ليالي بيشاور

- سلطان الواعظين المزيد...
1191 /
3

مقدمة المترجم‏

جدير بنا أن نسمي عصرنا بعصر التفاهم و الحوار الحرّ.

لقد حان الوقت ليتصارح المسلمون بأمورهم العقائدية حتى يظهر الحق و تتوحّد كلمتهم عليه فإن الوحدة الإسلامية، أمنية جميع المسلمين.

و لأننا لمسنا أن التفرقة هي بغية أعدائهم، و هي الوسيلة التي استعملها أعداء الدين و المستعمرون لفرض سيطرتهم على البلاد الإسلامية، و نهب خيراتها و بث مبادي الكفر و الإلحاد و الضلال و الفساد بين أبناء الإسلام الحنيف.

و بما أن الوحدة الاسلامية ضرورة ملحّة، و هي لا تتم إلاّ بالصدق و الحوار الايجابي البنّاء بلا تعصّب و لا عناد مع تحكيم القرآن و العقل و الوجدان الحر، في اختيار أحسن القول، كما أمر بذلك ربّ العباد في قوله العزيز: فَبَشِّرْ عِبََادِ `اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (الزمر آية 18) .

فيلزم على المسلم الكامل و الإنسان العاقل، أن يكون بصيرا في أمر دينه، عالما بقضايا مذهبه، لا يقبل قولا و لا يتمسّك به إلاّ عن دليل و برهان، حتى يصبح في أمره على يقين و إيمان.

لأنّه إذا سلك طريقا و تمسّك بعقائد و مبادي بغير علم يسنده و لا دليل يعضده و برهان يرشده، فسيكون كمن أغمض عينيه و لزم طريقا طويلا يمشي فيه على أمل أن يوصله إلى مقصده و منزله، حتى إذا أصاب رأسه الحائط، فأبصر و فتح عينيه، فإنه سوف يرى نفسه بعيدا عن مقصده، تائها ضالا عن سواء الصراط.

فمن لم يحقق في الأمور الدينية و لم يدقّق في القضايا المذهبية، بل ذهب إلى مذهب آبائه و لزم سبيل أسلافه، فربما فتح عينيه بعد جهد طويل، فيرى نفسه تائها قد ضلّ السبيل.

4

و لذا عبّر اللّه العزيز الحكيم سبحانه عن هكذا إنسان بالأعمى فقال:

وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً (الإسراء 72)

و لإنقاذ المسلمين من العناد و التعامي أقدمت على تعريب هذا الكتاب القيّم من اللغة الفارسية إلى العربية، لعلّه يحقّق شيئا من هذا الهدف السامي. راجيا أن يترك في المسلمين أثرا ايجابيا، فيقرّب قلوبهم و يوحّد صفوفهم و كلمتهم، و يجمعهم على كلمة اللّه سبحانه بالحق و الصلاح، و السعادة و الفلاح.

و لقد أدركت مؤلّف هذا الكتاب المرحوم آية اللّه السيد محمد (سلطان الواعظين) و حضرت مجلسه و سمعت حديثه و مواعظه.

فلقد كان رحمة اللّه عليه رجلا ضخما في العلم و الجسم، ذا شيبة و هيبة، و كان جسيما و سيما ذا وجه منير، قلّ أن رأيت مثله، و كان آنذاك يناهز التسعين عاما من عمره الشريف، و لقد شاركت في تشييع جثمانه الطاهر في مدينة طهران، حيث عطّلت أسواق عاصمة ايران لوفاته و خرجت حشود عظيمة في مواكب عزاء حزينة و كئيبة، و رفعت الرايات و الأعلام السوداء معلنة ولائها و حبّها لذلك العالم الجليل و السيّد النبيل.

و لا أذكر تاريخ وفاته بالضبط، و لكن كان في العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري، و أشهد اللّه العزيز أني لما بدأت بتعريب هذا الكتاب رأيت ذلك السيد العظيم مرتين في الرؤيا، و كان مقبلا عليّ متبسّما ضاحكا في وجهي، و كأنه كان يشكرني على هذا العمل.

فأسأل اللّه تبارك و تعالى أن يتغمّده برحمته الواسعة و أن يتقبّل هذا المجهود منه و منّا و يجعله ذخيرة لآخرتنا و لكل من ساعد و سعى في نشر هذا الكتاب، إنه سميع الدعاء.

قم المقدسة.... حسين الموسوي 28 شوال 1419 هـ الموافق 14 فبراير 1999

5

بسم اللّه الرحمن الرحيم

المقدّمة

الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد رسوله المصطفى، و على آله الطيّبين الطاهرين.

و بعد:

إنّ هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم، هو الكتاب القيّم: «ليالي بيشاور» لمؤلّفه الكبير: سماحة آية اللّه السيّد محمد الموسوي، الملقّب بـ: (سلطان الواعظين الشيرازي) .

و قد كتب مقدّمة طويلة لكتابه استغرقت ما يقرب من مائة صفحة من كتابه القيّم هذا، تطرّق فيها إلى أهميّة التقارب بين المسلمين، و إلغاء الخلافات و الخصومات التي بثّها الأعداء في أوساطهم.

و حثّ فيها على الوحدة الإسلامية و الاخوّة الدينية التي ندب اللّه المسلمين إليها، و حرّض على الاعتصام بحبل اللّه الذي دعاهم القرآن للتمسّك به و الالتفاف حوله.

و حذّرهم عواقب التشتّت و التفرّق، و ذكّرهم اللّه من الوقوف بعيدا و الاكتفاء بالتفرّج، أو الابتعاد و الاشتغال-لا سمح اللّه-بقذف‏

6

بعضهم بعضا بما يسخط الرحمن و يؤذي حبيبه المصطفى، الذي بعثه تعالى رحمة للعالمين، و أرسله ليتمّ به مكارم الأخلاق، و معالي الشّيم و الفضائل الإنسانية، و جمع الناس على التوحيد.

و ندبهم إلى ما ندب إليه القرآن من التعارف فيما بينهم، قال تعالى: لِتَعََارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ (1) مرتئيا أنّ أفضل الطرق للتعارف هو: الحوار الحرّ، و النقاش العلمي البحت، و المناظرة المنطقية البعيدة عن كلّ تعصّب، و المجرّدة عن التقاليد و الأهواء، و من الخلفيات الشائنة.

و قد اشترك هو (قدّس سرّه) -بدعوة من أصدقائه و معارفه في بيشاور (2) -في مجالس المناظرة التي عقدت له بهذا الشأن، و التي اشترك فيها كبار علماء السّنّة المعاصرين له آنذاك، و قد استمرّت المناظرة ليالي عديدة استغرقت عشرة مجالس، نشرتها في حينها جرائد الهند و صحفها، و تلقّاها الناس بالقبول و الترحيب.

ثمّ وفّق المؤلّف-رحمه اللّه-إلى جمعها في هذا الكتاب: «ليالي بيشاور» و عرضها على الطالبين لتكميل الإفادة و الاستفادة، كما و حرّض القرّاء الكرام على قراءة الكتاب بدقّة، و طلب منهم مواصلة قراءته من الصفحة الاولى حتّى الصفحة الأخيرة، و ذلك لترابط البحث و تسلسله، حيث يؤدّي قطعه إلى ضياع الموضوع، و عدم الاستفادة الكاملة من البحث.

و لمّا كان الكتاب قد كتب باللغة الفارسية، و قد أجاز-قدّس سرّه-

____________

(1) سورة الحجرات، الآية 13.

(2) و هي على الحدود الباكستانية الأفغانية.

7

في المقدمة ترجمة الكتاب-ترجمة أمينة-إلى سائر اللغات، حاولنا ترجمته إلى اللّغة العربية، مساهمة منّا في هذه الخدمة الإنسانية النبيلة، بغية التوصّل إلى الحقّ، و التعرّف على الواقع و الحقيقة، و مشاركة منّا في ما دعانا إليه كتاب اللّه و سنّة رسوله الكريم و سيرة أهل بيته الطاهرين، من: التعارف و التقارب، و التوحيد و التآخي، و أخيرا نيل العزّة و السعادة في الدنيا، و النجاة و الفوز بالجنّة في الآخرة، إن شاء اللّه تعالى.

قال السيّد المؤلّف:

سافرت إلى العتبات المقدّسة في شهر ربيع الأوّل عام 1345 هـ، و كان لي من العمر ثلاثون سنة، فتشرّفت بزيارة مراقد الأئمّة الأطهار من آل النبي المختار (صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم) في العراق، و منها عزمت على السفر إلى الهند و باكستان بغية السفر منهما إلى خراسان و التشرّف بزيارة الإمام الرضا عليه السّلام، فوصلت-كراتشي- و هي مدينة ساحلية تعدّ من أهمّ الموانئ في المنطقة-.

و ما إن وصلت إليها حتّى انتشر خبر وصولي في أهمّ الصحف هناك، فجاءتني دعوات كثيرة من الإخوة المؤمنين الّذين كانت بيني و بينهم معرفة سابقة و مودّة قديمة، و كان لا بدّ لي من إجابة تلك الدعوات الكريمة، و إن كانت تستوجب منّي قطع مسافات بعيدة، و شدّ الرحال من مدينة إلى اخرى، و من بلد إلى آخر.

فواصلت سفري إلى مدينة بومبي، و هي-أيضا-من أكبر مدن الهند و أعظم الموانئ فيها، فاستقبلني المؤمنون الّذين دعوني إليها

8

و مكثت فيها ضيفا معزّزا بين أهلها ليالي و أيّاما.

ثمّ تابعت السفر إلى مدينة (دهلي) و منها إلى (آگره) و (لاهور) و (بنجاب) و (سيالكوت) و (كشمير) و (حيدرآباد) و (كويته) و غيرها...

و قد استقبلني كثير من الناس و عامة المؤمنين في هذه المدن بحرارة فائقة، فكانوا يرحّبون بقدومي و يحيّوني بهتافات و تحيّات على العادات و الرسوم الشعبية المتعارفة هناك.

و في أيّام وجودي في تلك المدن المهمّة التي سافرت إليها، كان العلماء من مختلف المذاهب و الأديان يزورونني في منزلي، و كنت أردّ لهم الزيارة في بيوتهم، و كان غالبا ما يدور بيني و بينهم محاورات دينية و مناظرات علمية مفيدة، كنت أتعرّف من خلالها على عقائدهم، و هم يتعرّفون على عقائدي.

و من أهمّ تلك المناقشات و المحاورات، حوار و نقاش دار بيني و بين البراهمة و العلماء الهندوس في مدينة (دهلي) ، و كان ذلك بحضور قائد الهند و محرّرها من الاستعمار الزعيم الوطني غاندي.

و كانت الصحف و المجلاّت تنشر-عبر مراسليها-كلّ ما يدور في المجلس من الحوار بالتفصيل، و بكلّ أمانة و صدق.

و كانت نتيجة تلك المناظرات أن ثبت الحقّ و زهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقا، فقد خرجت من الحوار منتصرا على المناظرين، و ذلك بالأدلّة العلمية و البراهين العقلية، حتّى ثبت للحاضرين في المجلس أنّ مذهب أهل البيت-الذي هو مذهب الشيعة الجعفرية الاثني عشرية-هو المذهب الحقّ، و أنّه أحقّ أن يتّبع، و أنا أقول مردّدا:

9

اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي هَدََانََا لِهََذََا وَ مََا كُنََّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لاََ أَنْ هَدََانَا اَللََّهُ (1) .

