و وزيري و قاضي ديني و المؤدّي عنّي ... الخبر. (5)

و يا حبّذا وقفة قصيرة نطّلع من خلالها على كيفيّة تبليغه (عليه السلام) عن اللّه و رسوله لسورة براءة؛ فقد روى الطبرسي و البلاذري و الترمذي و الواقدي و الشعبي و السدي و الثعلبي و الواحدي و القرطبي و القشيري و السمعاني و أحمد بن حنبل و ابن بطّة و محمد بن إسحاق و أبو يعلى الموصلي و الأعمش و سمّاك بن حرب في كتبهم، عن عروة بن الزبير و أبي هريرة و أنس و أبي رافع و زيد بن نفيع و ابن عمر و ابن عباس- و اللفظ له- أنّه لمّا نزلت‏ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ إلى تسع آيات، أنفذ النبيّ أبا بكر لأدائها؛ فنزل جبرئيل، و قال: إنّه لا يؤدّيها إلّا أنت أو رجل منك. فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): اركب ناقتي العضباء و الحق أبا بكر، و خذ «براءة» من يده.

قال: و لمّا رجع أبو بكر إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) جزع و قال: يا رسول اللّه! إنّك أهّلتني لأمر طالت الأعناق فيه، فلمّا توجّهت له رددتني عنه.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): الأمين هبط إليّ عن اللّه تعالى أنّه «لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك» و عليّ منّي، و لا يؤدّي عنّي إلّا عليّ.

____________

(1) البقرة: 30.

(2) سورة ص: 26.

(3) الأعراف: 142.

(4) التوبة: 3.

(5) عيون أخبار الرضا: 2/ 9 ح 23.

15

و يستفاد من الأحاديث القدسيّة و النبويّة أنّ اللّه جلّ جلاله لم يبعث نبيّا إلّا و قد جعل له وزيرا:

روى الصدوق في «أماليه» بإسناده إلى ابن عبّاس، قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا اسري به إلى السماء انتهى به جبرئيل إلى نهر يقال له «النور» و هو قول اللّه عزّ و جلّ: جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ فلمّا انتهى به إلى ذلك النهر، قال له جبرئيل:

يا محمّد اعبر على بركة اللّه، فقد نوّر اللّه لك بصرك ...؛

فعبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى انتهى إلى الحجب ... فتقدّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما شاء اللّه أن يتقدّم، حتّى سمع ما قال الربّ تبارك و تعالى:

«أنا المحمود و أنت محمّد، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، و من قطعك بتكته، انزل إلى عبادي، فأخبرهم بكرامتي إيّاك، و أنّي لم أبعث نبيّا إلّا جعلت له وزيرا، و أنّك رسولي، و أنّ عليّا وزيرك» (1).

أضف إلى جانب هذا أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) كان يفصح عن خليفته- كما أسلفنا ذكره- في العديد من المناسبات، و أنّه نزلت بشأنه الآيات الكثيرة، و كان يبيّن رفيع منزلته و عظيم مكانته، و كان التاريخ يسجّل لنا- في بطون الكتب- العديد من الأحاديث النبويّة الشريفة بمجموعها، الّتي اشتهرت إلى حدّ التواتر؛ و لا بأس عزيزي القارئ- أن نقف على بعض ممّا قاله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

«ما من نبيّ إلّا و له نظير، و عليّ نظيري».

«من كان اللّه و رسوله وليّه فعليّ وليّه».

«عليّ وليّ المؤمنين من بعدي». «عليّ وليّي في كلّ مؤمن بعدي».

«عليّ أخي و وصيّي و وارثي و خليفتي من بعدي».

«عليّ أخي و وصيّي و وارثي و خليفتي من بعدي».

عليّ أخي و وزيري و خير من أترك بعدي».

«عليّ منّي و أنا منه، و هو وليّ كلّ مؤمن بعدي».

____________

(1) يأتي ح 1.

16

«عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي».

«عليّ راية الهدى و إمام أوليائي».

«عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض».

«اوحي إليّ في عليّ ثلاث:

إنّه سيّد المسلمين، و إمام المتّقين، و قائد الغرّ المحجّلين».

«أنا و عليّ حجّة على أمّتي يوم القيامة».

«لا يبلّغ عنّي إلّا أنا أو رجل منّي».

«لا يؤدي عنّي إلا عليّ».

«عليّ سيّد مبجّل، مؤمّل المسلمين، و أمير المؤمنين، و موضع سرّي و علمي، و بابي الّذي يؤوى إليه، و هو الوصيّ على أهل بيتي و على الأخيار من أمّتي؛ و هو أخي في الدنيا و الآخرة».

«من سرّه أن يحيى حياتي و يموت مماتي، و يسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوال عليّا من بعدي، و ليوال وليّه ...».

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام): «أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّك لست بنبيّ، و أنّه لا ينبغي أن أذهب إلّا و أنت خليفتي».

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام):

إنّ اللّه اطّلع على أهل الأرض فاختار أباك فبعثه نبيّا، ثمّ اطّلع الثانية فاختار بعلك، فأوحى إليّ فأنكحته و اتّخذته وصيّا».

و غيرها من النصوص الّتي تثبت أحقّية عليّ (عليه السلام) بالخلافة، و تقطع المعاذير، و تنهي الخصام، و تغلق الباب على أعمى البصيرة إذا أراد أن يقول:

لو لا نصب الرسول لنا علما نتّبعه من بعده!!

17

توصيف الإمامة و الإمام من اللّه تعالى شأنه‏

و الآن أيّها القارئ العزيز لنطالع معا وصف الإمامة و الإمام كما جاء على لسان المعصوم الثامن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)، قال:

إنّ الإمامة منزلة الأنبياء، و إرث الأوصياء.

إنّ الإمامة خلافة اللّه عزّ و جلّ، و خلافة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

إنّ الإمامة زمام الدين، و نظام المسلمين، و صلاح الدين، و عزّ المؤمنين.

إنّ الإمامة عزّ الإسلام النامي، و فرعه السامي.

بالإمام تمام الصلاة و الزكاة و الصيام و الحجّ و الجهاد، و توفير الفي‏ء و الصدقات، و إمضاء الحدود و الأحكام، و منع الثغور و الأطراف.

الإمام يحلّ حلال اللّه، و يحرّم حرام اللّه، و يقيم حدود اللّه، و يذبّ عن دين اللّه، و يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة و الموعظة الحسنة و الحجّة البالغة.

الإمام كالشمس الطالعة للعالم، و هي في الافق بحيث لا تناله الأيدي و الأبصار الإمام البدر المنير، و السراج الزاهر، و النور الساطع، و النجم الهادي في غياهب الدجى و البيداء القفار و لجج البحار.

الإمام الماء العذب على الظمأ، و الدالّ على الهدى، و المنجي من الردى.

الإمام النار على البقاع الحارّة لمن اصطلى، و الدليل على المسالك، من فارقه فهالك.

الإمام السحاب الماطر، و الغيث الهاطل، و الشمس المضيئة، و الأرض البسيطة و العين الغزيرة، و الغدير و الروضة.

الإمام الأمين الرفيق، و الوالد الشفيق، و الأخ الشقيق، و مفزع العباد في الداهية الإمام أمين اللّه في أرضه، و حجّته على عباده، و خليفته في بلاده، و الداعي إلى اللّه، و الذابّ عن حريم اللّه.

الإمام المطهّر من الذنوب، المبرّأ من العيوب، مخصوص بالعلم، موسوم‏

18

بالحلم، نظام الدين، و عزّ المسلمين، و غيظ المارقين، و بوار الكافرين.

الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، و لا يعادله عدل، و لا يوجد له بديل، و لا له مثيل و لا نظير، مخصوص بالفضل، كلّه من غير طلب منه و لا اكتساب، بل اختصاص من المتفضّل الوهّاب.

فمن ذا يبلغ معرفة الإمام و يمكنه اختياره؟! هيهات، هيهات! ضلّت العقول، و تاهت الحلوم، و حارت الألباب، و حسرت العيون، و تصاغرت العظماء، و تحيّرت الحكماء، و تقاصرت الحلماء، و حصرت الخطباء، و جهلت الألباب، و كلّت الشعراء، و عجزت الادباء، و عيّت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله، فأقرّت بالعجز و التقصير.

و كيف يوصف أو ينعت بكنهه، أو يفهم شي‏ء من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه، و يغني غناه؟! لا، و كيف، و أنّى؟! و هو بحيث النجم من أيدي المتناولين، و وصف الواصفين! فأين الاختيار من هذا؟! و أين العقول عن هذا؟! و أين يوجد مثل هذا (1)؟! و لننظر الآن عزيزي القارئ بعين الحقيقة و الإنصاف و نرى مدى قرب تلكم الصفات من الشخصيّة الخالدة الّتي اختارها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خليفة له:

أ ليست هي جزءا من شخصيّته الفذّة، إلا فمن سيكون غيره مؤهّلا للقيام بهذه المهمّة الصعبة و المسئوليّة الخطيرة؟ ثمّ أ ليس هو (عليه السلام) أوّل من آمن برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و صدّقه، و لم يسجد لصنم؟

أ ليس هو صاحب لوائه، و كاشف الكرب عن وجهه (صلّى اللّه عليه و آله) في أشدّ المصاعب و أهولها، حتّى قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الأحزاب عند ما اجتمع الشرك و النفاق لتقويض دعائم الإسلام، و هو (عليه السلام) لا يزال غضّا طريّا:

«ضربة عليّ يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين»؟

____________

(1) الاحتجاج: 2/ 227.

