المحاسن و الأضداد

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
352 /
5

مقدمة كتاب المحاسن و الأضداد

لم يرد ذكر لهذا المؤلف في كتب الجاحظ، لقد ذكر أبو عثمان أسماء نحو ستة و ثلاثين من مؤلفاته في مقدمة «كتاب الحيوان» و ليس بينها إشارة إليه قريبة أو بعيدة. كما ذكر في بعض رسائله اسماء عدد من كتبه الكثيرة و اغفل هذا الكتاب اغفالا تاما.

و كذلك خلت المصادر القديمة من ذكره، عدا كتاب الخزانة للبغدادي. أما المصادر الحديثة فقد ذكرته، منها كتاب أدب الجاحظ للسندوبي و كتاب تاريخ الأدب العربي لبروكلمان. و ترجم أو. ريشر بعض فصوله إلى الالمانية و نشرها.

و قام فان فلوتن بإصدار الطبعة الأولى منه في ليدن سنة 1897 م.

و تبعه الخانجي فطبعه في القاهرة سنة 1906 م، مع مقدمة موجزة عن حياة الجاحظ، و بدون شرح. ثم توالت الطبعات التي لم تكن احسن من طبعة الخانجي، و معظمها صدر في بيروت.

و جميع هذه الطبعات نسبت الكتاب للجاحظ و لم تبد شكها فيه.

و لكن المستشرق الفرنسي شارل بيلا لا حظ في القائمة التي وضعها لكتب الجاحظ أن الكتاب منحول و لم يذكر الأسباب التي استند إليها.

و ربما كان الدافع الذي حفز هؤلاء الناشرين على نسبة الكتاب‏

6

للجاحظ مقدمته التي يعترف فيها أبو عثمان أنه كان ينحل غيره-أمثال ابن المقفع، و الخليل بن أحمد، و سلم صاحب بيت الحكمة، و العتابي، و يحيى بن خالد، و أشباههم-بعض كتبه، لتروج. و أن بعض الكتاب في عصره كانوا يغيرون على كتبه و يسرقون بعض فصولها و معانيها و يؤلفون منها كتبا ينسبونها لأنفسهم. ثم يعلن نسبة الكتاب إليه قائلا: «و هذا كتاب و سمته بالمحاسن و الأضداد لم أسبق إلى نحلته و لم يسألني أحد صنعه، ابتدأته بذكر محاسن الكتابة و الكتب، و ختمته بذكر شي‏ء من محاسن الموت. و اللّه يكلأه من حاسد إذا حسد» .

و الحق أن هذه المقدمة التي لا تتعدى صفحة واحدة إنما هي فقرة استلت من رسالة للجاحظ طويلة عنوانها «فصل ما بين العداوة و الحسد» و وضعت في صدر هذا الكتاب لتخفي حقيقته. بيد أن ما جاء فيها بصدد النحل و السرقة يشكل برهانا على نحل الكتاب، او عدم صحة نسبته للجاحظ: إن قلق الناحل من انكشاف فعلته و خوفه من أن يرمى بالنحل دفعاه إلى الكلام على النحل و ابعاد التهمة عن نفسه.

و إمعانا في تضليل القارئ أورد المؤلف بابين في أول الكتاب:

باب في محاسن الكتابة و الكتب، و باب في مساوئ اللحن في اللغة.

و كلاهما من كلام الجاحظ. استقى الأول من كتاب الحيوان و استقى الثاني من كتاب البيان و التبيين مع بعض التصرف. أما سائر ابواب الكتاب التي تناهز الستين فإن عناوينها أو موضوعاتها طرقها الجاحظ في مختلف كتبه و لكن محتوياتها غير موجودة في تلك الكتب.

و قد فزع المؤلف إلى وسيلة أخرى للتمويه هي الجدل. و الجدل يعني هنا قول الشي‏ء و ضده. و قد أولع الجاحظ بالجدل حتى غدا سمة من سمات كتاباته، فنهج المؤلف هذا النهج تقليدا للجاحظ. فهو يعدد محاسن الشي‏ء ثم يردف ذلك بتعداد مساوئه: محاسن المخاطبات‏

7

و ضدها، و محاسن المكاتبات و ضدها، و محاسن الجوابات و ضدها، و محاسن حفظ اللسان و ضدها، و محاسن كتمان السر و ضدها، و محاسن الصدق و ضدها، و محاسن الصحة و ضدها، و محاسن السخاء و ضدها و محاسن البخل و ضدها، و محاسن الشجاعة و ضدها، و محاسن المفاخرة و ضدها، و محاسن الزهد و ضدها، و محاسن النساء و ضدها الخ...

بيد أن الفرق شاسع بين جدل الجاحظ و جدل مؤلف المحاسن و الأضداد. أن جدل المحاسن و الأضداد يقتصر على تعداد محاسن الأمر و مساوئه دون إبداء الرأي و دون المناقشة أما جدل الجاحظ فيتعدى هذه المهمة أي تعداد المحاسن و المساوئ إلى إصدار الأحكام و البحث عن الحقيقة، و البت في الأمور المتنازع في شأنها. لنأخذ مثلا على ذلك مسألة البخل. لقد أورد صاحب المحاسن و الأضداد اقوالا و أخبارا تبين حسنات البخل، و أخرى تظهر مساوئه و استغرق ذلك بعض الصفحات. أما الجاحظ فقد ألف كتابا ضخما في هذا الموضوع اسماه «البخلاء» و قسمه ثلاثة أقسام: قسم أول يورد فيه احتجاجات البخلاء، و قسم ثان يورد فيه احتجاجات الأسخياء، و قسم ثالث يحكم فيه بالأمر، و يعلن رأيه الخاص، و هو أن الفضيلة هي في منزلة بين البخل و الإسراف، يدعوها الاقتصاد الذي يتوسط رذيلة البخل و رذيلة الإسراف. و هو في ذلك ينطلق من مبدأ فلسفي انماز به مع سائر المعتزلة و الذي عرف بالمنزلة بين المنزلتين.

و لنأخذ مثلا آخر بين لنا الفرق بين جدل الجاحظ و جدل صاحب المحاسن و الأضداد، و هو مسألة الصمت و الكلام. في الكتاب الذي بين أيدينا صفحتان تثبتان أقوالا تزين الصمت و أخرى تزين المنطق. أما في البيان و التبين، و رسالة التربيع و التدوير، و رسالة صناعة الكلام الخ. فنلفي عشرات الصفحات التي تدور حول هذه المسألة، و تصورها

8

من مختلف نواحيها، و تقلبها على مختلف وجوهها، ثم ينتهي الجاحظ إلى رأي جازم: ان الكلام خير من الصمت، و علم الكلام علم شريف يهدف إلى معرفة الحقيقة.

و إذا كان صاحب الكتاب لا يعلن رأيه و لا غايته، فإننا نستطيع أن نتبين من خلال النص بعض ميوله و اتجاهاته التي يختلف فيها مع الجاحظ. فهو ينادي بالحجاب و يحشد أقوالا كثيرة تدعو إليه و تزينه و تحذر من السفور، و على عكس سائر الأبواب لم يذكر مساوئ الحجاب كما ذكر محاسنه. و يستشهد بحديث نبوي يقول: «باعدوا بين أنفاس الرجال و النساء فإن كانت المعاينة و اللقاء كان الداء الذي لا دواء له» و بآخر يقول: «النساء حبائل الشيطان» ؛ ليقرر أن المرأة تغوي الرجل و أن لقاء الرجل للمرأة و رؤيته إياها يدفعه إلى الزنى و لذا ينبغي الفصل بينهما. كما يستشهد بقول لعمر بن الخطاب يدعو إلى حرمان المرأة من الظهور و التزين و التبرج: «استعينوا عليهن بالعري» و يقول لإمرأة زنت هي هند بنت الخس تعترف فيه أن سبب اقترافها الفحش إنما هو «طول السهاد و قرب الوساد» . و يخبر أن أكاسرة الفرس كانوا يمتحنون امناءهم برؤية النساء، فمن صبر عليهن و لم يقع بحبائلهن و لم يغوه جمالهن، وثق به و إلاّ تخلص منه أو أبعده. أما الجاحظ فقد عالج هذا الموضوع في رسالة مستقلة هي رسالة «القيان» . و هو يحمل على حجاب المرأة و يدعو إلى السفور و يقدم البراهين المنطقية و الاجتماعية و الدينية التي تسند موقفه. فهو يخبرنا أن العرب لم يعرفوا الحجاب في الجاهلية، و كان الرجال و النساء يجتمعون على الحديث و المسامرة. و في الإسلام أجاز الدين للنساء الطواف بالكعبة مكشفات الوجوه. و لم يحرم عمر بن الخطاب السفور رغم زهده و ورعه و فقهه و علمه. و كذلك الحسن بن علي لم يحرم النظر إلى النساء، حتى الشعبي فقيه أهل العراق لم ير في النظر إلى عائشة بنت طلحة امرأة مصعب بن الزبير حراما الخ.. ثم يقول إن كل ما في العالم مسخر

9

للإنسان و كل ما تقله الأرض متاع له. و اقرب و اطيب ما سخر له الأنثى لأنها خلقت ليسكن إليها. و كل ما لم يحرمه الشرع محلل. و الشرع لم يحرم سفور المرأة.

و نلمس في الكتاب عصبية علوية لا نعهدها عند الجاحظ. فهو في باب محاسن المفاخرة يغمز من قناة أبي بكر الصديق و يقول عنه أنه ليس من أشراف قريش. و يحصى مثالب معاوية و مروان بن الحكم و عمرو بن العاص و زياد ابن أبيه أركان البيت الأموي و يشهر بهم بينما يذكر فضائل البيت العلوي و يرددها مرارا. و إذا كان الجاحظ يشارك صاحب المحاسن و الأضداد في التنديد بمعاوية و الأمويين كما يتضح من رسالة العثمانية، و رسالة الحكمين، فإنه لا يشاطره موقفه من أبي بكر الصديق الذي محضه كل اكبار و تقدير في جميع كتاباته.

و اسلوب الكتاب يختلف عن اسلوب الجاحظ اختلافا ظاهرا.

فنحن لا نقع فيه على عبارة الجاحظ المتنوعة القصيرة، التي تمتاز بالرشاقة و الطبيعة و الترادف المعنوي و اللفظي، مع المحافظة على القوة و الجمال: إن عبارة الكتاب تعوزها الجزالة و تشوبها الركاكة و تقترب من العامية و السوقية أحيانا. و لكنه كالجاحظ يتنكب جادة الحشمة و العفة في كلامه على النساء و الجماع.

و ثمة بينة أخرى تدل على عدم صحة نسبة الكتاب للجاحظ هي و رود ذكر عبد اللّه بن المعتز في الكتاب عدة مرات، مرفقا بنماذج من شعره و أقواله. و نحن نعلم أن عبد اللّه بن المعتز عاش بعد الجاحظ و قتل سنة 908 م بعد يوم واحد من ارتقائه عرش الخلافة في بغداد على يد مؤنس الخادم. و كان شاعرا رقيقا انيق اللفظ، و ألف كتابا في البديع و آخر في تاريخ الشعر اسمه طبقات الشعراء، و ثالثا في آداب الشراب و الخمر اسمه «الجامع في الغناء» .

