الشيعة: نص الحوار مع المستشرق كوربان

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
528 /
3

كلمة المؤسسة للطبعة الثانية

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم يمثل الحوار الفكري بين اصحاب الاختصاص من المفكرين و الفلاسفة جسرا مهما للاتصال الثقافي بين ابناء الشعوب و الأديان، ذلك لأن الفكر و الحوار يستطيعان أن يتجاوزا الحدود الموهومة و المصنوعة بين ابناء الشعوب لكي يتمكنوا من التفاعل الفكري و الثقافي فيما بينهم.

و اصحاب الاختصاص هم النخبة التي تعتمد عليها الأمم في اداء هذه المهمة «الحوار الفكري» .

و السيد الطباطبائي بما يمتلكه من تخصص في المعرفة الإسلامية و عمق في الفلسفة الإسلامية و تسلط على تفسير القرآن الكريم و قدرة على فهم النص الشريف، هذه المؤهلات جعلت له الريادة في حواره مع الاستاذ هنرى كوربن المستشرق الفرنسي-استاذ الدراسات الاستشراقية في الفلسفة الإسلامية-للتعريف بمذهب أهل البيت عليهم السّلام لدى المجتمع الأوربي من خلال منهج الحوار الذي اتبعه مع محاوره.

و لأهمية هذا الحوار تضع «مؤسسة أم القرى للتحقيق و النشر» بين يدي القرّاء الكرام الطبعة الثانية «الاصدار الثاني» من سلسلة ترجمة آثار العلامة الطباطبائي غير المعرّبة و هو كتاب «الشيعة» و بهذه المناسبة تساهم المؤسسة بنشره للمرة الثانية بعد ما نفذت الطبعة الاولى منه و التي لقيت اقبالا منقطع النظير من قبل القراء العرب، آملين من اللّه تعالى ان يوفقنا لإكمال ترجمة آثاره الكاملة للمساهمة في تقديمها العربية التي تفتقر الى وجودها.

مؤسسة أم القرى/للتحقيق و النشر

4

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

5

ثلاث مقدّمات‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

مقدّمة المترجم‏

في هذا الكتاب يلتقي الشرق بالغرب، حيث يتحاور على صفحاته مفكّران؛ أحدهما: الفيلسوف المنبثق من قلب فلسفة المشرق الاسلامي، و الآخر: القادم من فرنسا مرتع الاتّجاهات الفلسفية الناشئة منذ «عصر النهضة الأوربي» و التي لا زال نموّها يتطاول حتى الآن.

ثمة في الكتاب الكثير من النقاط التي تستحقّ أن نتوقّف عندها طويلا؛ من ذلك أنّ العلاّمة الطباطبائي أعاد للتشيّع، في حواره مع الاستاذ (كوربان) ، موقعه و دوره في الحياة الاسلامية. فليس التشيّع-كما أثبت الطباطبائي بالدليل-ظاهرة طارئة، أو تيارا تسرّب على حين غفلة إلى قلب الحياة الاسلامية بتأثيرات خارجية، كما تزعم المدرسة الاستشراقية و بعض المتأثرين بها من أبناء المذاهب الاسلامية، و إنّما التشيّع مسار تصحيحيّ، يستلهم الخطّ الاسلاميّ الأصيل و يعبّر عنه، و يحافظ على النقاء، و يحمي المسلمين من أيّ تجاوز (لمسلّمات الكتاب و السنّة الشريفة) . و هو قبل ذلك-كما يثبت الطباطبائي لمحاوره الفرنسي-دعوة إلى «ملازمة الكتاب و السنة» .

8

و التشيّع اليوم ما زال يقوم بالوظيفة نفسها، و ينهج المسار نفسه. و ليس للشيعي الحقّ رغم مرور أربعة عشر قرنا أن يتخلّف عن أداء هذه الوظيفة في حركة الاسلام و حياة المسلمين.

و هذا المسار في محافظة التشيّع على نقاء الاسلام و دين الأكثرية من بدعة «تغيير الاحكام الثابتة لمصالح زمنية» هو الذي جعل الشيعيّ يدفع الغالي و النفيس ثمنا لقيامه بدوره، حتّى بات «من الصعب أن نجد مكانا لم يصطبغ بدماء الشيعة في بقعة من البلاد الاسلامية» ، كما يسجّل الطباطبائي بحق.

و الغريب أنّ ذلك يحصل، فيما كان بعض «جماعة من الزنادقة و منكري الوحي و النبوة، آمنين في أيّام الخلافة» بل كان بعضهم يقيم «في الحرمين الشريفين مكة و المدينة» .

بيد أنّ هدف الطباطبائي لم يكن، أن يستعرض محنة التشيّع، خصوصا في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، من دون ما غاية، و إنّما كان الهدف التحليلي الذي يبتغيه هو أن يشير كيف أنّ محنة التشيّع عادت بأضرار جسيمة على حياة المسلمين عامّة، و انتهت الى مشكلات عضال كان في طليعتها:

تغييب ولاية اهل البيت العامّة.

سقوط مرجعية أهل البيت في حياة المسلمين، و تعطيل مدرستهم العلمية و التربوية.

و في المشكلة الأولى تعرّض العلاّمة الطباطبائي مع محاوره الاستاذ كوربان، الى الآثار السياسية الناتجة عن ذلك.

اما على صعيد المشكلة الثانية فقد تعرّض للآثار العميقة التي تمثّل بعضها في‏

9

انتشار الأحاديث الضعيفة و الموضوعة.. و كيف توقّف النموّ في علوم المسلمين بعد أن أصبحت المعارف حكرا على أشخاص بعينهم ألبستهم نظرة الجهل ثوبا فضفاضا من القداسة الوهمية الزائفة!

على صعيد آخر، تابع السيد الطباطبائي حواره مع ضيفه طوال فصل كامل مجلّيا أمامه أبعاد مدرسة التشيّع في أصولها و قواعد نظرتها المنهجية في التعاطي مع الفقه و التأريخ و الحديث و القرآن و الفلسفة و الكلام و غير ذلك من ضروب المعرفة.

و إذا كان حوار الطباطبائي قد وفّر للقارئ-و قبل ذلك للاستاذ كوربان- إطلالة معرفية دقيقة و عميقة على مسائل و موضوعات شائكة، فإنّ قدرته لم تقف عند حدود الأفكار و المضامين العالية و حسب، بل تجاوزها الى إلماعات منهجية مبدعة، حيث التزم في بحوث الفصل الاول بقواعد المنهج الحديث، حينما فكّك- تحليليا-البنية الداخلية للمعرفة الاسلامية، لينتهي من خلال نتائج هذا التفكيك إلى ما آل إليه العالم الاسلامي من خسائر فادحة نتيجة إقصاء التشيّع و مطاردة رجاله، و تغييب منهجه؛ المتمثّل بمدرسة أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) .

و من الجليّ الواضح لذوي الاطّلاع، أنّ التحليل البنيوي في مستواه التأريخي و المعرفي بالذات، يعتبر من المناهج المحدثة على صعيد الدراسة و التحليل.

و ثمة إشارة منهجية مبدعة وردت أيضا في إجابة السيد الطباطبائي على القسم الثاني من أسئلة الاستاذ كوربان (خمسة أسئلة) إذ كان من بين ما سأل عنه:

سبب توقّف الاهتمام الاوربي بشأن البحث الفلسفي في العالم الاسلامي، مع فلسفة ابي الوليد ابن رشد (520-595 هـ، 1126-1198 م) ، و فيما اذا كان السرّ في‏

10

ذلك-كما تشيع المدرسة الاستشراقية و من تابع نهجها من الباحثين المسلمين-هو عزوف المسلمين عن البحث الفلسفي أصلا؟فما كان من الاستاذ الطباطبائي إلاّ أن يستثمر الفرصة، ليقوم بتحليل منهجي لنظام الاستشراق الفكري، حيث أشار بشكل مبكر الى الدوافع المستحكمة في بنيته كالسلطة و التفوّق، و النزوع الى إلغاء العوالم و الثقافات الأخرى تحت ذريعة العالمية، و هو الموضوع الذي عاد إليه فيما بعد الباحث الفلسطينيّ (ادوارد سعيد) في كتابه (الاستشراق) ، و غيره من الباحثين الذين توفّروا على تحليل بنية الاستشراق، و الكشف عن دوافعه التي يتخفى عليها وراء البحث المعرفي.

و من الاشارات المنهجية التي تحتاج الى المزيد من التمعّن هي كيفية مناقشته لسؤال كوربان عن قدرة الاطروحة الاسلامية على المواكبة و السير قدما بعملية التغيير و البناء الاجتماعي، رغم ثبات الأصول و طائفة من الاحكام الاسلامية التي يطلق عليها عنوان الشريعة.

لم ينكر الطباطبائي-في سياق إجابته-ثبات الشريعة (مجموع الاحكام الالهية النازلة من اللّه سبحانه، و هي التي لا مجال لتغييرها أبدا و مطلقا) كما لم يرفض حركة التطوّر الاجتماعي، و لكنّه قام؛ الى جوار المنظور التقليدي المتمثّل بالإحالة الى الاجتهاد و ما توفّره نافذة المجتهد من مرونة تعطي للإسلام القدرة على المواكبة و المعاصرة؛ قام بتحليل بنية المجتمع البشري، و دقّق في حقيقة التغيير و التطوّر الاجتماعي، و تساءل؛ فيما اذا كان هذا التطوّر يقتضي-فعلا و بشكل مطلق -الابتعاد عن أحكام الاسلام و أصوله الثابتة، أم أنّ هناك في التكوين الاجتماعي نفسه، بنى ثابتة أيضا تشكّل العناصر المشتركة لتأريخ البشر على مرّ العصور؟

11

بعد شوط من التحليل، انتهى السيد الطباطبائي الى أنّ العناصر الثابتة في الاسلام (الشريعة) انّما تتعاطى مع هذه العناصر الثابتة أيضا في البنية الاجتماعية للبشر في كل عصر.

اما العناصر المتحركة في حركة المجتمع البشري فتتكفلها-من جهة- الاحكام الاجتهادية في حركة المجتهد الفقيه، و تشبعها-من جهة ثانية- صلاحيات وليّ الامر الذي له أن يضع قوانين متحركة وفق المصالح الزمنية المتغيّرة، و لكن بما لا يخرج عن الاتّجاه العامّ الذي تؤشّر عليه الاحكام الثابتة.

بودّنا أن نشير من بين الإلماعات المنهجية، الى البحث الاجتماعي الذي أمضاه السيد الطباطبائي لإثبات «الولاية» و امتداد وظيفتها في حياة البشر، و عدم امكان استغنائهم عنها أبدا. و هذا الضرب من الاستدلال هو أقرب لذوق الاستاذ كوربان، و أوصل الى طريقة التفكير الاوربي، التي تبحث وراء كلّ فكرة أو اعتقاد عن غايته الاجتماعية.

