ديوان ابن الفارض

- ابن الفارض المزيد...
227 /
3

مقدمة الشارح‏

1 بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

و الصلاة و السلام على محمد بدر التمام و على آله خير الأنام و على أصحابه الكرام و رحمة اللََّه و بركاته.

-ابن الفارض-

هو عمر بن الحسين بن علي بن المرشد بن علي شرف الدين أبو حفص الحموي الأصل‏ (1) ولد بالقاهرة في الرابع من ذي القعدة سنة 576 هـ-الموافق للعام 1181 م قدم أبوه من حماة في بلاد الشام إلى مصر فأقام فيها، و كان يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكام فلقب بالفارض‏ (2) و هناك رزق بولده عمر لذلك سمي بابن الفارض. فهو بذلك شأمي الأصل حجازي الحنين، مصري المقام لذلك «فهو شاعر مصر و الشام و الحجاز و له في هذه الأقطار الثلاثة محبون يرونه مترجما لأدق ما يضمرون من نوازع القلب و الوجدان» (3) .

كان ابن الفارض في شبابه مضرب الأمثال في وسامة الوجه و نضارة الجسم و حسن التقاسيم و إشراق الجبين و يقول ابن بنته علي في هذا الأمر «كان الشيخ، (4) ، رضي اللََّه عنه، معتدل القامة، وجهه جميل حسن «مشرب» بحمرة ظاهرة. و إذا استمع و تواجد و غلب عليه الحال، يزداد وجهه جمالا و نورا، و يتحدر (5)

العرق من سائر جسده حتى يسيل تحت قدميه على الأرض و لم أر في العرب و لا في

____________

(1) هدية العارفين اسماعيل باشا البغدادي-مكتبة المثنى-بغداد ص 786

(2) شرح ديوان ابن الفارض-الشيخ حسن البوريني-دار التراث-بيروت ص 3

(3) التصوف الإسلامي، د. زكي مبارك المكتبة العصرية صيدا-بيروت-ص 246.

(4) الشيخ: عمر ابن الفارض.

(5) يتحدر: يتصبب.

4

العجم مثل حسن شكله... و كان عليه نور و خفر (1) ، و جلالة و هيبة، و من فهم معاني كلامه، دلته معرفته على مقامه، و من اختصه اللََّه بمحبته و أنسه، يعرف المحب بين أهل المحبة من جنسه، و قد جعل اللََّه المحبين خزائن أسراره المصونة، و معادن قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ (2) .

فشاعرنا و شيخنا يدين بالأصل إلى حماة في بلاد الشام و لهذا الأصل أهمية في طبائع الشاعر فأهل الشام لهم في الأدب صولات و جولات و طول باع. يشغلهم الجمال و يتفننون في إظهار روائع الحسن و صور الجمال و نزعتهم إلى الغزل لا مثيل لها بين شعراء العراق و مصر، و في ذلك يقول الثعالبي «أبو منصور عبد الملك» في يتيمة الدهر «السبب في تبريز القوم‏ (3) قديما و حديثا على من سواهم في الشعر:

قربهم من خطط العرب و لا سيما أهل الحجاز و بعدهم عن بلاد العجم، و سلامة ألسنتهم من الفساد العارض لألسنة أهل العراق لمجاورة الفرس و النبط... و ما منهم إلا أديب جواد، يحب الشعر و ينتقده، و يثيب على الجيد فيجزل و يفصل. انبعثت قرائحهم في الإجادة، فقادوا محاسن الكلام بألين زمام، و أحسنوا و أبدعوا ما شاءوا» (4) .

و كان أبو بكر الخوارزمي يقول: «ما فتق قلبي، و شحذ فهمي، و صقل ذهني، و أرهف حدّ لساني، و بلغ هذا المبلغ بي إلا تلك الطرائف الشامية، و اللطائف الحلبية التي علقت بحفظي، و امتزجت بأجزاء نفسي، و غصن الشباب رطيب، و رداء الحداثة قشيب» (5) .

و أما حنينه إلى الحجاز فيعود لوجود المقامات و الحضرات

____________

(1) الخفر: الحياء و البهجة.

(2) سورة المائدة الآية 57.

(3) القوم: شعراء الشام.

(4) يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر. ابو منصور الثعالبي-دار الكتب العلمية ص 34 الجزء الأول.

(5) المصدر نفسه ص 35-36.

5

المحمدية في تلك الربوع و كيف لا يصبو إليها و قد تعلقت نفسه بهذه المقامات حتى كاد لسانه لا يتلفظ إلاّ بها.

و قد كان يشتاق دائما للوصول إلى مكة و شعابها. و إلى الحجاز و رحابها لكن اللََّه لم يفتح عليه إلا بعد وفاة والده في مصر. و حصل ذلك عند دخوله المدرسة السيوفية بالقاهرة. إذ وجد شيخا بقالا على باب المدرسة، يتوضأ بوضوء غير مرتب. فقال له: يا شيخ أنت في هذا السن، على باب المدرسة بين فقهاء المسلمين و تتوضأ وضوءا خارجا عن الترتيب الشرعي؟. فنظر إليه و قال: يا عمر (1) ، أنت ما يفتح عليك في مصر، إنّما يفتح عليك بالحجاز، في مكة، شرفها اللََّه تعالى، فاقصدها، فقد آن لك وقت الفتح. فعلم أن الرجل من أولياء اللََّه، و أنه يتستر بالمعيشة و إظهار الجهل بلا ترتيب الوضوء. فجلس بين يديه و قال له: يا سيدي و أين أنا و أين مكة؟لا أجد ركبا و لا رفقة في غير أشهر الحج فنظر الشيخ إليه و أشار بيده و قال: هذه مكة أمامك. يقول ابن الفارض: فنظرت معه فرأيت مكة شرفها اللََّه فتركته و طلبتها فلم تبرح أمامي إلى أن دخلتها في ذلك الوقت، و جاءني الفتح حين دخلتها فترادف‏ (2)

و لم ينقطع و إلى ذلك يشير في شعره:

يا سميري روّح بمكة روحي # شاديا إن رغبت في إسعادي

كان فيها أنسي و معراج قدسي # و مقامي المقام، و الفتح بادي‏

ثم يتابع الشيخ عمر ابن الفارض فيقول:

ثم شرعت في السياحة في أودية مكة و جبالها و كنت أستأنس فيها بالوحوش ليلا و نهارا و إلى ذلك يقول في تائيته:

فلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا (3) # و بالوحش أنسي إذ من الأنس وحشتي‏

____________

(1) عمر: الاسم الأول لشيخنا ابن الفارض.

(2) ترادف: جاء تكرارا.

(3) الفلا: الفلاة اي الأرض الواسعة يشير بها إلى بلاد الحجاز.

6

ثم يقول: و أقمت بواد كان بينه و بين مكة عشرة أيام للراكب المجد، و كنت آتي منه كل يوم و ليلة، و أصلي في الحرم الشريف الصلوات الخمس، و معي سبع عظيم الخلقة يتبعني في ذهابي و إيابي، و ينخ لي كما ينخ الجمل، و يقول: يا سيدي اركب فما ركبته قط (1) .

قضى شيخنا ابن الفارض في مكة و شعابها خمس عشرة سنة، سمع بعدها الشيخ البقال الذي لقيه على باب المدرسة السيوفية سمعه يقول: يا عمر تعالى إلى القاهرة احضر وفاتي و صلّ علي، فأتيته مسرعا، و الحديث ما زال لابن الفارض فوجدته قد احتضر فسلمت عليه، و سلم عليّ. و ناولني دنانير ذهب، و قال: «جهزني بهذه، و افعل كذا و كذا، و أعط حملة نعشي الى القرافة (2) » . كل واحد منهم دينارا و اطرحني على الأرض في هذه البقعة، و أشار بيده إليها، فلم تبرح أمامي أنظر إليها و هي بالقرافة تحت الجبل المعروف بالعارض بالقرب من مراكع موسى بسفح الجبل المقطم عند مجرى السيل، تحت المسجد المبارك المعروف بالعارض قال: و انتظر قدوم رجل يهبط عليك من الجبل، فصلّ أنت و هو عليّ، و انتظر ما يفعل اللّه في أمري.

قال: أي الشيخ عمر... فهبط إليّ رجل من الجبل كما يهبط الطائر المسرع، و لم أره يمشي على رجليه، فعرفته بشخصه، كنت أراه يصفع قفاه في الأسواق، فقال يا عمر:

تقدم فصلّ بنا على الشيخ، فتقدمت و صليت إماما و رأيت طيورا بيضا و خضرا، صفوفا بين السماء و الأرض، يصلون معنا، و رأيت طائرا منهم أخضر عظيما قد هبط عند رجليه، و ابتلعه، و ارتفع إليهم، و طاروا جميعا و لهم زجل‏ (3) فسألته عن ذلك فقال:

«يا عمر، أما سمعت أن أرواح الشهداء في أجواف طيور بيض تسرح في الجنة حيث شاءت، هم شهداء السيوف، أما شهداء المحبة فأجسادهم و أرواحهم في أجواف طيور خضر و هذا الشيخ منهم يا عمر» فأوصى ابن الفارض سبطه أن يدفنه في تلك البقعة المباركة و ضريحه معروف فيها.

____________

(1) شرح ديوان ابن الفارض. الشيخ حسن البوريني-دار التراث بيروت-ص 6.

(2) القرافة: تربة معروفة بمصر.

(3) الزجل: الصوت الحسن، و التطريب و رفع الصوت، لسان العرب، ابن منظور.

7

أما إقامته في مصر، فقد كانت بحكم إقامة والده، حيث كان في أول صباه يستأذن والده، و يطلع الى وادي المستضعفين بالجبل الثاني من المقطم و يأوي إليه، و يقيم في هذه السياحة ليلا و نهارا، ثم يعود إلى والده كي لا يخالف أوامره، فكان والده يجبره على الجلوس في مجالس أهل العلم يتزود منهم بلطائف المعارف و حقائق العلوم، و كانت نفسه رحمه اللََّه تشتاق دوما إلى العالم العلوي، و الحضرات و الأسماء الربانية، فنشأ متصوفا زاهدا عابدا، و قد ظهرت نزعة الصوفية في شعره و لو لا التصوف و المعاني الصوفية في شعره لما حفل بهذه القيمة العظيمة فلو جردنا شعره من المعنى الصوفي لأصبح من جملة الشعراء المغمورين حيث ينازعه في شعره في الخمريات منازع خطير هو أبو نواس، و له في الحنين إلى الحجاز إمام لا نظير له و لا مثيل: هو الشريف الرضي، و له في الصبابة سيد هو العباس بن الأحنف، و ما يكاد شعر ابن الفارض يخرج عن الصبابة و الحنين و الخمريات‏ (1) .

شغل ابن الفارض بالشعر نحو أربعين سنة. و ذلك أمد طويل، و لكن شعره بقيمة معانيه و ليس بقيمة ألفاظه فهو من حيث الديباجة و السبك شاعر ضعيف، و لكنه من حيث المعاني فحل من الفحول، لأنه استطاع الجمع بين الحقيقة و الخيال، فالحقيقة عند هذا الشاعر، هي الصورة الروحية و أما الخيال فهو الصورة الحسية التي رمز بها إلى المعنويات‏ (2) .

و لا شك أن ابن الفارض كان يعيش حالات الوجد و الفناء باللّه كما عاشها كبار مشايخ الصوفية كابن عربي و الحلاج و غيرهم. فقد كانوا يعيشون في غيبوبة تطول لأيام.

حتى أثناء صحوه كان ابن الفارض أحيانا كثيرة لا يسمع كلام محدثه و لا يراه و قد أرقته كثيرا قصيدته التائية و في هذا المجال يقول ولده محمد: سمعت الشيخ‏ (3) رضي اللّه عنه يقول: «رأيت رسول اللّه في المنام و قال لي: يا عمر ما سميت قصيدتك؟

____________

(1) التصوف الاسلامي في الأدب و الأخلاق. د. زكي مبارك. المكتبة العصرية-بيروت-ص 246.

(2) المصدر نفسه ص 247.

(3) الشيخ: المقصود ابن الفارض.

8

فقلت: يا رسول اللّه، سميتها: لوائح الجنان و روائح الجنان فقال: لا. بل سمها: نظم السلوك، فسميتها بذلك.

و يضيف الشيخ محمد ابن الشيخ عمر ابن الفارض قائلا: كان الشيخ في غالب أوقاته لا يزال دهشا، و بصره شاخصا. لا يسمع من يكلمه و لا يراه، فتارة يكون واقفا، و تارة يكون قاعدا، و تارة يكون مضطجعا إلى جنبه، و تارة يكون مستلقيا على ظهره.

مسجى كالميت. و يمر عليه عشرة أيام متواصلة، و اقل من ذلك و أكثر، و هو على هذه الحالة لا يأكل و لا يشرب، و لا يتكلم و لا يتحرك، ثم يستفيق و ينبعث من هذه الغيبة، و يكون أول كلامه انه يملي من القصيدة (نظم السلوك) ما فتح اللََّه عليه منها.

و من الشطحات الصوفية المعروفة عن ابن الفارض انه كان جالسا على باب الجامع الأزهر أمام قاعة الخطابة بين جماعة من الفقراء و الأمراء و جماعة من المشايخ الأعاجم المجاورين في الجامع فكانوا كلما ذكروا حالا من أحوال الدنيا كالفرشخانة (1) و الطشتخانة (2) كانوا يقولون هذا من زخم العجم و إذا المؤذنون يرفعون أصواتهم بالأذان دفعة واحدة فقال الشيخ: و هذا زخم العرب. و تواجد و صرخ كل من كان حاضرا حتى صار لهم ضجة عظيمة. و من شطحاته أيضا انه كان ماشيا في السوق بالقاهرة فرأى جماعة من الحرسية يضربون بالناقوس و يغنون بهذين البيتين:

مولاي سهرنا نبتغي منك وصال # مولاي لم تسمح فنمنا بخيال

مولاي فلم يطرق فلا شك بأن # ما نحن إذا عندك مولاي ببال‏

فلما سمعهم الشيخ ابن الفارض، صرخ صرخة عظيمة و رقص رقصا كثيرا في وسط السوق، و رقص جماعة كثيرة من المارين في الطريق، حتى صارت جولة و إسماع عظيم. و تواجد الناس إلى ان سقط أكثرهم الى الأرض و الحراس يكررون ذلك و خلع الشيخ كل ما كان عليه من الثياب. و رمى بها إليهم، و خلع الناس معه ثيابهم، و حمل

____________

(1) الفرشخانة: فرش البيت و أثاثه. خانه بالفارسية معناها بيت.