و إذا لم يكن الكتاب للجاحظ فمن هو صاحبه إذن؟ليس لدينا

10

معرفة قاطعة به. و لكن ينبغي أن لا يكون من معاصري الجاحظ، بل من المتأخرين عنه، من كتاب القرن العاشر الميلادي و ما بعده.

و في المكتبة العربية كتاب يشبه عنوانه عنوان كتاب المحاسن و الأضداد اسمه «المحاسن و المساوئ» تأليف إبراهيم بن محمد البيهقي الذي اتصل بابن المعتز ثم بالمقتدر الذي خلف ابن المعتز و حكم بين سنتي (295-320 هـ) و كتب له. و قد حققه أبو الفضل إبراهيم و طبعته مكتبة نهضة مصر في القاهرة سنة 1966 م و لفت نظره اشتراك أو تشابه الكتابين في كثير من النصوص و الأخبار «مما حمله على الظن أن مؤلفهما واحد أو أنهما كتابان أخذا من أصل مشترك» . من أبوابه: 1) محاسن الكتب، نقلا عن الجاحظ، كما في المحاسن و الأضداد، 2) محاسن رسول اللّه، نقلا عن البيان و التبيين للجاحظ، 3) محاسن المعراج، 4) مساوئ من تنبأ، 5) محاسن أبي بكرّ الصديق، 6) محاسن عمر بن الخطاب، 7) محاسن عثمان بن عفان، 8) محاسن علي بن أبي طالب، 9) مساوئ من تنقص علي بن أبي طالب، 10) محاسن الحسن و الحسين، 11) محاسن المفاخرة، 12) محاسن النتاج المركب، 13) محاسن الوفاء و مساوئه، 14) مساوئ العي و ضعف العقل، 15) محاسن الحجاب و مساوئه، 16) محاسن الصحة و مساوئها، 17) محاسن السخاء و مساوئه، 18) محاسن صلات الشعراء و مساوئها، 19) محاسن الفقر و مساوئه، 20) محاسن و مساوئ حب الوطن. الخ.....

و الواقع أن ظن أبي الفضل إبراهيم لا يجانب الحقيقة. فإن الكتابين-اعني المحاسن و الأضداد المنسوب للجاحظ و المحاسن و المساوئ المنسوب للبيهقي-يتطابقان في كثير من الموضوعات و المادة و النصوص و إن انفرد الكتاب الثاني بإضافة موضوعات أخرى أو أبواب جديدة.

11

و اعتقد أن إبراهيم بن محمد البيهقي هو مؤلف الكتابين. ألف الأول و نسبه للجاحظ ليروج. و لما تحقق من رواجه عدل فيه قليلا و سماه المحاسن و المساوئ و نسبه لنفسه.

و كتاب المحاسن و الأضداد يخلو من الأصالة و الجدة و يقتصر عمل صاحبه على تجميع الأقوال و الأشعار و الأخبار و الأقوال التي تتعلق بكل باب من أبوابه الستين، و روايتها، دون شرح أو تعليق أو ابداء رأي.

فهو إذن من نوع أدب الرواية. و إذا كانت كتب الجاحظ حافلة بمثل هذا الأدب إلاّ أن شخصية الجاحظ تبقى حاضرة: تنقد هذا الخبر، و تعلق على ذاك، و تفيد من الأقوال التي تسوقها و الأشعار التي ترويها لتأييد آرائها الأصيلة و مواقفها المتميزة.

و يفتقر الكتاب إلى وحدة الموضوع، و يعجز عنوانه عن لم شعث نحو ستين موضوعا مختلفا فيكتفي بربطها ربطا اعتباطيا مصطنعا.

و يستغرق موضوع المرأة نصف الكتاب تقريبا. و يترجم لثلاث نساء حرائر شاعرات هن الخنساء و ليلى الأخيلية و هند بنت عتبة أم معاوية ابن أبي سفيان، و يروي شيئا من أشعارهن. ثم يورد أخبار عدة قيان منهن عنان جارية الناطفي و صاحبة أبي نواس، و عريب جارية المأمون، و يروي شعر بعض الأعرابيات.

ثم يذكر صفات المرأة الجميلة على لسان اعرابي يقول لمن سأله: أ تحسن صفة النساء؟ «نعم إذا عذب ثناياها، و سهل خداها، و نهد ثدياها، و نعم ساعدها، و التف فخذاها، و عرض وركاها، و جدل ساقاها، فتلك هم النفس و مناها» . و على لسان عبد اللّه بن المعتز الذي يقول:

و حياة من جرج الفؤاد بطرفه # لأحبرن قصائدي في وصفه

قمر به قمر السماء متيم # كالغصن يعجب نصفه من نصفه

12

إني عجبت لخصره من ضعفه # ما ذا تحمل من ثقالة ردفه

هذا و ما أدري بأية فتنة # جرح الفؤاد بلطفه أم ظرفه

أم بالدلال أم الجمال أم الضيا # من وجهه أم بالقفا من خلفه‏

أما صفات المرأة الخلقية فقد جمعت في قول بعضهم «لا تتزوجن حنانة و لا منانة و لا عشبة الدار، و لا كية القفا» الحنانة هي التي تزوجها رجل من قبل و تحن إليه، و الأنانة هي التي تئن من غير علة، و المنانة التي لها مال تمنن به. و عشبة الدار الحسناء في أصل السوء، و كية القفا ذات السمعة السيئة.

و يقدم الكتاب عن المرأة صورة سيئة تروي أخبارا كثيرة عن مكرها و خيانتها و فحشها و اغوائها و يدعو إلى ضرب الحجاب عليها لكي لا تفتن الرجل و تورده موارد الهلكة.

و ثمة موضوع آخر يسترعي الانتباه طرقه صاحب الكتاب هو الغناء و أخبار الشعراء و المغنين، لا يختلف في اسلوبه عن أبي الفرج الأصفهاني (897-967 م) في كتابه «الأغاني» . فهو يروي لنا أخبار إبراهيم الموصلي و الرشيد و علية أخته، و أخبار عمر بن أبي ربيعة مع الثريا و ابنة عبد الملك بن مروان و الأشعار التي نظمها فيهما أو التي غنيت. ثم أخبار كثير عزة، و جميل بثينة، و ذي الرمة، و أبي نواس و الغلمان الخ.. و هذا التشابه بين «الأغاني» و المحاسن و الأضداد يحملنا على الظن أن صاحب الكتاب تأثر بأبي الفرج الأصفهاني و استقى من كتابه الشهير و عاصره أو عاش بعده.

و نلفي في الكتاب كمية من الأمثال. و المثل أنواع ثلاثة حكمي و سائر و خرافي. و لا يوجد سوى مثلين اثنين من الأمثال الخرافية هما مثل الثعلب و ملك الطيور، و مثل الغراب و الحمامة. و المثل الخرافي قصة قصيرة أبطالها من الحيوانات و تنطوي على حكمة أو ترمز إلى رأي. و أهم‏

13

أثر عربي في هذا الفن كتاب كليلة و دمنة الذي نقله ابن المقفع في مطلع الدولة العباسية من الفارسية إلى العربية. و تبدو لغة المثلين قريبة من لغة كليلة و دمنة و كذلك اسلوبهما مما يحملنا على القول أن صاحب المحاسن و الأضداد تأثر بكليلة و دمنة.

أما الأمثال السائرة فعديدة وردت متفرقة في تضاعيف الكتاب.

و المثل السائر جملة قصيرة ترمز إلى حادثة نادرة جرت لبعض الناس أو قالها أحدهم بمناسبتها، فشاعت و سارت على الألسن، و رددها الناس في الحوادث المشابهة. أهمها «أحمق من هبنقة» ، «و أحمق من دغة» ، «و أحمق من باقل» (باب محاسن الدهاء و الحيل) . و منها المثل «لا هنك انقيت و لا ماءك أبقيت» ، و المثل «في الصيف ضيعت اللبن» (باب أمثال في التزويج) . و منها المثل «تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها» (باب المطلقات) . و المثل «و يل للشجي من الخلي» «و عند جهينة الخبر اليقين» (باب مساوئ مكر النساء) . ثم المثل «العجب كل العجب بين جمادى و رجب» . و المثل «سبق السيف العذل» (باب محاسن الغيرة) .

و نجد في كتب الجاحظ كثيرا من الأمثال السائرة الواردة في المحاسن و الأضداد و كذلك نجد الميداني (518 هـ) يؤلف كتابا ضخما يجمع الأمثال هو «مجمع الأمثال» . و لا بد أن الميداني أفاد منهما.

و هناك مصدر آخر استمد منه الكتاب الكثير من مادته هو الآداب الفارسية. و يبدو أن صاحبه يعرف اللغة الفارسية فهو مثلا يورد توقيع عبد اللّه بن طاهر «من سعى رعى، و من لزم المنام رأى الأحلام» ثم يعلق عليه قائلا: هذا المعنى سرقه من توقيعات أنوشروان فإنه يقول «هرك روذ حرد هرك خسبد خراب ببند» . و يقول في مكان آخر: «وجد في بعض خزائن ملوك العجم لوح من حجارة مكتوب عليه: كن لما لا

14

ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى عليه السلام خرج ليقبس نارا، فنودي بالنبوة» (باب محاسن الرزق) . و يرجع إلى تاريخ الفرس فيروي بعض أخباره عن الكسروي و يحدثنا عن النيروز و المهر جان و تاريخهما و شعائرهما ، و عن الفهليد المغني و أخباره مع كسرى ابرويز الخ، و الهدايا التي تقدمها ملوك الأمم إلى ملوك فارس و التي يقدمها ملوك الفرس إلى سائر الملوك (باب محاسن الهدايا و ما قبله) . ثم إن بعض الأبواب خصصت برمتها للحديث عن ملوك الفرس و علاقاتهم بالنساء مثل باب محاسن وفاء النساء، و باب غدر النساء.

و نلمح في الكتاب أثرا نصرانيا، يتمثل في رواية المؤلف قصة النعمان ملك الحيرة مع شريك بن شراحبيل و الطائي الذي أتاه في يوم نحسه فأمر بقتله، فاستمهله الطائي ريثما يأتي أولاده و زوجته ليودعهم و يوصي بهم. و ضمنه شريك بن شراحبيل. و وفى الطائي بوعده و عاد في الوقت المحدد فأعجب النعمان بوفائه و سأله عن دينه فأجابه: ديني النصرانية فتنصر النعمان لأن النصرانية دين الوفاء (باب محاسن الوفاء) . و في رواية خبر الصبي الذي مات ثم عاد إلى الحياة بدعاء أمه. و الخبر يرويه المؤلف عن إبراهيم بن عبد اللّه عن أنس بن مالك.

و كان الصبي من الأنصار مرض فمات، «فمدت أمه يدها إلى السماء و قالت: اللهم إنك تعلم أني اسلمت لك، و هاجرت إلى نبيك محمد صلوات اللّه عليه، رجاء أن تغيثني عند كل شدة، فلا تحملني هذه المصيبة اليوم، فكشف ابنها الذي سجيناه وجهه، و ما برحنا حتى طعم و شرب و طعمنا معه» و هذا الخبر يشبه خبر اليعازر الوارد في الكتاب المقدس. و نقع في الكتاب على أقوال لعيسى بن مريم (باب محاسن الثقة باللّه) .

