صلح الحسن(ع)

- الشيخ راضي آل ياسين المزيد...
400 /
3

تصدير

بقلم سماحة آية الله الإمام المصلح الكبير السيد شرف الدين قدس سره.

4

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

كان صلح الحسن عليه السلام مع معاوية، من أشد ما لقيه أئمة أهل البيت من هذه الامة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم.

لقي به الحسن عليه السلام محنا يضيق بها الوسع، لا قوة لاحد عليها الا باللّه عز و جل. لكنه رضخ لها صابرا محتسبا، و خرج منها ظافرا بما يبتغيه من النصح للّه تعالى، و لكتابه عز و جل، و لرسوله، و لخاصة المسلمين و عامتهم، و هذا الذي يبتغيه و يحرص عليه في كل ما يأخذ أو يدع من قول أو فعل.

و لا وزن لمن اتهمه بأنه أخلد بصلحه الى الدعة، و آثر العافية و الراحة، و لا لمن طوحت بهم الحماسة من شيعته فتمنوا عليه لو وقف في جهاد معاوية فوصل الى الحياة من طريق الموت، و فاز بالنصر و الفتح من الجهة التي انطلق منها صنوه يوم الطف الى نصره العزيز، و فتحه المبين.

و من الغريب بقاء الناس في عشواء غماء من هذا الصلح الى يومهم هذا، لا يقوم أحد منهم في بيان وجهة الحسن في صلحه، بمعالجة موضوعية مستوفاة ببيانها و بيناتها، عقلية و نقلية، و كم كنت أحاول ذلك، لكن اللّه عز و جل شاء بحكمته أن يختص بهذه المأثرة من هو أولى بها، و أحق بكل فضيلة، ذلك هو مؤلف هذا السفر البكر «صلح الحسن» فاذا هو في موضوعه فصل الخطاب، و مفصل الصواب، و الحد الفاصل بين الحق و الباطل.

وقفت منه على فصول غرّ، تمثل فضل مؤلفها الاغر الابر، في كل ما

5

يشتركان فيه من التحقيق، و الدقة و الاعتدال، و سطوع البيان و البرهان، و التأنق و التتبع، و الورع في النقل، و الرحابة في المناظرة، و الاحاطة بما يناسب الموضوع، مع سهولة الاسلوب، و انسجام التراكيب، و بلاغة الايجاز اذا أوجز، و قبول الاطناب اذا أطنب.

فالكتاب يخضع لفكر منظم مبدع حجة، يصل وحدته بجداول دفاقة بالثراء العقلي و النقلي، و بروادف غنية كل الغنى، في كل ما يرجع الى الموضوع، و يتم عليه عناصره القيمة.

فالاناقة فيه تخامر الاستيعاب، و الوضوح يلازم العمق، و النقد التحليلي مرتكز هذه الخصائص.

أما المؤلف-اعلى اللّه مقامه-فانك تستطيع أن تستشف ملامحه، من حيث تنظر الى مواهبه في كتابه هذا، و لو لم أره لقدرت أن ارسم له صورة أستوحي قسماتها من هذا السفر، اذ يريكه واضح الغرة، مشرق الوجه، حلو الحديث، هادئ الطبع، واسع الصدر، لين العريكة، وافر الذهن، غزير الفهم و العلم، واسع الرواية، حسن الترسل، حلو النكتة، لطيف الكناية، بديع الاستعارة، تنطق الحكمة من محاسن خلاله، و يتمثل الفضل بكل معانيه في منطقه و أفعاله، لا ترى أكرم منه خلقا، و لا أنبل فطرة، عليما زاخرا بعلوم آل محمد، علامة بحاثة، أمعن في التنقيب عن أسرارهم، يستجلي غوامضها، و يستبطن دخائلها، لا تفوته منها واردة و لا شاردة، الى خصائص في ذاته و سماته يمثلها كتابه هذا بجلاء.

و من أمعن فيما اشتمل عليه هذا الكتاب، من أحوال الحسن و معاوية، علم انهما لم ترتجلهما المعركة ارتجالا، و انما كانا في جبهتيهما خليفتين، استخلفهما الميراث على خلقين متناقضين: فخلق الحسن انما هو خلق الكتاب و السنة، و ان شئت فقل خلق محمد و علي. و أما خلق معاوية فانما هو خلق «الاموية» ، و ان شئت فقل: خلق أبي سفيان و هند، على نقيض ذلك الخلق.

6

و المتوسع في تاريخ البيتين و سيرة أبطالهما من رجال و نساء يدرك ذلك بجميع حواسه.

لكن لما ظهر الاسلام، و فتح اللّه لعبده و رسوله فتحه المبين، و نصره ذلك النصر العزيز، انقطعت نوازي الشر «الاموي» ، و بطلت نزعات أبي سفيان و من إليه مقهورة مبهورة، متوارية بباطلها من وجه الحق الذي جاء به محمد عن ربه عز و جل، بفرقانه الحكيم، و صراطه المستقيم، و سيوفه الصارمة لكل من قاومه.

و حينئذ لم يجد أبو سفيان و بنوه و من إليهم بدا من الاستسلام، حقنا لدمائهم المهدورة يومئذ لو لم يستسلموا، فدخلوا فيما دخل فيه الناس، و قلوبهم تنغل بالعداوة له، و صدورهم تجيش بالغل عليه، يتربصون الدوائر بمحمد و من إليه، و يبغون الغوائل لهم. لكن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم كان-مع علمه بحالهم-يتألفهم بجزيل الاموال، و جميل الاقوال و الافعال، و يتلقاهم بصدر رحب، و محيا منبسط، شأنه مع سائر المنافقين من أهل الحقد عليه، يبتغي استصلاحهم بذلك.

و هذا ما اضطرهم الى اخفاء العداوة له، يطوون عليها كشحهم حوفا و طمعا، فكاد الناس بعد ذلك ينسون «الاموية» حتى في موطنها الضيق -مكة-.

اما في ميادين الفتح بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، فلم تعرف «الاموية» بشي‏ء، سوى أنها من أسرة النبي و من صحابته.

ثم أتيح بعد النبي لقوم ليسوا من عترته، أن يتبوّءوا مقعده، و أتيح لمعاوية في ظلهم أن يكون من أكبر ولاة المسلمين، أميرا من أوسع أمرائهم صلاحية في القول و العمل.

و معاوية اذ ذاك يتخذ بدهائه من الاسلام سبيلا يزحف منه الى الملك العضوض، ليتخذ به دين اللّه دغلا، و عباد اللّه خولا، و مال الله دولا، كما انذر به رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، فكان ذلك من اعلام نبوته.

7

نشط معاوية في عهد الخليفتين الثاني و الثالث، بامارته على الشام عشرين سنة، تمكن بها في أجهزة الدولة، و صانع الناس فيها و أطمعهم به فكانت الخاصة في الشام كلها من أعوانه، و عظم خطره في الاسلام، و عرف في سائر الاقطار بكونه من قريش-أسرة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم-و أنه من أصحابه، حتى كان في هذا أشهر من كثير من السابقين الاولين الذين رضى اللّه عنهم و رضوا عنه، كأبي ذر و عمار و المقداد و أضرابهم.

هكذا نشأت «الاموية» مرة أخرى، تغالب الهاشمية باسم الهاشمية في علنها، و تكيد لها كيدها في سرها، فتندفع مع انطلاق الزمن تخدع العامة بدهائها، و تشتري الخاصة بما تغدقه عليهم من أموال الامة، و بما تؤثرهم به من الوظائف التي ما جعلها اللّه للخونة من أمثالهم، تستغل مظاهر الفتح و احراز الرضا من الخلفاء.

حتى اذا استتب أمر «الاموية» بدهاء معاوية، انسلت الى احكام الدين انسلال الشياطين، تدس فيها دسها، و تفسد افسادها، راجعة بالحياة الى جاهلية تبعث الاستهتار و الزندقة، وفق نهج جاهلي، و خطة نفعية، ترجوها «الاموية» لاستيفاء منافعها، و تسخرها لحفظ امتيازاتها.

و الناس-عامة-لا يفطنون لشي‏ء من هذا، فان القاعدة المعمول بها في الاسلام-أعني قولهم: الاسلام يجب ما قبله-القت على فظائع «الاموية» سترا حجبها، و لا سيما بعد أن عفا عنها رسول اللّه و تألفها، و بعد أن قربها الخلفاء منهم، و اصطفوها بالولايات على المسلمين، و أعطوها من الصلاحيات ما لم يعطوا غيرها من ولاتهم. فسارت في الشام سيرتها عشرين عاما (لا يتناهون عن منكر فعلوه) و لا ينهون.

و قد كان الخليفة الثاني عظيم المراقبة لعماله، دقيق المحاسبة لهم، لا يأخذه في ذلك مانع من الموانع أصلا: تعتع بخالد بن الوليد، عامله على «قنسرين» اذ بلغه أنه اعطى الاشعث عشرة آلاف، فأمر به فعقله «بلال الحبشي» بعمامته، و أوقفه بين يديه على رجل واحدة، مكشوف الرأس،

8

على رءوس الاشهاد من رجال الدولة و وجوه الشعب في المسجد الجامع بحمص، يسأله عن العشرة آلاف: أ هي من ماله أم من مال الامة؟فان كانت من ماله فهو الاسراف، و اللّه لا يحب المسرفين. و ان كانت من مال الامة فهي الخيانة، و اللّه لا يحب الخائنين، ثم عزله فلم يولّه بعد حتى مات.

و دعا أبا هريرة، فقال له: «علمت أني استعملتك على البحرين، و أنت بلا نعلين!ثم بلغني أنك ابتعت أفراسا بألف دينار و ستمائة دينار!» قال: «كانت لنا أفراس تناتجت، و عطايا تلاحقت» . قال: «حسبت لك رزقك و مؤونتك و هذا فضل فأدّه» . قال: «ليس لك ذلك» . قال:

«بلى و أوجع ظهرك» . ثم قام إليه بالدرة فضربه حتى أدماه. ثم قال:

«ائت بها» . قال: «احتسبها عند اللّه» . قال: «ذلك لو أخذتها من حلال، و أديتها طائعا!. أ جئت من أقصى حجر البحرين يجبي الناس لك لا للّه و لا للمسلمين؟ما رجعت بك أميمة-يعني أمه-الا لرعية الحمر» .

و في حديث أبى هريرة: «لما عزلني عمر عن البحرين، قال لي:

يا عدو اللّه و عدو كتابه، سرقت مال اللّه!فقلت: ما أنا عدو الله و عدو كتابه، و لكني عدو من عاداك، و ما سرقت مال الله. قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟فقلت: خيل تناتجت، و عطايا تلاحقت، و سهام تتابعت. قال: فقبضها مني» الحديث.

و كم لعمر مع عماله من أمثال ما فعله بخالد و أبي هريرة يعرفها المتتبعون.

عزل كلا من أبي موسى الاشعري، و قدامة بن مظعون، و الحارث بن وهب، أحد بني ليث بن بكر، بعد أن شاطرهم أموالهم‏ (1) .

هذه مراقبة عمر لعماله، لا هوادة عنده لاحد منهم، لكن معاوية كان أثيره و خلصه، على ما كان من التناقض في سيرتيهما. ما كف يده عن شي‏ء و لا ناقشه الحساب في شي‏ء، و ربما قال له: «لا آمرك و لا أنهاك» يفوض

____________

(1) فيما رواه الزبير بن بكار في كتابه-الموفقيات-و نقله عنه ابن حجر في ترجمة الحارث بن وهب في القسم الاول من اصابته.