السفر إلى سيالكوت‏

ثمّ سافرت إلى مدينة (سيالكوت) بدعوة خاصّة من «الجمعية الاثني عشرية» التي كان يرأسها صديقي الوفي الاستاذ أبو بشير السيّد علي شاه النقوي، مدير مجلّة «درّ النجف» الاسبوعية.

و عند ما دخلت هذه المدينة لقيت استقبالا حافلا و تجمّعا من مختلف الطبقات، و من حسن الحظّ أنّي وجدت ضمن المستقبلين زميلا آخرا لي، كان وفيّا مشفقا، و هو الزعيم (محمّد سرورخان رسالدار) ابن المرحوم (رسالدار محمد أكرم خان) و أخ الكولونيل (محمد أفضل خان) و هو من كبار شخصيّات اسرة (قزلباش ) في ولاية (البنجاب) .

و تعود معرفتي بهذه الاسرة الكريمة إلى عام 1339 هـ في مدينة كربلاء المقدّسة، حيث كانوا قد تشرّفوا آنذاك بزيارة مراقد الأئمّة الأطهار من آل النبي المختار (صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين) و سكنوا فيها، كما كانت لهم مناصب حكومية مرموقة في ولاية البنجاب.

و كان (محمد سرور خان) هذا رئيس شرطة (سيالكوت) و كان أهل البلد يحبّونه و يحترمونه لشجاعته و حسن سيرته و ديانته.

فما أن رآني حتّى ضمّني إلى صدره، و رحّب بقدومي، و طلب منّي أن أحلّ ضيفا عنده و أنزل مدّة إقامتي-هناك-في بيته، فقبلت

____________

(1) سورة الاعراف، الآية 43.

10

دعوته و ذهبت معه، و شيّعني المستقبلون إلى ذلك البيت الرفيع.

و فور نزولي ضيفا هناك نشرت صحف ولاية (البنجاب) خبر وصولي إلى (سيالكوت) فكانت الوفود و الرسائل-رغم عزمي على السفر إلى إيران لزيارة الإمام الرضا عليه السّلام-تتسابق في دعوتي إلى زيارة بلادهم و مدنهم.

و أخصّ بالذكر سماحة حجّة الإسلام السيّد علي الرضوي اللاهوري، العالم الجليل، و المفسّر النبيل، صاحب تفسير «لوامع التنزيل» ذي الثلاثين مجلّدا، و كان يسكن مدينة لاهور، فدعاني بإلحاح منه و إصرار إلى هناك، فاستجبت لدعوته، و ذهبت ملبّيا طلبه.

كما و تلقّيت فيها أيضا دعوة كريمة من إخواني المؤمنين من اسرة قزلباش ، الّذين كانوا من شخصيّات و رجال الشيعة المعروفين في ولاية (البنجاب) ، و كانت دعوتهم لي لزيارة مدينة (بيشاور) و هي آخر مدينة حدودية مهمّة تربط ولاية البنجاب بأفغانستان.

و لمّا تلقّيت تلك الدعوة، ألحّ عليّ الزعيم (محمد سرور خان) -مضيّفي الكريم-بأن لا أردّ دعوة أفراد اسرته و رجال قومه من (بيشاور) و رجاني أن ألبّي دعوتهم و أذهب إليهم.

في بيشاور

ثمّ إنّي عزمت على الذهاب إلى بيشاور، فسافرت إليها في اليوم الرابع عشر من شهر رجب الحرام، و حين وردتها استقبلني أهلها استقبالا حافلا قلّ نظيره في تلك المدينة، و كان على رأس المستقبلين رجالات و وجهاء اسرة قزلباش .

11

و لمّا استقرّ بي المكان طلبوا منّي بإصرار أن أرتقي المنبر و أخطب فيهم، و لمّا لم أكن اجيد اللّغة الهندية، لم اوافق على ارتقاء المنبر، و لم أخطب طول سفري في الهند، رغم طلباتهم المتكرّرة.

و لكن لمّا كان أهالي مدينة بيشاور يجيدون اللغة الفارسية، و كان أكثرهم يتكلّم بها، حتّى كادت اللغة الفارسية أن تكون هي اللغة الدارجة فيها، لبّيت طلبهم و قبلت أن أخطب فيهم بالفارسية.

فكنت أرتقي المنبر وقت العصر في الحسينية التي أسّسها المرحوم (عادل بيك رسالدار) و كانت مؤسّسة ضخمة تتّسع لضم الجماهير الغفيرة من الناس، و كانت تمتلئ بالحاضرين، و هم ليسوا من الشيعة فحسب، بل فيهم كثير من أصحاب الأديان و المذاهب المختلفة -الإسلامية و غيرها-.

موضوع البحث‏

و لمّا كان أكثر أهالي بيشاور مسلمين، و من العامّة، و كانوا يحضرون في المجلس مع كثير من علمائهم و مشايخهم، جعلت موضوع البحث هو: الإمامة، فكنت أتكلم حول: «عقائد الشيعة» و ابيّن دلائل الشيعة العقلية و النقلية لإثباتها، و أذكر النقاشات، في المسائل الخلافية مع العامّة.

و على أثرها طلب منّي علماء السنّة و كبار شخصيّاتهم الّذين كانوا يحضرون البحث أن اجتمع بهم في لقاء خاصّ للإجابة عن إشكالاتهم، فرحّبت بهم و لبّيت طلبهم.

فكانوا يأتون في كلّ ليلة إلى البيت، و يدور البحث بيننا ساعات‏

12

طويلة حول المواضيع الخلافية من بحث الإمامة و غيرها.

من بركات المنبر

و في يوم من الأيّام عند نزولي من المنبر أخبرني بعض الحاضرين من أصدقائي بأنّ عالمين كبيرين من مشايخ العامة و هما: الحافظ محمد رشيد، و الشيخ عبد السّلام، و كانا من أشهر علماء الدين في (كابل) (1) -و من منطقة تدعى ضلع ملتان-قد قدما إلى بيشاور ليلتقيا بي و يشتركا مع بقية الحاضرين في الحوار الدائر فيما بيننا كلّ ليلة، و طلبوا مني السماح لهما.

فأبديت سروري و رضاي بهذا النبأ، و استقبلتهما بصدر منشرح و قلب منفتح، و رحّبت بقدومهما و جالستهما مع جماعة كبيرة من أصحابهما في ساعات كثيرة.

فكانوا يأتون بعد صلاة المغرب إلى المنزل الذي نزلت فيه للمناظرة، و ذلك لمدة عشر ليال متتالية، و كان الحوار و النقاش يدور حول المسائل الخلافية بيننا، و يطول إلى ستّ أو سبع ساعات، و ربّما كان البحث و الحوار يستمرّ بنا أحيانا إلى طلوع الفجر، كلّ ذلك بحضور شخصيات و رجال الفريقين في بيشاور.

و لمّا انتهينا من المحاورة و المناظرة في آخر ليلة من المجلس، أعلن ستّة من الحاضرين-من العامّة-تشيّعهم، و كانوا من الأعيان و الشخصيات المعروفة في المدينة.

و من حسن التقدير أنّه كان يحضر مجلسنا ما يقرب من مائتي

____________

(1) عاصمة أفغانستان.

غ

13

كاتب من الفريقين، إذ كانوا يشتركون مع الحاضرين في مجلس المناظرة للكتابة، فكانوا يكتبون المواضيع المطروحة، و يسجّلون الحوار و النقاش و ما يجري من مسائل و أجوبة و ردود و شبهات، بأقلام أمينة و عبارات وافية و جميلة.

و كان بالإضافة إلى أولئك الكتّاب، أربعة من الصحفيّين يكتبون أيضا ما يدور في المجلس بكلّ جزئيّاته، ثمّ ينشرون ما يدوّنونه من المناظرات و المناقشات في اليوم الثاني في الصحف و المجلاّت الصادرة هناك.

و يضيف المؤلّف-رحمه اللّه-بعد ذلك: بأنّه سيعرض على القارئ الكريم في هذا الكتاب الذي سمّاه: «ليالي بيشاور» ما نقلته تلك الصحف الرصينة، و سجّلته تلك الأقلام الأمينة، و ما سجّله هو بنفسه من نقاط مهمّة عن تلك الليالي و المجالس التاريخية القيّمة.

ثمّ يدعو اللّه العليّ القدير أن ينفع به المسلمين، و يجعله ذخيرة له في يوم الدين، و كان قد كتبه و فرغ من تأليفه في طهران.

العبد الفاني محمّد الموسوي «سلطان الواعظين الشيرازي»

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

المجلس الأول ليلة الجمعة 23/رجب/1345 هج

المكان: بيت المحسن الوجيه الميرزا يعقوب علي خان قزلباش (1) ، من الشخصيّات البارزة في بيشاور.

الابتداء: أوّل ساعة من الليل بعد صلاة المغرب.

افتتاحية المجلس: حضر المشايخ و العلماء، و هم:

____________

(1) كان البيت واسعا بحيث يسع للكثير من الناس، و كان صاحبه قد استعدّ لاستضافة الوافدين، و لذا كان المجلس ينعقد في كلّ ليلة و باستمرار في ذلك المكان، و كان صاحب البيت أيضا يقوم بواجبه تجاه الضيوف من: حسن الضيافة، و تكريم الحاضرين لترحيب بقدومهم، و تقديم الشاي و الفواكه و الحلوى لهم، و ذلك على أحسن وجه.

و قزلباش يعني: أحمر الرأس، و لقب «حمر الرءوس» كان يطلق على فوج خاصّ من جيش نادرشاه، سكنوا أفغانستان لمّا فتحها نادرشاه، و لمّا ضاقت الامور على الشيعة هناك هاجروا إلى الهند و انتشروا فيها، و هم من الشيعة الأقوياء في تشيّعهم حتّى اليوم.

16

الحافظ (1) محمد رشيد، و الشيخ عبد السلام، و السيّد عبد الحيّ، و غيرهم من العلماء، و عدد كبير من الشخصيّات و الرجال من مختلف الطبقات و الأصناف.

فرحّبت بهم و استقبلتهم بصدر منشرح و وجه منبسط، كما و رحّب بهم صاحب البيت و استقبلهم استقبالا حارّا، ثمّ أمر خدمه فقدّموا الشاي و الفواكه و الحلوى لجميع من حضر.

هذا، و لكنّ مشايخ القوم كانوا على عكس ما كنّا معهم، فقد رأينا الغضب في وجوههم، إذ إنّهم واجهونا في البداية بوجوه مقطّبة مكفهرّة، و كأنّهم جاءونا للمعاتبة لا للتفاهم و المناظرة.

أمّا أنا فكنت لا أبالي بهذه الامور، لأنّي لم أبتغ من وراء هذا اللّقاء هدفا شخصيا، و لم أحمل في نفسي عنادا و لا في صدري تعصّبا أعمى ضدّ أحد، و إنّما كان هدفي أن أوضّح الحقّ و أبيّن الحقيقة.