كذلك نلفي في الكتاب أثرا يهوديا يتمثل برواية قصة السمؤال بن عادياء الشاعر الذي و فى بوعده و حفظ الأمانة التي أودعها عنده الشاعر

15

امرؤ القيس، و ضحى من أجل وفائه بابنه (محاسن الوفاء) . كما يبدو في الحديث المنسوب إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم و الذي يجعل اليهود أكرم الناس نسبا. لقد سئل النبي عن أكرم الناس نسبا فأجاب «يوسف الصديق، صديق اللّه بن يعقوب إسرائيل اللّه بن إسحاق ذبيح اللّه بن إبراهيم خليل اللّه، فأين مثل هؤلاء الآباء في جميع الدنيا ما كان مثلهم و لا يكون مثلهم أحد أبدا» (باب محاسن المفاخرة) .

إن هذه الأقوال و الأخبار التي تبين فضائل الفرس و النصارى و اليهود تخفي خلفها شعوبية متنكرة. و نحن نعلم أن الجاحظ حمل على الشعوبية التي كانت تبغض العرب و تكيد لهم و تحاول تشويه دينهم و تزوير تاريخهم بالدس و النحل و التوليد. و موقف الجاحظ من النصارى و اليهود يختلف عن موقف صاحب المحاسن و الأضداد و من يقرأ رسالة النصارى يتضح له بجلاء أن أبا عثمان لم يكن راضيا عنهم و لا عن الفرس حملة لواء الشعوبية.

و على الرغم من هذه الملامح الفارسية و النصرانية و اليهودية يبقى الكتاب أثرا من صميم الآداب العربية كالبيان و التبيين للجاحظ و الكامل للمبرد و العقد الفريد لابن عبد ربه. أنه يحشد كمية لا بأس بها من أجمل ما تفوه به أبناء العرب في الكتب و المكاتبات و الجوابات و حفظ اللسان و المشورة و الشكر و الصدق و العفو و الصداقة و الوفاء و الكرم و البخل و الشجاعة و الموعظة و الزهد و المرأة و الهدايا الخ.. و يترجم لبعض الشعراء و يروي الكثير من أشعارهم ابتداء بامرئ القيس الجاهلي حتى عبد اللّه بن المعتز 908 م مرورا بالأخطل و كثير و ذي الرمة و أبي تمام و أبي نواس الخ.. و يروي الكثير من أخبار خلفاء الدولة الأموية و الدولة العباسية و قوادهم، هذا عدا الأحاديث النبوية الشريفة و أقوال الخلفاء الراشدين الأربعة في مختلف الموضوعات التي عرض لها.

16

لقد حاول صاحب كتاب المحاسن و الأضداد أن يقلد الجاحظ فلم يستطع، و ظهر زيفه لأن اسلوبه يختلف عن أسلوب الجاحظ، و تفكيره يتعارض مع تفكير الجاحظ. أنه يفتقر إلى أصالة الجاحظ و عبقريته الأدبية و الفلسفية. و حسبنا في هذه المقدمة أننا أمطنا اللثام عن هذه المسألة.

بيروت في 1/8/1988 علي بو ملحم‏

17

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه على رسوله، سيدنا محمد، و آله أجمعين.

مقدمة

قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، رحمة اللّه: «إني ربما ألّفت الكتاب المحكم المتقن في الدين، و الفقه، و الرسائل، و السيرة، و الخطب، و الخراج، و الأحكام، و سائر فنون الحكمة، و أنسبه إلى نفسي، فيتواطأ على الطعن فيه جماعة من أهل العلم بالحسد و المركب فيهم، و هم يعرفون براعته و فصاحته؛ و أكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفا لملك معه المقدرة على التقديم، و التأخير، و الحط، و الرفع، و الترهيب، و الترغيب، فإنهم يهتاجون عند ذلك، اهتياج الإبل المغتلمة. فإن أمكنتهم الحيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد الذي ألّف له، فهو الذي قصدوه و أرادوه، و إن كان السيد المؤلف فيه الكتاب نحريرا نقّابا، و نقريسا بليغا، و حاذقا فطنا، و أعجزتهم الحيلة، سرقوا معاني ذلك الكتاب، و ألفوا من أعراضه و حواشيه كتابا و أهدوه إلى ملك آخر، و متّوا إليه به، و هم قد ذموه و ثلبوه لما رأوه منسوبا إليّ، و موسوما بي.

و ربما ألّفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه و ألفاظه، فأترجمه باسم غيري، و أحيله على من تقدّمني عصره مثل ابن المقفع و الخليل و سلم صاحب بيت الحكمة، و يحيى بن خالد، و العتابي، و من أشبه هؤلاء من مؤلفي‏

18

الكتب، فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم، الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب، لاستنساخ هذا الكتاب و قراءته عليّ، و يكتبونه بخطوطهم، و يصيرونه إماما يقتدون به و يتدارسونه بينهم، و يتأدبون به، و يستعملون ألفاظه و معانيه في كتبهم و خطاباتهم، و يروونه عني لغيرهم من طلاب ذلك الجنس، فتثبت لهم به رئاسة يأتمّ بهم قوم فيه، لأنه لم يترجم باسمي، و لم ينسب إلى تأليفي» (1) .

و هذا كتاب و سمته (بالمحاسن و الأضداد) لم أسبق إلى نحلته، و لم يسألني أحد صنعه؛ ابتدأته بذكر محاسن الكتابة، و الكتب، و ختمته في ذكر شي‏ء من محاسن الموت، و اللّه يكلؤه من حاسد إذا حسد (2) .

____________

(1) هذا النص مأخوذ حرفيا من رسالة للجاحظ عنوانها: «فصل ما بين العداوة و الحسد» . راجع رسائل الجاحظ الأدبية (طبعة دار و مكتبة الهلال، بيروت، 1987) ص 376-377.

(2) كلأ: حرس و حفظ.

19

محاسن الكتابة و الكتب‏

كانت العجم تقيد مآثرها بالبنيان و المدن و الحصون، مثل بناء ازدشير و بناء اصطخر، و بناء المدائن و السدير، و المدن و الحصون، ثم أن العرب شاركت العجم في البنيان، و تفردت بالكتب و الأخبار، و الشعر و الآثار؛ فلها من البنيان غمدان، و كعبة نجران، و قصر مأرب، و قصر مارد، و قصر شعوب، و الأبلق الفرد و غير ذلك من البنيان، و تصنيف الكتب أشد تقييدا للمآثر على ممر الأيام و الدهور من البنيان، لأن البناء لا محالة يدرس، و تعفى رسومه، و الكتاب باق يقع من قرن إلى قرن، و من أمة إلى أمة، فهو ابدا جديد، و الناظر فيه مستفيد، و هو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان و التصاوير. و كانت العجم تجعل الكتاب في الصخور، و نقشا في الحجارة، و خلقة مركبة في البنيان، فربما كان الكتاب هو الناتئ، و ربما كان هو المحفور، إذا كان ذلك تاريخا لأمر جسيم، أو عهدا لأمر عظيم، أو عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها، أو احياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبة غمدان و على باب القيروان، و على باب سمرقند، و على عمود مأرب، و على ركن المقشعر، و على الأبلق الفرد، و على باب الرها؛ يعمدون إلى المواضع المشهورة و الأماكن المذكورة، فيضعون الخط في ابعد المواضع من الدثور، و امنعها من الدروس. و اجدر أن يراه من مرّ به، و لا ينسى على وجه الدهور (1) .

و لو لا الحكم المحفوظة و الكتب المدونة، لبطل أكثر العلم، و لغلب

____________

(1) هذا النص مأخوذ بتصرف من كتاب الجاحظ: «الحيوان» الجزء الأول ص 49 (طبعة دار و مكتبة الهلال، بيروت، 1986) .

20

سلطان النسيان سلطان الذكر، و لما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار، و لو لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع، و لو لا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، و خلدت من عجيب حكمتها، و دونت من أنواع سيرها، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، فتحنا بها كل مستغلق، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، و أدركنا ما لم نكن ندركه إلاّ بهم، لقد بخس حظنا منه، و أهل العلم و النظر و اصحاب الفكر و العبر، و العلماء بمخارج الملل و أرباب النحل، و ورثة الأنبياء و أعوان الخلفاء، يكتبون كتب الظرفاء و الصلحاء، و كتب الملاهي، و كتب أعوان الصلحاء و كتب أصحاب المراء و الخصومات، و كتب السخفاء و حمية الجاهلية، و منهم من يفرط في العلم أيام خموله و ترك ذكره و حداثة سنه، و لو لا جياد الكتب و حسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم، و نازعت إلى حب الكتب، و ألفت من حال الجهل و أن يكونوا في غمار الوحش، و لدخل عليهم من الضرر و المشقة و سوء الحال ما عسى أن يكون لا يمكن الأخبار عن مقداره إلاّ بالكلام الكثير (1) .

و سمعت محمد بن الجهم يقول: «إذا غشيني النعاس في غير وقت النوم تناولت كتابا فأجد اهتزازي للفوائد الأريحية التي تعتريني من سرور الاستنباه و عز التبيّن، اشد ايقاظا من نهيق الحمار، و هدة الهدم، فإني إذا استحسنت كتابا و استجدته و رجوت فائدته، لم أوثر عليه عوضا، و لم ابغ به بدلا، فلا أزال انظر فيه ساعة بعد ساعة، كم بقي من ورقة مخافة استنفاده، و انقطاع المادة من قبله» (2) .

و قال ابن داحة: «كان عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب لا يجالس الناس فنزل مقبرة من المقابر و كان لا يزال في يده كتاب يقرؤه، فسئل عن ذلك فقال: «لم أر أوعظ من قبر و لا آنس من كتاب، و لا اسلم من الوحدة» (3) .

____________

(1) قارن بما ورد في كتاب الحيوان، الجزء الأول ص 25.

(2) النص موجود في كتاب الحيوان، ج 1، ص 49.

(3) النص موجود في كتاب الحيوان، ص 44 مع بعض التغير.

21

و أهدى بعض الكتاب إلى صديق له دفترا و كتب معه: «هديتي هذه، اعزك اللّه، تزكو على الاتفاق، و تربو على الكد، لا تفسدها العواري، و لا تخلقها كثرة التقليب، و هي إنس في الليل و النهار و السفر و الحضر تصلح للدنيا و الآخرة تؤنس في الخلوة و تمنع من الوحدة، مسامر مساعد، و محدث مطواع، و نديم صدق.

و قال بعض الحكماء: «الكتب بساتين العلماء» و قال آخر: «ذهبت المكارم إلاّ من الكتب» .

