البرصان و العرجان و العميان و الحولان

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
644 /
5

تقديم الطبعة الثانية

هذه هى الطبعة الثانية من كتاب «البرصان و العرجان» لشيخنا أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. و كان من المأمول في الطبعة الأولى أن أراقب طبعها و إخراجها و صنع فهارسها. و لكن شاء القدر ألا أراها إلا بعد أن ظهرت لى من وراء الغيب مطبوعة مفهرسة بيد غيرى في سلسلة منشورات وزارة الثقافة و الإعلام بالجمهورية العراقية. و هو أمر لم أصنعه و لم أعهده من قبل في جميع ما ظهر من كتبي المؤلفة أو المحققة. و قد ترتب على هذه الغربة التى طوّح فيها الكتاب أن تكثر أخطاء الطبع و يسوء الإخراج، و يشيع الخطأ و النقص كذلك في الفهارس التى أعدّها من صميم الأمانة في التحقيق.

و مع إيماني بأن الذين قاموا بإخراج الطبعة الأولى قد بذلوا كثيرا من الجهد في تصحيح تجارب الطبع و أنا لم آذن لهم به، إنّى أرانى قد طويت النفس على أسى عميق و أسف بالغ، و انتظرت على مضض منّى حتى تتاح لي فرصة إعادة الطبع.

و إني لسعيد اليوم إذ أتيح لي أن أخرج الطبعة الثانية التي باشرتها بنفسي كلمة كلمة و حرفا بحرف، و قمت بصنع فهارسها على الوجه الذي أرتضيه.

و عسى أن أكون قد وفقت فيما صنعت، و أنقذت هذا الكتاب الذي أعتز به و بإخراجه ليكون في ثوبه المرتضى، و نصابه الموثق المحقق.

6

و ما توفيقي إلا باللّه، عليه توكّلت و إليه أنبت.

عبد السلام محمد هارون مصر الجديدة في 1407 هـ-1987 م.

7

مقدمة المؤلف‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم كان ذلك منذ أكثر من عشرين عاما، حينما التقيت بالمغفور له الأستاذ العلامة حسن حسني عبد الوهاب التونسي الصمادحي (1301- 1388 هـ-1884-1968 م) و ذلك في دار المعارف بالقاهرة، و جرى ذكر هذا الكتاب فوعدني بصورة منه، و حالت ظروفه دون إنجاز ما وعد.

و في أثناء عملي بجامعة الكويت في سنة 1968 زارني في مكتبي المغفور له العلامة خير الدين الزركلي (1310-1396 هـ-1893- 1976) و جرى الحديث بيننا في شأن الكتاب، فأخبرني أنه يمتلك صورة مصغرة منه (ميكرو فيلم) و أنه يعتزم إهدائي هذه النسخة لأقوم بتحقيقها و نشرها. و ما إن رجع إلى مقره في بيروت حتى أوفد فاضلا من أقربائه حاملا هذه الهدية الثمينة، فبادرت بتكبيرها، و عكفت على النظر فيها إلى أن تحين فرصة تحقيقها و نشرها.

و كنت بين الفينة و الأخرى أراجع بعض نصوصها، و أحاول فتح أغلاقها، و هي النسخة الوحيدة المعروفة في العالم كله، التى تقيم الآن في مدينة «بزو» في مكتبة الزاوية العباسية بالمغرب الأقصى. و منها نسخة مصورة في الخزانة العامة للكتب بمدينة الرباط برقم 87.

و منذ عامين (في أوائل ديسمبر 1979) تفضل المسئولون عن الثقافة في العراق الشقيق، بمكاتبتي لإعداد كتاب البخلاء للجاحظ ليكون هدية المهرجان في الاحتفال بالجاحظ رائدا للفكر العربى الموسوعي، في‏

8

غضون الأسبوع الأول من تشرين سنة 1980 و ذلك بناء على نبأ يقول:

إننى قد عثرت على نسخة مخطوطة منه لم يرها أحد من قبل، و إننى عاكف على تحقيقها. فكتبت إليهم معتذرا بأن هذا الخبر محرف، و إنني «لم أعثر إلى الآن على مخطوطة جديدة للبخلاء، و أتمنى أن أعثر عليها، و إنما أعكف الآن على إكمال تحقيق كتاب البرصان و العرجان للجاحظ من نسخته الوحيدة في العالم كله، التى صدرت عنها طبعة مشوهة تشويها مبنيا على نقص الخبرة بقراءة المخطوطات، و عدم التمرس الكامل بأسلوب الجاحظ» .

و ذلك أن نسخة الكتاب، و طبيعة تأليفه، و ندرة نصوصه، كل أولئك يلقي فوق كاهل الناظر فيه ما ينوء بحمله. و أشهد لقد كان مستوى الجهد الذي بذلته في تحقيق كل ما أخرجت من كتب شيخنا أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، أهون بكثير من هذا الجهد الجهيد الذي بذلته في تجلية كتابنا هذا، و ذلك لما يطوي بين ثناياه من إشارات، و ما يقتضى من تفسير و توضيح ضنّ الجاحظ نفسه به على هذا الكتاب، الذي يقول فيه و في أمثاله:

«و أنا أعلم أن عامّة من يقرأ كتابي هذا و سائر كتبي لا يعرف معاني هذه الأشعار، و لا يفسر هذا الغريب. و لكني إن تكلفت ذلك ضعف مقدار كل كتاب منه. و إذا طال جدا ثقل. فقد صرت كأني إنما أكتبها للعلماء[1]» .

و من ثمّ كان إكبابي على إعداد نسختي هذه من البرصان ملتمسا عون اللّه و كان من المترقّب أن تظهر هذه النسخة في الأسبوع الأول من تشرين [1]ص 31 من المخطوطة.

9

الثاني سنة 1980. و لكن الظروف التى طرأت من بعد حالت بين الكتاب و رؤية النور، ثم كان للكتاب أن يظهر في هذا الوقت الذي قدّره اللّه، و له الحمد و الثناء.

اسم الكتاب:

العنوان الذي أبقاه الدهر على صدر الورقة الأولى من المخطوطة بخط يخالف خط صلب الكتاب هو:

«كتاب البرصان و العرجان و العميان و الحولان» . كما أن الثابت في نهاية المخطوطة بخط الناسخ الأصيل للكتاب:

«تم كتاب البرصان و العميان و العرجان و الحولان» .

و لكنا نجد في كتاب البيان و التبين‏[1]الذي ألفه الجاحظ بعد كتابنا هذا، ما صورته:

«احتجنا إلى أن نذكر ارتفاق بعض الشعراء من العرجان بالعصيّ، منذ ذكرنا العصا و تصرفها في المنافع. و الذي نحن ذاكروه من ذلك في هذا الموضع قليل من كثير ما ذكرناه في كتاب العرجان» .

و كذلك نجد في مقدمة كتابنا هذا القول‏[2]:

«و قد خفت أن تكون مسألتك إياي كتابا في تسمية العرجان و البرصان و العميان و الصمان و الحولان، من الباب الذي نهيتك عنه، و زهدتك فيه» .

[1]البيان 3: 74.

[2]صفحة 4 من المخطوطة.

10

و يقول بعد ذلك بقليل‏[1]:

«و سألتنى أن أبدأ بذكر البرصان، و أثنّي بذكر العرجان» .

فإذا خرجنا من أجواء الكتاب نلتمس تسمية له، لا نكاد نجدها إلا في مواضع يسيرة، تتمثل فيما ذكره ياقوت في معجم الأدباء[2]: «كتاب العرجان و البرصان» فقط، بتقديم العرجان على البرصان، و هي التسمية التى اقتبسها السندوبي في كتابه: «أدب الجاحظ» [3]و نقلها عنه بروكلمان في كتابه:

«تاريخ الأدب العربي» [4].

و منها بغية الوعاة للسيوطي، تذكر له «كتاب العرجان و البرصان و القرعان» .

و الذي يبدو أن الجاحظ لم يستقر على وضع ثابت في تسمية الكتاب، فقد بدأ كتابه بالكلام على البرصان من ص 13-70 من المخطوطة، ثم ثنّى بالكلام على العرجان من ص 30-130 من المخطوطة. كما يبدو أنه أفرد كتابا للعميان و الحولان، إذ نجده يقول في كتابنا هذا:

«و قد ذكرنا شأن عمرو بن هداب و الذي حضرنا من مناقبه في «كتاب العميان» ، فذلك لم نذكره هنا» .

و الملحوظ أيضا أن الجاحظ في كتابنا هذا لم يعقد بابا أو فصلا [1]صفحة 8 من المخطوطة.

[2]معجم الأدباء 16: 107.

[3]أدب الجاحظ للسندوبي ص 135.

[4]تاريخ الأدب العربى 3: 123.

11

للعميان و لا الحولان و لا الصّمّان، و إن كان قد أورد أخبارا يسيرة و نتفا ضئيلة في ثنايا الكتاب لا تمثّل الجدّية و لا القصد المباشر[1].

لهذا كله آثرت بداعي التّصوّن أن أستبقي عنوان الكتاب كما ورد على ظاهره، و كما سطر في آخره، و إن كانت شهرة الكتاب قديما تحتفظ بكتاب «البرصان» أو «كتاب العرجان» .

و لعل أقدم المؤلفات التي أشارت إلى كتابنا هذا هو كتاب (طبقات الشعراء لابن المعتز) الذي ألف كتابه قبل سنة 280 أى بعد وفاة الجاحظ بربع قرن تقريبا، إذ نجد فيه هذا النص، في ترجمة أبى الخطاب البهدلي‏[2]:

«و أشعار أبي الخطاب كثيرة جيدة، و هو أحد العرجان، ذكره الجاحظ في كتابه» .

و يأتي بعده أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري (350-429) اقتبس منه في ص 104 من كتابه «ثمار القلوب» عند الكلام على «سعد المطر» . و هو نص مسهب‏[3].

كما روى عنه في ص 241 عند الكلام على «راحة صباغ» ، و أنشد [1]انظر للعميان ص 13، 15، 55، 79، من المخطوطة. و للعوران ص 38 و للحولان 115 و للصمان ص 46.

[2]طبقات الشعراء لابن المعتز 135. و لم أجد لهذا النص من أثر في الكتاب. و لعله قد سقط من الكتاب. و أبو الخطاب هذا هو عمرو بن عامر، كان راجزا فصيحا راوية، أخذ عنه الأصمعى و جعله حجة و روى شعره. ابن النديم، 7، 233 و إنباه الرواة 4: 113 و جعل ثعلب اسمه عمرو بن عيسى. أنظر مجالس ثعلب 194.

