البخلاء

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
312 /
5

مقدمة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّد المرسلين نبيّنا محمّد و على آله و صحبه أجمعين، و بعد...

فقد اتّسم العصر العباسي بثروة فكرية عارمة تمثّلت بالدراسات و العلوم و الآداب و الآثار الجمّة، التي ظهرت في مرحلة ذهبية، كان لها كبير الأثر في تنمية الأدب و إغناء التراث العربي و تطويره. و الملاحظ أن العصر العباسي كان غنيّا بالأدباء و الشعراء على اختلاف مراحله، و هذا ناشئ عن الحياة الثقافية التي ازدهرت سواء في كثرة المدارس و العلوم و الحلقات التدريسية، أو في تعدّد الأساتذة و كثرة المؤلفين و تضاعف النتاج و انتشار الثقافة.

و إذا عرف العصر العبّاسى بالعصر الذهبي، فإن ذهبيّته تلك رصّعت بولادة رجل كبير، استطاع أن يشكّل قفزة واسعة في ميادين الأدب و اللغة و الاجتماع و التأليف و الكتابة، ألا و هو الجاحظ أحد أعلام الكتابة في العصر العبّاسي الثاني.

6

كنيته أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي، من بني كنانة، بن خزيمة من مضر. ولد في البصرة سنة 160 هـ تقريبا. و لقّب بالجاحظ لجحوظ في عينيه.

نشأ الجاحظ في بيت متواضع من أبوين فقيرين. و لم يتحدث الرواة عن أبيه، و إنما ذكروا جده الذي كان يعمل جمّالا عند بني كنانة. توفي أبوه و هو طفل، فتعهّدته أمّه، فكان لا بد أن يحيا في عوز و ضيق.

و راح يبيع السمك و الخبز ارتزاقا على ضفاف نهر سيحان في البصرة.

كان ميّالا منذ حداثته الى الدراسة و العلوم، فأكبّ على العلم يطلبه برغبة شديدة، فصار يختلف الى بعض الكتاتيب، و حلقات المسجديين في البصرة، ثم في المربد، و هو سوق قرب البصرة كان في الإسلام كسوق عكاظ في الجاهلية. و كان المربد ميدان التنافس بين الخطباء و الشعراء.

فاكتسب الجاحظ علما و ثقافة و معرفة. و تلقى العلوم و الآداب على أيدي جماعة من كبار أساتذة العصر و أدبائه و مفكريه، فغدا طالب علم للأخفش، و الأصمعي، و أبي عبيدة، و أبي زيد الأنصاري، يدرس عليهم، و يتعمّق بعلومهم و من ثم ينتقل الى حلقة إبراهيم بن سيّار فيتأثر به، و يضحى واحدا من المعتزلة كأستاذه النظّام البلخي أحد أئمة المفكرين، و شيخا للمعتزلة في ذاك العصر.

و كانت لمعتزلة تؤمن بالعقل، كما كان علم الكلام و الجدل موضوع كل مجلس، و كل منتدى، فنزع الجاحظ نزعة اعتزالية... و إذا كان اساتذة عصره قد طبّعوا الجاحظ بميزات فكرية و أدبية و لغوية و علمية فريدة، فإن المعتزلة تركت آثارها العقلية عميقة في كتاباته، و طرائق تفكيره و تآليفه. و بات له نمط واضح ثابت، يستدلّ عليه من كتبه، و من موضوعاته.

7

و لم يمض وقت طويل حتى إذا أحس باكتمال القوى، قصد بغداد، و أقام فيها. و هناك بزغ فجر الجاحظ، و أخذ يتألّق، واضعا كتبه الأولى منسوبة إلى عبد اللّه بن المقفّع، و سهل بن هارون، ليقرأها الناس و تشيع بينهم. فأصبح اسم الجاحظ يتردّد على كل شفة و لسان. و كثر الحاسدون، فأرادوا تقليد أسلوب الجاحظ، و الانتقاص منه، إلاّ أنّهم لم يفوزوا.

و قرأ له الخليفة المأمون بعض كتبه في الإمامة، فأعجب بها، و قدم إليه أبو عثمان كتاب «العباسيّة» فنال ثوابه. و ما كان من الخليفة المأمون إلاّ أن أسند إليه ديوان الكتّاب، الذي لم يطل الإقامة فيه، و بعد ثلاثة أيام طلب الجاحظ من الخليفة إعفاءه من هذه المسئولية التي تحتّم على صاحبها طبعا رصينا، و مسلكية صارمة لا تتلاءم و مزاج الجاحظ و طبائعه. و توطّدت روابطه بكبار رجال عصره، فاتصل الجاحظ بمحمد بن عبد الملك الزيّات وزير المعتصم، و كتب له و مدحه، و أهداه كتاب «الحيوان» فأجازه الوزير بخمسة آلاف دينار، ثم أغدق عليه مالا كثيرا جعله يقوم برحلات عديدة إلى دمشق و أنطاكيا و مصر...

و لما صارت الخلافة الى المتوكل، نكب الوزير ابن الزيات بيد القاضي محمد بن أبي دؤاد، فهرب الجاحظ، ثم أعيد الى القاضي مقيدا، مغلول العنق، معتذرا عن فراره، و قد أبدى ابن أبي دؤاد إعجابه به، فقال «أنا أثق بظرفه، و لا أثق بدينه» . و قدم إليه الجاحظ كتابه «البيان و التبيين» ، بعد أن انقطع إليه عاما كاملا. و تدرّجت اتصالاته حتى بلغت الفتح بن خاقان، فقدم له بعض كتبه. و جعله المتوكل مؤدبا لأولاده. و لما رأى بشاعته صرفه. و قد حدّث الجاحظ في ذلك عن نفسه، فقال: «ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم و صرفني» .

و اتصل أبو عثمان أيضا بإبراهيم بن العبّاس الصولي، و قد أهدى‏

8

إليه كتابه «الزرع و النخل» فمنحه جائزة مقدارها خمسة آلاف دينار.

و في أخباره أنه زار سامرّاء أيضا، و اللاذقية، و حلب، إلى أن استقر في البصرة مركز تأليفه و كتاباته، و فيها شرع يصنّف و يؤلف، فأخذت حياته تتبدّل من الفقر الى الغنى، و من الصنعة الى الانتشار، حتى ذاع صيته و ملأ دنياه.

كان الجاحظ أسود اللون كجدّه فزارة، قصيرا، دميما، جاحظ العينين، قبيح المنظر. إلى أن قيل فيه:

لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا # ما كان إلا دون قبح الجاحظ

و هو نفسه كان يتحدث عن قبحه. فقد روي أن امرأة طلبت منه أن يصطحبها إلى دكانه أحد الصاغة، فلما وصلت هناك قالت للصائغ: «مثل هذا» ، و انصرفت. فسأل الجاحظ الصائغ، ما ذا قد عنت المرأة بقولها ذاك، فأجابه بأنها قد طلبت رسم صورة شيطان على فصّ خاتمها، فاصطحبتك لتمثيل صورته. و هذا ما يؤكد بشاعة الصورة التي كان عليها.

و مهما تكن تلك البشاعة، فإن الجاحظ لم يكن ثقيل الظل، و إنما كان لطيفا محبوبا، عذب اللسان، قوي الشخصية. استطاع بصفاء قلبه، و صدق واقعيته، و نفسيته المرحة أن يجمّل بشاعته و يزيل ما فيها من قرف و اشمئزاز.

لقد تمتّع بطلاوة الحديث، و رطوبة الفكاهة، ورقة الدعابة. و منح أبو عثمان ذكاء فائقا، و ملاحظة دقيقة، و صراحة مطلقة، و عقلا راجحا، و ثقة و تفاؤلا عميقين ما جعله رجلا عزيز الجانب غير مكروه، و محبّبا غير محتقر.

ينتظر الناس فرحه الحاضر، و بديهته اليقظة، انتظارهم كتاباته و نوادره و طرائفه.

ظلّ الجاحظ عطاء يفيض، و فكرا يدفق، حتى أصيب بالفالج ثم بالنقرس. و قد عانى أبو عثمان من هذه الأمراض آلاما شديدة قضت على عنفوان رجل أراد أن يستمرّ بعطائه الفكري من أجل الحياة و الإنسان.

9

و في أواخر حياته، سعى إليه المتوكّل طالبا إيّاه، فأجابه الجاحظ: «و ما يصنع أمير المؤمنين بامرئ ليس بطائل، ذي شقّ مائل، و لعاب سائل، و لون حائل؟» . و قال المبرّد: «دخلت على الجاحظ في آخر أيامه فقلت له:

كيف أنت؟قال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو حزّ بالمناشير لا يشعر به، و نصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه» .

و لم يهجره الألم؛ بل تفاقم. و ظل يرافقه مرافقة الكتب له. و ما كاد يطوي صفحة من صفحاتها، حتى طوت سطور أيّامه الأخيرة بسقوطها عليه، مشكّلة قبره الذي أحب مغمورا بالورق و الأحرف و الكلمات.

و هكذا كانت ميتة شهيد الكتاب سنة 255 هـ.

للجاحظ أكثر من مائة و سبعين كتابا بين رسالة صغيرة و مؤلف، إلا أن معظم هذه الآثار لم يسلم. و إن عوامل كثيرة كانت سببا في ضياع مؤلفات عديدة لعباقرة عرب كالجاحظ. و بقي لنا بقية مما ألّفه أبو عثمان و أودعه خزائن التراث العربي، نذكر منها: كتاب البيان و التبيين، و كتاب الحيوان، و كتاب البخلاء الذي نخصّصه هنا بالتفصيل. و إنك إذا قرأته قراءة عميقة وجدت، ما يرمي إليه صاحبه من أبعاد تتناول حياة العصر العباسي، و شئون الناس، و ما أحاط بها من تغيّرات طارئة، و عادات دخيلة، و تقاليد غريبة، و أفكار جديدة على الأصعدة الاجتماعية و الاقتصادية و الفكرية.

إذن ما هو هذا الكتاب، و ما غايته، و ما ذا يتضمن؟ هو كتاب يصوّر أحوال فئة من الناس اتخذت لنفسها منهجا معيّنا في التفكير و التصرّف و السلوك. و باتت مقتنعة به اقتناعا كاملا، تبدّدت في ظله كل الأشياء الأخرى. فإذا البخل هو واقعهم و مفهومهم و حياتهم التي يسيرون عليها، محاولين إسدال ستار من العلم عليه، علّهم في ذلك يقنعون الناس إيهاما بأنهم أصحاب فكر و منطق، و رجال تدبير، و ذو و اقتصاد و توفير.

كان الجاحظ في كتاب البخلاء عالما شأنه في جميع مؤلّفاته. كان عالما طبيعيا

10

في كتاب «الحيوان» ، و عالما نقديا في «البيان و التبيين» ، و ها هو عالم اجتماعي و ناقد في كتاب البخلاء، يدرس أحوال الناس من خلال سلوكهم و معاشهم، يحلّل أوضاع طبقة من المجتمع العباسي تأثّرت بعوامل طارئة جديدة.