9

له العمل برأيه.

و هذا ما أطغى معاوية، و أرهف عزمه على تنفيذ خططه «الاموية» .

و قد وقف الحسن و الحسين من دهائه و مكره ازاء خطر فظيع، يهدد الاسلام باسم الاسلام، و يطغى على نور الحق باسم الحق، فكانا في دفع هذا الخطر، أمام امرين لا ثالث لهما: اما المقاومة، و اما المسالمة. و قد رأيا أن المقاومة في دور الحسن تؤدي لا محالة الى فناء هذا الصف المدافع عن الدين و أهله، و الهادي الى اللّه عزّ و جل، و الى صراطه المستقيم. اذ لو غامر الحسن يومئذ بنفسه و بالهاشميين و أوليائهم، فواجه بهم القوة التي لا قبل لهم بها (1) مصمما على التضحية، تصميم أخيه يوم «الطف» لانكشفت المعركة عن قتلهم جميعا، و لانتصرت «الاموية» بذلك نصرا تعجز عنه امكانياتها، و لا تنحسر عن مثله أحلامها و أمنياتها. اذ يخلو بعدهم لها الميدان، تمعن في تيهها كل امعان، و بهذا يكون الحسن-و حاشاه-قد وقع فيما فر منه على أقبح الوجوه، و لا يكون لتضحيته أثر لدى الرأى العام الا التنديد و التفنيد (2) .

____________

(1) كما اوضحه الشيخ في كتابه هذا.

(2) لان معاوية كان يطلب الصلح ملحا على الحسن بذلك، و كان يبذل له من الشروط للّه تعالى و للامة كل ما يشاء، يناشده اللّه في حقن دماء أمة جده، و قد أعلن طلبه هذا فعلمه المعسكران، مع ان الغلبة كانت في جانبه لو استمر القتال، يعلم ذلك الحسن و معاوية و جنودهما، فلو أصر الحسن -و الحال هذه-على القتال، ثم كانت العاقبة عليه لعذله العاذلون و قالوا فيه ما يشاؤون.

و لو اعتذر الحسن يومئذ بأن معاوية لا يفي بشرط، و لا هو بمأمون على الدين و لا على الامة، لما قبل العامة يومئذ عذره، اذ كانت مغرورة بمعاوية كما اوضحناه. و لم تكن الاموية يومئذ سافرة بعيوبها سفورا بينا بما يؤيد الحسن أو يخذل معاوية كما أسلفنا بيانه من اغترار الناس بمعاوية و بمكانته من أولى الامر الاولين، لكن انكشف الغطاء، في دور سيد الشهداء فكان لتضحيته عليه السلام من نصرة الحق و أوليائه آثاره الخالدة و الحمد للّه رب العالمين.

اقرأ فصل «سر الموقف» من هذا الكتاب.

10

و من هنا رأى الحسن عليه السلام أن يترك معاوية لطغيانه، و يمتحنه بما يصبو إليه من الملك، لكن أخذ عليه في عقد الصلح، أن لا يعدو الكتاب و السنة في شي‏ء من سيرته و سيرة أعوانه و مقوية سلطانه، و أن لا يطلب أحدا من الشيعة بذنب أذنبه مع الاموية، و أن يكون لهم من الكرامة و سائر الحقوق ما لغيرهم من المسلمين، و أن، و أن، و أن. الى غير ذلك من الشروط التي كان الحسن عالما بأن معاوية لا يفي له بشي‏ء منها و أنه سيقوم بنقائضها (1) .

هذا ما أعده عليه السلام لرفع الغطاء عن الوجه «الاموي» المموّه، و لصهر الطلاء عن مظاهر معاوية الزائفة، ليبرز حينئذ هو و سائر أبطال «الاموية» كما هم جاهليين، لم تخفق صدورهم بروح الاسلام لحظة، ثأريين لم تنسهم مواهب الاسلام و مراحمه شيئا من أحقاد بدر و أحد و الاحزاب.

و بالجملة فان هذه الخطة ثورة عاصفة في سلم لم يكن منه بد، أملاه ظرف الحسن، اذ التبس فيه الحق بالباطل، و تسنى للطغيان فيه سيطرة مسلحة ضارية.

ما كان الحسن ببادئ هذه الخطة و لا بخاتمها، بل أخذها فيما أخذه من ارثه، و تركها مع ما تركه من ميراثه. فهو كغيره من أئمة هذا البيت، يسترشد الرسالة في اقدامه و في احجامه. امتحن بهذه الخطة فرضخ لها صابرا محتسبا و خرج منها ظافرا طاهرا، لم تنجسه الجاهلية بأنجاسها، و لم تلبسه من مدلهمات ثيابها.

أخذ هذه الخطة من صلح «الحديبية» فيما أثر من سياسة جده صلى اللّه عليه و آله و سلم، و له فيه أسوة حسنة، اذ أنكر عليه بعض الخاصة من أصحابه، كما أنكر على الحسن صلح «ساباط» بعض الخاصة من أوليائه، فلم يهن بذلك عزمه، و لا ضاق به ذرعه.

و قد ترك هذه الخطة نموذجا صاغ به الائمة التسعة-بعد سيدي

____________

(1) اقرأ ما يتعلق بنصوص المعاهدة و شروطها و مدى وفاء معاوية بكل منها في فصول هذا الكتاب.

11

شباب أهل الجنة-سياستهم الحكيمة، في توجيهها الهادئ الرصين، كلما اعصوصب الشر. فهي اذا جزء من سياستهم الهاشمية الدائرة أبدا على نصرة الحق، لا على الانتصار للذات فيما تأخذ او تدع.

تهيأ للحسن بهذا الصلح أن يغرس في طريق معاوية كمينا من نفسه يثور عليه من حيث لا يشعر فيرديه، و تسنى له به أن يلغم نصر الاموية ببارود الاموية نفسها. فيجعل نصرها جفاء، و ريحا هباء.

لم يطل الوقت حتى انفجرت اولى القنابل المغروسة في شروط الصلح، انفجرت من نفس معاوية يوم نشوته بنصره، اذ انضم جيش العراق الى لوائه في النخيلة. فقال-و قد قام خطيبا فيهم-: «يا أهل العراق، اني و اللّه لم أقاتلكم لتصلوا و لا لتصوموا، و لا لتزكوا، و لا لتحجوا، و انما قاتلتكم لا تأمر عليكم، و قد أعطاني اللّه ذلك و انتم كارهون!. ألا و ان كل شي‏ء اعطيته للحسن بن علي جعلته تحت قدميّ هاتين!» .

فلما تمت له البيعة خطب فذكر عليا فنال منه، و نال من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه، فقال له الحسن: «على رسلك يا أخي» . ثم قام عليه السلام فقال: «أيها الذاكر عليا!أنا الحسن و أبي علي، و أنت معاوية و أبوك صخر، و أمي فاطمة و أمك هند، و جدي رسول اللّه وجدك عتبة، و جدتي خديجة وجدتك فتيلة، فلعن اللّه أخملنا ذكرا، و ألأمنا حسبا، و شرنا قديما، و أقدمنا كفرا و نفاقا!» فقالت طوائف من أهل المسجد: «آمين» .

ثم تتابعت سياسة معاوية، تتفجر بكل ما يخالف الكتاب و السنة من كل منكر في الاسلام، قتلا للابرار، و هتكا للاعراض، و سلبا للاموال، و سجنا للاحرار، و تشريدا للمصلحين، و تأييدا للمفسدين الذين جعلهم وزراء دولته، كابن العاص، و ابن شعبة، و ابن سعيد، و ابن أرطاة، و ابن جندب، و ابن السمط، و ابن الحكم، و ابن مرجانة، و ابن عقبة، و ابن سمية الذي نفاه عن ابيه الشرعي عبيد، و الحقه بالمسافح أبيه أبى سفيان ليجعله بذلك أخاه، يسلطه على الشيعة في العراق، يسومهم سوء العذاب،

12

يذبح أبناءهم، و يستحيي نساءهم، و يفرقهم عباديد، تحت كل كوكب، و يحرق بيوتهم، و يصطفي أموالهم، لا يألو جهدا في ظلمهم بكل طريق.

ختم معاوية منكراته هذه بحمل خليعه المهتوك على رقاب المسلمين، يعيث في دينهم و دنياهم، فكان من خليعه ما كان يوم الطف، و يوم الحرة، و يوم مكة اذ نصب عليها العرادات و المجانيق!.

هذه خاتمة أعمال معاوية، و انها لتلائم كل الملاءمة فاتحة أعماله القائمة.

و بين الفاتحة و الخاتمة تتضاغط شدائد، و تدور خطوب، و تزدحم محن، ما أدرى كيف اتسعت لها مسافة ذلك الزمن، و كيف اتسع لها صدر ذلك المجتمع؟و هي-في الحق-لو وزعت على دهر لضاق بها، و ناء بحملها، و لو وزعت على عالم لكان جديرا أن يحول جحيما لا يطاق.

و مهما يكن من أمر، فالمهم أن الحوادث جاءت تفسر خطة الحسن و تجلوها. و كان أهم ما يرمي إليه سلام اللّه عليه، أن يرفع اللثام عن هؤلاء الطغاة، ليحول بينهم و بين ما يبيتون لرسالة جده من الكيد.

و قد تم له كل ما أراد، حتى برح الخفاء، و آذن أمر الاموية بالجلاء، و الحمد للّه رب العالمين.

و بهذا استتب لصنوه سيد الشهداء أن يثور ثورته التي أوضح اللّه بها الكتاب، و جعله فيها عبرة لأولى الالباب.

و قد كانا عليهما السلام وجهين لرسالة واحدة، كل وجه منهما في موضعه منها، و في زمانه من مراحلها، يكافئ الآخر في النهوض بأعبائها و يوازنه بالتضحية في سبيلها.

فالحسن لم يبخل بنفسه، و لم يكن الحسين أسخى منه بها في سبيل اللّه، و انما صان نفسه يجندها في جهاد صامت، فلما حان الوقت كانت شهادة كربلاء شهادة حسنية، قبل ان تكون حسينية.

و كان يوم ساباط أعرق بمعاني التضحية من يوم الطف لدى اولي

13

الالباب ممن تعمق.

لان الحسن عليه السلام، أعطي من البطولة دور الصابر على احتمال المكاره في صورة مستكين قاعد.

و كانت شهادة «الطف» حسنية أولا، و حسينية ثانيا، لان الحسن أنضج نتائجها، و مهد أسبابها.

كان نصر الحسن الدامي موقوفا على جلو الحقيقة التي جلاها -لاخيه الحسين-بصبره و حكمته، و بجلوها انتصر الحسين نصره العزيز و فتح اللّه له فتحه المبين.

و كانا عليهما السلام كأنهما متفقان على تصميم الخطة: أن يكون للحسن منها دور الصابر الحكيم، و للحسين دور الثائر الكريم، لتتألف من الدورين خطة كاملة ذات غرض واحد.

و قد وقف الناس-بعد حادثتي ساباط و الطف-يمعنون في الاحداث فيرون في هؤلاء الامويين عصبة جاهلية منكرة، بحيث لو مثلت العصبيات الجلفة النذلة الظلوم لم تكن غيرهم، بل تكون دونهم في الخطر على الاسلام و أهله.

رأى الناس من هؤلاء الامويين، قردة تنزو على منبر رسول اللّه، تكشّر للامة عن أنياب غول، و تصافحها بأيد تمتد بمخالب ذئب، في نفوس تدب بروح عقرب.