19

أ ليس هو الّذي بات على فراشه ليلة الهجرة عند ما تآمروا على قتله (صلّى اللّه عليه و آله) لو أد الإسلام في مهده فأنزل تعالى بحقّه:

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ‏؟ (1)

أ ليس هو خير من وصفه اللّه في كتابه- بعد خاتم المرسلين- و مدحه بآياته، و خصّه بمحكم بيّناته؟

و لعمر الحقّ إنّ الإحاطة بكلّ فضائله، و ذكر جميع مناقبه (عليه السلام) لهو المحال بعينه.

و مصداقه ما رواه الحنفي أخطب خوارزم في مناقبه بإسناده إلى ابن عباس قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «لو أنّ الغياض أقلام و البحر مداد، و الجنّ حسّاب، و الإنس كتّاب ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)». (2)

(الإمامة من اللّه باختياره لا تتجاوز آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله))

فللّه درّك يا سيّدي و مولاي يا عليّ الرضا صلوات اللّه و سلامه عليك حيث تقول:

ظنّوا أنّ ذلك يوجد في غير آل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)! كذّبتهم- و اللّه- أنفسهم و منّتهم بالباطل، فارتقوا مرتقا صعبا دحضا، تزلّ عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة، و آراء مضلّة، فلم يزدادوا منه إلّا بعدا.

قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون، لقد راموا صعبا، و قالوا إفكا، و ضلّوا ضلالا بعيدا، و وقعوا في الحيرة، إذ تركوا الإمام من غير بصيرة، و زيّن لهم الشيطان أعمالهم، فصدّهم عن السبيل و كانوا مستبصرين.

رغبوا عن اختيار اللّه و اختيار رسوله إلى اختيارهم، و القرآن يناديهم: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (3).

و قال عزّ و جلّ: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏ (4).

____________

(1) البقرة: 207.

(2) راجع في ذلك إحقاق الحق: 4/ 101 و ص 389- 392، و ج 15/ 609.

(3) القصص: 68.

(4) الأحزاب: 36.

20

ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ* أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ* إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ* أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ* سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ* أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ» (1).

و قال عزّ و جلّ: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها (2).

أم طبع اللّه على قلوبهم فهم لا يفقهون‏ (3).

أم‏ قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ* إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ* وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ‏ (4).

أم و قالُوا سَمِعْنا وَ عَصَيْنا (5) «بل هو فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم» (6). (7)

و لكن ما يؤسف له حقّا، و يندى له جبين الإنسانية أنّه بمجرّد انتقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى جوار ربّه ظهرت حقيقة السرائر الخبيثة، و انكشفت مطاوي القلوب الحاقدة، فتآمر القوم- و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا يزل مسجّى- و اختاروا لهم خليفة بعد لأي، و أخذ، و ردّ.

و بعد نجاح هذه المؤامرة و إعلان الخليفة الجديد؛ و جد المسلمون الأوائل و المؤمنون- بما في ذلك سيّدهم و أميرهم الإمام عليّ (عليه السلام)- أنّهم مضطرّون للسكوت على هذا الوضع الجديد في ذلك الظرف العصيب حرصا على وحدة المسلمين و حقنا لدمائهم، و حفظا لشوكة الإسلام الغضّ، فتربّع على كرسيّ الخلافة من هو بعيد عنها و لا حقّ له بها، فضلا عن عدم كفاءته و ضعف قدرته على تولّي مثل ذلك المنصب الإلهيّ الخطير؛

____________

(1) القلم: 36- 41.

(2) محمّد (ص): 24.

(3) اقتباس من قوله تعالى في سورة التوبة: 87، و المنافقون: 3.

(4) الأنفال: 21- 23.

(5) البقرة: 93.

(6) إشارة من قوله تعالى في سورة الحديد: 21.

(7) معاني الأخبار: 96 ضمن ح 2، إكمال الدين: 2/ 675 ضمن ح 31، عيون أخبار الرضا: 2/ 126 ضمن ح 1، الاحتجاج: 2/ 228.

21

ثمّ انتقلت الخلافة بعد ذلك بالوصاية مرة، و بالشورى مرّة اخرى؛ و قد عمل الحسد و الحقد في نفوسهم حتّى لكأنّهم لم يشفوا غليلهم بحرمان آل الرسول (صلوات اللّه عليهم) منها، بل لاحقوهم بالاضطهاد و الحرمان و القتل و التشريد.

فتعال معي اخي القارئ لننصت إلى آهات الزهراء (عليها السلام) بنت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و فلذّة كبده، يوم زفرتها و هي بين قبور الشهداء حيث كانت تزورهم بعد وفاة أبيها، و الحزن يملؤها و الآلام تعصرها، فلم تجد بدّا من ذرف الدموع السخينة كمدا و لوعة على فراق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و على ما لحقهم من غربة و ضياع بعده، تقول (عليها السلام):

«أما و اللّه لو تركوا الحقّ على أهله، و اتّبعوا عترة نبيّه، لما اختلف في اللّه اثنان و لورثها سلف عن سلف و خلف بعد خلف، حتّى يقوم قائمنا التاسع من ولد الحسين و لكن قدّموا من أخّره اللّه، و أخّروا من قدّمه اللّه، حتى إذا ألحدوا المبعوث، و أودعوه الجدث المجدوث‏ (1)، اختاروا بشهوتهم و عملوا بآرائهم، تبّا لهم، أو لم يسمعوا اللّه يقول: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ؛ بل سمعوا، و لكنّهم كما قال سبحانه و تعالى:

فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (2).

هيهات بسطوا في الدنيا آمالهم، و نسوا آجالهم، فتعسا لهم و أضلّ أعمالهم. (3)

و قد بقي أمير المؤمنين (عليه السلام) طيلة سنوات عمره الشريف يحتجّ بواقعة الغدير، و يستنشد في المنتديات و المحافل السامعين لها- ممّن كان قد حضرها- من الصحابة أن يذكّروا الناس بها، و يرووا لهم ما سمعوا من فم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان آخرها مناشدته (عليه السلام) يوم صفّين سنة 37، و في كلّ مرّة كان يقوم من حضرها و يذكر ما سمع إلّا شرذمة كتمت شهادتها حنقا و سفها و خبثا؛

____________

(1) أي: القبر المحفور.

(2) الحج: 46.

(3) كفاية الأثر: 198، عنه عوالم العلوم: 11/ 443 ح 3.

22

فدعا (عليه السلام) عليهم، فأخذتهم الدعوة كما وقع النصّ بذلك في كتب الفريقين:

روى البلاذري في «أنساب الأشراف» (1): قال عليّ (عليه السلام) على المنبر: ...

اللّهمّ من كتم هذه الشهادة و هو يعرفها، فلا تخرجه من الدنيا حتّى تجعل به آية يعرف بها. قال: فبرص أنس بن مالك، و عمي البراء بن عازب، و رجع جرير البجلي أعرابيّا بعد هجرته، فأتى السراة (2) فمات في بيت امّه بالسراة.

و معلوم أنّ أوّل من احتجّ بحديث الغدير بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هو أمير المؤمنين (عليه السلام) و ذلك في مسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ثمّ فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ثمّ الأئمة المعصومين من ذرّيتهم المباركة مرورا بالعديد من الصحابة الّذين هتفوا بهذه الواقعة الجليلة حتّى أواخر حياتهم.

و سيأتي في مطاوي هذا الكتاب تفاصيل تلك المناشدات و الاحتجاجات.

و إنّنا اليوم إذ نحيي هذه الذكرى المباركة العطرة باعتزاز و فرح بالغين نقول للجميع: هل لذي عقل- بعد كلّ ما تقدّم ممّا قاله اللّه تعالى في محكم كتابه، و ممّا نطق به خاتم أنبيائه و رسله، و ممّا تركه لنا التاريخ من شواهد ملموسة و حقائق دامغة- من عذر إن أراد أن يتجاهل أو يتغافل؟ سؤال نتركه لطلّاب الحقائق، مردّدين قول الزهراء البتول بضعة الرسول (صلوات اللّه عليهما):

و هل ترك أبي يوم غدير خمّ لأحد عذرا؟! (3)

يوم الغدير في الإسلام:

لا يخفى على اولي النهى و ذوي الأبصار أنّ يوم الغدير هو اليوم الّذي أكمل اللّه به الدين، و أتمّ به النعمة على عباده، و رضي فيه بالإسلام دينا؛ و ذلك بإبلاغه (صلّى اللّه عليه و آله) رسالة ربّه جلّ جلاله كما أمره، و نصبه عليّا (عليه السلام) إماما و علما للمسلمين، يسلك بهم النهج القويم، و يقودهم إلى الصراط المستقيم و إلى‏

____________

(1) 2/ 156 ح 169.