[3]أنظر ص 55 من المخطوطة.

12

الأبيات اليائية الأربعة التي أولها:

وصفت بجهدى وجه حفص و خلقه # فما قلت فيه واحدا من ثمانية[1]

و يأتى من بعدهما المرتضى المتوفى سنة 436 الذي نظر في كتاب البرصان و أشار إليه في موضعين من أماليه في الجزء الأول:

الموضع الأول في ص 168 يقول في الكلام على بشر بن المعتمر:

«و ذكر الجاحظ أنه كان أبرص» [2].

و الموضع الثانى في ص 303 عند الكلام على ذي الإصبع العدواني:

«و ذكر الجاحظ أنه كان أثرم» ، و روي عنه:

لا يبعدن عهد الشباب و لا # لذّاته و نباته النّضر[3]

فإذا ارتقينا إلى القرن الثامن الهجري وجدنا الحافظ مغلطاي بن قليج (686-762) في حواشي نسخته من معجم الشعراء للمرزباني، يروي عن كتاب البرصان نقولا ثلاثة، كما نبه على ذلك المستشرق الألماني «فرتيس كرنكو» أو «سالم الكرنكوي» كما كان يؤثر هذه التسمية:

أولها في حواشي ص 279: «قال الجاحظ في كتاب البرصان‏[4]» : «أبو طالب أول هاشمي في الأرض ولده هاشميان‏[5]» .

و الثاني في حواشي ص 360: «قال الجاحظ في كتاب البرصان تأليفه: و من البرص الأشراف، و الرؤساء المتوّجين مالك ذو الرّقيبة. و هو [1]ص 111 من المخطوطة.

[2]انظر ما يقابله في ص 57 من المخطوطة.

[3]انظر لهذا النص ص 185-186 من المخطوطة.

[4]في الأصل: «البرسان» .

[5]انظر ص 14 من المخطوطة.

13

الذي غصب الزهدمين» [1].

و الثالث في حواشي ص 395: «معاوية بن حزن بن موألة، عرف بالمخجّل، على الكناية من البياض و البرص، قال يفخر ببياضه فيما ذكر الجاحظ في كتاب البرصان:

يا ميّ لا تستنكري حويلي # و وضحا أوفى على خصيلي‏[2]

فإذا كان القرن التاسع وجدنا الحافظ بن حجر العسقلاني (773- 852) يذكر كتاب البرصان في قوله: «وقع للشيخ مغلطاي في شرح البخاري في أول كتاب التيمم نسبة قصة الأسلع هذا إلى الجاحظ في كتاب البرصان» [3] و هذا النص المشار إليه يقع في نهاية ترجمة الأسلع العرجي من كتاب الإصابة.

لمن ألف الجاحظ هذا الكتاب؟ يذكر التاريخ أن الجاحظ سمى كثيرا من كتبه لكثير من الولاة و الكتّاب و القضاة، و أنه أهدى (كتاب الزرع و النخل) إلى إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب، و (كتاب الحيوان) إلى الوزير محمد بن عبد الملك الزيات، كما أهدى إليه (كتاب الأخلاق المحمودة و المذمومة) و (كتاب الجد و الهزل) أيضا. و أنه أهدى كتاب (البيان و التبيّن) إلى القاضي أحمد بن أبى دواد، كما أهدى إليه (كتاب الفتيا) . و أهدى إلى ولده القاضى محمد بن أحمد بن أبي دواد (كتاب المعاش و المعاد) ، [1]انظر ص 40-41 من المخطوطة، و الاقتباس هنا مبتور.

[2]انظر ص 15 من المخطوطة.

[3]في الأصل: «البرهان» و انظر هذا النص في ص 60 من المخطوطة.

14

و رسالته في (نفي التشبيه) ، و رسالته في (النابتة) . و كذلك أهدى (كتاب مناقب الترك) إلى الفتح بن خاقان وزير المتوكل. و أهدى (كتاب فصل ما بين العداوة و الحسد) إلى عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل ثم المعتمد. و وجّه (كتاب التربيع و التدوير) إلى أحمد بن عبد الوهاب الكاتب. و (كتاب مدح النبيذ و صفة أصحابه) إلى الحسن بن وهب الكاتب. و أهدى (رسالة المودة و الخلطة) إلى الكاتب أبي الفرج محمد بن نجاح بن سلمة.

و هكذا نجد أن معظم كتبه و رسله و رسائله مهداة إلى من عرف التاريخ أسماءهم.

و لكن كتابنا هذا لم نقف على من ألف الجاحظ له هذا الكتاب، و رسم له منهجه، و حمله على تأليفه. و عسى الأيام أن يظهرن فيما بعد اسم من حمل الجاحظ على أن يقوم بصنع هذا الكتاب..

منهج الكتاب:

الكتاب كما يبدو مفصّل الأبواب، واضح التقسيم و التبويب، و لكننا لا نجد فيه قولا شافيا في جانب العميان و الحولان، طبق ما هو مثبت في عنوانه المدوّن على وجهه، على حين نجد إضافات مسهبة للكتاب في ذكر عاهات لم ينص عليها في العنوان، كالحدب، و الوقص، و الأدران، و المفاليج، و الأشجّين، و من أصابته اللّقوة و اعوجاج الوجه، و ذوي الأعضاء المرغوب عنها لشبهها بالحيوان، و من سقي بطنه، و من قتلته الصواعق و الرياح، و صغار الرءوس و كبارها، و الكلام في الأعناق، و الصّلع و القرع و ذوي الجمم، و الأعين و الأعسر و الأضبط.

هذا إلى ما تناثر في تضاعيف الكتاب من موازنات شتى و مضارعات‏

15

بين الإنسان و الحيوان في كثير من الأمر، و من يسير من القول في العميان، و العوران، و الحولان، و الصمان، و الثّرم، أشرت إليه في حواشي الورقة السادسة من هذا التقديم.

و لم يرد الجاحظ بكتابه هذا أن يذكر العيوب و العاهات نعيا على أربابها، بل قصد بذلك أن يجلو صورة ناصعة مشرقة لذوى العاهات الذين لم تكن عاهاتهم لتحول بينهم و بين تسنّم الذرى. و قد مهّد لذلك بسرد شواهد و آثار من أدب العرب القدامى و المعاصرين له، في الاعتزاز ببعض العاهات و الدفاع عنها و الصعود أحيانا إلى الفخر بها و التمدّح، و صدق الانتماء.

و أشار في ذكاء إلى ذوي العاهات لهم ذمّة و ميثاق عند من يطّلعون على عوراتهم و عيوبهم من الأطباء الذين يظهرون على شتى العيوب الباطنة السرّيّة، و كذلك المغسّلون الذين يطّلعون على هنات الموتى، إذ يقول:

«و أول الشروط التى وضعت في أعناق الأطباء ستر ما يطّلعون عليه في أبدان المرضى. و كذلك حكم من غسّل الموتى» [1].

و هذه نظرة كريمة منه، و عزاء لمن تلقّى هذا الحظّ في دنياه بالرضا و الصبر، أو بالسّخط و الجزع.

و هو يقول في معرض النقد لكتاب الهيثم بن عدي، الذي كان تأليفه المغرض داعية لأن يطلب من الجاحظ تأليف هذا الكتاب:

«و قد خفت أن تكون مسألتك إياى كتابا في تسمية العرجان و البرصان، و العميان و الصمان و الحولان، من الباب الذي نهيتك عنه، [1]الصفحة 8 من المخطوطة.

16

و زهّدتك فيه. و ذكرت لي كتاب الهيثم بن عدي في ذلك، و قد خبّرتك أني لم أرض مذهبه، و لم أحبه له حظا في حياته، و لا لولده بعد مماته» [1].

ثم يسوق الجاحظ نموذجا من كتاب الهيثم بن عدي في العرجان، الذي ليس فيه إلا سرد أسماء من ذكرهم من العرج الأشراف، و يعقّب عليه بقوله: «و لم يك ذكر غير هؤلاء» . ثم يقول:

«و ذكر العميان، و كان الذي ترك منهم أكثر مما ذكر. و العرج الأشراف أبقاك اللّه كثير، و العمى الأشراف أكثر» .

فمذهب الجاحظ في هذا الكتاب ليس مذهب السرد أو التشهير، أو ذكر المثالب كما عناه الهيثم بن عدي صاحب كتاب المثالب، و إنما كان مذهبه في هذا الكتاب الفذ أن يجعله ذريعة إلى بيان نظرة العرب في أدبهم و أشعارهم إلى هؤلاء القوم الذين كتبت عليهم العاهة، و تعاملهم الإنسانيّ الرفيع معهم بالقول و الفعل، الذي قد يصل إلى الإسراف في مدحهم إياهم بما بدا عليهم من تلك المظاهر أو استتر.

و حينما يتناول البرص و البرصان يسهب القول و يفيض فيه و يذكر أنواعه و أسماءه، ثم يتطرق إلى بيان مختلف أسبابه و علله و محاولات العرب و غيرهم في علاجه بضروب من الأصباغ، و ألوان من الكى بالنار.

و هو كذلك لا يذكر الأمراض و العلل الأخرى كالاستسقاء و اللّقوة و الشجج، إلا ليذكر الذي رووا من الأحاديث و الأخبار في ذلك الداء، و من الروايات في ذلك الدواء، و كيف كانت تعزية العائد، و جواب المعود، و كيف كان دعاؤهم، و بأيّ ضرب من الكلام كان ابتهالهم؛ فإن ذلك [1]الصفحة 4 من المخطوطة.

17

عظة لمن وعاه و صلاح لمن استعمله‏[1].

مخطوطة الكتاب:

هى في الواقع مجموع يحمل رقم 16 في مكتبة «بزو» . و فيه كتب ثلاثة تقع في 214 صفحة لا تحمل تاريخا، و قد انطمس ترقيمها القديم و أثبت بدله ترقيم حديث بما يسمى اليوم بالأرقام الإفرنجية، و هي الأرقام العربية الأصيلة التي أخذها الفرنجة عن عرب الأندلس و المغرب.

و أول المجموعة هو كتابنا هذا. و الكتاب الثانى كتاب الوكلاء، و الثالث كتاب الصوالجة. و الكتابان الأخيران لا يزال الحجر ساريا عليهما، و من العسر بمكان أن يسمح القائمون بأمر المكتبة بتصويرهما[2].

و صفحة عنوان المخطوطة مسطور عليها:

كتاب البرصان و العرجان و العميان و الحولان و كتاب الوكلاء، و كتاب الصوالجة تأليف أبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ تميم بن المعز:

كتبت و لو كتبت بقدر شوقي # لأفنيت القراطس و المدادا

و لكنى اقتصرت على سلام # يذكرنى الأحبة و الودادا

و قد أثبت في أعلى الصفحة و جوانبها اليسرى هذه التمليكات.