و لذلك لم أتجاوز عما كان يجب عليّ من المعاملة الحسنة، فقابلتهم بالبشر و الابتسامة، و الترحيب و التكريم، و طلبت منهم أن يبدءوا بالكلام بشرط أن يكون المتكلّم شخصا معيّنا عن الجماعة حتّى لا يضيع الوقت، و لا يفوت الغرض الذي اجتمعنا من أجله.

فوافقني القوم على ذلك و عيّنوا من بينهم الحافظ محمد رشيد ليتكلّم نيابة عنهم، و ربّما خاض الآخرون-أحيانا-في البحث و لكن مع إذن مسبق.

____________

(1) الحافظ: يطلق على من حفظ القرآن و حفظ سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من علماء العامة، أو الخاصة، أو على من حفظ مائة ألف حديث متنا و إسنادا.

17

بدء المناظرة

بهذا أخذ المجلس طابعه الرسمي، و بدأت المناظرات بيني و بينهم بكلّ جدّ و موضوعيّة، فبدأ الحافظ محمد رشيد و خاطبني بلقب:

(قبله صاحب) (1) قائلا:

منذ نزولكم هذا البلد، شرّفتم مسامع الناس بمحاضراتكم، و خطبكم، و لكن بدل أن تكون محاضراتكم منشأ الالفة و الإخاء فقد سبّبت الفرقة و العداء، و نشرت الاختلاف بين أهالي البلد، و بما أنّه يلزم علينا إصلاح المجتمع و رفع الاختلاف منه، عزمت على السفر، و قطعت مسافة بعيدة مع الشيخ عبد السّلام و جئنا إلى بيشاور لدفع الشبهات التي أثرتموها بين الناس.

و قد حضرت اليوم محاضرتكم في الحسينية، و استمعت لحديثكم، فوجدت في كلامكم سحر البيان و فصل الخطاب أكثر ممّا كنت أتوقّعه، و قد اجتمعنا-الآن-بكم لننال من محضركم الشريف ما يكون مفيدا لعامة الناس إن شاء اللّه تعالى.

فإن كنتم موافقين على ذلك، فإنّا نبدأ معكم الكلام بجدّ، و نتحدّث حول المواضيع الأساسية التي تهمّنا و تهمّكم؟

قلت: على الرحب و السعة، قولوا ما بدا لكم، فاني استمع لكم

____________

(1) هذه الكلمة من أهم الألقاب التي يخاطب بها المسلمون في الهند و باكستان، علماء دينهم و مشايخهم، و تعني عندهم: «الإمام و المقتدى» لذلك كانت الصحف التي تنشر تلك المناظرات تعبّر عن السيّد «سلطان الواعظين» بلقب: «قبله صاحب» «المترجم» .

18

بلهفة، و أصغي لكلامكم بكلّ شوق و رغبة، و لكن أرجو من السادة الحاضرين جميعا-و أنا معكم-أن نترك التعصّب و التأثّر بعادات محيطنا و تقاليد آبائنا، و أن لا تأخذنا حميّة الجاهلية، فنرفض الحقّ بعد ما ظهر لنا، و نقول-لا سمح اللّه-مثل ما قاله الجاهلون: حَسْبُنََا مََا وَجَدْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا (1) أو نقول: بَلْ نَتَّبِعُ مََا أَلْفَيْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا (2) .

فالرجاء هو أن ننظر نحن و أنتم إلى المواضيع و المسائل التي نناقشها نظر الإنصاف و التحقيق، حتّى نسير معا على طريق واحد و نصل إلى الحقّ و الصّواب، فنكون كما أراد اللّه تعالى لنا: إخوانا متعاضدين و متحابّين في اللّه تبارك و تعالى.

فأجاب الحافظ: إنّ كلامكم مقبول على شرط أن يكون حديثكم مستندا إلى القرآن الكريم فقط.

قلت: إن شرطكم هذا غير مقبول في عرف العلماء و العقلاء، بل يرفضه العقل و الشرع معا، و ذلك لأنّ القرآن الكريم كتاب سماويّ مقدّس، فيه تشريع كلّ الأحكام بإيجاز و اختصار ممّا يحتاج في فهمه إلى من يبيّنه، و السنّة الشريفة هي المبيّنة، فلا بدّ لنا أن نرجع في فهم ذلك إلى الأخبار و الأحاديث المعتبرة من السنّة الشريفة و نستدلّ بها على الموضوع المقصود.

الحافظ: كلامكم صحيح و متين، و لكن أرجو أن تستندوا في حديثكم إلى الأخبار الصحيحة المجمع عليها، و الأحاديث المقبولة عندنا و عندكم، و لا تستندوا بكلام العوامّ و الغثّ من عقائدهم.

____________

(1) سورة المائدة، الآية 103.

(2) سورة البقرة، الآية 170.

19

و أرجو أيضا أن يكون الحوار هادئا، بعيدا عن الضوضاء و التهريج حتّى لا نكون موضع سخرية الآخرين و مورد استهزائهم.

قلت: هذا كلام مقبول، و أنا ملتزم بذلك من قبل أن ترجوه منّي، فإنّه لا ينبغي لرجل الدين و العالم الروحي إثارة المشاعر و التهريج في الحوار العلمي و التفاهم الديني، و بالأخصّ لمن كان مثلي، إذ إنّ لي العزّ و الفخر و شرف الانتساب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و هو صاحب الصفات الحسنة و الخصال الحميدة و الخلق العظيم، الذي أنزل اللّه تعالى فيه: إِنَّكَ لَعَلى‏ََ خُلُقٍ عَظِيمٍ (1) .

و من المعلوم أنّي أولى بالالتزام بسنّة جدّي، و أحرى بأن لا أخالف أمر اللّه (عزّ و جلّ) حيث يقول: اُدْعُ إِلى‏ََ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جََادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (2) .

الحافظ: ذكرت أنّك منتسب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله-و هو المشهور أيضا بين الناس-فهل يمكنكم أن تبيّنوا لنا طريق انتسابكم إلى النبي الأعظم صلى اللّه عليه و آله، و الشجرة التي تنتهي بكم إليه؟

قلت: نعم، إنّ نسبي يصل عن طريق الإمام الكاظم موسى بن جعفر عليه الصلاة و السلام إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و ذلك على النحو التالي:

شجرة المؤلّف‏

أنا محمد بن علي أكبر «أشرف الواعظين» بن قاسم «بحر العلوم»

____________

(1) سورة القلم، الآية 4.

(2) سورة النحل، الآية 125.

20

ابن حسن بن إسماعيل «المجتهد الواعظ» بن إبراهيم بن صالح بن أبي علي محمد بن علي «المعروف بالمردان» بن أبي القاسم محمد تقي بن «مقبول الدين» حسين بن أبي علي حسن بن محمد بن فتح اللّه بن إسحاق بن هاشم بن أبي محمد بن إبراهيم بن أبي الفتيان بن عبد اللّه ابن الحسن بن أحمد «أبي الطيّب» بن أبي علي حسن بن أبي جعفر محمد الحائري «نزيل كرمان» بن إبراهيم الضرير المعروف بـ «المجاب» ابن الأمير محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام عليّ السجّاد «زين العابدين» ابن الإمام أبي عبد اللّه الحسين «السبط الشهيد» بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (سلام اللّه عليهم أجمعين) .

الحافظ: جيّد، لقد انتهى نسبك-حسب بيانك هذا-إلى عليّ بن أبي طالب (كرّم اللّه وجهه) ، و هذا الانتساب يثبت أنّك من أقرباء النبيّ صلى اللّه عليه و آله لا من أولاده، لأنّ الأولاد إنّما هم من ذريّة الإنسان و نسله، لا من ختنه و صهره، فكيف ادّعيت مع ذلك بأنّك من أولاد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؟!

قلت: إنّ انتسابنا إلى النبيّ الأكرم صلى اللّه عليه و آله إنّما يكون عن طريق فاطمة الزهراء عليها السّلام بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، لأنّها أمّ الإمام الحسين الشهيد عليه السّلام.

الحافظ: العجب كلّ العجب منك و من كلامك!إذ كيف تتفوّه بهذا الكلام و أنت من أهل العلم و الأدب؟!

أ لست تعلم أنّ نسل الإنسان و عقبه إنّما يكون عن طريق الأولاد الذكور لا الإناث؟!و رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لم يكن له عقب من أولاده‏

21

الذكور!!فإذن أنتم أسباطه و أبناء بنته، لا أولاده و ذرّيّته!!

قلت: ما كنت أحسبك معاندا أو لجوجا، و إلاّ لما قمت مقام المجيب على سؤالكم، و لما قبلت الحوار معكم!

الحافظ: لا يا صاحبي!لا يلتبس الأمر عليك، فإنّا لا نريد المراء و اللّجاج و إنّما نريد أن نعرف الحقيقة، فإنّي و كثير من العلماء نظرنا في الموضوع ما بيّنته لكم، فإنّا نرى أنّ عقب الإنسان و نسله إنّما هو من الأولاد الذكور لا البنات، و ذلك كما يقول الشاعر في هذا المجال:

بنونا بنو أبنائنا، و بناتنا # بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد

فإن كان عندكم دليل على خلافه يدلّ على أنّ أولاد بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أولاده و ذرّيّته فبيّنوه لنا حتّى نعرفه، و ربّما نقتنع به فنكون لكم من الشاكرين.

قلت: إنّ الدلائل من كتاب اللّه (عزّ و جلّ) و الروايات المعتبرة لدى الفريقين على ذلك قويّة جدّا.

الحافظ: أرجو منكم أن تبيّنوها حتّى نستفيد بذلك.

قلت: إنّي و في أثناء كلامكم تذكرت مناظرة حول الموضوع، جرت بين الخليفة العبّاسي هارون، و بين: الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم عليه السّلام، فقد أجابه عليه السّلام بجواب كاف و شاف اقتنع به هارون و صدّقه.

الحافظ: كيف كانت تلك المناظرة أرجو أن تبيّنوها لنا؟

قلت: قد نقل هذه المناظرة علماؤنا الأعلام في كتبهم المعتبرة، منهم: ثقة عصره، و وحيد دهره، الشيخ الصدوق في كتابه القيّم:

«عيون أخبار الرضا» (1) .

____________

(1) عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 84 ح 9.

22

و منهم: علاّمة زمانه، و بحّاثة قرنه، الشيخ الطبرسي في كتابه الثمين: «الاحتجاج» و أنا أنقلها لكم من كتاب «الاحتجاج» (1) و هو كتاب علمي قيّم، يضم بين دفّتيه أضخم تراث علمي و أدبي لا بدّ لأمثالك أيّها الحافظ من مطالعته، حتّى ينكشف لكم الكثير من الحقائق العلمية و الوقائع التاريخية الخافية عليكم.

أولاد البتول عليها السّلام ذرية الرسول صلى اللّه عليه و آله‏

روى العلاّمة الطبرسي أبو منصور أحمد بن علي في الجزء الثاني من كتابه: «الاحتجاج» رواية مفصّلة و طويلة تحت عنوان: «أجوبة الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام لأسئلة هارون» و آخر سؤال و جواب، كان حول الموضوع الذي يدور الآن بيننا، و إليكم الحديث بتصرّف:

هارون: لقد جوّزتم للعامّة و الخاصة أن ينسبوكم إلى النبي صلى اللّه عليه و آله و يقولوا لكم: يا أولاد رسول اللّه، و أنتم بنو عليّ، و إنّما ينسب المرء إلى أبيه، و فاطمة إنّما هي وعاء، و النبيّ جدّكم من قبل أمّكم؟؟!