قال الجاحظ: و أنا أحفظ و أقول: «الكتاب نعم الذخر و العقدة، و الجليس و العمدة، و نعم النشرة و نعم النزهة، و نعم المشتغل و الحرفة، و نعم الأنيس ساعة الوحدة، و نعم المعرفة ببلاد الغربة، و نعم القرين و الدخيل و الزميل، و نعم الوزير و النزيل. و الكتاب وعاء ملي‏ء علما، و ظرف حشي ظرفا، و إناء شحن مزاحا، إن شئت كان أعيا من باقل، و إن شئت كان أبلغ من سحبان وائل، و إن شئت سرّتك نوادره، و شجتك مواعظه، و من لك بواعظ مله، و بناسك فاتك، و ناطق اخرس؛ و من لك بطبيب اعرابي، و رومي هندي، و فارسي يوناني، و نديم مولد، و نجيب ممتع؛ و من لك بشي‏ء يجمع الأول و الآخر، و الناقص و الوافر، و الشاهد و الغائب، و الرفيع و الوضيع، و الغص و السمين، و الشكل و خلافه، و الجنس و ضده؛ و بعد فما رأيت بستانا يحمل في ردن، و روضة تنقل في حجر، ينطق عن الموتى و يترجم عن الأحياء، و من لك بمؤنس لا ينام إلاّ بنومك و لا ينطق إلاّ بما تهوى، آمن من الأرض و اكتم للسر من صاحب السر، و أحفظ للوديعة من أرباب الوديعة؛ و لا أعلم جارا آمن، و لا خليطا انصف، و لا رفيقا أطوع، و لا معلما اخضع، و لا صاحبا أظهر كفاية و عناية، و لا أقل املالا و لا ابراما، و لا أبعد من مراء، و لا أترك لشغب، و لا أزهد في جدال، و لا أكف في قتال من كتاب، و لا أعمّ بيانا، و لا أحسن مؤاتاة، و لا اعجل مكافأة، و لا شجرة أطول عمرا، و لا أطيب ثمرا، و لا أقرب مجتنى، و لا أسرع ادراكا، و لا اوجد في كل إبان من كتاب. و لا أعلم نتاجا في حداثة سنه، و قرب ميلاده، و رخص ثمنه و إمكان وجوده، يجمع من السير العجيبة، و العلوم‏

22

الغريبة، و آثار العقول الصحيحة و محمود الأذهان اللطيفة، و من الحكم الرفيعة، و المذاهب القديمة، و التجارب الحكيمة و الأخبار عن القرون الماضية، و البلاد النازحة، و الأمثال السائرة و الأمم البائدة ما يجمعه كتاب.

و من لك بزائر إن شئت كانت زيارته غبا و ورده خمسا، و إن شئت لزمك لزوم ظلك، و كان منك كبعضك. و الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، و الصديق الذي لا يقليك، و الرفيق الذي لا يملّك، و المستمع الذي لا يستزيدك، و الجار الذي لا يستبطئك، و الصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، و لا يعاملك بالمكر، و لا يخدعك بالنفاق.

و الكتاب هو الذي أن نظرت فيه أطال امتاعك، و شحذ طباعك، و بسط لسانك، و جوّد بيانك، و فخم الفاظك و بجّح نفسك، و عمر صدرك، و منحك تعظيم العوام و صداقة الملوك، يطيعك بالليل طاعته بالنهار، و في السفر طاعته في الحضر، و هو المعلم إن افتقرت إليه لا يحقرك، و إن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، و إن عزلت لم يدع طاعتك، و إن هبت ريح اعدائك لم ينقلب عليك، و متى كنت متعلقا منه بأدنى حبل لم تضطرك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، و إن أمثل ما يقطع به الفرّاغ نهارهم و أصحاب الكفايات ساعات ليلهم، نظر في كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد في تجربة، و عقل و مروءة و صون عرض و اصلاح دين، و تثمير مال، و رب صنيعة، و ابتداء انعام. و لو لم يكن من فضله عليك، و إحسانه إليك، إلاّ منعه لك من الجلوس على بابك، و النظر إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم، و من فضول النظر و ملابسة صغار الناس، و من حضور الفاظهم الساقطة، و معانيهم الفاسدة، و اخلاقهم الردية، و جهالتهم المذمومة، لكان في ذلك السلامة و الغنيمة، و احراز الأصل مع استفادة الفرع؛ و لو لم يكن في ذلك إلاّ أنه يشغلك عن سخف المنى، و اعتياد الراحة، و عن اللعب، و كل ما تشتهيه، لقد كان له في ذلك على صاحبه اسبغ النعم، و أعظم المنة (1) .

____________

(1) النص مستل من كتاب الحيوان، ج 1، ص 32-35 مع تغيير طفيف.

23

و جملة الكتاب و إن كثر ورقه، فليس مما يمل لأنه و إن كان كتابا واحدا، فإنه كتب كثيرة في خطابه، و العلم بالشريعة و الأحكام، و المعرفة بالسياسة و التدبير، و قال مصعب بن الزبير: إن الناس يتحدثون بأحسن ما يحفظون، و يحفظون احسن ما يكتبون، و يكتبون احسن ما يسمعون، فإذا اخذت الأدب فخذه من أفواه الرجال، فإنك لا ترى و لا تسمع إلاّ مختارا و لؤلؤا منظوما» .

و قال لقمان لابنه: «يا بني نافس في طلب العلم، فإنه ميراث غير مسلوب، و قرين غير مرغوب، و نفيس حظ من الناس و في الناس مطلوب» .

و قال الزهري: «الأدب ذكر لا يحبه إلاّ الذكور من الرجال و لا يبغضه إلاّ مؤنثهم» . و قال: «إذا سمعت أدبا فاكتبه و لو في حائط» ، و قال منصور بن المهدي للمأمون: «أ يحسن بنا طلب العلم و الأدب» ؟قال: «و اللّه لأن أموت طالبا للأدب خير لي أن أعيش قانعا بالجهل» . قال: «فإلى متى يحسن بي ذلك» ؟قال: «ما حسنت الحياة بك» .

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

مساوئ اللحن في اللغة (1)

و ضده الحديث المرفوع: «رحم اللّه عبدا اصلح من لسانه» . و كان الوليد بن عبد الملك لحنة فدخل عليه اعرابي يوما فقال: «انصفني من ختني يا أمير المؤمنين» ، فقال: «و من ختنك» ؟قال: «رجل من الحي لا أعرف اسمه» ، فقال عمر بن عبد العزيز:

«إن أمير المؤمنين يقول لك من ختنك؟فقال: «هو ذا بالباب» .

فقال الوليد لعمر: «ما هذا» ؟قال: «النحو الذي كنت اخبرتك عنه» ، قال: «لا جرم فإني لا أصلي بالناس حتى اتعلمه» .

قال: و سمع أعرابي مؤذنا يقول: «أشهد أن محمدا رسول اللّه» فقال: «يفعل ما ذا» ؟ قال: و قال رجل لزياد: «أيها الأمير؟إن أبينا ملك، و إن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا» فقال زياد: «ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع من ميراث أبيك، فلا رحم اللّه أباك حيث ترك ابنا مثلك» و قال مولى لزياد: أيها الأمير احذوا لنا همار و هش، فقال: «ما تقول» ؟فقال: «احذوا لنا إيرا» ، فقال زياد: «الأول خير من الثاني» .

قال و اختصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز فجعلا يلحنان: فقال الحجاب:

«قمنا فقد أوذيتما أمير المؤمنين» ، فقال عمر للحاجب: «أنت و اللّه أشد إذى منهما» ؛ قال: و قال بشر المريسي، و كان كثير اللحن: «قضى لكم

____________

(1) هذا الباب مستقى من كتاب الجاحظ: «البيان و التبيين» ، الجزء الثاني، ص 143- 154 (طبعة دار و مكتبة الهلال، بيروت، 1988) .

26

الأمير على أحسن الوجوه و اهنؤها» ، فقال القاسم التمار: هذا على قوله:

إن سليمي و اللّه يكلؤها # ضنّت بشي‏ء ما كان يرزؤها

مكان احتجاج القاسم أطيب من لحن بشر.

قال: و كان زياد النبطي شديد اللكنة، و كان نحويا، فدعا غلامه ثلاثا، فلما أجابه قال: «من لدن دأوتك إلى ديتني ما كنت تصنأ» ، يريد (دعوتك و جئتني و تصنع) ، و مر ماسرجويه الطبيب بمعاذ بن مسلم فقال: يا مسارجويه: «إني لأجد في حلقي بححا. قال: هو من عمل بلغم» . فلما جاوزه قال: تراني لا أحسن أن أقول بلغم و لكنه قال بالعربية، فأجبته بضدها.

27

محاسن المخاطبات‏

حكوا عن ابن القرية (1) ، أنه دخل على عبد الملك بن مروان، فبينا عنده إذ دخل بنو عبد الملك عليه فقال: «من هؤلاء الفتية يا أمير المؤمنين؟» قال: «ولد أمير المؤمنين» ، قال: «بارك اللّه لك فيهم كما بارك لأبيك فيك، و بارك لهم فيك كما بارك لك في أبيك» ، قال: فشحن فاه درا.

قال: و قال عمارة بن حمزة لأبي العباس، و قد أمر له بجوهر نفيس:

« وصلك اللّه يا أمير المؤمنين و برّك، فو اللّه لئن أردنا شكرك على أنعامك ليقصرن شكرنا على نعمتك كما قصر اللّه بنا عن منزلتك» . قيل و دخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي على الرشيد فقال: ما لك؟قال:

سوامي سوام المكثرين تجملا # و مالي كما قد تعلمين قليل

و آمرة بالبخل قلت لها اقصري # فذلك شي‏ء ما إليه سبيل

و كيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى # و رأي أمير المؤمنين جميل

أرى الناس خلاّن الجواد، و لا أرى # بخيلا له في العالمين خليل‏

فقال الرشيد: «هذا و اللّه الشعر الذي صحت معانيه، و قويت أركانه و مبانيه، و لذّ على أفواه القائلين و اسماع السامعين. يا غلام أحمل إليه خمسين ألف درهم» ، قال إسحاق: «يا أمير المؤمنين كيف أقبل صلتك، و قد مدحت شعري بأكثر مما مدحتك به؟» قال الأصمعي: «فعلمت أنه أصيد

____________

(1) هو أيوب بن القرية أحد الخطباء الأبيناء في العصر الأموي. ترجم له الجاحظ في كتاب البيان و التبيين ج 1 ص 282.

28

للدراهم مني» .

قال: و دخل المأمون، ذات يوم الديوان، فنظر إلى غلام جميل، على أذنه قلم، فقال: «من أنت؟» قال: «أنا الناشئ في دولتك، المتقلب في نعمتك، المؤمل لخدمتك، الحسن ابن رجاء» ، فقال المأمون: «بالاحسان في البديهة تتفاضل العقول، يرفع عن مرتبة الديوان إلى مراتب الخاصة، و يعطى مائة ألف درهم تقوية له» .

قال: و وصف يحيى بن خالد (1) الفضل بن سهل، و هو غلام على المجوسية للرشيد، و ذكر أدبه، و حسن معرفته، فعمل على ضمه إلى المأمون، فقال ليحيى يوما: «ادخل إلى هذا الغلام المجوسي، حتى انظر إليه فأوصله» فلما مثل بين يديه و و وقف، تحير، فأراد الكلام فارتج عليه، فأدركته كبوة، فنظر الرشيد إلى يحيى نظرة منكرة لما كان تقدم من تقريظه إياه، فانبعث الفضل بن سهل فقال: يا أمير المؤمنين إن من أبين الدلائل على فراهة (2) الملوك شدة إفراط هيبته لسيده» ، فقال له الرشيد: «أحسنت و اللّه لئن كان سكوتك لتقول هذا أنه لحسن، و لئن كان شيئا ادركك عند انقطاعك، أنه لأحسن و أحسن» ثم جعل لا يسأله عن شي‏ء إلاّ رآه فيه مقدما، فضمه إلى المأمون.