[1]الصفحة 7 من المخطوطة.

[2]كان من حظ كتاب (الوكلاء) أن أقوم بتحقيق جانب منه في مجموعة رسائل الجاحظ 4: 95-105 و قد نشر شيئا يسيرا منه ريشر في ص 194-195 و كذلك نشر قدر ضئيل منه في مجموعة الساسى 170-172.

18

لإبراهيم بن عمار أحمد ثم لإبراهيم بن عبيد اللّه بن محمد...

ثم لمروان بن عيسى بن يحيى... يثق باللّه و يتوكل عليه عبده...

عبد اللّه بن محمد بن أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن يحيى بن.

ثم ساقته المقادير للفقير إلى عفو اللّه تعالى محمد بن الشبلي لطف اللّه به و في أيمن الصفحة تحت بيتي الشعر:

ملكا لمحمد بن على، اشتراه بوقية و نصف.

و في نهاية أسفل الصفحة سطور خمسة كتب فيها:

باب هلاك العدو و... تأخذ ترابا من تحت رجلية و تخلطه مع الـ... و تعمل منه قرصة و تنقش عليه هذه الحروف بشوكة العقرب و تغرسها فيه و[تلقى‏]قرصته في النار ترى عجبا فيه....... الاط.......

أما صفحات كتاب البرصان فهى 212 صفحة في كل صفحة تسعة عشر سطرا مكتوبة بالخط الأندلسي الواضح الضارب إلى الجمال مع الشكل الكامل غالبا، و بعض تصحيحات ذاهبة في الندرة على هامش الصفحات.

و قد وقع خطأ ظاهر في أوضاع الصفحات و ترتيبها لم يتنبّه له من أثبت أرقام الصفحات مسلسلة، و جلدت النسخة بناء على هذا الخطأ، و لكني تمكنت من تدارك هذا الخطأ بمتابعة سياق النص، و أعدت النسخة إلى صواب ترتيبها طبقا للنموذج الموضح بالصور المبيّنة على الصفحات التالية: .

كتاب الهيثم بن عدي:

ألحق بكتاب البرصان صفحتان كتب في أولاهما: «قال الهيثم بن‏

19

عدي» . و تحملان خمسة عنوانات: العميان الأشراف، العور، الحولان، الزّرق، الفقم و في آخر سطر منهما:

ملكهم عبيد اللّه تعالى الحسن بن على الجلاوى ثم اليكليزى...

و ليس من المعقول أن تكون هاتان الصفحتان كتابا كاملا، أو ملخصا لكتاب الهيثم، فإن الجاحظ نفسه ينقل عنه في صلب كتابه، و يقول:

«قال الهيثم بن عدي: العرج الأشراف: أبو طالب، معاذ بن جبل، عبد اللّه بن جدعان» إلى آخر ما اقتبسه. على حين لا نجد في هذا النص المبتور شيئا من هذا. فلا يعدو الأمر في هاتين الصفحتين أن تكون شيئا من نصوص كتاب الهيثم..

تحقيق الكتاب:

كان لندرة نصوص البرصان و كثرة ما تزخر به من أعلام، مجهولة و إشارات أدبية و تاريخية غامضة، ما يتقاضى محقّقها و مفسرها كثيرا من الجهد، و صبرا جميلا في التهدى إلى مظانها في بطون المراجع، و حرصا على البعد عن مزلاّت الفهم، كما كان رسم كلمات النسخة، و النمط الذي سارت عليه في الكتابة و في الضبط، مقتضيا للتريث و طول النظر.

و لو لا طول العهد منى بصحبة الجاحظ، و معايشة أسلوبه و مراميه، لم يخرج هذا الكتاب بهذه الصورة التي ظهر بها، و التى أرجو أن أنال بها رضا اللّه جل و عز، و رضا الناس. ـ

20

فالحمد لمن له الحمد وحده، و من له الثناء كله، و هو الهادي لمن اهتدى، و ما كنّا لنهتدى لو لا أن هدانا اللّه.

عبد السلام محمد هارون مصر الجديدة فى صبيحة الخميس 26 من ربيع الأول 1402 21 من يناير 1982.

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

كتاب البرصان‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم و صلى اللّه على محمد و سلّم وهب اللّه لك حبّ الاستماع، و أشعر قلبك حسن التبيّن، و جعل أحسن الأمور فى عينك، و أحلاها في صدرك، و أبقاها أثرا عليك في دينك و دنياك، علما تقيّده‏[1]، و ضالاّ ترشده، و بابا من الخير تفتحه؛ و أعاذك من التكلّف، و عصمك من التلوّن، و بغّض إليك اللّجاج، و كرّه إليك الاستبداد[2]، و نزّهك عن الفضول، و عرّفك سوء عاقبة المراء.

و قد علمت مع ذلك من مدح بقوله:

من أمر ذي بدوات لا تزال له # بزلاء يعيا بها الجثّامة اللّبد[3]

و أنّ الآخر[4]قال:

ليت هندا أنجزتنا ما تعد # و شفت أنفسنا ممّا تجد

و استبدّت مرّة واحدة # إنّما العاجز من لا يستبدّ

[1]بهذه الكلمة آثار طمس فى الأصل، لم يظهر منها إلا القاف و الياء و الدال و الهاء.

[2]أضاعت الرطوبة الألف و الدال من نهاية هذه الكلمة.

[3]البيت للراعي في ديوانه 52، و سمط اللآلئ 1: 203، و فصل المقال 147، و نوادر أبى زيد 75، و اللسان (بزل، بدا، جثم، لبد) . و البدوات: جمع بداة كغداة.

و العرب تقول للرجل الحازم: فلان ذو بدوات، أي ذو آراء تظهر فيختار أجودها. و قد وردت الكلمة هنا برسم «بدأت» و المعروف «بدوات» . و البزلاء: الرأي الجيد الذى يشق عن الصواب. و الجثّامة: البليد. و اللبد، بضم ففتح: الذي لا يسافر و لا يبرح منزله و لا يطلب معاشا. و يقال أيضا «اللّبد» بفتح فكسر.

[4]هو عمر بن أبى ربيعة. ديوانه 76، و البيان 1: 35.

28

و لا أعلم الموصوف بالاستبداد إلاّ مجهّلا مذموما، و لا أعرف المنعوت بالبدوات إلا مدفّعا مضعوفا. و إنّما الشّأن في وجدان آلة التصرّف، و في تمام العزم بعد التبيّن، لا أعرف إلاّ هذين البيتين، فليضمم ما زاد، و ليكتب ما.. لبّ‏[1].

و ما كلام الشّاعر في قصيدته، إلاّ كقول الخطيب فى خطبته. و ما ذلك إلاّ كاحتجاج المحتجّ، و اختبار المختبر، و أوصاف الواصف. و في كلّ ذلك يكون الخطأ و الصواب‏[2]، و قد قال الشاعر:

قليل تصاريف الخليقة لا ترى # خليلا لعبد اللّه في الناس قاليا[3]

و قد وصف الآخر قول خليله المتلوّن و المستطرف فقال:

شرّ الأخلاّء خليل يصرفه # واش، و أدنى صاحب يستطرفه

ملوّن تنكره و تعرفه‏

فاجعل محاسبة نفسك صناعة تعتقدها، و تفقّد حالاتك عقدة ترجع إليها[4]، حتّى تخرج أفعالك مقسومة محصّلة، و ألفاظك موزونة معدّلة، و معانيها مصفّاة مهذّبة، و مخارج أمورك مقبولة محبّبة. فمتى كنت كذاك كانت رقّتك على الجاهل الغبيّ بقدر غلظتك على المعاند الذّكيّ، و تحبّ [1]لم يظهر من هذه الكلمة إلا هذان الحرفان.

[2]كلمات مطموسة في الأصل.

[3]الخليقة: الخلق. و قال زهير:

و مما تكن عند امرئ من خليقة # و إن خالها تخفى على الناس تعلم‏

أى إنه ثابت الطبع غير مزعزع. و القالى: الكاره للشي‏ء.

[4]يقال اعتقد مالا أو ضيعة: اقتناهما. و كل ما يعتقده الانسان من عقار و نحوه فهو عقدة له.

29

الجماعة بقدر بغضك للفرقة، و ترغب في الاستخارة و الاستشارة بقدر زهدك في الاستبداد و اللّجاجة، و تبدأ من العلم بما لا يسع جهله، قبل التطوّع بما يسع جهله.

و لا تلتمس الفروع إلاّ بعد إحكام الأصول، و لا تنظر في الطّرف و الغرائب، و تؤثر رواية الملح و النّوادر، و كلّ ما خفّ على قلوب الفرّاغ، وراق أسماع الأغمار، إلا بعد إقامة العمود، و البصر بما يثلم من ذلك العمود؛ فإنّ بعض من يكلف‏[1]برواية الأشعار بدأ برواية أشعار هذيل قبل رواية شعر عبّاس بن الأحنف، و رواية شعر ابن أحمر قبل رواية شعر أبي نواس.

و ناس من أصحاب الفتيا نظروا في العين و الدّين‏[2]قبل أن يرووا الاختلاف في طلاق السّنّة[3].

و ناس من أهل الكلام نظروا في الجزء[4]و الطّفرة[5]و المداخلة[6] [1]كلمة غير واضحة، و لعلها «يكلف» كما أثبت.

[2]العين: ما ضرب نقدا من الدنانير و الدراهم، أو هو الذهب بعامّة.

[3]طلاق السنة موضع خلاف بين الفقهاء. و المشهور فيه أن يطلق المرأة في طهر لم يلامسها فيه. هذا من ناحية التوقيت. و قد اختلفوا في العدد أيضا: هل هو واحدة، أو ثلاث بين كل منها شهر. و المرجع فى ذلك موسوعات الفقه.

[4]رسمت في الأصل: «الجزو» . و المراد به الجزء الذي لا يتجزأ. انظر له الحيوان 3: 37-38.

[5]الطفرة: مسألة كلامية تنسب إلى إبراهيم النظام، كما في الفصل 5: 64 و هي قوله: إن المار على سطح الجسم يسير من مكان إلى مكان بينهما أماكن لم يقطعها ذلك المار، و لا مرّ عليها، و لا حاذاها، و لا حلّ فيها. و انظر أيضا الفرق بين الفرق 124، و تأويل مختلف الحديث 16، و الحيوان 4: 208/5: 124.