استهل كتابه بردّ على صديق طلب إليه أن يحدّثه عن البخل و نوادره. و قد صدّره بمقدمة طويلة، حاول فيها أن يثير اهتمام القراء، و أن يشعرهم بشي‏ء من الرغبة و التشويق. و من المقدمة انتقل إلى إثبات رسالة سهل بن هارون التي بعث بها إلى بعض أقربائه، الذين اتّهموه بالبخل. و عمد الجاحظ أيضا إلى ذكر نوادر البخلاء و سرد قصصهم، بادئا بأهل مرو، و أهل خراسان، متوقفا عند أهل البصرة من المسجديين ممن يسميهم «أصحاب الجمع و المنع» ، منتقلا الى الأشحّاء من أصحابه و معاصريه كزبيدة بن حميد، و أحمد بن خلف اليزيدي، و خالد بن يزيد، و أبي محمد الخزامي، و الحارثي، و الكندي، و ابن أبي بردة، و اسماعيل بن غزوان، و موسى بن عمران، و الأصمعي، و المدائني و طرائف شتّى، استطاع من خلالها أن يعطينا عيّنات صادقة عن كل حيلة، و كل نادرة بأسلوب قصصي طريف، و براعة فنيّة رائعة. و بعد ذكر نوادره يجد الجاحظ أن البخل عندهم اقتصاد فني، و لهم في ذلك آراء قلما تخطر ببال إنسان.

و للبخلاء عند الجاحظ أقوال كثيرة في وضع كل شي‏ء موضعه، في إظهار منافع المأكولات و أضرارها، فنوى الثمر يعقد الشحم في البطن، و قشور الباقلاء تحتوي الغذاء «إن الباقلاء يقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني، و من أكلني بغير قشوري فأنا الذي آكله» .

و أما غاية الكتاب هذا، فإننا نجد أن فريقا من الدراسين ذهب الى أن الجاحظ أراد منه الترويح عن النفس، و إضحاك القارئ. و لكن مهما يكن من أمر، فإن أبا عثمان لم يكن يقنع نفسه بأن مؤلّفه هذا قد وضع من أجل الهزل و التسلية، إنما له فيه أيضا غاية جليلة؛ و هي تصوير طبقة محددة ظهرت في المجتمع العباسي، أرادت أن تسلك طريقا جديدة من العادات و الأخلاق التي لم يألفها العربي سابقا. و إن مؤثرات دخيلة أحدثت فجوات واسعة في‏

11

عادات العرب و تقاليدهم، فكان منها انتشار البخل، و خاصة في العراق إبّان القرن الثالث الهجري.

و الحقيقة، فإن غاية الكتاب تتعدّى الضحك و المرح، لتغدو أعمق و أشد، فإذا هي أقرب الى الردع و التأنيب، و الهزء و السخرية، و ذلك من أجل المنفعة العامة و الاستفادة من أعمال البخلاء الشاذة استفادة تجعلهم يميلون الى الكرم من غير إسراف، و إلى الجود في غير اقتصاد.

و هناك فريق آخر من الدارسين رأى أن كتاب «البخلاء» ما وضع إلا لأن الجاحظ كان واحدا من أولئك البخلاء، و لذلك تمكّن من معرفة أحوالهم بدقة، كاشفا حقائقهم كما هي بصدق و واقعية.

و الواقع أن كتاب البخلاء يعتبر من الكتب النفيسة بمكان، لأنه دراسة واقعية لردة فعل اقتصادية. و من أجل ذلك أفرد الجاحظ كتابا خاصا بالبخل صوّر هذه الحالة، و تغلغل أيضا بين طوايا النفس البشرية، و تفهّم نزعاتها، و حلّل أعمالها، و درس نفسياتها، و قد قال: «و لك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء تبيّن حجّة طريفة، أو تعرّف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة» .

لقد اتّبع الجاحظ أسلوبا قصصيا إخباريا يربط الأخبار بعضها ببعض.

و كانت أقصوصة البخيل قصيرة، لكنها جمعت عناصر القصة الكاملة، من مقدمة و عرض و عقدة، الى حل و خاتمة.

و لم تكن أقاصيص الجاحظ خاوية فارغة؛ بل كانت نابضة مليئة بالحياة تستمد موضوعاتها من وحي فريق من الأشحاء المسجديين و الخراسانيين و غيرهم، اختاروا أحاديثهم، و انتقوا ألفاظهم بأنفسهم. من هنا نضجت أقصوصة البخيل عند أبي عثمان، و استمرت حارة دافئة يقظة، تدفئ النفس فتثيرها، و توقظ العقل فتحركه تارة بين الاسترخاء و الاستمتاع، و طورا بين التصوير و التحكيم.

و قد تميز كتاب «البخلاء» بخصائص هامة كان منها الموضوعية التي برزت‏

12

جليّة في كتابه، إذ إن الجاحظ تجرّد من ذاته، و ترك البخلاء أنفسهم يتحدثون عن قضاياهم، دون أن يدخل نفسه شريكا أو موجها في الصورة، أو في الموضوع.

و لم تجر أقاصيصه على وتيرة وتيرة واحدة؛ بل كانت كل منها تطغى على الأخرى من حيث النكهة و الموضوع و الأسلوب. و يقيننا أن أسلوبه الصامت هذا، كان من الأساليب التي أدّت إلى نجاح نوادره و تحليل نفسيات بخلائه.

لقد رسم أبو عثمان بخلاءه بريشته الماهرة الساخرة التي يصعب على المتقدمين و المتأخرين استعمالها، أو إجادة التصوير بها، لأنها ريشة متميزة لها خصائصها الأسلوبية و الذوقية و النفسية التي طبعت أدب الجاحظ بطابع خاص متفرّد.

كان الجاحظ في كتاب «البخلاء» فنانا بطبعه اعتمد لونا أساسيا، و هو الذات البشرية. فغاص الى أعماقها، يستنبط ما في جوانبها من عقد و غرابة و غموض. فهو لم يقص حكاياته لإثارة تلك الغرابة، و إنما للدلالة على تلك المواقف النفسية و التعقيدات التي كان يعانيها البخلاء في عصره.

و بالإضافة الى ذلك، فإننا لا نغفل الأسلوب المسرحي الذي تحقق له في كل نادرة، و خاصة في أقصوصة «مريم الصنّاع» و «شيخ النخالة» و «معّاذة العنبرية» ، فإننا و بحق نجد أنفسنا أمام خشبة مسرح تقوم عليها هذه الشخصيات و تنهض و تتحرك كأنها من لحم و دم.

و مما ينبغي أن نقوله في كتاب «البخلاء» إن صاحبه لم يصل من خلاله إلى غاية واحدة، بل بلغ به غايات أخرى أكثر شمولية و إحاطة بدراسة الفرد و المجتمع و الإنسان.

فإذا كان كتاب «البخلاء» قمة في النقد الاجتماعي و الأخلاقي، و صورة ترسم حقيقة طبقة معينة، فإن كتب الجاحظ كلها توازي قمة «البخلاء» شموخا.

و لهذا قال ابن العميد: «كتب الجاحظ تعلم العقل أولا، و الأدب ثانيا» .

13

و جل ما نريد قوله إننا لا نريد التعريف بمؤلفات أبي عثمان التي كتب لها الخلود؛ و إنما نريد أن نكون بهذا العمل المتواضع قد أكدنا من جديد، تقديرنا للأدب الجاحظي و فكره، و أن نكون أيضا قد اهتدينا الى السبيل الصحيح لخدمة الفكر، و الأدب، و الحضارة، و الإنسان. و اللّه وليّ التوفيق...

عباس عبد الساتر -1983-

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

توطئة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* تولاّك اللّه بحفظه، و أعانك على شكره، و وفقك لطاعته، و جعلك من الفائزين برحمته.

ذكرت، حفظك اللّه أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص‏ (1)

النهار، و في تفصيل حيل سرّاق الليل، و أنك سددت به كل خلل‏ (2) ، و حصّنت‏ (3) به كل عورة (4) ، و تقدمت، بما أفادك من لطائف الخدع، و نبّهك عليه من غرائب الحيل، فما عسى ألا يبلغه كيد، و لا يجوزه مكر.

و ذكرت أن قدر نفعه عظيم، و أن التقدم في درسه واجب. و قلت:

أذكر لي نوادر البخلاء في باب الجد، لأجعل الهزل مستراحا، و الراحة جماما (5) ، فإن للجد كدا يمنع من معاودته، و لا بدّ لمن التمس نفعه من مراجعته.

____________

(1) كتاب حيل اللصوص: هو من الكتب التي ذكرها البغدادي في عرض كتب الجاحظ، فقال فيه ان الجاحظ: «علم فيه الفسقة وجوه السرقة»

(2) خلل: ضعف، المنفرج بين الشيئين، او التنازع في رأي ما.

(3) حصّنت: صنت-حفظت.

(4) عورة: كل ما يستحيا منه.

(5) جماما: الراحة و الاستجمام.

16

و ذكرت ملح «الحرامي» (1) ، و احتجاج «الكندي» (2) ، و رسالة «سهل بن هارون» (3) ، و كلام «ابن غزوان» (4) ، و خطبة «الحارثي» (5) ، و كلّ ما حضرني من أعاجيبهم و أعاجيب غيرهم؛ و لم سموا البخل اصلاحا و الشحّ اقتصادا، و لم حاموا على المنع‏ (6) ، و نسبوه إلى الحزم؛ و لم نصبوا للمواساة، و قرنوها بالتضييع؟و لم جعلوا الجود سرفا، و الأثرة جهلا (7) ؟و لم زهدوا في الحمد، و قلّ احتفالهم بالذم؟و لم استضعفوا من هش‏ (8) للذكر، و ارتاح للبذل؟و لم حكموا بالقوة لمن لا يميل الى ثناء (9) ، و لا ينحرف عن هجاء؟و لم احتجوا لظلف العيش‏ (10) على لينه، و لمرّه على حلوه؟و لم لم يستحيوا من رفض الطيّبات في رحالهم مع استهتارهم بها في رحال غيرهم؟و لم تتابعوا في البخل؟و لم اختاروا ما يوجب ذلك الإسم، مع أنفتهم من ذلك الإسم؟و لم رغبوا في الكسب، مع زهدهم في الإنفاق؟و لم عملوا، في الغنى، عمل الخائف من زوال الغنى، و لم يفعلوا في الغنى عمل الراجي لدوام الغنى؟و لم و فروا نصيب

____________

(1) الحرامي: هو ابو محمد عبد اللّه، احد الرجال البخلاء الذين كانوا سببا لوضع كتاب البخلاء، و بنائه عليهم.

(2) الكندي: هو ابو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف العربي. اشتهر بالبخل ايضا.

(3) سهل بن هارون: هو ابو عمرو سهل بن هارون احد كتاب العصر العباسي. و لقد ذكره الجاحظ في مقدمة كتابه هذا. و كان الجاحظ قبل ان يسير ذكره يؤلف الكتب و ينحلها غيره من المؤلفين المشهورين كسهل بن هارون...

(4) ابن غزوان: هو اسماعيل بن غزوان، احد البخلاء.

(5) الحارثي: هو أحد البخلاء الذين ذكرهم الجاحظ و تحدث عنهم.

(6) المنع: البخل و الحرص.

(7) الأثرة: العمل الفاضل.

(8) هشّ: فرح و ابتسم و نشط.

(9) ثناء: مديح.

(10) ظلف العيش: قسوته و مرارته و خشونته.

17

الخوف، و بخسوا نصيب الرجاء، مع طول السلامة، و شمول العافية؟ و المعافى أكثر من المبتلى؛ و ليست الفوائد أقل من الحوائج‏ (1) .

بل كيف يدعو الى السعادة من خصّ نفسه بالشقوة، فكيف ينتحل نصيحة العامة، من بدأ بغشّ الخاصة؟و لم احتجوا، مع شدة عقولهم، لما أجمعت الأمة على تقبيحه؟و لم فخروا، مع اتساع معرفتهم، بما أطبقوا على تهجينه‏ (2) ؟و كيف يفطن عند الاعتلال له، و يتغلغل‏ (3) عند الاحتجاج عنه، إلى الغايات عنه، الى الغايات البعيدة و المعاني اللطيفة، و لا يفطن لظاهر قبحه، و شناعة اسمه، و خمول ذكره و سوء أثره على أهله.