و بعد ذلك انتقل العلاّمة الطباطبائي الى الاستدلال العقلي؛ اي الى مستوى إقامة البرهان العقلي على فكرة الولاية و ارتباطها بالنبوة، و ايصال أسس البرهان العقلي بالاسس الاسلامية النصوصية لها من القرآن و السنة الشريفة.

و في المسار المنهجي أيضا؛ من المهم للفكر الاسلامي المعاصر، الذي أخذ يواجه في الوقت الراهن عشرات بل مئات المشكلات و الاشكالات و الاشكاليات، أن ينفتح على مقولة أثارها الطباطبائي في موضوع تخلّف العالم الاسلامي و تقدّمه، تتّسم بالكثير من الموضوعية.

ففي إطار تحليله للخط الذي تحركت فيه المعارف و العلوم في البيئة

12

الاسلامية، و ما مرّت به من ازدهار و نموّ ثم انكسار، ربط-أوّلا-بين هذه العلوم و بين الوضعين السياسي و الاجتماعي للمسلمين في كل مرحلة. ثم عاد ليضع الحالة الاجتماعية في اطار خطتين دينية و وضعية.

و في هذا المضمار، لاحظ الطباطبائي أنّ تاريخ الاسلام، و مسار المسلمين و حالتهم الحضارية تبعا لذلك، أخذت تنأى عن المجرى الحقيقي المستلهم من واقع دين إلهي يربط حياة الناس بالسماء، و يتّجه نحو صياغة كتلة اجتماعية عادية.

لقد استنفدت الحياة الاسلامية في عقودها الأولى الدفعة التي توفّرت لها من خلال البعثة النبوية و ما بثّت في أوصال الأمّة من حيوية و طاقة على الحركة و الفعل، بعد انقلابها المبكّر على خطّ أهل البيت (عليهم السّلام) ليعود، بذلك، النظام الاجتماعي في حياة المسلمين خاضعا-كغيره من الانظمة الاجتماعية الاخرى-الى سلطة النواميس و القوانين الطبيعية التي تحكم مسار الحياة العادية للأمم و الحضارات؛ و هي تتقلّب بين الطفولة و الشباب و الكهولة.

و حين يكون النظام الاجتماعي في الحياة الاسلامية، كغيره من الانظمة الوضعية الاخرى، فسيبتعد حينئذ عن سلطان الدين و قيمومة الاسلام. و هذا ما حصل اذ توسّل هذا النظام بمختلف ضروب الاستبداد و القمع و القهر، حتى بلغ مرحلة التحلّل و الهرم، فنأى عن حركة الحياة بعد أن فقد سلطته، و ترك مكانه للنظم الاوربية التي بدأت تحلّ في حياة المسلمين تدريجيا.

النظام الاجتماعي اذن، يستمدّ مضمونه، و يختار مساره و القوانين المتحكّمة فيه، انطلاقا من مقولتين، المقولة الاسلامية التي لها خصوصيتها و قانونها، و المقولة الوضعية التي لها-هي الاخرى-خصوصيتها و قانونها.

13

و الذي يذهب إليه الطباطبائي بشكل صريح، انّ النظام الاجتماعي في الحياة الاسلامية لا يجب ان يحسب على الاسلام في ثوابته الواضحة قرآنا و سنة، بل شأنه شأن أي نظام اجتماعي آخر يخضع لقوانين النمو و الانكسار الحضاريين. و اذا كان الاسلام لا يتحمل تبعات تأريخ المسلمين، فلا يصحّ عندئذ لمسلم أو غيره أن ينتظر من هذا التأريخ ان يستفيد من قوانين الاسلام في التسيير الحضاري للامة، كما ليس للامة أن تنتظر اكثر من المصير الذي آلت إليه، و هي قد اختارت-بإرادتها و في ظل الظروف و الأوضاع المعروفة للجميع-ان تنقطع-كأمّة و كحضارة-عن لطف السماء و رعايتها.

و لكن لا زال الخيار للأمّة-و سيبقى دائما مفتوحا لها-في أن تعود الى لطف السماء، فتربط حياتها و مصيرها بالاسلام، لا بالتاريخ المنقطع عنه، كما هو باد الآن في مظاهر الانبعاث الاسلامي الجديد، التي حلّت في أرجاء بلاد المسلمين، و أخذت روحها تسري في كلّ مكان.

من النقاط الاخرى التي يؤكّد عليها السيد الطباطبائي، هي إلحاحه الكبير على ضرورة استئناف الفكر الاجتماعي، و أن يحلّ هذا الاخير محل الفكر الفردي الذي ورثناه من الوضع العام الذي تحكّم بتأريخ المسلمين. و قصة تحوّل المسلمين الى الفكر الاجتماعي، و نبذ الفكر الفردي، ليست مسألة حذف أو استبدال محض لطريقة فكرية بطريقة أخرى، بل هي قضية لها مسيس صلة بطبيعة خيار الأمّة، فإن اختارت الأمّة الاسلام-حقا-طريقا لنهضتها، فإنّ الاسلام ألزم اتباعه اعتماد الفكر الاجتماعي، كما يؤكّد الطباطبائي في غير مكان من الكتاب.

يبقى أن نشير في خاتمة هذه الفقرة الى بحثي السيد الطباطبائي عن التوحيد

14

و الولاية. ففي البحث الاول يلتقي الانسان مع نبع زلال من معارف التوحيد، مستمدّة من نصوص مدرسة أهل البيت (عليهم السّلام) حتى ليمكن القول دون مبالغة أنّ الكتاب يتضمّن في هذا المضمار دورة من المعارف التوحيدية العالية، التي تجمع بين ألق النص و ما ينطوي عليه من أنوار تشبع تطلّعات النفوس الظمأى، و بين القواعد العقلية التي جاءت في انسجام مع اتجاه النص، من دون أن تؤثّر على صفائه و تغلّه بتعقيداتها و بالأقيسة و المقدّمات، بل بقيت السلطة سلطة النصّ المنوّر، الموجّه عقليا.

المنهج نفسه سار عليه الطباطبائي في بحث الولاية الذي جاء أقلّ حجما من بحث التوحيد، و إن بقي-رغم اختصاره-يحمل ذات خصائص جاذبية البحث الأول و صفائه.

قصة الكتاب‏

مشكلة أصحاب الأعمال الفكرية البارزة، أنّهم يعرفون من خلال أبرز أعمالهم، التي تحجب مساهماتهم الأخرى. و الذي حصل مع السيد الطباطبائي أنّه عرف و اشتهر من خلال تفسيره «الميزان» الذي استحوذ على حصة أشقّائه، و هم ليسوا قلّة، إذ له من الآثار الاخرى ما يكاد تعداده يصل الى الاربعين بين كتاب و رسالة و تعليقة. بيد ان الذي يؤسى له انّ التركيز على الطباطبائي انصبّ على تفسيره «الميزان» دون آثاره الاخرى، حيث استطاع هذا التفسير أن يجذب إليه اهتمام الدارسين و المثقّفين و المفكرين، و يتحوّل الى أهمّ محور يطلّون من خلاله على معالم المدرسة الفكرية للطباطبائي، مع أنّ مؤلفات «السيّد» الاخرى لها

15

اهمية في الكشف عن المكانة التي يتحلى بها في حركة الفكر الاسلامي المعاصر.

حينما ننظر على سبيل المثال الى بحوثه الفلسفية و الاجتماعية نجد- بالإضافة الى ما يتحلى به من عمق و نظر خاصّين في البحث الفلسفي-انّ له في التاريخ منهجا مميّزا يؤكّد فيه على القيمة الاجتماعية، و يغوص عميقا في تحليل الانساق الراهنة في حركة المعرفة، من خلال تفكيك البنى المؤسّسة لها، و الاصول المستقرة في التاريخ.

لذلك تجده، الى جانب عمقه، يفاجئك باكتشافات جديدة في تأريخ الفكر الاسلامي. و ربما كانت هذه الميزة بالذات، هي التي أتاحت لفكره، من جهة، الانفتاح على آفاق المعرفة الفلسفية المعاصرة بتياراتها المختلفة، و ربما كانت من جهة ثانية هي السبب في انجذاب هنري كوربان إليه و استئناسه بالحوار و المناظرة معه.

الكتاب الذي بين ايدينا يجمع بين دفّتيه قصة حوار جرى قبل حوالي أربعة عقود بين العلامة الراحل السيد الطباطبائي و بين المستشرق الفرنسي الراحل الاستاذ هنري كوربان، دار حول التشيع نشأة و عقيدة و أفكارا، و حول الشيعة في مسارهم التأريخي و معطيات مدرستهم المعرفية.

و الحوار في الواقع، و معه سلسلة المراسلات بين الطرفين، ينشر في جزءين:

احدهما؛ و هو الاكبر حجما، ضمّه هذا الكتاب الذي جدّد طبعه في حياة الطباطبائي عدّة مرّات، فيما تأخر نشر الجزء الثاني؛ و هو الاقل حجما، الى ما بعد وفاة «السيّد» بعقد من السنين، و كان لذلك قصة لا تخلو من ملابسات، نؤجّل الحديث عنها الى مقدمة الكتاب الثالث من هذه السلسلة ان شاء اللّه.

16

أشار السيد الطباطبائي في مقدمته لهذا الكتاب، الى منبثق فكرة الحوار و موضوعه، و لمّح الى الاجواء التي كانت تحيط مثل هذه المسألة قبل حوالي أربعة عقود من الآن. ثم جاء الدور للسيّد هادي خسروشاهي‏ (1) ، الذي أوضح، في مقدمته للكتاب، الكثير مما سكت الطباطبائي عنه، من تحامل و طعن لهذا السيد الجليل، و رميه بمختلف الافتراءات و التّهم، التي وصلت الى حدّ الطعن بولائه لعلي و آل علي، و انتمائه الشيعي، و هو من نعرفه في طليعة ركب أهل الولاية و الولاء!

بلغت الطعون حدا، أن كتب أحدهم-دون ان يملك الجرأة في ان يفصح عن اسمه-رسالة مطوّلة تبلغ حجم كتاب، ساق فيها للطباطبائي أقذع الشتائم و التهم، ثم ذكر مجموعة إشكالات، عاد الطباطبائي ليجيب عليها في جواب مفصّل- منشور في الكتاب الذي بين ايدينا-نتلمس من خلاله الأجواء الصعبة التي كانت تحيط بهذا الرجل وقتئذ، و عمق المعاناة التي كان يمرّ بها، وسط أوضاع تجهل تماما ما يدور حولها، و تسعى لإجهاض أية محاولة-مهما كانت يسيرة-للتعريف بمدرسة أهل البيت (عليهم السّلام) و وضعها في مدار اهتمامات الانسانية في العالم.