(2) راجع معجم البلدان: 3/ 204 و ص 331.

(3) الخصال: 173، عنه عوالم العلوم: 11/ 595 ح 59.

23

جادّة الحقّ الّتي أرادها سبحانه و تعالى، و أمر بها خاتم رسله و أنبيائه (صلّى اللّه عليه و آله) حرصا، على سلامة و وحدة الامّة الإسلاميّة، و حفظا لأفكارها و قيمها الأصيلة من التلوّث و التشتّت و الضياع، و وقاية لها من التردّي و السقوط في مهاوي الضلال؛ فهو على هذه المكانة و الرفعة لا يقلّ شرفا و عظمة عن يوم المبعث النبويّ الشريف، بل هو جزء منه و متمّم له، بل هما وجهان ناصعان لحقيقة واحدة، و هي «الإسلام» الّذي أراده اللّه، و رضي به دينا، و نصّ عليه في محكم التنزيل.

فالولاية- بلا أدنى ريب- امتداد للرسالة، و وراثة للنبوّة، فهي بالتالي شأن سماوي من اللّه كأصل الرسالة يستحيل على بني الإنسان القطع فيهما، بل لا بدّ لهما من أمر ربّاني صادر من حاكم عادل لا يحيف و لا يجور، و يعرف مصالح العباد؛ فكلاهما إذن من الغيب لا يحيط به- مع جليل قدرهما، و عظيم منزلتهما- إلّا اللّه الّذي لا يظهر على غيبه أحدا إلّا من ارتضى من رسول.

هذا و قد أسند سبحانه و تعالى بعث الأنبياء، و إبلاغ رسالاته و إيراث كتابه إلى من اصطفاهم من عباده إلى نفسه، قال عزّ و جلّ:

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا.

عزيزي القارئ: عند إمعاننا النظر في قوله جلّ و علا: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... يثور سؤال جادّ يتمحور حول ماهيّة ذلك الأمر الّذي نزل من قبل، و لم يبلّغه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مخافة الناس، و كم هو عظم خطره و قدره عند ما يتوقّف عليه تبليغ الرسالة بتمامها؟ قال تعالى مهدّدا:

وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ....

فكأنّ التبليغ الأخير هو بمثابة حجر الأساس الّذي تقوم عليه الرسالة، و ركنها الأصيل الّذي بعدمه تنتفي الرسالة بكلّيتها؛ ثمّ أردف جلّ جلاله ذلك القول و التهديد بوعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الحفظ و الكلاءة من الناس (الأعداء) فلا عذر بعد ما قال عزّ جلاله: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏.

24

لعلمه سبحانه و تعالى بأصحاب النفوس المريضة، و كيدهم و مكائدهم، و ما سيزرعون من بذور الاختلاف و التفرقة لتحقيق مآربهم الخبيثة، و مصالحهم الدنيئة، و إن كان ثمن ذلك فرقة المسلمين و اختلافهم! فحقّا كان يوم الغدير عظيما، إذ اعلن فيه النبأ العظيم الّذي هم فيه مختلفون؛ إمّا على سواء الصراط قائمون، و إمّا عنه ناكبون.

بل لا تجد في تاريخ الإسلام يوما أكثر منه خطرا و اختلافا، فقد افترق بعده المسلمون، و صيّره البعض يوما على الإسلام و آل الرسول عظيما، بعد أن كان لهم يوما عظيما، و وضعوا الامّة الإسلاميّة أمام خطر التفرقة و الاختلاف؛ بل أصبحت كما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

«ستفترق أمّتي على ثلاث و سبعين فرقة، كلّهم في النار إلّا واحدة».

و لعلّ ما تجدر الإشارة إليه أنّ هذا الاختلاف و الافتراق ليس بدعا في هذه الامّة الّتي كان أصلها واحدا فاختلفوا و تفرّقوا، بل إنّ الاختلاف- بمعناه العام- موجود مذ كان الناس أمّة واحدة، فبعث اللّه النبيّين مبشّرين و منذرين 1 فاختلفوا، فمنهم من آمن، و منهم من كفر، كما لم يكن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بدعا من الرسل، و كان الاختلاف بين الإسلام و الكفر موجودا منذ بزوغ فجر الرسالة المحمّديّة؛ إلّا أنّ هذا الاختلاف الجديد هو اختلاف في دائرة الإسلام من بعد ما جاءهم العلم و البيان من اللّه، و بالتحديد في خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و وارثه، المنصوص عليه من اللّه تعالى للامّة الإسلاميّة، و الّذي هو- أي هذا الاختلاف و التفرّق- في حدّ الشرك باللّه، قال تعالى: وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ‏ (1).

القرآن يذكّر إختلاف الامم في شئون الرسالة و يحرّمه:

و إليك- أخي القارئ- نصوصا قرآنيّة تبيّن تاريخ الاختلاف في عالم البشريّة:

كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ ... (2).

____________

(1) الروم: 32.

(2) البقرة: 213.

25

وَ ما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ... (1).

وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ ... (2).

وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ... (3).

وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ... (4).

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ* (5).

وَ لَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ... (6).

فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ... (7).

ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى‏ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (8).

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ‏ (9)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا ... (10).

وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ‏ (11).

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... (12).

وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏ (13).

____________

(1) يونس: 19.

(2) المائدة: 48.

(3) هود: 118 و 119.

4 و 5 البقرة: 253 و 87.

6 و 8 الجاثية: 16 و 18.

7 آل عمران: 19.

9 و 13 الأنعام: 159 و 152.

10 و 11 آل عمران: 103 و 105.

12 الشورى: 13.

26

أخي القارئ العزيز:

لعلّ خير ما أختتم به القول هنا، هو التذكير- عسى أن تنفع الذكرى- بأنّ الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) قد ألقى كلمة و مثلا، فقال في الحديث المشهور:

«يا عليّ أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» فوجه الشبه في هذا التشبيه البليغ هو من ناحيتين:

الاولى: أنّ عليّا كهارون إذ جعله النبيّ خليفة و وصيّا و وزيرا.

و الثانية: أنّ ما لقيه الإمام عليّ (عليه السلام) بعد غيبة- وفاة- الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) كان كما لقيه هارون بعد غيبة موسى (عليهما السلام)، حتى أنّه تمثّل يوما بقوله تعالى: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي ... إلى آخر الآية، و هو في طريقة إلى سقيفة بني ساعدة.

و قد جمعنا و استوفينا الآيات الخاصّة بغيبة موسى (عليه السلام) و استخلافه أخيه و ما تترتّب على ذلك في كتابنا «المدخل إلى التفسير الموضوعيّ للقرآن» (1).

و إليك قبسا منها:

وَ واعَدْنا مُوسى‏ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قالَ مُوسى‏ لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ‏ (2).

وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى‏ إِلى‏ قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ... (3)

قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا* أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي* قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ ... (4).

قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (5).

إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ ذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ‏ (6).

____________

(1) 129.

(2) البقرة: 51.

(3) الأعراف: 150.

(4) طه: 92- 94.

5 و 6 الأعراف: 150 و 152.

27

حديث الغدير نصّ لا اجتهاد

لا يختلف اثنان في أنّ حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هو عن اللّه عزّ و جلّ بقرينة قوله تعالى في محكم كتابه: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ (1).

و بالتالي إذا نصّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) على أمر ما، سيّما نصّه على ولاية و إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) تنفيذا لأمره تبارك و تعالى حيث أنزل عليه في يوم غدير خمّ: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ....

فلا مجال مطلقا للاجتهاد و الرأي و الإجماع و الشورى على خلافه؛ و إن وقع- بأيّ وجه- فهو قبال النصّ‏ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً (2).

وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏.

وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.

أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (3).

أ ما قال تعالى يوم الغدير: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏؟

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً؟

أ ما قال رسوله الأمين (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الغدير: «أ لست أولى بكم من أنفسكم»؟

قالوا: بلى. فقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ...»؛

و قال: «عليّ منّي، و لا يؤدّي عنّي إلّا هو».

و قال: «يا عليّ أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ من بعدي».

و قال: «عليّ مع القرآن و القرآن مع عليّ».

و قال: «عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ، يدور معه حيثما دار».

و قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي».

____________

(1) النجم: 3.

(2) النور: 29.

(3) النساء: 59.

28

و صفوة القول:

إنّ الكلام عن حادثة و حديث «غدير خمّ» أمر لا بدّ منه؛ فهو كلام عن الحقّ و قرينه الدائر معه حيثما دار؛ و كلام عن الحقيقة الّتي أقرّها الخاصّ و العامّ، و غمطها ذوو الجهالة عبر قرون مظلمة في محاولات بائسة، يائسة؛ و ذلك بتأثير الحكّام الّذين شوّهوا الحقائق و حرّفوها وفقا لمصالحهم و أهوائهم؛ بل إنّ بعضهم استكبر و عتا عتوّا كبيرا؛ فأمر بسبّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) على المنابر؛ و كأنّهم تغافلوا و تناسوا أنّ مجموع فضائله (عليه السلام) على لسان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بلغ حدّا لا مثيل له من التواتر، و تراثنا الإسلاميّ المجيد حافل بالعديد منها؛ فكان عملهم أشبه بمن أراد حجب نور الشمس بغربال سداه الوهم و لحمته الخيال، إذ سرعان ما ظهرت شمس الحقيقة و تقشّعت سحب الضلال؛ فرفعوا سبّه و شتمه (عليه السلام) و انقلبوا صاغرين.