و كيف، و هو الذي يجمع له بين الكد، و قلة المرزئة (4) ، و بين السهر، و خشونة المضجع، و بين طول الاغتراب، و طول قلة الانتفاع، و مع علمه بأن وارثه أعدى له من عدّوه، و أنه أحقّ بماله من وليّه، أ و ليس هو أظهر الجهل و الغباوة، و انتحل الغفلة و الحماقة، ثم احتجّ لذلك بالمعاني الشداد، و بالألفاظ الحسان، و جودة الاختصار، و بتقريب المعنى، و بسهولة المخرج، و إصابة الموضع، فكان ما ظهر من معانيه و بيانه مكذّبا لما ظهر من جهله و نقصانه. و لم جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض، و يغبى عن القريب الجليل؟!.

و قلت: فبيّن لي ما الشي‏ء الذي خبّل‏ (5) عقولهم، و أفسد أذهانهم، و أغشى تلك الأبصار، و نقض ذلك الاعتدال؟و ما الشي‏ء الذي له

____________

(1) الحوائج: مفردها جائحة، و هي البلية و التهلكة.

(2) تهجينه: ذمه و تقبيحه.

(3) يتغلغل: يتداخل فيه على تعب.

(4) قلة المرزئة: عدم إصابة المال و الحصول عليه.

(5) خبّل: أفسد.

18

عاندوا الحق، و خالفوا الأمم‏ (1) ؟و ما هذا التركيب المتضاد، و المزاج المتنافي؟و ما هذا الغباء الشديد الذي الى جنبه فطنة عجيبة؟و ما هذا السبب الذي خفي به الجليل الواضح، و أدرك به الجليل الغامض؟! و قلت: و ليس عجبي ممن خلع عذاره في البخل، و أبدى صفحته للذمّ، و لم يرض من القول إلا بمقارعة الخصم، و لا من الاحتجاج إلا بما رسم في الكتب؛ و لا عجبي من مغلوب على عقله، مسخّر لإظهار عيبه، كعجبي ممن قد فطن لبخله، و عرف إفراط شحّه، و هو في ذلك يجاهد نفسه، و يغالب طبعه، و لربما ظن أن قد فطن له، و عرف ما عنده، فموّه شيئا لا يقبل التمويه، و رقع خرقا لا يقبل الرقع. فلو أنه كما فطن لعيبه، و فطن لمن فطن لعيبه، فطن لضعفه عن علاج نفسه، و عن تقويم أخلاقه، و عن استرجاع ما سلف من عاداته، و عن قلبه أخلاقه المدخولة (2) إلى أن تعود سليمة، لترك تكلّف ما لا يستطيعه، و لربح الإنفاق على من يذمّه، و لما وضع على نفسه الرقباء، و لا أحضر مائدته الشعراء، و لا خالط برد (3) الآفاق، و لا لابس الموكلين بالأخبار، و لاستراح من كدّ الكلفة، و دخل في غمار الأمة.

و بعد، فما باله يفطن لعيوب الناس إذا أطعموه، و لا يفطن لعيب نفسه إذا أطعمهم؟و إن كان عيبه مكشوفا، و عيب من أطعمه مستورا؟ و لم سخت نفس أحدهم بالكثير من التبر (4) ، و شحّت بالقليل من الطعم؟و قد علم أن الذي منع يسير في جنب ما بذل، و أنه، لو شاء أن

____________

(1) الأمم: الغالية و القصد.

(2) أخلاقة المدخولة: الأخلاق التي أفسدت لأسباب طارئة...

(3) برد: مفردها بريد، من يوكّل بالأخبار و الانباء.

(4) التبر: الذهب.

19

يحصل بالقليل مما جاد به أضعاف ما بخل به، كان ذلك عتيدا (1) ، و يسيرا موجودا.

و قلت: و لا بدّ من أن تعرفني الهنات‏ (2) التي نمت على المتكلفين‏ (3) ، و دلّت على حقائق المتموّهين، و هتكت عزّ أستار الأدعياء، و فرّقت بين الحقيقة و الرياء، و فصلت بين المقهور المنزجر (4) ، و المطبوع المبتهل‏ (5) ، لتقف، كما زعمت، عندها، و لتعرض نفسك عليها و لتتوهّم مواقعها و عواقبها.

فإن نبّهك التصفّح بها على عيب قد أغفلته، عرفت مكانه فاجتنبته، فإن كان عتيدا ظاهرا معروفا عندك، نظرت؛ فإن كان احتمالك فاضلا على بخلك دمت على إطعامهم، و على اكتساب المحبة بمؤاكلتهم؛ و إن كان اكتراثك غامر الاجتهاد، سترت نفسك و انفردت بطيّب زادك، و دخلت مع الغمار (6) و عشت عيش المستورين. و إن كانت الحروب بينك و بين طباعك سجالا، و كانت أسبابكما أمثالا و أشكالا، أجبت الحزم الى ترك التعرّض، و أجبت الاحتياط إلى رفض التكلّف، و رأيت أنّ من حصّل السلامة من الذمّ، فقد غنم؛ و أنّ من آثر (7) الثقة على التغرير، فقد حزم.

و ذكرت أنك الى معرفة هذا الباب أحوج، و أنّ ذا المروءة الى هذا العلم أفقر؛ و إني إن حصّنت من الذمّ عرضك، بعد أن حصّنت من

____________

(1) العتيد: المهيّأ، الحاضر.

(2) الهنات: مفردها هنة، اي خصلات شر.

(3) المتكلفين: الذين يتحملون المشقة و العناء.

(4) المنزجر: من زجر، أي المرء الذي منع عن شي‏ء.

(5) المبتهل: المتوسّل الى اللّه.

(6) الغمار: دخلت مع زحمة الناس.

(7) آثر: فضّل.

20

اللصوص مالك، فقد بلغت لك ما لم يبلغه أب بار، و لا أم رءوم.

و سألت أن أكتب لك علّة «خبّاب» (1) في نفي الغيرة، و أن بذل الزوجة داخل في باب المؤاساة و الأثرة؛ و أن فرج الأمة في العارية، كحكم الخدمة؛ و أن الزوجة في كثير من معانيها كالأمّة، و أنّ الأمة مال كالذهب و الفضة، و أن الرجل أحقّ ببنته من الغريب، و أولى بأخته من البعيد؛ و أن البعيد أحقّ بالغيرة، و القريب أولى بالأنفة، و أنّ الاستزادة في النسل كالاستزادة في الحرث، إلا أن العادة هي التي أوحشت منه، و الديانة هي التي حرّمته، و لأن الناس يتزيّدون أيضا في استعظامه، و ينتحلون أكثر مما عندهم في استشناعه.

و علّة «الجهجاه» (2) في تحسين الكذب في مواضع، و في تقبيح الصدق في مواضع، و في إلحاق الكذب بمرتبة الصدق، و في حطّ الصدق الى موضع الكذب. و أن الناس يظلمون الكذب بتناسي مناقبه‏ (3) ، و تذكّر مثالبه‏ (4) ، و يحابون‏ (5) الصدق بتذكّر منافعه، و بتناسي مضارّه.

و أنهم لو وازنوا بين مرافقهما، و عدّلوا بين خصالهما، لما فرّقوا بينهما هذا التفريق، و لما رأوهما بهذه العيون.

و مذهب «صحصح» (6) في تفضيل النسيان على كثير من الذكر، و أن الغباء، في الجملة، أنفع من الفطنة، في الجملة، و أنّ عيش البهائم أحسن موقعا من النفوس، من عيش العقلاء؛ و أنك لو أسمنت بهيمة، و رجلا ذا مروءة، أو امرأة ذات عقل و همّة، و أخرى ذات غباء و غفلة،

____________

(1) خبّاب: يستدل من كلام الجاحظ ان هذا الرجل كان على المذهب المزدكي.

(2) رجل كان يقبّح الصدق و يفضّل الكذب و يحسّنه.

(3) مناقبه: مفردها منقبة، العمل الحسن.

(4) مثالبه: سيئاته.

(5) يحابون: يؤيدون و يناحرون.

(6) يستدل من سياق الكلام انه كان يفضل الجهل على الذكاء. و الجسد على العقل...

21

لكان الشحم إلى البهيمة أسرع، و عن ذات العقل و الهمّة أبطأ؛ و لأن العقل مقرون بالحذر و الاهتمام، و لأن الغباء مقرون بفراغ البال و الأمن، فلذلك البهيمة تقنو (1) شحما في الأيام اليسيرة، و لا تجد ذلك لذي الهمة البعيدة. و متوقع البلاء في البلاء، و أن سلم منه، و الغافل في الرجاء إلى أن يدركه البلاء. و لو لا أنك تجد هذه الأبواب و أكثر منها مصوّرة في كتابي الذي سمّي «كتاب المسائل» (2) لأتيت على كثير منه في هذا الكتاب.

فأما ما سألت من احتجاج الأشحّاء، و نوادر أحاديث البخلاء، فسأوجدك ذلك في قصصهم، إن شاء اللّه تعالى، مفرّقا و في احتجاجهم مجملا، فهو أجمع لهذا الباب من وصف ما عندي، دون ما انتهى إليّ من أخبارهم، على وجهها. و على أن الكتاب أيضا يصير أقصر، و يصير العار فيه أقل.

و نبتدئ برسالة «سهل بن هارون» ثم بطرف أهل «خراسان» ، لإكثار الناس في أهل خراسان.

و لك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبيّن حجّة طريفة، أو تعرّف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة. و أنت في ضحك منه، إذا شئت، و في لهو، إذا مللت الجدّ.

و أنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع، و محمود المغبّة (3) ، إذا وافق الموضع، و لم يجاوز المقدار، و لم يعدل عن الجهة، و دليل على الرقة، و البعد من القسوة، و ربما عدّ من الوفاء، و شدّة الوجد على الأولياء. و هو من أعظم ما تقرب به العابدون، و استرحم به الخائفون.

____________

(1) تقنو: تحوي أو تملك.

(2) كتاب المسائل: هو أحد كتب الجاحظ التي لم يبق منها إلا الضئيل...

(3) المغبة: العاقبة.

22

و قال بعض الحكماء لرجل اشتد جزعه من بكاء صبيّ له: لا تجزع، فإنه أفتح لجرمه، و أصح لبصره.

و ضرب «عامر بن عبد قيس» (1) بيده على عينه، فقال: جامدة شاخصة (2) ، لا تندى‏ (3) .

و قيل: «لصفوان بن محرز» (4) ، عند طول بكائه، و تذكّر أحزانه:

«إن طول البكاء يورث العمى» ؛ فقال: «ذلك لها شهادة» فبكى حتى عمي.

و قد مدح بالبكاء ناس كثير، منهم «يحيى البكّاء» ، و هيثم البكّاء» .

و كان «صفوان بن محرز» يسمى: «البكاء» . و إذا كان البكاء (و ما دام صاحبه فيه فإنه في بلاء، و ربما أعمى البصر، و أفسد الدماغ، و دل على السّخف، و قضي على صاحبه بالهلع، و شبّه بالأمة اللكعاء (5) و بالحدث الضّرع) (6) كذلك، فما ظنك بالضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور، الى أن ينقطع عنه سببه.