بيد أنّ المهم الذي نستفيده من هذه الرسالة و جواب الطباطبائي عليها، هي القواعد الكلية التي يؤمن بها هذا السيّد الجليل، في مسألة الحرية الفكرية و إبداء الرأي، و السماح لتفاعل الآراء عبر الحوار، و بمعيار الدليل و قوّة البرهان، على أن يتمّ كلّ ذلك في أجواء يظلّلها أدب الاسلام و سموّ أخلاقه و رفعته.

____________

(1) محرّر هذه السلسلة من آثار السيد الطباطبائي، و أحد اثنين نهضا في حياة السيد الطباطبائي و تحت إشرافه بكتابة سلسلة من الهوامش التوضيحية التي ألحقت بالكتاب.

17

و في الواقع، من السهل على قارئ الكتاب أن يلمس تغلغل هذه الروح و انبساطها في جميع فصول الكتاب. فالاصغاء الى قول الآخر، و قبول أحسنه، و تقديم الفكرة على أساس الدليل و الحجة و البرهان بلفافة الادب الاسلامي، هي سمات ترمي بظلالها على الكتاب برمّته.

انك تجد في منهج الحوار، أدبا رفيعا، هو اضمامة من ادب الحوار الذي أدّب به الاسلام أهل العلم و المعرفة. فحيث يكتب السيد الطباطبائي الى محاوره، عند ما كان يغادر طهران، الى باريس، تجده يخاطبه بالقول: الى الصديق الحميم و العالم الكريم، الاستاذ البروفيسور هنري كوربان.

و لا ريب ان هذه السيرة التي تجمع في منهج الحوار بين استخدام الدليل و الادب الرفيع؛ أو هي-في الحقيقة-تسوق الفكرة عبر الدليل و بلفافة الادب الرفيع، آتت أكلها، و عادت بأثرى النتائج على محصلة الحوار.

يلقى الاعتراض لدى الطباطبائي صدرا رحبا، و هو يواجه الخصم بأسلوب علمي منفتح ينأى عن التكفير و التبديع و التفسيق بسلاح الفتوى، تاركا الكلمة الفصل للحجة و البرهان، ما دام الميدان ميدانهما.

اما كيف عاد هذا النهج بأغنى النتائج على حصيلة الحوار؟.

ما نعتقده أن جماع الفكر العميق مع المنهج المتماسك و الادب الرفيع، هو الذي دعا الاستاذ كوربان الى ان يسجّل تقييمه الأخير في حيوية التشيع و استمرار دوره، ليس في حياة المسلمين و حسب، و انما في حياة البشرية أجمع؛ و ذلك بما يقوم عليه من ايمان حيّ يقظ و حركيّ بالإمام المهدي (عليه السلام) و بفكرة «الولاية» التي تقوم على استمرار علاقة الهداية بشكل دائم فيما بين اللّه و الخلق.

18

فبدلا من منطق الجهل الذي يغلّف النظرة الاستشراقية الى قضية الامام المهدي و الولاية، و موقف التشنيع و التحامل الاعمى الذي تتعاطى من خلاله بعض رموز المذاهب الاسلامية السنية مع هاتين القضيتين، نجد أنّ هذا المستشرق (و هو القادم إلينا من فرنسا عبر اتجاهات فلسفية ممعنة بالمادية، و تيارات عقلية صارمة) يجد أنّ قضية المهدي، و الولاية بشكل عام، هي التي أبقت التشيّع حيا، و أهّلته الى دور انساني شامل في حياة البشر، يكون بسعة العالم؛ بما أقامته من صلة حية دائما بين الخلق و الهداية الالهية؛ بين المسلمين و الامام.

و بتعبير كوربان: «في اعتقادي ان مذهب التشيّع هو المذهب الوحيد الذي استطاع أن يحفظ علاقة الهداية الالهية بين اللّه و الخلق دائما، و أحيى مفهوم الولاية بصورة مستمرة و ثابتة» .

لا نريد ان نسلب القارئ الكريم متعة الاطلاع على الحوار و متابعته بنفسه، من خلال الكتاب و ما يضمّه من تفاصيل، نرجو أن تأتي نافعة مفيدة باذن اللّه.

لقد توشّح الكتاب بثلاث مقدمات لكلّ منها نكهتها، و بقي ثمة كلام مستأنف عن (هنري كوربان) و الأهمّ من ذلك عن مشروع الآثار الكاملة، ندعه الى الكتاب الثالث الذي نرجو أن يطلّ على القارئ في القريب العاجل ان شاء اللّه.

منهج الترجمة

لا أرغب بتكرار ما ذكرته في الكتاب الاول عن نصّ الطباطبائي و ما يكتنفه من صعوبة في اللغة و دقّة في الافكار، تحتاج الى يقظة في تعاطي المترجم معه.

و انما أكتفي بالاشارة الى اننا ابتغينا الدقّة-في ترجمة هذا الكتاب-و آثرناها على‏

19

جمال العبارة، كلما وقع التعارض بين الاثنين. و حاولنا أن يأتي النص-قدر ما نستطيع-في أسلوب سلس و عبارة واضحة مفهومة.

إنما المحنة كانت هذه المرّة مع هوامش الكتاب، التي الحقت به، و جاءت بحجمه تماما ان لم تزد عليه. و كان لذلك قصة، نكتفي منها ببعض الشواهد و الفصول!

انبثقت الحاجة الى الهوامش التوضيحية من طبيعة الحوار و لغة الطباطبائي فيه، اذ غلبت عليه كثافة الأفكار التي طرحها «السيد» لمحاوره، حتى كان بعضها من شدّة تركيزه و كثافة مدلولاته و كأنّه فتوى فكرية، كما هو حاصل مثلا في إشاراته لفرضيات نشوء التشيّع؛ تلك الفرضيات التي صاغها الفكر الآخر؛ الاسلامي السنّي سابقا، و الاستشراقي حديثا.

و كذلك ظهرت الحاجة الى الهوامش التوضيحية من منبثق آخر تمثّل هذه المرّة بحاجة افكار الحوار، الى النصوص التي تعضدها و الشواهد التي تؤيّدها.

بين هذه و تلك، أعترف أنّ السيد هادي خسروشاهي و زميله الشيخ علي أحمدي، ارتقيا مرتقى صعبا، و نهضا بهذه المهمة الشاقّة التي يمكن أن يقال عنها أنّها أدّت-في غالب الاحيان-الدور المنتظر منها على أحسن وجه.

فقد زادت الهوامش التوضيحية على المائة، و جاء بعضها بحجم ملزمة دراسية، أو بحث قائم بنفسه، عاد فيه الباحثان الى اكثر من (250) مصدرا من اهم مصادر الموضوع. كما ان حجم مجموع الهوامش امتدّ ليوازي حجم متن الكتاب او يزيد عليه قليلا، فضلا عن أنّ فائدته لم تقلّ عن فائدة كتاب قائم بنفسه.

فيما يتعلق بعملي في الترجمة، كنت مردّدا منذ البداية بين أن أحذف هذه‏

20

الهوامش، فلا يؤثر ذلك على أصل كتاب الطباطبائي و نصّه، و بين أن أثبتها فتتحقّق للقارئ فائدة مضاعفة.

أخيرا حسمت أمري على ترجمتها، و قد شجعتني عدّة مرجّحات على إبقائها؛ أهمها:

أولا: إنّها كتبت تحت عناية السيد الطباطبائي و إشرافه، من قبل تلميذين قريبين إليه، و طبعت مع الكتاب في حياته، حتى أضحت جزءا منه، و عنصرا داخلا في شخصية الكتاب نفسه.

ثانيا: حاجة الحوار الى أغلبها، في محتواه و في شكله الفنّي، لكون افكار السيد الطباطبائي جاءت-كما ذكرنا-أقرب ما تكون في كثافتها، الى الفتاوى الفكرية، فكانت الهوامش هذه، مدارك الحكم، و بيانا لعلله و ما يكتنفه من امور اخرى. و قد كانت الحاجة أشدّ ما تكون إليها، في الفصول المتعلقة بنشأة التشيع، و تأريخ الشيعة و مدرستهم الجهادية و العلمية.

ثالثا: اقول بصراحة: إني تعاملت مع هذه الهوامش على أنّها جهد في المنافحة عن أهل البيت (صلوات اللّه و سلامه عليهم) و ما لحق شيعتهم من ظلم و حيف، و اعتبرتها جزءا مما ندبنا إليه؛ من إحياء أمر أهل بيت نبينا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ، فصبرت عليها، و على تنفيذها مع ما أخذته من جهد و وقت. كان عليّ إثر ذلك أن أدفع الثمن باهضا، و قد فعلت، اذ اخذ العمل في الهوامش وحدها مدة تزيد على ستة اشهر، أكلت من حصة الكتاب الثالث و وقته، و أخّرت صدور الكتاب الثاني-الذي بين أيدينا-عدّة اشهر، فضلا عن الإرباك الذي عادت به على بقية اعمالي و التزاماتي.

21

بديهي؛ ليس هناك صعوبة تذكر في ترجمة الهوامش بذاتها، فهي في محتواها أيسر كثيرا من نصّ الطباطبائي. إنّما المشكلة كانت في كثرة المصادر، و اختلاف الطبعات، و في عودة خسروشاهي-أحمدي الى ترجمات فارسية لكتب عربية، كان عليّ ان اعثر عليها و أعود بها الى اصولها. فكتاب مثل «وعاظ السلاطين» للمرحوم علي الوردي طبع للمرة الاولى في بغداد سنة 1954، لم استطع أن أعثر عليه، لا في المكتبات الخاصّة و لا المكتبات العامة التي راجعتها، و إنما سمعت أنّه طبع مجددا في لندن سنة 1994، فبعثت عليه، و جاءني بيد أحد الاصدقاء بعد تأخير زاد على الشهر.

و إحالة سجلتها الهوامش الى الترجمة الفارسية لمقدمة ابن خلدون، كانت تحمل (ج 1، ص 431) لم أوفّق في العثور عليها في الاصل العربي للمقدمة، لاني كنت ابحث عنها و في ذهني أنّها في صفحة مقاربة لصفحة الترجمة الفارسية، فباءت جهودي بالفشل، الى ان راجعت «المقدمة» على طريقة اخرى، فعثرت على النص في الصفحة (203) !.

و كان يربك عملي احيانا، انّ الاحالات لا تتحلى بالدقة الكاملة، و لديّ أرقام ذات شأن في هذا المضمار.