29

أقول منصفا و ناصحا:

أ ما آن الأوان لأبناء هذا الجيل- حيث الأقلام الحرّة، و الأفكار المنعتقة من أغلال العبوديّة و التبعيّة، بما تيسّر لهم من إمكانيّات و تسهيلات افتقرت لها الامم السابقة متمثّلة بالتكنولوجيا الحديثة، و أجهزة الكومبيوتر المتطوّرة، و المكتبات العالميّة الواسعة المشحونة بآلاف الكتب و الرسائل و المنشورات- أن تخشع قلوبهم لذكر اللّه؟ حيث قال تعالى:

قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى‏ وَ فُرادى‏ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (1).

أجل! آن لهم الأوان، و بلغ حدّه في هذا الزمان لأن ينوّروا الأفكار و الأذهان، و يرفعوا هذا الحديث مكانا عليّا، و ينفضوا ما تراكم على وجهه الناصع من غبار الأحقاد البدريّة و الخيبريّة، و شبهات العصبيّة المقيتة، و يضعوا كلّ ما حامت حوله الشبهات على طاولة البحث و يسلّطوا عليها أضواء الحقّ؛ ليرفعوا بذلك عن كواهلهم هذه المسئوليّة الضخمة أمام اللّه و المسلمين؛ و ليبيّنوا أحقيّة و أولويّة هذا الحقّ الإلهي المشروع؛ و هو حاصل لا محالة بيد ولده المهديّ المنتظر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و اللّه هو الحكم يحكم بينهم بالقسط يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين ربّ الورى؛ و السلام على من اتّبع الهدى، و نأى بجانبه عن الهوى، و خشي عواقب الردى.

____________

(1) سبأ: 46.

30

هذه الموسوعة الكبرى:

ينبوع من ينابيع علوم أهل بيت الوحي و الرسالة (عليهم السلام)، و منهل من مناهل حكمهم الزاخرة، و قبس من منار فضائلهم، و تعدّ أكبر جامع ديني يطفح بالفضيلة، و يمتاز عمّا سواه من التآليف القيّمة بغزارة العلم، و جودة السرد، و حسن التبويب، و رصانة البيان، و طول باع مؤلّفه (قدس سره) في التحقيق و التدقيق و التثبّت و حسن الاطّلاع، الّذي لم ينسج على منواله، و لم يجمع على شاكلته.

و هي ترتيب و تتميم للموسوعة الجليلة العظيمة الموسومة ب «بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار» لمؤلفها المولى العلّامة البحّاثة شيخ الإسلام ذي الفيض القدسي محمّد باقر المجلسي أعلى اللّه مقامه، حيث كان في نيّته أن يستدرك ما فاته من مصادر لم تكن بين يديه، أو ممّا لم ينقل منه لدى تأليفه حيث قال في البحار: 1/ 46:

«ثمّ اعلم أنّا سنذكر بعض أخبار الكتب المتقدّمة الّتي لم نأخذ منها كثيرا لبعض الجهات، مع ما سيتجدّد من الكتب في كتاب مفرد، سمّيناه ب «مستدرك البحار» إن شاء اللّه الكريم الغفّار، إذ الإلحاق في هذا الكتاب يصير سببا لتغيير كثير من النسخ المتفرقة في البلاد، و اللّه الموفّق للخير و الرشد و السداد».

غير أن محتوم الأجل حال بينه و بين تحقيق هذا الأمل؛ حتّى قيّض اللّه الشيخ العلّامة المحقّق المدقق المتتبّع «عبد اللّه البحراني الأصفهاني» من فضلاء تلامذة شيخ الإسلام المجلسي- ليحقّق شطرا من تلك الامنيّة الرائعة الثمينة الّتي كانت لشيخه و استاذه؛ فجمع الفرائد و ألّف الفوائد و نظّم العوائد، و أبدع في التنظيم، و ابتكر في العناوين، حتّى جاء كلّ مجلّد كتابا حافلا بموضوعه حاويا نوادره، جامعا شوارده، فجزاه اللّه عن الإسلام و أهله أفضل الجزاء و من خلال مراحل التحقيق المنجزة على هاتين الموسوعتين، خرجنا بحصيلة مجموعة كبيرة من الأحاديث و الروايات و التعليقات المهمّة و الضرورية:

إمّا لم تكن موجودة في مظانّها، أو لم تنقل أصلا.

31

ففرقناها على ما يناسبها من أبواب و عناوين، و ذلك لأجل أن يكون الكتاب جامعا في موضوعه، غنيّا بتعليقاته، حاويا في عناوينه، مغنيا عن مثيله، كافيا عمّا سواه، يجد فيه المحقق رغبته، و الباحث بغيته، و القارئ مأربه، و العالم مقصده.

«منهج التحقيق»

بعد استنساخ الكتاب و مقابلته مع أصله و مصادره و البحار اتّبعنا- كما هو دأبنا- طريقة التلفيق بين العوالم، و البحار، و المصادر، لإثبات متن صحيح سليم للكتاب مشيرين في الهامش إلى الاختلافات اللفظيّة الضروريّة باستعمال الرموز التالية:

«ع» للعوالم «ب» للبحار «م» للمصدر «خ ل» لأحد نسخ المصدر.

و من ثمّ أشرنا في نهاية كل حديث إلى مصادره و اتّحاداته بصورة مفصّلة و مبوّبة مع الإشارة إلى الأحاديث الّتي تقدّمت أو تأتي في طيّات أبواب الكتاب، الّتي نقلها ثانية بعينها أو ما يشابهها.

كما قمنا بشرح بعض الألفاظ اللغويّة الصعبة نسبيّا شرحا مبسّطا موجزا، مع إثبات الترجمة لبعض الأعلام الواردة في أسانيد و متون الروايات، خاصّة تلك الّتي صحّفت و حرّفت بصورة شديدة؛ معتمدين في ذلك على امّهات كتب تراجم الرجال و كذا الحال بالنسبة لأسماء القبائل و الأقوام و الفرق و الأماكن و البقاع.

و لمّا كان هدفنا الإحاطة بجميع جوانب الموضوع و إعطاء صورة واضحة للقارئ، قمنا باستدراك ما أمكننا من أبواب و أحاديث: ابتدأناها بكلمة «استدراك» و أنهيناها بعلامة*** و وضع أرقام أبوابها و أحاديثها بين قوسين صغيرين ()؛ و وضعنا العناوين و ما استدركناه على منهجنا بين القوسين ()؛ و أمّا الفهارس فقد رتّبناها على الأحاديث دون الصفحات.

و لا يحفى أن كلّ ما كان بين المعقوفتين [] بدون إشارة فهو ممّا لم يكن في نسخة العوالم المعتمدة في التحقيق و إنّما أثبتناه من المصدر و البحار أو من أحدهما و وضعنا الاختلافات اللفظيّة الطويلة نسبيّا، أو التي تبهم الإشارة إليها في‏

32

الهامش بين قوسين ().

و حصرنا النصوص الواردة في المتن بين قوسي التنصيص الصغيرين «».

و استعملناهما في الهامش لحصر شروح و تعليقات المصنّف على الأحاديث معلّمة في آخرها ب «ره».

و اعتمدنا في تقويم «حديث الغدير» من العوالم على نسخة مصوّرة في المؤسسة فالحمد للّه، صار كتابنا هذا جامعا لما في العوالم و البحار و لما استدركناه من مصادر الحديث و جوامعها و مشتملا على أبواب كثيرة فيها رواياتها الخاصّة بها.

و الجدير بالذّكر أنّ حديث الغدير في كتاب العوالم بطوله و مختلف مفاده كان في باب واحد، و بما أنّ هذا الموضوع الديني الأساسي كان له أهميّة لأنّه مطمح الأنظار و محبط الأفكار و لأنّه حدث تاريخي عظيم، نزلت فيه الآيات، و تداخلت فيه الزلّات، و طالت به المناشدات و الاحتجاجات، وجدنا حاجة إلى تفصيله بوضع الأبواب و ترتيب الأخبار و مستدركاتها بما يناسب عناوينها و استيعاب كلّ عنوان ما يناسبه إمّا نصّا أو قبسا أو إشارة، و هذا لا يخلو من نقل الحديث من مكانه إلى غيره و الإشارة إليه حذرا من التكرار، فلذلك قمنا في هذا الكتاب بترتيب و تفصيل الأخبار على التسلسل في أرقامها من أوّله إلى آخره تسهيلا للإشارة إلى موضع الحديث و أداء للأمانة و رعاية لمن يرد منهل «الغدير».

و أخيرا و ليس آخرا إنّي اسجّل جزيل شكري و خالص دعواتي للإخوة المحققين العاملين في مؤسّسة الإمام المهدي (عليه السلام) سيّما الأخ المكرّم «السيد فلاح الشريفي» لما بذله من جهد و متابعة الكتاب و الأخوين الفاضلين أمجد عبد الملك الساعاتي و نجم الحاج عبد البدري لمراجعتهما لكتاب «الغدير» و كان اللّه شاكرا عليما.