رأوا فيهم هذه الصورة منسجمة شائعة متوارثة، لم تخفف من شرها التربية الاسلامية، و لم تطامن من لؤمها المكارم المحمدية. فمضغ الاكباد يوم هند و حمزة، يرتقي به الحقد الاموي الاثيم، حتى يكون تنكيلا بربريا يوم الطف، لا يكتفي بقتل الحسين، حتى يوطى‏ء الخيل صدره و ظهره. ثم لا يكتفي بذلك، حتى يترك عاريا بالعراء، لوحوش الارض و طير السماء، و يحمل رأسه و رءوس الشهداء من آله و صحبه على أطراف الاسنة الى الشام. ثم لا يكتفي بهذا كله، حتى يوقف حرائر الوحي من بنات رسول اللّه على درج السبى!!!...

14

رأى الناس الحسن يسالم، فلا تنجيه المسالمة من خطر هذه الوحشية اللئيمة، حتى دس معاوية إليه السم فقتله بغيا و عدوانا. و رأوا الحسين يثور في حين أتيح للثورة الطريق الى أفهامهم تتفجر فيها باليقظة و الحرية، فلا تقف الوحشية الاموية بشي‏ء عن المظالم، بل تبلغ في وحشيتها أبعد المدى.

و كان من الطبيعي أن يتحرر الرأى العام على وهج هذه النار المحرقة منطلقا الى زوايا التاريخ و أسراره، يستنزل الاسباب من هنا و هناك بامعان و يقظة، و سير دائب يدنيه الى الحقيقة، حقيقة الانحراف عن آل محمد، حتى يكون أمامها وجها لوجه، يسمع همسها هناك في الصدر الاول، و هي تتسار وراء الحجب و الاستار، و تدبر الامر في اصطناع هذا «الداهية الظلوم الاموي» اصطناعا يطفئ نور آل محمد، او يحول بينه و بين الامة.

نعم أدرك الرأى العام بفضل الحسن و الحسين و حكمة تدبيرهما كل خافية من أمر «الاموية» و أمور مسددي سهمها على نحو واضح.

أدرك-فيما يتصل بالامويين-أن العلاقة بينهم و بين الاسلام انما هي علاقة عداء مستحكم، ضرورة أنه اذا كان الملك هو ما تهدف إليه الاموية، فقد بلغه معاوية، و أتاح له الحسن، فما بالها تلاحقه بالسم و أنواع الظلم و الهضم، و تتقصى الاحرار الابرار من أوليائه لتستأصل شأفتهم و تقتلع بذرتهم؟!...

و اذا كان الملك وحده هو ما تهدف إليه الاموية، فقد أزيح الحسين من الطريق، و تم ليزيد ما يريد، فما بالها لا تكف و لا ترعوي، و انما تسرف اقسى ما يكون الاسراف و الاجحاف في حركة من حركات الافناء على نمط من الاستهتار، لا يعهد في تاريخ الجزارين و البرابرة؟؟..

أما ما انتجته هذه المحاكمة لأولى الالباب، فذلك ما نترك تقديره و بيانه للعارفين بمنابع الخير، و مطالع النور في التاريخ الاسلامي، على أنا فصلناه بآياته و بيناته في مقدمة «المجالس الفاخرة في ماتم العترة الطاهرة»

15

فليراجع، و لنكتف الآن بالاشارة الى ما قلناه في التوحيد بين صلح الحسن و ثورة الحسين، و التعاون بين هذين المظهرين، على كشف القناع عن الوجه الاموي المظلم، و الاعلان عن الحقيقة الاموية، فأقول عودا على بدء:

كانت شهادة الطف حسنية اولا، و حسينية ثانيا. و كان يوم ساباط، أعرق بمعاني الشهادة و التضحية من يوم الطف عند من تعمق و اعتدل و أنصف.

و الفضل في كشف هذه الحقيقة انما هو لمولانا و مقتدانا علم الامة، و الخبير بأسرار الأئمة، حجة الاسلام و المسلمين، شيخنا المقدس الشيخ راضي آل ياسين أعلى اللّه مقامه.

ذلك لان أحدا من الاعلام لم يتفرغ لهذه المهمة تفرغه لها في هذا الكتاب الفذ الذي لا ثاني له، و ها هو ذا مشرف من القمة على الامة، ليسد في مكتبتها فراغا كانت في فاقة الى سده، فجزاه اللّه عن الامة و عن الائمة، و عن غوامض العلم التي استجلاها، و مخبآته التي استخرجها، و محص حقائقها، خير جزاء المحسنين، و حشره في أعلى عليين‏[مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا].

حرر في صور (جبل عامل) .

في الخامس عشر من رجب سنة اثنتين و سبعين و ثلاثمائة و الف من الهجرة.

عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي‏

16

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمَ‏َنِ اَلرَّحِيمِ‏ الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و إله و صحبه‏

17

المقدمة

و هأنذا مقدم-الآن-بين يدي قارئي الكريم، عصارة بحوث تستملي حقائقها من صميم الواقع غير مدخول بالشكوك، و لا خاضع للمؤثرات عن الحقبة المظلومة التاريخ، التي لم يحفل في عرضها-بما تستحق- مؤرخونا القدامى، و لم يعن في تحليلها-كما يجب-كتابنا المحدثون.

تلك هي قطعة الزمن التي كانت عهد خلافة الحسن بن علي في الاسلام و التي جاءت بين دوافع الاولين، و تساهل الآخرين، صورة مشوهة من صور التاريخ. و تعرضت في مختلف ادوارها لما كان يجب ان يتعرض له امثالها من الفترات المطموسة المعالم، المنسية الحقائق، المقصودة-على الاكثر-بالاهمال او بالتشويه، فاذا بالحسن بن علي (عليه و على ابيه افضل الصلاة و السلام) في عرف الاكثرين من المتسرعين باحكامهم-من شرقيين و غربيين-الخليفة الضعيف السياسة!المتوفر على حب النساء! الذي باع «الخلافة» لمعاوية بالمال!!... الى كثير من هذا الهذر الظالم، الذي لا يستند في مقاييسه على منطق، و لا يرجع في تحكماته الى دليل، و لا يعنى في ارتجالياته بتحقيق او تدقيق.

و عمدت هذه الفصول الى تفلية هذه الحقبة القصيرة من الزمن بما هي ظرف احداث لا تقل بأهميتها-في ذاتها-و لا بموقعها «الإستراتيجي» في التاريخ-اذا صح هذا التعبير-عن اعظم الفترات التي مرّ بها تاريخ‏

18

الاسلام منذ وفاة الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و الى يوم الناس، لانها كانت ظرف الخلافة الفريدة من نوعها في تاريخ الخلائف الآخرين، و لانها بداية اقرار القاعدة الجديدة في التمييز بين السلطات الروحية و السلطات الزمنية في الاسلام، و اللحظة التي صدّقت باحداثها الحديث النبوي الشريف الذي انبأ برجوع الامر بعد ثلاثين عاما الى الملك العضوض، و لانها الفترة التي تبلورت فيها الحزازات الطائفية لاول مرة في تاريخ العقائد الاسلامية.

و لم يكن قليلا من مجهود هذه الفصول، ان ترجع-بعد الجهد المرتخص في سبيلها-بالخبر اليقين عن الكثير من تلك الحقائق-أبعد ما تكون تأتيا في البحث، و اكثر ما تكون تفسخا في المصادر، و اقل ما تكون حظا من تسلسل الحوادث و تناسق الاحداث-فتعرضها في هذه السطور مجلوة على واقعها الاول، او على اقرب صورة من واقعها الذي تنشأت عليه بين احضان جيلها المختلف الالوان.

فاذا بالحسن بن علي (ع) -بعد هذا-و على قصر عهده في خلافته، من أطول الخلفاء باعا في الادارة و السياسة، و الرجل الذي بلغ من دقته في تصريف الامور، و سموّه في علاج المشكلات، انه استغفل معاوية بن ابي سفيان اعنف ما يكون في موقفه منه حذرا و انتباها و استعدادا للحبائل و الغوائل. و اذا بزواجه الكثير دليل عظمته الروحية في الناس. و اذا «بالصلح» الذي حاكه على معاوية اداته الجبارة للقضاء على خصومه في التاريخ، دون ان يكون ثمة اية مساومة على بيعة أو على خلافة أو على مال.

و اذا كل خطوات هذا الامام، و كل ايجاب او سلب في سياسته-مخفقا او منتصرا-آية من آيات عظمته التي جهلها الناس و ظلمها المؤرخون.

و كان من أفظع الكفران لمواهب العظماء، ان يتحكم في تاريخهم و تنسيق مراتبهم، ناس من هؤلاء الناس المأخوذين بسوء الذوق، او المغلوبين بسوء الطوية، يتظاهرون بالمعرفة و يرتجزون بحسن التفكير، ثم يتحذلقون‏

19

بالتطاول على الكرامات المجيدة، دون رويّة و لا تدقيق و لا اكتراث، فلا يدلون بتفريطهم في احكامهم الاّ على فرط الضعف في نفوسهم.

و ليس يضر الحسن بن علي أن تظلمه الضمائر البليدة ثم ينصفه التمييز. و ان لهذا الامام من مواقفه و من مواهبه و من عمقه و من اهدافه ما يضعه بالمكان الاسنى من صفوة «العظماء» الخالدين.

و حسبنا من هذه السطور، أن تجلو عن طريق المنطق الصحيح الذي لا ينبغي أن يختلف عليه الناس، عظمة هذا الامام، خالصة من كل شوب، سالمة من كل عيب، نقية من كل نقد.

و كانت النقود التي جرح بها و قاح الرأى سياسة الحسن عليه السلام، أبعد ما يكونون-في تجريحهم-عن النصف و العمق و الاحاطة بالظرف الخاص، هي التي نسجت كيان المشكلة التاريخية في قضية هذا الامام عليه السلام، و كان للشهوة الحزبية من بعض، و لمسايرة السياسة الحاكمة من آخر، و للجهل بالواقع من ثالث، أثره فيما أسف به المتسرّعون الى أحكامهم.

و نظروا إليه نظرتهم الى زعيم أخفق في زعامته، و فاتهم أن ينظروا الى دوافع هذا الاخفاق المزعوم، الذي كان-في حقيقته-انعكاسا للحالة القائمة في الجيل الذي قدّر للحسن أن يتزعمه في خلافته، بما كان قد طغى على هذا الجيل من المغريات التي طلعت بها الفتوح الجديدة على الناس، و أيّ غضاضة على «الزعيم» اذا فسد جيله، أو خانت جنوده، أو فقد مجتمعه وجدانه الاجتماعي.

وفاتهم-بعد ذلك-أن ينظروا إليه كألمع سياسيّ يدرس نفسيات خصومه و نوازع مجتمعه و عوامل زمنه، فيضع الخطط و يقرر النتائج، و يحظ بخططه مستقبل أمة بكاملها، و يحفر-بنتائجه-قبور خصومه قبرا قبرا، و يمرّ بزوابع الزمن من حوله رسول السلام المضمون النجاح، المرفوع الرأس بالدعوة الى الاصلاح. ثم يموت و لا يرضى أن يهرق في أمره محجمة دم‏

20

ترى، فأي عظمة أجل من هذه العظمة لو أنصف الناقدون المتحذلقون؟.

و ان كتابنا هذا ليضع نقاط هذه الحروف كلها، مملاة عن دراسة دقيقة سيجدها المطالع-كما قلنا-أقرب شي‏ء من الواقع، أو هي الواقع نفسه، مدلولا عليه بالمقاييس المنطقية، و بالدراسات النفسية، و بالشواهد الشوارد من هنا و هناك. كل ذلك هو عماد البحث في الكتاب، و القاعدة التي خرج منها الى احكامه بسهولة و يسر، في سائر ما تناوله من موضوعات أو حاوله من آراء...