قال: و قال الفضل بن سهل للمأمون، و قد سأله حاجة لبعض أهل بيوتات دهاقين‏ (3) سمرقند كان وعده تعجيل انفاذها فتأخر ذلك: «هب لوعدك مذكرا من نفسك و هني‏ء سائلك حلاوة نعمتك، و اجعل ميلك إلى ذلك في الكرم حثا على اصطفاء شكر الطالبين، تشهد لك القلوب بحقائق الكرم، و الألسن بنهاية الجود» ، فقال: «قد جعلت إليك إجابة سؤالي عني بما ترى فيهم، و آخذك في القصير فيما يلزم لهم من غير استثمار أو معاودة

____________

(1) يحيى بن خالد البرمكي مربي هارون الرشيد ثم وزيره إلى أن نكب البرامكة فغضب عليه و حسبه حتى مات سنة 190 هـ.

(2) فراهة: حذاقة.

(3) دهاقين: جمع دهقان أي تاجر و هي لفظ فارسية معربة.

29

في إخراج الصكاك من أحضر الأموال متناولا» ، قال: «إذن، لا تجدي معرفتي بما يجب لأمير المؤمنين الهناء به بما يديم له منهم حسن الثناء، و يستمد بدعائهم طول البقاء» . و قال الفضل بن سهل للمأمون: «يا أمير المؤمنين أجعل نعمتك صائنة لوجوه خدمك عن إراقة مائها في غضاضة السؤال» ، فقال: «و اللّه لا كان ذلك إلاّ كذلك» .

قال و دخل العتابي على المأمون. فقال: «خبّرت بوفاتك فغمّتني، ثم جاءتني و وفادتك فسرّتني» ، فقال: «يا أمير المؤمنين!كيف أمدحك، أم بما ذا أصفك، و لا دين إلاّ بك، و لا دنيا إلاّ معك؟» ، قال: «سلني ما بدا لك؟» قال: «يداك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة» .

قال: و قدم السعدي أبو و جزة (1) على المهلب بن أبي صفرة، فقال:

«أصلح اللّه الأمير. إني قد قطعت إليك الدهناء، و ضربت إليك آباط الإبل من يثرب» . قال: «فهل أتيتنا بوسيلة أو عشرة أو قرابة؟» ، قال: «لا، و لكني رأيتك لحاجتي أهلا، فإن قمت بها، فأهل ذلك، و إن يحل دونها حائل، لم أذمم يومك، و لم أيأس من غدك» . فقال المهلب: «يعطى ما في بيت المال» . فوجد مائة ألف درهم، فدفعت إليه، فأخذها و قال:

«يا من على الجود صاغ اللّه راحته # فليس يحسن غير البذل و الجود

عمّت عطاياك من بالشّرق قاطبة # فأنت و الجود منحوتان من عود

و قد يجب على العاقل الراغب في الأدب أن يحفظ هذه المخاطبات، و يد من قراءتها، و قد قال الأصمعي:

أما لو أعي كلّ ما أسمع # و أحفظ من ذاك ما أجمع

و لم استفد غير ما قد جمعت # لقيل: أنا العالم المقنع

و لكن نفسي إلى كل شي‏ء # من العلم تسمعه، تنزع،

____________

(1) أبو و جزة السعدي هو الوليد بن عبد السلمي السعدي، سكن المدينة و انقطع إلى آل الزبير و هو شاعر و محدث من التابعين، توفي سنة 130 هـ.

30

فلا أنا أحفظ ما قد جمعت # و لا أنا من جمعه أشبع

و أقعد للجهل في مجلس # و علمي في الكتب مستودع

و من يك في علمه هكذا # يكن دهره القهقرى يرجع

يضيع من المال ما قد جمعت # و علمك في الكتب مستودع

إذا لم تكن حافظا واعيا # فجمعك للكتب ما ينفع‏

و قال بعضهم: «الحفظ مع الإقلال أمكن، و هو مع الإكثار أبعد.

و تغيير الطبائع زمن رطوبة الغصن أقبل» . و فيها قال الشاعر:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا خاليا فتمكّنا

و قيل: «العلم في الصغر كالنقش في الحجر، و العلم في الكبر كالعلامة على المدر.. » فسمع ذلك، الأحنف، فقال: «الكبير أكثر عقلا و لكنه أكثر شغلا» ، كما قال:

و إنّ من أدّبته في الصّبا # كالعود يسقى الماء في غرسه

حتى تراه مورقا ناضرا # بعد الذي أبصرت من يبسه‏

و الصبيّ عن الصبيّ أفهم، و هو له آلف، و إليه أنزع؛ و كذلك العالم عن العالم، و الجاهل عن الجاهل. و قال اللّه تعالى: «و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا» ، لأن الإنسان عن الإنسان أفهم، و طباعه بطباعه آنس.

و ضده، قال: دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب، فقال:

«إني أكلت من لحوم الجوازئ‏ (1) ، و طسئت طسأة (2) ، فأصابني وجع بين الوابلة (3) إلى دأية (4) العنق؛ فلم يزل يربو و ينمو حتى خالط الشراسيف‏ (5) ؛

____________

(1) الجوازئ: جمع جازئة و هي البقرة أو الظبية.

(2) طسئت طسأة: اتخمت تخمة من أكل الدسم.

(3) الوابلة: طرف العضد في الكتف.

(4) دأية: فقرة أو عظم العنق.

(5) الشراسيف: جمع شرسوف و هو طرف الضلع من جهة البطن.

31

فهل عندك دواء؟» قال: «نعم. خذ خوفقا و سربقا و رقرقا، فاغسله و اشربه بماء» . فقال: «لا أدري ما تقول» ، قال: «و لا أنا دريت ما قلت» .

قال: و قال يوما آخر: «إني أجد معمعة في قلبي، و قرقرة في صدري» ، فقال له: «أما المعمعة فلا أعرفها، و أما القرقرة فهي ضراط غير نضيج» .

قال: و أتى رجل الهيثم بن العريان، بغريم له قد مطله حقه، فقال:

«أصلح اللّه الأمير!إنّ لي على هذا حقا قد غلبني عليه» . فقال له الآخر:

«أصلحك اللّه. إن هذا باعني عنجدا (1) ، و استنسأته‏ (2) حولا، و شرطت عليه أن أعطيه مياومة، فهو لا يلقاني في لقم‏ (3) إلاّ اقتضاني ذهبا» . فقال له الهيثم: «أ من بني أمية أنت» ؟قال: لا. قال: «فمن بني هاشم أنت» ؟ قال: لا. قال: «أ فمن أكفائهم من العرب» ؟قال: لا. قال: «و يلي عليك!انزعوا ثيابه» . فلما أرادوا أن ينزعوا ثيابه قال: «أصلحك اللّه، إن إزاري مرعبل» (4) . قال: «دعوه، فلو ترك الغريب في موضع لتركه في هذا الموضع» .

قال: و مرّ أبو علقمة ببعض الطرق، فهاجت به مرّة، فوثب عليه قوم، فجعلوا يعصرون ابهامه، ثم يؤذنون في أذنه. فأفلت من أيديهم، فقال:

«ما بالكم تتكأكئون‏ (5) عليّ تكأكؤكم على ذي جنة؟افرنقعوا (6) عني» .

فقال رجل منهم: «دعوه، فإنّ شيطانه يتكلم بالهندية» .

قال: وقى لحجّام يحجمه: «اشدد قصب الملازم، و أرهف ظبّة المشارط، و خفّف الوضع، و عجل النزع، و ليكن شرطك و خزا، و مصّك نهزا، و لا تكرهنّ أبيا، و لا تردن أتيّا» . فوضع الحجّام محاجمه في جونته، و انصرف.

____________

(1) العنجد: زبيب العنب.

(2) استنسأته حولا: طلبت تأخير الدين عاما.

(3) اللقم: وسط الطريق.

(4) مرعبل: ممزق.

(5) تكأكأ تجمع.

(6) افرنقع: تفرق.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

محاسن المكاتبات‏

قال كعب العبسي لعروة بن الزبير: قد أذنبت ذنبا إلى الوليد بن عبد الملك، و ليس يزيل غضبه شي‏ء؛ فاكتب لي إليه، فكتب إليه: «لو لم يكن لكعب من قديم حرمته ما يغفر له عظيم جريرته، لوجب أن لا تحرمه التفيّؤ بظل عفوك الذي تأمله القلوب، و لا تعلق به الذنوب. و قد استشفع بي إليك، فوثقت له منك بعفو لا يخالطه سخط. فحقّق أمله، و صدق ثقتي بك، تجد الشكر وافيا بالنعمة» .

فكتب إليه الوليد: «قد شكرت رغبته إليك، و عفوت عنه لمعوّله عليك، و له عندي ما يحب، فلا تقطع كتبك عني في أمثاله و في سائر أمورك» .

و كتب عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر إلى بعض اخوانه: «أما بعد، فقد عاقني الشك عن عزيمة الرأي، ابتدأتني بلطف من غير خبرة، ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب. فأطمعني أوّلك في إحسانك، و أيأسني آخرك من وفاتك. فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطراحا، و لا في غد انتظره منك على ثقة. فسبحان من لو شاء كشف إيضاح الرأي فيك، فأقمنا على ائتلاف أو افترقنا على اختلاف» (1) .

قال: و سخط مسلمة بن عبد الملك على العريان بن الهيثم، فعزله عن

____________

(1) عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر من شجعان الطالبين و أجوادهم و شعرائهم طلب الخلافة في أواخر الدولة الأموية بالكوفة و سيطر على بلاد فارس و استفحل أمره و قتل على يد أبي مسلم الخراساني خنقا.

34

شرطة الكوفة، فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه: «إنّ من حفظ انعم اللّه؛ رعاية ذوي الاحسان؛ و من إظهار شكر الموهوب، صفح القادر عن الذنب، و من تمام السؤدد حفظ الودائع، و استتمام الصنائع. و قد كنت أودعت العريان نعمة من انعمك، فسلبتها عجلة سخطك، و أنصفته غضبته، على أن ولّيته ثم عزلته و خليّته، و أنا شفيعه؛ فأحبّ أن تجعل له من قلبك نصيبه، و لا تخرجه من حسن رأيك، فتضيع ما أودعته و تتوى ما أفسدته» . فعفا عنه، و ردّه إلى عمله.

قال: و غضب سليمان بن عبد الملك على ابن عبيد مولاه، فشكا إلى سعيد بن المسيب ذلك، فكتب إليه: «أما بعد، فإن أمير المؤمنين في الموضع الذي يرتفع قدره عما تقتضيه رعيته، و في عفو أمير المؤمنين سعة للمسيئين» ، فرضي عنه.

قال: و طلب العتابي‏ (2) من رجل حاجة، فقضى له بعضها، و مطله ببعض. فكتب إليه: «أما بعد، فقد تركتني منتظرا لوعدك، منتجزا لرفدك. و صاحب الحاجة محتاج إلى نعم هنيئة. أو لا، مريحة؛ و العذر الجميل أحسن من المطل الطويل. و قد قلت بيتي شعر:

بسطت لساني ثم أوثقت نصفه # فنصف لساني بامتداحك مطلق

فإن أنت لم تنجز عداتي تركتني # و باقي لسان الشّكر بالناس موثق»

قال: و كتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون في رجل من بين ضبّة، يستشفع له بالزيادة في منزلته، و جعل كتابه تعريضا: «أما بعد، فقد استشفع بي فلان، يا أمير المؤمنين، لتطولك عليّ، في إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون به؛ و اعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، و في ابتدائه بذلك تعدّي طاعته. و السلام» . فكتب إليه

____________

(2) العتابي، كلثوم بن عمرو بن أيوب التغلبي، كاتب شاعر شامي الأصل سكن بغداد و مدح الرشيد و اتصل بالبرامكة و حظي عندهم و اتهم بالزندقة. من كتبه: فنون الحكم، الألفاظ، توفي سنة 220 هـ.