أمضيت مدة العمل على الهوامش، في تطواف بين مكتبات الاصدقاء، و مكتبات مؤسّسات التحقيق، لأن المكتبة الشخصية مهما كانت كبيرة، تبقى تفتقر الى هذا العدد من المصادر التي عاد إليها منظما الهوامش، كما أفدت من انظمة الخزن الكومبيوتري في استخراج بعض النصوص. ففي مرّة من المرّات استشهد السيد الطباطبائي لمحاوره كوربان، بحديث عن القدر، رواه عن الامام علي بن‏

22

الحسين زين العابدين (عليه السّلام) و أحال مصدره الى البحار، فلم يكن أمامنا في العثور عليه-خصوصا و أنه لم يذكر نصه بالعربية، و انما اكتفى بمضمونه باللغة الفارسية-الا ان نلجأ الى برنامج الخزن الذي أسعفنا في هذا المورد و موارد اخرى مماثلة.

كانت هذه الصعوبات تتكرّر كل يوم تقريبا، اثناء العمل على الهوامش التوضيحية، و قد شكّلت لنا محنة حقيقية عانينا منه الكثير. و كان من آثارها، ان تطول مدة الترجمة و يتأخر صدور الكتاب، الى ان يسّر اللّه لنا إكماله، من دون ان نزعم ان صورته الاخيرة جاءت خالية تماما من النواقص.

شكر و اهداء

مارسنا العمل على الكتاب في ظل أوضاع صعبة، تفرض ضغوطاتها علينا، و تحاول أن تحاصرنا من كل جانب. فالزمن الذي نمارس العمل فيه زمن نكد.

يقول امير المؤمنين «إنّا قد أصبحنا في دهر عنود، و زمن كنود» .

و في ظل الأوضاع التي نعاني، و الزمن الذي نعيش، تختفي المعايير الصحيحة على كلّ صعيد تقريبا، و تتحوّل المقاييس ربما الى ضدّها، و حينئذ لا نعجب اذا تأخر من كان من شأنه أن يتقدم، و تقدم من كان عليه أن يتأخر، و لا نستغرب ان تستبدل «الذنابى بالقوادم، و العجز بالكاهل» كما تقول فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها) .

المحنة هي الاصل في حياة العاملين، و تعسا لانسان عاطل فارغ يعيش دون همّ، و لن تنال عواصف صفراء هابطة من إرادة الانسان المثابر المتصل-على قدره

23

و بحسبه-بربّ السماء يستمدّه العون بصدق، مهما كانت رياحها هوجاء و حمقى.

و من سنن المحنة علّمنا امير المؤمنين أنّ «من طلب للناس الغوائل لم يأمن البلاء» و من يزرع الفجور لا يحصد غير الثبور، و انا للّه و انا إليه راجعون.

فإن تسأليني كيف أنت فإنّني # صبور على ريب الزمان صليب‏

يعزّ عليّ أن ترى بي كآبة # فيشمت عاد أو يساء حبيب‏

من جهة اخرى، لا أملك في هذا المضمار الاّ ان أوجّه الشكر الجزيل لكلّ من ساندني في هذا العمل، و ساهم بإخراجه الى النور؛ أخصّ من بينهم أخي و صديقي الكريم الاستاذ عبد الرضا افتخاري، الخبير اللغوي، الذي جمعتنا سويا قبل عشرين عاما مقاعد الدراسة، ثم عاد ليجمعنا هذا العمل، حيث اخذ على عاتقه مهمة مراجعة النص المترجم و تصحيح ما فاتنا من أخطاء في اللغة و النحو. و هي مسئولية أشهد أنّه نهض بها بأمانة، كما فعل بجدارة في الكتاب الأوّل.

أتوجّه بالشكر و الثناء أيضا الى اخي الصديق الشيخ عبد الجليل السمين الذي أبدى حماسا كبيرا للمشروع و أمدّه بالعون؛ كما أشكر أخي الصديق السيّد علي باقر الذي بذل جهدا مثابرا في متابعة مختلف مراحل الطبع، كان من ثماره المباشرة سرعة إصدار الكتاب.

و بودّي ان انتهز فرصة هذه المقدمة، لأسجّل شكري العميق الى صديق كريم، رافقني ربما منذ بداية شوطي في الترجمة، هو الاستاذ عبد الغني البستاني، الذي كان عونا لي فيما يشكل عليّ من معضلات اللغة الفارسية، إذ كان يتحمّل أسئلتي بأناة و صبر، بل كان يشجّعني على السؤال بخلقه الليّن الكريم و سماحة نفسه.

24

لهؤلاء جميعا، و لمن عضدني و أمدّني بعون، جزيل الثناء و التقدير، و الذكر في مظان استجابة الدعاء.

و اذا كنت قد ذكرت بالشكر، زوجتي، في مقدمة الكتاب الاول من هذه المجموعة، فلا أودّ أن تمرّ هذه السطور، من دون أن أذكر أولادي الثلاثة. فهؤلاء البراعم المتفتّحة، و النبات التي تشقّ طريقها نحو النور، ربما عانوا الكثير و هم شهود على انشغال ابيهم بأعمال لا تنتهي.

و لكن حسبي أن أقنع نفسي، بأنّ أعينهم تتفتح وسط جو يعبق بعطر أوراق مزدانة بمعارف الاسلام، و تنمو مداركهم في بيت لا يخلو ركن من أركانه من صحيفة أو كتاب.

إليهم؛ الى نور الهدى و محمد و حيدر، عذري و أمل مشرق بالتوفيق ان شاء اللّه.

شوق عظيم كان يستبدّ بي، و تتوق نفسي لإنهاء العمل في الكتاب في ليلة المولد النبوي الشريف أو في يومه، من عامنا الهجري هذا، لكي أتيمّن بهذه الذكرى العبقة في إهداء العمل الى ساحة النبي الاقدس. و هذه الرغبة و ان لم تتحقّق بالكامل، إلاّ أنّي أيمّم وجهي الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مادّا يد الضراعة إلى اللّه سبحانه أن يتقبل منّي هذا العمل هدية الى النبي المصطفى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

الى اللّه وجهي و الرسول و من يقم # الى اللّه يوما وجهه لا يخيّب‏

الشفاعة الكبرى هي تلك التي ننتظرها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أن يرعانا في دنيانا، و أن يكون لنا في ذلك الموقف الرهيب الذي يجمع‏

25

فيه الاولون و الآخرون و يؤتى بجهنّم يقود أزمّتها ملائكة غلاظ شداد، يسمع لها تغيّظ و زفير، حينئذ لا تشهد في الجمع الا من ينادي: يا ربّ نفسي نفسي. سواك انت يا رسول اللّه، ايها المبعوث بالرحمة، تنادي: يا ربّ!أمّتي أمّتي.

يا رسول اللّه، فزنا من اخيك امير المؤمنين علي بن ابي طالب، بأدب مخاطبتك، و هو يلي غسلك و تجهيزك، و يقول: اذكرنا عند ربك، و اجعلنا من همّك.

فاجعلنا يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من همّك و اذكرنا عند ربك يا حبيب اللّه.

إلهي بحقّ الهاشميّ محمد # و حرمة أطهارهم لك خضّع‏

إلهي بحقّ المصطفى و ابن عمه # و حرمة أبرارهم لك خشّع‏

إلهي فأنشرني على دين احمد # منيبا تقيا قانتا لك أخضع‏

و لا تحرمني يا إلهي و سيّدي # شفاعته الكبرى فذاك المشفّع‏

و صلّ عليهم ما دعاك موحّد # و ناجاك أخيار ببابك ركّع‏

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين‏

جواد علي (خالد توفيق) (1)

____________

(1) استميح قارئي الكريم عذرا في ان أكرّر ما سبق ان ذكرته في الكتاب الأول، من انّ كاتب هذه السطور، عاد بعد تطواف على مجموعة من الاسماء اشهرها خالد توفيق، ليستقر مع مشروع الطباطبائي هذا، على الاسم الحقيقي. [المترجم‏]

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

مقدّمة المحرّر

(1) بعد وفاة الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و واقعة السقيفة، اصاب مسار الخلافة تغيير قاد الى ان تجتمع ثلّة من المؤمنين المخلصين حول الامام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) .. أوّل المسلمين، و الذابّ عن وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) .

باجتماع هذه الثلة من الرجال المشبعين بروح العدالة و الحرية من امثال ابي ذر و سلمان و المقداد و عمار و حجر بن عدي و أضرابهم، تبلورت النواة المركزية للتشيّع.

____________

(1) هذه المقدمة كتبها السيد هادي خسروشاهي، محرّر الكتاب و المشرف-في الوقت نفسه-على إصدار المجموعة الكاملة لآثار العلامة الطباطبائي (سوى الميزان) . و قد آثرنا ترجمتها نظرا لما تنطوي عليه من افكار مهمة، و لما تحكيه من اجواء كانت تحيط السيد الطباطبائي غداة محاورته للاستاذ كوربان. فقد مثل الحوار يومئذ مشكلة أثارت جدلا عاصفا و ردود فعل متباينة أكثرها رافض، بل مدين، على ما سيشير إليه السيد الطباطبائي بنفسه في مقدمته للكتاب؛ و بعد ذلك في فصل مستقلّ خصّصه للدفاع عن الحوار و ما تضمّنه من افكار، خلال ردّه على رسالة استنكارية وصلته وقتئذ.

يبقى أن نقول إنّنا تصرفنا تصرفا يسيرا في بعض جمل المقدمة و كلماتها دون أن نتدخّل بمضمونها و ما تنشده من افكار. [المترجم‏]

28

لقد هبّ إثر ذلك صراع احتدم بين الفريقين؛ الفريق الذي أخذ جانب الخلافة و مال إليها، و الفريق الذي التزم جانب الحق المطلق.

و كان هنا دور الامام علي (عليه السلام) حاسما في توجيه شيعته للحركة في خط مزدوج متواز، يجمع بين مهمة الدفاع بإصرار عن اصولهم العقيدية و المثابرة في المنافحة عن حيثية الاسلام، و بين الدفاع الواقعي عن وحدة الصف الاسلامي و الذبّ عن المبادئ الانسانية و العالمية السامية التي تنطوي عليها آخر رسالات السماء.

في ظلال توجيهات الامام علي عاش الشيعة هذه الروح عمليا في الدفاع عن الخطين معا باصرار و مثابرة.

لقد كان رائد الامام امير المؤمنين (عليه السلام) الدفاع عن المصلحة الاسلامية-و ليس الاسلام المصلحي!-اذ ادرك (سلام اللّه عليه) أن بقاء الدين الجديد و استمرار الاسلام، منوط بتفهّم الأوضاع الفعلية التي كان يعيشها المجتمع آنئذ، و بالتعاطي السليم مع تلك الأوضاع. لذلك لم يبادر الى الحرب من أجل إحقاق حقه، كما لم يتوسّل بالسيف من أجل الامتناع عن البيعة (1) ، لكي لا يوفّر لأعداء الاسلام المتربصين، ثغرة ينالون خلالها من المجتمع الاسلامي الفتيّ،

____________

(1) يراجع فيما اكتنف موقف الامام هذا، كتب التأريخ التي توفّرت على بيانه، كما يمكن العودة الى العلاّمة شرف الدين في كتابه «المراجعات» (ص 261-265) و كتاب «السقيفة» للعلامة المظفّر، فصل «عليّ مع الخلفاء» .