ربّنا هب لنا من لدنك رحمة و هيّئ لنا من أمرنا رشدا إنّك أنت الوهّاب.

الراجي رحمة ربّه‏

السيّد محمّد باقر بن المرتضى الموسوي الموحد الأبطحي الأصفهاني عفى عنه و عن والديه‏

33

الإمام علي بن ابي طالب في حديث الغدير

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه الّذي افتتح كتاب أعمالنا بذكر فضائل مولانا و مقتدانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و جعل أمام المقصود ذكر إمام المقصود من أهمّ المقاصد و المطالب.

و الصلاة و السلام على أشرف الأنام محمّد المبعوث إلى الخاصّ و العام، الّذي فتح به الفتوّة و ختم به النبوّة.

و على ابن عمّه و كاشف غمّه، صهره و ظهره، وصيّه الّذي أوصى به من ربّه منجز وعده، و الخليفة من بعده، قاضي دينه، و ناصر دينه، ذخره و فخره، ظهره و ظهيره، و ناصره و نصيره، زوج كريمته، و إمام امّته، الّذي أصله من أصله، و نوره من نوره، و حزنه من حزنه، و سروره من سروره؛ الّذي في يوم الغدير نادى في الناس و قال له:

«اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله».

صاحب سرّه و نجواه، الّذي قال فيه- في غزوة الطائف- لطائفة:

«ما انتجيته و لكن اللّه انتجاه» المخصوص بقربه، المنصوص من ربّه، الشرك به شرك باللّه، و الكفر به كفر باللّه، حبّه حبّ اللّه، و بغضه بغض اللّه، الّذي حبّه إلى طريق الجنّة كالعلم و المنار، و لو اجتمع الناس على حبّ عليّ بن أبي طالب لمّا خلق اللّه النار، أمير المؤمنين، و إمام الموقنين، عالم علم سلوني، و وارث مقام هاروني قسيم الجنّة و النّار لأحبابه و أعدائه، و ساقي حوض أخيه، و حامل لوائه، كتاب فضائله بحر لا يحصى، و أوراق مناقبه أكثر من عدد الرمل و الحصى.

و على أولاده الطيّبين الطاهرين من الأوّلين و الآخرين.

36

أمّا بعد: فيقول تراب أقدام أبي تراب و شيعته، الّذين لم ينحرفوا من منهاجه و شريعته، أقلّ عباد اللّه «عبد اللّه بن نور اللّه» نوّر اللّه قلبهما بمحبّة أمير المؤمنين، و عينهما برؤية إمام الموقنين:

و هذا هو المجلد الخامس عشر من كتاب «عوالم العلوم و المعارف و الأحوال من الآيات و الأخبار و الأقوال» الّذي صنّفه و ألّفه هذا الفقير الحقير في أحوال أمير المؤمنين، و إمام الموقنين، أسد اللّه الغالب، غالب كلّ غالب، المقصود الأصلي من أصل المقاصد، و المطلوب الكلّي من كلّ المطالب، إمامنا و مولانا و مقتدانا «عليّ بن أبي طالب» (صلوات اللّه و سلامه عليه) من ولادته إلى شهادته و الآيات النازلة بشأنه، الدّالة على إمامته و علوّ مكانه، و النصوص الواردة عليه، و ما يؤول إليه، و فضائله و مناقبه الّتي هي من منصبه، و محاسن أوصافه، و مكارم أخلاقه، و ما ينتسب إليه و يسمّى من خلاقه؛ و أحوال أزواجه، و أولاده و أصحابه، و عشائره و أحبابه.

سالكا فيه مسلك الاختصار، راجيا من اللّه العزيز الغفّار أن يحشره مع أمير المؤمنين و آله الأطهار «يوم ندعو كلّ اناس بإمامهم» من خلفهم و أمامهم.

و ها أنا ذا أشرع في المقصود بعون اللّه الملك المعبود قائلا و إليه من غيره مائلا:

الكتاب الخامس عشر من كتاب عوالم العلوم و المعارف و الأحوال من الآيات و الأخبار و الأقوال في أحوال مولانا و مقتدانا و إمامنا و إمام المشارق و المغارب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب من ولادته إلى شهادته (صلوات اللّه عليه) و على أولاده الطيبين الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم الكافرين.

37

[و هو كتاب في أحوال الإمام عليّ (عليه السلام) مشتمل على ثمانية أجزاء:

الجزء الأوّل: في ما يتعلّق بولادته (صلوات اللّه عليه و آله).

الجزء الثاني: في ما يتعلّق بالآيات النازلة بشأنه.

الجزء الثالث: فيه ثلاثة أبواب:

1- أبواب نصوص اللّه تعالى على أمير المؤمنين (عليه السلام) في النصوص على الأئمة الاثنى عشر (عليهم السلام) (طبع).

2- أبواب فضائل أصحاب الكساء (قيد التحقيق).]

3- أبواب النصوص الدالّة على الخصوص على إمامة أمير المؤمنين (صلوات اللّه و سلامه عليه) من طرق الخاصّة و العامّة و بعض الدلائل التي اقيمت عليها و لم تتطرق الشبهات إليها

38

[1- أبواب أخبار يوم الغدير]

1- باب أخبار الغدير و ما صدر في ذلك اليوم من النصّ الجليّ الكبير على إمامته (عليه السلام) و تفسير بعض الآيات النازلة في تلك الواقعة و سائر الأخبار- التي وردت في معناه- الشائعة

الأخبار: الصحابة و التابعون‏

1- أمالي الصدوق: أبي، عن سعد [بن عبد اللّه‏] (1) عن البرقيّ، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد، عن أبي الحسن العبديّ، عن الأعمش، عن عباية بن ربعيّ، عن عبد اللّه بن عبّاس‏ (2)، قال:

إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا اسري به إلى السماء، انتهى به جبرئيل إلى نهر يقال له: «النور» و هو قول اللّه عزّ و جلّ: جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ (3).

فلمّا انتهى به إلى ذلك النهر قال له جبرئيل:

يا محمّد اعبر على بركة اللّه، فقد نوّر اللّه لك بصرك، و مدّ لك أمامك، فإنّ هذا نهر لم يعبره أحد، لا ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل، غير أنّ لي في كلّ يوم اغتماسة فيه، ثمّ أخرج منه فأنفض أجنحتي، فليس من قطرة تقطر من أجنحتي إلّا خلق اللّه تبارك و تعالى منها ملكا مقرّبا، له عشرون ألف وجه، و أربعون ألف لسان، كلّ لسان يلفظ بلغة لا يفقهها اللسان الآخر.

فعبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى انتهى إلى الحجب، و الحجب خمسمائة حجاب، من الحجاب إلى الحجاب مسيرة خمسمائة عام.

ثمّ قال‏ (4): تقدّم يا محمّد. فقال له: يا جبرئيل! و لم لا تكون معي؟

____________

(1) زاد في ع: عن أبيه، و هو تصحيف. (راجع معجم الرجال: 8/ 74 رقم 5048).

(2) راجع تمام أحاديثه في فهرس الأعلام.

(3) الأنعام: 1.

(4) «لعل هذا القول كان من وراء النهر، كما دل عليه قوله فيما تقدم» منه ره.

39

قال: ليس لي أن أجوز هذا المكان. فتقدّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما شاء اللّه أن يتقدّم، حتّى سمع ما قال الربّ تبارك و تعالى:

«أنا المحمود و أنت محمّد، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، و من قطعك بتكته‏ (1)، انزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إيّاك، و أنّي لم أبعث نبيّا إلّا جعلت له وزيرا، و أنّك رسولي، و أنّ عليّا وزيرك».

فهبط رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فكره أن يحدّث الناس بشي‏ء كراهيّة أن يتّهموه، لأنّهم كانوا حديثي عهد بالجاهليّة، حتّى مضى لذلك ستّة أيّام؛ فأنزل اللّه تبارك و تعالى: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى‏ إِلَيْكَ وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ‏ (2).

فاحتمل رسول اللّه ذلك حتّى كان اليوم الثامن، فأنزل اللّه تبارك و تعالى عليه:

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏. (3)

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): تهديد بعد وعيد، لامضينّ أمر اللّه عزّ و جلّ، فإن يتّهموني و يكذّبوني فهو أهون عليّ من أن يعاقبني العقوبة (4) الموجعة في الدنيا و الآخرة. قال: و سلّم جبرئيل على عليّ بإمرة المؤمنين.

فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه! أسمع الكلام و لا أحسّ الرؤية! فقال: يا عليّ! هذا جبرئيل أتاني من قبل ربّي بتصديق ما وعدني.

ثمّ أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رجلا فرجلا من أصحابه حتّى سلّموا عليه بإمرة المؤمنين، ثمّ قال:

يا بلال! ناد في الناس أن لا يبق غدا أحد- إلّا عليل- إلّا خرج إلى غدير خمّ، فلمّا كان من الغد خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بجماعة أصحابه، فحمد اللّه و أثنى عليه‏

____________

(1) «البتك: القطع» منه ره.