[6]المداخلة: مقالة كلامية لقوم زعموا أن الألوان، و الطعوم، و الروائح، و الأصوات،

30

و المجاورة[1]قبل أن ينظروا في التوحيد و العدل‏[2]و الآجال‏[3]و الأرزاق.

و سئل بعض العلماء عن بعض أهل البلدان‏[4]فقال: «أبحث الناس عن صغير، و أتركهم لكبير» .

و سئل عن بعض الفقهاء[5]فقال: أعلم الناس بما لم يكن، و أجهلهم بما كان.

و قد خفت أن تكون مسألتك إيّاى كتابا في تسمية العرجان و البرصان، و العميان و الصّمّان‏[6]، و الحولان، من الباب الذي نهيتك عنه، و زهّدتك فيه.

و الخواطر، أجسام، و أن تلك الأجسام بزعمهم تتداخل في حيز واحد. و ممن ذهب إلى ذلك إبراهيم النظّام. أنظر الفصل 5: 60-61، و الفرق 122، و الحيوان 4: 208.

[1]المجاورة و يقال لها أيضا التماسّ: باب من الكلام يبحث في اتصال الأجسام بعضها ببعض، كالماء باللبن، و الدقيق بالماء، و الزيت بالخل. انظر الكلام عليها مفصلا في الفصل 5:

61 و الفرق بين الفرق 204. و انظر أيضا الحيوان 4: 209.

[2]أشير في هامش الأصل إلى أنها في نسخة: «قبل أن ينظروا في التوحيد و العدل» .

و على ذلك فكلمتا «التوحيد و العدل» هما من إحدى نسخ الكتاب» .

[3]الآجال: جمع أجل، بالتحريك، و هو مدة الحياة.

[4]هى الكوفة. أنظر البيان 2: 253 ففيه: «و سأل معاوية ابن الكواء عن أهل الكوفة فقال: أبحث الناس عن صغيرة، و أتركهم لكبيرة» .

[5]هو أبو حنيفة، ففي البيان 2: 253: «و سئل شريك عن أبى حنيفة فقال: أعلم الناس بما لا يكون، و أجهل الناس بما يكون» . و في الحيوان 1: 347/3: 19 «و سئل حفص بن غياث عن فقه أبى حنيفة» و تتمة الخبر في الموضع الأول: «فقال أعلم الناس بما لم يكن و أجهل الناس بما كان» ، و في الموضع الثانى: «قال: كان أجهل الناس بما كان» ، و في الموضع الثانى: «قال: كان أجهل الناس بما يكون و أعرفهم بما لا يكون» .

و في هامش النسخة: «هو أبو حنيفة» .

[6]الصمان: جمع أصم. و هذه الكلمة لم ترد فى تسمية كتابنا هذا لا في عنوانها و لا فى خاتمتها.

31

و ذكرت لي كتاب الهيثم بن عديّ‏[1]في ذلك، و قد خبّرتك أن لم أرض بمذهبه، و لم أحبّه له حظّا في حياته، و لا لولده بعد مماته.

و أنا أحذّرك اللّجاج و التتايع‏[2]، و أرغب إلى اللّه لك في السّلامة من التلون و التزيّد، و من الاستطراف و التكلّف؛ فإن اللّجاج لا يكون إلاّ من خلل القوّة، و إلاّ من نقصان قد دخل على التمكين. و اللّجوج في معنى المغلوب، و المتطرّف في معنى الغالب و المكتفي. و لا يكون إلاّ و العقدة منحلّة، و النفس منقوضة، ثم لا بدّ من أن يتّصل ضعف المنّة بقلّة المعرفة.

و متى نقصت المعرفة لم تكن المنّة فاضلة[3]، و كان الفاعل إما لجوجا مشايعا[4]، و إمّا ذا بدوات متلوّنا[5].

فاعرف فصل ما بين التصرّف و التلوّن.

و ليس الاعتراض من صفة اللّجاج، و قد يكون الاعتراض محمودا و مذموما و لا يكون اللّجاج إلاّ مذموما.

و التلوّن: أن يكون سرعة رجوعه عن الصّواب كسرعة رجوعه عن [1]هو أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن الثّعلي الطائي النجدي الكوفيّ النسّابة. و كان محمد جالس المنصور و المهدى و الهادي. و كان دعىّ النسب. و فيه يقول أبو نواس:

إذا نسبت عديا في بني ثعل # فقدم الدال قبل العين في النسب‏

و له تصانيف كثيرة سردها ابن النديم و ياقوت. ولد قبل سنة 130 و توفي سنة 207.

الفهرست 145-146، و معجم الأدباء 19: 304، و وفيات الأعيان 2: 203-206، و لسان الميزان 6: 209.

[2]التتايع، بالياء قبل العين: التهافت و الوقوع في الشر.

[3]المنة، بالضم: القوة. فاضلة: زائدة، من الفضل و هو الزيادة.

[4]فى الأصل: «مسائعا» بدون نقط.

[5]سبق تفسير البدوات في ص 27.

32

الخطاء[1]و للّجاج، و أن يكون ثبات عزمه على إمضاء الخطأ كثبوت عزمه على إمضاء الصّواب النافع.

و الذهول عن العواقب مقرون باللجاج، و ضعف العقدة مقرون بالبدوات.

قيل لبعض العلماء: من أسوأ الناس حالا؟قال: من لا يثق بأحد لسوء ظنّه، و لا يثق به أحد لسوء فعله.

و قال عمر بن الخطاب: لن ينتفع بعقله حتّى ينتفع بظنّه.

و قال محمد بن حرب‏[2]: صواب الظنّ الباب الأكبر من الفراسة.

و قال بلعاء بن قيس‏[3]:

و أبغى صواب الظنّ أعلم أنّه # إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره‏[4]

أ لا تراهم يمدحون ضربا من الظّنّ، و يذمّون ضربا آخر.

[1]الخطاء، بالمد: لغة في الخطأ و للجاحظ و لوع باستعماله. انظر رسائل الجاحظ 1: 353/3: 58، 133، 261، 299/4: 128.

[2]هو أبو علي محمد بن حرب الهلالي، كان من أعلام متكلمي الخوارج، و كان من البلغاء الأنبياء، و كتب للأمين. انظر الفهرست 258 و البيان 2: 74، 77، 115، 179، 257/3: 216.

[3]كان أبو مساحق بلعاء بن قيس اليعمري، رأس بني كنانة في أكثر حروبهم و مغازيهم.

و هو شاعر محسن، و قد قال فى كل فن أشعارا جيادا. المؤتلف 106. و مات بلعاء قبل يوم الحريرة، و هو اليوم الخامس من أيام الفجار. العقد 5: 358-259. و الحريرة، بالحاء المهملة و التصغير: موضع بين الأبواء و مكة.

[4]الحيوان 3: 61 و فصل المقال 144. و مع بيتين آخرين في مجموعة المعاني 22.

و أنشده في عيون الأخبار 1: 35 بدون نسبة. و نسب في حماسة البحترى 403 إلى عفرس ابن جبهة الكلبي. و المقادر: من قولهم قدرت لأمر كذا أقدر له، إذا نظرت فيه و دبّرته و قايسته.

33

و أمّا الصّواب ففي الحال التى بين الحالتين.

و قال اللّه عز ذكره: اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ‏[1] .

و هذا البعض هو ذلك الكثير الذي ذكره؛ لأنّ قليل الكثير ربّما كان كثيرا.

و قيل لثقيف: بما بلغتم المبالغ‏[2]؟قالوا بسوء الظّنّ. و إلى ذلك ذهب الشاعر[3]حيث يقول:

أسأت إذ أحسنت ظنّي بكم # و الحزم سوء الظنّ بالناس‏

و ذلك على قدر ما تصادف عليه الزّمان، و تشاهد من حالات النّاس.

و ليس سوء الظّنّ في الجملة بالمذموم، و لا حسن الظّنّ بالمحمود، و إنّما المحمود من ذلك الصواب على قدر الأسباب القويّة و الضعيفة، و الذي يتجلّى للعيون من الأمور المقرّبة، و على ما جرت عليه العادة و التّجربة.

و لقد قال اللّه تعالى: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ‏[4] .

اعلم أنّه لم يرد تصويب ظنّ إبليس. و ليس مذهب الكلام وصف [1]الآية 12 من سورة الحجرات.

[2]إثبات ألف «ما» الاستفهامية المسبوقة بجارّ لغة قليلة، و بها قرأ عكرمة و عيسى:

«عما يتساءلون» . و قال حسان:

على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرّغ في رماد

و انظر المغنى و الخزانة 2: 537.

[3]هو العباس بن الأحنف. ديوانه 158، و غرر الخصائص 87، و المضنون به على غير أهله 393.

[4]الآية 20 من سورة سبأ.

34

إبليس بشى‏ء من الصّواب، و إنّما أراد ذمّ الذين كثرت ذنوبهم حتّى طرّقوا على أنفسهم سوء الظنّ، فصار كلّ من ظنّ بهم سوءا يصير ظنّه موافقا للذي يحاولون، و الذي هم فاعلون‏[1].

فاطلب العلم على تنزيل المراتب، و على ترتيب المقدّمات، و ليكن لتدبيرك نطاق، فإنّه أمان من الخطأ، و للذي تعتقد رباط؛ فإنّه لا بدّ للبنيان من قواعد.

و ليكن أحب العلم إليك أطوعه للّه، فإن لم تفعل فأكسبه للحال الجميلة.

و الذي لا بدّ للشّريف من معرفته علم الأخبار، و معرفة علل النحو.

و لو لا أنّ الذي أكتبه لك مجانب لطرق الهيثم، و خارج ممّا يشتهيه الرّيض المتكلّف الملول‏[2]، و أنّه كتاب جدّ غير هزل، لما كتبته لك. و باللّه التوفيق.

قال الهيثم بن عديّ: العرج الأشراف: أبو طالب بن عبد المطّلب، معاذ بن جبل. عبد اللّه بن جدعان. الحارث بن أبى شمر. الحوفزان بن شريك. عمرو بن الجموح الأنصاري. الرّبيع بن مسعود الكلبي. عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. و ذكر القعقاع بن سويد المنقريّ‏[3]، و سليمان بن كيسان الكلبيّ. لم يك ذكر غير هؤلاء.

[1]في الأصل: «للذين يحاولون و الذين هم فاعلون» .

[2]الرّيّض: الغلام أول ما يراض و يعنى بأدبه و تطويعه.

[3]القعقاع بن سويد المنقري: أحد ولاة سجستان في الدولة الأموية. انظر الأغاني 10: 106، 109.

35

و ذكر العميان، و كان الذي ترك منهم أكثر مما ذكر.