و لو كان الضحك قبيحا من الضاحك، و قبيحا من المضحك، لما قيل للزهرة و الحبرة و الحلي و القصر المبنيّ: «كأنه يضحك ضحكا» .

و قد قال اللّه جل ذكره: «و أنه هو أضحك و أبكى و أنه قد أمات و أحيا» ، فوضع الضحك بحذاء الحياة (7) ، و وضع البكاء بحذاء الموت؛

____________

(1) ممّن اشتهر بالزهد.

(2) شاخصة: محدقة.

(3) لا تندى: لا تذرف دما.

(4) هو أحد اهل الزهد من غسان تميم، مات سنة 74 هـ.

(5) اللكعاء: اللئيمة الخبيثة.

(6) الحدث الضّرع: الشاب الضعيف.

(7) بحذاء الحياة: ما يحاذيها، أو بإزائها.

23

و أنه لا يضيف اللّه إلى نفسه القبيح، و لا يمن على خلقه بالنقص.

و كيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيما، و من مصلحة الطباع كبيرا، و هو شي‏ء في أصل الطباع و في أساس التركيب؟لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي، و به تطيب نفسه، و عليه ينبت شحمه، و يكثر دمه الذي هو علّة سروره، و مادة قوّته.

و لفضل خصال الضحك عند العرب، تسمّي أولادها «بالضحّاك» و «ببسام» و «بطلق» و «بطليق» .

و قد ضحك النبي، صلّى اللّه عليه و سلّم، و مزح، و ضحك الصالحون و مزحوا، و إذا مدحوا قالوا: «هو ضحوك السنّ، و بسّام العشيّات‏ (1) ، و هشّ الى الضيف، و ذو أريحية (2) و اهتزاز، و إذا ذموا قالوا: «هو عبوس، و هو كالح‏ (3) ، و هو قطوب، و هم شتم المحيا، و هو مكفهر أبدا، و هو كريه، و مقبّض الوجه، و حامض الوجه، و كأنما وجهه بالخجل منضوج» !.

و للضحك موضع و له مقدار، و للمزح موضع و له مقدار، متى جازهما أحد، و قصّر عنهما أحد، صار الفاضل خطلا (4) ، و التقصير نقصا.

فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، و لم يعيبوا المزح إلا بقدر، و متى أريد بالمزح النفع، و بالضحك الشي‏ء الذي له جعل الضحك، صار المزح جدا، و الضحك وقارا.

و هذا كتاب لا أغرّك منه، و لا أستر عنك عيبه، لأنه لا يجوز أن

____________

(1) بسّام العشيّات: كناية عن كرمه و استقباله الضيوف.

(2) أريحية: من الطبائع التي تجعل الانسان يفرح أو يرتاح إلى الاعمال الكريمة.

(3) كالح: شاحب، اسود، اي مفرط في العبوس.

(4) خطلا: فاسدا، و أحمق.

24

يكمل لما تريده، و لا يجوز أن يوفى حقّه، كما ينبغي له. لأنّ هاهنا أحاديث كثيرة، متى اطلعنا منها حرفا عرف أصحابها، و إن لم نسمّهم، و لم نرد ذلك بهم و سواء سمّيناهم، أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم، منهم الصديق و الوليّ و المستور و المتجمّل، و ليس يفي حسن الفائدة لكم، بقبح الجناية عليهم.

فهذا باب يسقط البتّة، و يختلّ به الكتاب لا محالة، و هو أكثرها بابا، و أعجبها منك موقعا. و أحاديث أخر ليس لها شهرة، و لو شهرت لما كان فيها دليل على أربابها، و لا هي مقيّدة أصحابها، و ليس يتوفر أبدا حسنها إلا بأن يعرف أهلها، و حتى تتصل بمستحقها، و بمعادنها، و اللائقين بها؛ و في قطع ما بينها و بين عناصرها و معانيها، سقوط نصف الملحة (1) ، و ذهاب شطر النادرة.

و لو أن رجلا ألزق نادرة «بأبي الحارث جمين» (2) ، «و الهيثم بن مطهر» (3) ، و «بمزبّد» (4) ، و «ابن أحمر» (5) ، ثم كانت باردة، لجرت على أحسن ما يكون.

و لو ولّد نادرة حارّة في نفسها، مليحة في معناها، ثم أضافها إلى «صالح بن حنين» (6) والى «ابن النواء» (7) ، و إلى بعض البغضاء، لعادت باردة، و لصارت فاترة، فان الفاتر شرّ من البارد.

و كما أنك لو ولّدت كلاما في الزهد، و موعظة الناس، ثم قلت: هذا

____________

(1) الملحة: النادرة اللذيذة.

(2) من أصحاب النكات و النوادر.

(3) و هو احد اصحاب المزاح، و قد لقّب بالفأفاء.

(4) مزبّد: هو أبو اسحاق المدني.

(5) ابن أحمر: احد الرجال المشهورين بالنوادر و الأخبار.

(6) صالح بن حنين: احد الرجال المشهورين ايضا ببرودة النكتة و سخافتها.

(7) ابن النواء: من الرافضة.

25

من كلام «بكر بن عبد اللّه المزنىّ» و «عامر بن عبد قيس العنبري» ، و «مؤرق العجلي» و «يزيد الرقاشي» (1) ، لتضاعف حسنه، و لا حدث له ذلك النسب نضارة (2) و رفعة لم تكن له.

و لو قلت: قالها «أبو كعب الصوفي» (3) ، أو «عبد المؤمن» (4) أو «أبو نواس» (5) الشاعر أو «حسين الخليع» (6) ، لما كان لها إلا ما لها في نفسها، و بالحري أن تغلط في مقدارها، فتبخس‏ (7) من حقّها.

و قد كتبنا لك أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها، و أحاديث كثيرة غير مضافة إلى أربابها، إما بالخوف منهم، و إما بالإكرام لهم.

و لو لا أنك سألتني هذا الكتاب لما تكلّفته، و لما وضعت كلامي موضع الضيم و النقمة، فإن كانت لائمة أو عجز، فعليك، و إن كان عذر، فلي دونك.

____________

(1) كل هذه الاسماء التي ذكرت كالمزني، و العنبري، و العجلي و يزيد الرقاشي، كانت معروفة بالزهد.

(2) نضاره: سموا، و مجدا.

(3) من الشعراء الماجنين.

(4) من الشعراء الماجنين.

(5) ابو نواس: الحسن بن هانئ، شاعر الخمرة. ولد في الاهواز من بلاد فارس سنة 145 هـ.

(6) حسين الخليع: هو الحسين بن الضحاك، احد الشعراء العباسيين.

(7) تبخس: تقلّل.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

رسالة سهل بن هارون الى محمد بن زياد و إلى بني عمه من آل زياد

حين ذموا مذهبه في البخل و تتبعوا كلامه في الكتب «بسم اللّه الرحمن الرحيم أصلح اللّه أمركم، و جمع شملكم، و علّمكم الخير، و جعلكم من أهله.

قال الأحنف بن قيس‏ (1) : يا معشر بني تميم، لا تسرعوا الى الفتنة، فإن أسرع الناس إلى القتال، أقلّهم حياء من الفرار. و قد كانوا يقولون:

إذا أردت أن ترى العيوب جمّة، فتأمّل عيّابا، فإنه إنما يعيب، بفضل ما فيه من العيب؛ و أول العيب أن تعيب ما ليس بعيب؛ و قبيح أن تنهي عن مرشد، أو تغري بمشفق. و ما أردنا، بما قلنا، إلا هدايتكم و تقويمكم، و إلا إصلاح فسادكم، و إبقاء النعمة عليكم. و لئن أخطأنا سبيل إرشادكم، فما أخطأنا سبيل حسن النية، فيما بيننا و بينكم. ثم قد تعلمون أنّا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا قبلكم، و شهرنا به في الآفاق دونكم، فما كان أحقّكم، في تقديم حرمتنا بكم-أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم، و تنبيهنا على ما أغفلنا من واجب حقكم، فلا

____________

(1) الأحنف بن قيس: حكيم بني تميم و سيدهم.

28

العذر المبسوط (1) عرفتم، و لا بواجب الحرمة قمتم.

و لو كان ذكر العيوب برّا و فضلا، لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك شغلا.

و إنّ من أعظم الشّقوة، و أبعد من السعادة، ألاّ يزال يتذكر زلل‏ (2)

المعلمين، و يتناسى سوء استماع المتعلمين، و يستعظم غاط العاذلين‏ (3)

و لا يحفل بعمد (4) المعذولين.

عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي عجنه خميرا كما أجدته فطيرا، ليكون أطيب لطعمه؛ و أزيد في ريعه. و قد قال عمر بن الخطّاب، رضي اللّه عنه و رحمه، لأهله: املكوا العجين، فإنه أريع الطحينين.

و عبتم عليّ قولي: من لم يعرف مواقع السرف‏ (5) في الموجود الرخيص، لم يعرف مواقع الاقتصاد في الممتنع الغالي. فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدلّ حجمها على مبلغ الكفاية و أشفّ من الكفاية، فلما صرت الى تفريق أجزائه على الأعضاء، و إلى التوفير عليها من وظيفة الماء، وجدت في الأعضاء فضلا على الماء، فعلمت أن لو كنت مكّنت الاقتصاد في أوائله، و رغبت عن التهاون به في ابتدائه، لخرج آخره على كفاية أوّله، و لكان نصيب العضو الأول كنصيب الآخر؛ فعبتموني بذلك، و شنّعتموه بجهدكم و قبّحتموه. و قد قال الحسن‏ (6) عند ذكر السّرف: إنه ليكون في الماعونين‏ (7) : الماء و الكلأ، فلم يرض بذكر الماء،

____________

(1) العذر المبسوط: العذر الظاهر.

(2) زلل: خطأ.

(3) العاذلين: اللائمين.

(4) عمد المعذولين: ما ينتج عنهم من أعمال و خطايا مقصودة.

(5) السرف: التبذير.

(6) الحسن: احد الأئمة في صدر الاسلام، و هو الحسن البصري.

(7) الماعونين: مفردها ماعون، و هو القدر او سواه، مما يستعمله بعض الناس للانتفاع به.

29

حتى أردفه بالكلإ.

وعبتموني حين ختمت على سدّ (1) عظيم، و فيه شي‏ء ثمين من فاكهة نفيسة و من رطبة غريبة، على عبد نهم، و صبي جشع، و أمة لكعاء (2) ، و زوجة خرقاء. (3)

و ليس من أصل الأدب، و لا في ترتيب الحكم، و لا في عادات القادة، و لا في تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، و غريب المشروب، و ثمين الملبوس، و خطير المركوب، و الناعم من كل فنّ، و اللباب من كل شكل، التابع و المتبوع، و السيد و المسود، كما لا تستوي مواضعهم في المجلس، و مواقع أسمائهم في العنوانات، و ما يستقبلون به من التحيات.

و كيف و هم لا يفقدون، من ذلك، و ما يفقد القادر، و لا يكترثون له اكتراث العارف. من شاء أطعم كلبه الدجاج المسمّن و أعلف حماره السمسم المقشّر.

فعبتموني بالختم، و قد ختم بعض الأئمة على مزود سويق، و ختم على كيس فارغ، و قال: «طينة خير من طنّة (4) » . فأمسكتم عمن ختم على لا شي‏ء، و عبتم من ختم على شي‏ء.

وعبتموني حين قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج، لنجمع بين التأدّم‏ (5) باللحم و المرق، و لنجمع، مع الارتفاق‏ (6) ، بالمرق

____________

(1) سد: سلّة.