*** و سيجد القارئ أن الكتاب ليس كتابا في أحوال الامام الحسن (ع) ، بوجه عام، و انما هو كتاب مواقفه السياسية فحسب. و كان من التوفر على استيعاب هذا الموضوع أن نتقدم بفصل خاص عن الترجمة له، و أن نستطرد في أطوائه ما يضطرنا البحث إليه.

و ان موضوعا من العمق و العسر كموضوعنا، و بحثا فقير المادة قصير المدد كبحثنا-و نحن نتطلع إليه بعد 1328 من السنين-لحرىّ بأن لا يدرّ على كاتبه باكثر مما درّت به هذه الفصول، احرص ما تكون توفرا على استقصاء المواد، و تنسيق عناصر الموضوع، و تهذيبها من الزائف و الدخيل.

و نحن اذ نومئ الى «فقر المادة» و أثره على البحث، لا نعني بالمادة الا هذه «الموسوعات» التي كان بامكاننا التعاون معها على تجلية موضوعنا بما هي عليه من تشويش للمتناسق أو تشويه للحقائق. اما المؤلفات الكثيرة العدد التي وردت أسماؤها في معاجم المؤلفين الاولين، مما كتب عن قضية الحسن (ع) فقد حيل بيننا و بين الوقوف عليها. و كانت مع الكثير من تراثنا القديم قيد المؤثرات الزمنية، و طعمة الضياع و الانقراض اخيرا. و كان ذلك عصب النكبة في الصحيح الصحيح من تاريخ الاسلام، و في المهم المهم من قضاياه الحساسة امثال قضيتنا-موضوع البحث-.

فلم نجد-على هذا-من مصادر الموضوع: كتاب صلح الحسن و معاوية، لاحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن السبيعي الهمداني‏

21

المتوفى سنة 333 هـ، و لا كتاب صلح الحسن عليه السلام، لعبد الرحمن بن كثير الهاشمي (مولاهم) ، و لا كتاب قيام الحسن عليه السلام، لهشام بن محمد بن السائب، و لا كتاب قيام الحسن عليه السلام، لإبراهيم بن محمد ابن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي المتوفى سنة 283 هـ و لا كتاب عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري في امر الحسن عليه السلام، و لا كتاب اخبار الحسن عليه السلام و وفاته، للهيثم بن عدي الثعلي المتوفى سنة 207 هـ، و لا كتاب اخبار الحسن بن علي عليه السلام، لابي اسحاق ابراهيم بن محمد الاصفهاني الثقفي‏ (1) ، و لا نظائرها.

اما هذه المصادر التي قدّر لنا ان لا نجد غيرها سندا، فيما احتاجت به هذه البحوث الى سند ما، فقد كان اعجب ما فيها انها تتفق جميعها في قضية الحسن عليه السلام على ان لا تتفق في عرض حادثة، او رواية خطبة، او نقل تصريح، او الحكم على احصاء، بل لا يتفق سندان منها-على الاكثر- في تأريخ وقت الحادث او الخطبة من تقديم او تأخير، و لا في تعيين اسم القائد مثلا، او ترتيب القيادة بين الاثنين او الثلاثة، و لا في رواية طرق النكاية التي اريدت بالحسن (ع) في ميادينه، او في التعبير عن صلحه، او في قتله اخيرا، و لا في كل صغيرة او كبيرة من اخبار الملحمة، من ألفها الى يائها.

و للمؤثرات التي تحكمت في رقبة هذه المصادر، عند نقاطها الحساسة اثرها المحسوس في الكثير الكثير من عروضها.

و اذا كان من اصعب مراحل هذا التأليف، ارجاع هذه الحقائق الى تسلسلها الصحيح الذي يجب ان يكون هو واقعها الاول، فقد كان من أيسر

____________

(1) تجد ذكر هذه المؤلفات ضمن تراجم مؤلفيها في كتب الرجال، كفهرست ابن النديم و النجاشي و غيرهما. و ستجد معها اسماء كتب اخرى تخص موضوع الحسن عليه السلام في صلحه و في مقتله، لا نريد الاطالة باستقصائها بعد ان اصبحت اسماء بلا مسميات.

غ

22

الوسائل الى تحقيق هذا الغرض، الاستعانة عليه بقرائن الاحوال، و تناسق الاحداث، اللذين لا يتم بدونهما حكم على وضع.

و كان من حسن الصدف، ان لا نخرج في اختيار النسق المطلوب عن الشاهد الصريح، الذي بعثرته هذه المصادر نفسها، في اطواء رواياتها الكثيرة المضطربة، فكانت-بمجموعها-و على نقص كل منها، أدلتنا الكاملة على ما اخترناه من تنسيق أو تحقيق، و ذلك أروع ما نعتز به من التوفيق.

و وقفنا في فلسفة الموقف-عند مختلف مراحله-وقفاتنا المتأنية المستقرئة الصبور، التي لا تستسلم للنقل اكثر مما تحتكم للعقل. و رجعنا في كثير مما التمسنا تدقيقه، الى التصريحات الشخصية التي جاءت ادلّ على الغرض من روايات كثير من المؤرخين.

*** و هي-بعد-بضاعتي المزجاة التي لا اريد منها الا ان تكون مفتاح بحوث جديدة، من شأنها ان تكشف كثيرا من الغموض الذي دار مع قضية الحسن في التاريخ.

فان هي وفّقت الى ذلك، فقد أوتيت خيرا كثيرا.

و ما توفيقي الا باللّه عليه توكلت و إليه انيب.

المؤلف‏

23

القسم الأوّل الإمام الحسن «ع»

24

-

25

أبوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. و أمه سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول اللّه. صلى اللّه عليه و عليهم.

و لا أقصر من هذا النسب في التاريخ، و لا أشرف منه في دنيا الانساب.

مولده:

ولد في المدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث للهجرة.

و هو بكر أبويه.

و أخذه النبي صلى اللّه عليه و آله فور ولادته. فأذن في اذنه اليمنى، و أقام في اليسرى، ثم عق عنه. و حلق رأسه. و تصدق بزنة شعره فضة فكان وزنه درهما و شيئا. و أمر فطلي رأسه طيبا، و سنّت بذلك العقيقة و التصدّق بوزن الشعر.

و سماه «حسنا» . و لم يعرف هذا الاسم في الجاهلية.

و كنّاه «أبا محمد» . و لا كنية له غيرها.

القابه:

السبط. السيد. الزكيّ. المجتبى. التقيّ.

زوجاته:

تزوج «أم إسحاق» بنت طلحة بن عبيد اللّه. و «حفصة» بنت عبد الرحمن بن ابي بكر. و «هند» بنت سهيل بن عمرو. و «جعدة» بنت الاشعث بن قيس، و هي التي اغراها معاوية بقتله فقتلته بالسم.

و لا نعهد انه اختص من الزوجات-على التعاقب-باكثر من ثمان أو عشر.. على اختلاف الروايتين.. بما فيهن امهات اولاده.

26

و نسب الناس إليه زوجات كثيرات، صعدوا في أعدادهن ما شاءوا..

و خفي عليهم ان زواجه الكثير الذي أشاروا إليه بهذه الاعداد، و اشار إليه آخرون بالغمز و الانتقاد، لا يعني الزواج الذي يختص به الرجل لمشاركة حياته، و انما كانت حوادث استدعتها ظروف شرعية محضة. من شأنها ان يكثر فيها الزواج و الطلاق معا، و ذلك هو دليل سمتها الخاصة.

و لا غضاضة في كثرة زواج تقتضيه المناسبات الشرعية، بل هو-بالنظر الى ظروف هذه المناسبات-دليل قوة الامام في عقيدة الناس-كما اشير إليه-. و لكن المتسرعين الى النقد، جهلوا الحقيقة و جهلوا انهم جاهلون. و لو فطنوا الى جواب الامام الحسن عليه السلام لعبد اللّه بن عامر ابن كريز، و قد بنى بزوجته، لكانوا غيرهم اذ ينتقدون.

اولاده:

كان له خمسة عشر ولدا بين ذكر و انثى، هم زيد و الحسن و عمرو و القاسم و عبد اللّه و عبد الرحمن و الحسين الاثرم و طلحة، و أمّ الحسن و أمّ الحسين و فاطمة و أمّ سلمة و رقية و أمّ عبد اللّه و فاطمة.

و جاء عقبه من ولديه الحسن و زيد، و لا يصح الانتساب إليه من غيرهما.

اوصافه:

«لم يكن أحد اشبه برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من الحسن بن علي عليه السلام خلقا و خلقا و هيئة و هديا و سؤددا» .

بهذا وصفه واصفوه. و قالوا:

كان ابيض اللون مشربا بحمرة، أدعج العينين، سهل الخدين، كث اللحية، جعد الشعر ذا وفرة، كأن عنقه ابريق فضة، حسن البدن، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الكراديس، دقيق المسربة، ربعة ليس بالطويل و لا بالقصير، مليحا من أحسن الناس وجها.

27

او كما قال الشاعر:

ما دبّ في فطن الاوهام من حسن # الاّ و كان له الحظ الخصوصيّ‏

كأن جبهته من تحت طرّته # بدر يتوّجه الليل البهيميّ‏

قد جلّ عن طيب اهل الارض عنبره # و مسكه فهو الطيب السماويّ‏

و قال ابن سعد: «كان الحسن و الحسين يخضبان بالسواد» .

و قال واصل بن عطاء: «كان الحسن بن علي عليهما السلام، عليه سيماء الأنبياء و بهاء الملوك» .

عبادته:

حج خمسا و عشرين حجة ماشيا، و ان النجائب لتقاد معه، و اذا ذكر الموت بكى، و اذا ذكر القبر بكى، و اذا ذكر البعث بكى، و اذا ذكر الممر على الصراط بكى، و اذا ذكر العرض على اللّه تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، و اذا ذكر الجنة و النار اضطرب اضطراب السليم، و سأل اللّه الجنة و تعوذ باللّه من النار.

و كان اذا توضأ، او اذا صلى ارتعدت فرائصه و اصفر لونه.

و قاسم اللّه تعالى ماله ثلاث مرات. و خرج من ماله لله تعالى مرتين.

ثم هو لا يمر في شي‏ء من احواله الا ذكر اللّه عز و جل.

قالوا: «و كان أعبد الناس في زمانه و أزهدهم بالدنيا» .

***

اخلاقه:

كان في شمائله آية الانسانية الفضلى، ما رآه احد الاهابه، و لا خالطه انسان الا أحبه، و لا سمعه صديق أو عدو و هو يتحدث أو يخطب فهان عليه ان ينهي حديثه أو يسكت.

28

قال ابن الزبير فيما رواه ابن كثير (ج 8 ص 37) : «و اللّه ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي» .

و قال محمد بن إسحاق: «ما بلغ احد من الشرف بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، ما بلغ الحسن بن علي. كان يبسط له على باب داره فاذا خرج و جلس انقطع الطريق، فما يمر أحد من خلق اللّه اجلالا له، فاذا علم قام و دخل بيته فيمر الناس» .

و نزل عن راحلته في طريق مكة فمشى، فما من خلق اللّه احد الا نزل و مشى حتى سعد بن ابي وقاص، فقد نزل و مشى الى جنبه.

و قال مدرك بن زياد لابن عباس، و قد امسك للحسن و الحسين بالركاب و سوى عليهما ثيابهما: «أنت أسن منهما تمسك لهما بالركاب؟» .