(2) هود: 12.

(3) المائدة: 67. و في عبقات الأنوار: 9/ 117- 220 روايات عن عدد من العلماء الاجلّاء و المفسّرين الموثوق بهم بشأن نزول آية التبليغ في حق أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الغدير، نحيل القارئ الكريم إليها.

(4) في ع: بالعقوبة.

40

ثمّ قال:

أيّها النّاس! إنّ اللّه تبارك و تعالى أرسلني إليكم برسالة، و إنّي ضقت بها ذرعا مخافة أن تتّهموني و تكذّبوني، حتّى أنزل اللّه عليّ وعيدا بعد وعيد، فكان تكذيبكم إيّاي أيسر عليّ من عقوبة اللّه إيّاي، إنّ اللّه تبارك و تعالى أسرى بي و أسمعني و قال:

«يا محمّد! أنا المحمود و أنت محمّد، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، و من قطعك بتكته، انزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إيّاك، و أنّي لم أبعث نبيّا إلّا جعلت له وزيرا، و أنّك رسولي، و أنّ عليّا وزيرك».

ثمّ أخذ (صلّى اللّه عليه و آله) بيد عليّ بن أبي طالب فرفعها، حتّى نظر الناس إلى بياض إبطيهما، و لم ير قبل ذلك، ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله):

«أيّها النّاس! إنّ اللّه تبارك و تعالى مولاي و أنا مولى المؤمنين، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله».

فقال الشكّاك و المنافقون و الذين في قلوبهم مرض و زيغ: نبرأ إلى اللّه من مقالة ليس بحتم، و لا نرضى أن يكون عليّ وزيره، هذه منه عصبيّة.

فقال سلمان و المقداد و أبو ذرّ و عمّار بن ياسر رضي اللّه عنهم:

و اللّه ما برحنا العرصة حتّى نزلت هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (1).

فكرّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك ثلاثا، ثمّ قال: إنّ كمال الدين و تمام النعمة و رضا الربّ بإرسالي إليكم بالولاية بعدي لعليّ بن أبي طالب (صلوات اللّه عليه). (2)

____________

(1) المائدة: 3. و في عبقات الأنوار: 9/ 231- 240 روايات لعدد من العلماء و المفسرين الأجلّاء الموثوق بهم بشأن نزول آية «الاكمال» يوم الغدير فمن أراد زيادة الاطّلاع، فليراجع.

(2) 290 ح 10، عنه البحار: 18/ 338 ح 40 (قطعة) و عن المحتضر: 142، و ج 37/ 109 ح 3، و ج 58/ 42 ح 5، و ج 59/ 248 ح 1 (قطعة). و تأويل الآيات: 1/ 160 ح 17، و غاية المرام:

1/ 352 ح 58، و الجواهر السنية: 227، و كشف المهمّ (مخطوط).

41

2- و منه: محمّد بن عمر الحافظ، عن محمّد بن الحسين بن حفص‏ (1)، عن محمّد بن هارون، عن قاسم بن الحسن، عن يحيى بن عبد الحميد، عن قيس بن الربيع، عن أبي هارون، عن أبي سعيد (2)، قال:

لمّا كان يوم غدير خمّ أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مناديا فنادى: الصلاة جامعة.

فأخذ بيد عليّ (عليه السلام) و قال:

«اللّهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه».

فقال حسّان بن ثابت: يا رسول اللّه! أقول في عليّ (عليه السلام) شعرا؟

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): افعل. فقال:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم‏ * * * بخمّ و أكرم بالنبيّ مناديا

يقول: فمن مولاكم و وليّكم؟ * * * فقالوا و لم يبدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا و أنت وليّنا * * * و لن تجدن منّا لك اليوم عاصيا

فقال له: قم يا عليّ فإنّني‏ * * * رضيتك من بعدي إماما و هاديا

و كان عليّ أرمد العين يبتغي‏ * * * لعينيه ممّا يشتكيه مداويا

فداواه خير النّاس منه بريقه‏ * * * فبورك مرقيّا و بورك راقيا (3)

____________

(1) في ع: بن جعفر، في ب: عن حفص. و الصحيح ما أثبتناه (راجع معجم رجال الحديث: 16/ 10 رقم 10567).

(2) راجع تمام أحاديثه في فهرس الأعلام.

(3) 460 ح 3، عنه البحار: 37/ 112 ح 4، و إثبات الهداة: 3/ 584 ح 689، و غاية المرام: 1/ 375 ح 1، و كشف المهم.

و رواه في أرجح المطالب: 570، و ص 564 (قطعة)، و أخرجه أبو بكر بن مردويه، و أبو نعيم في «ما نزل من القرآن في عليّ (عليه السلام)»، و مناقب الخوارزمي: 80، و تذكرة الخواص، و السيوطي في «أزهار فيما عقده الشعراء من الأشعار»، و الكنجي في كفاية الطالب، و الحمويني في فرائد السمطين، و النطنزي في «الخصائص العلويّة»، عنها الإحقاق: 6/ 275- 276. الطرائف:

146 ح 221.

42

3- و منه: الحسن بن محمّد بن الحسن السكوني، عن إبراهيم بن محمّد بن يحيى، عن أبي جعفر بن السريّ‏ (1) و أبي نصر بن موسى الخلّال معا، عن عليّ بن سعيد، عن ضمرة بن شوذب، عن مطر، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة (2)، قال:

من صام يوم الثامن عشر من ذي الحجّة كتب اللّه له صيام ستّين شهرا- و هو يوم غدير خمّ- لمّا أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و قال:

أ لست أولى بالمؤمنين؟ قالوا: نعم يا رسول اللّه.

قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه».

فقال له عمر: بخّ بخّ لك يا بن أبي طالب! أصبحت مولاي و مولى كلّ مسلم.

فأنزل اللّه عزّ و جلّ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏.

الطرائف: ابن المغازليّ بإسناده إلى أبي هريرة (مثله).

و روى الخطيب في «تاريخ بغداد» (مثله). (3)

4- الخصال: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن أبي الخطّاب و ابن يزيد معا، عن ابن أبي عمير؛ و حدّثنا أبي، عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير.

[و حدّثنا ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمّه، عن ابن أبي عمير.

و حدّثنا ابن المتوكّل، عن السعدآبادي، عن البرقيّ، عن أبيه، عن ابن أبي‏

____________

(1) في ع: السمري.

(2) راجع تمام أحاديثه في فهرس الأعلام.

(3) الأمالي: 12 ح 2. الطرائف: 147 ح 222. تاريخ بغداد: 8/ 290، عنها البحار: 37/ 108 ح 1.

و أورده في كشف المهم، و مقصد الراغب: 9 (مخطوط).

و رواه في تاريخ دمشق: 2/ 75، و فرائد السمطين: 1/ 77 ح 44، و مناقب المغازلي: 18 ح 24، و شواهد التنزيل: 158، و مناقب الخوارزمي: 94 و زاد فيه: «وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله»، و البداية و النهاية: 5/ 213، و تفسير الثعلبي: 104 (مخطوط)، و فضائل الصحابة للسمعاني (مخطوط)، و البيهقي على ما في كتاب محمّد بن يوسف الشافعي. و أخرجه في المناقب المرتضوية: 125، و ينابيع المودّة: 249 عن الإمام الباقر، عن آبائه (عليهم السلام). عن بعضها الإحقاق: 6/ 353 و 354 و 361.

43

عمير] عن عبد اللّه بن سنان، عن معروف بن خرّبوذ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن اسيد الغفاريّ، قال: لمّا رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من حجّة الوداع و نحن معه، أقبل حتّى انتهى إلى الجحفة (1)، فأمر أصحابه بالنزول، فنزل القوم منازلهم، ثمّ نودي بالصلاة، فصلّى بأصحابه ركعتين، ثمّ أقبل بوجهه إليهم فقال لهم: إنّه قد نبّأني اللّطيف الخبير أنّي ميّت و أنّكم ميّتون، و كأنّي قد دعيت فأجبت، و أنّي مسئول عمّا ارسلت به إليكم، و عمّا خلّفت فيكم من كتاب اللّه و حجّته، و أنّكم مسئولون، فما أنتم قائلون لربّكم؟

قالوا: نقول: قد بلّغت و نصحت و جاهدت، فجزاك اللّه عنّا أفضل الجزاء.

ثمّ قال لهم: أ لستم تشهدون أن لا إله إلّا اللّه و أنّي رسول اللّه إليكم، و أنّ الجنّة حقّ، و أنّ النّار حقّ، و أنّ البعث بعد الموت حقّ؟

فقالوا: نشهد بذلك. قال: اللّهمّ اشهد على ما يقولون، ألا و إنّي اشهدكم أنّي أشهد أنّ اللّه مولاي و أنا مولى كلّ مسلم، و أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ فهل تقرّون [لي‏] بذلك و تشهدون لي به؟ فقالوا: نعم نشهد لك بذلك.