(2) لكعاء: الخبيثة، اللئيمة.

(3) خرقاء: حمقاء.

(4) طنة: الطنين، أو لعلها الظنة.

(5) التأدم: اتخذه إداما، و الإدام ما يجعل مع الخبز فيطيبه.

(6) الارتفاق: الاستعانة، المساعدة برفق.

30

الطيب؛ و قد قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: إذا طبختم لحما فزيدوا في الماء، فإن لم يصب أحدكم لحما، أصاب مرقا.

وعبتموني بخصف النعال‏ (1) ، و بتصدير القميص‏ (2) ، و حين زعمت أن المخصوفة أبقى و أوطأ و أوقى، و أنفى للكبر، و أشبه بالنسك، و أن الترقيع من الحزم، و أن الاجتماع مع الحفظ، و أن التفرق مع التضييع.

و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يخصف نعله، و يرقع ثوبه، و يلطع‏ (3) إصبعه، و يقول: لو أتيت بذراع لأكلت، و لو دعيت الى كراع لأجبت‏ (4) . و لقد لفّقت سعدى ابنة عوف إزار طلحة، و هو جواد قريش، و هو طلحة الفياض‏ (5) .

و كان في ثوب عمر رقاع أدم‏ (6) . و قال: من لم يستحي من الحلال، خفّت مئونته، و قلّ كبره. و قالوا: «لا جديد لمن لا يلبس الخلق» .

و بعث زياد رجلا يرتاد (7) له محدّثا، و اشترط على الرائد أن يكون عاقلا مسدّدا، فأتاه به موافقا، فقال: «أ كنت ذا معرفة به» ؟قال: «لا و لا رأيته قبل ساعته» . قال: «أ فناقلته الكلام و فاتحته الأمور، قبل أن توصله إليّ» ؟قال: «لا» . قال: «فلم اخترته على جميع من رأيته» ؟ قال: «يومنا يوم قائظ، و لم أزل أتعرّف عقول الناس بطعامهم و لباسهم في مثل هذا اليوم، و رأيت ثياب الناس جددا و ثيابه لبسا (8) ، فظننت به الحزم» .

____________

(1) خصف النعال: ترقيعها.

(2) تصدير القميص: تبطينها.

(3) يلطع: يلحس.

(4) كراع: شي‏ء من ساق الغنم و غيرها.

(5) هو طلحة بن عبد اللّه التيمي احد الصحابة. و سعدى ابنة عوف: زوجته.

(6) رقاع أدم: رقاع من الجلد.

(7) يرتاد: يريد-يبغي.

(8) ثيابه لبسا: عتيقة، بالية.

31

و قد علمنا أن الجديد في موضعه دون الخلق؛ و قد جعل اللّه عزّ و جلّ لكل شي‏ء قدرا و بوّأ له موضعا، كما جعل لكل دهر رجالا، و لكل مقام مقالا؛ و قد أحيا بالسمّ، و أمات بالغذاء، و أغصّ بالماء، و قتل بالدواء. فترقيع الثوب يجمع، مع الإصلاح التواضع، و خلاف ذلك يجمع، مع الإسراف، التكبر. و قد زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين، و قد جبر الأحنف يد عنز، و أمر بذلك النعمان. و قال عمر: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة، و قال رجل لبعض السادة: أهدي إليك دجاجة، قال: إن كان لا بدّ فاجعلها بياضة. وعد أبو الدرداء (1) العراق‏ (2) جزر البهيمة (3) .

وعبتموني حين قلت: «لا يغترّنّ أحد بطول عمره، و تقوّس ظهره، ورقة عظمه، و وهن‏ (4) قوته، أن يرى أكرومته، و لا يخرجه ذلك إلى إخراج ماله من يديه، و تحويله إلى ملك غيره، و إلى تحكيم السرف فيه، و تسليط الشهوات عليه، فلعلّه أن يكون معمرا، و هو لا يدري، و ممدودا له في السن و هو لا يشعر؛ و لعله أن يرزق الولد على اليأس، أو يحدث عليه بعض مخبّئات الدهور، مما لا يخطر على البال، و لا تدركه العقول، فيستردّه ممن لا يردّه، و يظهر الشكوى إلى من لا يرحمه، أضعف ما كان عن الطلب و أقبح ما يكون به الكسب» . فعبتموني بذلك، و قد قال عمرو بن العاص: «اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، و اعمل لآخرتك من يموت غدا» (5) .

وعبتموني حين زعمت أن التبذير الى مال القمار، و مال الميراث،

____________

(1) ابو الدرداء: هو عويمر بن مالك الخزرجي، أحد الصحابة.

(2) العراق: العظم اكل لحمه.

(3) جزر البهيمة: لحمها.

(4) وهن: ضعف.

(5) و مثل هذا القول يروى عن الامام علي بن ابي طالب، كرّم اللّه وجهه.

32

و إلى مال الالتقاط، و حباء (1) الملوك، أسرع، و أن الحفظ الى المال المكتسب و الغنى المجتلب، و إلى ما يعرض فيه لذهاب الدين، و اهتضام العرض، و نصب‏ (2) البدن، و اهتمام القلب أسرع، و أن من لم يحسب ذهاب نفقته، لم يحسب الدخل، فقد أضاع الأصل، و أن من لم يعرف قدره، فقد أذن بالفقر و طاب نفسا بالذّل.

و زعمت أن كسب الحلال مضمّن بالإنفاق في الحلال؛ و أن الخبيث ينزع الى الخبيث؛ و أن الطيّب يدعو الى الطيّب؛ و أن الإنفاق في الهوى، حجاب دون الحقوق؛ و أن الإنفاق في الحقوق، حجاز دون الهوى. فعبتم عليّ هذا القول؛ و قد قال معاوية: لم أر تبذيرا قط إلا و إلى جانبه حق مضيّع. و قد قال الحسن: إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب ماله، فانظروا في أي شي‏ء ينفقه، فإن الخبيث ينفق في السّرف.

و قلت لكم، بالشفقة مني عليكم، و بحسن النظر لكم و بحفظكم لآبائكم، و لما يحب في جواركم، و في ممالحتكم، و ملابستكم: «أنتم في دار الآفات، و الجوائح‏ (3) غير مأمونات؛ فإن أحاطت بمال أحدكم آفة، لم يرجع الى بقية؛ فأحرزوا النعمة باختلاف الأمكنة، فإن البليّة لا تجري في الجميع إلا مع موت الجميع. و قد قال عمر رضي اللّه عنه، في العبد و الأمة، و في ملك الشاة و البعير، و في الشي‏ء الحقير اليسير: «فرّقوا بين المنايا» . و قال ابن سيرين لبعض البحريين: «كيف تصنعون بأموالكم» ؟ قال: «نفرّقها في السفن، فإن عطب بعض سلم بعض، و لو لا أنّ السلامة أكثر لما حملنا خزائننا في البحر» . قال ابن سيرين: تحسبها «خرقاء (4) و هي صناع» (5) .

____________

(1) حباء: الكرم و العطاء.

(2) نصب: تعب.

(3) الجوائح: مفردها جائحة، التهلكة، المصيبة.

(4) خرقاء: حمقاء.

(5) صناع: ماهرة.

33

و قلت لكم، عند إشفاقي عليكم: «إنّ للغنى سكرا، و ان للمال نزوة، فمن لم يحفظ الغنى من سكر الغنى، فقد أضاعه؛ و من لم يرتبط المال بخوف الفقر، فقد أهمله» .

فعبتموني بذلك؛ و قال زيد بن جبلة (1) : «ليس أحد أفقر من غنّي أمن الفقر، و سكر الغنى أشدّ من سكر الخمر» .

و قلتم: «قد لزم الحثّ على الحقوق، و التزهيد في الفضول، حتى صار يستعمل ذلك في أشعاره، بعد رسائله، و في خطبه، بعد سائر كلامه؛ فمن ذلك قوله في يحيى بن خالد:

عدوّ تلاد المال فيما ينوبه # منوع إذا ما منعه كان أحزما!

و من ذلك قوله في محمد بن زياد:

و خليقتان: تقى و فضل تحرّم # و إهانة، في حقه، للمال!

وعبتموني حين زعمت أنّي أقدم المال على العلم؛ لأن المال به يغاث العالم، و به تقوم النفوس، قبل أن تعرف فضيلة العلم. و أن الأصل أحق بالتفضيل من الفرع، و أني قلت: «و إن كنا نستبين الأمور بالنفوس، فإنا بالكفاية نستبين، و بالخلّة (2) نعمى» . و قلتم: «و كيف تقول هذا، و قد قيل لرئيس الحكماء و مقدّم الأدباء: العلماء أفضل أم الأغنياء؟قال: بل العلماء قيل: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء، أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟قال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى، و لجهل الأغنياء بفضل العلم» . فقلت: حالهما هي الفاصلة بينهما؛ و كيف يستوي شي‏ء ترى حاجة الجميع إليه، و شي‏ء يغني بعضهم فيه عن بعض» ؟.

وعبتموني حين قلت: «إن فضل الغني على القوت، إنما هو كفضل الآلة

____________

(1) زيد بن جبلة: أحد الزعماء الذين اشتهروا بالفصاحة في عهد الخلفاء الراشدين.

(2) الخلة: الحاجة الشديدة.

34

تكون في الدار، إن احتيج إليها استعملت، و إن استغني عنها كانت عدّة» .

و قد قال الحضين بن المنذر (1) : «وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشي‏ء» . قيل: «فما ينفعك من ذلك» ؟قال: «لكثرة من يخدمني عليه» .

و قال أيضا: «عليك بطلب الغنى، فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عزّ في قلبك، و شبهة في قلب غيرك، لكان الحظ فيه جسيما، و النفع فيه عظيما» .

و لسنا ندع سيرة الأنبياء، و تعليم الخلفاء، و تأديب الحكماء، لأصحاب الأهواء. كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، و الفقراء باتخاذ الدجاج. و قالوا: «درهمك لمعاشك، و دينك لمعادك» . فقسّموا الأمور كلها على الدين و الدنيا، ثم جعلوا أحد قسمي الجميع، الدرهم. و قال أبو بكر الصديق رحمة اللّه عليه و رضوانه: «إني لأبغض أهل البيت ينفقون رزق الأيام في اليوم» ، و كانوا يبغضون أهل البيت اللحمين‏ (2) . و كان هشام يقول: «ضع الدرهم على الدرهم، يكون مالا. و نهى أبو الأسود الدؤلي‏ (3) ، و كان حكيما أديبا، و داهيا أريبا، عن وجودكم هذا المولّد، و عن كرمكم هذا المستحدث، فقال لابنه: «إذا بسط اللّه لك في الرزق فابسط، و إذا قبض فاقبض‏ (4) ، و لا تجاود (5) اللّه، فإن اللّه أجود منك» . و قال: «درهم من حلّ يخرج في حق، خير من عشرة آلاف قبضا» . و تلقّط عرجدا (6) من برم فقال: «تضيعون مثل هذا، و هو قوت امرئ مسلم يوما إلى الليل» ؟!و تلقط أبو الدرداء حبّات حنطة، فنهاه بعض المسرفين، فقال: «إيها، ابن العبسية، إن فقه المرء رفقه في معيشته» .

____________

(1) الحضين بن المنذر: هو ابو ساسان احد التابعين.

(2) اللحمين: آكلي اللحم.

(3) ابو الأسود الدؤلي: اول من وضع النقاط و الحركات للقرآن الكريم.

(4) اقبض: لا تسرف.

(5) لا تجاود: لا توازيه او تغالبه في الجود و العطاء.