فقال: «يا لكع!و ما تدري من هذان، هذان ابنا رسول اللّه، أو ليس مما أنعم اللّه علي به ان امسك لهما و اسوي عليهما!»

و كان من تواضعه على عظيم مكانته انه مر بفقراء وضعوا كسيرات على الارض، و هم قعود يلتقطونها و يأكلونها، فقالوا له: «هلم يا ابن رسول اللّه الى الغداء!» فنزل و قال: «ان اللّه لا يحب المتكبرين» . و جعل يأكل معهم. ثم دعاهم الى ضيافته فأطعمهم و كساهم.

و كان من كرمه انه اتاه رجل في حاجة، فقال له: «اكتب حاجتك في رقعة و ارفعها إلينا» . قال: فرفعها إليه فأضعفها له، فقال له بعض جلسائه: «ما كان أعظم بركة الرقعة عليه يا ابن رسول اللّه!» . فقال:

«بركتها علينا أعظم، حين جعلنا للمعروف اهلا. أ ما علمت ان المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة، فاما من أعطيته بعد مسألة، فانما اعطيته بما بذل لك من وجهه. و عسى ان يكون بات ليلته متململا أرقا، يميل بين اليأس و الرجاء، لا يعلم بما يرجع من حاجته أ بكآبة الرد، أم بسرور النجح، فيأتيك و فرائصه ترعد و قلبه خائف يخفق، فان قضيت له حاجته فيما بذل من وجهه، فان ذلك أعظم مما نال من معروفك» .

29

و اعطى شاعرا فقال له رجل من جلسائه: «سبحان اللّه أ تعطي شاعرا يعصى الرحمن و يقول البهتان!» . فقال: «يا عبد اللّه ان خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك، و ان من ابتغاء الخير اتقاء الشر» .

و سأله رجل فأعطاه خمسين الف درهم و خمسمائة دينار و قال له:

«ائت بحمال يحمل لك» . فأتى بحمال، فأعطاه طيلسانه، و قال: «هذا كرى الحمال» .

و جاءه بعض الاعراب. فقال: «اعطوه ما في الخزانة!» . فوجد فيها عشرون الف درهم. فدفعت إليه، فقال الاعرابي: «يا مولاي، أ لا تركتني أبوح بحاجتي، و انشر مدحتي؟» . فأنشأ الحسن يقول:

نحن اناس نوالنا خضل # يرتع فيه الرجاء و الامل‏

تجود قبل السؤال أنفسنا # خوفا على ماء وجه من يسل‏

و روى المدائني قال: «خرج الحسن و الحسين و عبد اللّه بن جعفر حجاجا ففاتتهم اثقالهم، فجاعوا و عطشوا، فرأوا عجوزا في خباء فاستسقوها فقالت: هذه الشويهة احلبوها، و امتذقوا لبنها، ففعلوا. و استطعموها، فقالت: ليس الا هذه الشاة فليذبحها أحدكم. فذبحها احدهم، و كشطها.

ثم شوت لهم من لحمها فأكلوا. و قالوا عندها، فلما نهضوا، قالوا: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فاذا عدنا. فألمي بنا، فانا صانعون بك خيرا. ثم رحلوا فلما جاء زوجها، أخبرته فقال: و يحك تذبحين شاتي لقوم لا تعرفينهم، ثم تقولين: نفر من قريش. ثم مضت الايام، فأضرت بها الحال، فرحلت حتى اجتازت بالمدينة، فرآها الحسن (ع) فعرفها، فقال لها: أ تعرفينني؟قالت: لا. قال: أنا ضيفك يوم كذا و كذا، فأمر لها بالف شاة و الف دينار، و بعث بها الى الحسين (ع) فأعطاها مثل ذلك، ثم بعثها الى عبد اللّه بن جعفر فأعطاها مثل ذلك» .

و تنازع رجلان، هاشمي و اموي. قال هذا: «قومي اسمح» . و قال‏

30

هذا: «قومي اسمح» . قال: «فسل أنت عشرة من قومك، و انا اسال عشرة من قومي» . فانطلق صاحب بني أميّة فسأل عشرة، فأعطاه كل واحد منهم عشرة آلاف درهم. و انطلق صاحب بني هاشم الى الحسن بن علي، فأمر له بمائة و خمسين الف درهم، ثم آتى الحسين فقال: «هل بدأت باحد قبلي؟» . قال: «بدأت بالحسن» قال: «ما كنت أستطيع أن ازيد على سيدي شيئا» فأعطاه مائة و خمسين الفا من الدراهم. فجاء صاحب بني أميّة يحمل مائة الف درهم من عشر أنفس، و جاء صاحب بني هاشم يحمل ثلاثمائة الف درهم من نفسين. فغضب صاحب بني أمية، فردها عليهم، فقبلوها. و جاء صاحب بني هاشم فردها عليهما، فأبيا ان يقبلاها، و قالا:

«ما كنا نبالي. أخذتها أم القيتها في الطريق» .

و رأى غلاما أسود يأكل من رغيف لقمة، و يطعم كلبا هناك لقمة فقال له: «ما حملك على هذا؟» قال: «اني استحي منه ان آكل و لا اطعمه» . فقال له الحسن: «لا تبرح مكانك حتى آتيك» . فذهب الى سيده، فاشتراه و اشترى الحائط (البستان) الذي هو فيه، فأعتقه، و ملكه الحائط.

و اخبار كرمه كثيرة لسنا بسبيل استقصائها.

و كان من حلمه ما يوازن به الجبال-على حد تعبير مروان عنه.

و كان من زهده ما خصص له محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المتوفى سنة 381 هـ كتابا أسماه (كتاب زهد الحسن عليه السلام) .

و ناهيك بمن زهد بالدنيا كلها في سبيل الدين.

***

مناقبه:

انه سيد شباب أهل الجنة، و أحد الاثنين اللذين انحصرت ذرية رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فيهما، و أحد الاربعة الذين باهل بهم النبي

31

نصارى نجران، و أحد الخمسة (أصحاب الكساء) ، و أحد الاثنى عشر الذين فرض اللّه طاعتهم على العباد، و هو أحد المطهرين من الرجس في الكتاب، و أحد الذين جعل اللّه مودتهم أجرا للرسالة، و جعلهم رسول اللّه أحد الثقلين اللذين لا يضل من تمسك بهما. و هو ريحانة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و حبيبه الذي يحبه و يدعو اللّه أن يحب من أحبه.

و له من المناقب ما يطول بيانه، ثم لا يحيط به البيان و ان طال.

و بويع بالخلافة بعد وفاة أبيه عليهما السلام، فقام بالامر-على قصر عهده-أحسن قيام، و صالح معاوية في الخامس عشر من شهر جمادى الاولى سنة 41-على أصح الروايات-فحفظ الدين، و حقن دماء المؤمنين، و جرى في ذلك وفق التعاليم الخاصة التي رواها عن ابيه عن جده صلّى اللّه عليهما. فكانت خلافته «الظاهرة» سبعة اشهر و اربعة و عشرين يوما.

و رجع بعد توقيع الصلح الى المدينة، فاقام فيها، و بيته حرمها الثاني لاهلها و لزائريها.

و الحسن من هذين الحرمين، مشرق الهداية، و معقل العلم و موئل المسلمين. و من حوله الطوائف التي نفرت من كل فرقة لتتفقه في الدين و لتنذر قومها اذا رجعت إليهم. فكانوا تلامذته و حملة العلم و الرواية عنه.

و كان بما أتاح اللّه له من العلم، و بما مكّن له في قلوب المسلمين من المقام الرفيع، أقدر انسان على توجيه الامة و قيادتها الروحية، و تصحيح العقيدة، و توحيد أهل التوحيد.

و كان اذا صلّى الغداة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جلس في مجلسه، يذكر اللّه حتى ترتفع الشمس، و يجلس إليه من يجلس من سادات الناس يحدثهم. قال ابن الصباغ (الفصول المهمة ص 159) :

«و يجتمع الناس حوله، فيتكلم بما يشفي غليل السائلين و يقطع حجج المجادلين» .

32

و كان اذا حج و طاف بالبيت، يكاد الناس يحطمونه مما يزدحمون للسلام عليه. (عليه السلام) .

***

وفاته:

و سقى السم مرارا-كما سنأتي على تفصيله عند البحث على الوفاء بشروط الصلح-. و أحس بالخطر في المرة الاخيرة، فقال لاخيه الحسين عليه السلام: «اني مفارقك و لاحق بربي، و قد سقيت السم، و رميت بكبدي في الطست، و اني لعارف بمن سقاني السم و من أين دهيت، و أنا اخاصمه الى اللّه عز و جل» . ثم قال: «و ادفني مع رسول اللّه (ص) فاني أحق به و ببيته‏ (1) . فان أبوا عليك، فانشدك اللّه بالقرابة التي قرّب اللّه عز و جل منك، و الرحم الماسة من رسول اللّه ان لا تهريق في امري محجمة من دم، حتى نلقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فنختصم إليه، و نخبره بما كان من الناس إلينا» .

____________

(1) اما كونه احق به، فلانه ابنه و بضعته، بل هو بعضه، و لا احق من الابن بالاب، و لا من البعض بالكل.

و اما كونه احق ببيته، فلأنه وارثه الشرعي من أمه الصديقة الطاهرة عليها السلام الوارثة الوحيدة من ابيها (صلى اللّه عليه و آله) . و انها لترثه كما ورث سليمان داود. و ما من مخصص لعمومات الميراث...

و كانت صيغة التفضيل هنا تعني المفضولين ابا بكر و عمر فيما استأثرا به من الدفن في حجرة رسول اللّه (ص) بما لابنة كل منهما من الحق في هذه الحجرة. و دل ذلك على رأيهما في صحة ارث الزوجة من العقار. و المسألة لا تزال محل الخلاف بين فقهاء الاسلام الى يوم الناس.

و كان لكل من عائشة بنت ابي بكر و حفصة بنت عمر في حجرة رسول اللّه التي دفن فيها-بناء على صحة ارثهما كزوجتين-سهم واحد من اثنين و سبعين سهما لانهما ثنتان من تسع. و للتسع كلهن الثمن يتقاسمنه على هذه النسبة. اما سعة الحجرة المقدسة، فممّا لا نعلمه الآن على التحقيق، فلتكن واسعة بحيث تكفي لاثنين و سبعين قبرا، و الا فليكن ورثة الصديقة الطاهرة قد أذنوا لابي بكر و عمر بالدفن فيها. و الا فما ذا غير ذلك. و علينا ان نعترف للحسن (ع) بانه كان الاحق برسول اللّه و ببيته.

33

و اوصى إليه باهله و بولده و تركاته و بما كان اوصى به إليه ابوه امير المؤمنين عليه السلام. و دل شيعته على استخلافه للامامة من بعده.

و توفي في اليوم السابع من شهر صفر سنة 49 هـ.

قال ابو الفرج الاصفهاني: «و اراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شي‏ء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي و سعد بن ابي وقاص فدسّ إليهما سما فماتا منه» .

و للدواهي النكر من هذا النوع، صدماتها التي تهزّ الشعور و توقظ الالم، و تجاوبت الاقطار الاسلامية أسى المصيبة الفاجعة، فكان لها في كل كورة مناحة تنذر بثورة، و في كل عقد من السنين ثورة تنذر بانقلاب.

و اللّه سبحانه و تعالى يقول: «و سيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون» .