(2) الطشتخانة: وعاء البيت الذي يستعمل في غسل الأيدي و الملابس و خلافه.

9

بين الناس إلى الجامع الأزهر، و هو عريان مكشوف الرأس، و في واسطه لباسه، و أقام في هذه السكرة أياما، ملقى على ظهره، مسجى كالميت، فلما أفاق، جاء الحراس إليه و معهم ثيابه، فوضعوها بين يديه فلم يأخذها، و بذل الناس لهم فيها ثمنا كبيرا. فمنهم من باع، و منهم من امتنع عن بيع نصيبه، و خلاه عنده تبركا به‏ (1) .

و روي عنه أيضا انه كان ماشيا في الشارع الأعظم، و إذا بنائحة تنوح، و تندب على ميتة في طبقة و النساء يجاوبنها و هي تقول:

ستي متي متي حقا # أي و اللََّه، حقا حقا

فلما سمعها ابن الفارض، صرخ صرخة عظيمة، و خرّ مغشيا عليه، فلما أفاق صار يقول و يردد:

نفسي متي متي حقا # أي و اللّه حقا حقا

و في أخباره أيضا أنه كان يقيم في شهر رمضان بالحرم لا يخرج إلى السياحة، و يطوي و يحيي ليله و في ذلك يقول:

في هواكم رمضان عمره # ينقضي ما بين أحياء وطي‏

فشد وسط ولده محمد و كذلك فعل المجاورون بالحرم المكي، و هم في طلب ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك. فخرج الولد ليلا من الحرم لقضاء حاجة فرأى البيت و الحرم و دور مكة و جبالها ساجدين لله تعالى، و رأى أنوارا عظيمة بين السماء و الأرض، فجاء مهرولا إلى والده يخبره بذلك. فصرخ أبوه و قال للمجاورين الواقفين في طلب تلك الليلة: هذا ولدي قد رأى ليلة القدر. فصرخ الناس معه إلى أن علا ضجيجهم بالبكاء و الدعاء و الصلاة و الطواف الى الصباح و خرج ابن الفارض هائما في أودية مكة، و لم يدخل الحرم الى يوم العيد في تلك السنة (2) .

و ما دمنا نعالج شطحات و صوفية ابن الفارض التي ظهرت في شعره و لا سيما

____________

(1) البحر الفائض في شرح شعر ابن الفارض. شرح حسن البوريني.

(2) المصدر نفسه.

10

في قصائد الديوان فلا بد لنا من تسجيل بعض الأمور التي امتاز بها شعره خصوصا انه ذاع و انتشر على ألسنة الناس.

أ-ابن الفارض شاعر عاشق توزعت عواطفه بين عالمي المادة و الروح، و هو في أكثر أشعاره يعبر عن نفس أبية شريفة كان لها تأثير في نفوس الناس إلى زمن غير قليل.

ب-شعر ابن الفارض مزيج من الفطرة و التكلف، فهو شاعر بالأصل و لكنه حاول أن يجاري شعراء العصر في نماذج شعرهم فوقع في بعض التكلف أحيانا، و الصناعة أحيانا أخرى، و خصوصا في استعماله لفنون البديع من جناس و طباق و تورية.

و يكفي من تكلفه قصيدته الذالية فالمعروف ان الشعراء يبتعدون عن هذه القافية لصعوبتها و ندرة ألفاظها فكيف بنا إذا عرفنا أنه نظم فيها ما يزيد على الخمسين بيتا فاختياره لهذه القافية و إن دل على طول باع في ميادين العلم و الشعر إلا أن ذلك يشغله عن المعاني إلى البحث عن الكلمات و هنا لا بد من الإشارة إلى مطلع القصيدة:

صدّ حمى ظمأي لماك لما ذا # و هواك قلبي صار منه جذاذا

.

ج-اعتماده طريقة الألغاز مجاراة لأبناء عصره. لذلك وقع أيضا بالتكلف و جاءت اشعاره في الألغاز بعيدة عن مضامين شعره، في الوجد و التصوف.

د-اكثر ابن الفارض من استعمال التصغير في شعره و لا تكاد تخلو قصيدة واحدة من هذا الباب و ألفاظه في التصغير كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أهيل تصغير أهل. اميلح تصغير أملح. أحيلى تصغير أحلى. فتيّ تصغير فتى. ظبيّ تصغير ظبي.

هـ-تتعدد أسماء الحبيبة في شعره و إن كان المقصود فيها محبوبة واحدة هي الحضرة المحمدية فكان يكنيها بأسماء متعددة منها: نعم و اسماء و أمية مرخمة بأمي و رقية مرخمة برقي. و ليلى و جمل و ريا و عتبة و غيرها. ـ

11

و-يكثر ابن الفارض في شعره من أوصاف الضعف و الضنى و النحول حتى أصبح هذا الأمر ميزة له تميزه عن غيره و صفة تغلب على شعره.

خفيت ضنى حتى خفيت عن الضنى # و عن برء أسقامي و يرد أوامي

و لم يبق منى الحب غير كآبة # و حزن و تبريح و فرط سقام‏

ز-يكثر ابن الفارض في شعره من ذكر طيف المحبوب و الخيال و ما مرد ذلك إلا إلى حالات الوجد التي كانت تصيبه فهو يستعذب ذلك الطيف لأنه خيال المحبوب الحقيقي. و صوره الشعرية في هذا الباب تمتاز بالألق النفساني و القلق الروحاني.

لم أخل من حسد عليك فلا تضع # سهري بتشنيع الخيال المرجف

و اسأل نجوم الليل هل زار الكرى # جفني، و كيف يزور من لم يعرف‏

و له في هذا المعنى أيضا:

يدني الحبيب و ان تناءت داره # طيف الملام لطرف سمعي الساهر

فكأن عذلك عيس من أحببته # قدمت عليّ و كان سمعي ناظري‏

ح-يكثر في شعر ابن الفارض تعداد اسماء الخمرة و أوصافها، و ما ذلك إلا تعبير عن حالات الغيبوبة و الفناء في اللََّه.

يقولون لي صفها فأنت بوصفها # خبير أجل عندي بأوصافها علم

صفاء و لا ماء، و لطف و لا هوى # و نور و لا نار، و روح و لا جسم‏

ي-تتعدد في شعره ألفاظ الحب، و تختلف أسماؤه حتى زادت على الخمسين و نذكر من الألفاظ التي دلت على الحب: المحبة و العلاقة و الهوى، و الصبوة و الصبابة و الشغف، و الوجد، و الكلف، و التتيم، و العشق، و الجوى، و الوله، و الدنف، و الشجو، و الشوق و التباريح، و الوهن، و الشجن، و الاكتئاب، و الوصب و الحزن و الكمد و اللوعة و الفتون و الجنون و الخبل، و الداء المخامر، و الغرام، و الهيام، و التعبد و غيرها (1) .

____________

(1) روضة المحبين و نزهة المشتاقين: ابن قيم الجوزية، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر بيروت ص 25.

12

ك-أكثر أشعاره كانت في الحجاز و الحنين إليها، أما مصر فكانت لا تمر في شعره إلا لماما، و لعل أبرز موضع يذكر فيه مصر أثناء مناجاته لأهل نجد قائلا:

مذ غبتم عن ناظري لي أنة # ملأت نواحي أرض مصر نواحا

عدا عن الأبيات التي يذكر فيها جبل الطور في سيناء حيث كلم موسى ربه و هي كثيرة.

نشير أخيرا إلى مكانة الشيخ عمر ابن الفارض الأدبية و الفنية فهو بالرغم من اعتبار مؤرخي الأدب أنه ليس من فحول الشعراء، فقد ذاع صيته و انتشرت اشعاره على ألسنة الناس، بل أحيا كثير من مشايخ الصوفية حلقات الذكر على اسمه فكان الناس يجتمعون في بيت الصواف، في حي الحسين بمصر ليسمعوا مشايخ الذكر و هم يتغنون بأشعاره و لا سيما الشيخ الحويحي حيث ينشد من شعره:

ما بين معترك الأحداق و المهج # أنا القتيل بلا إثم و لا حرج..

عذب بما شئت غير البعد عنك تجد # أوفى محب بما يرضيك مبتهج

و خذ بقية ما أبقيت من رمق # لا خير في الحب أن أبقى على المهج‏

و مما يذكر عنه أيضا أن السلطان محمد الكامل كان يحب أهل العلم، و يحاضرهم في مجلس مختص بهم و كان يميل إلى فن الأدب فتذاكروا يوما في أصعب القوافي، فقال السلطان: من أصعبها الياء الساكنة، فمن كان منكم يحفظ شيئا منها فليذكره فتذاكروا في ذلك فلم يتجاوز أحد منهم عشرة أبيات. فقال السلطان أنا أحفظ منها خمسين بيتا قصيدة واحدة، و ذكرها. فاستحسن الجماعة ذلك منه فقال القاضي شرف الدين كاتب سر السلطان أنا أحفظ منها مائة و خمسين بيتا قصيدة واحدة، فقال السلطان: يا شرف الدين جمعت في خزائني دواوين الشعراء في الجاهلية و الإسلام و أنا أحب هذه القافية، فلم أجد فيها أكثر من الذي ذكرته لكم فأنشدني هذه الأبيات فأنشده القاضي شرف الدين قصيدة ابن الفارض اليائية، و التي مطلعها:

سائق الأظعان يطوي البيد طي # منعما عرج على كثبان طي‏

فقال يا شرف الدين لمن هذه القصيدة فلم اسمع بمثلها. و هذا نفس محب فقال‏

13

هذه من نظم الشيخ شرف الدين عمر ابن الفارض قال: و في أي مكان مقامه؟قال: كان مجاورا بالحجاز، و في هذا الزمان حضر إلى القاهرة، و هو مقيم بقاعة الخطابة في الجامع الأزهر. فقال السلطان: يا شرف الدين خذ منا ألف دينار و توجه بها إليه و قل له عنا ولدك محمد يسلم عليك، و يسألك أن تقبل منه هذه برسم الفقراء الواردين عليك، فإذا قبلها اسأله الحضور لدينا لنأخذ حظنا من بركته. فقال: مولانا السلطان يعفيني من ذلك فإنه لا يأخذ الذهب و لا يحضر، و لا أقدر بعد ذلك أن أدخل عليه حياء منه، فقال السلطان لا بدّ من ذلك. فأخذها القاضي شرف الدين و قصد مكان ابن الفارض، فوجده واقفا على الباب ينتظره، فابتدأه بالكلام، و قال: يا شرف الدين ما لك و لذكري في مجلس السلطان؟!.. رد الذهب إليه و لا ترجع تجيئني إلى سنة فرجع، و قال للسلطان: وددت ان أفارق الدنيا و لا أفارق رؤية الشيخ سنة فقال السلطان: مثل هذا الشيخ يكون في زماني و لا أزوره!لا بدّ لي من زيارته و رؤيته. فنزل السلطان في الليل إلى المدينة متخفيا مع عدد من كبار حاشيته و دخل الجامع بعد صلاة العشاء، فلما أحس ابن الفارض بهم خرج من باب آخر بظاهر الجامع. و سافر إلى الاسكندرية، و أقام فيها مدة. فغضب السلطان منه ورد طلبه بعد مدة ببناء ضريح عند قبر امه بتربة الامام الشافعي ثم استأذنه ان يبني مزارا لنفسه فلم يأذن له‏ (1) .

و كأني بالشيخ قد استلهم قول القائل: «إذا رأيت العلماء على باب الزعماء فبئس العلماء و بئس الزعماء و إذا رأيت الزعماء على باب العلماء فنعم العلماء و نعم الزعماء» .

و عن منزلته في عصره يقول حفيده ابن بنته، الشيخ علي رحمهما اللََّه:

كان إذا مشى في المدينة، تزدحم الناس عليه يلتمسون منه البركة و الدعاء، و يقصدون تقبيل يده فلا يمكن أحدا من ذلك، بل يصافحه. و كانت ثيابه حسنة، و رائحته طيبة، و كان إذا حضر في مجلس، يظهر على ذلك المجلس سكون و هيبة.

و سكينة و وقار. و رأيت جماعة من مشايخ الفقهاء و الفقراء، و أكابر الدولة من الأمراء

____________

(1) شرح ديوان ابن الفارض، الشيخ حسن البوريني.

14

و الوزراء، و القضاة و رؤساء الناس يحضرون مجلسه، و هم في غاية ما يكون من الأدب معه، و الاتضاع‏ (1) له، و إذا خاطبوه فكأنما يخاطبون ملكا عظيما، و كان ينفق على من يرد عليه نفقة متسعة، و يعطي من يده عطاء جزيلا، و لم يكن يتسبب في تحصيل شي‏ء من الدنيا، و لا يقبل من أحد شيئا.

أما قصة وفاته، فقد ذكرها سبطه الشيخ علي على النحو التالي قال:

إن الشيخ كان يتردد الى المسجد المعروف بالمشتهى في أيام النيل، و يحب مشاهدة البحر و قال من الأبيات فيه:

وطني مصر و فيها وطري # و لعييّ مشتهاها مشتهاها

فتوجه إليه أي إلى المشتهى يوما فسمع قصارا (2) يقصر و يضرب مقطعا على حجر و يقول:

قطع قلبي هذا المقطع، ما قال أي ما كان يصفو أو يتقطع.

فما زال الشيخ يصرخ و يكرر هذا السجع، ساعة بعد ساعة، و يضطرب اضطرابا شديدا، و ينقلب إلى الأرض ثم يسكن اضطرابه، حتى يظهر أنه مات، ثم يستفيق و يتكلم معنا بكلام صوفي ما سمعنا مثله قط، و لا نحسن أن نعبر عنه، ثم يضطرب على كلامه و يعود إلى حال وجده، و دخل إلينا رجل من أصحابه فلما رآه و شاهد حاله قال:

أموت إذا ذكرتك ثم أحيا # فكم أحيا عليك و كم أموت‏

فوثب الشيخ قائما و اعتنقه، و قال له: أعد ما قلت، فسكت الرجل شفقة منه عليه، و سأله أن يرفق بنفسه، و ذكر له شيئا من حاله عند غلبة الوجد عليه فقال:

إن ختم اللََّه بغفرانه # فكل ما لاقيته سهل‏

____________

(1) الاتضاع: التواضع.

(2) القصار: الذي يصنع الحجارة للبيوت و غيرها.

15

و لم يزل على هذه الحال من حين سمع كلام القصار إلى أن توفي رحمة اللََّه عليه.