و ثمة إشارة الى أصل الموضوع في حديث مرويّ عن الامام المهدي (عجّل اللّه فرجه) يلاحظ في: بحار الانوار، ج 53، ص 181؛ و كمال الدين، الصدوق، ج 2، ص 485، طبعة طهران.

29

و يصلون الى مبتغاهم في هدم أركان الرسالة و البعثة (1) .

تحمّل الامام امير المؤمنين كلّ ذلك بصبره الدءوب الذي عرف عنه-و الذي يصفه في احدى خطبه‏ (2) -و انصرف عن الدفاع عن حقه لسنوات متمادية، و لو لم يجتمع الناس حول داره، ينثالون عليه، و هم يناشدونه بإلحاح ان يستجيب لهم، لما قبل الخلافة الظاهرية (3) .

و مردّ ذلك أنّ الخلافة و الإمارة من منظار علي بن ابي طالب لا تملك قيمة وجودية عملية، الاّ اذا استطاعت ان تبسط العدل الاجتماعي، و تنتصر للمظلوم و تعيد إليه حقه، و تستأصل شأفة الباطل. و الا فقد كرّرها الامام، و أعلنها صريحة، بأنّ الامارة، و جميع الدنيا، لا تساوي عنده شيئا أو عفطة عنز أو شسع نعل، حسب تعبيره (عليه السلام) .

____________

(1) يقول (عليه السلام) واصفا بليغ حرصه على الاسلام مما كان يتهدّده في عصر هو اقرب ما يكون عهدا بالجاهلية: «فأمسكت يدي، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام، يدعون الى محق دين محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فخشيت إن لم انصر الاسلام و أهله أن أرى فيه ثلما أو هدما، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع ايام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، و كما يتقشّع السحاب» نهج البلاغة، الكتاب رقم 62، ص 451.

[المترجم‏]

(2) يقول عليه السلام واصفا صبره في الخطبة المعروفة بالشقشقية: «و طفقت أرتئي بين أن اصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، و يشيب فيها الصغير، و يكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه. فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت و في العين قذى، و في الحق شجا، أرى تراثي نهبا» . النهج، ص 48. [المترجم‏]

(3) يصف عليه السلام انثيال الناس عليه يناشدونه أن ينهض بالامر، بقوله: «فما راعني الاّ و الناس كعرف الضبع إليّ، ينثالون علي من كلّ جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، و شقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم» . النهج، ص 49. [المترجم‏]

30

فهذا ابن عباس يقول: دخلت على امير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار و هو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟فقلت: لا قيمة لها!فقال عليه السلام: و اللّه لهي أحبّ إليّ من إمرتكم، إلاّ أن أقيم حقا، أو أدفع باطلا (1) .

و هو عليه السلام، القائل: أما و الذي فلق الحبة، و برأ النّسمة، لو لا حضور الحاضر و قيام الحجة بوجود الناصر، و ما أخذ اللّه على العلماء ألا يقارّوا على كظة ظالم، و لا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، و لسقيت آخرها بكأس أوّلها، و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز (2) .

و ها هو ذا ابن ابي طالب يهتف: و اللّه لو أعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها، على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، و إن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها (3) .

يكتب الاستاذ مرتضى مطهري في سياق تحليل علمي يسوقه في هذا المضمار، ما ترجمته: تمثل سيرة الامام امير المؤمنين علي (عليه السلام) و نهجه الشخصي، افضل دروس العبرة بالنسبة لنا. فعلي (عليه السلام) اختار نهجا منطقيا جدا، خليقا بالمقام السامي الذي يتحلى به من مثله.

لم يأل الامام جهدا في إحقاق حقه، فقد بذل جميع ما في وسعه لإحياء أصل الامامة. بيد انه لم يرفع شعار «كلّ شي‏ء أو لا شي‏ء» بل كان مبناه في العمل «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» .

____________

(1) نهج البلاغة-طبعة صبحي الصالح-ص 76.

(2) نهج البلاغة، الخطبة المعروفة بالشقشقية، ص 50.

(3) نهج البلاغة، ص 347. [المترجم‏]

31

لم ينهض الامام في وجه الذين سلبوه حقه. و لم يكن عدم نهضته بداعي الاضطرار، و انما كان موقفه هذا ينمّ عن عمل مخطّط و محسوب بدقّة.

و اذا كان الامام لا يخشى الموت، فلما ذا لم ينهض اذن؟و هل كان الأمر يعدو أن يقتل، و القتل في سبيل اللّه غاية أمانيه، و هو الأنس بالشهادة من الرضيع بثدي أمّه؟

عند ما نظر الامام الى الموقف، قاده التدبير الصحيح الى مصلحة الاسلام.

لذلك ترك المواجهة في اطار تلك الأوضاع-غير المساعدة-و اختار التعاون مع الوضع القائم، كما صرّح بذلك مرارا.

ففي احدى كتبه الى مالك الاشتر (الكتاب 62 من كتب النهج) يكتب (عليه السلام) : «فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام، يدعون الى محق دين محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فخشيت ان لم انصر الاسلام و اهله، أن ارى فيه ثلما أو هدما، تكون المصيبة به عليّ اعظم من فوت ولايتكم التي انما هي متاع ايام قلائل» (1) .

و بعد أن مضى الامام امير المؤمنين (عليه السلام) الى ربّه شهيدا، وضع ائمتنا الآخرون مصالح المسلمين العليا نصب اعينهم، و رجّحوا مصلحة المجتمعات الاسلامية على ما سواها، حتى بلغ بهم الايثار بالنفس و الفداء حدا دفعهم الى إبرام عهد الصلح مع معارضيهم و الغاصبين لحقهم، و قبلوا ولاية العهد، عسى ان تتاح لهم الفرصة لإحقاق الحق، أو أن لا يسمحوا-على الاقل-للبنيان الرسالي ان يهتزّ امام

____________

(1) يراجع نص ما كتبه مطهري في يادنامهء علامه اميني (بالفارسية) . مؤسسة الرسالة-قم ص 236-237.

32

العدوّ المشترك.

كانت التوجيهات الحاسمة و الصريحة التي أدلى بها ائمة الشيعة في تلك العصور، تؤشر على الطريق المهيع الواضح، و النهج السياسي و الاجتماعي، الذي اختاروه لشيعتهم في اطار ما يتلاءم مع ظروف تلك البرهة من الزمان.

و هذا هو التأريخ خير شاهد على ان شيعة صدر الاسلام لم ينقطعوا ابدا، و لا برهة، عن صفّ الاكثرية (الصف الاسلامي العام) في ممارسة النشاط الاجتماعي، بل مضوا بجد و مثابرة الى كل ما يخدم تقدم المسيرة الاسلامية بفاعلية، و كان لهم حضورهم في حروب الفتوحات، و شاركوا في الثورة على الانظمة الطاغوتية في عصرهم، و بذلوا في هذا السبيل الارواح و الاموال، و لم يتوانوا عن شي‏ء من التضحيات.

لم يكن قد ظهر في مجتمعات ذلك الزمان التضاد بين الباطن و الظاهر، و الازدواج بين الفكر و العمل، بالشكل الذي يتجلى فيه اليوم، و نراه رأي العين في مجتمعاتنا-و ذلك اثر جهل بعضهم ممن يؤثر التضحية بالمبدإ لحساب المصالح الشخصية-و بالتالي لم يأخذ أتباع الائمة و اولياؤهم المخلصون، التشيّع مغنما و وسيلة للارتزاق، بحيث يدفعهم ذلك للتخلف عن تعاليم الامام!

فحينما يدعو الامام الصادق (عليه السلام) الشيعة الى الاندماج مع بقية المسلمين، و المساهمة في النشاط العام، و عدم التخلف عن المسار الكلي الذي ينتظم المسلمين، ألا يكون التخلف عن ذلك، و التعلل بالأهواء و الفهم المنحرف، سوى مخالفة لحكم اللّه و رسوله؟

جاءنا في الاثر أنّ احدهم سأل الامام (عليه السلام) بما نصّه‏: كيف ينبغي

33

لنا أن نصنع فيما بيننا و بين قومنا، و بين خلطائنا من الناس، ممّن ليسوا على أمرنا؟ قال: «تنظرون الى ائمتكم الذين تقتدون بهم، فتصنعون ما يصنعون، فو اللّه انهم ليعودون مرضاهم، و يشهدون جنائزهم، و يقيمون الشهادة لهم و عليهم، و يؤدّون الامانة إليهم... » (1) .

هناك اذن فرق بين الشيعة-بمعنى اتباع الامام-و بين الشيعة كحرفة و تكسب!

الشيعي الحقيقي لا يضحي ابدا بالمبدإ لحساب مصلحته الخاصة، و لا يركب الوسيلة غير المشروعة، لبلوغ ما يريد بعد ان يسبغ عليها لونا من الشرعية.

الشيعي الواقعي هو الذي يحافظ ابدا على خصوصية اصول ثقافته في مقابل شيعة آل ابي سفيان.. و هو الذي يعكس بسلوكه الذكر الحسن لائمته، و يجعل القلوب تنبض بهذه الذكرى و تحافظ عليها حيّة.. و هو الذي يسعى لكي يبقى علم التشيّع الاحمر يهتز عاليا خفاقا حتى ظهور المهدي (عجل اللّه فرجه) .

اجل، ان الشيعي الذي يوالي عليا حقا، لا يضحي بالحقيقة، و لا يئدها على مذبح ما يهواه عوام الناس. و اذا قدّر له ان يسبح ضدّ التيار، فهو يفعل ذلك دون أن يخشى الغرق... اذ لا شرف اسمى من الموت في طريق نهج علي (عليه السلام) و مدرسته.

و شيعي مثل هذا، لا يسمح لنفسه ابدا، أن يهوي اخلاقيا الى منحدر سحيق، فيلجأ الى لغة الشتيمة و يحتمي بالافتراء و الكلمات الفاحشة، يرمي بها من يستمد

____________

(1) اصول الكافي، ج 2 ص 636، كتاب العشرة.

34

من نهج علي و يسير على دربه، يكيل إليه الافتراء و يبهته بالتهمة.. و يرفع حراب التشهير و التسقيط دون مروءة ضدّ الذين يستمدون في عصرنا هذا، من ابي ذر نهجه و صدقه، فيستبقون غيرهم من الناس في تشخيص الامور و دركها، حتى لتكون هذه الحرب التي يواجه بها هؤلاء المستمدون من علي و ابي ذر نهجهما، أشدّ مما تكون -في حدّتها و قسوتها و بشاعة تنمرها-على النواصب و الخوارج!

