شرح حكم نهج البلاغة

- الشيخ عباس القمي المزيد...
311 /
1

فهرس الكتاب‏

شرح حكم نهج البلاغة 27

حرف الألف 27

حرف الباء 81

حرف التاء 85

حرف الثاء 89

حرف الجيم 91

حرف الحاء 93

حرف الخاء 97

حرف الدال 101

حرف الراء 107

حرف الزاى 117

حرف السين 119

حرف الشين 123

حرف الصاد 125

حرف الضّاد 129

2

حرف الطّاء 131

حرف الظّاء 133

حرف العين 135

حرف الغين 149

حرف الفاء 153

حرف القاف 159

حرف الكاف 167

حرف اللام 177

حرف الميم 205

حرف النّون 253

حرف الواو 257

حرف الهاء 261

حرف الياء 263

الفهارس العامّة 273غ

3

«بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ»

كلمة المؤسّسة

انّ نهج البلاغة الّذي هو من أعلى المصادر الاسلامية شأنا في الثقافة الاسلامية فيجب أن تتوفّر عند الباحث تلك المقدرة العلمية حتى يستطيع دراسة كلّ أبعاده و زواياه و سبر أغوار كلام الامام عليه السلام و من ثمّ يستنير به في فلسفته الالهية و الايدئولوجية الاسلامية و يهتدي الى صراط للحياة السعيدة.

و هذه مهمّة تفوق طاقة انسان واحد، فيجب أن يكرّس رهط من العلماء جهودهم في سبيل هذا المنشور.

و ممّا منّ اللّه علينا تأسيس مؤسسة نهج البلاغة في عام (1355 هـ. ق) و اجتمع فيها اخوة مخلصون و بدأوا العمل لتحقيق الأهداف التّالية:

1-تصنيف المعارف العلوية السامية الّتي يحتوي عليها نهج البلاغة.

4

2-إعداد البطاقات عن المواضيع المستخرجة من نهج البلاغة.

3-إعداد تفسير موضوعي عن المعارف الكامنة في نهج البلاغة.

4-إعداد دروس في الحقول المختلفة من نهج البلاغة من أجل استفادة كلّ الفئات في المجتمع.

5-تأسيس مؤسّسة للمراسلة و نشر دروس عن نهج البلاغة و سائر المعارف الاسلامية من أجل التعريف بالاسلام من نافذة نهج البلاغة و المصادر الاسلاميّة الاخرى.

6-تحقيق نصّ نهج البلاغة و طبعه طبعة محققة على أحسن المناهج المتبعة في تحقيق النصوص.

7-إعداد ترجمة فارسية من نهج البلاغة ترجمة دقيقة تخلو-قدر المستطاع-من كلّ عيب و نقص.

8-ترجمة نهج البلاغة إلى اللّغات العالمية الحية.

9-نشر التّرجمات القديمة الموجودة من نهج البلاغة.

10-تحقيق و نشر شروح نهج البلاغة الّتي ظلّت غير مطبوعة حتى الآن.

و غيرها من البرامج و الاعمال اللازمة الّتي جاءت في خلال منشوراتنا و ساير المراكز الاعلامية.

و لتحقيق هذا الهدف الأخير، قام فرع من المؤسسة بمسئولية جمع من الأفاضل و المحققين الذين لهم نشاط واسع في العلوم الاسلامية

5

بتحقيق شروح نهج البلاغة التي عيّن لهم اللجنة العليا للطّرح و البرنامج في مؤسسة نهج البلاغة كشرح الكيذرى البيهقي المسمى بـ «حدائق الحقائق» و غيره.

و في هذه الفرصة نقدّم الى القارئ الكريم، شرحا آخر للمحدث الخبير و المؤلف الألمعى و هو المحقق القمي رحمه اللّه الذي كتب شرحه على الحكم على الترتيب الأبجدي، و هو مع اختصاره مغني و مع قلته مكفي.

نسأل اللّه تعالى أن يوفقنا بحفظ تلك الكلمات في الرّوح و العمل «إِنْ شََاءَ اَللََّهُ» تعالى.