و كانت وفاة سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض في العام الثاني و الثلاثين بعد المائة السادسة للهجرة (632 هـ) الموافق لعام 1234 للميلاد و دفن في سفح جبل المقطم في مكان يدعى اليوم قرافة ابن الفارض و هو نفس المكان الذي سجي به الشيخ البقال. و ما زال قبره حتى الساعة مزارا يزدحم بأفواج المؤمنين. نفعنا اللََّه و إياهم من بركاته.

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا فإنك أنت من وراء القصد بك نستعين و إليك العودة و المآل و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

مهدي محمد ناصر الدين ماجستير في اللغة العربية و آدابها

16

-

17

تنبيه إلى القارئ الكريم.

اعتمدنا في شرحنا لديوان ابن الفارض تقسيم القصائد حسب قوافيها و رتبناها بالتسلسل على حروف الهجاء من الألف إلى الياء، و أفردنا قسما في نهاية القصائد لباب الألغاز دون أن تدخل ضمن القصائد الصوفية.

أما شرح الأبيات فكان يمر بمرحلتين الأولى شرح الكلمات لغويا و حل إشكالها، و إذا أشكل المعنى كنا نعمد إلى شرح البيت بكامله شرحا لغويا.

ثم وضعنا في آخر الشرح الرمز (م. ص. ) أي المعنى الصوفي للبيت و ذلك ليسهل على القارئ الكريم كنه و معرفة القصائد من حيث معانيها اللغوية و الصوفية.

و اللََّه الموفق و به نستعين 2

18

-

19

قافية الهمزة

يا راكب الوجناء

[البحر الكامل‏]

أرج النّسيم سرى من الزّوراء، # سحرا، فأحيا ميّت الأحياء (1)

أهدى لنا أرواح نجد عرفه، # فالجوّ منه معنبر الأرجاء (2)

و روى أحاديث الأحبّة، مسندا، # عن إذخر بأذاخر، و سحاء (3)

____________

(1) الأرج: الرائحة الطيبة-سرى: أتى ليلا. الزوراء: موقع قرب مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة المنورة-أوائل الصباح.

المعنى الصوفي (م. ص) ان ارج النسيم و هو انتشار ما تحمله الروح من توجه أمر اللّه تعالى في المعارف الربانية.

و الزوراء هي الحضرة في المسجد الحرام و السحر هو بدايات الهدى للسائرين في طريق اللّه. و المقصود ان الرائحة الطيبة احيت من مات بعد ظهور الحياة الربانية.

(2) الأرواح: مفردها الريح و تجمع على أرياح و رياح أيضا-العرف الرائحة الزكية. المعنبر الذي تفوح منه رائحة العنبر. الارجاء: النواحي.

م. ص: ان الجو الروحاني المنبعث من روح اللّه، اوحى بالاسرار الإلهية في نواحي قلوب المؤمنين.

(3) روى: نقل الحديث عن السند-الإذخر: من النباتات الزكية الرائحة. الأذاخر: مكان قرب مكة. السحاء: مكان تؤمه جماعات النحل عسله غاية في الطيب.

م. ص: الاحبة: الأسماء الإلهية. و الإذخر: الأوصاف الجمالية، السحاء: المعرفة المكتسبة من العلم الإلهي.

20

فسكرت من ريّا حواشي برده # و سرت حميّا البرء في أدوائي‏ (1)

يا راكب الوجناء، بلّغت المنى # عج بالحمى، إن جزت بالجرعاء (2)

متيمّما تلعات وادي ضارج، # متيامنا عن قاعة الوعساء (3)

و إذا أتيت أثيل سلع، فالنّقا # فالرّقمتين، فلعلع، فشظاء (4)

و كذا عن العلمين من شرقيّة، # مل، عادلا، للحلّة الفيحاء (5)

____________

(1) الريا: الريح الطيبة. الحواشي: مفردها الحاشية و هي طرف الشي‏ء. البرد: نوع من الثياب منها المخطط-الحميا: دوار الرأس من السكر-البرء: الشفاء. الأدواء واحدها الداء و هو المرض. تكثر المحسنات اللفظية في هذا البيت من استعارات و طباق و جناس حيث استعار للنسيم ثوبا و جانس بين البرد و البرء و سكرت و سرت و طابق بين الريا و الحميا و الداء و البرء.

(2) الوجناء: الناقة الشديدة. عج من عاج أي مال و هنا أمل رأس بعيرك جزت: مررت- الجرعاء: الأرض الكثيرة الحصى.

المعنى الصوفي: الوجناء كناية عن النفس المطمئنة القوية بإيمانها و الحمى هي الحضرة الإلهية و الجرعاء مقام المجاهدات الإنسانيّة و النفسانية و الصعوبات في سبيل اللّه تعالى.

(3) المتيمم: القاصد-التلعات: مفردها التلعة و هي الأرض المنخفضة. ضارج: واد بالحجاز. المتيامن: قاصد الجهة اليمنى، القاعة: الأرض السهلة المطمئنة.

الوعساء: اسم مكان.

المعنى الصوفي: أراد بالتلعات: الاطمئنان الذي يلقاه من يسلك طريق اللّه. و أراد بضارج القلب الإنساني وجهة اليمين موضع النفس باعتقاد أهل التصوف. و الوعاء:

النفس الحيوانية التي تعتبرها صبوات الجسد.

(4) الأثيل: تصغير للأثل و هو شجر معروف. سلع و النقا: موضعان بالمدينة. الرقمتان:

واحدها الرقمة و هي مجتمع ماء الوادي عند سفحه. لعلع: ماء بالبادية. شظا: اسم جبل.

م. ص. سلع من المقامات النبوية و النقا: مقام محمدي تنكشف فيه الأمور لصاحبها و الرقمة مقام محمدي متصل بمكان آخر تظهر فيه الأمور واضحة كالتوشية في الثوب و لعلع: مكان الصفاء. و شظا مكان الارتقاء.

(5) العلمان: جبلان بين عرفة و المزدلفة. من شرقية: من شرقي جبل شظا، الحلة:

مكان حلول المؤمنين-الفيحاء: الواسعة.

يقصد بالعلمين المأزمين بين المزدلفة و عرفة و يقول انهما مع ساكنيهما من صنف واحد ليس فيهم من أصحاب الشر. أقيمت فيهما منازل الكاملين و هي واسعة فيحاء تتجلى فيها صور الملك و الجبروت.

21

و اقر السلام عريب ذيّاك اللّوى # من مغرم، دنف، كئيب، نائي‏ (1)

صبّ، متى قفل الحجيج تصاعدت # زفراته بتنفّس الصّعداء (2)

كلم السهّاد جفونه، فتبادرت # عبراته، ممزوجة بدماء (3)

يا ساكني البطحاء، هل من عودة # أحيا بها، يا ساكني البطحاء؟ (4)

إن ينقضي صبري، فليس بمنقض # وجدي القديم بكم، و لا برحائي‏ (5)

و لئن جفا الوسميّ ماحل تربكم # فمدامعي تربي على الأنواء (6)

وا حسرتا، ضاع الزّمان و لم أفز # منكم، أهيل مودّتي، بلقاء (7)

و متى يؤمّل راحة من عمره # يومان: يوم قلى، و يوم تنائي‏ (8)

____________

(1) اللوى: ما استرق من الرمل-المدنف: العاشق الذي اصابه المرض من شدة العشق.

النائي: البعيد.

م. ص: ساكنو اللوى هم أهل المعارف و الحقائق و اللوى هو المقام النبوي و المغرم هو المتيم بحب اللّه.

(2) الصب: الشديد العشق. قفل الحجيج: عادوا بعد أداء الفريضة. الصعداء: النفس الطويل الذي يأتي من الاعماق.

م. ص. ان انفاس المؤمنين تصاعدت إلى الجهة العلوية دون حدود تقف دونها لأن أبواب السماء تكون مفتوحة لها.

(3) الكلم: الجراح-السهاد: عدم النوم-العبرات: مفردها العبرة و هي الدمعة.

م. ص: أن نزول الدمع اتى من جراء الحزن لمفارقة الحضرة الإلهية و التجليات الربانية.

(4) البطحاء: أرض واسعة تجتمع فيها الحصى.

م. ص: ساكنو البطحاء الأولياء و العارفون. و العودة هي الرجعة إلى ذلك المكان.

(5) لم يجزم ابن الفارض فعل ينقضي بحذف الياء من آخره بعد اداة الشرط «إن» قياسا على ما ورد في الآية الكريمة: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ إلخ. الوجد: شدة العشق- البرحاء: الأمراض و الآلام.

(6) الوسمي: أول مطر الربيع. تربي: تزيد: الأنواء: واحدها النوء و هو المطر.

الماحل: الذي انقطع عنه المطر.

(7) اهيل: تصغير لكلمة أهل.

(8) القلى: البغض و الكراهية. التنائي: البعاد و الفراق. و قوله متى يؤمل: استفهام انكاري معناه لا يؤمل.

22

و حياتكم، يا أهل مكّة، و هي لي # قسم، لقد كلفت بكم أحشائي‏ (1)

حبيّكم، في الناس، أضحى مذهبي # و هواكم ديني و عقد ولائي‏ (2)

يا لائمي في حبّ من من أجله # قد جدّ بي وجدي، و عزّ عزائي

هلاّ نهاك نهاك عن لوم امرئ # لم يلف غير منعّم بشقاء (3)

لو تدر فيم عذلتني لعذرتني، # خفض عليك، و خلّني و بلائي‏ (4)

فلنازلي سرح المربّع، فالشّبيكة # ، فالثّنيّة من شعاب كداء (5)

و لحاضري البيت الحرام، و عامري # تلك الخيام، و زائري الحثماء (6)

و لفتية الحرم المريع، و جيرة # الحيّ المنيع، تلفّتي و عنائي‏ (7)

فهم هم صدّوا، دنوا، و صلوا، جفوا # غدروا، وفوا، هجروا، رثوا لضنائي‏ (8)

و هم عياذي، حيث لم تغن الرّقى # و هم ملاذي، إن غدت أعدائي‏ (9)

____________

(1) الواو واو القسم فهو يقسم بحياة أهل مكة بأن أحشاءه تحبهم و يضيف في البيت الثاني أن حبهم أضحى مذهبه المشهور و دينه المبرور حبهم و هواهم و ودهم و ولاهم. و حبه لأهل مكة كناية عن حبه للََّه الحق المتجلي بهم.

(2) الوجد: الحزن و الحب. العزاء: الصبر.

(3) نهاك: مفردها النهية و معناها العقل. يلفى: يوجد.

(4) عذلتني: لمتني. خفض عليك: هون على نفسك-خلني: دعني و اتركني.

(5) السرح: شجر عظيم لا شوك فيه-المربع: موضع بالحجاز-الشبيكة-موضع قرب مكة. الثنية-الطريق في الجبل و المقصود الطريق التي تصل إلى عرفة-كداء: جبل بأعلى مكة و منه دخل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) .

(6) الحثماء: بقية الرمل في الوادي.

(7) الفتية: مفردها الفتى و هو الشاب-المريع: الخصيب. الحي المنيع: الذي يمنع دخوله عنوة و في الأبيات سجع لطيف بين البيت الحرام و عامري تلك الخيام و بين الحرم المريع و الحي المنيع.

(8) معنى البيت إنهم احباء كيفما كانوا. في القرب و البعد في الجفاء و الوصل في الوفاء و الغدر و يكثر الطباق في هذا البيت على نحو ما ذكرنا فلو أخذنا كل كلمتين بعد هم هم لرأيناهما تشكلان طباقا حيث نذكر الشي‏ء و ضدّه.

(9) عياذي: مأواي و ملجئي. الرقى: التعاويذ و هي كلمات يتحصن بها الإنسان عند مداهمة الخطر. الملاذ: الملجأ و الحصن.

23

و همّ بقلبي، إن تناءت دارهم # عني، و سخطي في الهوى و رضائي‏ (1)

و على محلّي، بين ظهرانيهم، # بالأخشبين، أطوف حول حمائي‏ (2)

و على اعتناقي للرّفاق، مسلّما، # عند استلام الرّكن، بالإيماء (3)

و تذكّري أجياد وردي في الضّحى # و تهجّدي في اللّيلة اللّيلاء (4)

و على مقامي بالمقام، أقام في # جسمي السّقام، و لات حين شفاء (5)

عمري، و لو قلبت بطاح مسيله # قلبا، لقلبي الرّيّ بالحصباء (6)

أسعد أخيّ، و غنّني بحديث من # حلّ الأباطح، إن رعيت إخائي‏ (7)

و أعده عند مسامعي، فالرّوح، إن # بعد المدى، ترتاح للأنباء

و إذا أذى ألم ألمّ بمهجتي، # فشذى أعيشاب الحجاز دوائي‏ (8)

أ أذاذ عن عذب الورود بأرضه # و أحاد عنه، و في نقاه بقائي‏ (9)

و ربوعه أربي، أجل، و ربيعه # طربي، و صارف أزمة اللأواء (10)

____________

(1) تناءت: ابتعدت. السخط: الغضب.

(2) بين ظهرانيهم في وسطهم و في معظمهم. الاخشبان. جبلا مكة و جبلا منى.

(3) الاعتناق: وضع العنق على العنق عند السلام-الإيماء: الإشارة.

(4) أجياد: جبل بمكة-الورد: قراءة بعض سور القرآن التهجد: الصلاة و الدعاء في الليل-الليلة الليلاء: الشديدة السواد.

(5) المقام: مقام إبراهيم عليه السلام. السقام: المرض.

(6) البطاح: المقيل الواسع الذي تجتمع فيه الحصى الصغيرة و الهاء في مسيله عائدة للحرم المريع. القلب: مفردها القليب و هي البئر. الحصباء: الأرض الكثيرة الحصى.

(7) اسعد: اسعف. الأباطح ورد ذكرها.

(8) المّ: أصاب-الشذا: الرائحة الطيبة. اعيشاب: تصغير اعشاب.

(9) أذاذ: أمنع و اطرد. الورود: طلب الماء العذب أحاد: أنحّي-النقا: أرض بالحجاز.

(10) الربوع: ربوع الحجاز-أدبي: حاجتي و طلبي الصارف: الدافع و الكاشف للحزن و الغم. اللأواء: الازمة و الشدة و سنة الجدب و القحط.