35

المأمون: «قد عرفنا تصريحك له، و تعريضك لنفسك، و اجبناك إليهما، و وقفناك عليهما» .

قال: و كتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون كتابا يستعطفه على الجند:

«كتابي إلى أمير المؤمنين، و من قبلي من أجناده و قواده في الطاعة و الانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، و اختلّت احوالهم» فقال المأمون: «و اللّه لأقضينّ حق هذا الكلام» ، و أمر بإعطائهم لثمانية أشهر.

قال: و قدم رجل من أبناء دهاقين قريش على المأمون لعدة سلفت منه، فطال على الرجل انتظار خروج أمر المأمون، فقال لعمرو بن مسعدة:

«توسّل في رقعة مني إلى أمير المؤمنين تكون أنت الذي تكتبها، تكن لك عليّ نعمتان» . فكتب: «إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر عبده من ربقة المطل بقضاء حاجته، و يأذن له في الانصراف إلى بلده، فعل إن شاء اللّه» . فلما قرأ المأمون الرقعة، دعا عمرا، فجعل يعجبه من حقن لفظها، و ايجاز المراد، فقال عمرو: «فما نتيجتها يا أمير المؤمنين» ؟قال:

«الكتاب له في هذا الوقت بما وعدناه، لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه، و بجائزة مائة ألف درهم، صلة عن دناءة المطل و سماجة الأغفال» ، ففعل ذلك له.

و حدثنا إسماعيل بن أبي شاكر، قال: لما أصاب أهل مكة السيل الذي شارف الحجر، و مات تحته خلق كثير، كتب عبيد اللّه بن الحسن العلوي، و هو والي الحرمين إلى المأمون: «إن أهل حرم اللّه، و جيران بيته، و آلاف مسجده و عمرة بلاده، قد استجاروا بعزّ معروفك من سيل تراكمت أخرياته في هدم البنيان، و قتل الرجال و النسوان، و اجتياح الأصول، و جرف الأبقال، حتى ما ترك طارفا و لا تالدا للراجع إليهما في مطعم، و لا ملبس. فقد شغلهم طلب الغذاء عن الاستراحة إلى البكاء على الأمهات و الأولاد و الآباء و الأجداد، فأجرهم يا أمير المؤمنين بعطفك عليهم، و احسانك إليهم تجد اللّه مكافئك عنهم، و مثيبك عز الشكر منهم» .

36

قال: فوجه إليهم المأمون بالأموال الكثيرة، و كتب إلى عبيد اللّه: أما بعد فقد وصلت شكيتك لأهل حرم اللّه أمير المؤمنين فباكاهم بقلب رحمته و انجدهم بسبب نعمته و هو متبع ما أسلف إليهم بما يخلفه عليهم عاجلا و آجلا، إن أذن اللّه في تثبيت عزمه على صحة نيته؛ قال: فصار كتابه هذا آنس لأهل مكة من الأموال التي أنفذها إليهم.

قال: و كتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من العمل: «شكري لك على ما أريد الخروج منه شكر من سأل الدخول فيه» ، قال و كتب علي بن هشام إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي: «ما أدري كيف أصنع؟أغيب فأشتاق، و ألتقي و لا اشتفي، ثم يحدث لي اللقاء الذي طلبت منه الشفاء، نوعا من الحرقة للوعة الفرقة» . قال: و كتب معقل إلى أبي دلف: «فلان جميل الحال عند الكرام، فإن أنت لم ترتبطه بفضلك عليه، فعل غيرك» . و كتب أبو هاشم الحربي إلى بعض الأمراء: «غرضي من الأمير معوز، و الصبر على الحرمان معجز» . و كتب آخر إلى صديق له:

«أما بعد، فقد أصبح لنا من فضل اللّه ما لا نحصيه، مع كثرة ما نعصيه، و ما ندري ما نشكر: أجمل ما نشر، أم كثير ما ستر، أم عظيم ما أبلى، أم كثير ما عفا؟غير أنه يلزمنا في كل الأمور شكره، و يجب علينا حمده فاستزد اللّه في حسن بلائه، كشكرك على حسن آلائه» .

و ضدّه، قال الجاحظ: كتب ابن المراكبي إلى بعض ملوك بغداد:

«جعلت فداك، برحمته» . قال: و قرأت على عنوان كتاب لأبي الحسن الشمري: «للموت لنا قبلة» ، و قرأت أيضا على عنوان كتاب: «إلى الذي كتب إليّ» .

37

محاسن الجواب‏

قال: دخل رجل على كسرى أبرويز، فشكا إليه عاملا على ضيعة له، فقال له كسرى: «منذ كم هي في يدك؟» قال: «منذ أربعين سنة» ، قال: «فأنت تأكلها أربعين سنة ما عليك أن يأكل عاملي منها سنة واحدة؟» فقال: «و ما كان على الملك أن يأكل بهرام جور الملك سنة واحدة؟» فقال: «ادفعوا في قفاه فأخرجوه» ، فلما خرج أمكنته التفاتة، فقال:

«دخلت بمظلمة و خرجت بثنتين» . فقال كسرى: «ردوه» ، و أمر برد ضيعته، و صيرة في خاصته.

و يقال: أن سعيد بن مرة الكندي، حين أتى معاوية قال له: «أنت سعيد» ، قال: «أمير المؤمنين سعيد، و أنا ابن مرة» .

قال: و دخل السيد بن أنس الأزدي على المأمون، فقال: «أنت السيد» ؟فقال: «أنت السيد يا أمير المؤمنين، و أنا ابن أنس» . قال: و قيل للعباس بن عبد المطلب: «أنت أكبر أم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم» ؟قال: «هو عليه الصلاة و السلام أكبر مني، و أنا ولدت قبله» . قال: و قال الحجاج للمهلب:

«أنا أطول أم أنت» ؟قال: «الأمير أطول و أنا ابسط قامة منه» . قيل:

و وقف المهدي على امرأة من بني ثعل فقال لها: «ممن العجوز» ؟قالت:

«من طي‏ء» قال: «ما منع طيئا أن يكون فيها آخر مثل حاتم» . قالت:

«الذي منع العرب أن يكون فيها آخر مثلك» ، و أعجب بقولها و وصلها.

قيل: و لما استوثق أمر العراق لعبد اللّه بن الزبير، وجه مصعب إليه و فدا، فلما قدموا عليه، قال لهم: « وددت أن لي بكل خمسة منكم رجلا

38

من اهل الشام» ، فقال رجل من أهل العراق: «يا أمير المؤمنين علقناك، و علقت بأهل الشام و علق أهل الشام بآل مروان، فما أعرف لنا مثلا إلاّ قول الأعشى

علّقتها عرضا و علّقت رجلا # غيري و علّق أخرى غيرها الرّجل‏

فما وجدنا جوابا أحسن من هذا. قال: و قال مسلمة بن عبد الملك:

«ما شي‏ء يؤتى العبد بعد الإيمان باللّه تعالى، أحبّ إليّ من جواب حاضر، فإنّ الجواب إذا انعقب لم يكن شيئا» .

و ضده، قال: اجتمع عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الزبرقان بن بدر (1) و عمرو بن الأهتم‏ (2) ، فذكر عمرو الزبرقان قال: «بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، أنه أ طعام جواد الكف، مطاع في أدانيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره» . فقال الزبرقان: «بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه أنه ليعرف مني أكثر من هذا، و لكنه يحسدني» . فقال عمرو: «و اللّه يا نبي اللّه، إن هذا لزمر المروءة، ضيق العطن، لئيم العم، أحمق الخال» ، فرأى الكراهية في وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لما اختلف قوله، فقال: «يا رسول اللّه ما كذبت في الأولى، و لقد صدقت في الأخرى، و لكني رضيت فقلت احسن ما علمت، و سخطت فقلت أسوأ ما أعلم» . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: (إن من البيان لسحرا، و إن من الشعر لحكما) .

و ذكروا أن الوليد بن عقبة قال لعقيل بن أبي طالب: «غلبك على الثروة و العدد» . قال: «و سبقني و إياك إلى الجنة» . قال الوليد: «أما و اللّه إن شدقيك لمتضمخان من دم عثمان» . قال عقيل: «ما لك و لقريش؟و إنما أنت فيهم كمنيح الميسر» . فقال الوليد: «و اللّه إني لأرى لو أن أهل الأرض

____________

(1) الزبرقان بن بدر التيمي السعدي، صحابي من زعماء قومه. ولاه الرسول جمع صدقات قومه، و توفي أيام معاوية و كان فصيحا شاعرا، توفي سنة 45 هـ.

(2) عمرو بن الأهتم المنقري، أحد السادات الشعراء الخطباء في الجاهلية و الإسلام نجدي وفد على النبي و أسلم، سمع النبي إسلامه فقال معجبا: إن من البيان لسحرا.

39

اشتركوا في قتله لوردوا صعودا» ، فقال له عقيل: «كلا، أ ما ترغب عن صحبة أبيك» ؟.

قال: و قال رجل من قريش لخالد بن صفوان: «ما اسمك» ؟قال:

«خال بن صفوان ابن الأهتم» ، قال: «إن اسمك لكذب ما أنت بخالد، و إن اباك لصفوان و هو حجر، و إن جدك لأهتم و الصحيح خير من الأهتم» ، قال له خالد: «من أي قريش أنت» ؟قال: «من عبد الدار بن قضي بن كلاب» ، قال: «لقد هشمتك هاشم، و أمتك أمية، و جمحت بك جمح، و خزمتك مخزوم، و أقصتك قصيّ، فجعلتك عبد دارها، تفتح إذا دخلوا، و تغلق إذا خرجوا» .

قيل: و مر الفرزدق فرأى خليفة الشاعر فقال له: يا أبا فراس من القائل:

هو القين و ابن القين لا قين مثله # لفطح المساحي، أو لجدل الأداهم‏

قال الفرزدق: الذي يقول:

هو اللّص و ابن اللّصّ لا لصّ مثله # لنقب جدار أو لطرّ الدّراهم‏

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

محاسن حفظ اللسان‏

قال أكثم بن صيفي‏ (1) : «مقتل الرجل بين فكيه-يعني لسانه-» و قال:

«رب قول أشد من صول» ، و قال: «لكل ساقطة لا قطة» . و قال المهلب لبنيه: «اتقوا زلة اللسان فإني وجدت الرجل تعثّر قدمه فيقوم من عثرته، و يزل لسانه فيكون فيه هلاكه» . قال يونس بن عبيد (2) : «ليست خلة من خلال الخير تكون في الرجل هي احرى أن تكون جامعة لأنواع الخير كلها من حفظ اللسان» . و قال قسامة بن زهير: «يا معشر الناس، إن كلامكم أكثر من صمتكم، فاستعينوا على الكلام بالصمت، و على الصواب بالفكر» . و كان يقال: «ينبغي للعاقل أن يحفظ لسانه كما يحفظ موضع قدمه، و من لم يحفظ لسانه فقد سلطه على هلاكه» . و قال الشاعر:

عليك حفظ اللّسان مجتهدا # فإنّ جلّ الهلاك في زلله‏

و قال غيره:

و جرح السّيف تأسوه فيبرأ # و جرح الدّهر ما جرح اللّسان

جراحات الطّعان لها التئام # و لا يلتام ما جرح اللّسان‏

____________

(1) أكثم بن صيفي التميمي، حكم العرب في الجاهلية، أدرك الإسلام و قصد المدينة ليسلم فمات في الطريق و فيه نزلت الآية: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهََاجِراً إِلَى اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللََّهِ ، توفي سنة 9 هـ.