(6) عرجد: أصل العذق اليابس.

35

فلستم عليّ تردّون و لا رأيي تفندون‏ (1) ، فقدّموا النظر قبل العزم، و تذكروا ما عليكم قبل أن تذكروا ما لكم. و السلام» .

____________

(1) تفندون: تخطئون.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

أهل خراسان‏

«نبدأ بأهل خراسان» ، لإكثار الناس في أهل خراسان، و نخص بذلك أهل «مرو» (1) ، بقدر ما خصوا به:

قال أصحابنا: يقول المروزي‏ (2) للزائر، إذا أتاه، و للجليس، إذا طال جلوسه: «تغدّيت اليوم» ؟فإن قال «نعم» ، قال: «لو لا أنك تغدّيت لغدّيتك بغداء طيب» ؛ و إن قال: «لا» . قال: «لو كنت تغديت، لسقيتك خمسة أقداح» . فلا يصير في يده على الوجهين قليل و لا كثير.

و كنت في منزل «ابن أبي كريمة» (3) و أصله من مرو، فرآني أتوضأ من كوز (4) خزف، فقال: «سبحان اللّه تتوضأ بالعذب، و البئر لك معرضة» ؟قلت: «ليس بعذب، إنما هو من ماء البئر» . قال: فتفسد علينا كوزنا بالملوحة» . فلم أدر كيف أتخلص منه.

و حدثني عمرو بن نهيوي‏ (5) قال: «تغدّيت يوما عند الكندي،

____________

(1) مرو: مدينة من مدن خراسان.

(2) المروزي: نسبة إلى مرو.

(3) ابن ابي كريمة: من رجال مرو.

(4) كوز: إناء من الفخار أصغر من الابريق.

(5) عمرو بن نهيوي: من أصحاب النظام المشتغلين بعلم الكلام.

38

فدخل عليه رجل كان له جارا، و كان لي صديقا، فلم يعرض عليه الطعام و نحن نأكل (و كان أبخل من خلق اللّه) ، قال: «فاستحييت منه» ، فقلت: «سبحان اللّه!لو دنوت فأصبت معنا مما نأكل» . قال:

«قد و اللّه فعلت» . فقال الكندي: «ما بعد اللّه شي‏ء» . قال عمرو:

«فكتفه، و اللّه كتفا لا يستطيع معه قبضا و لا بسطا، و تركه، و لو مدّ يده لكان كافرا، أو لكان قد جعل مع اللّه، جلّ ذكره، شيئا» .

و ليس هذا الحديث لأهل مرو و لكنه من شكل الحديث الأول.

و قال ثمامة (1) : «لم أر الديك في بلدة قطّ إلا و هو لا قط، يأخذ الحبة بمنقاره، ثم يلفظها قدام الدجاجة، إلا ديكة مرو، فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب» . قال: «فعلمت إن بخلهم شي‏ء في طبع البلاد، و في جواهر الماء، فمن ثمّ عمّ جميع حيوانهم» .

فحدّثت بهذا الحديث أحمد بن رشيد، فقال: «كنت عند شيخ من أهل مرو، و صبيّ له صغير يلعب بين يديه، فقلت له، إما عابثا و إما ممتحنا: «أطعمني من خبزكم» . قال: «لا تريده، هو مرّ» . فقلت:

«فاسقني من مائكم» قال: «لا تريده، هو مالح» . قلت: «هات لي من كذا و كذا» قال: لا تريده، هو كذا و كذا» . إلى أن عددت أصنافا كثيرة، كل ذلك يمنعنيه و يبغضه إليّ. فضحك أبوه و قال: «ما ذنبنا؟ هذا من علّمه ما تسمع» ؟يعني أن البخل طبع فيهم، و في إعراقهم، و طينتهم.

و زعم أصحابنا أن خراسانية ترافقوا في منزل، و صبروا عن

____________

(1) ثمامة: هو ابن أشرس النمري. كان أحد زعماء المعتزلة.

39

الارتفاق‏ (1) بالمصباح ما أمكن الصبر. ثم أنهم تناهدوا (2) و تخارجوا (3) ، و أبى واحد منهم أن يعينهم، و أن يدخل في الغرم‏ (4) معهم. فكانوا إذا جاء المصباح شدّوا عينه بمنديل؛ و لا يزال و لا يزالون كذلك، إلى أن يناموا و يطفئوا المصباح، فإذا أطفئوه أطلقوا عينيه.

و رأيت أنا حمّارة منهم، زهاء خمسين رجلا، يتغدون على مباقل‏ (5)

بحضرة قرية الأعراب، في طريق الكوفة، و هم حجّاج. فلم أر من جميع الخمسين رجلين يأكلان معا، و هم في ذلك متقاربون، يحدّث بعضهم بعضا. و هذا الذي رأيته منهم من غريب ما يتفق للناس.

حدّثني مويس بن عمران‏ (6) قال: «قال رجل منهم لصاحبه، و كانا إمّا متزاملين‏ (7) ، و إما مترافقين، «لم لا نتطاعم‏ (8) ؟فان يد اللّه مع الجماعة، و في الاجتماع البركة» ؛ و ما زالوا يقولون: «طعام الاثنين لا يكفي الثلاثة، و طعام الثلاثة لا يكفي الأربعة» . فقال له صاحبه:

«لو لا أعلم أنك آكل مني لأدخلت لك هذا الكلام في باب النصيحة» .

فلما كان الغد، و أعاد عليه القول، قال له: «يا عبد اللّه معك رغيف، و معي رغيف؛ و لو لا أنك تريد الشرّ، ما كان حرصك على مؤاكلتي.

تريد الحديث و المؤانسة؟اجعل الطبق واحدا، و يكون رغيف كل منّا قدّام صاحبه. و ما أشك أنك إذا أكلت رغيفك، و نصف رغيفي،

____________

(1) الارتفاق: استعمال الشي‏ء و الانتفاع به. صبروا على الارتفاق بالمصباح: استغنوا عن الإنارة.

(2) تناهدوا: أخرج كل واحد منهم مالا بقدر الآخر مشاركة بالنفقة.

(3) تخارجوا: من معنى تناهدوا.

(4) العزم: ما يجب دفعه من المال، كالجزية مثلا.

(5) مباقل: نوع من النباتات العشبية، مفردها مبقلة.

(6) مويس بن عمران: أحد اصحاب النظام المعتزلين.

(7) متزاملين: عادله على البعير، اي ركب هو في جانب و عادله رفيقه في الجانب الآخر.

(8) نتطاعم: نأكل سوية.

40

ستجده مباركا. إنما كان ينبغي أن أكون أجده أنا، لا أنت.

و قال خاقان بن صبيح‏ (1) : «دخلت على رجل من أهل خراسان ليلا، و إذا هو قد أتانا بمسرجة (2) ، فيها فتيلة في غاية الدقّة، و إذا هو قد ألقى في دهن المسرجة شيئا من ملح‏ (3) ، و قد علّق على عمود المنارة عودا بخيط، و قد حزّ فيه حتى صار فيه مكان للرّباط. فكان المصباح، إذا كاد ينطفئ أشخص‏ (4) رأس الفتيلة بذلك» . قال: «فقلت له: ما بال العود مربوطا» ؟قال: «هذا عود قد تشرّب الدهن، فإن ضاع و لم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان، فإذا كان هذا دأبنا (5) و دأبه، ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة» . قال: «فبينا أنا أتعجب في نفسي، و أسأل اللّه جلّ و ذكره العافية و الستر، إذ دخل شيخ من أهل مرو، فنظر الى العود فقال: «يا أبا فلان فررت من شي‏ء و وقعت في شي‏ء. أ ما تعلم أن الريح و الشمس تأخذان من سائر الأشياء؟أ و ليس قد كان البارحة عند إطفاء السراج أروى‏ (6) ، و هو عند إسراجك الليلة أعطش‏ (7) ؟قد كنت أنا جاهلا مثلك حتى وفّقني اللّه إلى ما هو أرشد!اربط، عافاك اللّه، بدل العود إبرة أو مسلة صغيرة. و على أن العود و الخلال‏ (8)

و القصبة ربما تعلّقت بها الشعرة من قطن الفتيلة إذا سوّيناها بها فيشخص لها. و ربما كان ذلك سببا لانطفاء السراج. و الحديد أملس، و هو مع ذلك غير نشاف» . قال خاقان: «ففي تلك الليلة عرفت فضل اهل خراسان

____________

(1) خاقان بن صبيح: من جلساء الجاحظ و محدثيه.

(2) مسرجة: إناء فيه زيت و فتيل يستعمل للإنارة.

(3) ملح: وضع في الدهن ملحا ليخفف مصروف الزيت.

(4) أشخص: رفع.

(5) دأبنا: عادتنا و شأننا.

(6) أروى: اكثر ارتواء.

(7) يستدل على أن العقل و الارشاد في مفهومهم، هو التفنن في دروب التوفير.

(8) الخلال: عود دقيق تخلل به الاسنان.

41

على سائر الناس، و فضل أهل مرو على سائر أهل خراسان» .

قال مثنّى بن بشير (1) : دخل أبو عبد اللّه المروزي على شيخ من أهل خراسان، و إذا هو قد استصبح في مسرجة خزف، من هذه الخزفيّة الخضر. فقال له الشيخ: لا يجي‏ء و اللّه منك، من صالح أبدا. عاتبتك في مسارج الحجارة، فأعتبتني بالخزف. أ و ما علمت أن الخزف و الحجارة يحسوان‏ (2) الدهن حسوا؟قال جعلت فداك!دفعتها إلى حريف‏ (3) لي، دهّان، فألقاها في المصفاة شهرا حتى رويت، من الدهن، ريّا لا تحتاج معه أبدا الى شي‏ء. قال: ليس هذا أريد؛ هذا دواؤه يسير، و قد وقعت عليه. و لكن ما علمت أن موضع النار من المسرجة، في طرف الفتيلة، لا ينفكّ من إحراق النار، و تجفيفه، و نشف ما فيه؛ و متى ابتلّ بالدّهن و تسقاه، عادت النار عليه فأكلته؟هذا دأبهما. فلو قسمت ما يتشرّب ذلك المكان، من الدهن، بما يستمده طرف الفتيلة منه، لعلمت أن ذلك أكثر. و بعد هذا، فإن ذلك الموضع من الفتيلة و المسرجة، لا يزال سائلا جاريا؛ و يقال إنك متى وضعت مسرجة، فيها مصباح، و أخرى لا مصباح فيها، لم تلبث إلا ليلة أو ليلتين حتى ترى السفلى ملآنة دهنا.

و اعتبر أيضا ذلك بالملح الذي يوضع تحت المسرجة، و النخالة التي توضع هناك لتسويتها و تصويبها، كيف تجدهما ينعصران دهنا. و هذا كله خسران و غبن، لا يتهاون به إلا أصحاب الفساد. على أن المفسدين إنما يطعمون الناس، و يسقون ناس، و هم على حال يستخلفون‏ (4) شيئا، و إن كان دونا. و أنت إنما تطعم النار، و تسقي النار، و من أطعم النار جعله اللّه يوم القيامة طعاما للنار. قال الشيخ: فكيف أصنع جعلت فداك؟قال:

____________

(1) مثنى بن بشر: احد محدثي الجاحظ و رواته.

(2) يحسوان: يشربان.

(3) حريف: صاحب حرفة، أو مهنة.

(4) يستخلفون: يعتاضون.