24

و جباله لي مربع، و رماله # لي مرتع، و ظلاله أفيائي‏ (1)

و ترابه ندّي الذّكيّ، و ماؤه # وردي الرّويّ، و في ثراه ثرائي‏ (2)

و شعابه لي جنّة، و قبابه # لي جنّة، و على صفاه صفائي‏ (3)

حيّا الحيا تلك المنازل و الرّبى، # و سقى الولي مواطن الآلاء (4)

و سقى المشاعر و المحصّب، من منى # سحّا، و جاد مواقف الأنضاء (5)

و رعى الإله بها أصيحابي، الألى # سامرتهم بمجامع الأهواء (6)

و رعى ليالي الخيف، ما كانت سوى # حلم مضى، مع يقظة الإغفاء (7)

واها على ذاك الزّمان، و ما حوى # طيب المكان، بغفلة الرّقباء (8)

أيّام أرتع في ميادين المنى، # جذلا، و أرفل في ذيول حباء (9)

____________

(1) المربع: مكان الربوع أو الإقامة في أيام الربيع.

(2) الند: من أنواع الطيب الزكي: الجميل الرائحة الورد: طلب الماء-الثرى: التراب- الثراء: كثرة المال و الثروة.

(3) الشعاب: شعاب مكة و جبل الحجاز. القباب: مفردها القبة و هي بناء مجوف مرتفع على نمط التدوير. الجنة بضم الجيم: الترس الواقي. الصفا: من المشاعر المقدسة حيث يجري السعي ما بين مروة و الصفا.

(4) حيّا الأولى: سلم الحيا: المطر الولي: المطر الذي يتأخر عن أول مطر الربيع الذي يدعى الوسمي. الآلاء: النعم و الواحد منها الألى أو الإلى.

(5) المشاعر: الأماكن المقدسة. المحصب: موضع رمي الجمار السبع في منى.

السح: المطر الغزير الأنضاء: واحدها النضو و هو الهزيل من الإبل.

(6) الألى: اسم موصول بمعنى الذين. سامرتهم: قضيت الليل في الحديث معهم و السمير هو رفيق الليل.

(7) الخيف: موضع قرب منى. و اليقظة: نقيض النوم.

(8) واها: لفظة تفيد معنى التلهف-الزمان: زمان السلوك و المجاهدات النفسانية.

(9) الجذل: المسرور و الفرح-أرفل: أتبختر و أتخايل.

25

ما أعجب الأيّام، توجب للفتى # منحا، و تمنحه بسلب عطاء (1)

يا هل لماضي عيشنا من عودة # يوما و أسمح بعده ببقائي‏ (2)

هيهات، خاب السعي و انفصمت عرى # حبل المنى، و انحلّ عقد رجائي‏ (3)

و كفى غراما أن أبيت متيّما، # شوقي أمامي، و القضاء ورائي‏ (4)

لم أحسبه في الأحياء

[البحر المنسرح‏]

لم أخش و أنت ساكن أحشائي # إن أصبح عني كل خلّ نائي‏ (5)

فالناس اثنان: واحد أعشقه # و الآخر لم أحسبه في الأحياء

____________

(1) قوله ما اعجب الأيام تفرض و تعطي و تمنح و تحجب كناية عن اهوال الدهر. و قد ورد في الحديث الشريف: «لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر» .

(2) عبارة يا هل: اشتياق للماضي أيام العمل في طريق المعرفة الإلهية-حيث يكون المرء مريدا طالبا للََّه تعالى.

(3) هذا البيت يؤكد أنه لم يصل إلى الطريق التي كان ينوي الوصول إليها.

(4) الغرام: العذاب في سبيل اللّه بلغة الصوفيين. المتيم: المريض من الحب. الشوق هو الحق بالتعبير الصوفي.

(5) لم اخش: لم أخف. الخل: الصاحب. نائي: بعيد.

26

قافية التاء

التائية الكبرى‏

لوائح الجنان و روائح الجنان‏ (1)

[البحر الطويل‏] نظم السلوك‏

سقتني حميّا الحبّ راحة مقلتي، # و كأسي محيّا من عن الحسن جلّت‏ (2)

فأوهمت صحبي أنّ شرب شرابهم # به سر سرّي، في انتشائي بنظرة (3)

و بالحدق استغنيت عن قدحي و من‏ # شمائلها، لا من شمولي، نشوتي‏ (4)

ففي حان سكري، حان شكري لفتية # بهم تمّ لي كتم الهوى مع شهرتي‏ (5)

و لمّا انقضى صحوي تقاضيت وصلها # و لم يغشني في بسطها، قبض خشيتي‏ (6)

____________

(1) لوائح الجنان و روائح الجنان هو الاسم الأول لهذه القصيدة. و لكن الشيخ ابن الفارض يروي انه خلال خلوته و اعتزاله في الجامع الأزهر بمصر بقصد الرياضة الروحية، ظهر له الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المنام و طلب إليه ان يغير اسمها. و يسميها نظم السلوك. فكان ذلك. كما و أن هذه القصيدة تدعى التائية الكبرى لانتهاء رويها بحرف التاء. و هناك قصيدة اخرى تدعى التائية الصغرى، عدد أبياتها أقل من عدد أبيات هذه القصيدة.

(2) الحميا: الخمرة-الراحة: باطن الكف-مقلتي: عيني. المحيا: الوجه. جلت:

تنزهت و ترفعت.

(3) سرّ: فرح-الانتشاء: اللذة و الدوار بفعل الشرب.

(4) الحدق: مفردها الحدقة و هي سواد العين. الشمائل: مفردها الشميلة و هي العادة أو المزية. الشمول: من اسماء الخمرة.

(5) الحان: مكان الشراب. حان: حل وقته.

(6) يغشاني: يصيبني و حذفت الفها لوجوب الجزم. بسطها: انطلاقها.

27

و أبثثتها ما بي، و لم يك حاضري # رقيب لها، حاظ بخلوة جلوتي‏ (1)

و قلت، و حالي بالصبّابة شاهد، # و وجدي بها ما حيّ، و الفقد مثبتي: (2)

هبي، قبل يفني الحبّ منّي بقيّة # أراك بها، لي نظرة المتلفّت‏ (3)

و منّي على سمعي بلن، إن منعت أن # أراك، فمن قبلي، لغيري، لذّت‏

فعندي، لسكري، فاقة لإفاقة، # لها كبدي، لو لا الهوى، لم تفتّت‏ (4)

و لو أنّ ما بي بالجبال، و كان طور # سينا بها، قبل التجلّي، لدكّت‏ (5)

هوى عبرة نمّت به و جوى نمت # به حرق، أدواؤها بي أودت‏ (6)

فطوفان «نوح» عند نوحي كأدمعي # و إيقاد نيران «الخليل» كلوعتي‏ (7)

و لو لا زفيري أغرقتني أدمعي، # و لو لا دموعي أحرقتني زفرتي‏

و حزني، ما يعقوب بثّ أقلّه، # و كلّ بلى أيّوب بعض بليّتي‏ (8)

و آخر ما لاقى الألى عشقوا، إلى # الرّدى بعض ما لاقيت، أوّل محنتي‏ (9)

فلو سمعت أذن الدّليل تأوّهي # لآلام أسقام، بجسمي، أضرّت‏ (10)

____________

(1) أبثثتها: ضمنتها أو أخبرتها. الحاظي: اسم فاعل من حظي بمعنى حصل أو كسب.

الجلوة: الظهور و البروز.

(2) الصبابة: شدة العشق-الوجد: الوله و المرض من الحب.

(3) هبي: افترضي. يفني: يبيد.

(4) الفاقة: الحاجة. الافاقة: الصحو.

(5) طور سيناء: جبل معروف كان يصعد إليه نبينا موسى (ع) . التجلي: إشارة إلى تجلي نور اللّه جل و علا على جبل سيناء. دكت: تهدمت.

(6) العبرة: الدمعة. نمت من النميمة: وشت. الجوى: الحزن و هوى الباطن. نمت:

كبرت. الأدواء: الأمراض. اودت: أهلكت.

(7) نوحي: بكائي. نيران الخليل: النيران التي القي بها سيدنا إبراهيم الخليل و كانت بردا و سلاما عليه بإذن اللّه. اللوعة: الحرقة.

(8) بث: أذاع و أعلن و المقصود ان حزن يعقوب على سيدنا يوسف لم يعادل شيئا من حزنه. البلى: المصاب.

(9) الألى: البشر-الردى: المنية و الهلاك. المحنة: المصيبة.

(10) التأوه: زفرات الحزن. الأسقام: واحدها السقم و هو المرض.

28

لأذكره كربي أذى عيش أزمة # بمنقطعي ركب، إذا العيس زمّت‏ (1)

و قد برح التّبريح بي، و أبادني، # و أبدى الضّنى منّي خفيّ حقيقتي‏ (2)

فنادمت في سكري، النحول مراقبي، # بجملة أسراري، و تفصيل سيرتي‏ (3)

ظهرت له وصفا، و ذاتي، بحيث لا # يراها لبلوى من جوى الحبّ، أبلت‏ (4)

فأبدت، و لم ينطق لساني لسمعه، # هواجس نفسي سرّ ما عنه أخفت‏

و ظلّت، لفكري، أذنه خلدا بها # يدور به، عن رؤية العين أغنت‏ (5)

فأخبر من في الحيّ عنّي، ظاهرا، # بباطن أمري، و هو من أهل خبرتي‏

كأنّ الكرام الكاتبين تنزّلوا، # على قلبه وحيا، بما في صحيفتي‏

و ما كان يدري ما أجنّ، و ما الذي، # حشاي من السّرّ المصون، أكنّت‏ (6)

و كشف حجاب الجسم أبرز سرّ ما # به كان مستورا له، من سريرتي‏ (7)

فكنت بسرّي عنه في خفية، و قد # خفته، لوهن، من نحولي أنّتي‏ (8)

فأظهرني سقم به، كنت خافيا # له، و الهوى يأتي بكلّ غريبة (9)

و أفرط بي ضرّ، تلاشت لمسّه # أحاديث نفس، بالمدامع نمّت‏ (10)

____________

(1) الكرب: الحزن و الغم. منقطعو الركب: الذين يتخلفون عن القافلة. العيس:

الإبل-زفت. جهزت للركوب.

(2) برح: بالغ. التبريح: الأذى. ابادني: اهلكني. الضنى: المرض و الضعف.

(3) النحول: الهزال و الضعف.

(4) الجوى: حرقة الداخل. أبلت: أصابت.

(5) خلدا بها: سمعا شديدا.

(6) أجن: اخفي. الحشا: الأمعاء و هنا القلب أو الروح-المصون: المحفوظ. أكنّت:

سترت.

(7) السريرة: ما تحول به الصدور و اللّه وحده اعلم بالسرائر.

(8) كنت: اخفيت. خفته: كتمته. الوهن: الضعف. النحول: الهزال. الأنة: زفرة الألم.

(9) السقم: الداء. الغريبة: البلوى و المصيبة.

(10) أفرط: أصاب. تلاشت: ضعفت. نمت: أينعت.

29

فلو همّ مكروه الرّدى بي لما درى # مكاني، و من إخفاء حبّك خفيتي‏ (1)

و ما بين شوق و اشتياق فنيت في # تولّ بحظر، أو تجلّ بحضرة (2)

فلو، لفنائي من فنائك ردّ لي # فؤادي، لم يرغب إلى دار غربة (3)

و عنوان شأني ما أبثّك بعضه، # و ما تحته، إظهاره فوق قدرتي‏ (4)

و أمسك، عجزا، عن أمور كثيرة # بنطقي لن تحصى، و لو قلت قلّت‏ (5)

شفائي أشفى بل قضى الوجد أن قضى # و برد غليلي واحد حرّ غلّتي‏ (6)

و بالي أبلى من ثياب تجلّدي، # به الذّات، في الاعدام، نيطت بلذّة (7)

فلو كشف العوّاد بي، و تحققوا # من اللّوح، ما منّي الصّبابة أبقت‏ (8)

لما شاهدت منّي بصائرهم سوى # تخلّل روح، بين أثواب ميّت‏ (9)

و منذ عفا رسمي و همت، و همت في # وجودي، فلم تظفر بكوني فكرتي‏ (10)

و بعد، فحالي فيك قامت بنفسها، # و بيّنتي في سبق روحي بنيّتي‏ (11)

و لم أحك، في حبّيك، حالي تبرّما # بها لاضطراب، بل لتنفيس كربتي‏ (12)

____________

(1) هم: أصاب. مكروه الردى: الموت.

(2) التولي: الغياب. التجلي: الحضور و الظهور و التجلي و التولي ضربان من الرياضات الصوفية.

(3) الفناء الأولى: الهلاك. الفناء الثانية: ساحة الدار.

(4) أبثك: أعلمك. و المعنى ان الاعلان عن حال الأسى يسبب الاسى اكثر من السكوت عليه.

(5) أمسك: أكف عن الأمر.

(6) الغليل: شدة العطش. الغلة: كالغليل العطش.

(7) ابلى: أصبح قديما رثا. الاعدام: واحدها العدم و هو الحرمان. نيطت: ألحقت.

(8) العواد: زوار المرضى. اللوح: عظم الكتف و الصدر. الصبابة: العشق الشديد.

(9) البصائر: الانظار-تخلل روح: بقايا نفس.

(10) عفا: زال. رسمي: صورتي و المقصود جسدي. همت: ضعت و همت: تعلقت بنفسي الأوهام.

(11) البينة: الحجة و الدليل. البينة: الجسد.

(12) التبرم: الضجر. الكربة: الضيقة و الحزن.

30

و يحسن إظهار التجلّد للعدى، # و يقبح غير العجز، عند الأحبّة (1)

و يمنعني شكواي حسن تصبّري # و لو أشك للأعداء ما بي لأشكت‏ (2)

و عقبى اصطباري في هواك حميدة # عليك، و لكن عنك غير حميدة (3)

و ما حلّ بي من محنة، فهو منحة # و قد سلمت من حلّ عقد عزيمتي‏ (4)

و كلّ أذى في الحبّ منك، إذا بدا # جعلت له شكري مكان شكيّتي‏

نعم و تباريح الصّبابة، إن عدت # عليّ، من النّعماء، في الحبّ عدّت‏ (5)

و منك شقائي بل بلائي منّة، # و فيك لباس البؤس أسبغ نعمة (6)

أراني ما أوليته خير قنية، # قديم ولائي فيك من شرّ فتية (7)

فلاح و واش: ذاك يهدي لعزّة # ضلالا، و ذا بي ظلّ يهذي لغرّة (8)

أخالف ذا، في لومه، عن تقى، كما # أخالف ذا، في لؤمه، عن تقيّة (9)

و ما ردّ وجهي عن سبيلك هول ما # لقيت، و لا ضرّاه، في ذاك، مسّت‏ (10)

و لا حلم لي في حمل ما فيك نالني # يؤدّي لحمدي، أو لمدح مودّتي‏ (11)

قضى حسنك الداعي إليك احتمال ما # قصصت و أقصى بعد ما بعد قصّتي‏

و ما هو إلا أن ظهرت لناظري # بأكمل أوصاف على الحسن أربت‏ (12)

____________

(1) التجلد: الصبر.