الإمام عليه السّلام: لو أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله نشر فخطب إليك كريمتك، هل كنت تجيبه؟!

هارون: سبحان اللّه!و لم لا أجيبه، و أفتخر على العرب و العجم و قريش بذلك.

الإمام عليه السّلام: لكنّه لا يخطب إليّ، و لا أزوّجه.

هارون: و لم؟! الإمام عليه السّلام: لأنّه ولدني و لم يلدك.

____________

(1) الاحتجاج: ج 2 المناظرة رقم 271 ص 335.

23

هارون: أحسنت!!

و لكن كيف قلتم: إنّا ذرّيّة النبي صلى اللّه عليه و آله و النبيّ لم يعقّب؟!و إنّما العقب للذّكر لا للأنثى، و أنتم ولد بنت النبي، و لا يكون ولدها عقبا له صلى اللّه عليه و آله!! الإمام عليه السّلام: أسألك بحقّ القرابة و القبر و من فيه إلاّ أعفيتني عن هذه المسألة.

هارون: لا... أو تخبرني بحجّتكم فيه يا ولد علي!و أنت يا موسى يعسوبهم و إمام زمانهم، كذا أنهي لي، و لست أعفيك في كلّ ما أسألك عنه، حتّى تأتيني فيه بحجّة من كتاب اللّه، و أنتم معشر ولد عليّ تدّعون: أنّه لا يسقط عنكم منه شي‏ء، ألف و لا واو، إلاّ تأويله عندكم و احتججتم بقوله (عزّ و جلّ) : مََا فَرَّطْنََا فِي اَلْكِتََابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ (1) و قد استغنيتم عن رأي العلماء و قياسهم!!

الإمام عليه السّلام: تأذن لي في الجواب؟ هارون: هات.

الإمام عليه السّلام: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، بسم اللّه الرحمن الرحيم: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى‏ََ وَ هََارُونَ وَ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ*`وَ زَكَرِيََّا وَ يَحْيى‏ََ وَ عِيسى‏ََ وَ إِلْيََاسَ كُلٌّ مِنَ اَلصََّالِحِينَ (2) فمن أبو عيسى عليه السّلام؟!

هارون: ليس لعيسى أب!

الإمام عليه السّلام: فاللّه (عزّ و جلّ) ألحقه بذراري الأنبياء عن طريق أمّه مريم عليها السّلام و كذلك ألحقنا بذراري النبي صلى اللّه عليه و آله من قبل أمّنا فاطمة عليها السّلام...

____________

(1) سورة الأنعام، الآية 38.

(2) سورة الأنعام، الآية 84 و 85.

24

هل أزيدك؟

هارون: هات.

الإمام عليه السّلام: قال اللّه تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعََالَوْا نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ وَ نِسََاءَنََا وَ نِسََاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللََّهِ عَلَى اَلْكََاذِبِينَ (1) و لم يدّع أحد أنّه أدخله النبيّ صلى اللّه عليه و آله تحت الكساء[و]عند مباهلة النصارى، إلاّ عليّ بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين عليه السّلام، و اتّفق المسلمون: أنّ مصداق: أَبْنََاءَنََا في الآية الكريمة: الحسن و الحسين عليهما السّلام، و نِسََاءَنََا : فاطمة الزهراء عليها السّلام‏ وَ أَنْفُسَنََا : عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.

هارون: أحسنت يا موسى!ارفع إلينا حوائجك.

الإمام عليه السّلام: ائذن لي أن أرجع إلى حرم جدّي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لأكون عند عيالي.

هارون: ننظر إن شاء اللّه‏ (2) .

الاستدلال بكتب العامة و رواياتهم‏

هناك دلائل كثيرة جاءت في نفس الموضوع تدلّ على ما ذكرناه،

____________

(1) سورة آل عمران، الآية 61.

(2) لكن ما زال الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام بعيدا عن حرم جدّه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مفارقا لأهله و عياله، ينقل من سجن الى سجن، مكبّلا بالقيد و الحديد و في ظلم المطامير حتّى قضى بدسّ هارون السمّ إليه مسموما شهيدا صلوات اللّه و سلامه عليه.

«المترجم» .

غ

25

و قد سجّلها علماؤكم و نقلها حفّاظكم و رواتكم.

منهم: الإمام الرازي في الجزء الرابع من «تفسيره الكبير» (1) و في الصفحة (124) من المسألة الخامسة قال في تفسير هذه الآية من سورة الأنعام: إنّ الآية تدلّ على أنّ الحسن و الحسين‏[عليهما السّلام‏]ذرّيّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) لأنّ اللّه جعل في هذه الآية عيسى من ذرّيّة إبراهيم و لم يكن لعيسى أب، و إنّما انتسابه إليه من جهة الامّ، و كذلك الحسن و الحسين‏[عليهما السّلام‏]فإنّهما من جهة الامّ ذرّيّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) .

كما إنّ‏[الإمام‏]الباقر[عليه السّلام‏]استدل للحجّاج الثقفي بهذه الآية لإثبات أنّهم ذرّيّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) أيضا (2) :

و منهم: ابن أبي الحديد في: «شرح نهج البلاغة» ، و أبو بكر الرازي في تفسيره استدلّ على أنّ الحسن و الحسين عليهما السّلام أولاد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من جهة أمّهم فاطمة عليها السّلام بآية المباهلة و بكلمة: أَبْنََاءَنََا كما نسب اللّه تعالى في كتابه الكريم عيسى إلى إبراهيم من جهة أمّه مريم عليها السّلام.

و منهم: الخطيب الخوارزمي، فقد روى في «المناقب» و المير السيّد علي الهمداني الشافعي في كتابه «مودّة القربى» و الإمام أحمد بن حنبل

____________

(1) التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي: المجلد السابع ج 13، ص 66.

(2) المروي في كتاب الاحتجاج: ج 2 ص 175 المناظرة 204 أن الإمام الباقر عليه السّلام استدل بهذه الآية في حديثه مع أبي الجارود، فراجع.

26

و هو من فحول علمائكم في مسنده، و سليمان الحنفي البلخي في «ينابيع المودّة» (1) بتفاوت يسير: أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال-و هو يشير إلى الحسن و الحسين عليهما السّلام-: «ابناي هذان ريحانتاي من الدنيا، ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا» .

و منهم: محمد بن يوسف الشافعي، المعروف بالعلاّمة الكنجي، ذكر في كتابه «كفاية الطالب» فصلا بعد الأبواب المائة بعنوان: «فصل:

في بيان أنّ ذرّيّة النبي صلى اللّه عليه و آله من صلب عليّ‏[عليه السّلام‏]» جاء فيه بسنده عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري أنّه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:

«إنّ اللّه (عزّ و جلّ) جعل ذرّيّة كلّ نبي في صلبه، و إنّ اللّه (عزّ و جلّ) جعل ذرّيّتي في صلب عليّ بن أبي طالب» (2) .

و رواه ابن حجر المكي في صواعقه المحرقة: ص 74 و 94 عن الطبراني، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري؛ كما و رواه أيضا الخطيب الخوارزمي في «المناقب» عن ابن عبّاس.

قلت‏ (3) : و رواه الطبراني في معجمه الكبير في ترجمة الحسن، ثمّ قال:

فإن قيل: لا اتّصال لذرّيّة النبي صلى اللّه عليه و آله بعليّ‏[عليه السّلام‏]إلاّ من جهة فاطمة[عليها السّلام‏]و أولاد البنات لا تكون ذرّيّة، لقول الشاعر:

____________

(1) ينابيع المودة: الباب 54 ص 193 و فيه: عن الترمذي عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول: «ان الحسن و الحسين هما ريحانتاي من الدنيا» ...

(2) كفاية الطالب: ص 379.

(3) و القائل هو الكنجي الشافعي تعقيبا لما رواه.

27

بنونا بنو أبنائنا، و بناتنا # بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد

قلت: في التنزيل حجّة واضحة تشهد بصحّة هذه الدعوى و هو قوله (عزّ و جلّ) (1) : وَ وَهَبْنََا لَهُ [أي: إبراهيم‏] إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنََا وَ نُوحاً هَدَيْنََا مِنْ قَبْلُ -إلى أن قال: - وَ زَكَرِيََّا وَ يَحْيى‏ََ وَ عِيسى‏ََ فعدّ عيسى‏[عليه السّلام‏]من جملة الذرّيّة الّذين نسبهم إلى نوح‏[عليه السّلام‏]و هو ابن بنت لا اتّصال له إلاّ من جهة أمّه مريم.

و في هذا دليل مؤكّد على أنّ أولاد فاطمة[عليها السّلام‏]هم ذرّيّة النبيّ صلى اللّه عليه و آله و لا عقب له إلاّ من جهتها، و انتسابهم إلى شرف النبوّة -و إن كان من جهة الامّ-ليس بممنوع، كانتساب عيسى إلى نوح، إذ لا فرق.

و روى الحافظ الكنجي الشافعي في آخر هذا الفصل، بسنده عن عمر بن الخطّاب، قال: سمعت رسول اللّه يقول: كلّ بني انثى فإنّ عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة، فإنّي أنا عصبتهم و أنا أبوهم‏ (2) .

قال العلاّمة الكنجي: رواه الطبري في ترجمة الحسن.

هذا، و قد نقله أيضا بتفاوت يسير و زيادة في أوّله، بأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال: كلّ حسب و نسب منقطع يوم القيامة ما خلا حسبي و نسبي‏ (3) .

أقول: و نقله كثير من علمائكم و حفّاظكم، منهم الحافظ سليمان الحنفي في كتابه: «ينابيع المودّة» (4) و قد أفرد بابا في الموضوع فرواه عن

____________

(1) في سورة الأنعام: الآيتين 84 و 85.

(2) كفاية الطالب: ص 381.

(3) كفاية الطالب: ص 380.

(4) ينابيع المودة، الباب 57 ص 318.

28

أبي صالح، و الحافظ عبد العزيز بن الأخضر، و أبي نعيم في معرفة الصحابة، و الدارقطني و الطبراني في الأوسط.

و منهم: الشيخ عبد اللّه بن محمد الشبراوي في: «الإتحاف بحبّ الأشراف» .

و منهم: جلال الدين السيوطي في: «إحياء الميت بفضائل أهل البيت» (1) .

و منهم: أبو بكر ابن شهاب الدين في: «رشفة الصادي في بحر فضائل بني النبيّ الهادي» ط. مصر، الباب الثالث.

و منهم: ابن حجر الهيثمي في «الصواعق المحرقة» الباب التاسع، الفصل الثامن، الحديث السابع و العشرون» قال: أخرج الطبراني عن جابر، و الخطيب عن ابن عبّاس... و نقل الحديث.

و روى ابن حجر أيضا في «الصواعق الباب الحادي عشر، الفصل الأول، الآية التاسعة... » : و أخرج أبو الخير الحاكمي، و صاحب «كنوز المطالب في بني أبي طالب» إنّ عليّا دخل على النبي (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) و عنده العبّاس، فسلّم فردّ عليه (صلّى اللّه عليه [و آله‏]و سلّم) السلام و قام فعانقه و قبّل ما بين عينيه و أجلسه عن يمينه.