42

تتخذ قنديلا؛ فإن الزجاج أحفظ من غيره، و الزجاج لا يعرف الرشح و لا النشف، و لا يقبل الأوساخ التي لا تزول إلا بالدلك الشديد، أو بإحراق النار؛ و أيهما ما كان، فإنه يعيد المسرجة الى العطش الأول.

و الزجاج أبقى على الماء و التراب، من الذهب الإبريز (1) ؛ و هو مع ذلك مصنوع، و الذهب مخلوق، فإن فضله الذهب بالصلابة، فضله الزجاج بالصفاء؛ و الزجاج مجلّ، و الذهب ستّار. و لأن الفتيلة إنما تكون في وسطه، فلا تحمّى جوانبه بوهج المصباح، كما تحمى بموضع النار من المسرجة. و إذا وقع شعاع النار على جوهر الزجاج، صار المصباح و القنديل مصباحا واحدا، و ردّ الضياء كل واحد منهما على صاحبه.

و اعتبر ذلك بالشعاع الذي يسقط على وجه المرآة، أو على وجه الماء، أو على الزجاجة؛ ثم انظر كيف يتضاعف نوره؛ و إن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه، و ربما أعماه. و قال اللّه جلّ ذكره: اَللََّهُ نُورُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكََاةٍ (2) فِيهََا مِصْبََاحٌ، اَلْمِصْبََاحُ فِي زُجََاجَةٍ، اَلزُّجََاجَةُ كَأَنَّهََا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبََارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاََ شَرْقِيَّةٍ وَ لاََ غَرْبِيَّةٍ، يَكََادُ زَيْتُهََا يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نََارٌ، نُورٌ عَلى‏ََ نُورٍ، يَهْدِي اَللََّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشََاءُ . و الزيت في الزجاجة نور على نور، وضوء على ضوء مضاعف. هذا مع فضل حسن القنديل على حسن مسارج الحجارة و الخزف.

و أبو عبد اللّه هذا كان من أطيب الخلق، و أملحهم بخلا، و أشدهم رياء، أدخل على ذي اليمينين، طاهر بن الحسين، و قد كان يعرفه بخراسان بسبب الكلام، فقال له: منذ كم أنت مقيم بالعراق، يا أبا عبد اللّه؟فقال: أنا بالعراق منذ عشرين سنة، و أنا أصوم الدهر منذ أربعين سنة. قال: فضحك طاهر، و قال: سألناك يا أبا عبد اللّه عن

____________

(1) الإبريز: الذهب الخالص الصافي.

(2) مشكاة: كوة في الحائط غير نافذة فيها المصباح أو نحوه.

43

مسألة، فأجبتنا عن مسألتين.

قصة العراقي مع المروزيّ:

و من أعاجيب أهل مرو ما سمعناه من مشيختنا على وجه الدهر، و ذلك: إن رجلا من أهل مرو كان و لا يزال يحجّ و يتّجر، و ينزل على رجل من أهل العراق، فيكرمه و يكفيه مئونته. ثم كان كثيرا ما يقول لذلك العراقي: «ليت إني قد رأيتك بمرو، حتى أكافئك، لقديم إحسانك، و ما تجدّد لي من البرّ في كل مرّة. فأما هاهنا فقد أغناك اللّه عني» .

قال: فعرضت لذلك العراقي، بعد دهر طويل، حاجة في تلك الناحية؛ فكان مما هوّن عليه مكابدة السفر، و وحشة الاغتراب، مكان المروزيّ هناك. فلما قدم مضى نحوه في ثياب سفره، و في عمامته و قلنسوته‏ (1) و كسائه، ليحطّ رحله عنده، كما يصنع الرجل بثقته، و موضع أنسه. فلما وجده قاعدا في أصحابه، أكبّ عليه و عانقه، فلم يره أثبته، و لا سأل عنه سؤال من رآه قط. قال العراقي في نفسه: «لعل إنكاره إيّاي لمكان القناع» ؛ فرمى بقناعه، و ابتدأ مساءلته، فكان له أنكر.

فقال: «لعله أن يكون إنما أتي من قبل العمامة» ؛ فنزعها ثم انتسب، و جدد مساءلته، فوجده أشدّ ما كان له إنكارا. قال «فلعله إنما أتي من قبل القلنسوة» ؛ و علم المروزي أنه لم يبق شي‏ء يتعلق به المتغافل و المتجاهل، فقال: «لو خرجت من جلدك لم أعرفك» : ترجمة هذا الكلام بالفارسية: «اگر از پوست بيرون بيائى نشناسمت» (2) .

____________

(1) قلنسوته: من ملابس الرأس.

(2) و في طبعة باريس: «أكران يوست ابارون بياني نستاسم» .

44

المشاركة في طبخ اللحم:

و زعموا أنهم ربما ترافقوا و تزاملوا، فتناهدوا (1) و تلازموا في شراء اللحم، فإذا اشتروا اللحم قسموه، قبل الطبخ، و أخذ كل إنسان منهم نصيبه فشكه بخوصة (2) أو بخيط، ثم أرسله في خلّ القدر و التوابل.

فإذا طبخوه تناول كل إنسان خيطه، و قد علّمه بعلامة ثم اقتسموا المرق، ثم لا يزال أحدهم يسلّ من الخيط، القطعة بعد القطعة، حتى يبقى الحبل لا شي‏ء فيه. ثم يجمعون خيوطهم. فإن أعادوا الملازمة، أعادوا تلك الخيوط، لأنها قد تشرّبت الدسم فقد رويت. و ليس تناهدهم من طريق الرغبة في المشاركة، و لكن لأن بضعة كل واحد منهم لا تبلغ مقدار الذي يحتمل أن يطبخ وحده، و لأن المئونة تخفّ أيضا، و الحطب و الخلّ و الثوم و التوابل، و لأن القدر الواحدة أمكن من أن يقدر كل واحد منهم على قدر و إنما يختارون السكباج‏ (3) لأنها تبقى على الأيام، و أبعد من الفساد.

قصة مقلى الخراساني:

حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام‏ (4) قال: قلت مرة لجار كان لي، من أهل خراسان: «أعرني مقلاكم، فإني أحتاج إليه» قال:

«قد كان لنا مقلى، و لكنه سرق» . فاستعرت من جار لي آخر. فلم يلبث الخراساني أن سمع نشيش‏ (5) اللحم في المقلى، و شمّ الطباهج‏ (6) ،

____________

(1) تناهدوا: ترافقوا.

(2) خوصة: ورقة النخل.

(3) السكباج: لفظة فارسية معربة. لحم يطبخ بالخل و التوابل.

(4) هو أحد كبار المعتزلة، و له فرقة تسمى النظامية، مات سنة 845 م.

(5) نشيش: صوت غليان الماء أو غيره.

(6) الطباهج: اللحم المشرح.

45

فقال لي: كالمغضب: «ما في الأرض أعجب منك، لو كنت أخبرتني أنك تريده للحم أو لشحم لوجدتني أسرع إليك به، إنما خشيتك تريده للباقلّي‏ (1) ، و حديد المقلى يحترق إذا كان الذي يقلى فيه ليس بدسم.

و كيف لا أعيرك إذا أردت الطّباهج، و المقلى، بعد الرّد من الطباهج، أحسن حالا منه، و هو في البيت؟!.

طلاق بسبب غسل الخوان:

و قال أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام: دعانا جار لنا، فأطعمنا تمرا و سمن سلاء (2) ، و نحن على خوان‏ (3) ليس عليه إلا ما ذكرت، و الخراساني معنا يأكل، فرأيته يقطر السمن على الخوان حتى أكثر من ذلك؛ فقلت لرجل إلى جنبي: ما لأبي فلان يضيع سمن القوم، و يسي‏ء المؤاكلة، و يغرف فوق الحق؟قال: و ما عرفت علّته؟قلت: لا و اللّه. قال: الخوان خوانه، فهو يريد أن يدسمه، ليكون كالدّبغ له.

و لقد طلّق امرأته، و هي أمّ أولاده، لأنه رآها غسلت له خوانا له بماء حارّ، فقال لها: هلاّ مسحته.

الأكل مع الجماعة تكلّف:

و قال أبو نوّاس: كان معنا في السفينة و نحن نريد بغداد، رجل من أهل خراسان، و كان من عقلائهم و فقهائهم. فكان يأكل وحده. فقلت له: «لم تأكل وحدك» ؟قال: ليس «عليّ» في هذا الوضع مسألة؛ إنما

____________

(1) الباقلي: الفول.

(2) سلاء: ما صفي من السمن بعد الطبخ.

(3) الخوان: ما يوضع عليه الطعام وقت الأكل.

46

المسأله على من أكل مع الجماعة، لأن ذلك هو التكلّف. و أكلي وحدي هو الأصل، و أكلي مع غيري زيادة في الأصل» .

السلام و الطعام:

و حدّثني إبراهيم بن السندي‏ (1) قال: كان على ربض الشاذروان‏ (2)

شيخ لنا، من أهل خراسان. و كان مصححا بعيدا من الفساد، و من الرشا (3) ، و من الحكم بالهوى، و كان حفيا (4) جدا، و كذلك كان في إمساكه، و في بخله، و تدنيقه‏ (5) في نفقاته؛ و كان لا يأكل إلا ما لا بد منه، و لا يشرب إلا ما بدا منه. غير أنه إذا كان في غداة كل جمعة حمل معه منديلا فيه جردقتان‏ (6) ، و قطع لحم سكباج‏ (7) مبرّد، و قطع جبن، و زيتونات، و صرة فيها ملح، و أخرى فيها أشنان‏ (8) و أربع بيضات ليس منها بدّ، و معه خلال. و مضى وحده، حتى يدخل بعض بساتين الكرخ‏ (9) ، و ينظر موضعا تحت شجرة، وسط خضرة، و على ماء جار. فاذا وجد ذلك جلس، و بسط بين يديه المنديل، و أكل من هذا مرة، و من

____________

(1) ابراهيم بن السندي: احد اصحاب الجاحظ.

(2) ربض الشاذروان: اسم مكان في بغداد.

(3) الرشا: أعطاه رشوة.

(4) الحفي: احتفى به؛ أي بالغ في اكرامه.

(5) تدنيق: إمساك و بخل.

(6) جردقتان: مفردها جردقة. الرغيف، و هي لفظة فارسية معربة.

(7) سكباج: لحم يطبخ بالخل.

(8) اشنان: حمض تغسل به الايدي و الثياب.

(9) بساتين الكرخ: التي كثر فيها الماء.

47

هذا مرّة. فإن وجد قيّم‏ (1) ذلك البستان رمى إليه بدرهم، ثم قال:

اشتر لي بهذا، أو أعطني بهذا، رطبا، (إن كان في زمان الرطب) ، أو عنبا (إن كان في زمان العنب) و يقول له: إياك إياك أن تحابيني‏ (2) ، و لكن تجوّد لي، فإنّك إن فعلت لم آكله، و لم أعد إليك. و احذر الغبن فان المغبون لا محمود و لا مأجور» فإن أتاه به أكل كل شي‏ء معه، و كل شي‏ء أتي به، ثم تخلّل، و غسل يديه، ثم تمشّى مقدار مائة خطوة. ثم يضع جنبه، فينام الى وقت الجمعة. ثم ينتبه فيغتسل، و يمصي الى المسجد.

هذا كان دأبه كل جمعة!! قال إبراهيم: فبينا هو يوما من أيامه يأكل في بعض المواضع، إذ مر به رجل فسلّم عليه، فردّ السلام؛ ثم قال: «هلمّ عافاك اللّه» . فلما نظر الى الرجل و قد انثنى راجعا، يريد أن يطفر الجدول أو يعبر النهر، قال له: «مكانك، فإنّ العجلة من عمل الشيطان» . فوقف الرجل، فأقبل عليه الخراساني و قال: «تريد ما ذا» ؟قال: «أريد أن أتغدّى» .