فقال: «ألا من كنت مولاه فإنّ عليّا مولاه» و هو هذا، ثمّ أخذ بيد عليّ (عليه السلام) فرفعها مع يده حتّى بدت آباطهما.

ثمّ قال: اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه [و انصر من نصره، و اخذل من خذله‏] ألا و إنّي فرطكم و أنتم واردون عليّ الحوض [حوضي‏] غدا، و هو حوض عرضه ما بين «بصرى و صنعاء» (2) فيه أقداح من فضّة عدد نجوم السماء؛ ألا و إنّي سائلكم غدا ما ذا صنعتم فيما أشهدت اللّه به عليكم في يومكم هذا إذا وردتم عليّ حوضي؟ و ما ذا صنعتم بالثقلين من بعدي؟ فانظروا كيف [تكونون‏] خلّفتموني فيهما حين تلقوني؟ قالوا: و ما هذان الثقلان يا رسول اللّه؟

____________

(1) كانت قرية كبيرة، ذات منبر على طريق مكّة، و سمّيت الجحفة لأن السيل جحفها، و بينها و بين البحر ستة أميال، و بينها و بين غدير خمّ ميلان (مراصد الاطلاع: 1/ 315).

(2) «بصرى: بالضمّ موضع بالشام، و صنعاء: بالمدّ قصبة باليمن» منه ره.

44

قال: أمّا الثقل الأكبر، فكتاب اللّه عزّ و جلّ، سبب ممدود من اللّه و منّي في أيديكم، طرفه بيد اللّه و الطرف الآخر بأيديكم، فيه علم ما مضى و ما بقي إلى أن تقوم الساعة.

و أمّا الثقل الأصغر، فهو حليف القرآن، و هو عليّ بن أبي طالب و عترته (عليهم السلام) و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض.

قال معروف بن خرّبوذ: فعرضت هذا الكلام على أبي جعفر (عليه السلام) فقال:

صدق أبو الطفيل (رحمه اللّه)، هذا كلام وجدناه في كتاب عليّ (عليه السلام) و عرفناه. (1)

استدراك‏ (5) الفصول المهمّة: (بإسناده) إلى حذيفة بن اسيد الغفاري و عامر بن ليلى ابن ضمرة، قالا: لمّا صدر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من حجّة الوداع و لم يحجّ بعد غيرها، أقبل حتّى إذا كان بالجحفة، نهى عن سمرات متقاربات بالبطحاء أن لا ينزل تحتهنّ أحد، حتّى إذا أخذ القوم منازلهم أرسل فقمّ ما تحتهنّ، حتّى إذا نودي بالصلاة- صلاة الظهر- عمد إليهنّ فصلّى بالناس تحتهنّ، و ذلك يوم غدير خمّ، ثمّ بعد فراغه من الصلاة، قال: أيّها الناس! إنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لن يعمّر نبيّ إلّا نصف عمر النبيّ الذي كان قبله، و إنّي لأظنّ أنّي ادعى فاجيب، و إنّي مسئول و أنتم مسئولون، هل بلّغت، فما أنتم قائلون؟

قالوا: نقول قد بلّغت و جهدت و نصحت و جزاك اللّه خيرا.

قال: أ لستم تشهدون أن لا إله إلّا اللّه؟ و أنّ محمّدا عبده و رسوله؟ و أنّ جنّته حقّ، و أنّ ناره حق، و البعث بعد الموت حقّ؟ قالوا: بلى نشهد! قال: اللّهمّ اشهد.

____________

(1) 65 ح 98، عنه البحار: 37/ 121 ح 15. و أرجح المطالب: 56 و 338 و 561، و أربعين الهروي (مخطوط)، و كنز العمّال: 1/ 48. و أخرجه في مفتاح النجا نقلا عن «نوادر الاصول» و المعجم الكبير للطبراني. ينابيع المودّة: 37 نقلا عن المعجم و الضياء في المختارة، و فضائل الخمسة:

1/ 369 عن كنز العمّال، عنها الإحقاق: 6/ 342- 344.

45

ثمّ قال: أيّها الناس أ لا تسمعون!؟ ألا فإنّ اللّه مولاي، و أنا أولى بكم من أنفسكم، ألا و «من كنت مولاه فعليّ مولاه» و أخذ بيد عليّ فرفعها حتّى نظرها القوم، ثمّ قال: «اللهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه». (1)

*** 6- معاني الأخبار: (بالإسناد) إلى دارم، عن نعيم بن سالم، عن أنس‏ (2)، قال:

سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول يوم غدير خمّ و هو آخذ بيد عليّ (عليه السلام):

أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى.

قال: «فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله». (3)

7- أمالي الطوسي: [بالإسناد] عن ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن عليّ بن ثابت، عن منصور بن [أبي‏] الأسود، عن مسلم الملائيّ، عن أنس بن مالك أنّه سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول يوم غدير خمّ:

أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و أخذ بيد عليّ (عليه السلام) و قال:

«من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه». (4)

استدراك‏ (8) تاريخ بغداد: (بإسناده) عن أنس، قال: سمعت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يقول:

«من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه». (5)

***

____________

(1) 23. و رواه في اسد الغابة: 3/ 92، عنهما الإحقاق: 6/ 286 و 288 و 342. كشف المهمّ.

الاصابة: 2/ 257 (مثله).

(2) راجع تمام أحاديثه في فهرس الأعلام.

(3) 67 ح 8، عنه البحار: 37/ 123 ح 17، و اثبات الهداة: 3/ 349 ح 146.

(4) 1/ 341، عنه البحار: 37/ 125 ح 23، و إثبات الهداة: 3/ 476 ح 420، و كشف المهم، و غاية المرام: 392 ح 23.

(5) 7/ 377.

46

9- أمالي الطوسي: المفيد، عن عليّ بن أحمد القلانسيّ، عن عبد اللّه بن محمّد، عن عبد الرحمن بن صالح، عن موسى بن عثمان الحضرمي‏ (1)، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن زيد بن أرقم‏ (2)، قال:

سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بغدير خمّ يقول:

إنّ الصدقة لا تحلّ لي و لا لأهل بيتي، لعن اللّه من ادّعى إلى غير أبيه، لعن اللّه من تولّى إلى غير مواليه، الولد لصاحب الفراش و للعاهر الحجر، و ليس لوارث وصيّة، ألا و قد سمعتم منّي و رأيتموني، ألا من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار، ألا و إنّي فرط لكم على الحوض، و مكاثر بكم الامم يوم القيامة، فلا تسوّدوا وجهي، ألا لأستنقذنّ رجالا من النّار، و ليستنقذنّ من يدي أقوام، إنّ اللّه مولاي و أنا مولى كلّ مؤمن و مؤمنة، ألا من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه. (3)

10- و منه: [بإسناده‏] عن أبي عمر (4)، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى بن زكريّا، عن عليّ بن قادم، عن إسرائيل، عن عبد اللّه بن شريك‏ (5)، عن سهم بن حصين الأسديّ، قال: قدمت إلى مكّة أنا و عبد اللّه بن علقمة- و كان عبد اللّه ابن علقمة سبّابة لعليّ (صلوات اللّه عليه) دهرا-.

قال: قلت له: هل لك في هذا- يعني أبا سعيد الخدريّ- تحدّث به عهدا؟

قال: نعم. فأتيناه، فقال: هل سمعت لعليّ منقبة؟

____________

(1) في ع، ب: موسى بن عمران، تصحيف. (ميزان الاعتدال: 4/ 214 رقم 8896).

(2) راجع تمام أحاديثه في فهرس الأعلام.

(3) 1/ 231، عنه البحار: 37/ 123 ح 18، و غاية المرام: 1/ 389 ح 22، و إثبات الهداة: 3/ 468 ح 396، و كشف المهمّ، و مستدرك الوسائل: 7/ 120 ح 7. يأتي مثله ح 18 عن بشارة المصطفى.

(4) في ع، ب: أبو عمرو، و كذا ما بعدها، تصحيف. هو عبد الواحد بن محمّد بن عبد اللّه بن محمّد بن مهديّ، ترجم له في سير أعلام النبلاء: 17/ 221 رقم 131، و المصادر المذكورة بهامشه.

(5) في ع: سهل، تصحيف (ميزان الاعتدال: 2/ 439 رقم 4379).

47

قال: نعم، إذا حدّثتك فاسأل عنها المهاجرين [و الأنصار] و قريشا؛ إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال يوم غدير خمّ، فأبلغ، ثم قال:

يا أيّها النّاس! أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟

قالوا: بلى- قالها ثلاث مرّات-.

ثمّ قال: ادن يا عليّ، فرفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يديه حتّى نظرت إلى بياض آباطهما، فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»- ثلاث مرّات-.

[ثمّ‏] قال: فقال عبد اللّه بن علقمة: أنت سمعت هذا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟

قال أبو سعيد: نعم- و أشار إلى اذنيه و صدره- قال: سمعته اذناي و وعاه قلبي.