مدفنه:

روى سبط ابن الجوزي بسنده الى ابن سعد عن الواقدي: «انه لما احتضر الحسن قال: ادفنوني عند ابي-يعني رسول اللّه (ص) -فقامت بنو أميّة و مروان بن الحكم و سعيد بن العاص و كان واليا على المدينة فمنعوه!!.

قال ابن سعد: و منهم عائشة و قالت: لا يدفن مع رسول اللّه أحد» .

و روى ابو الفرج الاموي الاصفهاني عن يحيى بن الحسن انه قال:

«سمعت علي بن طاهر بن زيد يقول: لما أرادوا دفنه-يعني الحسن بن علي-ركبت بغلا و استعونت بني أميّة و مروان و من كان هناك منهم و من حشمهم، و هو قول القائل: فيوما على بغل و يوما على جمل» .

و ذكر المسعودي ركوب عائشة البغلة الشهباء و قيادتها الامويين ليومها الثاني من اهل البيت عليهم السلام. قال: «فاتاها القاسم بن محمد بن ابي‏

34

بكر فقال: يا عمة ما غسلنا رءوسنا من يوم الجمل الاحمر (1) . أ تريدين ان يقال يوم البغلة الشهباء؟فرجعت» .

و اجتمع مع الحسين بن علي خلق من الناس فقالوا له: «دعنا و آل مروان، فو اللّه ما هم عندنا الاّ كأكلة رأس» . فقال: «ان أخي أوصى ان لا اريق فيه محجمة دم.. و لو لا عهد الحسن هذا، لعلمتم كيف تأخذ سيوف اللّه منهم مأخذها. و قد نقضوا العهد بيننا و بينهم، و أبطلوا ما اشترطنا عليهم لانفسنا» . -يشير بهذا الى شروط الصلح-.

و مضوا بالحسن فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.

قال في الاصابة: «قال الواقدي: حدثنا داود بن سنان حدثنا ثعلبة بن ابي مالك: شهدت الحسن يوم مات و دفن بالبقيع، فلقد رأيت البقيع و لو طرحت فيه ابرة ما وقعت الاّ على رأس انسان» .

____________

(1) و على مثل هذا الوتر من التبكيت المؤدب ما رواه البيهقي في المحاسن و المساوئ (ج 1 ص 35) قال: «و عن الحسن البصري ان الاحنف ابن قيس قال لعائشة يوم الجمل: يا أم المؤمنين. هل عهد إليك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم هذا المسير: قالت: اللهم لا. قال: فهل وجدتيه في شي‏ء من كتاب اللّه جل ذكره. قالت: ما نقرأ الا ما تقرءون. قال: فهل رأيت رسول اللّه عليه الصلاة و السلام استعان بشي‏ء من نسائه اذا كان في قلة و المشركون في كثرة. قالت: اللهم لا. قال الاحنف: فاذا ما هو ذنبنا؟» .

35

القسم الثانى فى الموقف السياسى‏

36

-

37

قبل البيعة

يكفينا الآن، و نحن بصدد موضوع لا ندري على التحقيق، مدى تأثره بسوابقه و مقارناته، ان نرجع و لو قليلا-الى استعراض بعض الاوضاع الاجتماعية التي ثاب إليها المسلمون لاول مرة بعد عهد النبوة، بما كان للنبوة من اثر عميق في النفوس، و سلطان قوي على تكوين المجتمع، و يد صناع في بناء عناصر الحيوية في الاتباع.

يكفينا و نحن نستوحي الذكريات لوضع الصورة العابرة هنا، ان نأخذ من كل مناسبة صلتها بموضوعنا، أو نأخذ بالمناسبات ذات الصلة من دون غيرها، لنتعرف-على ضوء هذا الاسلوب-مدى تأثر موضوعنا بماضيه.

*** و كان الحدث الاكبر في تاريخ الاسلام هو وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و انقطاع ذلك الاشعاع السماوي الذي كان يفيض على الدنيا كلها بالخير، فاذا الدنيا كلها مظلمة تستعد للشر. و انقطعت الارض بموت رسول اللّه (ص) عن السماء، اذ كان الوحي هو بريدها الى الارض و أداة صلتها بها. و هل للارض غنى عن السماء، و في السماء رزقها و منها خيرها و حياتها و حيويتها و نورها و دينها. و ما كان أشد من هذه الوحشة على الدنيا، و لا أفدح من هذه الخسارة على المسلمين، لو انه كان-و نعوذ باللّه-

38

انقطاعا باتا و انفصالا نهائيا. و لكن رسول اللّه (ص) أدرك ما سيمتحن به المؤمنون بعده من عظيم الرزية بانقطاع الوحي من بينهم، و كان بالمؤمنين رءوفا رحيما، فأخبرهم بان حبلا واحدا سيبقى متصلا بينهم و بين السماء.

و هل حبل أولى بالتمسك من حبل السماء و قد انقطع الوحي، قال:

«اني تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض، و عترتي اهل بيتي، و لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» (1) .

*** و من حق البحث الذي بين ايدينا ان يستقرئ في هذه المناسبة موقف المجتمع من عترة النبي (ص) ، او موقف الجماعات التي كانت تدعي لنفسها حق التمثيل للمجتمع، لينظر فيما خلفوا رسول اللّه في عترته-استغفر اللّه- بل لينظر فيما يتصل من ذلك بموضوعنا من هذه المناسبة العابرة. و اذا كانت العترة عشيرة الرجل، فعلي أبرز رجالها بعد رسول اللّه، و اذا كانت ذريته، فالحسن كبير عترة النبي من بعده. و تجيز اللغة اطلاق العترة على الصنفين-العشيرة و الذرية-معا.

نعم انه قدّر لهذا المجتمع، ان ينقسم انقسامته التاريخية التي وقعت فور الفاجعة العظمى بوفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، حين تأول قوم فانساحوا الى تأولاتهم، و تعبّد آخرون فثبتوا على الصريح من قول نبيهم، و للنبي تصريحات كثيرة في موضوع الترشيح للخلافة ليس هنا

____________

(1) اخرجه الترمذي و هو الحديث 874 من احاديث كنز العمال (ص 44 ج 1) و على نسق هذا الحديث احاديث كثيرة اخرى روتها الصحاح و المسانيد، و جاء في بعضها «اني تارك فيكم خليفتين كتاب اللّه ممدود بين السماء و الارض او ما بين السماء و الارض و عترتي اهل بيتي و انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» - (الامام احمد و الطبراني في الكبير) .

39

مكان استعراضها. و لسنا الآن بصدد مناقشة المتأولين أو مساجلة المتعبدين، لان كل شي‏ء مما نتفق عليه معهم جميعا، أو مع فريق واحد منهم، أو مما نختلف فيه قد تم في حينه على صورته. و ليس فيما تتناوله بحوثنا الآن ما يستطيع ان يغير الواقع عن واقعه.

و لكنا-و لنلتمس المعاذير للمتأولين-على مخالفتهم لنصوص نبيهم نقول: انهم نظروا الى هذه النيابة عن الوحي التي جعلها رسول اللّه (ص) للكتاب و للعترة من بعده، في حديثه هذا و في نظائره الكثيرة من الاحاديث الاخرى، نظرتهم السياسية التي لا تعني الانكار على رسول اللّه، و لكنها تهدف -قبل كل شي‏ء-الى «المصلحة» فيما يرون، و رأوا ان وجوب اطاعة الاوامر النبوية في الموضوعات السياسية، منوط بذوي التجارب من الشيوخ المتقدمين بالسن. فان صادقوا على ما أراده النبي فذاك، و إلا فليكن ما أرادوهم.

و هكذا زويت الخلافة عن العترة. و هكذا صار من الممكن و ربما من المستحسن لدى فريق عظيم من مسلمة محمد (صلى اللّه عليه و آله) ، ان يصبح معاوية أيضا ممن ينازع على خلافة الاسلام و يطلبها لنفسه، و يحتج عليها بالسن‏ (1) أيضا، و يصادق عليها الشيوخ المسنون أيضا كعمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة و ابي هريرة الدوسي. و لم تكن حملة معاوية هذه بما فيها من استخفاف بقدسية الاسلام، الاولى من نوعها، و لكنها كانت تمتد بجذورها الى عهد أقدم، و الى تصالح و تعاون أسبق، و من طراز أسمى‏ (2) .

و لم يبق مخفيا ان الحجر الاساسي لهذا التدهور غير المنتظر، كان هو الذي بنى هناك في المدينة المنورة، و قامت عليه سقيفة بني ساعدة بما

____________

(1) يلحظ هنا كتاب معاوية الى الحسن عليه السلام شرح النهج (ج 4 ص 13) .

(2) و يراجع للتأكد تصريح معاوية نفسه فيما رواه المسعودي (ج 6 ص 78-79 هامش ابن الاثير) . و بنى على ذلك كثير من شعرائنا القدامى-

غ

40

ابرم فيها من حبل جديد هو غير الحبل الممدود-عموديا-من السماء الى الارض الذي عناه رسول اللّه (ص) في حديثه الآنف الذكر. و لكنه حبل آخر اريد ليمتد مع التاريخ-افقيا-.

و توالت تحت السقيفة أحدا # ث أثارت كوامنا و ميولا

نزعات تفرقت كغصون الـ # ـعوسج الغض شائكا مدخولا

(1) » *** و وقف صاحب الحق بالخلافة من اخوانه المتأولين، موقفه المشرف الذي دل بذاته، و بما حفظ الاسلام من الانهيار، على انه وحده كان الوسيط بين الناس و حبل السماء. و تلكأ عن بيعتهم بمقدار ما نبه الذهنية الاسلامية الى الحق المغلوب على امره، و اخذ الى البيعة-بعد ذلك-أخذا (2) .

و سأله بعض اصحابه: «كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحق به؟» فقال: «انها كانت أثرة، شحت عليها نفوس قوم، و سخت عنها نفوس آخرين، و الحكم للّه و المعود إليه القيامة. ودع عنك نهبا صيح في حجراته‏ (3) » ..

____________

ق-قصائدهم العامرة. و هو ما عناه مهيار الديلمي في لاميته بقوله:

و ما الخبيثان ابن هند و ابنه # و ان طغى خطبهما بعد وجل‏

بمبدعين في الذي جاءا به # و انما تقفيا تلك السبل‏

و هو ما عناه قبله استاذه الشريف الرضي رحمه اللّه بقوله:

الا ليس فعل الآخرين و ان علا # على قبح فعل الاولين بزائد

و هو ما عناه قبلهما الكميت بقوله:

يصيب به الرامون عن قوس غيرهم # فيا آخرا اسدى له الشراول‏

الى امثال كثيرة اخرى.

(1) لبولس سلامة

(2) قال معاوية فيما كتبه إليه مع أبي امامة الباهلي:

«و تلكأت في بيعته-يعني بيعة ابي بكر-حتى حملت إليه قهرا تساق بخزائم الاقتسار كما يساق الفحل المخشوش!!. » ا ه

(3) نهج البلاغة (ج 1 ص 299) ، شرح محمد عبده.

41

لغة تنبئك عما تكظمه في دخيلتها من غيظ، و عما تحمله في ظاهرتها من تسليم.

و عشا عن انواره مناوءوه، و على أبصارهم غشاوة الذحول. فغفلوا عنه غير منكرين سبقه و جهاده و قرابته و صهره و اخوته و علمه و عبادته، و تصريحات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في شأنه، التي كانوا يستوعبونها يومئذ اكثر مما نستوعبها نحن. و لكنهم نقموا عليه كثرة فضائله هذه، و نقموا عليه شدته في احقاق الحق، و نقموا عليه سيفه الذي خلق منهم أعداء موتورين، منذ كان يصنع الاسلام بهذا السيف في سوح الجهاد المقدس.