فقال له العبّاس: أ تحبّه؟

قال (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) : يا عمّ!و اللّه اللّه أشدّ حبّا له منّي، إنّ اللّه (عزّ و جلّ) جعل ذرّيّة كلّ نبيّ في صلبه، و جعل ذرّيّتي في صلب هذا.

____________

(1) من الحديث 29 ص 28 الى الحديث 34 ص 32.

29

و رواه العلاّمة الكنجي الشافعي في كتابه: «كفاية الطالب الباب السابع» (1) بسنده عن ابن عبّاس.

و هناك مجموعة كبيرة من الأحاديث الشريفة المعتبرة، المرويّة في كتبكم، المقبولة عند علمائكم، تقول: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏] و سلّم) كان يعبّر عن الحسن و الحسين عليهما السّلام، بأنّهما ابناه، و يعرّفهما لأصحابه و يقول: هذان ابناي...

و جاء في تفسير: «الكشّاف» و هو من أهمّ تفاسيركم، في تفسير آية المباهلة: لا دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء، و هم:

عليّ و فاطمة و الحسنان، لأنّها لمّا نزلت، دعاهم النبي (صلّى اللّه عليه [و آله‏]و سلّم) فاحتضن الحسين و أخذ بيد الحسن و مشت فاطمة خلفه و عليّ خلفهما، فعلم: إنّهم المراد من الآية، و إنّ أولاد فاطمة و ذرّيّتهم يسمّون أبناءه و ينسبون إليه (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) نسبة صحيحة نافعة في الدنيا و الآخرة (2) .

و كذلك الشيخ أبو بكر الرازي في «التفسير الكبير» في ذيل آية المباهلة، و في تفسير كلمة: أَبْنََاءَنََا له كلام طويل و تحقيق جليل، أثبت فيه أنّ الحسن و الحسين هم ابنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و ذرّيّته، فراجع‏ (3) .

____________

(1) كفاية الطالب: الباب السابع، ص 79.

(2) الكشاف: ج 1 ص 368.

(3) حول آية المباهلة و الحسنين عليهما السلام:

لقد أجمع المفسّرون على أنّ‏ أَبْنََاءَنََا في آية المباهلة إشارة إلى الحسن‏

30

____________

قو الحسين عليهما السّلام، و أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أخرجهما معه يوم المباهلة مجيبا أمر اللّه (عزّ و جلّ) ، و قد أجمع عليه المحدّثون و المؤرّخون من المسلمين.

و إليك بعض المدارك و المصادر في هذا الباب:

1-الحافظ مسلم بن الحجّاج، في صحيحه، ج 7 ص 120، ط. محمد علي صبيح -مصر.

2-الإمام أحمد بن حنبل، في مسنده، ج 1 ص 185، ط. مصر.

3-العلاّمة الطبري، في تفسيره، ج 3 ص 192، ط. الميمنية-مصر.

4-العلاّمة أبو بكر الجصّاص-المتوفّى سنة 270 هـ-في كتاب «أحكام القرآن» ج 2 ص 16، قال فيه: إنّ رواة السير و نقلة الاثر لم يختلفوا في أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) أخذ بيد الحسن و الحسين و عليّ و فاطمة رضي اللّه عنهم و دعا النصارى الّذين حاجّوه إلى المباهلة... إلى آخره.

5-الحاكم، في «المستدرك» ج 3 ص 150، ط حيدرآباد الدكن.

6-العلاّمة الثعلبي، في تفسيره في ذيل آية المباهلة.

7-الحافظ أبو نعيم، في كتاب «دلائل النبوّة» ص 297، ط. حيدرآباد.

8-العلاّمة الواحدي النيسابوري، في كتاب: «أسباب النزول» ص 74، ط. مصر.

9-العلاّمة ابن المغازلي في كتابه مناقب علي بن أبي طالب (ع) .

10-العلاّمة البغوي، في كتابه «معالم التنزيل» ج 1 ص 302.

و في كتابه «مصابيح السنّة» ج 2 ص 204، ط المطبعة الخيرية.

11-العلاّمة الزمخشري، في تفسير: «الكشّاف» ج 1 ص 193، ط. مصطفى محمد.

12-العلاّمة أبو بكر ابن العربي، في كتاب «أحكام القرآن» ج 1 ص 115، ط.

مطبعة السعادة بمصر.

31

____________

ق13-العلاّمة الفخر الرازي، في «التفسير الكبير» ج 8 ص 85، ط. البهية بمصر.

14-العلاّمة المبارك ابن الأثير، في «جامع الاصول» ج 9 ص 470، ط. المطبعة المحمدية بمصر.

15-الحافظ شمس الدين الذهبي، في تلخيصه المطبوع في ذيل مستدرك الحاكم، ج 3 ص 150، ط. حيدرآباد.

16-الشيخ محمد بن طلحة الشافعي، في «مطالب السئول» .

17-العلاّمة الجزري، في كتاب «أسد الغابة» ج 4 ص 25، ط. الاول بمصر.

18-العلاّمة سبط ابن الجوزي، في «التذكرة» ص 17، ط. النجف.

19-العلاّمة القرطبي، في كتاب «الجامع لاحكام القرآن» ج 3 ص 104، ط.

مصر، سنة 1936.

20-العلاّمة البيضاوي، في تفسيره، ج 2 ص 22، ط. مصطفى محمد بمصر.

21-العلاّمة محبّ الدين الطبري، في «ذخائر العقبى» ص 25، ط. مصر سنة 1356.

و في كتابه الآخر «الرياض النضرة» ص 188، ط. الخانجي بمصر.

22-العلاّمة النسفي، في تفسيره، ج 1، ص 136، ط. عيسى الحلبي بمصر.

23-العلاّمة المهايمي، في: «تبصير الرحمن و تيسير المنان» ج 1 ص 114، ط.

مطبعة بولاق بمصر.

24-الخطيب الشربيني، في تفسيره «السراج المنير» ج 1 ص 182، ط. مصر.

25-العلاّمة النيسابوري، في تفسيره، ج 3 ص 206، بهامش تفسير الطبري، ط.

الميمنية بمصر.

26-العلاّمة الخازن، في تفسيره، ج 1 ص 302، ط. مصر.

32

____________

ق27-العلاّمة أبو حيّان الأندلسي، في كتابه «البحر المحيط» ج 2 ص 479، ط، مطبعة السعادة بمصر.

28-الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، في تفسيره، ج 1 ص 370، ط.

مصطفى محمد بمصر.

و في كتابه «البداية و النهاية» ج 5 ص 52، ط. مصر.

29-أحمد بن حجر العسقلاني، في «الإصابة» ج 2 ص 503، ط. مصطفى محمد بمصر.

30-العلاّمة معين الدين الكاشفي، في كتاب «معارج النبوّة» ج 1 ص 315، ط.

لكنهو.

31-ابن الصبّاغ المالكي، في «الفصول المهمّة» ص 108، ط النجف.

32-جلال الدين السيوطي، في «الدر المنثور» ج 4 ص 38، ط. مصر.

و في كتابه «تاريخ الخلفاء» ص 115، ط. لاهور.

33-ابن حجر الهيتمي، في كتابه «الصواعق المحرقة» ص 199، ط. المحمدية بمصر.

34-أبو السعود أفندي، شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، في تفسيره، ج 2 ص 143، ط. مصر، المطبوع بهامش تفسير الرازي.

35-العلاّمة الحلبي، في كتابه «السيرة المحمدية» ج 3 ص 35، ط. مصر.

36-العلاّمة الشاه عبد الحقّ الدهلوي، في كتاب «مدارج النبوّة» ص 500 ط. بومبي.

37-العلاّمة الشبراوي، في كتاب «الإتحاف بحبّ الاشراف» ص 5، ط. مصطفى الحلبي.

38-العلاّمة الشوكاني، في كتاب «فتح القدير» ج 1 ص 316، طبع مصطفى الحلبي بمصر.

39-العلاّمة الآلوسي، في تفسيره «روح المعاني» ج 3 ص 167، ط. المنيرية بمصر.

33

ثمّ قلت بعد ذلك: فهل يبقى-يا أيّها الحافظ!-بعد هذا كلّه، محلّ للشعر الذي استشهدت به؟!بنونا بنو أبنائنا... إلى آخره.

و هل يقوم هذا البيت من الشعر، مقابل هذه النصوص الصريحة و البراهين الواضحة؟!

فلو اعتقد أحد بعد هذا كلّه، بمفاد ذلك الشعر الجاهلي-الذي قيل في وصفه: إنه كفر من شعر الجاهلية-، لردّه كتاب اللّه العزيز و حديث رسوله الكريم صلى اللّه عليه و آله.

ثمّ اعلم-أيّها الحافظ-أنّ هذا بعض دلائلنا في صحّة انتسابنا

____________

ق40-العلاّمة الطنطاوي، في تفسيره «الجواهر» ج 2 ص 120، ط. مصطفى الحلبي بمصر.

41-السيّد أبو بكر الحضرمي، في كتاب «رشفة الصادي» ص 35، ط. الإعلامية بمصر.

42-الشيخ محمود الحجازي، في تفسير «الواضح» ج 3 ص 58، ط مصر.

43-العلاّمة صدّيق حسن خان، في كتاب: «حسن الاسوة» ص 32، ط. الجوائب بالقسطنطنية.

44-العلاّمة أحمد زيني دحلان، في «السيرة النبوية» المطبوعة بهامش «السيرة الحلبية» ج 3 ص 4، ط. مصر.

45-السيّد محمد رشيد رضا، في تفسير «المنار» ج 3 ص 321، ط. مصر.

46-العلاّمة محمد بن يوسف الكنجي، في كتابه «كفاية الطالب» الباب الثاني و الثلاثين.

47-الحافظ سليمان الحنفي، في كتابه: «ينابيع المودّة» ج 1 باب الآيات الواردة في فضائل أهل البيت، الآية التاسعة.

«المترجم»

34

إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و بعض براهيننا على أنّنا ذرّيّته و نسله، و لذا يحقّ لنا أن نفتخر بذلك و نقول:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم # إذا جمعتنا يا جرير المجامع‏

الحافظ: إنّي اقرّ و أعترف بأنّ دلائلكم كانت قاطعة، و براهينكم ساطعة، و لا ينكرها إلاّ الجاهل العنود؛ كما و أشكركم كثيرا على هذه التوضيحات، فلقد كشفتم لنا الحقيقة و أزحتم الشبهة عن أذهاننا.

صلاة العشاء

و هنا علا صوت المؤذّن في المسجد و هو يعلن وقت صلاة النساء، و الإخوة من العامّة-بخلافنا نحن الشيعة-يوجبون التفريق بين صلاتي الظهر و العصر، و بين المغرب و العشاء، و قد يجمعون أحيانا، و ذلك لسبب كالمطر و السفر.

لذا فقد تهيّئوا جميعا للذهاب إلى المسجد، فقال بعضهم: و بما أنّا نريد الرجوع بعد الصلاة إلى هذا المكان لمتابعة الحديث، فالأحسن أن تقام جماعة في المسجد و جماعة في هذا المكان بالحاضرين، حتّى لا يفترق جمعنا و لا يفوت وقتنا، فهذه فرصة ثمينة يجب أن نغتنمها.