هذه واقعة صفين أمامنا، و هذا امير المؤمنين يرى اهل الشام يبادرونه بالشتم و السباب، فما يكون منه (صلوات اللّه و سلامه عليه) الا ان يمنع اصحابه من التعرّض لهم بالمثل، اذ يقول: اني اكره لكم ان تكونوا سبابين، و لكنكم لو وصفتم أعمالهم، و ذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، و أبلغ في العذر، و قلتم مكان سبكم اياهم: اللهم احقن دماءنا و دماءهم، و أصلح ذات بيننا و بينهم، و اهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، و يرعوي عن الغيّ و العدوان من لهج به‏ (1) .

و الآن هل يليق بالانسان و هو يعلن انتسابه الى الشيعة ان يمر على هذا النهج بما ينطوي عليه من تعاليم-في التعامل مع المخالف-فيبادر الى تحطيم من يختلف معه بالرأي، و ينزل عليه بأقذع التهم و البذاءات؟

ثم لنا ان نجدّد السؤال، و نقول: ما العمل، و ما هي الوظيفة التي يجب ان ينهض بها المشايعون الصادقون لعلي و آل علي، في عصر لا يملك فيه الاعداء-أو المخالفون الجهلة-الا لغة الشتيمة و السباب يسوّدون بها صفحات كتبهم و مجلاتهم، و هم يملئون الجو ضجيجا، و يسوقون ضروب التهم الواهية الى الشيعة،

____________

(1) نهج البلاغة، ص 323.

35

من قبيل نسبتهم الى الاسرائيليات، و الى اسطورة عبد اللّه بن سبأ!

لا ريب ان الشتيمة و السباب لا يليقان لغة بمقام هذه الفئة التي اراد لها مولاها ان تنزّه افواهها عن هذا المنحدر الهابط، كما أراد لها الامام الصادق أن يكون من شأنها انها تعكس في اعمالها و سلوكها القدوة المثلى، حتى تشهد الدنيا ايّ اناس هم اولئك الذين تربوا في مدرسة اهل البيت عليهم السلام.

يقول الامام الصادق (سلام اللّه عليه) في حديث آخر يوصي به شيعته بعد أن يقرئهم السلام: صلوا عشائرهم، و اشهدوا جنائزهم، و عودوا مرضاهم، و أدّوا حقوقهم، فان الرجل منكم اذا ورع في دينه، و صدق الحديث، و أدّى الامانة، و حسن خلقه مع الناس، قيل: هذا جعفريّ، فيسرّني ذلك و يدخل علي منه السرور، و قيل:

هذا ادب جعفر. و اذا كان على غير ذلك، دخل علي بلاؤه و عاره، و قيل: هذا أدب جعفر (1) .

و لكن يطرح، بإزاء هذا النهج، السؤال التالي:

في ظلّ هذا النهج الذي يطفح بالسلام و الانسانية، ما هو واجبنا، و كيف ينبغي لنا ان نتصرف ازاء اشخاص من قماش ابن تيمية و أحمد أمين و موسى جار اللّه و محمد ثابت و محب الدين الخطيب و عبد اللّه بن باز و ابراهيم الجبهان و ابراهيم علي شعوط و من يقع على شاكلتهم؟

لا ريب ان سموم هؤلاء و أمثالهم-في الماضي و الحاضر-و أغراضهم البليدة الملوّثة، هي الباعث الذي جعل عوام اهل السنة ينسبون الى الشيعة أبشع الصفات

____________

(1) اصول الكافي، ج 2، باب العشرة، ص 636.

36

و أفضعها مما يخرج بهم عن صفة الانسانية! (1) في حين ذهبت مجموعة اخرى منهم لرمي الشيعة بالشرك أو الغلو، حتى راح الشقّ يتّسع في المجتمع الاسلامي الشيعي-السني، و تزداد الفاصلة بين الاثنين اكثر فأكثر، بحيث باتت تواجهنا احيانا اسئلة من قبيل: و هل قرآن الشيعة هو مثل قرآن السنة؟

و في النتيجة آل الامر الى ان يستغل الاستعمار و أياديه هذه الفرقة، و يسعّر نارها اكثر فاكثر كي تكون له السيطرة دائما.

اجل، ليس ثمة من يشك بوجود مثل هذه الاوضاع، بيد انّ السؤال الذي يبقى يفرض نفسه، هو: ما العمل؟

الذي نعتقده أنّه-بدلا من ان نسلك نهج الردّ بالمثل-علينا ان نفكر بعمل جذري اساسي يتيح لنا فرصة نشر الحقائق و بيانها بلغات مختلفة، و على مستوى عالمي، و ذلك بالاعتماد على رؤية علمية كاملة للتشيّع، تتوسل التحقيق العلمي و التأريخي الذي يعكس التشيّع على حقيقته و كما هو، لا كما هو عليه عند بعض العوام، و كما يفهمونه.

نحن نعتقد انّ هذا الاسلوب يمكّننا الى حد بعيد من وضع حد للسفسطة المغرضة التي تهدف الى دقّ أسفين الفرقة بين الصف الاسلامي الذي يعتقد بأصول واحدة.

حقا؛ لما ذا يلجأ الانسان الى لغة الشتيمة و السباب، اذا كان يعتقد بصحة منطقه، و يؤمن بأحقّية مذهبه؟و لما ذا يتوسّل بممارسات صبيانية تافهة لا تليق

____________

(1) تراجع مقدمة: اصل الشيعة و اصولها، للمرحوم كاشف الغطاء، لملاحظة بعض ما يقال عن الشيعة و ينسب إليها.

37

بمقام الانسان الشيعي، ليعطي بذلك الذريعة الى اعدائه، فيقلبون الحقائق و ينسبون الشيعة جميعهم الى عبد اللّه بن سبأ الشخصية اليهودية الموهومة؟

لا نشك في انّ مشاركتنا في الملتقيات الاسلامية و المبادرة الى تشكيل المؤتمرات على مستوى كبار علماء المذاهب الاسلامية، و إصدار الكتب النافعة و المجلات المفيدة بلغات مختلفة، هي مما يساعد على بلوغ الهدف الذي ننشده بشكل افضل، في حين تلعب الجهود المبذولة في طريق تنشيط دور مؤسسة التقريب بين المذاهب الاسلامية دورا مؤثرا في هذا المضمار.

و على هذا الصعيد تعدّ عملية تأسيس دار التقريب بين المذاهب الاسلامية، التي بادر إليها في القاهرة احد علماء و مفكري الشيعة الكبار الشيخ محمد تقي القمي، واحدة من أبرز المشاريع الاساسية التي يمكن ان يكون لها دور مهم في التعريف بالشيعة على مستوى عالمي، خصوصا و انّ ما يساعد في ذلك انّ هذه الدار أنشئت الى جوار الازهر، المؤسسة الاساسية لاخواننا اهل السنة.

لقد كنّا منذ عشرين سنة تقريبا، و حتى قبل أن تصدر الفتوى التأريخية للشيخ محمود شلتوت في جواز التعبّد بالمذهب الجعفري، ثابتين على نهجنا هذا، في الدفاع المنطقي المتين عن التقريب بين المذاهب الاسلامية، و لا زلنا نتمسك بهذه الدعوة؛ تشهد على ذلك اعمالنا في مختلف المطبوعات و النشرات الدينية التي اصدرناها أو ساهمنا بها وقتئذ (1) .

بديهي انّ التقريب بنظرنا يعني المعرفة الصحيحة لاصول التشيع، و للعقائد

____________

(1) من قبيل نشرات: نداي حق، نور دانش، مكتب اسلام، مكتب تشيّع و معارف جعفري (بالفارسية) .

38

الواقعية لاهل السنة، و لا يعني الميل الى مذهب آخر.

بعبارة أوضح: لا يعني التقريب و الحرص على الوحدة و الاخوة الاسلامية، التخلّي عن اصول عقائدنا. كلا و ابدا. فمثل هذا الفهم هو ضرب من السفسطة و المغالطة. و انما يعني التقريب الثبات على اصول عقائدنا و الحفاظ عليها، و السعي من اجل بيانها و الدعوة إليها منطقيا و بأسلوب صحيح، بعيدا عن تحريك العواطف و إثارة ردود الفعل السلبية.

طبيعي انّ لغة الشتيمة و البذاءة في الكتاب و المجلة و المنبر تستدعي ردّ فعل من سنخها. بيد انّا لو فكّرنا بشكل منطقي سليم، لما أعطينا الذريعة للآخرين و لأبناء الحق كما هو.

فاذا كان الباحث سليما معافى من الضعف و العجز العلمي، يمّم وجهه في البحث نحو المعرفة المنطقية. و في البحث المنطقي السليم لا يختار الباحث ابدا، أن يسعى وراء «الشذوذات» و يتشبّث بالاسرائيليات التي تطفح بها كتب المذهب الذي يختلف معه، خصوصا و انّ مثل هذه الاسرائيليات يمكن العثور عليها في كلّ مكان. و انما يختار ان يعود الى كتب الفريق الذي يختلف معه، و يتوفر على دراسة المسائل المعتنى بها، برؤية علمية تحليلية كاملة، تسوقه الى الحكم الصحيح.

هذا هو المفهوم الواقعي للتقريب.

بيد انّ الذي يؤسى له حقا، هو انّ البعض يستند الى روحية اثارة العوام و تحريضهم، كما حصل في زمان المرحوم آية اللّه البروجردي، حيث راح هذا البعض يصف مراسلات المرحوم البروجردي مع الشيخ شلتوت، على انها ضرب من التراجع، دون ان ينتبه ان هذه المراسلات هي التي اثمرت في نهاية المطاف‏

39

الفتوى التاريخية لشيخ الازهر حول الشيعة.

لقد حاول المتلبسون بروح التحريض من السطحيين الذين يفتقرون للاستقلال الفكري، ان يصوّروا المدافعين عن التقريب بالنهج المنطقي، انهم يعكسون ضربا من التسنّن. الا ان وجود رجال كبار من الشخصيات الشيعية في طليعة الركب، حال دون نجاح هذا المسعى، و اسقط بيد أهله.

فمن بين الشخصيات الكبيرة التي اشتهرت بمسعى الدفاع عن فكرة التقريب تبرز اسماء من قبيل آية اللّه البروجردي و آية اللّه الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، و العلامة المظفر، و العلامة السيد شرف الدين، و العلامة السيد محسن الامين العاملي.