(2) اشكت: ازالت الشكوى.

(3) العقبي: النتيجة المنتظرة.

(4) المحنة: المصيبة. العزيمة: القوة و البأس.

(5) التباريح: أول معالم الشي‏ء أو التباشير. الصبابة: العشق الشديد. النعماء: الفيض و الخير. عدت: حسبت.

(6) البلاء: المصيبة-المنة: الهبة و الاعطية. النعمة السابغة: العطاء الجزيل.

(7) أوليته: أعرته. القنية: ما يقتنيه المرء من الحاجيات.

(8) اللاحي: اللائم. يهذي: يتحدث بكلام غير واضح. الغرة: الغفلة.

(9) التقية: السكوت عن الشي‏ء لخوف و عدم مقدرة على مقاومته.

(10) الهول: الخوف و الهلع. الضراء: المصيبة. مست: اصابت.

(11) الحلم: العقل.

(12) اربت: زادت.

31

فحلّيت لي البلوى، فخلّيت بينها # و بيني، فكانت منك أجمل حلية (1)

و من يتحرّش بالجمال إلى الرّدى، # رأى نفسه، من أنفس العيش، ردّت‏ (2)

و نفس ترى في الحبّ أن لا ترى عنا، # متى ما تصدّت للصبابة صدّت‏ (3)

و ما ظفرت بالودّ، روح مراحة # و لا بالولا نفس صفا العيش، ودّت‏ (4)

و أين الصّفا؟هيهات من عيش عاشق # و جنّة عدن، بالمكاره، حفّت‏ (5)

ولي نفس حرّ، لو بذلت لها، على # تسلّيك، ما فوق المنى ما تسلّت‏

و لو أبعدت بالصدّ و الهجر و القلى # و قطع الرّجا عن خلّتي ما تخلّت‏ (6)

و عن مذهبي، في الحبّ، مالي مذهب # و إن ملت يوما عنه، فارقت ملّتي‏ (7)

و لو خطرت لي، في سواك، إرادة # على خاطري، سهوا، قضيت بردّتي‏ (8)

لك الحكم في أمري فما شئت فاصنعي # فلم تك، إلاّ فيك، لا عنك، رغبتي‏

و محكم عهد، لم يخامره بيننا # تخيّل نسخ، و هو خير أليّة (9)

و أخذك ميثاق الولا حيث لم أبن # بمظهر لبس النفس، في في‏ء طينتي‏ (10)

و سابق عهد لم يحل مذ عهدته، # و لا حق عقد، جلّ عن حلّ فترة (11)

____________

(1) الحلية: الثوب. البلوى: المصاب.

(2) يتحرش: يتعرض الردى: الموت. أنفس العيش: أحسنه و أرغده.

(3) العناء: التعب. تصدت: واجهت. صدت: جوبهت.

(4) ظفرت: نالت و كسبت. المراحة: الهانئة المطمئنة، ودت: ارادت أو طلبت.

(5) حفت: أحيطت من كل جانب.

(6) الصد: المنع-القلى: البغضاء. الخلة: الاجنة ما تخلت: ما قطعت الود.

(7) ملتي: مذهبي او ديني الذي أنا عليه.

(8) الردة: العودة عن المذهب المعتنق إلى مذهب سابق.

(9) محكم عهد: عهد موثوق-يخامره: يصيبه. النسخ: الزوغان و الإبطال-الألية:

القسم و الحلفان.

(10) الميثاق: العهد. الولاء: التأييد. لبس النفس: شكها. الطينة: الطبيعة التي جبل عليها.

(11) لم يحل: لم يتغير-العقد: الرباط أو الاتفاق. حل الفترة: نهاية العقد.

32

و مطلع أنوار بطلعتك، الّتي # لبهجتها، كل البدور استسرّت‏ (1)

و وصف كمال فيك، أحسن صورة، # و أقومها، في الخلق، منه استمدّت‏

و نعت جلال منك، يعذب دونه، # عذابي، و تحلو، عنده لي قتلتي‏

و سرّ جمال، عنك كلّ ملاحة # به ظهرت، في العالمين، و تمّت‏

و حسن به تسبى النّهى دلّني على # هوى حسنت فيه، لعزّك ذلّتي‏ (2)

و معنى وراء الحسن، فيك شهدته، # به دقّ عن إدراك عين بصيرتي‏

لأنت منى قلبي، و غاية بغيتي، # و أقصى مرادي، و اختياري و خبرتي‏ (3)

خلعت عذاري، و اعتذاري لا بس # -الخلاعة، مسرورا بخلعي و خلعتي‏ (4)

و خلع عذاري فيك فرضي و إن أبى # اقترابي، قومي، و الخلاعة سنّتي‏ (5)

و ليسوا بقومي ما استعابوا تهتّكي، # فأبدوا قلى و استحسنوا فيك جفوتي‏ (6)

و أهلي، في دين الهوى، أهله، و قد # رضوا لي عاري، و استطابوا فضيحتي‏

فمن شاء فليغضب، سواك، و لا أذى # إذا رضيت عنّي كرام عشيرتي‏

و إن فتن النّسّاك بعض محاسن # لديك، فكلّ منك موضع فتنتي‏ (7)

و ما احترت، حتى اخترت حبّيك مذهبا # فوا حيرتي، إن لم تكن فيك خيرتي‏

فقالت: هوى غيري قصدت، و دونه # اقتصدت، عميّا، عن سواء محجّتي‏ (8)

و غرّك، حتى قلت ما قلت، لابسا # به شين مين، لبس نفس تمنّت‏ (9)

____________

(1) استسرت: اختفت و في البيت إشارة إلى آخر ليالي الشهر القمري و هي تدعى السرار.

(2) تسبي: تسحر-النهى: العقول. الذلة: المهانة.

(3) غاية بغيتي: أقصى ما أرجو، أو أطلبه. اقصى المراد: أبعده.

(4) العذار: النقاب أو الغطاء. الخلعة: الثوب.

(5) أبى: رفض. سنتي: منهجي و طريقي.

(6) القلى: البغض. الجفوة: القطيعة.

(7) النساك: الواحد ناسك و هو الزاهد المتعبد.

(8) قصدت: سعيت إلى. اقتصدت: لم تسرف. العميا: العمى. المحجة: السبيل.

(9) الشين و المين: العيب. لبس النفس: شكوكها.

33

و في أنفس الأوطار أمسيت طامعا # بنفس تعدّت طورها، فتعدّت‏ (1)

و كيف بحبّي، و هو أحسن خلّة # تفوز بدعوى، و هي أقبح خلّة (2)

و أين السّهى من أكمه عن مراده # سها، عمها، لكن أمانيك، غرّت‏ (3)

فقمت مقاما حطّ قدرك دونه، # على قدم، عن حظّها، ما تخطّت‏

و رمت مراما، دونه كم تطاولت، # بأعناقها، قوم إليه، فجذّت‏ (4)

أتيت بيوتا لم تنل من ظهورها، # و أبوابها، عن قرع مثلك، سدّت‏ (5)

و بين يدي نجواك قدّمت زخرفا # تروم به عزا، مراميه عزّت‏ (6)

و جئت بوجه أبيض، غير مسقط # لجاهك في داريك خاطب صفوتي‏ (7)

و لو كنت بي من نقطة «الباء» خفضة # رفعت إلى ما لم تنله بحيلة (8)

بحيث ترى أن لا ترى ما عددته، # و أنّ الذي أعددته غير عدّة

و نهج سبيلي واضح لمن اهتدى، # و لكنّها الأهواء عمّت، فأعمت‏ (9)

و قد آن أن أبدي هواك، و من به # ضناك، بما ينفي ادّعاك محبّتي‏ (10)

حليف غرام أنت، لكن بنفسه، # و إبقاك، وصفا منك، بعض أدلّتي‏

فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا، # و لم تفن ما لا تجتلى فيك صورتي‏ (11)

____________

(1) الأوطار: مفردها الوطر و هو الرغبة أو الحاجة. تعدت الأولى: تجاوزت. تعدت الثانية: ناصبت العداء أو اعتدت.

(2) الخلة: الصحب و الخلة في آخر العجز: العادة.

(3) السهى: الغفلة-الأكمه: الأعمى. سها: ضل. العمة: الضلال.

(4) رمت مراما: طلبت حاجة. جذت: قطعت.

(5) ظهور البيوت سطوحها. و في البيت إشارة إلى منعة هذه البيوت لكرامة أصحابها

(6) النجوى: الطلب سرا. تروم: تطلب. عزت: صعبت.

(7) الداران: الدنيا و الآخرة. الصفوة: الحب و الوداد.

(8) الخفضة: حركة الكسر.

(9) الأهواء: أعراض النفس. عمت: انتشرت. أعمت: افقدت الأبصار.

(10) آن: حان. ابدي: أظهر. الضنا: المرض.

(11) الفناء في الأمر: الحلول به حتى الزوال-تجتلي: تنظر بجلاء.

34

فدع عنك دعوى الحب، و ادع لغيره # فؤادك، و ادفع عنك غيّك بالتي‏ (1)

و جانب جناب الوصل هيهات لم يكن # و ها أنت حيّ، إن تكن صادقا مت‏ (2)

هو الحبّ، إن لم تقض، لم تقض مأربا # من الحبّ فاختر ذاك أو خلّ خلّتي‏ (3)

فقلت لها: روحي لديك، و قبضها # إليك، و من لي أن تكون بقبضتي‏ (4)

و ما أنا بالشّاني الوفاة على الهوى، # و شأني الوفا تأبى سواه سجيّتي‏ (5)

و ما ذا عسى عني يقال سوى: «قضى # فلان، هوى» !من لي بذا، و هو بغيتي‏ (6)

أجل أجلي أرضى انقضاه صبابة # و لا وصل، إن صحّت لحبّك نسبتي‏ (7)

و إن لم أفز حقا إليك بنسبة # لعزّتها، حسبي افتخارا بتهمة

و دون اتّهامي إن قضيت أسى، فما # أسأت بنفس، بالشّهادة، سرّت‏

و لي منك كاف إن هدرت دمي، و لم # أعدّ شهيدا، علم داعي منيّتي‏ (8)

و لم تسو روحي في وصالك بذلها # لديّ لبون بين صون و بذلة (9)

و إني، إلى التّهديد بالموت، راكن، # و من هوله أركان غيري هدّت‏ (10)

و لم تعسفي بالقتل نفسي، بل لها # به تسعفي إن أنت أتلفت مهجتي‏ (11)

____________

(1) محاكاة للآية الكريمة: اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ* .

(2) جانب: خذ جانب الامر-الوصل: الحب.

(3) تقضي: تموت. تقضي مأربا: تحقق غاية. خل: امر من خلى بمعنى دع. المودة:

الصحبة.

(4) قبضها: مصيرها أي ان روحه بيدها. القبضة: اليد.

(5) الشاني: المبغض. السجية: الطبيعة و العادة.

(6) البغية: المطلب و المراد.

(7) الأجل: نهاية العمر. نسبتي: انتسابي.

(8) هدرت: ابحت. المنية: الموت.

(9) البون: المسافة البعيدة. الصون: الحماية.

(10) راكن: مستسلم. الهول: الخوف. الأركان: واحدها الركن و هو الزاوية.

(11) تعسفي: تظلمي. لم تسعفي: لم تعيني. اتلفت: أهلكت. و الجناس واضح بين تسعفين و تعسفين.

35

فإن صحّ هذا القال منك رفعتني، # و أعليت مقداري، و أغليت قيمتي‏ (1)

و ها أنا مستدع قضاك و ما به # رضاك‏، و لا أختار تأخير؟مدّتي‏

وعيدك لي وعد، و إنجازه مُنى # وليّ بغير البعد إن يرم يثبت‏ (2)

و قد صرت أرجو ما يخاف فأسعدي # به روح ميت للحياة استعدّت‏

و بي من بها نافست بالرّوح، سالكا، # سبيل الألى قبلي أبوا غير شرعتي‏ (3)

بكلّ قبيل كم قتيل بها قضى # أسى، لم يفز يوما إليها بنظرة (4)

و كم في الورى مثلي أماتت صبابة # و لو نظرت عطفا إليه لأحيت‏ (5)

إذا ما أحلّت، في هواها، دمي، ففي # ذرى العزّ و العليا قدري أحلّت‏ (6)

لعمري، و إن أتلفت عمري، بحبّها # ربحت و إن أبلت حشاي أبلّت‏ (7)

ذللت لها في الحيّ حتى وجدتني، # و أدنى منال عندهم فوق همّتي‏

و أخملني و هنا خضوعي لهم، فلم # يروني، هوانا بي، محلا لخدمتي‏ (8)

و من درجات العزّ أمسيت مخلدا # إلى دركات الذّلّ من بعد نخوتي‏ (9)

فلا باب لي يغشى، و لا جاه يرتجى، # و لا جار لي يحمى لفقد حميّتي‏ (10)

____________

(1) القال: القول.

(2) الوعيد: التهديد. الإنجاز: إتمام الأمر.

(3) السالك: المتعبد. السبيل: النهج و الطريق. الألى: الناس. أبوا: رفضوا.

الشرعة: المسلك.

(4) القبيل: القوم و معشر الناس. قضى: مات.

(5) الورى: الناس. الصبابة: الوجد و شدة العشق.

(6) الذرى: مفردها الذروة و هي القمة. أحلت: وضعت أي رفعت قدرة إلى أعلى المراتب.

(7) اتلفت: أفنيت. أبلّت: شفت.

(8) اخملني: جعلني خاملا أي كسولا. الوهن: الضعف.

(9) الدركات: مفردها الدركة أو الدرك و هو المنزلة السفلى. النخوة، الاندفاع و الحمية.

(10) يغشى: يصاب و المعنى يدخله زائر. الجاه: الرفعة و المرتبة العالية.