و العرج الأشراف-أبقاك اللّه-كثير. و العمى الأشراف أكثر.

و لكن ما معناه في أن أبا فلان كان أعمى، إن‏[1]لم يكن إنّما اجتلب ذكر العرج و العمي ليحصّل ذاك سببا إلى قصص في أولئك العرجان، و إلى فوائد أخبار في أولئك العميان. و إلى أنّ جماعة فيهم كانوا يبلغون مع العرج مالا يبلغه عامّة الأصحّاء، و مع العمى يدركون ما لا يدرك أكثر البصراء؛ و لما جاء أيضا في ذلك من الأشعار المصحّحة، و من الأمثال المضروبة، و كيف تهاجوا بذلك و تمادحوا به، و كيف جزع من جزع و صبر من صبر، و ما رووا في ذلك من الأخبار النافعة، و الأحاديث السائرة، و اللفظ المونق و المعنى المتخيّر، و كيف تبيّن ذلك النقص، و ظهر ذلك الخلل على بعض و لم يتبيّن على بعض.

و لو ذكرنا-حفظك اللّه-أنّه ممّن‏[2]سقي بطنه‏[3]عثمان بن أبي العاص، و عمران بن الحصين، و خبّاب بن الأرت، و قبيصة بن المهلّب، و فلان و فلان، ثم لم نذكر حسن عزائهم، و نوادر كلامهم عند نزول تلك الحوادث، و عند توقّع الفرج من تلك المضايق، و أىّ شي‏ء كرهوا من أصناف العلاج و حرّموه، و أيّ شي‏ء استجازوه و استحلّوه، و الذي رووا من الأحاديث في ذلك الداء، و الروايات في ذلك الدواء، [1]في الأصل: «إذا» .

[2]في الأصل: «أن» و لا يلتئم مع ضبط باء «خباب» في الأصل بالضم، و كذلك مع قوله «و فلان و فلان» بالرفع.

[3]سقى بطنه يسقي سقيا، و استسقى استسقاء: اجتمع فيه ماء أصفر. و يقال أيضا:

«سقى» بالبناء للمجهول. و في الأصل: «شق بطنه» ، تحريف، و سيعقد الجاحظ فصلا لهؤلاء فيما سيأتي.

36

و كيف كانت تعزية العائد و جواب المعود، و كيف كان دعاؤهم، و بأىّ ضرب من الكلام كان ابتهالهم، فإنّ ذلك عظة لمن سمعه، و أدب لمن وعاه، و صلاح لمن استعمله. فمن لم يذكر هذه العلل لذكر هذه الفوائد لم يكن ذكره لزمانة قوم أشراف بالمحمود، و لا تنويهه قوما بادوا مستورين بالمرضيّ.

و أوّل الشروط التي وضعت في أعناق الأطباء ستر ما يطّلعون عليه في أبدان المرضى، و كذلك حكم من غسّل الموتى.

و سألتني أن أبدأ بذكر البرصان، و أثنّي بذكر العرجان، ثم أذكر ما قالوا في الأيمن‏[1]و الأعسر، و في الأضبط[2]، و في كل أعسر يسر[3]، و اختلاف طبائع الحيوان في ذلك مع اختلاف حالات البشر في الصّغر و الكبر. و كيف القول في الأشلّ و الأقطع‏[4]، و في الأضجم و الأفقم‏[5]، و في صاحب اللّقوة و الأشدق‏[6]، و في سعة الأفواه و ضيقها، و في عظم الأنوف و صغرها. و كيف مدحوا الرءوس بالعظم، و ذمّوها بالصّغر، و ما قالوا في الدّمامة و النّبالة، و في القصر و الطّول، ثم الّذي قالوا في الأجلح [1]الأيمن: الذي يعمل بيده اليمنى.

[2]الأضبط: الذي يعمل بيديه جميعا، و هو الذي يقال له أعسر يسر.

[3]أعسر يسر: يعمل بيديه جميعا، تكون يساره في القوة مثل يمينه.

[4]الأقطع: المقطوع إحدى اليدين.

[5]الأضجم: الذي اعوج أنفه مائلا إلى أحد جانبي الوجه. و الأفقم: الذي خرج أسفل لحيه و دخل أعلاه إلى الخلف.

[6]اللقوة، بالفتح: داء في الوجه يعوّج منه الشدق. و الأشدق: العريض الشدق الواسعة المائلة.

37

و الأنزع‏[1]، و في الأصلع و الأقرع، و في الأزعر و الأمعر[2]. و ما قالوا في الثّطّ و السّنوط[3]و في الأحدب و الأعلم‏[4]، و في الآدر و الأفقح‏[5].

و ما ذكروا به الأعضاء و وصفوا به الجوارح. و ما جاء في ذلك من الأشعار و الأخبار، و الأمثال و الآثار.

و قد فخروا بالعمى، و ذلك كثير. و احتجّوا بالعرج، و ذلك غير قليل.

و إذا كان الأعرابيّ يعتريه البرص فيجعله زيادة في الجمال، و دليلا على المجد، فما ظنّك بقوله في العرج و العمى و هما لا يستقذران و لا يتقزّز منهما و لا يعديان و لا يظنّ ذلك بهما، و لا ينقصان من تدبير، و لا يمنعان من سودد.

و هذا المعنى نفسه قد ذكره شاعر قريش حين عدّد أسماء من عمّر من أشرافهم فقال في كلمة له:

[1]الأنزع: الذي انحسر شعره عن جانبي جبهته. فإذا زاد فهو أجلح.

[2]الأزعر: القليل شعر الرأس. و الأمعر: الذي سقط شعره حتى لم يبق منه شي‏ء.

[3]الثّطّ، و الأثطّ: القليل شعر اللحية و السّنوط، كصبور: الذي لا شعر في وجهه البته.

[4]الحدب: دخول الصدر و خروج الظهر. و العلم: الشق في الشفة السفلى، و يقابله الفلح، بالحاء المهملة، يكون في الشفة العليا.

[5]الآدر: العظيم الخصية من فتق أو من غير فتق. و الأفقح: يعنى به الواسع حلقة الدبر. أنظر القاموس، و تاج العروس في هذه المادة. و لم تذكر المعاجم هذا اللفظ.

38

و مطعم و عديّ في سيادته # فذاك داء قريش آخر الزّمن‏[1]

و خير دائك داء لا تسبّ له # و لا تبيت تمنّى لذّة الوسن

داء كريم عدوى فتحذره # فالحمد للّه ذي الآلاء و المنن‏

و قد يفرّ الأعرابيّ في الحرب فلا يفرّ بالجبن عن الأعداء، و بالنّكول عن الأكفاء، بل يخرج لذلك الفرار معنى، و يجعل له مذهبا، ثم لا يرضى حتّى يجعل ذلك المفخر شعرا، و يشهره في الآفاق. قال مالك بن أبي كعب‏[2]في الفرار:

معاذ الإله أن تقول حليلتي # ألا فرّ عنّي مالك بن أبي كعب‏[3]

أقاتل حتّى لا أرى لي مقاتلا # و أنجو إذا عمّ الجبان من الكرب‏[4]

يقول: أنا و إن ولّيت هاربا حين لا أجد مقاتلا فقد ولّيت و معي عقلي.

[1]كان المطعم بن عديّ شريفا، ذا صيت في قريش، و كان حسن البلاء في أمر الصحيفة التى كتبتها قريش على بني هاشم. و أبوه عدي بن نوفل بن عبد مناف. الاشتقاق 88، و الجمهرة 115، و الأغانى 19: 77.

[2]هو مالك بن أبي كعب بن القين الخزرجي، أحد بني سلمة. شاعر جاهلي. الأغاني 1: 20، و معجم المرزباني 358. و خبر الشعر في الأغانى 15: 29-31.

[3]الأغانى: «لعمر أبيها لا تقول» . المرزباني: «لعمر أبيك لا تقول» . حماسة الخالديين 1: 17: «معاذ إلهي» .

[4]كذا في الأصل: «عم» بالعين المهملة. و المألوف «غم» بالغين المعجمة، انظر الأغاني، و حماسة الخالديين، و حماسة البحتري 53 حيث روى هذا البيت فقط. ـ

39

و أتمّ الفرسان في الحرب آلة من عرف المفرّ كما يعرف المكر.

يقول: فلست كمن يستفرغه و هل الجبان، و لا كالذي يعجل فيلجم ذنب فرسه و يركبه مشكولا[1]، و يركله برجله و هو مقيّد، و ينزل عن ظهره، و يظنّ أنّ سعيه على رجليه أبلغ من ركض فرسه في النّجا[2]. قال زيد الخيل:

أقاتل حتّى لا أرى لي مقاتلا # و أنجو إذا لم ينج إلا المكيّس

و لست بذي كهرورة غير أنّني # إذا طلعت أولى المغيرة أعبس‏[3]

و قال الحارث بن هشام:

اللّه يعلم ما تركت قتالهم # حتّى رموا فرسي بأشقر مزبد[4]

فصددت عنهم و الأحبّة فيهم # طمعا لهم بعقاب يوم مفسد[5]

و علمت أنّي إن أقاتل واحدا # أقتل و لا يضرر عدوّي مشهدي‏

يقول: ليس من الصواب أن أقف موقفا أقاتل فيه باطلا. و قال عمرو بن معد يكرب:

[1]شكل الفرس بالشّكال: شدّ قوائمه بحبل.

[2]النجا، بالقصر و بالمد: السرعة.

[3]الكهرورة، بالضم: الانتهار لمن خاطبه و تعبيس الوجه له. و في الأصل: «أعيس» بالياء المثناة، صوابه بالباء كما في اللسان (كهر) و نوادر أبي زيد 79.

[4]قال هذا الشعر يعتذر من فراره يوم بدر. السيرة 523 جوتنجن، و عيون الأخبار 1: 169، و الأغاني 4: 17، و العقد 1: 140/5: 336. و الأشقر المزبد: يعنى به الدم الذي قد علاه الزّبد. و كان حسان قد عيّره بفراره إذ يقول:

إن كنت كاذبة الذي حدثتني # فنجوت منجى الحارث بن هشام

ترك الأحبة أن يقاتل فيهم # و نجا برأس طمرّة و لجام‏

ديوانه 363، و السيرة 522، و عيون الأخبار 1: 169، و العقد 1: 144.

[5]الأحبة، يعنى بهم من قتل أو أسر من رهطه و إخوته.