قال: «و لم ذاك؟و كيف طمعت في هذا؟و من أباح لك مالي» ؟قال الرجل: «أ و ليس قد دعوتني» ؟قال: «ويلك، لو ظننت أنك هكذا أحمق، ما رددت عليك السلام. أ يحسن فيما نحن فيه أن تكون، إذا كنت أنا الجالس و أنت المار، أن تبدأ أنت فتسلم، فأقول أنا حينئذ، مجيبا لك: «و عليكم السلام» . فإن كنت لا آكلا شيئا، سكتّ أنا، و سكتّ أنت، و مضيت أنت، و قعدت أنا على حالي. و إن كنت آكل فههنا وجه آخر، و هو إن أبدأ أنا، فأقول: «هلمّ» ، و تجيب أنت فتقول:

«هنيئا» . فيكون كلام بكلام، فأما كلام بفعال، و قول بأكل، فهذا ليس من الإنصاف، و هذا يخرج علينا فضلا كبيرا. قال: فورد على الرجل شي‏ء لم يكن في حسابه.

____________

(1) قيّم: مسئول.

(2) تحابيني: تجاملني بمحبة و رفق.

48

فشهر بذلك في تلك الناحية، و قيل له: «قد أعفينا من السلام، و من تكلف الرد» . قال: «ما بي الى ذلك حاجة، إنما هو أن أعفي أنا نفسي من «هلمّ» و قد استقام الأمر» .

كذب بكذب:

و مثل هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير (1) عن وال كان بفارس، إما أن يكون خالدا خومهرويه، أو غيره، قال:

بينا هو يوما في مجلس، و هو مشغول بحسابه و أمره، و قد احتجب بجهده، إذ نجم‏ (2) شاعر من بين يديه، فأنشده شعرا مدحه فيه، و قرّظه‏ (3) ، و مجّده. فلمّا فرغ قال: «قد أحسنت» . ثم أقبل على كاتبه فقال: أعطه عشرة آلاف درهم» . ففرح الشاعر فرحا شديدا؛ فلما رأى حاله قال: «و إني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع؟اجعلها ألف درهم» . فكاد الشاعر يخرج من جلده، فلما رأى فرحه قد تضاعف، قال: «و إن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول؟أعطه يا فلان أربعين ألفا» . فكاد الفرح يقتله.

فلما رجعت إليه نفسه قال له: «أنت، جعلت فداك، رجل كريم؛ و أنا أعلم أنك كلما رأيتني قد ازددت فرحا، زدتني في الجائزة، و قبول هذا منك لا يكون إلا من قلة الشكر» . ثم دعا له و خرج.

قال: فأقبل عليه كاتبه فقال: «سبحان اللّه!هذا كان يرضى منك بأربعين درهما تأمر له بأربعين ألف درهم» ؟قال: «ويلك!و تريد أن تعطيه شيئا» ؟قال: «و لم امرت له بذلك» ؟قال: «يا أحمق، إنما هذا

____________

(1) محمد بن يسير: أحد شعراء البصرة وقتذاك.

(2) نجم: سطع.

(3) قرّظه مدحه و أثنى عليه.

49

رجل سرّنا بكلام، و سررناه بكلام. هو حين زعم أني أحسن من القمر، و أشدّ من الأسد، و أن لساني أقطع من السيف، و أن أمري أنفذ من السّنان هل جعل في يدي من هذا شيئا أرجع به الى بيتي؟ألسنا نعلم أنه قد كذب؟و لكنه قد سرّنا حين كذب لنا، فنحن أيضا نسرّه بالقول و نأمر له بالجوائز، و إن كان كذبا، فيكون كذب بكذب و قول بقول. فأما أن يكون كذب بصدق و قول بفعل، فهذا هو الخسران المبين الذي سمعت به» .

و يقال: إن هذا المثل الذي قد جرى على ألسنة العوّام من قولهم:

«ينظر إليّ شزرا كأنّي أكلت اثنين، و أطعمته واحدا» إنما هو لأهل مرو.

قال: و قال المروزيّ لو لا إنني أبني مدينة لبينت آريّا لدابتي.

قال: و قلت لأحمد بن هشام‏ (1) ، و هو يبني داره ببغداد: «إذا أراد اللّه ذهاب مال رجل سلّط عليه الطين و الماء» . قال: «و ما يصنع بذكر الطين و الماء؟إنما إذا أراد اللّه ذهاب مال رجل جعله يرجو الخلف‏ (2) ، لا و اللّه أن أهلك الناس، و لا أقفر بيوتهم، و لا ترك دورهم بلاقع‏ (3) ، إلا الإيمان بالخلف، و ما رأيت جنة (4) قط أوقى من اليأس» .

____________

(1) احمد بن هشام: أحد أشراف بغداد.

(2) الخلف: العوض.

(3) بلاقع: مفردها بلقع، أرض فقيرة جرداء.

(4) جنّة: الوقاية، السّترة.

50

الزكاة و الخلف:

قال: و سمع رجل، من المراوزة، الحسن و هو يحث الناس على المعروف، و يأمر بالصدقة، و يقول: «ما نقص مال قطّ من زكاة» ، و يعدهم سرعة الخلف. فتصدّق المروزيّ بماله كله فافتقر، فانتظر سنة و سنة، فلما لم ير شيئا بكر على الحسن، فقال: «حسن ما صنعت بي؟ ضمنت لي الخلف، فأنفقت على عدتك، و أنا اليوم مذ كذا و كذا سنة أنتظر ما وعدت، لا أرى منه قليلا و لا كثيرا. هذا يحلّ لك؟اللص كان يصنع بي أكثر من هذا» ؟ و الخلف يكون معجّلا و مؤجلا. و من تصدّق و تشرّط الشروط استحقّ الحرمان. و لو كان هذا على ما توهمه المروزي لكانت المحنة فيه ساقطة، و لترك الناس التجارة، و لما بقي فقير، و لذهبت العبادة.

و قيل: أصبح ثمامة شديد الغمّ حين احترقت داره. و كان كلما دخل عليه إنسان قال: الحريق سريع الخلف. فلما كثر ذلك القول منهم، قال: «فاستحرق اللّه‏ (1) . اللهم إني أستحرقك فأحرق كل شي‏ء لنا» .

الاقتصاد في لبس الاخفاف:

و ليس هذا الحديث من حديث المراوزة، و لكنا ضممناه الى ما يشاكله:

قال سجّادة، و هو أبو سعيد سجّادة: ناس من المراوزة إذا لبسوا الخفاف‏ (2) في الستة الأشهر التي لا ينزعون فيها خفافهم، يمشون على

____________

(1) استحرق اللّه: يرجو اللّه أن يحرق كل شي‏ء له.

(2) الخفاف: ما ينقله الانسان. و الخفّاف (بتشديد الفاء) من كان عريض باطن القدم.

51

صدور أقدامهم ثلاثة أشهر، و على أعقاب أرجلهم ثلاثة أشهر حتى يكون كأنهم لم يلبسوا خفافهم إلا ثلاثة أشهر، مخافة أن تنجرد نعال خفافهم أو تنقب.

حكى أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام، عن جاره المروزي: أنه كان لا يلبس خفا و لا نعلا إلى أن يذهب النبق‏ (1) اليابس، لكثرة النوى في الطريق و الأسواق. قال: و رآني مرة. مصصت قصب سكر، فجمعت ما مصصت ماءه، لأرمي به، فقال: «إن كنت لا تنوّر لك، و لا عيال عليك، فهبه لمن له تنّور و عليه عيال. و إياك أن تعوّد نفسك هذه العادة في أيام خفّة ظهرك‏ (2) ، فانك لا تدري متى تأتيك العيال» .

____________

(1) النبق: مفردها نبقة. حمل شجر السّدر.

(2) خفّة ظهرك: يدل الكلام على عدم الإنجاب، في ما لو استمرّ على القيام بتلك العادة.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

قصة أهل البصرة من المسجديّين‏

قال أصحابنا من المسجديين‏ (1) :

اجتمع ناس في المسجد، ممن ينتحل الاقتصاد في النفقة، و التثمير للمال، من أصحاب الجمع و المنع‏ (2) . و قد كان هذا المذهب عندهم كالنسب الذي يجمع على التحابّ، و كالحلف الذي يجمع على التناصر.

و كانوا إذا التقوا في حلقهم تذاكروا هذا الباب، و تطارحوه و تدارسوه، التماسا للفائدة، و استمتاعا بذكره:

الحمار و الماء الأجاج:

فقال شيخ منهم ماء بئرنا، كما قد علمتم مالح أجاج‏ (3) ، لا يقربه الحمار، و لا تسيغه الإبل‏ (4) ، و تموت عليه النخل؛ و النهر منا بعيد، و في تكلّف

____________

(1) جماعة من البخلاء كانوا يجتمعون في المساجد ليتدارسوا شئون الاقتصاد.

(2) اصحاب الجمع و المنع: اصحاب البخل الذين يجمعون الدرهم من غير أن يطلقوا سراحه في الغد.

(3) أجاج: مرّ.

(4) تسيغه الإبل: تجده سائغا أي سهلا مدخله...

54

العذب علينا مئونة (1) . فكنّا نمزج منه للحمار فاعتلّ منه، و انتفض علينا من أجله؛ فصرنا، بعد ذلك، نسقيه العذب صرفا. و كنت أنا و النعجة (2)

كثيرا ما نغتسل بالعذب مخافة أن يعتري جلودنا منه مثل ما اعترى جوف الحمار. فكان ذلك الماء العذب الصافي يذهب باطلا. ثم انفتح لي فيه باب من الإصلاح، فعمدت الى ذلك المتوضأ، فجعلت في ناحية منه حفرة، و صهرجتها (3) ، و ملّستها، حتى صارت كأنها صخرة منقورة، و صوّبت اليها المسيل، فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء اليها صافيا، لم يخالطه شي‏ء. و لو لا التعبّد لكان جلد المتغوّط (4) أحقّ بالنّتن، من جلد الجنب‏ (5) ، فمقادير طيب الجلود واحدة، و الماء على حاله. و الحمار أيضا لا تقزّز (6) له من ماء الجنابة، و ليس علينا حرج في سقيه منه. و ما علينا أن كتابا حرّمه، و لا سنّة نهت عنه، فربحنا هذه منذ أيام. و أسقطنا مئونة عن النفس و المال.

قال القوم: هذا بتوفيق اللّه، و منّه.

____________

(1) مئونة: مشقة، عذاب.

(2) النعجة: «كنت أنا و النعجة» دلالة واضحة على روح الدعابة عند الجاحظ. و هو يرمي من خلال ذلك إلى تحقير صاحب ماء البئر الأجاج و النيل منه، و جعله بمنزلة الحيوان.

و يستبعد قصده امرأته، لأن سياق الاقصوصة هنا لا يجعل لزوجته مكانا او علاقة في ما يروى. اضف الى ذلك ان المرأة في العصر العباسي كانت تتمتع بحرية و بمكانة اجتماعيتين؛ الأمر الذي ينفي إهانة المرأة في هذا المقام...

(3) صهرجتها: طليتها بالصاروج؛ اي بالكلس.

(4) المتغوّط القاضي حاجته.

(5) الجنب: الذي اصابته الجنابة؛ اي النجاسة.

(6) تقزّز: تجنّبه و ابتعد عنه.