36

كأن لم أكن فيهم خطيرا، و لم أزل # لديهم حقيرا في رخاء و شدّة

فلو قيل من تهوى، و صرّحت باسمها # لقيل كنى، أو مسّه طيف جنّة (1)

و لو عزّ فيها الذّلّ ما لذّ لي الهوى، # و لم تك لو لا الحبّ، في الذلّ عزّتي‏

فحالي بها حال بعقل مدلّه، # و صحّة مجهود، و عزّ مذلّة (2)

أسرّت تمنّي حبّها النفس حيث لا # رقيب حجى سرّا لسرّي و خصّت‏ (3)

فأشفقت من سير الحديث بسائري # فتعرب عن سرّي، عبارة عبرتي‏ (4)

يغالط بعضي عنه بعضي، صيانة، # و ميني، في إخفائه، صدق لهجتي‏ (5)

و لمّا أبت إظهاره، لجوانحي، # بديهة فكري، صنته عن رويّتي‏ (6)

و بالغت في كتمانه، فنسيته، # و أنسيت كتمي ما إليه أسرّت‏

فإن أجن من غرس المنى ثمر العنا، # فللّه نفس، في مناها، تعنّت‏ (7)

و أحلى أماني الحبّ، للنفس، ما فضت # عناها به من أذكرتها و أنست‏

أقامت لها مني عليّ مراقبا، # خواطر قلبي، بالهوى، إن ألمّت‏ (8)

فإن طرقت، سرّا، من الوهم، خاطري # بلا حاظر، أطرقت إجلال هيبة (9)

و يطرف طرفي، إن هممت بنظرة # و إن بسطت كفّي إلى البسط كفّت‏ (10)

____________

(1) كنى: سمي باسمها. مسه: أصابه. طيف الجنة: الجنون.

(2) المدلة: الحائر من اثر الحب و الغرام.

(3) أسرت: تكلمت بصوت منخفض. الحجى: العقل.

(4) تعرب عن سرّي: تفصح عنه. العبرة: الدمعة.

(5) المين: الخداع و الكذب.

(6) أبت: رفضت. البديهة: سرعة الخاطر. الروية: التعقل و الاتزان.

(7) اجني: أحصّل. العناء: التعب. تعنت: أصابها العناء و التعب.

(8) الخواطر: الهواجس. ألمّت: احاطت بالأمر.

(9) طرفت: مرت سريعا. الحاظر: المائع. اطرقت: طأطأت الرأس. الإجلال:

الاحترام. الهيبة: الوقار.

(10) يطرف طرفي: يصاب نظري بسوء. هممت: باشرت. كفت: منعت.

37

ففي كلّ عضو فيّ، إقدام رغبة، # و من هيبة الإعظام، إحجام رهبة (1)

لفي و سمعي فيّ آثار زحمة # عليها بدت عندي كإيثار رحمة (2)

لساني، إن أبدى، إذا ما تلا اسمها، # له وصفه سمعي، و ما صمّ، يصمت‏ (3)

و أذني، إن أهدى لساني ذكرها # لقلبي و لم يستعبد الصّمت صمت‏ّ

أغار عليها أن أهيم بحبّها، # و أعرف مقداري، فأنكر غيرتي‏

فتختلس الرّوح ارتياحا لها، و ما # أبرّى‏ء نفسي من توهّم منية (4)

يراها، على بعد عن العين، مسمعي، # بطيف ملام زائر، حين يقظتي‏ (5)

فيغبط طرفي مسمعي عند ذكرها، # و تحسد، ما أفنته مني، بقيّتي‏ (6)

أممت أمامي في الحقيقة، فالورى # ورائي، و كانت حيث وجّهت وجهتي‏ (7)

يراها إمامي، في صلاتي، ناظري، # و يشهدني قلبي أمام أئمّتي‏

و لا غرو أن صلّى الإمام إليّ أن # ثوت في فؤادي، و هي قبلة قبلتي‏ (8)

و كلّ الجهات الستّ نحوي توجّهت # بما تمّ من نسك، و حجّ و عمرة (9)

لها صلواتي، «بالمقام» ، أقيمها، # و أشهد فيها أنّها لي صلّت‏ (10)

كلانا مصلّ واحد، ساجد إلى # حقيقته، بالجمع، في كلّ سجدة

و ما كان لي صلّى سواي، و لم تكن # صلاتي لغيري، في أدا كلّ ركعة

____________

(1) الإحجام: الكف عن الأمر. الرهبة: الخوف و المهابة.

(2) إيثار الرحمة: طلبها.

(3) معنى البيت: إن لساني و سمعي مشغوفان بسماع اسمها فإن ذكرها لسانه أصغى سمعه إلى اسمها و إن سكت لسانه عن ذكرها صمّ سمعه عن باقي الأمور.

(4) أبرئ: اشفي. المنية: الرغبة.

(5) الطيف: الخيال.

(6) يغبط: يفرح و يسرّ. أفنته: اتلفته.

(7) أممت: سرت إلى الامام. الورى: الخلق و الناس.

(8) ثوت: اقامت. الفؤاد: القلب.

(9) الجهات الست: الجهات الأربع المعروفة أضاف إليها فوق و تحت.

(10) المقام: مقام إبراهيم في الكعبة.

38

إلى كم أواخي السّتر؟ها قد هتكته # و حلّ أواخي الحجب في عقد بيعتي‏ (1)

منحت ولاها، يوم لا يوم، قبل أن # بدت عند أخذ العهد، في أوّليّتي‏ (2)

فنلت ولاها، لا بسمع و ناظر، # و لا باكتساب، و اجتلاب جبلّة (3)

و همت بها في عالم الأمر، حيث لا # ظهور، و كانت نشوتي قبل نشأتي‏ (4)

فأفنى الهوى ما لم يكن ثمّ باقيا، # هنا، من صفات بيننا، فاضمحلّت‏ (5)

فألفيت ما ألقيت عنّي صادرا # إليّ، و منّي واردا بمزيدتي‏ (6)

و شاهدت نفسي بالصّفات، التي بها # تحجّبت عني في شهودي و حجبتي‏ (7)

و إني التي أحببتها، لا محالة، # و كانت لها نفسي عليّ محيلتي‏ (8)

فهامت بها من حيث لم تدر، و هي في # شهودي، بنفس الأمر غير جهولة

و قد آن لي تفصيل ما قلت مجملا # و إجمال ما فصّلت، بسطا لبسطتي‏ (9)

أفاد اتّخاذي حبّها، لاتّحادنا، # نوادر، عن عاد المحبّين، شذّت‏ (10)

يشي لي بي الواشي إليها، و لائمي # عليها، بها يبدي، لديها، نصيحتي‏

فأوسعها شكرا، و ما أسلفت قلى # و تمنحني برّا، لصدق المحبّة (11)

تقرّبت بالنّفس احتسابا لها، و لم # أكن راجيا عنها ثوابا، فأدنت‏

____________

(1) أواخي: اطلب و اتوخى. الأواخي: ما يظهر من الحبل على شكل الحلقة بعد دفن أطرافه في الأرض.

(2) يوم لا يوم: قبل بدء الخليقة.

(3) اجتلاب الجبلّة: اكتساب الطبع.

(4) النشوة: قمة اللذة. النشأة: الولادة.

(5) أفنى: أهلك. ثم: هنالك بفتح الثاء. اضحملت: زالت.

(6) ألفيت: وجدت: ألقيت: رميت. الصدور: الذهاب إلى الماء و الورود: العودة منه.

(7) شهودي: ظهوري. حجبتي: غيبتي.

(8) محيلة: داعية إلى الأمر و موجهة إليه.

(9) آن: حان. البسط: التفصيل.

(10) عاد: عادات. شذت: نفرت و كانت غريبة عن الأمر.

(11) أسلفت: قدمت فيما مضى. القلى: البغضاء. البر: الوفاء بالوعد.

39

و قدّمت مالي في مآلي، عاجلا، # و ما إن عساها أن تكون منيلتي‏ (1)

و خلّفت خلفي رؤيتي ذاك، مخلصا # و لست براض أن تكون مطيّتي‏ (2)

و يمّمتها بالفقر، لكن بوصفه # غنيت، فألقيت افتقاري و ثروتي‏ (3)

فأثنيت لي إلقاء فقري و الغنى # فضيلة قصدي، فاطّرحت فضيلتي‏

فلاح فلاحي في اطّراحي، فأصبحت # ثوابي، لا شيئا سواها مثيبتي‏ (4)

و ظلت بها، لا بي، إليها أدلّ من # به ضلّ عن سبل الهدى و هي دلّت‏

فخلّ لها، خلّي، مرادك، معطيا # قيادك من نفس بها مطمئنّة (5)

و أمس خليّا من حظوظك، و اسم عن # حضيضك و اثبت، بعد ذلك تنبت‏ (6)

و سدّد، و قارب و اعتصم و استقم لها # مجيبا إليها، عن إنابة مخبت‏ (7)

و عد من قريب، و استجب و اجتنب غدا # أشمّر، عن ساق اجتهاد، بنهضة (8)

و كن صارما كالوقت فالمقت في «عسى» # و إيّاك «علاّ» ، فهي أخطر علّة (9)

و قم في رضاها، واسع، غير محاول # نشاطا، و لا تخلد لعجز مفوّت‏ (10)

و سر زمنا، و انهض كسيرا، فحظّك # البطالة ما أخّرت عزما لصحّة

____________

(1) المآل: العودة. المنيلة: المنية و العطاء.

(2) المطية: الوسيلة المهيئة للوصول.

(3) يممتها: احطتها.

(4) لاح: بدا و ظهر. الفلاح: الفوز و الظفر. اطراحي: تركي للأمر و هنا إلقاء الفقر و الغنى و الانصراف إلى العبادة. المثيبة: التي تجزي الخير.

(5) خل لها: أطعها.

(6) اسم: فعل أمر من سما بمعنى ارتفع. الحضيض: المكان المنخفض.

(7) سدد: سر في الطريق السليم. الإنابة: التوبة. المخبت: الخاشع.

(8) اشمر: اكشف. النهضة: الهمة.

(9) الصارم: الحاد القاطع. المقت: البغضاء. عسى و عل أو لعل تفيدان معنى التمني و الرجاء و المقصود إياك ان يثنيك التمني عن القيام بما تريده من الأعمال.

(10) تخلد: تركن و تستسلم. العجز المفوت: العمل الذي لا ينجز.

40

و أقدم، و قدّم ما قعدت له مع # الخوالف، و اخرج عن قيود التّلفّت‏ (1)

و جذّ، بسيف العزم سوف، فإن تجد # تجد نفسا، فالنفس إن جدت جدّت‏ (2)

و أقبل إليها، و انحها مفلسا، فقد # و صيت لنصحي، إن قبلت نصيحتي‏ (3)

فلم يدن منها موسر باجتهاده، # و عنها به لم ينأ مؤثر عسرة (4)

بذاك جرى شرط الهوى بين أهله، # و طائفة، بالعهد، أوفت فوفّت‏

متى عصفت ريح الولا قصفت أخا # غناء، و لو بالفقر هبّت لربّت‏ (5)

و أغنى يمين، باليسار جزاؤها، # مدى القطع ما، للوصل، في الحب مدّت‏ (6)

و أخلص لها، و أخلص بها عن رعونة # -افتقارك من أعمال بر تزكّت‏ (7)

و عاد دواعي القيل و القال، و انج من # عوادي دعاو صدقها قصد سمعة (8)

فألسن من يدعى بألسن عارف، # و قد عبرت كل العبارات، كلّت‏ (9)

و ما عنه لم تفصح، فإنّك أهله، # و أنت غريب عنه، إن قلت، فاصمت‏ (10)

و في الصمت سمت، عنده جاه مسكة # غدا عبده من ظنّه خير مسكت‏ (11)

فكن بصرا و انظر، و سمعا و عه، و كن # لسانا و قل، فالجمع أهدى طريقة (12)

____________

(1) اقدم: أمر من أقدم بمعنى اندفع. الخوالف: واحدها الخالفة، و هي بمعنى الكسل و التقاعس عن القيام بالعمل.

(2) جذّ: اقطع. السوف: الكذب و المماطلة.

(3) انحها: سر باتجاهها. مفلسا: فارغ الكفين.

(4) يدنو: يقترب. الموسر: صاحب الرغد و السعة في العيش. المؤثر: المفضل.

العثرة: الزلة و السقطة.

(5) عصفت: اشتدت. الولا: الولاء مخففة. ربت: أصلحت.

(6) المدى: مفردها المدية و هي السكين أو الشفرة.

(7) الرعونة: الجهل و الطيش. تزكت: تنزهت عن فعل هذا الأمر.

(8) القيل و القال: كلام العامة الذي لا فائدة منه إلا تناول الناس بالباطل.

(9) الألسن: صاحب اللسان الفصيح. كلت: تعبت.

(10) تفصح: تعرب. اصمت: اسكت. أي اجعل لكل مقام مقالا و إذا كنت لا تعرف الأمر فلا تتحدث به.

(11) الصمت: السكوت. السمت: حسن التصرف. المسكة: العقل.

(12) عه فعل أمر من وعى أضيف إليه ضمير النصب الهاء.

41

و لا تتّبع من سوّلت نفسه له، # فصارت له أمّارة، و استمرّت‏ (1)

و دع ما عداها، و اعد نفسك فهي من # عداها، و عذ منها بأحصن جنّة (2)

فنفسي كانت، قبل، لوّامة متى # أطعها عصت، أو أعص عنها مطيعتي‏

فأوردتها ما الموت أيسر بعضه # و أتعبتها، كيما تكون مريحتي‏ (3)

فعادت، و مهما حمّلته تحمّلته # منّي، و إن خفّفت عنها، تأذّت‏

و كلّفتها، لا بل كفلت قيامها # بتكليفها، حتى كلفت بكلتي‏ (4)

و أذهبت، في تهذيبها، كلّ لذّة، # بإبعادها عن عادها فاطمأنّت‏ (5)

و لم يبق هول دونها ما ركبته، # و أشهد نفسي فيه غير زكيّة (6)

و كلّ مقام، عن سلوك، قطعته، # عبوديّة حقّقتها، بعبودة (7)

و صرت بها صبّا، فلمّا تركت ما # أريد، أرادتني لها و أحبّت‏ (8)

فصرت حبيبا، بل محبّا لنفسه، # و ليس كقول مرّ: (نفسي حبيبتي)

خرجت بها عني إليها، فلم أعد # إلي، و مثلي لا يقول برجعة (9)

و أفردت نفسي عن خروجي، تكرما # فلم أرضها، من بعد ذاك، لصحبتي‏ (10)

و غيّبت عن إفراد نفسي، بحيث لا # يزاحمني إبداء وصف بحضرتي‏

و ها أنا أبدي، في اتّحادي، مبدئي، # و أنهي انتهائي في تواضع رفعتي‏

____________

(1) في البيت محاكاة للآية الكريمة: إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمََّارَةٌ بِالسُّوءِ .

(2) اعد نفسك: امنعها. العدي جمع عدو. عذ: فعل أمر من عاذ بمعنى التجأ. الجنة بضم الجيم: الحصن.

(3) أوردتها: أوصلتها. أيسر: اسهل.