و نقموا عليه سنه لانه كان في العقد الرابع. و لا عجب اذا رأى ذوو الحنكة المسنون، ان لا يكون الخليفة بعد رسول اللّه مباشرة، الا و هو في العقد السابع مثلا.

و خفى عليهم ان الامامة في الاسلام دين كالنبوة نفسها، و يجوز فيها ما يجوز في النبوة، و لا يجوز عليها ما لا يجوز على النبوة في عظمتها. فما شأن الاجتهاد بالسن في مقابل النص على التعيين. و ما شأن الملاحظات السياسية في مقابل كلمات اللّه و تصريحات نبيه (ص) . و كانت سن علي يوم وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، سن عيسى بن مريم يوم رفعه اللّه عز و جل، أ فيجوز لعيسى ان ينتهي بقصارى نبوته في الارض الى هذه السن، و لا يجوز لعلي أن يبتدئ خلافته في ثلاث و ثلاثين، و هي السن التي اختارها اللّه لسكان جنانه يوم القيامة!و لو لم تكن خير سنّي الانسان لما اختارها اللّه للمصطفين من عباده في الجنان.

و نقموا عليه قرباه «فكرهوا اجتماع النبوة و الخلافة في بيت واحد» و لا نعرف كيف انقلبت الفضيلة-على هذا المنطق-سببا لنقمة. و لا نفهم كيف كانت «القرابة» بموجتها القصيرة، و بما هي اقرب الى النبي صلّى اللّه عليه و آله حائلا دون الخلافة، ثم هي بموجتها الطويلة. و بما هي‏

42

أبعد عن النبي، دليل الخلافة و الحجة الوحيدة في ما دلفوا به من حجاج خصومهم.

و حسبوا انهم أحسنوا صنعا للاسلام و للمصلحة العامة بفصلهم الخلافة عن بيت النبوة، و بما فسحوا المجال لبيوتات اخرى، تتعاون-بدورها- على غرو المنصب الديني الاعلى، أبعد ما يكون بطبيعته عن مجالات الغزو و الغلبة و الاستيلاء بالقوة و العنف.

و خفى عليهم ما كان يحتاط به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لامته و لعترته، حين سجل الخلافة في بيته.

*** و جاءت الاحداث-بعد ذلك-فنبهت العقول الواعية الى اخطاء القوم و صواب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فكانت «عملية الفصل» هذه، هي مثار الخلافات التاريخية الحمر، بين عشاق الخلافة في مختلف الاجيال، و مبعث مآس فظيعة في المسلمين، و مصدر انعكاسات مزرية في مثالية الاسلام، كان المسلمون في غنى عنها لو قدّر للخلافة-من يومها الاول-ان تأخذ طريقها اللاحب الذي لا يجوز فيه اجتهاد، و لا تمسه سياسة، و لا يتصرف فيه احد غير اللّه و رسوله.

«و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضى اللّه و رسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم و من يعص اللّه و رسوله فقد ضل ضلالا مبينا» .

و هل كان التناحر و التطاحن المديد العمر المتوارث مع الاجيال فيما بين الاسر البارزة في المسلمين، الا نتيجة فسح المجال لهذا او ذاك في الطماح الى غزو المقام الرفيع.

و هل كانت المجازر الفظيعة التي جابهها المسلمون في الفترات المختلفة من تاريخ الاسلام: بين بني هاشم و بني أميّة: و بين بني الزبير و بني أميّة:

و بين بني العباس و بني أميّة: و بين بني علي و بني العباس... الا النتيجة

43

المباشرة لفصم ذلك التقليد الديني الذي احتاط به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ليكون حائلا دون امثال هذه المآسي و الاحداث المؤسفة في الاسلام.

و هل كانت «فجائع العترة» الفريدة من نوعها-بالقتل و الصلب و السبي و التشريد-الا اثر الخطأة الاولى، التي خولفت بها سياسة النبي (ص) فيما اراده لامته و لعترته، و فيما حفظ به امته و عترته جميعا، لو انهم اطاعوه فيما اراد.

و لكنهم جهلوا مغزى هذه السياسة البعيدة النظر، فكرهوا اجتماع النبوة و الخلافة في بيت واحد، انصهارا بسياسة اخرى.

و كانت هي المعذرة الظاهرة التي لم يجدوا غيرها معذرة يبوحون بها للناس. اما معذرتهم الباطنة، فلا يعلم بها الا العالم ببواطن الامور و هي على الاكثر لا تعدو الذكريات الدامية في حروب الدعوة الاسلامية، أو الحسد الذي «يأكل الدين كما تأكل النار الحطب» -كما في الحديث الشريف-.

و كان حب الرئاسة و شهوة الحكم، شر أدواء الناس وبالا على الناس، و أشدها استفحالا في طباع الاقوياء من زعماء و متزعمين.

و ما النبوة و لا الامامة بما هما-منصب إلهي-من مجالات السياسة بمعناها المعروف، و كل سياسة في النبوة أو في شي‏ء من ذيولها الادارية، فهو دين و الى الدين. و المرجع الوحيد في كل ذلك، هو صاحب الدين نفسه، و كلمته هي الفصل في الموضوع.

*** و لكي تتفق معي على مسيس اتصال هذه المناسبة بموضوعنا اتصالا وشيجا، عليك ان تتطلع الى اللغة المتظلمة الناقمة التي ينكشف عنها الحسن ابن علي عليهما السلام في هذا الشأن، بما كتبه الى معاوية، ابان البيعة له في الكوفة. قال:

44

«فلما توفي-يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم-تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته و اسرته و اولياؤه، و لا يحل لكم ان تنازعونا سلطان محمد و حقه. فرأت العرب ان القول ما قالت قريش و ان الحجة في ذلك لهم على من نازعهم في امر محمد. فأنعمت لهم و سلمت إليهم، ثم حاججنا (1) نحن قريشا بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش انصاف العرب لها. انهم أخذوا هذا الامر دون العرب بالانصاف و الاحتجاج، فلما صرنا اهل بيت محمد و اولياءه الى محاجتهم، و طلب النصف منهم، باعدونا و استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا و العنت منهم لنا. فالموعد اللّه و هو الولي النصير.

«و لقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، و سلطان بيتنا. و اذ كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الاسلام، أمسكنا عن منازعتهم، مخافة على الدين ان يجد المنافقون و الاحزاب في ذلك مغمزا يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سبب الى ما أرادوا من افساده.

«فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، و لا أثر في الاسلام محمود، و أنت ابن حزب من الاحزاب، و ابن أعدى قريش لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و لكتابه. و اللّه حسيبك فسترد عليه و تعلم لمن عقبى الدار!!» (2) .

و هكذا نجد الحسن عليه السلام، يعطف-بالفاء-عجبه من توثب معاوية على تعجبه لتوثب الاولين عليهم في حقهم و سلطان بيتهم. و من هنا تنبثق مناسبة اتصال قضيته بقضايا الخلائف السابقين، و تنبثق معها مناسبات اخرى. بعضها للاخوين. و بعضها للابوين. و بعضها للحق العام.

____________

(1) و كان من افظع النكايات بقضية اهل البيت عليهم السلام، ان تختفي كل هاتيك المحاججات في التاريخ. ثم لا نقف منها الا على النتف الشاردة التي اغفلتها الرقابة العدوة عن غير قصد... و هنا الذكر قول الشاعر المجدد الحاج عبد الحسين الازري:

اقرأ بعصرك ما الاهواء تكتبه # ينبئك عما جرى في سالف الحقب‏

(2) ابن ابي الحديد (ج 4 ص 12) .

45

و ما نحن بالذاكرين شيئا منها هنا، لانا لا نريد ان نتصل بهذه البحوث، في سطورنا هذه، الا بمقدار ما تتصل هي بالصميم من موضوعنا.

*** و علمنا ان الرشاقة السياسية البارعة التي ربحت الموقف بعد وفاة رسول اللّه (ص) في لحظات، و التي سماها كبير من اقطابها «بالفلتة» و سماها معاوية «بالابتزاز للحق و المخالفة على الامر (1) » ، كانت بنجاحها الخاطف دليلا على سبق تصميم في الجماعات التي وليت الحل و العقد هناك. فكان من السهل ان نفهم من هذا التصميم «اتجاها خاصا» نحو العترة من آل محمد (ص) له اثره في حينه، و له اثاره بعد ذلك.

فكانوا المغلوبين على امرهم، و المقصيين-عن عمد-في سائر التطورات البارزة التي شهدها التاريخ يومئذ (2) .

فلا الذي عهد بالخلافة قدمهم. و لا الذي حصر الخليفة في الثلاثة من الستة انصفهم. و لو لا رجوع الاختيار الى الشعب نفسه مباشرة، بعد حادثة الدار، لما كان للعترة نصيب من هذا الامر على مختلف الادوار.

____________

(1) تجد ذلك صريحا فيما كتبه معاوية لمحمد بن ابي بكر. قال:

«كان ابوك و فاروقه اول من ابتزه-يعني عليا عليه السلام-حقه و خالفه على امره. على ذلك اتفقا و اتسقا، ثم انهما دعواه الى بيعتهما فابطأ عنهما و تلكأ عليهما، فهما به الهموم و ارادوا به العظيم. ثم انه بايع لهما و سلم لهما. و اقاما لا يشركانه في امرهما، و لا يطلعانه على سرهما حتى قبضهما اللّه.. -ثم اردف قائلا-: فان يك ما نحن فيه صوابا، فابوك استبد به و نحن شركاؤه، و لو لا ما فعل ابوك من قبل، ما خالفنا ابن ابي طالب و لسلمنا إليه، و لكنا رأينا اباك فعل ذلك به من قبلنا و اخذنا بمثله» .. ا هـ المسعودى على هامش ابن الاثير (ج 6 ص 78-79) .

(2) و نجد في كلمات امير المؤمنين (ع) شواهد كثيرة على ذلك. قال:

«فو اللّه ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي منذ قبض اللّه نبيه حتى يوم الناس هذا» . و قال: اللهم اني استعديك على قريش و من اعانهم، فانهم قطعوا رحمي و صغروا عظيم منزلتي و اجمعوا على منازعتي امرا هو لي...

46

ثم كان لهذا «الاتجاه الخاص» أثره في خلق معارضة قوية للعهدين اللذين رجعا بامرهما الى العترة من آل محمد صلّى اللّه عليه و آله.

و في حروب البصرة و صفين فمسكن شواهد كثيرة على ما نقول.

و في موقف ابن عمر (1) و سعد بن ابي وقاص و اسامة بن زيد و محمد ابن مسلمة و قدامة بن مظعون و عبد اللّه بن سلام و حسان بن ثابت و أبي سعيد الخدري و زيد بن ثابت و النعمان بن بشير.. و هم «القعّاد» الذين آثروا الحياد، و استنكفوا من البيعة لعلي و لابنه الحسن عليهما السلام شواهد اخرى.

و لهذه المعارضة ميادينها المختلفة و الوانها المتعددة. و منها المواقف السلبية النابية التي جوبه بها زعماء العترة عليهم السلام، في المدينة اولا، و في الكوفة اخيرا.