(2) يونس بن عبيد بن دينار العيدي بالولاء، بصري من حفاظ الحديث الثقات و من أصحاب الحسن البصري، توفي سنة 139 هـ.

42

و قال غيره:

احفظ لسانك لا تقول فتبتلي # إنّ البلاء موكّل بالمنطق‏

و قال غيره:

لعمرك ما شي‏ء علمت مكانه # أحقّ بسجن من لسان مذلّل

على فيك ممّا ليس يعنيك قوله # بقفل شديد حيث ما كنت فاقفل‏

قيل: تكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات كأنما رميت عن قوس واحد: قال كسرى: «أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت» ، و قال ملك الهند: «إذا تكلمت بكلمة ملكتني، و إن كنت أملكها» ؛ و قال قيصر: «لا أندم على ما لم أقل، و قد ندمت على ما قلت» ، و قال ملك الصين: «عاقبة ما قد جرى به القول أشد من الندم على ترك القول» .

و قال بعضهم: «من حصافة الإنسان أن يكون الاستماع أحب إليه من النطق، إذا وجد من يكفيه، فإنه لن يعدم الصمت. و الاستماع سلامة، و زيادة في العلم» ، و قال بعض الحكماء: «من قدر على أن يقول فيحسن، فإنه قادر على أن يصمت فيحسن» . و قال بعضهم: كان ابن عبيدة الريحاني المتكلم الفصيح صاحب التصانيف يقول: «الصمت أمان من تحريف اللفظ، و عصمة من زيغ المنطق، و سلامة من فضول القول» . و قال أبو عبيد اللّه كاتب المهدي: «كن على التماس الحظ بالسكوت احرص منك على التماسه بالكلام» . و كان يقال: «من سكت فسلم كان كمن قال فغنم» .

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه تعالى يكره الانبعاق في الكلام. و يرحم اللّه امرأ اوجز في كلامه، و اقتصر على حاجته» . قيل: و كلم رجل سقراط (1)

عند قتله بكلام أطاله، فقال: «انساني أول كلامك طول عهده، و فارق آخره فهمي لتفاوته» . و لما قدم ليقتل بكت امرأته فقال لها: «ما يبكيك» ؟

____________

(1) سقراط (469-399 قم) فيلسوف يوناني ولد في أثينا و علم فيها الحكمة اتهم بالالحاد و حكم عليه بالأعدام. أهتم بالاخلاق و الإنسان دون الطبيعيات و الرياضيات.

43

قالت: «تقتل ظلما» قال: «و كنت تحبين أن أقتل حقا أو اقتل ظلما» .

و شتم رجل المهلب، فلم يجبه فقيل له: «حلمت عنه» ، فقال: «ما اعرف مساويه، و كرهت أن أبهته بما ليس فيه» . و قال سلمة بن القاسم عن الزبير قال: حملت إلى المتوكل و أدخلت عليه فقال: «يا أبا عبد اللّه ألزم أبا عبد اللّه-يعني المعتز-حتى تعلمه من فقه المدنيين» ، فأدخلت حجرة، فإذا أنا بالمعتز قد أتى، في رجله نعل من ذهب، و قد عثر به، فسال دمه، فجعل يغسل الدم، و يقول:

يصاب الفتى من عثرة بلسانه # و ليس يصاب المرء من عثرة الرّجل

فعثرته من فيه ترمي برأسه # و عثرته بالرّجل تبرأ على مهل‏

فقلت في نفسي: «ضممت إلى من أريد أن أتعلم منه» .

و ضده، سئل بعض الحكماء عن المنطق فقال: «إنك تمدح الصمت بالمنطق و لا تمدح المنطق بالصمت، و ما عبر به عن شي‏ء فهو أفضل منه» .

و سئل آخر عنهما فقال: «اخزى اللّه المساكتة ما أفسدها للسان، و أجلبها للعي، و و اللّه للمهاراة في استخراج حق أهدم للعي من النار في يابس العرفج» . فقيل له: «قد عرفت ما في المماراة من الذم» . فقال: «ما فيها أقل ضررا من السكتة التي تورث عللا، و تولد داء أيسره العي» . و قال بعض الحكماء: «اللسان عضو فإن مرنته مرن، و إن تركته حرن، و ممن أفرط في قوله فاستقيل بالحلم، ما حكي عن شهرام المروزي، فإنه جرى بينه و بين أبي مسلم‏ (1) صاحب الدولة كلام، فما زال أبو مسلم يحاوره إلى أن قال له شهرام: «يا لقطة» -فصمت أبو مسلم، و ندم شهرام على ما سبق به لسانه، و أقبل معتذرا خاضعا و متنصلا؛ فلما رأى ذلك أبو مسلم، قال:

____________

(1) أبو مسلم الخراساني أحد قادة الثورة العباسية. وجهه إبراهيم الإمام إلى خراسان سنة 746 م أشعل فيها الثورة ضد الأمويين و استولى عليها و على سائر بلاد فارس و لما وصل إلى الكوفة بايع أبا العباس السفاح بالخلافة سنة 749 هـ. و لما خلف المنصور خاف نفوذه فاستدرجه إلى المدائن و قتله سنة 754 م.

44

«لسان سبق، و وهم أخطأ؛ و إنما الغضب شيطان، و الذنب لي، لأني جرأتك على نفسي بطول احتمالي منك، فإن كنت معتمدا للذنب فقد شركتك فيه، و إن كنت مغلوبا فالعذر يسعك، و قد غفرنا لك على كل حال» . قال شهرام: «أيها الملك عفو مثلك لا يكون غرورا» قال:

«أجل» ، قال: «و إن عظيم ذنبي لن يدع قلبي يسكن» ، و لج في الاعتذار، فقال أبو مسلم: «يا عجبا كنت تسي‏ء و أنا احسن، فإذا أحسنت أسأت» .

45

محاسن كتمان السر

قال: كان المنصور يقول: «الملك يحتمل كل شي‏ء من أصحابه إلاّ ثلاثا: إفشاء السر، و التعرض للحرم، و القدح في الملك» . و كان يقول:

«سرك من دمك فانظر من تملّكه» . و كان يقول: «سرك لا تطلع عليه غيرك، و إن من أنفذ البصائر كتمان السر حتى يبرم المبروم» . و قيل لأبي مسلم: «بأي شي‏ء أدركت هذا الأمر» ؟قال: «ارتديت بالكتمان، و اتزرت بالحزم، و حالفت الصبر، و ساعدت المقادير، فأدركت طلبتي، و حزت بغيتي؛ و أنشد في ذلك:

أدركت بالحزم و الكتمان ما عجزت # عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا

ما زلت أسعى عليهم في ديارهم # و القوم في ملكهم بالشّام قد رقدوا

حتّى ضربتهم بالسّيف فانتبهوا # من نومة لم ينمها قبلهم أحد

و من رعى غنما في أرض مسبعة # و نام عنها تولّى رعيها الأسد

قال: وقى عبد الملك بن مروان للشعبي، لما دخل عليه: «جنبني خصالا أربعا: لا تطريني في وجهي، و لا تجرّين عليّ كذبة، و لا تغتابنّ عندي احدا، و لا تفشينّ لي سرا» ، و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: (استعينوا على إنجاح حوائجكم بكتمان السر فإن كل ذي نعمة محسود) . و أنشد اليزيدي في ذلك:

النّجم أقرب من سرّ إذا اشتملت # مني على السّرّ أضلاع و أحشاء

و قال غيره:

46

و نفسك فاحفظها و لا تفش للعدى # من السّرّ ما يطوي عليه ضميرها

فما يحفظ المكتوم من سرّ أهله # إذا عقد الأسرار ضاع كثيرها

من القوم إلاّ ذو عفاف يعينه # على ذاك منه صدق نفس و خيرها

قال معاوية بن أبي سفيان: «أعنت على علي بن أبي طالب بأربع خصال: كان رجلا ظهرة (1) علنة لا يكتم سرا، و كنت كتوما لسري، و كان لا يسعى حتى يفاجئه الأمر مفاجأة، و كنت أبادر إلى ذلك، و كان في أخبث جند و أشدهم خلافا، و كنت في أطوع جند و أقلهم خلافا، و كنت أحب إلى قريش منه، فنلت ما شئت فلله من جامع إليّ، و مفرق عنه» . و كان يقال: «لكاتم سره من كتمانه إحدى فضيلتين: الظفر بحاجته و السلامة من شره، فمن أحسن فليحمد اللّه و له المنة عليه، و من اساء فليستغفر اللّه» . و قال بعضهم: «كتمانك سرك يعقبك السلامة، و إفشاؤك سرك يعقبك الندامة، و الصبر على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه» . و قال بعضهم: «ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده من اللصوص فيخفيه، و يمكن عدوه من نفسه بإظهاره ما في قلبه من سر نفسه و سر أخيه؛ و من عجز عن تقويم أمره فلا يلومنّ إلاّ نفسه إن لم يستقم له» .

و قال معاوية: «ما أفشيت سري إلى أحد إلا أعقبني طول الندم، و شدة الأسف، و لا أودعته جوانح صدري فحكمته بين أضلاعي، إلاّ أكسبني مجدا و ذكرا، و سناء و رفعة» . فقيل: «و لا ابن العاص» . قال: «و لا ابن العاص» . و كان يقول: «ما كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك» .

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «من كتم سره كانت الخيرة في يده، و من عرض نفسه للتهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن؛ وضع أمر اخيك على أحسنه، و لا تظنّ بكلمة خرجت منه سواء ما كنت واجدا لها في الخير مذهبا، و ما كفأت من عصى اللّه فيك بأفضل من أن تطيع اللّه جل اسمه فيه، و عليك بإخوان الصدق فإنهم زينة عند الرخاء، و عصمة عند البلاء» .

____________

(1) ظهرة: يظهر ما يضمر.