فوافق الجميع على هذا الاقتراح، و ذهب السيّد عبد الحيّ-إمام المسجد-ليقيم الجماعة فيه بالناس.

و أمّا الآخرون فقد أقاموا صلاة العشاء جماعة في نفس المكان، و استمرّوا على ذلك في بقية الليالي التالية أيضا. غ

35

مسألة الجمع أو التفريق بين الصلاتين‏

و لمّا استقرّ بنا المجلس بعد الصلاة، خاطبني أحد الحاضرين، و يدعى النوّاب عبد القيّوم خان، و كان يعدّ من أعيان العامة و أشرافهم، و هو رجل مثقّف يحبّ العلم و المعرفة، فقال لي: في هذه الفرصة المناسبة التي يتناول العلماء فيها الشاي أستأذنكم لأطرح سؤالا خارجا عن الموضوع الّذي كنّا فيه، و لكنّه كثيرا ما يتردّد على فكري و يختلج في صدري.

قلت: تفضّل و اسأل، فإنّي مستعدّ للاستماع إليك.

النوّاب: كنت أحبّ كثيرا أن ألتقي بأحد علماء الشيعة حتّى أسأله: أنّه لما ذا تسير الشيعة على خلاف السنّة النبوية حين يجمعون بين صلاتي الظهر و العصر، و كذلك المغرب و العشاء؟!

قلت: أولا: السادة العلماء-و أشرت إلى الحاضرين في المجلس- يعلمون أنّ آراء العلماء تختلف في كثير من المسائل الفرعية، كما أنّ أئمّتكم-الأئمّة الأربعة-يختلفون في آرائهم الفقهيّة فيما بينهم كثيرا، فلم يكن إذن الاختلاف بيننا و بينكم في مثل هذه المسألة الفرعية شيئا مستغربا.

ثانيا: إنّ قولك: الشيعة على خلاف السنّة النبوية، ادّعاء و قول لا دليل عليه، و ذلك لأنّ النبي صلى اللّه عليه و آله كان يجمع حينا و يفرّق اخرى.

النوّاب-و هو يتوجّه إلى علماء المجلس و يسألهم-: أ هكذا كان يصنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) يفرّق حينا و يجمع اخرى؟

36

الحافظ: يلتفت إلى النوّاب و يقول في جوابه-: كان النبيّ (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) يجمع بين الصلاتين في موردين فقط: مورد السفر، و مورد العذر من مطر و ما أشبه ذلك، لكي لا يشقّ على أمّته.

و أمّا إذا كان في الحضر، و لم يكن هناك عذر للجمع، فكان يفرّق، و أظنّ أنّ السيّد قد التبس عليه حكم السفر و الحضر!!

قلت: كلاّ، ما التبس عليّ ذلك، بل أنا على يقين من الأمر، و حتّى أنّه جاء في الروايات الصحيحة عندكم: بأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله كان يجمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر.

الحافظ: ربّما وجدتم ذلك في رواياتكم و توهّمتم أنّها من رواياتنا!!

قلت: لا، ليس كذلك، فإنّ رواة الشيعة قد أجمعوا على جواز الجمع بين الصلاتين، لأنّ الروايات في كتبنا صريحة في ذلك، و إنّما الكلام و النقاش يدور فيما بين رواتكم حول الجمع و عدمه، فقد نقلت صحاحكم و ذكرت مسانيدكم، أحاديث كثيرة و أخبارا صريحة في هذا الباب.

الحافظ: هل يمكنكم ذكر هذه الروايات و الأحاديث و ذكر مصادرها لنا؟

قلت: نعم، هذا مسلم بن الحجّاج، روى في صحيحه في باب «الجمع بين الصلاتين في الحضر» بسنده عن ابن عبّاس، أنّه قال: صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) الظهر و العصر جمعا، و المغرب و العشاء جمعا، في غير خوف و لا سفر.

37

و روى أيضا، بسنده عن ابن عبّاس، أنّه قال: صلّيت مع النبي (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) ثمانيا جمعا، و سبعا جمعا (1) .

و روى هذا الخبر بعينه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج 2 ص 221، و أضاف إليه حديثا آخر عن ابن عبّاس أيضا، أنّه قال:

صلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) في المدينة مقيما غير مسافر، سبعا و ثمانيا.

و روى مسلم في صحيحه أخبارا عديدة في هذا المجال، إلى أن روى في الحديث رقم 57، بسنده عن عبد اللّه بن شقيق، قال: خطبنا ابن عبّاس يوما بعد العصر حتّى غربت الشمس و بدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة-الصلاة!فلم يعتن ابن عبّاس بهم، فصاح في هذه الأثناء رجل من بني تميم، لا يفتر و لا ينثني: الصلاة.. الصلاة!

فقال ابن عبّاس: أ تعلّمني بالسنّة؟لا أمّ لك!

ثمّ قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) جمع بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء.

قال عبد اللّه بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شي‏ء، فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدّق مقالته.

و روى مسلم في صحيحه الحديث رقم 58 ذلك أيضا بطريق آخر عن عبد اللّه بن شقيق العقيلي، قال: قال رجل لابن عبّاس-لمّا طالت خطبته-: الصلاة!فسكت، ثمّ قال: الصلاة!فسكت. ثمّ قال:

____________

(1) يقصد بالثمان: ركعات الظهر و العصر، و بالسبع: ركعات المغرب و العشاء، في الحضر. «المترجم» .

38

الصلاة!فسكت، ثمّ قال: لا أمّ لك!أ تعلّمنا بالصلاة، و كنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) ؟!

و روى الزرقاني و هو من كبار علمائكم، في كتابه «شرح موطّأ مالك ج 1 ص 263، باب الجمع بين الصلاتين» عن النسائي، عن طريق عمرو بن هرم، عن ابن الشعثاء، أنّه قال: إنّ ابن عبّاس كان يجمع بين صلاتي الظهر و العصر، و صلاتي المغرب و العشاء في البصرة، و كان يقول: هكذا صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) .

و روى مسلم في صحيحه، و مالك في: «الموطّأ» و أحمد بن حنبل في «المسند» و الترمذي في صحيحه في «باب الجمع بين الصلاتين» بإسنادهم عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) بين الظهر و العصر، و بين المغرب و العشاء بالمدينة، من غير خوف و لا مطر، فقيل لابن عبّاس: ما أراد بذلك؟

قال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمّته.

هذه بعض رواياتكم في هذا الموضوع، و هي أكثر من ذلك بكثير، و لكن ربّما يقال: إنّ أوضح دليل على جواز الجمع بين الصلاتين من غير عذر و لا سفر، هو: أنّ علماءكم فتحوا بابا في صحاحهم و مسانيدهم بعنوان: «الجمع بين الصلاتين» و ذكروا فيه الروايات التي ترخّص الجمع مطلقا، فيكون دليلا على جواز الجمع مطلقا، في السفر و الحضر، مع العذر و بلا عذر.

و لو كان غير ذلك، لفتحوا بابا مخصوصا للجمع في الحضر، و بابا مخصوصا للجمع في السفر، و بما أنّهم لم يفعلوا ذلك، و إنّما

39

سردوا الروايات في باب واحد، كان ذلك دليلا على جواز الجمع مطلقا!

الحافظ: و لكنّي لم أجد في صحيح البخاري روايات و لا بابا بهذا العنوان.

قلت:

أوّلا: إنّه إذا روى سائر أصحاب الصحاح-غير البخاري-من مثل مسلم و الترمذي و النسائي و أحمد بن حنبل، و شرّاح صحيحي مسلم و البخاري، و غيرهم من كبار علمائكم، أخبارا و أحاديث في مطلب ما و أقرّوا بصحّتها، ألا تكون رواية أولئك كافية في إثبات ذلك المطلب، فيثبت إذن هدفنا و مقصودنا؟!

و ثانيا: إنّ البخاري أيضا ذكر هذه الروايات في صحيحه، و لكن بعنوان آخر، و ذلك في باب «تأخير الظهر إلى العصر» من كتاب مواقيت الصلاة، و في باب «ذكر العشاء و العتمة» و باب «وقت المغرب» .

أرجو أن تطالعوا هذه الأبواب بدقّة و إمعان حتّى تجدوا أنّ كلّ هذه الأخبار و الروايات الدالّة على جواز الجمع بين الصلاتين منقولة هناك أيضا.

الجمع بين الصلاتين عند علماء الفريقين‏

و الحاصل: إنّ نقل هذه الاحاديث من قبل جمهور علماء الفريقين-مع الإقرار بصحّتها في صحاحهم-دليل على أنّهم أجازوا الجمع و رخّصوه، و إلاّ لما نقلوا هذه الروايات في صحاحهم.

40

كما أنّ العلاّمة النووي في «شرح صحيح مسلم» و العسقلاني و القسطلاني و زكريّا الأنصاري، في شروحهم لصحيح البخاري، و كذلك الزرقاني في «شرح موطّأ مالك» و غير هؤلاء من كبار علمائكم ذكروا هذه الأخبار و الروايات، ثمّ وثّقوها و صحّحوها، و صرّحوا بأنّها تدلّ على الجواز و الرخصة في الجمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر و لا مطر، و خاصة بعد رواية ابن عبّاس و تقرير صحّتها، فإنّهم علّقوا عليها بأنّها صريحة في جواز الجمع مطلقا، و ذلك حتّى لا يكون أحد من الأمّة في حرج و مشقّة.

النوّاب-و هو يقول متعجبا-: كيف يمكن مع وجود هذه الأخبار و الروايات المستفيضة و الصريحة في جواز الجمع بين الصلاتين، ثمّ يكون علماؤنا على خلافها حكما و عملا؟!

قلت-بديهي، و مع كامل العذر على الصراحة-: إنّ عدم التزام علمائكم بالنصوص الصريحة و الروايات الصحيحة لا تنحصر-مع كلّ الأسف-بهذا الموضوع فقط، بل هناك حقائق كثيرة نصّ عليها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ، و صرّح بها في حياته، و لكنّهم لم يلتزموا بها، و إنّما تأوّلوها و أخفوا نصّها عن عامة الناس، و سوف تنكشف لكم بعض هذه الحقائق خلال البحث و النقاش في موضوع الإمامة و غيره إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا هذا الموضوع بالذات، فإنّ فقهاءكم لم يلتزموا-أيضا- بالروايات التي وردت فيه مع صراحتها، و إنّما أوّلوها بتأويلات غير مقبولة عرفا.

41

فقال بعضهم: إنّ هذه الروايات المطلقة في الجمع بين الصلاتين لعلّها تقصد الجمع في أوقات العذر، مثل الخوف و المطر و حدوث الطين و الوحل، و على هذا التأويل المخالف لظاهر الروايات أفتى جماعة كبيرة من أكابر متقدّميكم، مثل: الإمام مالك و الإمام الشافعي و بعض فقهاء المدينة فقالوا: بعدم جواز الجمع بين الصلاتين إلاّ لعذر كالخوف و المطر!

و مع أنّ هذا التأويل يردّه صريح رواية ابن عبّاس التي تقول:

«جمع النبي (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء، بالمدينة من غير خوف و لا مطر» .