و الا فما الذي كان يحدو عليا عليه السلام، ليقول من على منبره في الكوفة:

«يا أشباه الرجال و لا رجال، و يا أحلام الاطفال و عقول ربات الحجال، أما و اللّه لوددت أن اللّه أخرجني من بين أظهركم، و قبضني الى رحمته من بينكم، و وددت أني لم أركم و لم أعرفكم، فقد و اللّه ملأتم صدري غيظا. و جرعتموني الامرين أنفاسا. و أفسدتم علي رأيي بالعصيان و الخذلان... »

الى كثير مما يشبه هذا القول، مما أثر عنه في خطبه و كلماته.

أ ليست هي المعارضة التي زرعت نوابتها الخبيثة في كل مكان من حواضر علي عليه السلام، فأخذت على الناس التقاعس عن نصرته بشتى المعاذير.

____________

(1) قال المسعودي (هامش ابن الاثير ج 5 ص 178-179) : «و لكن عبد اللّه بن عمر بايع يزيد بعد ذلك و بايع الحجاج لعبد الملك بن مروان!. »

و رأى المسعودي ان يسمى هؤلاء «القعاد» بالعثمانية. و رأى ابو الفدا (ج 1 ص 171) ان يسميهم «المعتزلة» لاعتزالهم بيعة علي (ع) -اقول:

و ما هم بالعثمانية و لا المعتزلة و لكنهم الذين ماتوا و لم يعرفوا امام زمانهم.

47

أقول هذا. و لا اريد ان أتناسى-معه-العوامل الاخرى التي شاركت «الاتجاه» -الانف الذكر-في تكوين هذه المعارضة بموقفيها- الايجابي المسلح و السلبي الخاذل-تجاه العترة النبوية في العهد الهاشمي الكريم.

و لا أشك بان العدل الصارم، و المساواة الدقيقة في التوزيع التي كانت طابع هذا العهد، بل هي-دون ريب-طابع العهود الهاشمية مع القرن الاول، في نبوتها و في خلافتها. -هي الاخرى التي تحسس منها الناس أو قسم من الناس، بشي‏ء من الضيق لا يتسع للطاعة المطلقة و لا للاخلاص الحر اللذين لن ينتفع بغيرهما في ميدان سلم أو ميدان حرب.

و الظروف الطارئة بمقتضياتها الزمنية التي طلعت بها على الناس خزائن الممالك المهزومة في الفتوح، و الطعوم الجديدة من الحياة التي لا عهد لهؤلاء الناس بمثلها من قبل-كل ذلك، كان له أثره في خلق الحس المظلم الذي من شأنه ان يظل دائما في الجهة المعاكسة للنور.

و في بحران هذا «الاتجاه الخاص» الذي تعاون على تكوينه ربع قرن من السنين، يتمثل عهد علي عليه السلام في خلافته قبل بيعة الحسن في الكوفة.

و الحسن من علي (عليهما السلام) كبير ولده، و ولي عهده، و شريك سرائه و ضرائه، يحسّ بحسّه و يألم بألمه. و هو-اذ ذاك-على صلة وثيقة بالدنيا التي أحاطت بابيه من قومه و من رعيّته و من أعدائه، فهو لا يجهلها و لا يغفل عنها، و كان ينطوي ممّا يدور حوله على شجى مكتوم، يشاركه فيه أخوه كما يشاركه في اخوّته. و كان هذا الشجى المكتوم، هو الشي‏ء الظاهر مما خلف به هؤلاء المسلمون-يومئذ-نبيّهم في عترته، جوابا على قوله (ص) لهم: «فانظروا كيف تخلفوني فيهما!!» .

***

48

و كان الحسن عليه السلام، اذ ينطوي على هذا الشجى، لا يلبث ان يستروح الامل-أحيانا-بما يجده في صحابة أبيه البهاليل من النجدة و الحيوية و المفاداة و شمائل الاخلاص الذي لا تشوبه شائبة طمع في دنيا، و لا شائبة هوى في سياسة.

و من هؤلاء، القواد العسكريون، و الخطباء المفوّهون. و الفقهاء و القراء و الصفوة الباقية من بناة الاسلام. كانوا-بجدارة-العدة التي يستند عليها علي امير المؤمنين، في حربه و سلمه. و كانوا-بحق-دعامة العهد الهاشمي فيما تعرض له هذا العهد، من زلازل و زعازع و اخطار.

و كانوا المسلمين الذين وفوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فيما واثقوه عليه في ذريته، بأن يمنعوهم بما يمنعون به انفسهم و ذراريهم. فلم لا يستروح الحسن بهم روائح الامل لقضية ابيه، بل لقضية نفسه.

و كانوا المؤمنين الذين آمنوا بكلمات اللّه في اهل بيت نبيهم و ذوي قرباه و آمنوا بوصيّ نبيهم، و بمراتبه التي رتبها اللّه له أو رتّبه لها. و فهموا عليا كما يجب أن يفهم. و عليّ هو ذلك البطل الذي لم يحلم المسلمون بعد رسول اللّه (ص) بمثله، اخلاصا في الحق، و تفاديا في الاسلام، و نصحا للمسلمين، و استقامة على العدل، و اتساعا في العلم. و لن ينقص عليا في كبرياء معانيه، جحود الآخرين فضائله و مميزاته، و لهؤلاء الآخرين من مطامعهم و اهوائهم شغل شاغل يملأ فراغ نفوسهم. و ما في ملاكات علي عليه السلام متسع للاهواء و المطامع. فليكن هؤلاء-دائما-في الملاكات البعيدة عن علي، و ليكونوا في المعسكر الذي يقوم على المساومة بالمال و الولايات..

و ليكن مع علي زمرته المنخولة تلك، المسلمة اسلامها الصحيح امثال عمار بن ياسر، و خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، و حذيفة بن اليمان، و عبد اللّه و عبد الرّحمن ابني بديل، و مالك بن الحارث الاشتر، و خباب بن الارت، و محمد بن ابي بكر، و ابى الهيثم بن التيهان، و هاشم بن عتبة

49

ابن ابي وقاص (المرقال) ، و سهل بن حنيف، و ثابت بن قيس الانصاري، و عقبة بن عمرو، و سعد بن الحارث بن الصمة، و ابى فضالة الانصاري، و كعب بن عمرو الانصاري، و قرضة بن كعب الانصاري، و عوف بن الحارث بن عوف، و كلاب بن الاسكر الكناني، و ابى ليلى بن بليل...

و اضراب هؤلاء من قادة الحروب و أحلاس المحاريب، الذين انكروا الظلم، و استعظموا البدع، و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر، و تسابقوا الى الموت في سبيل اللّه، استباق غيرهم الى المطامع في سبيل الدنيا.

و من الخير، أن ننبّه هنا، الى ان جمع هذه الصفوة المختارة كانت قد استشهدت في ميادين علي عليه السلام، و ان ثلاثا و ستين بدريا استشهد معهم في صفين‏ (1) وحدها، و ان أضعاف هذه الاعداد كانت خسائر الحروب المتعاقبة مدى ثلاث سنوات.

فما ظنك الآن، بذلك الامل الذي كان يداعب الحسن عليه السلام بوجود الانصار، و هل بقي للحسن-بعد هذا-الا الشجى المكتوم، مضاعفا على تضاعيف الايام.

اما معسكر علي عليه السلام، فقد نكب نكبته الكبرى، حين أصحر من خيرة رجالاته، و مراكز الثقل فيه.

و اما دنيا علي عليه السلام، فقد عادت لسقيا الغصص و شرب الرنق- على حد تعبيره هو فيما ندب به أصحابه عند مصارعهم-.

و تلفّت عليّ الى آفاقه المترامية التي تخضع لامره، فلم يجد بين جماهيرها المتدافعة، من ينبض بروح اولئك الشهداء، أو يتحلى بمثل مزاياهم، اللهم الاّ النفر الاقل الذي لا يناط به أمل حرب و لا أمل سلم.

و لو لا قوة تأثيره في خطبه، و عظيم مكانته في سامعيه، لما تألف له-بعد هؤلاء-جيش، و لا قامت له بعدهم قائمة.

____________

(1) اسم موضع على شاطئ الفرات بين «عانه» و «دير الشعار» .

كان ميدان الحروب الطاحنة بين الكوفة و الشام.

50

و هكذا أسلمته ظروفه لان يكون هدف المقاطعة من بعض، و هدف العداء المسلح من آخرين، و هدف الخذلان الممقوت من الاتباع (فلا اخوان عند النجاء، و لا أحرار عند النداء) .

و أيّ حياة هذه التي لا تحفل بأمل، و لا ترجى لنجاح عمل. و قد أزمع فيها الترحال عباد اللّه الاخيار، الذين باعوا قليلا من الدنيا لا يبقى، بكثير من الآخرة لا يفنى.

فسمع و هو يقول (اللهم عجل للمراديّ شقاءه) و سمع و هو يقول (فما يحبس أشقاها ان يخضبها بدم أعلاها) ، و سمع و هو يقول (أما و اللّه لوددت ان اللّه أخرجني من بين أظهركم و قبضني الى رحمته من بينكم) .

و سلام عليه يوم ولد. و يوم سبق الناس الى الاسلام. و يوم صنع الاسلام بسيفه. و يوم امتحن. و يوم مات. و يوم يبعث حيا.

*** و ترك من بعده لولي عهده، ظرفه الزمني النابي، القائم على اثافيّه الثلاث-فقر الانصار. و العداء المسلّح. و المقاطعة الخاذلة.

51

البيعة

52

اذا كان الدين في الاسلام، هو ما يبلّغه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لانه الذي لا ينطق عن الهوى «ان هو الاّ وحي يوحى» ، و اذا كان الخليفة في الاسلام هو من يعيّنه النبي للخلافة، لانه المرجع الأعلى في الاثبات و النفي، فالحسن بن علي، هو الخليفة الشرعي، بايعه الناس أو لم يبايعوه.

ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله باسمه في سلسلة أسماء خلفائه الاثنى عشر، كما تضافر به الحديث عنه، فيما رواه علماء السنة (1) ، و فيما أجمع على روايته علماء الشيعة، و فيما اتفق عليه الفريقان، من قوله له و لاخيه الحسين: «انتما الامامان و لأمّكما الشفاعة (2) » . و قوله و هو يشير الى الحسين: «هذا امام ابن امام أخو امام أبو أئمة تسعة (3) » -الحديث-.

و أمره أبوه أمير المؤمنين-منذ اعتل-أن يصلي‏ (4) بالناس، و أوصى إليه عند وفاته قائلا: «يا بنيّ أنت ولي الامر و ولي الدم» ، و أشهد على وصيته الحسين و محمدا و جميع ولده و رؤساء شيعته و أهل بيته، و دفع إليه الكتاب و السلاح، ثم قال له: «يا بنيّ أمرني رسول اللّه أن أوصي إليك، و أن أدفع إليك كتبي و سلاحي، كما أوصى إليّ رسول اللّه و دفع إليّ

____________

(1) تجد ذلك مفصلا في ينابيع المودة (ج 2 ص 440) فيما يرويه عن الحمويني في فرائد السمطين، و عن الموفق بن احمد الخوارزمي في مسنده.

و روى ذلك ابن الخشاب في تاريخه و ابن الصباغ في «الفصول المهمة» ، و الحافظ الكنجي في «البيان» . و أسعد بن ابراهيم بن الحسن بن علي الحنبلي في «أربعينه» . و الحافظ البخاري (خواجه بارسا) في «فصل الخطاب» .

(2) الاتحاف بحب الاشراف، للشبراوي الشافعي (ص 129 ط مصر) و نزهة المجالس. للصفوري الشافعي (ج 2 ص 184) .

(3) ابن تيمية في منهاجه (ج 4 ص 210) .

(4) المسعودى (هامش ابن الاثير ج 6 ص 61) .