40

و لقد أملا رجليّ بها # حذر الموت و إنّي لفرور[1]

و لقد أعطفها كارهة # حين للنّفس من الموت هرير[2]

كلّ ما ذلك منّي خلق # و بكلّ أنا في الرّوع جدير

فزعم أنّ الفرار من أخلاقه، كما أن الإقدام من أخلاقه. و هذا خلاف قول ابن مطيع‏[3]:

أنا الذي فررت يوم الحرّه # و الشّيخ لا يفرّ إلا مرّه

لا بأس بالكرّة بعد الفرّه‏[4]

و قول ابن مطيع شبيه بقول عتيبة[5]بن الحارث بن شهاب، حيث يقول:

[1]رويّ هذه الأبيات مقيّد بالسكون، أو مطلق بالضم. و هى من مختارات الحماسة 181 بشرح المرزوقي و 1: 176-177 بشرح التبريزي. و انظر كذلك اللآلئ 48، 344، و العقد 1: 147، و الشعر و الشعراء 374، و حماسة البحتري 52. بها، أى بالفرس. و يروى: «أجمع رجلى بها» و المعنى: أركضها و استدرّ جريها. يمدح الهرب إذا كان فيه النجاة و لا مخلص منه.

[2]يقول: كما أهرب في الوقت المناسب، أعطف فرسا مقدما على الأعداء في الوقت المناسب أيضا و أصل الهرير صوت دون النباح.

[3]هو عبد اللّه بن مطيع بن الأسود العدوي، و كان قد فر يوم الحرة من جيش مسلم بن عقبة الذي كان يلقب مسرفا لإسرافه فى القتل فلما كان يوم حصار الحجاج بمكة لعبد اللّه ابن الزبير جعل يقاتل أهل الشام و ينشد هذا الرجز. و انظر العقد 1: 149/4: 389، و الإصابة 6187، و معجم البلدان 3: 262 في رسم (حرة و اقم) .

[4]بينه و بين سابقه في العقد:

فاليوم أجزى فرّة بكرّة

[5]في الأصل: «عيينة» ، و الصواب ما أثبت من العقد 1: 150، و معجم البلدان (ثبرة) ، و الحيوان 2: 104 حيث سقت هناك ترجمة له. و كان عتيبة قد فر عن ابنه «حزرة» يوم ثبرة، و هو ماء في وسط واد في بلاد ضبة.

41

نجّيت نفسي و تركت حزرة # نعم الفتى غادرته بأمره‏[1]

لا يترك المرء الكريم بكره‏[2]

و قد أقرّ كلّ واحد من هذين على حدته بالعيب. و أمّا الآخر فإنّه حين فرّ ألزم نفسه و جميع الجيش، و هو قوله‏[3]:

فإن يك عارا يوم ذاك أتيته # فراري، فذاك الجيش قد فرّ أجمع‏[4]

و أمّا عامر بن الطّفيل فقال‏[5]:

أعاذل لو كان البداد لقوتلوا # و لكن أتونا في العديد المجمهر[6]

و قال لبيد[7]:

[1]في معجم البلدان و العقد: «بثبرة» و قال ياقوت: «و هو الموضع الذي فر فيه عتيبة بن الحارث شهاب، و أسلم ابنه حزرة فقتل» .

[2]في العقد: «هل يترك الحر الكريم» .

[3]هو نعيم بن شقيق التميمى، كما في حماسة البحتري 51.

[4]رواية صدره في حماسة البحترى: «و إن يك عارا يوم فلج» و فلج هذا: واد لبني العنبر بن عمرو بن تميم.

[5]لم يرد في ديوان عامر بن الطفيل. و هو في العقد 5: 235 برواية: «نزونا للعديد» و قد قال هذا الشعر يوم «فيف الريح» بعد البعثة. و فيه وثب عامر بن الطفيل عن فرسه و نجا على رجليه، و أخذ مسهر بن يزيد الحارثي رمحه، بل زعموا أن بني الحارث بن كعب أخذوا امرأة عامر بن الطفيل. و انظر خبر هذا فى العقد و النقائض 1: 472. و خبر عامر في محاولة الغدر برسول اللّه في شرحنا للمفضليات 360.

[6]لم يرد هذا البيت فيما اختاره المفضّل من قصيدته. و رواية العقد: «نزونا للعديد» و هي أصح، لأن بني عامر بن صعصعة رهط عامر بن الطفيل كانوا مكثورين بما اجتمع عليهم من القبائل من مذحج و غيرها. و رواية «في العديد» لا بأس إن أوّلت بعديد الأعداء. و البداد، كسحاب: المبارزة فردا لفرد. و فى الحيوان: «النداد» .

[7]نسب الشعر في الحيوان 6: 195 إلى لبيد أيضا. و هو ملحقات ديوانه-

42

أعاذل لو كان البداد لقوتلوا # و لكن أتونا كلّ جنّ و خابل‏[1]

أتونا بشهران و مذحج كلّها # و ما نحن إلاّ مثل إحدى القبائل‏[2]

و أقرّ قيس بن الخطيم بغير هذا الجنس من الفرار فقال:

إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا # صدود الخدود و ازورار المناكب‏[3]

و قد علم قيس أنّ هذا الفرار لا يسمّى فرارا و لا يعيّر به أحد.

قال: و لمّا انهزم الناس يوم أبي فديك‏[4]كان عبّاد بن الحصين‏[5]في المنهزمين، و هو يصيح بأعلى صوته: أنا عبّاد بن الحصين!فقال له بعض المنهزمين: فلم تنوّه باسمك على هذه الحال؟ قال عبّاد: لكيلا تركبني غمرة[6].

-364-365 و الحق أنه لعامر بن الطفيل في النقائض.

[1]في الحيوان و الديوان: «و لكن أتانا» . و الخابل: الجن الذي يخبل الناس و في الأصل: «و جامل» ، صوابه من الحيوان و الديوان.

[2]شهران، بالفتح: هم شهران بن عفرس بن حلف (بالحاء المهملة) جمهرة أنساب العرب 390، و الاشتقاق 521. و في الأصل: «بشهراز» تحريف.

[3]ديوان قيس 41، و العقد 1: 149، و حماسة البحتري 53، و الأشباه و النظائر 25، و الخزانة 3: 165.

[4]أبو فديك: أحد الخوارج، و هو عبد اللّه بن ثور بن سلمة، من بكر بن وائل.

المعارف 185. و كان خروجه على عبد الملك في سنة 72. و وجه إليه عبد الملك أمية بن عبد اللّه بن خالد فهزمه أبو فديك و فضحه، و أخذ أثقاله و حرمه. ثم وجه إليه عمر بن عبيد اللّه بن معمر، فلقيه بالبحرين، فقتل أبا فديك و استنقذ منه حرم أمية بن عبد اللّه سنة 74.

الطبري 7: 194، 205، و اليعقوبي 3: 18.

[5]كان عباد يكنى «أبا جهضم» ، و كان فارس بني تميم، و ولي شرطة البصرة، أيام ابن الزبير. و كان مع مصعب أيام قتل المختار. قال الحسن: «ما كنت أرى أحدا يعدل بألف فارس حتى رأيت عبادا» . المعارف 182، و جمهرة ابن حزم 207، 213، و المحبر 222.

[6]الغمرة من قولهم: رجل مغمور: ليس بمعروف مشهور.

43

أ لا ترى أنّ عبّادا صحيح التّبير في حال انهزامه، و قد ترك القتال عن غير جبن، و ترك القتال كي لا يقتل ضياعا، و عبّاد فارس النّاس غير مدافع.

و إيّاه يعني الشاعر حيث يقول:

من مبلغ عني نهيك بن محرز # فدونك عبّادا أخا الحبطات

فدونكه يستهزم الجيش باسمه # إذا خاضت الفرسان في الغمرات‏

و الشاهد من الشعر على تقديم عبّاد على الفرسان كثير موجود.

و يكون الأعرابيّ شختا مهزولا[1]، و مقرقما ضئيلا[2]، فيجعل ذلك دليلا على كرم أعراقه، و شرف ولادته.

قال الأصمعيّ: قلت لغلام أعرابيّ: ما لي أراك ضعيفا نحيفا، و صغير الجسم قليلا مهزولا؟قال: قرقمني العزّ[3].

و أنشدوا قول الآخر:

قد علمت أنّا أتاويّان # من كرم الأعراق ضاويّان‏[4]

و أنشدوا:

قرقمه العزّ و أضواه الكرم‏

[1]الشّخت: الدقيق من كل شي‏ء. و قيّده بعضهم بأنه الدقيق من الأصل لا من هزال.

[2]المقرقم: البطي‏ء الشباب، الذي لا يشبّ.

[3]في البيان 2: 97 قول أبي الذيال شويس: «أنا و اللّه العربي، لا أرقع الجربّان، و لا ألبس التّبّان، و لا أحسن الرطانة، و لأنا أرسى من حجر. و ما قرقمني إلا الكرم» و انظر ما أثبت في حواشيه من تعليق.

[4]الأتاويّ، بالفتح: الغريب لا يدرى من أين أتى. و أصله في السيل، و قيل أصله في الرجل. و الضاوي: النحيف المهزول.

44

و ليس العجب في قوله إنّ الأعراق تضوي، و إنّما العجب في قوله:

إنّ العزّ يقرقم؛ لأنّ الأوّل قد قال:

فتى لم تلده بنت عمّ قريبة # فيضوى، و قد يضوى رديد القرائب‏[1]

و قال الأسديّ:

و لست بضاويّ تموج عظامه # ولادته في خالد بعد خالد[2]

تقارب من آبائه أمّهاته # إلى نسب أدنى من الشّبر واحد

و في أخوات أنكحوهنّ إخوة # مشاغرة فالحىّ للحيّ والد[3]

و هذا كثير. و الضّوى في البهائم أوجد منه في الناس‏[4]. فليس العجب من ذكرهم الضّوى إذا تردّدت الأولاد في القرابات، و إنّما العجب في قولهم: العزّ يقرقم؛ لأنّ الأعرابيّ حين ابتلي بالدّمامة و القلّة[5]، ثقل عليه أن يقرّ بالذّلّة و الضّعف، فاحتجّ لذلك و أحال النّاس على معنى لا يدركونه بالمشاهدة. و هذا من ذكائه و دهائه.

[1]هذا صواب ما فى اللسان (ردد) ففيه: «رد يد الغرائب» لكنه جاء على الصواب كما هنا في اللسان (ضوا) . و انظر سمط اللآلي 871 حيث ورد في حواشيه نسبته إلى النابغة.

[2]الضاويّ: النحيف الجسم. و هو بتشديد الياء على وزن فاعول. و يقال في الوصف أيضا: ضاو، على وزن فاعل.