و قال بعضهم الآخر في تأويل هذه الروايات المطلقة الصريحة في الجمع بين الصلاتين مطلقا، حتّى و إن كان بلا عذر و لا سفر: لعلّ السحاب كان قد غطّى السماء، فلم يعرفوا الوقت، فلمّا صلّوا الظهر و أتمّوا الصلاة، زال السحاب و انكشف الحجاب، فعرفوا الوقت عصرا، فجمعوا صلاة العصر مع الظهر!!

فهل يصحّ-يا ترى-مثل هذا التأويل في أمر مهمّ مثل الصلاة، التي هي عمود الدين؟!

و هل أنّ المؤوّلين نسوا أنّ المصلّي-في الرواية-هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و أنّ وجود السحاب و عدمه لا يؤثّر في علم النبي صلّى اللّه عليه و آله، الذي يعلم من اللّه تعالى، و ينظر بنور ربّه (عزّ و جلّ) ؟!

و عليه: فهل يجوز أن نحكم في دين اللّه العظيم استنادا إلى هذه التأويلات غير العرفيّة، التي لا دليل عليها سوى الظنّ أو التّرجيح!

42

و قد قال تعالى: إِنَّ اَلظَّنَّ لاََ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً (1) . ؟

إضافة إلى ذلك ما الذي تقولونه في جمع النبي صلّى اللّه عليه و آله بين صلاتي المغرب و العشاء، مع أنّه لا أثر حينها للسحاب و عدمه فيه؟!

إذن فهذا التأويل و غيره من التأويلات، خلاف ظاهر الروايات، و خلاف صريح الخبر القائل: «إنّ ابن عبّاس استمرّ في خطبته حتّى بدت النجوم، و لم يبال بصياح الناس: الصلاة... الصلاة، ثمّ ردّ ابن عبّاس على التميمي بقوله: أ تعلّمني بالسنّة؟!لا أمّ لك!رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلّم) جمع بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء» ثمّ تصديق أبي هريرة لمقالة ابن عبّاس.

و عليه: فإنّ هذه التأويلات غير معقولة و لا مقبولة عندنا، و كذا غير مقبولة عند كبار علمائكم أيضا، إذ إنّهم علّقوا عليها: بأنّها خلاف ظاهر الروايات.

فهذا شيخ الإسلام الأنصاري في كتابه «تحفة الباري في شرح صحيح البخاري في باب صلاة الظهر مع العصر و المغرب مع العشاء آخر ص 292 في الجزء الثاني» و كذا العلاّمة القسطلاني في كتابه «إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري في ص 293 من الجزء الثاني» و كذا غيرهما من شرّاح صحيح البخاري، و كثير من محقّقي علمائكم، قالوا: هذه التأويلات على خلاف ظاهر الروايات، و إنّ التقيّد بالتفريق بين الصلاتين ترجيح بلا مرجّح و تخصيص بلا مخصّص.

النواب: إذن فمن أين جاء هذا الاختلاف الذي فرّق بين الإخوة

____________

(1) سورة يونس، الآية 36.

43

المسلمين إلى فرقتين متخاصمتين، ينظر بعضهم إلى الآخر بنظر البغض و العداء، و يقدح بعضهم في عبادة البعض الآخر؟!

قلت: أوّلا: بما أنّك قلت: بأنّ المسلمين صاروا فريقين متعاديين، أوجب عليّ الوقوف قليلا عند كلمة: متعاديين، لنرى معا هل العداء -كما قلت-كان من الطرفين، أو من طرف واحد؟!

و هنا لا بدّ لي-و أنا واحد من الشيعة-أن أقول دفاعا عن الشيعة -أتباع أهل البيت عليهم السّلام، و إزاحة لهذه الشبهة عنهم-: بأنّا نحن-معاشر الشيعة-لا ننظر إلى أحد من علماء العامة و عوامهم بعين التحقير و العداء، بل نعدّهم إخواننا في الدين.

و ذلك بعكس ما ينظره بعض العامة إلينا تماما، إذ إنّهم يرون أنّ الشيعة أعداءهم، فيتعاملون معهم معاملة العدوّ لعدوّه، و لم تأتهم هذه النظرة بالنسبة إلى شيعة آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و أتباع مذهب أهل بيت رسولهم الكريم، إلاّ بسبب التقوّلات و الأباطيل التي نشرت ضدّهم بواسطة الخوارج و النواصب و بني أميّة و أتباعهم من أعداء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أعداء آله الكرام عليهم السّلام، و بسبب الاستعمار-في يومنا هذا-الذي هو ألدّ أعداء الإسلام و المسلمين، و الذي يخشى على منافعه و مطامعه من وحدة المسلمين و اجتماعهم.

و مع الأسف الشديد فإنّ هذه التضليلات العدوانية أثّرت في قلوب و أفكار بعض أهل السّنة، حتّى نسبونا إلى الكفر و الشرك!

و يا ليت شعري هل فكّروا بأيّ دليل ذهبوا إلى هذا المذهب و فرّقوا بين المسلمين؟!

44

أ لم يفكّروا في نهي اللّه تعالى المسلمين عن التفرقة بقوله:

وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا (1) ؟

ثمّ أ ليس اللّه (عزّ و جلّ) ، وحده لا شريك له، ربّنا جميعا، و الإسلام ديننا، و القرآن كتابنا، و النبيّ الكريم محمّد صلّى اللّه عليه و آله خاتم النبيّين و سيّد المرسلين نبيّنا، و قوله و فعله و تقريره سنّتنا، و حلاله حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة، و أنّ الحقّ ما حقّقه، و الباطل ما أبطله، و نوالي أولياءه، و نعادي أعداءه، و الكعبة مطافنا و قبلتنا جميعا، و الصلوات الخمس، و صيام شهر رمضان، و الزكاة الواجبة و حجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا، فرائضنا، و العمل بجميع الأحكام و الواجبات و المستحبّات و ترك الكبائر و المعاصي و الذنوب مرامنا؟!

أ لستم معنا في هذا كلّه؟!

أم إنّ شرعنا أو شرعكم، و إسلامنا و إسلامكم غير ما بيّنّاه من الدين المبين؟؟!

و أنا على علم و يقين بأنّكم توافقوننا في كلّ ما ذكرناه، و إن كان بيننا و بينكم شي‏ء من الخلاف فهو كالخلاف الموجود فيما بينكم و بين مذاهبكم، فنحن و أنتم في الإسلام سواء كُلٌّ آمَنَ بِاللََّهِ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لاََ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قََالُوا سَمِعْنََا وَ أَطَعْنََا غُفْرََانَكَ رَبَّنََا وَ إِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ (2) .

إذن فلما ذا صار بعض العامة ينسبوننا إلى ما لا يرضى به اللّه و رسوله، و يبغون الفرقة بيننا و بينهم، و ينظرون إلينا بنظر العداوة

____________

(1) سورة آل عمران، الآية 103.

(2) سورة البقرة، الآية 285.

غ

45

و البغضاء؟!و هذا ما يتربّصه بنا أعداء الإسلام و يريده لنا الشيطان، شياطين الإنس و الجنّ، قال تعالى في ذلك: ... شَيََاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ... وَ لِتَصْغى‏ََ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ... (1) .

و قال تعالى: إِنَّمََا يُرِيدُ اَلشَّيْطََانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدََاوَةَ وَ اَلْبَغْضََاءَ فِي اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ... (2) فتارة يوقع الشيطان العداوة و البغضاء بين المسلمين بواسطة الخمر و الميسر، و تارة بواسطة التسويلات و الأوهام التي يلقيها في قلوبهم عبر التهم و الأباطيل التي ينشرها شياطين الإنس في أوساطهم.

ثانيا: سألت: من أين جاء هذا الاختلاف؟

فإنّي أقول لك و قلبي يذوب حسرة و أسفاً: لقد جاء هذا و غيره من الاختلافات الفرعية على أثر اختلاف جذري و خلاف أصولي، ليس هذا الوقت مناسبا لذكره، و لعلّنا نصل إليه في مباحثنا الآتية فنتعرّض له إذا دار النقاش حوله، و حين ذاك ينكشف لكم الحقّ و تعرفون الحقيقة إن شاء اللّه تعالى.

ثالثا: و أمّا بالنسبة إلى مسألة الجمع و التفريق بين الصلاتين، فإنّ فقهاءكم بالرغم من أنّهم رووا الروايات الصحيحة و الصريحة في الرخصة و جواز الجمع لأجل التسهيل و رفع الحرج عن الامّة، أوّلوها -كما عرفت-ثمّ أفتوا بعدم جواز الجمع من غير عذر أو سفر، حتّى أنّ بعضهم-مثل أبي حنيفة و أتباعه-أفتوا بعدم جواز الجمع مطلقا

____________

(1) سورة الأنعام، الآية 112 و 113.

(2) سورة المائدة، الآية 91.

46

حتّى مع العذر و السفر (1) .

و لكنّ المذاهب الاخرى من الشافعية و المالكية و الحنابلة على كثرة اختلافاتهم الموجودة بينهم في جميع الأصول و الفروع أجازوا الجمع في الأسفار المباحة كسفر الحج و العمرة، و الذهاب إلى الحرب، و ما أشبه ذلك.

و أمّا فقهاء الشيعة، فإنّهم تبعا للأئمّة الأطهار من آل النبي المختار صلى اللّه عليه و آله-الّذين جعلهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ميزانا لمعرفة الحقّ و الباطل، و عدلا للقرآن، و مرجعا للامّة في حلّ الاختلاف، و صرّح بأنّ التمسّك بهم و بالقرآن معا أمان من الفرقة و الضلالة بعده-أفتوا بجواز الجمع مطلقا، لعذر كان أم لغير عذر، في سفر كان أم في حضر، جمع تقديم في أوّل الوقت، أم جمع تأخير في آخر الوقت، و فوّضوا الخيار في الجمع و التفريق إلى المصلّي نفسه تسهيلا عليه و دفعا للحرج عنه، و بما أنّ اللّه يحبّ الأخذ برخصه، اختارت الشيعة الجمع بين الصلاتين، حتّى لا يفوتهم شي‏ء من الصلاة غفلة أو كسلا، فجمعوا تقديما، أو تأخيرا.

و لمّا وصل الكلام في الجواب عن الجمع بين الصلاتين إلى هنا قلت لهم: أرى الكلام عن هذه المسألة بهذا المقدار كافيا، فإنّي أظنّ

____________

(1) جاء في كتاب «عارضة الاحوذي بشرح صحيح الترمذي» للإمام الحافظ ابن العربي المالكي: ج 1 باب «ما جاء في الجمع بين الصلاتين» .

قال علماؤنا: الجمع بين الصلاتين في المطر و المرض رخصة. و قال أبو حنيفة:

بدعة و باب من أبواب الكبائر.

ثمّ يبدي الشارح رأيه فيقول: بل الجمع سنّة. «المترجم» .

47

بأنّ الشبهة قد ارتفعت عن أذهانكم و انكشف لكم الحقّ، و عرفتم: أنّ الشيعة ليسوا كما تصوّرهم البعض أو صوّروهم لكم، بل إنّهم إخوانكم في الدين، و هم ملتزمون بسنّة النبي الكريم و بالقرآن الحكيم‏ (1) .