قال عبد اللّه بن شريك: فقدم علينا عبد اللّه بن علقمة و سهم بن حصين، فلمّا صلّينا الهجير (1)، قام عبد اللّه بن علقمة فقال:

إنّي أتوب إلى اللّه و أستغفره من سبّ عليّ (عليه السلام)- ثلاث مرّات-. (2)

11- و منه: [باسناده‏] عن أبي عمر، عن ابن عقدة، عن الحسن بن جعفر بن مدرار، عن عمّه طاهر، عن معاوية بن ميسرة، عن الحكم بن عتيبة (3)، و سلمة بن كهيل، عن حبيب الإسكاف، عن زيد بن أرقم، قال:

خطبنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم غدير خمّ، فقال (صلّى اللّه عليه و آله):

«من كنت مولاه ف [هذا] عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه». (4)

____________

(1) «قال الجزري فيه: إنّه كان يصلّي الهجير حين تدحض الشمس، أراد صلاة الهجير يعني الظهر، فحذف المضاف، و الهجير و الهاجرة: اشتداد الحرّ نصف النهار» منه ره.

(2) 252، عنه البحار: 37/ 123 ح 19، و غاية المرام: 1/ 389 ح 23، و إثبات الهداة: 3/ 469 ح 400.

و روى في التاريخ الكبير: 2 قسم 2 رقم 194 (مثله)، عنه الإحقاق: 6/ 258.

(3) «عيينة» م، كلاهما وارد.

(4) 1/ 259، عنه البحار: 37/ 124 ح 20، و غاية المرام: 1/ 391 ح 25. و أورده في كشف المهمّ.

و رواه في بشارة المصطفى: 150.

كنز العمّال: 6/ 403، و مفتاح النجا: 58 (مخطوط)، و مجمع الزوائد: 9/ 104، و زاد فيه:

«و انصر من نصره، و أعن من أعانه ...»، عنها الإحقاق: 6/ 230 و 232 و 375.

48

استدراك‏ (12) مجمع الزوائد، تاريخ الخلفاء، نزل الأبرار:

من طريق الطبراني، بإسناده عن مالك بن الحسين [بن مالك‏] بن الحويرث، عن أبيه، عن جدّه: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال يوم غدير خمّ:

«من كنت مولاه فعليّ مولاه». (1)

*** 13- [أمالي الطوسي‏]: [بإسناده‏] عن أبي عمر، عن ابن عقدة، عن الحسن بن عليّ بن عفّان، عن عبد اللّه، عن فطر بن خليفة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ذي مرّ، و سعيد بن وهب، و عن زيد بن نفيع‏ (2)، قالوا: سمعنا عليّا (عليه السلام) يقول في الرحبة: انشد اللّه من سمع النبيّ يقول يوم غدير خمّ ما قال إلّا قام! فقام ثلاثة عشر (3) فشهدوا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه؛ فأخذ بيد عليّ، فقال:

«من كنت مولاه فهذا [عليّ‏] مولاه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه، و أحبّ من أحبّه، و أبغض من أبغضه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله».

قال أبو إسحاق حين فرغ من الحديث: يا أبا بكر (4) من أنسى أخّر. (5)

____________

(1) 9/ 106 و 108، عنه الإحقاق: 6/ 268 و عن فضائل الصحابة و مسند أحمد، و أخرجه في الغدير:

1/ 59 ح 101 عن مجمع الزوائد المتقدّم، و تاريخ الخلفاء: 114، و مفتاح النجا، و نزل الأبرار: 20 و معارج العلى، و الشافعي في الاكتفاء. و روى في أرجح المطالب: 564 (مثله).

(2) في م، ب: نقيع، تصحيف و سمّاه: زيد بن يثيع أيضا (ميزان الاعتدال: 2/ 106 رقم 3028 و ص 107 رقم 3032).

(3) في ع: فقال ثلاثة عشرة مرة، تصحيف.

(4) أبا بكر كنية فطر بن خليفة. و لعلّ المراد الإشارة إلى من تعمّد النسيان فأخّر من قدّمه اللّه.

و في م و كشف المهمّ: يا أبا بكر في أشياء أخر، و في بشارة المصطفى (خ ل): أي أشياخ هم.

(5) (260، عنه البحار: 37/ 124 ح 21، و غاية المرام: 1/ 391 ح 26، و الغدير: 1/ 171 ح 8، و إثبات الهداة: 3/ 470 ح 405، و كشف المهمّ، و روى في بشارة المصطفى: 124 (مثله).

يأتي ح 337 باب مناشدة عليّ (عليه السلام) في الرحبة.

49

14- و منه: [بالإسناد] عن الحسن، عن عبيد اللّه بن موسى، عن هانئ بن أيّوب، عن طلحة بن مصرف، عن عمير بن سعيد (1): إنّه سمع عليّا (عليه السلام) في الرحبة ينشد الناس من سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه»؟ فقام بضعة عشر فشهدوا.

و منه: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن الحسن (مثله).

بشارة المصطفى: أبو عليّ ابن شيخ الطائفة؛ و محمّد بن أحمد بن شهريار، عن الشيخ أبي جعفر الطوسيّ، عن أبي عمر، عن ابن عقدة (مثله). (2)

15- إكمال الدين: محمّد بن إبراهيم، عن العبّاس بن الفضل، عن أبي زرعة، عن كثير بن يحيى أبي مالك، عن أبي عوانة، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عامر بن واثلة (3)، عن زيد بن أرقم، قال:

لمّا رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من حجّة الوداع نزل بغدير خمّ، ثمّ أمر بدوحات‏ (4) فقمّ ما تحتهنّ، ثمّ قال: كأنّي قد دعيت فأجبت، إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه و عترتي [أهل بيتي‏]، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، ثمّ قال: إنّ اللّه مولاي، و أنا مولى كلّ مؤمن، ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال:

____________

(1) اختلف ضبط اسمه في جميع المصادر، و هي ما بين: عمر بن سعد، عمرو بن سعد، عميرة بن سعد، و عمير بن سعد، و كلها تصحيف، و الصحيح: «عمير بن سعيد»، راجع رجال الشيخ: 52 رقم 97، و تهذيب الأسماء: 2 القسم الاول ص 16، و سير أعلام النبلاء: 4/ 443 رقم 171.

(2) 1/ 278 و ص 343. البشارة: 128، عنهما البحار: 37/ 125 ح 22، و غاية المرام: 1/ 392 ح 27، و إثبات الهداة: 3/ 473 ح 410. و أورده في كشف المهمّ.

يأتي ح 353 باب مناشدة عليّ (عليه السلام) في الرحبة.

(3) في ع: عمر بن واثلة، و في ب: عمرو. هو عامر بن واثلة بن عبد اللّه بن عمرو بن جحش، قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب: 1/ 389 رقم 69، و ربما سميّ عمرا، ولد عام احد. و هو آخر من مات من الصحابة.

(4) الدوّاح: العظيم الشديد العلوّ، و كل شجرة عظيمة دوحة (النهاية 2/ 138).

50

«من كنت وليّه فهذا وليّه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه».

قال: قلت لزيد بن أرقم: أنت سمعته من رسول اللّه؟

قال: ما كان في الدوحات أحد إلّا [و قد] رآه بعينيه و سمعه باذنيه. (1)

16- العيّاشي: [عن أبي صالح‏] عن ابن عبّاس و جابر بن عبد اللّه، قالا:

أمر اللّه [تعالى نبيّه‏] محمّدا أن ينصب عليّا [علما] للناس ليخبرهم بولايته، فتخوّف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقولوا: جاء بابن‏ (2) عمّه، و أن يطغوا في ذلك عليه، فأوحى اللّه إليه: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏.

فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بولايته يوم غدير خمّ. (3)

17- و منه: عن جابر بن أرقم، قال: بينا نحن في مجلس لنا، و أخي زيد بن أرقم يحدّثنا، إذ أقبل رجل على فرسه، عليه هيئة (4) السفر، فسلّم علينا، ثمّ وقف فقال: أ فيكم زيد بن أرقم؟ فقال زيد: أنا زيد بن أرقم، فما تريد؟

فقال الرجل: أ تدري من أين جئت؟ قال: لا.

قال: من فسطاط مصر (5) لأسألك عن حديث بلغني عنك تذكره عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال له زيد: و ما هو؟

____________

(1) 234 ح 45، عنه البحار: 37/ 137 ح 25، و غاية المرام: 1/ 346 ح 45، و البرهان: 1/ 11 ح 13، و أورده في كشف المهم. و مناقب الخوارزمي: 93 و خصائص النسائي: 93، و مستدرك الحاكم: 3/ 109، و البيان و التعريف: 2/ 36، و كنز العمّال: 15/ 91 ح 255، و المعجم الكبير:

5/ 86، و فرائد السمطين: 1/ 65، و البداية و النهاية: 5/ 209 و أخرجه في ينابيع المودّة: 32، عن بعضها الإحقاق: 4/ 439 و 442، و ج 6/ 232 و 375، و ج 15/ 648، و ج 16/ 566.

(2) في م: حامى ابن.

(3) 1/ 331 ح 152، عنه البحار: 37/ 139 ح 31، و البرهان: 1/ 489 ح 4.

(4) في ع: على زيّ.

(5) اسم موضع بناه عمرو بن العاص حين نزل على مصر.

أورد قصّته مفصّلا في مراصد الاطلاع: 3/ 1036.