(4) كلفتها: حملتها. بكلتي: بجميع أعضائي.

(5) عادها: المقصود عاداتها.

(6) الهول: الخوف. دونها: في سبيلها.

(7) العبودة: المقصود بها العبادة.

(8) الصب: الشديد التعلق و العشق.

(9) لا يقول برجعة: لا يعود إلى الحياة بعد المنية.

(10) أفردت نفسي أفردتها و جعلتها تخلو و تنفرد عن الناس.

42

جلت في تجليّها، الوجود لناظري # ففي كلّ مرئي أراها برؤية (1)

و أشهدت غيبي، إذ بدت، فوجدتني، # هنالك، إيّاها، بجلوة خلوتي‏ (2)

و طاح وجودي في شهودي و بنت عن # وجود شهودي، ماحيا، غير مثبت‏ (3)

و عانقت ما شاهدت في محو شاهدي # بمشهده للصّحو، من بعد سكرتي‏

ففي الصّحو، بعد المحو لم أك غيرها # و ذاتي بذاتي، إذ تحلّت تجلّت‏

فوصفي، إذ لم تدع باثنين، وصفها # و هيئتها، إذ واحد نحن، هيئتي‏ (4)

فإن دعيت كنت المجيب و إن أكن # منادى أجابت من دعاني، و لبّت‏

و إن نطقت كنت المناجي كذاك إن # قصصت حديثا، إنّما هي قصتّ‏

فقد رفعت تاء المخاطب بيننا # و في رفعها، عن فرقة الفرق، رفعتي‏ (5)

فإن لم يجوّز رؤية اثنين واحدا # حجاك، و لم يثبت لبعد تثبّت‏ (6)

سأجلو إشارات، عليك، خفيّة، # بها كعبارات، لديك، جليّة

و أعرب عنها، مغربا، حيث لات حين # لبس، بتبياني سماع و رؤية (7)

و أثبت بالبرهان قولي، ضاربا # مثال محقّ، و الحقيقة عمدتي‏ (8)

____________

(1) جلت: أظهرت بوضوح. التجلي: الكمال.

(2) الجلوة: التزين. الخلوة: الانفراد.

(3) طاح: أهلك. الشهود: البروز و الحضور. بنت: ماض من بان بمعنى ابتعد. ماحيا:

زائلا.

(4) في هذه الأبيات تبدو طريقة الحلولية التي اتبعها اكثر الصوفيين و منها قول الحلاج:

أنا من أهوى و من أهوى أنا # نحن روحان سكنا بدنا

(5) رفعت تاء المخاطب أي حذفت من الضمير أنت فأصبحت أنا و هذا ما يؤكد القول السابق في امر انحدار الذاتين أو ما يسمى بالحلولية.

(6) يجوزه: يجعله جائزا أي حلالا. حجاك: عقلك.

(7) أعرب: افصح. مغربا: قائلا القول الغريب. اللبس: الالتباس.

(8) الحقيقة عمدتي: الحقيقة ما اعتمد عليه.

43

بمتبوعة، ينبيك، في الصّرع، غيرها # على فمها في مسّها، حيث جنّت‏ (1)

و من لغة تبدو بغير لسانها، # عليه براهين الأدلّة صحّت‏

و في العلم، حقا، أنّ مبدي غريب ما # سمعت سواها و هي في الحسن أبدت‏

فلو واحدا أمسيت أصبحت واجدا # منازلة، ما قلته عن حقيقة

و لكن على الشّرك الخفيّ عكفت، لو # عرفت بنفس عن هدي الحق ضلّت‏ (2)

و في حبّه من عزّ توحيد حبّه، # فبالشّرك يصلى منه نار قطيعة (3)

و ما شأن هذا الشأن منك سوى السّوى # و دعواه، حقّا، عنك إن تمح تثبت‏ (4)

كذا كنت حينا، قبل أن يكشف الغطا # من اللّبس، لا أنفكّ عن ثنويّة (5)

أروح بفقد، بالشّهود مؤلّفي، # و أغدو بوجد، بالوجود مشتّتي‏ (6)

يفرّقني لبّي، التزاما، بمحضري، # و يجمعني سلبي، اصطلاما، بغيبتي‏ (7)

أخال حضيضي الصّحو و السكر معرجي # إليها، و محوي منتهى قاب سدرتي‏ (8)

فلمّا جلوت (الغين) عنّي اجتليتني # مفيقا، و منّي العين بالعين قرّت‏ (9)

____________

(1) المتبوعة: التي مسها الجان. الصرع: ألم يصيب الرأس و المقصود أثر الجن و تأثيره.

جنت: أصابها الجنون.

(2) الشرك الخفي: الكفر بأن يجعل للََّه شريكا. عكفت: أقبلت. ضلت: تاهت عن الطريق المستقيم.

(3) يصلى نارا: يحرق بها.

(4) شأن: أبغض. السوي: سواك من الناس أي غيرك.

(5) يكشف الغطاء: يظهر نور اللّه فيظهر الحق. الثنوية: الشرك باللّه و القول بوجود إلهين اثنين.

(6) مؤلفي: جامعي من بعد فرقة. الوجد: الحزن. المشتت: المفرق و المباعد.

(7) اللب: العقل. الاصطلام: القطع و الاستئصال.

(8) الحضيض: المكان المنخفض. الصحو: اليقظة. المعرج: الوسيلة التي تستعمل للارتقاء إلى الدرجات الروحية العليا. القاب: المقدار و منها قاب قوسين أو أدنى.

السدرة: سدرة المنتهى. مكان أو شجر في الجنة.

(9) الغين: بالمعنى و المصطلح الصوفي: الخلوة مع صحة الاعتقاد. و يمكن ان يكون الخطأ وقع عن المخطوطة أو النسخة الاصلية فتكون لفظة الغين محرفة عن العين، بحيث يزول الالتباس.

44

و من فاقتي، سكرا، غنيت إفاقة # لدى فرقي الثاني فجمعي كوحدتي‏ (1)

فجاهد تشاهد فيك منك، وراء ما # وصفت، سكونا عن وجود سكينة

فمن بعد ما جاهدت شاهدت مشهدي # و هاديّ لي إيّاي، بل بي قدرتي‏ (2)

و بي موقفي، لا بل إليّ توجّهي، # كذاك صلاتي لي، و منّي كعبتي‏ (3)

فلا تك مفتونا بحسنك، معجبا # بنفسك، موقوفا على لبس غرة (4)

و فارق ضلال الفرق فالجمع منتج # هدى فرقة، بالاتّحاد تحدّت‏

و صرّح باطلاق الجمال و لا تقل # بتقييده، ميلا لزخرف زينة (5)

فكلّ مليح، حسنه، من جمالها، # معار له، بل حسن كلّ مليحة

بها قيس لبني هام، بل كلّ عاشق، # كمجنون ليلى، أو كثيّر عزّة (6)

فكلّ صبا منهم إلى وصف لبسها، # بصورة حسن، لاح في حسن صورة (7)

و ما ذاك إلاّ أن بدت بمظاهر، # فظنّوا سواها، و هي فيها تجلّت‏ (8)

بدت باحتجاب، و اختفت بمظاهر # على صبغ التّلوين في كلّ برزة (9)

____________

(1) الفرق الثاني بالمصطلح الصوفي: شهود الخلق بالحق. و الفرق الأول: احتجاب الخلق عن الحق.

(2) جاهدت: قمت بالرياضة و المجاهدة الروحية. الهادي: المرشد. إياي: عزة نفسي.

(3) يعبر هذا البيت عن مبدأ الكمال الروحي و الرؤى التي يراها المتريض السالك لسبيل المجاهدة الروحية.

(4) اللبس: الشك. الغرة: الغفلة.

(5) صرّح: أعط الاجازة. الزخرف: التزيين.

(6) قيس لبني، و قيس بن الملوح. و كثير عزة شعراء نسبوا إلى اسماء حبيباتهم لشدة تعلقهم بهنّ.

(7) صبا: ذاب من الوجد و العشق.

(8) إشارة إلى ان بعض المتيمين كقيس بن الملوح مثلا كان يرى حبيبته في كل شي‏ء سواها. يراها في جذع النخلة. و في مقلتي الظبي. حتى إذا دنا منها سأل هل هذه ليلى؟.

(9) بدت: ظهرت. الاحتجاب: الاختفاء. البرزة: الظهور بمظهر الحسن. و هذا البيت يتمم معنى البيت الذي سبقه.

45

ففي النّشأة الأولى تراءت لآدم # بمظهر حوّا، قبل حكم الأمومة

فهام بها، كيما يكون به أبا، # و يظهر بالزّوجين حكم البنوّة

و كان ابتدا حبّ المظاهر بعضها # لبعض، و لا ضدّ يصدّ ببغضة

و ما برحت تبدو و تخفى، لعلّة، # على حسب الأوقات، في كلّ حقبة

و تظهر للعشّاق في كلّ مظهر، # من اللّبس في أشكال حسن بديعة

ففي مرّة لبني، و أخرى بثينة، # و آونة تدعى بعزّة عزّت‏ (1)

و لسن سواها، لا و لا كنّ غيرها # و ما إن لها، في حسنها، من شريكة (2)

كذاك بحكم الاتّحاد بحسنها، # كما لي بدت، في غيرها، و تزيّت‏ (3)

بدوت لها في كلّ صب متيّم، # بأيّ بديع حسنه و بأيّة (4)

و ليسوا، بغيري في الهوى، لتقدّم # عليّ لسبق في اللّيالي القديمة

و ما القوم غيري في هواها، و إنّما # ظهرت لهم، للّبس، في كل هيئة

ففي مرة قيسا، و أخرى كثيّرا، # و آونة أبدو جميل بثينة

تجلّيت فيهم ظاهرا، و احتجبت با # طنا بهم، فأعجب لكشف بسترة (5)

و هنّ و هم، لا وهن وهم مظاهر # لنا، بتجلّينا بحبّ و نضرة (6)

فكلّ فتى حب أنا هو، و هي حبب # كلّ فتى، و الكلّ أسماء لبسة (7)

____________

(1) لبني: حبيبة قيس و قد مرّ ذكرها. بثينة: حبيبة جميل بن معمر. عزة حبيبة كثير.

عزت: كرمت و غلت.

(2) لسن سواها. أي كلهنّ حواء أو الأنثى. ان-حرف نفي بمعنى ليس.

(3) الاتحاد: الوصال الروحي. تزيت: ارتدت و تزينت.

(4) اللهاف: من اللهفة و هي الحرقة و الشوق. الصب: العاشق المدنف. و المتيم:

الشديد العشق.

(5) تجليت: برزت و ظهرت واضحا. السترة: الاحجاب.

(6) هن و هم: الحبيبات و المحبون. الوهن: الضعف. النضرة: الزينة و البهجة.

(7) هذا البيت و الذي يليه وصف لحالة ابن الفارض و اتصاله بعالم الروح حيث تجلت له الحقيقة الإلهية فوصل إلى اعلى درجات العشق الإلهي و استعمل المجاز بالحب المعروف ليقول انه سلطان العاشقين.

46

أسام بها كنت المسمّى حقيقة، # و كنت لي البادي بنفس تخفّت‏

و ما زلت إيّاها، و إياي لم تزل، # و لا فرق، بل ذاتي لذاتي أحبّت‏

و ليس معي، في الملك، شي‏ء سواي، # و المعيّة لم تخطر على المعيّة (1)

و هذي يدي، لا إنّ نفسي تخوّفت # سواي، و لا غيري، لخيري، ترجّت‏

و لا ذلّ إخمال لذكري توقّعت، # و لا عز إقبال لشكري توخّت‏ (2)

و لكن لصدّ الضّدّ عن طعنه على # علا أولياء المنجدين، بنجدتي‏ (3)

رجعت لأعمال العبادة، عادة، # و أعددت أحوال الإرادة عدتي‏ (4)

و عدت بنسكي بعد هتكي، و عدت من # خلاعة بسطي، لانقباض بعفّة (5)

و صمت نهاري، رغبة في مثوبة، # و أحييت ليلي، رهبة من عقوبة (6)

و عمّرت أوقاتي بورد لوارد، # و صمت لسمت، و اعتكاف لحرمة (7)

و بنت عن الأوطان، هجران قاطع # مواصلة الإخوان، و اخترت عزلتي‏ (8)

و دقّقت فكري في الحلال، تورّعا # و راعيت، في إصلاح قوتي، قوّتي‏ (9)

و أنفقت من ستر القناعة، راضيا # من العيش، في الدنيا، بأيسر بلغة (10)

و هذّبت نفسي بالرياضة، ذاهبا # إلى كشف ما، حجب العوائد، غطّت‏

____________

(1) المعية: المصاحبة. الالمعية: الذكاء.

(2) الإخمال: الكسل. توخت: ارادت أو طلبت.

(3) العلاء: الارتفاع في المقام. المنجدين: العارفين المخلصين. نجدتي: نصرتي.

(4) أعددت: جهزت. العدة: السلاح.

(5) النسك: التعبد. التهتك و الهتك: المجون.

(6) المثوبة: العفو. الرهبة: الخوف.

(7) عمّرت اوقاتي: ملأتها. الورد: السقاء. السمت: الطريق و الجانب. الاعتكاف:

الاعتزال و الامتناع.

(8) بنت: ابتعدت.

(9) التورع: التقوى و الخوف من اللّه. القوت: الطعام.

(10) ايسر بلغة: الحد الأدنى من العيش.

47

و جرّدت، في التجريد، عزمي تزهّدا # و آثرت، في نسكي، استجابة دعوتي‏

متى حلت عن قولي: أنا هي، أو أقل # و حاشا لمثلي: إنّها فيّ حلّت‏ (1)

و لست على غيب أحيلك، لا و لا # على مستحيل موجب سلب حيلتي‏

و كيف، و باسم الحق ظلّ تحقّقي # تكون أراجيف الضّلال مخيفتي‏ (2)

و ها «دحية» ، وافى الأمين نبيّنا، # بصورته، في بدء وحي النّبوءة (3)

أ جبريل قل لي: كان دحية، إذ بدا # لمهدي الهدى، في هيئة بشريّة؟ (4)

و في علمه، عن حاضريه، مزيّة، # بماهيّة المرئيّ من غير مرية (5)

يرى ملكا يوحي إليه، و غيره # يرى رجلا يدعى لديه بصحبة (6)

ولي، من أتم الرّؤيتين، إشارة، # تنزّه، عن رأي الحلول، عقيدتي‏

و في الذكر ذكر اللّبس ليس بمنكر، # و لم أعد عن حكمي كتاب و سنّة (7)

منحتك علما، إن ترد كشفه فرد # سبيلي، و اشرع في اتّباع شريعتي‏ (8)

فمنبع صدّي من شراب، نقيعه # لديّ، فدعني من سراب بقيعة (9)

و دونك بحرا خضته، وقف الألى # بساحله، صونا لموضع حرمتي‏ (10)

و لا تقربوا مال اليتيم، إشارة # لكفّ يد صدّت له، إذ تصدّت‏ (11)

____________

(1) حلت عن قولي: تراجعت عنه. حلّت: نزلت.