عود على بدأ

قلت: و الآن أرى أنّ من الأفضل أن نعود إلى حوارنا السابق، و نتابع حديثنا حول المسائل الاصولية المهمّة، فإنّ هناك مسائل اصوليّة أهمّ من هذه المسائل الفرعيّة، فإذا توافقنا على تلك المسائل الاصولية، فالموافقة على أمثال هذه المسائل الفرعية حاصلة بالتبع.

الحافظ: إنّني فرح بمجالسة عالم فاضل و مفكّر نبيل، و محادثة متفكّر، ذي اطّلاع وافر على كتبنا و رواياتنا مثل جنابكم، فقد بان لي فضلكم و علمكم في أوّل مجلس جلسناه معكم، و كما تفضّلتم، فإنّ من الأفضل-الآن-أن نتابع حديثنا السابق.

____________

(1) و أمّا دليلنا على جواز الجمع بين الصلاتين من القرآن الكريم قوله تعالى: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلى‏ََ غَسَقِ اَللَّيْلِ وَ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ*إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كََانَ مَشْهُوداً سورة الإسراء، الآية 78.

فالمواقيت التي بيّنها اللّه تعالى للصلوات اليومية في هذه الآية المباركة، ثلاثة:

1-دلوك الشمس، و هو الزوال، 2-غسق الليل، 3-الفجر.

و قال تعالى: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ طَرَفَيِ اَلنَّهََارِ*وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ سورة هود، الآية: 114.

فالطرف الأوّل-من طرفي النهار-هو: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، و الطرف الثاني هو: من زوال الشمس إلى غروبها، و زلفا من الليل، أي: أوّل الليل، و هو وقت زوال الحمرة بعد غروب الشمس. «المترجم» .

48

غير إنّي أستأذن سماحتكم لأقول متسائلا: لقد ثبت لنا بكلامكم الشيّق، و بيانكم العذب، أنّكم من الحجاز، و من بني هاشم، فأحبّ أن أعرف-أنّكم مع هذا النسب الطاهر و الأصل المنيف-ما حدا بكم حتّى هاجرتم من الحجاز و على الخصوص من المدينة المنوّرة، مدينة جدّكم و مسقط رأسكم و سكنتم في إيران؟!

ثمّ في أيّ تاريخ كان ذلك و لما ذا؟!

قلت: إنّ أوّل من هاجر من آبائي إلى إيران هو الأمير السيّد محمد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر (عليه الصلاة و السّلام) ، و كان فاضلا تقيّا، عابدا زاهدا، و لكثرة عبادته-إذ إنّه كان قائم الليل و صائم النهار و تاليا للقرآن الكريم في أكثر ساعات ليله و نهاره-لقّب بالعابد، و كان يحسن الخطّ و يجيد الكتابة، فصار يستغل فراغه باستنساخ و كتابة المصحف المبارك، و كان ما يأخذه من حقّ مقابل كتابته يعيش ببعضه، و يشتري بالزائد منه مماليك و عبيدا و يعتقهم لوجه اللّه (عزّ و جلّ) ، حتّى أعتق عددا كبيرا منهم بذلك.

و لمّا أدركته الوفاة و ارتحل من الدنيا و دفن في مضجعه، أصبح مرقده الشريف و إلى هذا اليوم مزارا شريفا لعامة المؤمنين في مدينة شيراز.

و أمر ابن الأمير أويس ميرزا معتمد الدولة، ثاني أولاد الحاجّ فرهاد ميرزا معتمد الدولة-عم ناصر الدين شاه قاجار-بنصب ضريح فضّي ثمين على القبر الشريف، و أمر بروضته المباركة-و هي مسجد لأداء الفرائض اليومية و إقامة الجماعة، و تلاوة آيات الكتاب الكريم، و قراءة الأدعية و الصلوات المستحبّة، أمر أن تزيّن بالمرايا و أنواع البلاط

49

و الرخام، ليكون مأوى الزائرين الّذين يفدون إلى زيارة المرقد الشريف من كلّ صوب و مكان.

الحافظ: ما هو سبب هجرته من الحجاز إلى شيراز؟!

قلت: إنّ في أواخر القرن الثاني من الهجرة، حينما أجبر المأمون الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه الصلاة و السلام) على الرحيل من مدينة جدّه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و الهجرة إلى خراسان، و فرض عليه الإقامة في طوس، و ذلك بعد أن قلّده ولاية العهد كرها، وقع الفراق بين الإمام الرضا عليه السّلام و بين ذويه و إخوته.

و لمّا طال الفراق، اشتاق ذووه و إخوته و كثير من بني هاشم إلى زيارته عليه السّلام فاستأذنوه عليه السّلام في ذلك فأذن لهم.

كما بعثوا كتابا إلى المأمون يطلبون منه الموافقة على سفرهم إلى طوس لزيارة أخيهم و إمامهم الرضا عليه السّلام، حتّى لا يصدّهم المأمون و جلاوزته و عمّاله عن قصدهم، و لا يتعرّضوا لهم بسوء، فوافق المأمون على ذلك، و أبدى لهم رضاه، فشدّوا الرحال، و عزموا على السفر لزيارة الإمام الرضا عليه السّلام، فتحرّكت قافلة عظيمة تضمّ أبناء رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و ذرّيّته، و توجّهت من الحجاز نحو خراسان، و ذلك عن طريق البصرة و الأهواز و بوشهر و شيراز... إلى آخره.

و كانت القافلة كلّما مرّت ببلد فيها من الشيعة و الموالين لآل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله انضمّ قسم كبير منهم إلى القافلة الهاشمية، التي كان على رأسها السادة الكرام من إخوة الإمام الرضا عليه السّلام، و هم:

الأمير السيّد أحمد المعروف بـ: «شاه چراغ» و الأمير السيّد محمد العابد و هو: «جدّنا الأعلى» و السيّد علاء الدين حسين، أبناء الإمام‏

50

موسى بن جعفر عليه السّلام، فكان الناس يلتحقون بهم طوعا و رغبة لينالوا زيارة إمامهم الرضا عليه السّلام.

و على أثر ذلك ذكر المؤرّخون: بأنّ هذه القافلة حينما قربت من شيراز بلغ عدد أفرادها أكثر من خمسة عشر ألف إنسان، بين رجل و امرأة، و صغير و كبير، و قد غمرهم جميعا شوق اللقاء، و فرحة الوصال و الزيارة.

فأخبر الجواسيس و عمّال الحكومة المأمون في طوس بضخامة القافلة و كثرة أفرادها، و حذّروه من مغبّة وصولها إلى مركز الخلافة طوس، فأوجس المأمون-من الأخبار الواصلة إليه عن القافلة الهاشمية-خيفة، و أحسّ منها بالخطر على مقامه و منصبه.

فأصدر أوامره إلى جواسيسه في الطريق، و إلى حكّامه على المدن الواقعة في طريق القافلة الهاشمية، يأمرهم فيها بأن يصدّوا القافلة عن المسير أينما وجدوها، و أن يمنعوها من الوصول إلى طوس، و كانت القافلة قد وصلت قريبا من شيراز حين وصل أمر الخليفة إلى حاكمها بصدّها، فاختار الحاكم سريعا و على الفور أحد جلاوزته المسمّى:

«قتلغ خان» و كان شديدا قاسيا، و أمّره على أربعين ألف مقاتل، و أمرهم بصدّ القافلة الهاشمية و ردّها إلى الحجاز.

فخرج هذا الجيش الجرار من شيراز باتّجاه طريق القافلة و عسكر في « خان‏زنيون» و هو منزل يبعد عن شيراز، ثلاثين كيلومترا تقريبا، و بقوا يترصّدون القافلة، وفور وصول القافلة إلى المنطقة و هي في طريقها إلى شيراز باتّجاه طوس، بعث القائد «قتلغ خان» رسولا إلى السادة الأشراف، و بلّغهم أمر الخليفة، و طلب منهم الرجوع إلى‏

51

الحجاز من مكانهم هذا فورا.

فأجابه الأمير السيّد أحمد-و هو كبيرهم-قائلا:

أوّلا: نحن لا نقصد من سفرنا هذا إلاّ زيارة أخينا الإمام الرضا عليه السّلام في طوس.

و ثانيا: نحن لم نخرج من المدينة المنوّرة، و لم نقطع هذه المسافة البعيدة إلاّ بإذن من الخليفة و بموافقة منه، و لهذا فلا مبرّر لصدّنا عن المسير.

ذهب الرسول و بلّغ مقالته إلى «قتلغ» ثمّ رجع و هو يقول:

إنّ القائد قتلغ أجاب قائلا: بأنّ الخليفة أصدر إلينا أوامر جديدة تحتّم علينا و بكلّ قوّة أن نمنعكم من السفر إلى طوس، و لعلّها أوامر أخرى اقتضتها الظروف الراهنة، فلا بدّ لكم أن ترجعوا من هنا إلى الحجاز.

التشاور دأب النبلاء

و هنا أخذ الأمير السيّد أحمد يشاور إخوته و غيرهم من ذوي الرأي و الحجى من رجال القافلة في الأمر، فلم يوافق أحد منهم على الرجوع، و أجمعوا على مواصلة السفر إلى خراسان مهما كلّفهم الأمر، فجعلوا النساء في مؤخّر القافلة، و الأقوياء من الرجال المجاهدين في المقدّمة، و أخذوا يواصلون سفرهم.

و تحرّك قتلغ خان بجيشه و قطع عليهم الطريق، و كلّما نصحهم السادّة أبناء رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بتخلية الطريق لهم لم ينفعهم نصحهم،

52

و انجرّ الموقف إلى المناوشة و المقاتلة، و منها شبّت نيران الحرب و القتال بين الطرفين، فحمي الوطيس و انهزم جيش المأمون على أثر مقاومة بني هاشم و شجاعتهم.

فتوسّل قتلغ خان بالمكر و الخديعة، و أمر جماعة من رجاله أن يصعدوا على التلال، و ينادوا بأعلى أصواتهم: يا أبناء علي و شيعته! إن كنتم تظنّون أنّ الرضا سوف يشفع لكم عند الخليفة، فقد وصلنا خبر وفاته، و جلوس الخليفة في عزائه، فلما ذا تقاتلون؟!فإن الرضا قد مات!!

أثّرت هذه الخديعة أثرا كبيرا في انهيار معنويات المقاتلين و المجاهدين، فتفرّقوا في ظلام الليل و تركوا ساحة القتال، و بقي أبناء الرسول صلى اللّه عليه و آله وحدهم، فأمر الأمير السيّد أحمد إخوته و من بقي معه أن يرتدوا ملابس أهل القرى و يتزيّوا بزيّهم، و يتفرّقوا في سواد اللّيل، و يتنكّبوا عن الطريق العامّ حتّى يسلموا بأنفسهم و لا يقعوا في يد قتلغ خان و رجاله، فتفرّقوا من هنا و هناك، في الجبال و القفار، مشرّدين مطاردين.

و أمّا الأمير السيّد أحمد، و كذا السيّد محمد العابد، و السيد علاء الدين، فقد دخلوا شيراز مختفين، و انفرد كلّ منهم في مكان منعزل و اشتغل بعبادة ربّه.

نعم، يقال: إن المراقد المنسوبة الى آل النبي صلى اللّه عليه و آله في إيران و خاصة النائية منها في القرى و بين الجبال، أكثرها لأصحاب تلك الوقعة الأليمة.