و يمكن ان نسجّل في هذا المضمار، ان قضية التقريب بين المذاهب الاسلامية، تألّقت في الافق الاسلامي عامة، بعد النهضة الاصلاحية التوحيدية التي تظافرت عليها جهود المجاهد الشيعي المثابر السيد جمال الدين الأسدآبادي [المشهور بالافغاني‏]و العالم الازهري المتنوّر الشيخ محمد عبده، حيث استطاعت ان تحقق بدعم كبار مراجع الشيعة و الشخصيات السنية المنفتحة انعطافة حاسمة في تأريخ العلاقات بين المسلمين، و ان تصيب موجات التعصّب الجاهلي بضربات في الصميم، و تحقق مكاسب في هذا السبيل.

يكتب العلامة السيد الطباطبائي في هذا المضمار:

«ليس ثمة شك في رجحان الاتحاد أو التقريب الاسلامي، من وجهة نظر العقل و المنطق. طبيعي ان عوامل التفرقة عملت ما استطاعت في فصل هاتين الطائفتين الاسلاميتين الكبيرتين عن بعضهما، و لكن علينا ان نتذكر دائما انّ اختلافهما هو في‏

40

الفروع، و ليس ثمّ اختلاف بينهما في الاصول، بل هما متفقتان في فروع الدين الضرورية من قبيل الصلاة و الصوم و الحج و الجهاد و غير ذلك، و الجميع يجتمعون على قرآن واحد و قبلة واحدة.

تأسيسا على هذا الاصل، نجد ان شيعة الصدر الاول لم يعتزلوا ابدا صفّ الاكثرية، و لم يبخلوا بمساهماتهم مع عامة المسلمين في تقويم المسار الاسلامي العام، بل بذلوا الجهد و النصيحة في هذا السبيل.

و الآن على المسلمين أيضا، ان يعودوا الى انفسهم، آخذين بنظر الاعتبار اتفاقهم على اصول الاسلام؛ و ما تجرعوه من ضغوط في هذه الفترة من قبل العناصر الخارجية. عليهم ان يكونوا في صف واحد، و أن يتخلوا عن التفرقة العملية. و ينبغي للمسلمين في الوقت نفسه، ان يثبتوا هذه الحقيقة في العمل، قبل ان يكتشفها الآخرون و يسجلوها في كتبهم بعنوان كونها حقيقة تأريخية.

من حسن الحظ، انّ العالم الاسلامي بدأ ينتبه الى هذه الحقيقة رويدا رويدا، و لم يأت تأييد مراجع الشيعة لفكرة التقريب بين المذاهب الاسلامية الا ناظرا لهذه الجهة بالذات، كما حصل الامر نفسه لشيخ الازهر، الشيخ الجليل محمود شلتوت، الذي عبّر عن هذه الحقيقة بمنتهى الصراحة، و أعلن للعالم أجمع الاتفاق الديني الكامل بين الشيعة و السنة.

و ليس للشيعة الا ان يلتزموا جانب التقدير و الثناء لهذا الرجل الكبير، و يقدروا له مبادرته النزيهة.

نسأل اللّه (سبحانه) ان يهدي المغرضين و يصلح المفسدين، و ان يوفق‏

41

المسلمين للاتحاد العملي، كي يعود عليهم مجدهم السالف و عظمتهم الآفلة» .

لا نملك الا ان نؤمن على دعاء الاستاذ متمنين من صميم قلوبنا، ان ينفتح قصّار النظر و ذوو المصالح، على الساحة من حولهم، لينتبهوا الى المؤامرات الواسعة التي يحوكها اعداء الاسلام، و يتلمسوا، باحساس عميق، المخاطر الكبيرة، فيبذلوا جهودهم في طريق الوحدة و سبيل التقريب.

لقد ساند العلامة المرحوم الشيخ عبد الحسين الاميني، الوحدة الاسلامية كأصل، و أعلن في كتابه القيم صراحة، ان البحث العلمي و الكلامي لا يمكن ان يكون-و لا يجب ان يكون-عائقا يبعث على الخلل في مسار الوحدة.

لذلك تراه يكتب في مقدمة المجلد الخامس من الغدير ما نصّه:

«و ان الآراء و المعتقدات في المبادئ و المذاهب حرة، لا تفصم عرى الاخوة القويمة التي جاء بها الكتاب «انما المؤمنون اخوة» و لو بلغ الحوار فيها بين اولئك الاخوان أشدّه، و قام الحجاج و الجدال على ساقيهما، جريا على سيرة السلف، و في مقدمتهم الصحابة و التابعون لهم باحسان.

نحن المؤلفون في اقطار الدنيا و ارجاء العالم الاسلامي على اختلاف آرائنا في المبادئ و تشتّتنا في الفروع، يجمعنا اصل قويم، و ايمان باللّه و رسوله. تجمعنا روح واحدة، و نزعة دينية منزهة عن الاهواء الباطلة، تجمعنا كلمة الاخلاص و التوحيد.

نحن المؤلفون نعيش تحت راية الحق، تحت لواء الاسلام، تحت قيادة الكتاب و رسالة النبي العربي الاقدس. نداؤنا «ان الدين عند اللّه الاسلام» و شعارنا «لا إله الا اللّه.

محمد رسول اللّه. الا نحن حزب اللّه و حماة دينه» . غ

42

خطوة على الطريق‏

بعد المقدمات المشار إليها آنفا، نصل الى الكتاب الذي بين ايدينا، اذ نعتقد انه جهد صادق في هذا السبيل. و الذي نراه أن نشره لا يساهم في تعريف التشيع الى العالم السنّي و حسب، و انما يغذّي أيضا تطلّعات الانسان المعاصر و لهفته الى هذا الضرب من المعرفة. و هو بذلك يتيح الفرصة لذوي الانصاف، لأن يميّزوا بيننا و بين من يثير الضجيج، و يحكموا على بينة و بوضوح.

و بذلك يعدّ هذا الكتاب خطوة كبيرة في تعريف التشيّع و التعرّف على الشيعة، تستند الى المصادر الاصيلة التي لا مجال لإنكارها، خصوصا و أنّ اغلبها هو من كتب الاخوة اهل السنة انفسهم.

اذا شئنا ان نمدّ جسور التفاهم و نقتلع الاسواء و الظنون التي لا داعي لها، و نطفئ امواج الدعاية المضادة المتلفعة بالمقاصد الفاسدة، علينا ان نفتح ابدا، باب البحث و التحقيق العلمي. فبذل الجهود في هذا المجال يفسد على الآخرين المتربصين فرصتهم في بثّ الاباطيل، و النيل من الوحدة الاسلامية، و لا يسمح في الوقت نفسه للبعض، بوضع الاحاديث على طراز نهج شيخ المضيرة، ليرمي الشيعة في قرن العلم و التكنولوجيا بالانتساب الى ابن سبأ الموهوم، أو أن يزعم ان التشيّع صنيعة آل بويه، أو يرمي الشيعة بالشرك لسجودهم على التراب، و ينعتهم، بالغلو المساوق للكفر، لحبّهم اهل البيت (عليهم السلام) .

ان التشيّع الصادق لعلي (عليه السلام) يدعونا الى ان نلج هذا الطريق الذي يتسم بالجذرية، و يعد اكثر الطرق نجاعة و منطقية. بل الواجب ان نحوّله الى مسار

43

كلي و منهج عام، نخطط في ضوئه نشاطنا المستقبلي، و نسعى بصدق لبذل الجهود في سبيله، من دون ان نهاب تهم العدو و افتراءاته أو نخشى الاصدقاء الجهلة.

يبقى ان نذكر ان هذا الكتاب طبع للمرة الاولى سنة 1960، و ها نحن نقدمه في طبعة ثالثة مزيدة و منقحة، تتفوق على الاولى بدقة العبارة و إتقانها، و ببعض الاصلاحات و الاضافات.

يتألف الكتاب من متن و هوامش توضيحية. فالمتن هو نصّ الحوار و المراسلات التي جرت بين العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي و البروفسور هنري كوربان سنة 1959. أما الهوامش التوضيحية؛ فإن ما يتعلق بالاستدلال بالآيات كما حصل في الهوامش رقم 1، 2، 99، 120 مثلا هي من الاستاذ المؤلف، في حين قمنا مع زميلنا المحقق الشيخ علي احمدي ميانجي بوضع بقية الهوامش و التوضيحات، و تنظيمها من خلال الرجوع الى اكثر من (250) كتابا من كتب السنة و الشيعة.

غاية ما نتمناه، ان نكون قد قدمنا بهذا العمل، هدية ثمينة الى اتباع الحق و مؤيديه.

اخيرا، سنقدم في القريب العاجل-ان شاء اللّه-القسم الثاني من الحوار، في كتاب يصدر بعنوان «رسالة التشيّع في العالم المعاصر» .

السيد هادي خسروشاهي مدينة قم-رمضان المبارك 1397 هـ.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

مقدمة المؤلف‏

باسم اللّه الاحد

ارى قبل كلّ شي‏ء ان أتوجّه بمراتب الشكر و التقدير الى ساحة مجموعة من الاساتذة الافاضل، ممّن أفدت من مقامهم العلمي في هذا الحوار، أخصّ بالذات حضرات الاساتذة المحترمين في جامعة طهران: الدكتور جزائري و المهندس بازرگان و الدكتور معين و الدكتور نصر.

كما أتوجّه بالشكر و الثناء الصميمي لزميليّ العالمين الشيخ علي احمدي و السيد هادي خسروشاهي، اللذين تجشما عناء كبيرا في كتابة الهوامش التوضيحية و تنظيم المصادر التأريخية و الروائية ذات الصلة بأبحاث الكتاب، و توفرا بذلك على تقديم معلومات ثمينة الحقت بالكتاب.

سنحت لي في خريف العام الماضي-سنة 1958 م-فرصة تجديد اللقاء بثلة من اصدقائي الصميميين، و ذلك خلال الايام القليلة التي امضيتها في طهران لقضاء بعض الاعمال الضرورية.

و في احد ايام مكوثي في طهران، أبدى لي الاستاذ الكريم الدكتور جزائري (الاستاذ الجامعي و وزير الثقافة الاسبق) في حديث جرى بيننا، رغبة استاذ

46

الفلسفة في جامعتي السوربون (فرنسا) و طهران، و رئيس المعهد الفرنسي- الايراني، الدكتور هنري كوربان احد المستشرقين الفرنسيين المعروفين، و المختص بالدراسات الايرانية، بلقائي.

و في الحقيقة كنت انا أيضا في شوق عظيم للقائه، لما سمعته عنه من فضائل اخلاقية، و لما يتحلى به من مثابرة علمية قلّ نظيرها. لذلك استجبت للدعوة.

بعد عدة ليال، تم اللقاء فعلا في بيت الدكتور جزائري، وسط اجواء دافئة مفعمة بالصميمية.

لقد تم اللقاء على عجل، و خلال وقت قصير، حيث كان الدكتور كوربان على اهبة السفر لمغادرة طهران الى باريس، و لكنه مع ذلك أرسى قاعدة الصداقة بين الطرفين، و كان من ثماره الوقوف بشكل عام على نتائج البحوث العلمية و النشاطات العملية التي بذلها الاستاذ كوربان، دون كلل.