[3]سيأتي في ص 364 «بنى أخوات» . و الشاغرة: الشغار، و هو نكاح كان في الجاهلية، يزوج الرجل صاحبه امرأة ما على أن يزوّجه الآخر أخرى بغير مهر. و خصّ به بعضهم القرائب، فينكح الرجل ولّيته الآخر على أن يزوجه الآخر وليّته. و في الحديث: «لا شغار في الإسلام» و في الأصل في الموضعين: «مساعرة» ، و الصواب ما أثبت. و في البيت كما ترى إقواء.

[4]في الأصل: «أوجد منها في الناس» .

[5]يعني الضآلة.

45

فبهذه النفوس-حفظك اللّه-حفظوا أنسابهم، و تذاكروا مآثرهم، و قيّدوا لأنفسهم بالأشعار مناقبهم، و حاربوا أعداءهم، و طالبوا بطوائلهم، و رأوا للشّرف حقّا لم يره سواهم، و عملوا على أنّ الناس كلّهم دونهم.

و سأنشدك إن شاء اللّه بعض ما افتخر به الأعمى، و احتجّ به الأعرج، قبل أن تصير إلى قراءة الجميع، لأعجّل عليك معرفة الجملة من مذاهبهم.

و باللّه التوفيق.

فمن العرجان: أبو الدّهماء، و هو الذي عيّرته امرأته بالعرج فقال:

ما ضرّ فارسهم في كلّ ملحمة # تزحّف العرج بين السّجف و النّضد[1]

إن كان ليس بمرقال إذا نزلوا # ففي الفروسة وثّاب على الأسد[2]

و خطب الطائيّ الأعرج‏[3]امرأة فشكت عرجه إلى جاراتها، فأنشأ يقول:

تشكي إلى جاراتها و تعيبني # فقالت: معاذ اللّه أنكح ذا الرّجل

فكم من صحيح لو يوازن بيننا # لكنّا سواء أو لمال به حملى‏[4]

[1]التزحف: المشي في إعياء. في الأصل: «يزحف» . و السجف: أحد مصراعي الستر، يكونان في مقدم البيت. و النّضد: السرير ينضد عليه المتاع و الثياب. و في شعر النابغة (ديوانه 17) :

خلت سبيل أتيّ كان يحبسه # و رفّعته إلى السّجفين فالنضد

[2]المرقال، من الإرقال، و هو الإسراع.

[3]هو عديّ بن عمرو بن سويد بن زبّان، المعروف بالأعرج الطائي المعنيّ، من مخضرمي الجاهلية و الإسلام. الإصابة 3713 و معجم المرزبانى 25.

[4]في الأصل هنا، و فيما سيأتي في ص 349 من الأصل: «و لمال به حملي» ، و الوجه ما أثبت.

46

و قال أبو العملّس في امرأته:

ما ضرّني أنّي أدبّ على العصا # و في السّرج ليث صادق ضيغم الشدّ[1]

و قال أبو طالب بن عبد المطلب، و اسمه عبد مناف، و أوّل هاشميّ في الأرض ولده هاشميّان بنوه الأربعة[2]، و عيّره بعض نسائه بالعرج فقال‏[3]:

قالت عرجت فقد عرجت فما الذي # أنكرت من جلدي و حسن فعالي

و أنا ابن بجدتها و في صيّابها # و سليل كلّ مسوّد مفضال‏[4]

أدع الرّقاحة لا أريد نماءها # كيما أفيد رغائب الأموال‏[5]

و أكفّ سهمي عن وجوه جمّة # حتّى يصيب مقاتل البخّال‏

الرّقاحة: التجارة و التّثمير[6].

و قال أبو طالب قولا هو أجمل و أجمع و أرجح من قول الجميع، و ذلك أنه قال و فسّر:

[1]فى البيت خرم عروضي.

[2]بنوه الأربعة هم: جعفر، و علي، و عقيل، و طالب. أمهم هاشمية، و هي فاطمة بنت أسد بن هاشم. جمهرة أنساب العرب 14، و المعارف 880، و المحبر 262. و لهم أخت شقيقة هي أم هانئ بنت أبي طالب.

[3]الأبيات مما لم يرد في ديوان أبي طالب.

[4]يقال هو ابن بجدتها، للعالم بالشي‏ء المتقن له المميّز له. و البجدة: العلم. و في الأصل: «نجدتها» بالنون، صوابها بالباء. و الصيّاب و الصّيابة أيضا: الخيار و الصميم من كل شي‏ء. و في الأصل «في صيابها» بدون واو.

[5]الرغائب: جمع رغيبة، و هي العطاء الواسع الكثير.

[6]الرقاحة: التكسب بالتجارة. و في تلبية بكر بن وائل في الجاهلية:

جئناك للنّصاحة لم نأت للرقاحة

انظر اللسان (رقح) و رسالة الغفران للمعري 495.

47

أنا يوم السّلم مكفـ # يّ و يوم الحرب فارس‏[1]

أنا للخمسة أنف # حين ما للخمس عاطس‏[2]

فزعم كما ترى أنّه إذا كان في السّلم فهو لا يحتاج مع الكفاية و الأعوان إلى ابتذال نفسه في حوائجه، و إذا كان في الحرب فهو فارس يبلغ جميع إرادته.

و ما ضرّ-أكرمك اللّه-هرثمة بن أعين، و نصر بن شبث و غيرهما من الرّؤساء المحاربين المقربين‏[3]الذى كان يمنعهم من المشي؛ إذ كانوا على ظهور الخيل أمثال العقبان.

و ذكر سيّار بن رافع الليثيّ عرج أوفى بن موألة بعد أن اكتهل، و كان له صديقا، فقال:

رأيت أوفى بعيدا، لست من كثب # في الدّار يمشي على رجل من الخشب‏[4]

جعلت للعرج مجدا لم يكن لهم # و للقصار مقالا آخر الحقب‏

[1]البيتان أيضا مما لم يرد في ديوان أبي طالب.

[2]أي الخمسة من الرجال. و الأنف هنا بمعنى المقدّم. و العاطس: الأنف.

[3]المقرب، عنى به المكرم المقرب، و أصله في الخيل المقربة: التى تدني و تقرب و تكرم.

[4]الكثب: القرب. أي رأيته من بعد، لا من قرب. و في الأصل: «بعيد الشث» .

48

و كان أوفى مع شرفه و سودده قصيرا نحيفا، و هو الذي يقول:

إن أك قصدا في الرّجال فإنّني # إذا حلّ أمر ساحتي لجسيم‏[1]

و هذا شبيه بقول آخر:

إذا كنت في القوم الطّوال فضلتهم # بعارفة حتّى يقال طويل‏[2]

فهؤلاء بعض من فخر بالعرج، و سنذكر ذلك في باب القول في العرجان إن شاء اللّه.

فأمّا من فخر بالعمى فمنهم بشّار بن برد، و كنيته أبو معاذ، و لقبه المرعّث، مولى لبنى عقيل، و هو الذي يقول:

إذا ولد المولود أعمى وجدته # و جدّك، أهدى من بصير و أحولا[3]

عميت جنينا و الذّكاء من العمى # فجئت عجيب الظّنّ للعلم معقلا

و غاض ضياء العين للعلم رافدا # لقلب إذا ما ضيّع النّاس حصّلا[4]

[1]روي هذا البيت في الحماسة 711 بشرح المرزوقي بدون نسبة. و ورد في عيون الأخبار 4: 54 منسوبا إلى أوفى موله، صوابه «بن موألة» كما هنا. و القصد: الوسط.

[2]البيت لأحد الفزاريّين كما في الحماسة 1182 بشرح المرزوقي و هو لمبشّر بن هذيل الفزاري كما في معجم المرزباني 474، و هو في البيان 3: 244 بدون نسبة. و أنشده في عيون الأخبار 4: 54 مسبوقا بقوله: «و قال آخر و كان قصيرا» . و العارفة: اليد تسدى. و ليس لها فعل، و هي فاعلة بمعنى مفعولة. أو عارفة: ذات عرف طيب، لأنها تذكر فيثنى على صاحبها كما في شرح التبريزي للحماسة.

[3]أحول، من الحيلة، أي أكثر حيلة. و في شرح المقامات للشريشي 1: 116:

«أجولا» بالجيم، و هو ما أثبته جامع ديوان بشار 4: 136 و الوجه، هنا.

[4]يعني أن العمى يكون رافدا للعلم و معينا عليه. و في الأصل: «رافد» بالرفع، -

49

و شعر كنور الرّوض لاءمت بينه # بقول إذا أحزن الشعر أسهلا[1]

باب ذكر البرص‏

و ممّن فخر بالبرص ثم من بني رزام‏

المحجّل‏

و كان بساقيه وضح، و اسمه معاوية بن حزن بن موألة بن معاوية بن الحارث. و قد رأس و سمّي المحجّل على الكناية من البياض، و الكناية أيضا من البرص، و هو الذي يقول‏[2]:

يا ميّ لا تستنكرى نحولي‏[3] # و وضحا أوفى على خصيلي‏[4]

فإنّ نعت الفرس الرّجيل‏[5] # يكمل بالغرّة و التحجيل‏

و هو الذي يقول:

-تحريف. و في الشريشي: «للقلب فاغتذى بقلب» . و في الأغاني 3: 23 و أمالي المرتضى:

509: «رافد بقلب» و في دلائل الإعجاز 257: «رافد القلب» . و في أصل النسخة هنا: «رافد و قلب» .

[1]أمالي المرتضى: «لا أمت بينه» و الأمت: العوج. و لكن لا يتفق مع بقية القول.

و الوجه ما أثبت من الأغاني و الشريشي و دلائل الإعجار و ديوان بشار 4: 137. و رسمت في الأصل «لا أمت» مع ضبط التاء بالضم على الصواب فى المعنى من الملاءمة و الخطأ في كتابة الهمزة، إذ حقها أن تكتب مفردة.

[2]الرجز بدون نسبة في الحيوان 5: 165، و عيون الأخبار 4: 65، و أمالي القالي 3: 100، و في هامش معجم المرزباني 395 عن هامش أصله ما نصه: «معاوية بن حزن موألة، عرف بالمحجل على الكناية من البياض و البرص. قال يفخر ببياضة فيما ذكر الجاحظ في كتاب البرصان» -و أنشد هذه الأشطار الأربعة.

[3]في الأمالي: «لا تعجبي يا سلم من نحولي» . و كأس: من أعلام نسائهم. قال الكلحبة (في المفضليات 32) :

و قلت لكأس ألجميها فإنما # نزلنا الكثيب من زرود لنفزعا

[4]أوفى: أشرف. و الخصيل: جمع خصيلة، و هي الخصلة من الشعر.