(2) أراجيف الضلال: أكاذيب الباطل.

(3) دحية: دحية الكلبي. كان الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) يراه في المنام عند بدء الدعوة.

(4) بدا: ظهر. مهدي الهدى: الرسول الأعظم محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) .

(5) المزية: العلامة و الصفة. ماهية المرئي: حقيقة المنظور. المرية: الكذب.

(6) الملك: جبرائيل. الرجل: دحية.

(7) لم اعد: لم اتخط.

(8) ردّ سبيلي: اعد إلى صوابي سلوك الطريق الصحيح. اشرع: أمر من شرع بمعنى بدأ.

(9) النقيع: مكان يجتمع فيه الماء. القيعة: المنبسط بين جبلين.

(10) الألى: الناس. الصون: الحفظ.

(11) كف اليد: منعها. صدّت: منعت. تصدت: واجهت.

48

و ما نال شيئا منه غيري سوى فتى، # على قدمي، في القبض و البسط، ما فتي‏ (1)

فلا تعش عن آثار سيري و اخش غين # إيثار غيري، و أغش عين طريقتي‏ (2)

فؤادي ولاها، صاح، صاحي الفؤاد في # ولاية أمري، داخل تحت إمرتي‏

و ملك معالي العشق ملكي و جندي # -المعاني، و كلّ العاشقين رعيّتي‏

فتى الحبّ، ها قد بنت عنه بحكم من # يراه حجابا، فالهوى دون رتبتي‏

و جاوزت حدّ العشق، فالحبّ كالقلى # و عن شأو معراج اتّحادي رحلتي‏ (3)

فطب بالهوى نفسا، فقد سدت أنفس # العباد من العبّاد، في كلّ أمّة

و فز بالعلى، و أفخر على ناسك علا # بظاهر أعمال، و نفس تزكّت‏

و جز مثقلا، لو خفّ طفّ موكّلا # بمنقول أحكام، و معقول حكمة (4)

و حز بالولا ميراث أرفع عارف، # غدا همّه إيثار تأثير همّة (5)

و ته ساحبا، بالسّحب، أذيال عاشق # بوصل، على أعلى المجرّة جرّت‏ (6)

و جل في فنون الاتحاد و لا تحد # إلى فئة، في غيره العمر أفنت‏ (7)

فواحده الجمّ الغفير، و من غدا # ه شرذمة، حجّت بأبلغ حجّة (8)

فمتّ بمعناه، و عش فيه أو فمت # معنّاه، و اتبع أمّة فيه أمّت‏ (9)

فأنت بهذا المجد أجدر من أخي # اجتهاد، مجدّ عن رجاء و خيفة

و غير عجيب هزّ عطفيك دونه # بأهنا، و أنهى لذّة و مسرّة

____________

(1) القبض و البسط: ضدان بمعنى الضيق و الفرج. ما فتي: ما فتئ.

(2) لا تعش: لا تتعام اي تفقد بصرك. الغين في المصطلح الصوفي الاحتجاب عن الشهود مع صحة الاعتقاد و قد مرّ شرحه سابقا. أغش: اقصد.

(3) جاوزت: تخطيت. القلى: البغضاء. الشأو: الغاية.

(4) جز: اعبر. طفّ: اقترب.

(5) حز: احصل. الولا: الولاء للََّه تعالى. الإيثار: التفضيل.

(6) ته: فعل أمر من تاه. المجرة: مجموعة من النجوم لا عدّ و لا حصر لها.

(7) جل: فعل أمر من جال بمعنى طاف.

(8) الجم الغفير: الجمع الكثير. الشرذمة: القليل من الناس.

(9) مت معنّاه: مت من تعبه. أمت: أتبعت.

49

و أوصاف من تعزى إليه، كم اصطفت # من الناس منسيّا و أسماه أسمت‏ (1)

و أنت على ما أنت عنّي نازح، # و ليس الثّريّا، للثّرى، بقرينة (2)

فطورك قد بلّغته، و بلغت فو # ق طورك حيث النّفس لم تك ظنّت‏

و حدّك هذا، عنده، قف، فعنه لو # تقدّمت شيئا، لاحترقت بجذوة (3)

و قدري، بحيث المرء يغبط دونه # سموّا، و لكن فوق قدرك، غبطتي‏ (4)

و كلّ الورى أبناء آدم، غير أني # حزت صحو الجمع، من بين إخوتي‏ (5)

فسمعي كليميّ، و قلبي منبّأ # بأحمد، رؤيا مقلة أحمديّة (6)

و روحي للأرواح روح، و كلّ ما # ترى حسنا في الكون من فيض طينتي‏

فذر لي ما قبل الظّهور عرفته # خصوصا و بي لم تدر في الذرّ رفقتي‏ (7)

و لا تسمني فيها مريدا، فمن دعي # مرادا لها، جذبا، فقير لعصمتي‏ (8)

و ألغ الكنى عني، و لا تلغ ألكنا # بها، فهي من آثار صيغة صنعتي‏ (9)

و عن لقبي بالعارف ارجع، فإن تر # التّنابز بالألقاب، في الذّكر، تمقت‏ (10)

فأصغر أتباعي، على عين قلبه، # عرائس أبكار المعارف، زفّت‏

____________

(1) تعزى: تنتسب. اسمت: علت و ارتفعت.

(2) الثريا و الثرى: السماء و الأرض. القرينة: المثيل و الشبيه.

(3) الجذوة: الجمرة أو القطعة من النار.

(4) يغبط: يسر. السمو: العلو و الارتقاء.

(5) الورى: الناس: حزت: أحرزت.

(6) الكليم: النبي موسى (ع) . أحمد: النبي محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) . الرؤيا الأحمدية: رؤية المسلم. المقلة: العين.

(7) ذر: دع. الذر: الإشراف.

(8) المريد: الذي يتوجه للََّه دون سواه و هو الذي يتمرد على ارادته. و المريد و المراد من درجات الصوفية أما المراد فهي درجة اعلى من المريد بحيث يتجاوز المرء المقامات و الرسوم من غير تعب.

(9) الكنى: مفردها الكنية و هي اللقب. الألكن: الصعب النطق أو ثقيل اللسان.

(10) التنابز بالألقاب: تعيير الإنسان لآخر باللقب و هو أمر نهى اللّه سبحانه و تعالى عنه:

وَ لاََ تَنََابَزُوا بِالْأَلْقََابِ . العارف: العالم الصوفي. تمقت: تغضب.

50

جنى ثمر العرفان من فرع فطنة، # زكا باتّباعي، و هو من أصل فطرتي‏

فإن سيل عن معنى أتى بغرائب، # عن الفهم جلّت، بل عن الوهم دقت‏ (1)

و لا تدعني فيها بنعت مقرّب، # أراه بحكم الجمع فرق جريرة (2)

فوصلي قطعي، و اقترابي تباعدي، # و ودّي صدّي، و انتهائي بداءتي‏

و في من بها ورّيت عنّي، و لم أرد # سواي، خلعت اسمي و رسمي و كنيتي‏ (3)

فسرت إلى ما دونه وقف الألى، # و ضلّت عقول، بالعوائد ضلّت‏ (4)

فلا وصف لي و الوصف رسم، كذاك # الاسم وسم، فإن تكني، فكنّ أو انعت‏ (5)

و من أنا إياها إلى حيث لا إلى # عرجت، و عطّرت الوجود برجعتي‏ (6)

و عن أنا إيّاي لباطن حكمة، # و ظاهر أحكام، أقيمت لدعوتي‏

فغاية مجذوبي إليها، و منتهى # مراديه ما أسلفته، قبل توبتي‏ (7)

و منّي أوج السّابقين، بزعمهم، # حضيض ثرى آثار موضع وطأتي‏ (8)

و آخر ما بعد الإشارة، حيث لا # ترقّي ارتفاع وضع أول خطوتي‏ (9)

و لا غرو أن سدت الألى سبقوا، و قد # تمسّكت، من طه بأوثق عروة (10)

عليها مجازي سلامي، فإنّما # حقيقته مني إليّ تحيتي‏

و أطيب ما فيها وجدت بمبتدا # غرامي، و قد أبدى بها كلّ نذرة (11)

____________

(1) سيل: سئل. دقّت: صعبت.

(2) النعت: الصفة. الجريرة: الذنب.

(3) وريت: احفيت و سترت. ورّى الشي‏ء ستره و أخفاه. الكنية: اللقب.

(4) الألى: الناس. العوائد: المعارف و العلوم. ضلت: تاهت.

(5) الوسم: الصفة و الميزة. كنّ و انعت فعلا أمر من كنّى: سمّى و نعت: وصف.

(6) عرجت: ملت.

(7) غاية مجذوبي: منتهى تعلقي. أسلفته: قدمته سابقا.

(8) الأوج: المنتهى و العز. الحضيض: المكان الأسفل. موضع الوطأة: موطئ القدم.

(9) معنى البيت: انني وصلت إلى موضع لا يمكن ان ترتفع إليه قدم.

(10) سدت الألى: أصبحت سيد الناس. طه: سيدنا و نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) . العروة:

الصلة.

(11) النذرة: الأنذار.

51

ظهوري، و قد أخفيت حالي منشدا # بها، طربا، و الحال غير خفيّة

بدت، فرأيت الحزم في نقص توبتي # و قام بها عند النّهى عذر محنتي‏ (1)

فمنها أماني من ضنى جسدي بها، # أمانيّ آمال سخت، ثمّ شحّت‏ (2)

و فيها تلافي الجسم، بالسّقم، صحة # له، و تلاف النّفس نفس الفتوّة (3)

و موتي بها، وجدا، حياة هنيئة، # و إن لم أمت في الحبّ عشت بغصّة

فيا مهجتي ذوبي جوى و صبابة، # و يا لوعتي كوني، كذاك، مذيبتي‏ (4)

و يا نار أحشائي أقيمي، من الجوى، # حنايا ضلوعي، فهي غير قويمة (5)

و يا حسن صبري، في رضى من أحبّها # تجمّل، و كن للدّهر بي غير مشمت‏ (6)

و يا جلدي، في جنب طاعة حبّها # تحمّل، عداك الكلّ، كلّ عظيمة (7)

و يا جسدي المضنى تسلّ عن الشّفا، # و يا كبدي، من لي بأن تتفتّتي‏ (8)

و يا سقمي لا تبق لي رمقا، فقد # أبيت، لبقيا العزّ، ذلّ البقيّة (9)

و يا صحّتي، ما كان من صحبتي انقضى # و وصلك في الأحشاء ميتا كهجرة

و يا كلّ ما أبقى الضّنى منّي ارتحل # فما لك مأوى في عظام رميمة (10)

و يا ما عسى منّي أناجي، توهّما، # بياء النّدا، أونست منك بوحشة (11)

____________

(1) الحزم: البأس و الشدة. النهى: مفردها النهية و معناها العقل. المحنة: الازمة.

(2) الضنى: الضعف. سخت: جادت، شحت: بخلت.

(3) تلاف الجسم: فساده. السقم: العلة و المرض.

(4) الجوى و الصبابة: الوجد أو شدة العشق.

(5) حنايا الضلوع: أصلها. قويمة: مستقيمة.

(6) تجمل: اصبر. المشمت: الذي يفرح بمصيبة غيره.

(7) الجلد: الصبر.

(8) الجسد المضني: الجسم المريض.

(9) الرمق: النفس الأخير. أبيت: رفضت. البقيا: البقاء.

(10) العظام الرميمة: الميتة التي لا حياة فيها.

(11) المعنى: أنه لم يبق له إلا المناجاة و مخاطبة اللّه جل و علا بالادعية. يا...

52

و كلّ الذي ترضاه و الموت دونه # به أنا راض و الصبابة أرضت‏

و نفسي لم تجزع، بإتلافها أسى، # و لو جزعت كانت بغيري تأسّت‏ (1)

و في كلّ حيّ كلّ حيّ كميّت # بها، عنده قتل الهوى خير موتة

تجمّعت الأهواء فيها، فما ترى # بها غير صبّ، لا يرى غير صبوة (2)

إذا سفرت في يوم عيد تزاحمت # على حسنها أبصار كلّ قبيلة

فأرواحهم تصبو لمعنى جمالها، # و أحداقهم من حسنها في حديقة (3)

و عندي عيدي، كلّ يوم أرى به، # جمال محيّاها، بعين قريرة

و كلّ اللّيالي ليلة القدر، إن دنت # كما كلّ أيّام اللّقا يوم جمعة (4)

و سعيي لها حجّ، به كلّ وقفة، # على بابها، قد عادلت كلّ وقفة (5)

و أيّ بلاد اللّه حلّت بها، فما # أراها، و في عيني حلت، غير مكّة

و أيّ مكان ضمّها حرم، كذا # أرى كل دار أوطنت دار هجرة

و ما سكنته فهو بيت مقدّس، # بقرّة عيني فيه، أحشاي قرّت‏ (6)

و مسجدي الأقصى مساحب بردها # و طيبي ثرى أرض، عليها تمشّت‏ (7)

مواطن أفراحي، و مربى مآربي، # و أطوار أوطاري، و مأمن خيفتي‏ (8)

مغان، بها لم يدخل الدّهر بيننا، # و لا كادنا صرف الزّمان بفرقة (9)

____________

(1) لم تجزع: لم تخف. الإتلاف: الموت. تأست: تعزت.

(2) الأهواء: الأغراض. الصبّ: الشديد العشق و الصبوة: حبّ الشباب.

(3) تصبو: تنظر. الأحداق: المقل.

(4) المعنى أنه ينتظر لقياها في كل ليلة كما ينتظر المؤمنون لقاء ليلة القدر في كل عام.

(5) السعي و الوقفة: من اعمال الحج و المقصود أن الوقوف على بابها يعادل الوقوف على جبل عرفات.

(6) أحشاي: احشائي. قرّت: هدأت و اطمأنت.

(7) مساحب بردها: أطراف ثوبها.

(8) المواطن: المساكن. المآرب: الغايات. الأوطار: الحاجات.

(9) المغاني: الحجرات. كادنا: أصابنا بمكيدة. صرف الزمان: كيده.