لقد ذكر الدكتور كوربان ان ما جناه المستشرقون حتى الآن، من معلومات علمية عن الاسلام اقتصر على مصادر اهل السنة و لم يتجاوزها، تستوي في ذلك البحوث التي انجزها هؤلاء على الكتب و الآثار الاسلامية، و اللقاءات التي تمّت لهم مع علماء الاسلام، اذ تمّت هي الاخرى في محيط سنّي، بحيث لم ينفتح المستشرقون على غير هذا المحيط فيما يحفل به من مصادر و رجال. بل نراهم عادوا الى مصادر اهل السنة و علمائهم في تشخيص المذاهب الاسلامية المختلفة، و معرفة الاصول و المباني التي تقوم عليها، و لم يتعدوها الى غيرها من النظريات.

و اذا قدّر احيانا لمستشرق ان يزور ايران مثلا، نراه لا يكترث بمعرفة الحقائق ذات الصلة بالتشيّع، بسبب ما لديه من معطيات عن الموضوع تكوّنت لديه‏

47

من خلال الآخرين، بل يكتفي بدراسة المذهب من خلال اطاره الاجتماعي و الوضع العام الذي يعكسه المنتمون إليه، من عامة الناس، و يقنع بمعلومات يكسبها من خلال اشخاص غير مطّلعين لا يعبأ بهم!

و كان من مآل ذلك ان لا تتوفر للتشيّع نافذة يعرف بها في الغرب، كما ينبغي و كما هو اهله، خصوصا و ان عيون الغربيين لا تتوجه في هذا المضمار الا الى افواه المستشرقين، الذين يأخذون معلوماتهم عن التشيّع، من الآخرين!

و اذا قدّر لباحث اوربي ان يذعن للاسلام بسهم من الواقعية، فهي تتمثل بنظره بما يعكسه التسنّن و حسب. و اذا قدر للاسلام أن يكسب له موقعا في ظلال المجتمع العلمي لبني الانسان، فهو يكسبه نتيجة مساعي علماء السنة و مجاهداتهم في هذا المضمار.

اما الفلسفة الاسلامية-اضاف الاستاذ كوربان-فهي تلك التي ختمت مع ابن رشد الاندلسي و لا غير!

بيد اني اعتقد-قال الاستاذ كوربان مضيفا-خلافا لما يذهب إليه اجماع المستشرقين، ان التشيّع هو مذهب حقيقي اصيل و ثابت، يتحلى بمعالم محدّدة تليق بمذهب واقعي. و ما سوى ذلك مما غذّى به المستشرقون السابقون ذهنية العالم الغربي‏[عن الاسلام و التشيّع‏]لا تعدو ان تكون اشياء لا اساس و لا محتوى لها من الثقافة و الفكر.

ما تحصّل لي من خلال مطالعاتي و بحوثي العلمية-كوني مستشرقا مسيحيا بروتستانيا-انّه يجب النظر الى حقائق الاسلام و معنوياته من خلال الشيعة، الذين يتحلون برؤية واقعية للاسلام.

48

و اذا كان الهدف الذي اخذه الاسلام على عاتقه، هو سوق الانسانية نحو عالم المعنى و ايصالهم الى الهدف الحقيقي الاسمى الذي ينشده الدين الواقعي، فان ما يظهر من مشكلات على هذا الطريق، يجب ان يحل من خلال اصول الشيعة و مبانيهم، و طريقة هذه الطائفة في التفكير.

من هذه الجهة بذلت جهودي، على قدر ما استطيع، لتعريف العالم الغربي بمذهب التشيّع على النحو الذي يليق به، و يتسق مع واقعية هذا المذهب، و سأبقى أبذل الجهود في هذا الطريق.

لذلك، لي رغبة كبيرة للاتصال بعلماء الشيعة و مفكريهم، و توثيق العرى معهم عن قرب، كي أتعرّف على طراز تفكيرهم، و أدرس أصول مذهبهم و مبانيه، و استمدّ منهم العون الفكري، و استوضح ما ينطوي عليه التشيع من معنويات، كي امضي الى هدفي على بصيرة أوضح.

مضى الدكتور كوربان بعد ذلك لبيان الجهود التي بذلها في تنقيح و نشر كتب الشيخ السهروردي، مؤسس حكمة الاشراق في الاسلام، و ذكر لمعا من نشاطه في المؤتمر الذي احتضنته الجامعة حول المدرسة الفلسفية للميرداماد، و المدرسة الفلسفية لصدر المتألهين الشيرازي، مشيدا بمدرسة الاخير على نحو خاص من الثناء و التقدير.

و هكذا انتهى اللقاء الاول بالبحث في اطار المسائل المشار إليها آنفا. ثم تجدد اللقاء في هذا العام، حيث كان كاتب هذه السطور قد أنهى العطلة الصيفية في مصيف اطراف دماوند، و حينما أراد العودة الى مدينة قم، توقف عدّة ايام في طهران، حيث عقدت جلسة الحوار الثاني ليلة 16/مهر/1338 هـ. ش، امضاء

49

لموعد سابق متّفق عليه. و قد سادت اجواء الجلسة ظلال الود و الصداقة.

في الحوار الثاني واصل الدكتور كوربان الحديث الذي كان بدئ في الجلسة الاولى، و اشار خلال ذلك الى انه عقد في جنيف، حين كان في اوربا هذا العام، ندوة عن موضوع «الامام المنتظر» طبقا لعقيدة الشيعة. و قد اتسم الموضوع بالنسبة للاساتذة الاوروبيين بالجدّية الكاملة.

اضاف الدكتور كوربان:

في عقيدتي انّ التشيّع هو المذهب الوحيد الذي حفظ بشكل مستمر، رابطة الهداية بين اللّه و الخلق، و علقة الولاية، حيّة الى الابد. فاليهودية أنهت العلاقة الواقعية بين اللّه و العالم الانساني، في شخص النبي موسى (عليه السلام) ، ثم لم تذعن بعدئذ بنبوة السيد المسيح و النبي محمد[صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏]فقطعت الرابطة المذكورة.

و المسيحية توقفت بالعلاقة عند السيد المسيح (عليه السلام) .

اما اهل السنة من المسلمين فقد توقفوا بالعلاقة المذكورة عند النبي محمد.

و باختتام النبوة به لم يعد ثمة استمرار في رابطة العلاقة[في مستوى الولاية]بين الخالق و الخلق.

التشيّع يبقى هو المذهب الوحيد الذي آمن بختم نبوة محمد[صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏]و آمن في الوقت نفسه بالولاية-و هي العلاقة التي تستكمل خطّ الهداية، و تسير به بعد النبي-و أبقى عليها حيّة الى الابد.

لقد ظلّت العلاقة التي تكشف اتصال العالم الانساني بالعالم الالوهي، حيّة من خلال الدعوات الدينية التي سبقت موسى، و استمرت مع دعوات موسى‏

50

و عيسى و محمّد[صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏]ثم لم تتوقف مع النبي، بل استمرت من بعده بواسطة الولاية و عبر أوصيائه (بحسب عقيدة الشيعة) و ستبقى حيّة.

إنّه حقيقة حيّة[يقصد الامام المهدي-سلام اللّه عليه-آخر اوصياء النبي و الولي الحي الذي تستمر من خلاله هداية الولاية]لا يمكن ان نضعه ابدا من وجهة النظر العلمية في عداد الخرافات، أو نحذفه من قائمة الحقائق القائمة.

في عقيدتي: جميع الاديان حق، و هي تسعى وراء حقيقة حيّة، و تشترك جميعا في السعي لاثبات اصل وجود هذه الحقيقة الحيّة.

و لكن يبقى التشيّع وحده، هو المذهب الذي منح هذه الحقيقة لباس الدوام و الاستمرار.. بعقيدته؛ ان هذه الحقيقة ما بين العالم الانساني و الالوهي ثابتة دائما و باقية الى الابد.

-هذه هي رؤيتي. فهل تذهبون في هذا المجال الى ما أرى؟

سأل الدكتور كوربان.

أجاب كاتب السطور:

ما يمكن ان يقال من وجهة نظر الاسلام، ان نظرية اثبات الصانع، هي نظرية حقّة بين جميع الاديان السابقة، و هي من المشتركات فيما بينها. بيد ان الدين الذي ينطوي على القيمة الحقيقية للدين، و يستحق اسم الدين الالهي، هو فقط الذي يعبد فيه اللّه الاحد، و أثبت رابطة النبوة، و قال بعقيدة المعاد (اي ابتنى على الاصول الثلاثة: التوحيد، النبوة، و المعاد) و هذه المواصفات تنصرف الى الاديان الأربعة:

اليهودية و النصرانية و المجوسية و الاسلام.

و ما يليق بمركز الديانة الواقعية الحقة من لوازم الاحترام و التقدير، تمثّله‏

51

الاسلام في نظرته الى اليهودية و النصرانية. فقد آمن بنبوة الكليم و نبوة المسيح و نزّه ولادته، و صدق بكتابي شريعتهما.

كذلك ينظر الاسلام باحترام الى المجوسية، و هو يضع جميع هذه الاديان في نطاق المذاهب الالهية الحقة، التي نزلت من اللّه الى البشر تدريجا، و بعث بها (سبحانه) بحيث كان انتحالها، كلّ في زمانه و مرتبته، من الضرورات اللازمة للبشر.

اما بقية الاديان، فلا يرى الاسلام انها تستحق قيمة الدين الواقعي الذي يضمن السعادة الانسانية و يحقق للبشرية و يؤمّن لها منافع الدنيا و الآخرة، رغم انها تنطوي على نظريات واقعية حقة، من قبيل إثبات الصانع، و تحمل شيئا من الاخلاقيات و المعنويات القابلة للتصديق.

و في الوقت نفسه، يقوم معيار الاسلام على اساس الاعتقاد الحق و العمل الصالح، لا مجرد الانتماء الشكلي و الانتساب الصوري. 1 و من هذه الزاوية ينظر الاسلام بعين التسامح الى الاشخاص الذين لم يتوفروا على فهم العقائد الحقة و بقية المواد الدينية، و يطلق عليهم اسم المستضعفين. 2

يتشدّد الاسلام بحقّ الاشخاص الذين توفّرت لهم فرصة رؤية الحق و الوقوف على المعارف الدينية، ثم مالوا عنها و تنكبوا-بعد معرفة-عن صراطها السوي.

بهذه الاشارة انتهى الحوار في اللقاء الثاني. ثم كانت لقاءات أخر دار فيها الحديث، بالصيغة التي تمّ ضبطها في صفحات الكتاب.

محمد حسين الطباطبائي مدينة قم، 1959 م‏

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}