47

و حدث إبراهيم بن عيسى قال: ذاكرت المنصور، ذات يوم، في أبي مسلم، و صونه السر، و كتمه حتى فعل ما فعل، فأنشد:

تقسّمني أمران لم أفتتحهما # بحزم و لم تعركهما لي الكراكر

و ما ساور الأحشاء مثل دفينة # من الهمّ ردّتها إليك المعاذر

و قد علمت أفناء عدنان أنّني # على مثلها مقدامة متجاسر

و قال آخر:

صن السّرّ بالكتمان يرضك غبّه # فقد يظهر السّرّ المضيع فيندم

و لا تفشين سرّا إلى غير أهله # فيظهر خرق الشّرّ من حيث يكتم

و ما زلت في الكتمان حتّى كأنّني # برجع جواب السّائلي عنه أعجم

لنسلم من قول الوشاة و تسلمي # سلمت و هل حيّ على الدّهر يسلم‏

و قال آخر:

أ منّي تخاف انتشار الحديث # و حظّي في ستره أوفر

و لو لم أصنه لبقيا عليك # نظرت لنفسي كما تنظر

و قال أبو نواس:

لا تفش اسرارك للنّاس # و داو أحزانك بالكاس

فإنّ إبليس على ما به # أرأف بالنّاس من النّاس‏

و قال المبرد (1) : أحسن ما سمعت في حفظ اللسان و السر ما روي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه:

لعمرك إنّ و شاة الرّجا # ل لا يتركون أديما صحيحا

فلا تبد سرّك إلاّ إليك # فإن لكلّ نصيح نصيحا

____________

(1) المبرد هو محمد بن يزيد الأزدي. عالم في اللغة و الأدب و الأخبار. ولد في البصرة و رحل إلى بغداد و توفي سنة 286 هـ. اهم كتبه الكامل.

48

و قال العتبي:

و لي صاحب سرّي المكتّم عنده # محاريق نيران بليل تحرّق

غدوت على أسراره فكسوتها # ثيابا من الكتمان ما تتخرّق

فمن كانت الأسرار تطفو بصدره # فأسرار صدري بالأحاديث تغرق

فلا تودعنّ الدّهر سرّك أحمقا # فإنّك إن أودعته منه أحمق

و حسبك في ستر الأحاديث واعظا # من القول ما قال الأديب الموفق

إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه # فصدر الذي يستودع السّرّ أضيق‏

و قال آخر:

لا يكتم السّرّ إلاّ كلّ ذي خطر # فالسّرّ عند كرام الناس مكتوم

و السّرّ عندي في بيت له غلق # قد ضاع مفتاحه و الباب مردوم‏

قيل: دخل أبو العتاهية (1) على المهدي، و قد ذاع شعره في عتبة، فقال: «ما أحسنت في حبك، و لا أجملت في إذاعة سرك» ، فقال:

من كان يزعم أن سيكتم حبّه # أو يستطيع السّتر فهو كذوب

الحبّ أغلب للرّجال بقهره # من أن يرى للسّرّ فيه نصيب

و إذا بدا سرّ اللّبيب فإنّه # لم يبد إلاّ و الفتى مغلوب

إنّي لأحسد ذا هوى مستحفظا # لم تتّهمه أعين و قلوب‏

فاستحسن المهدي شعره و قال: «قد عذرناك على إذاعة سرك، و وصلناك على حسن عذرك، إن كتمان السر أحسن من إذاعته» . و قال زياد: «لكل مستشير ثقة، و إن الناس قد ابتدعت بهم خصلتان: إذاعة السر، و ترك النصيحة، و ليس للسر موضع إلاّ احد رجلين: إما أخروي يرجو

____________

(1) أبو العتاهية: إسماعيل بن القاسم، ولد في الكوفة، و سكن في بغداد، و اتصل بالخلفاء العباسيين و مدحهم و حظي عندهم. و هو شاعر مكثر مطبوع فياض القريحة سهل اللفظ واضح المعاني، أكثر شعره في الزهديات. عاش بين سنتي 130- 211 هـ.

49

ثواب اللّه، أو دنيوي له شرف في نفسه، و عقل بصون به حسبه، و هما معدومان في هذا الدهر» . و قال المهلب: «ما ضاقت صدور الرجال عن شي‏ء كما تضيق عن السر» ، كما قال الشاعر:

و لربّما كتم الوقور فصرّحت # حركاته لناس عن كتمانه

و لربما رزق الفتى بسكوته # و لربّما حرم الفتى ببيانه‏

و قال آخر:

إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّها # فسرّك عند الناس أفشى و أضيع‏

و قال آخر:

لساني كتوم لأسراركم # و دمعي نموم لسرّي مذيع‏

فلولا الدّموع كتمت الهوى # و لو لا الهوى لم تكن لي دموع‏

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

محاسن المشورة

يقال: «إذا استخار الرجل ربه، و استشار نصيحه و اجتهد، فقد قضى ما عليه، و يقضي اللّه في أمره ما يحبّ» . و قال آخر: «حسن المشورة من المشير قضاء حق النعمة» . و قيل: «إذا استشرت فانصح، و إذا قدرت فاصفح» . و قيل: «من وعظ أخاه سرا زانه و من وعظه جهرا شانه» . و قال آخر: «الاعتصام بالمشورة نجاة» . و قال آخر: «نصف عقلك مع أخيك، فاستشره» . و قال آخر: «إذا أراد اللّه لعبد هلاكا أهلكه برأيه» . و قال آخر:

«المشورة تقوم اعوجاج الرأي» . و قال: «إياك و مشورة النساء، فإن رأيهن إلى أفن، و عزمهن إلى وهن » .

و ضده: قال بعض أهل العلم: «لو لم يكن في المشورة إلاّ استضعاف صاحبك لك و ظهور فقرك إليه، لوجب اطراح ما تفيده المشورة، و القاء ما يكسبه الامتنان؛ و ما استشرت احدا إلاّ كنت عند نفسي ضعيفا، و كان عندي قويا، و تصاغرت له و دخلته العزة، فإياك و المشورة و إن ضاقت بك المذاهب، و اختلفت عليك المسالك، و أدّاك الاستبهام إلى الخطأ الفادح، فإن صاحبها أبدا مستذل مستضعف، و عليك بالاستبداد فإن صاحبه ابدا جليل في العيون، مهيب في الصدور، و لن تزال كذلك ما استغنيت عن ذوي العقول، فإذا افتقرت إليها حقرتك العيون، و رجفت بك اركانك، و تضعضع بنيانك، و فسد تدبيرك، و استحقرك الصغير، و استخف بك الكبير، و عرفت بالحجة إليهم» .

و قيل: «نعم المستشار العلم، و نعم الوزير العقل» . و ممن اقتصر

52

على رأيه دون المشورة، الشعبي، فإنه خرج مع ابن الأشعث، فقدم به على الحجاج؛ فلقيه يزيد بن أبي مسلم، كاتب الحجاج، فقال له: «أشر عليّ» فقال: «لا أدري بما أشير، و لكن اعتذر بما قدرت عليه» . و أشار بذلك عليه كافة أصحابه، قال الشعبي: فلما دخلت خالفت مشورتهم، و رأيت و اللّه غير الذي قالوا، فسلمت عليه بالأمرة، ثم قلت: «أيد اللّه الأمير، إن الناس قد أمروني أن اعتذر بغير ما يعلم اللّه أنه الحق، و لك اللّه أن لا أقول في مقامي هذا إلاّ الحق، قد جهدنا و حرضنا، فما كنا بالأقوياء الفجرة، و لا الأتقياء البررة، و لقد نصرك اللّه علينا، و أظفرك بنا فإن سطوت فبذنوبنا، و إن عفوت فبحلمك، و الحجة لك علينا» . فقال الحجاج: «أنت و اللّه أحب إلينا قولا ممن يدخل علينا و سيفه يقطر من دمائنا و يقول: و اللّه ما فعلت و لا شهدت، أنت آمن يا شعبي» . فقلت: «أيها الأمير اكتحلت و اللّه بعدك، السهر، و استجلست الخوف، و قطعت صالح الأخوان، و لم أجد من الأمير خلفا» . قال: «صدقت» ، و انصرفت.

53

محاسن الشكر

قال بعض الحكماء: «صن شكرك عمن لا يستحقه، و استر ماء وجهك بالقناعة» . و قال الفضل بن سهل: «من احب الازدياد من النعم فليشكر، و من أحب المنزلة فليكف، و من أحب بقاء عزه فليسقط دالته و مكره» . و من ذلك قول رجل لرجل شكره في معروف:

لقد ثبتت في القلب منك مودة # كما ثبتت في الرّاحتين الأصابع‏

قال: و اصطنع رجل رجلا فسأله يوما: «أ تحبني يا فلان» قال: «نعم احبك حبا لو كان فوقك لأظللك، أو كان تحتك لأقللك» . و قال كسرى أنوشروان: «المنعم أفضل من الشاكر، لأنه جعل له السبيل إلى الشكر» .

و اختصر حبيب بن أوس هذا في مصراع واحد فقال:

لهان علينا أن نقول و تفعلا

قال الباهلي عن أبي فروة: مكتوب في التوراة: «اشكر من أنعم عليك، و أنعم على من شكرك فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت، و لا إقامة لها إذا كفرت. و الشكر زيادة في النعم، و أمان من الغير» . و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «خمس تعاجل صاحبهن بالعقوبة: (البغي، و الغدر، و عقوق الوالدين، و قطيعة الرحم، و معروف لا يشكر) ، و أنشد الحطيئة عمر، و كعب الأحبار (1) عنده:

____________

(1) كعب الأحبار: هو كعب بن مانع الحميري، كان يهوديا فأسلم، و اشتهر بالقصص و مات في حمص سنة 23 هـ.

54

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه # لا يذهب العرف بين اللّه و النّاس‏

فقال كعب: «يا أمير المؤمنين من هذا الذي قال هذا؟هو مكتوب في التوراة» ؟فقال عمر: «كيف ذلك» ؟قال في التوراة مكتوب: «من يصنع الخير لا يضيع عندي لا يذهب العرف بيني و بين عبدي» .

و قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أ ليس قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، فما هذا الاجتهاد» ؟فقال: «أ فلا أكون عبدا شكورا» . و في الحديث «إن رجلا قال في الصلاة خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «اللهم ربنا لك الحمد حمدا مباركا طيبا زكيا» ، فلما انصرف صلى اللّه عليه و سلم، قال: «أيكم صاحب الكلمة» ؟قال أحدهم: «أنا يا رسول اللّه» . فقال: «لقد رأيت سبعة و ثلاثين ملكا يتبدرون أيهم يكتبها أولا» و قيل: «نسيان النعمة أول درجات الكفر» . و قال أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه: «المعروف يكفر من كفره لأنه يشكرك عليه اشكر الشاكرين» ، و قد قيل في ذلك:

يد المعروف غنم حيث كانت # تحمّلها كفور أم شكور

فعند الشّاكرين لها جزاء # و عند اللّه ما كفر الكفور

و قال بعض الحكماء: «ما أنعم اللّه على عبد نعمة فشكر عليها إلاّ ترك حسابه عليها» . و قال بعض الحكماء: «عند التراخي عن شكر النعم تحل عظائم النقم» . و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كثيرا ما يقول لعائشة ما فعل بيتك فتنشده:

يجزيك أو يثنى عليك و إنّ من # أثنى عليك بما فعلت كمن جزى‏

فيقول صلى اللّه عليه و سلم: «صدق القائل، يا عائشة، إن اللّه إذا أجرى على يد رجل خيرا فلم يشركه، فليس للّه بشاكر» . و قيل لذي الرمة: «لم خصصت بلال بن أبي بردة بمدحك» ؟قال: «لأنه وطأ مضجعي، و أكرم مجلسي، و احسن صلتي، فحق لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري» . و منهم من يقدم ترك مطالبة الشكر و ينسبه إلى مكارم الأخلاق، من ذلك ما قال بزرجمهر: «من انتظر بمعروفه شكرك عاجل المكافأة» ، و قال بعض‏