[5]الرجيل، بالجيم، من الإبل و الدواب: الصبور على طول السير. و في العيون:

«الرحيل» بالحاء المهملة، و هو كذلك الشديد القوي على السير.

50

و ما أنا بالبهيم فتنكروني # و لا غفل الإهاب من الوشوم‏[1]

و أصل تسميتهم المحجّل مأخوذ من الحجل، و الحجل هو الخلخال. فإذا كان في الفرس في موضع المخلخل بياض قيل محجّل.

و قال النّعمان ابن بشير:

و يبدو من الخود الغريرة حجلها # و تبيضّ من وقع السّيوف المقادم‏[2]

و قال الفرزدق:

مائلة الحجلين لو أنّ ميّتا # و لو كان في الأكفان تحت الصفائح‏[3]

و إذا ابيضّ من خلف الناقة موضع الصّرار[4]فهم يسمّون ذلك الخلف أيضا محجّلا. و أنشد:

[1]البهيم: الذي لا يخالط لونه لون. آخر. و الإهاب: الجلد.

[2]الخود، بالفتح: الجارية الناعمة، و الحسنة الخلق الشابة. و الغريرة: الشابة الحدثة التى لم تجرب الأمور. و ظهور حجل الجارية: كناية عن الفزع في الحرب. و المقادم:

النواصى و الجباه. و في الأصل: «و مدوا من الخود» و في الأغاني 14: 121: «و تبدو من الخدر العزيزة» ، و الوجه ما أثبت مطابقا لما ورد في هامش الأصل. و في الأغانى أيضا:

«من هول السيوف» و انظر ديوان النعمان بن بشير 113.

[3]كذا ورد البيت بالخرم في أوله، و لم أجده في ديوان الفرزدق، و لا في ديوان جرير و ميل الحجل كناية عن البدانة. و الصفائح: جمع صحيفة، و هي حجارة رقاق عراض توضع على القبر.

[4]الصرار، بالكسر: خيط يشد فوق خلف الناقة لئلا يرضعها ولدها. و في الحديث:

«لا يحل لرجل يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يحل صرار ناقة بغير إذن صاحبها، فإنه خاتم أهلها» . قال ابن الأثير: من عادة العرب أن تصر ضروع الحلوبات إذا أرسلوها في المرعى سارحة، يسمون ذلك الرّباط صرارا. فإذا راحت عشيا حلّت تلك الأصرّة و حلبت. ـ

51

نيط بحقويها رغيب أقمر[1] # محجّل مقدّم مؤخّر

و قال في ذلك أبو النّجم:

تزبن لحيي لاهج مخلّل‏[2] # عن ذي قراميص لها محجّل‏[3]

و قد يقال أيضا للغراب محجّل على غير هذا المعنى، و ذلك أنهم يسمّونه حلقة القيد محجلا[4]، على التشبيه، بالحجل‏[5]. و الغراب إذا مشى فكأنّه مقيّد. و المحجّل هو المقيّد، فذلك الحجل. و قال الشاعر:

و إنّى امرؤ لا تقشعرّ ذؤابتي # من الذّئب يعوي و الغراب المحجّل‏[6]

و قال الطرمّاح:

شنج النّسا قذف الجناح كأنّه # في الدّار بعد الظاعنين مقيّد[7]

[1]نيط: علّق. و الرغيب: الواسع. و الأقمر الملآن. يصف الضرع.

[2]هذا الشطر و تاليه في أم الرجز المنشورة بمجلة المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1347 ص 476، و كذا في الطرائف الأدبية للميمنيّ ص 65. و اللاهج: الفصيل يلهج أمه، يتناول ضرعها ليمتصه. و المخلّل: الذي جعل الخلال في لسانه كي لا يرضع. تزبن: تدفع، و الزبن: الطرد. و الناقة قد تزبن ولدها عن ضرعها برجلها. و في الأصل: «يدب‏ى‏حلـ؟؟؟» بدون نقطة للكلمة الثانية. و في أم الرجز: «تزبن يحيى» و في الطرائف: «تزبن لحيى» ، و وجه هذا كله ما أثبت.

[3]قراميص الضرع: بواطن الأفخاذ و انظر اللسان (قرمص) حيث أنشد هذا الشطر.

[4]كذا في الأصل. و لم أجد له سندا. و لعل صوابه «حجلا» . و قال عدي بن زيد:

أعاذل قد لاقيت ما يزع الفتى # و طابقت في الحجلين مشى المقيّد

و الحجل بكسر الحاء و فتحها لغتان.

[5]ضبطت في الأصل بفتح الحاء و الجيم معا. و الصواب ضبطها بكسر الحاء و فتحها مع سكون الجيم.

[6]أنشده في اللسان (حجل 158) بدون نسبة.

[7]البيت في ديوان الطرماح 130 و اللسان (شنج 134 حرق 328 دفا 288) و الحيوان-

52

و قال الآخر:

و صاح بصرمها من بطن قوّ # غداة البين شحّاج حجول‏[1]

من اللائي لعنّ بكلّ أرض # فليس لهنّ في بلد قبول‏

و لذكر المحجّل مكان غير هذا.

و إذا كان الشي‏ء مشهّرا معلما شبّهوه بالفرس الأغرّ المحجّل فإنّه إذا كان في الخيل كانت العيون إليه أسرع. و لذلك قال زفر بن الحارث‏[2]:

كلاّ و ربّ البيت لا تقتلونه # و لمّا يكن يوم أغرّ محجّل‏

.

و من البرصان الذين فخروا بالبرص‏

الحارث بن حلزّة اليشكريّ‏

الشاعر، قال أبو عبيد: لما قال عمرو بن كلثوم قصيدته التى فخر فيها لتغلب على بكر و هي التي أوّلها:

ألا هبّي بصحنك فاصبحينا[3]

و أنشدها الملك، قال الحارث بن حلّزة قصيدته التي فخر فيها لبكر على تغلب، و هي التي أوّلها:

آذنتنا ببينها أسماء[4]

-5 25 شنج النسا: متقبضه. و في الحيوان و اللسان (دفا) : «أدفى الجناح» ، أى طويل أصول القوادم. و في سائر المواضع: «حرق الجناح» . و الحرق: الذي نسل ريشه و انحصّ.

[1]الشحّاج: الغراب يرجع صوته ترجيعا.

[2]زفر بن الحارث الكلابي، من الخوارج على عبد الملك بن مروان، و ظل يقاتله تسع سنين، ثم ثاب إلى الطاعة. و انظر ترجمته مسهبة في حواشي الحيوان 5: 163.

[3]عجزة:

و لا تبقي خمور الأندرينا

[4]عجزة:

رب ثاو يمل منه الثواء

53

ثم أتى عمرو بن هند فأنشده إيّاها. قال: و كان الحارث أبرص، و كان الملك لا يملأ عينه من رجل به بلاء، فأنشده من وراء السّتر، فلما سمعها استخفّه الطّرب و حمله السّرور على أن أمر برفع الحجاب، ثم أقعده على طعامه، و صيّره في سمّاره.

و قالوا: هو المفتخر بالبرص حيث يقول:

يا أمّ عمرو لا تعرّي بالرّوق‏[1] # ليس يضير الطّرف توليع اليلق‏[2]

إذا حوى الحلبة في يوم السّبق‏[3]

فهذا قول الشاعر.

فأمّا محمد بن سلاّم فزعم أنّه لم يسبق الحلبة أبلق قطّ و لا بلقاء[4].

قال الأصمعي: لم يسبق الحلبة أهضم قطّ.

و قد يجوز أن يكون الشاعر أراد الشاعر نفس الحلبة يوم الرّهان و أراد غير ذلك من أبواب المسابقة.

[1]الرجز في الحيوان 5: 166 و عيون الأخبار 4: 65 بدون نسبة فيهما. لا تعرّى:

لا تعيبي. عرّه بسوء: لطخه به. و في الأصل: «لا تغرى» ، صوابه من الحيوان. و الرّوق:

أن تطول الثنايا العليا السفلى. و في الحيوان: «يا أخت سعد لا تعري بالزرق» . و في العيون:

«يا أخت سعد لا تعيبي بالزرق» .

[2]التوليع: ضروب من الألوان، و الطرف، بالكسر: الفرس الكريم الطرفين، أي الأبوين، و في الحيوان: «ليس يضر» و في العيون: «لا يضرر الطرف تواليع البهق» .

[3]كناية عن سبقه. و في الحيوان و العيون: «إذا جرى في حلبة الخيل سبق.

[4]الحيوان 5: 166.

54

على أنّ صديقا لي قد أخبرني أنّ فرسا[1]للمأمون جاءت سابقة..

ابن حناء

و مما يدلّ على افتخارهم بالبرص قول ابن حبناء[2]و اسمه المغيرة:

إنّي امرؤ حنظليّ حين تنسبني # لا ملعتيك و لا أخوالي و لا أخوالي العوق‏[3]

لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصة # إنّ اللّهاميم في أقرابها البلق‏[4]

فقول ابن حبناء و قول الحارث بن حلّزة يردّان على محمد بن سلاّم ما قال.

[1]كذا. و المراد فرسا بلقاء. و في الحيوان 5: 166: «و قد سبق للمأمون فرس إما أبلق و إما بلقاء» .

[2]في الأصل: «حنباء» و إنما هو بتقديم الباء: و الحبناء: العظيمة البطن من داء.

و حبناء أمه، و أبوه جبير بن عمرو بن ربيعة بن أسيد بن عبد عوف. و المغيرة شاعر محسن، كان من رجال المهلب بن أبي صفرة. و عاش إلى ما بعد سنة 91. الأغاني: 156، 164 و المؤتلف 105 و الخزانة 3: 601.

[3]البيتان في الحيوان 5: 165، و الشعراء 367، و المعارف 251، و عيون الأخبار 4: 66، و أمالي القالي 2: 233، و الأغاني 11: 159. ملعتيك، أي من العتيك. و حذف نون «من» في مثل هذا لغة لبعض العرب. انظر المفضليات 154، و شرح المرزوقي للحماسة 476، 1355. و العتيك: قبيلة من الأزد، منهم المهلب بن أبي صفرة. الجمهرة 369.

و العوق، قال أبو الفرج: «العوق من يشكر، و كانوا أخوال المفضل» يعنى المفضل بن المهلب. و البيتان يرد المغيرة فيهما على المفضّل بن المهلب، حين هجاه بسوء أكله. و القصة في الأغاني.

[4]الأقراب: جمع قرب، بالضم، و هو الخاصرة. و اللهاميم: جمع لهموم بالضم، و هو الجواد من الناس و الخيل، كما في اللسان (لهم) حيث أنشد هذا البيت بدون نسبة.