طهران-مؤسسة نهج البلاغة 1375

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

«بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ»

مقدّمة التحقيق‏

الحمد للّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون، و لا يحصي نعماءه العادّون، و لا يؤدّي حقّه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن. (1)

ثمّ الصلاة و السلام على رسوله محمّد المصطفى أشرف الأنبياء، و على آله و عترته سادات الأتقياء، لا سيّما ابن عمّه و وصيّه و وارث علمه عليّ بن أبي طالب سيّد الأوصياء.

و بعد، فيعتبر «نهج البلاغة» عند العلماء و المفكّرين إحدى الذخائر الإسلاميّة الكريمة، بعد كتاب اللّه و السنّة النبويّة، و من كنوز الإسلام النفيسة. فهو كتاب «يتضمّن من عجائب البلاغة، و غرائب الفصاحة، و جواهر العربيّة، و ثواقب الكلم الدينيّة و الدنيويّة ما لا

____________

(1) من الخطبة 1 من خطب نهج البلاغة.

8

يوجد مجتمعا في كلام، و لا مجموع الأطراف في كتاب» . (1)

قال محمد بن طلحة الشافعيّ (652 ق) : الفصاحة تنسب إليه و البلاغة تنقل عنه و البراعة تستفاد منه، و علم المعاني و البيان غريزة فيه. (2)

و قال سبط ابن الجوزي (654 ق) : كان عليّ عليه السلام ينطق بكلام قد حفّ بالعصمة، و يتكلّم بميزان الحكمة، كلام ألقى اللّه عليه المهابة، فكلّ من طرق سمعه راعه فهابه، و قد جمع اللّه له بين الحلاوة و الملاحة و الطلاوة و الفصاحة، لم يسقط منه كلمة و لا بارت له حجّة، أعجز الناطقين و حاز قصب السّبق‏ (3) في السابقين، ألفاظ يشرق عليها نور النبوّة و يحيّر الأفهام و الألباب. (4)

و قال الشيخ محمّد عبده أحد شرّاح نهج البلاغة في مقدّمة شرحه:

و ليس في أهل هذه اللغة إلاّ قائل بأنّ كلام الإمام علي بن أبي طالب هو أشرف الكلام و أبلغه-بعد كلام الله تعالى و كلام نبيّه صلّى اللّه عليه و آله-و أغزر مادّة، و أرفعه أسلوبا، و أجمعه لجلائل المعاني. (5)

____________

(1) من خطبة الرضيّ (ره) ، نهج البلاغة-34.

(2) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول-47.

(3) أطلق على كلّ مبرّز و مشمّر. (أقرب الموارد-قصب)

(4) تذكرة الخواصّ-119-120.

(5) شرح الشيخ عبده على النهج 1-5.

9

و لذا نرى اهتمام كثير من العلماء و المفكّرين في جمع خطب الإمام و رسائله و أقواله قبل الشريف الرضيّ (ره) ، حتّى أنّ المعاجم و كتب الفهرست تحتفظ بذكر رجال تصدّوا إلى جمع كلام الإمام علي عليه السلام، ذكر السيّد عبد الزهراء الخطيب في كتابه «مصادر نهج البلاغة» 114 كتابا من المؤلّفين الذين تصدّوا إلى جمع كلام الإمام و تأليفه قبل أن يولد الشريف الرضيّ! (1)

و من الواضح أنّ كلمات الإمام عليه السّلام كانت معروفة لدى العلماء و متداولة بين الأدباء، و قديما استعان به كبراء العربيّة لأدبهم و تفكيرهم، كعبد اللّه بن المقفّع، و عبد الحميد الكاتب، و ابن نباتة و أضرابهم من الكتّاب و البلغاء و الأدباء.

و من المجمع عليه أنّ كلام الإمام عليّ عليه السّلام مل‏ء قلوب العلماء و الأدباء و مل‏ء أسماعهم و أبصارهم، استهوتهم روائعه، و سحرتهم أساليبه و ألوانه، فوصفوه بما يدلّ على بعد أثره فيهم و إعجابهم به.

قال الجاحظ البصريّ (255 ق) في البيان و التبيين: قال عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: «قيمة كلّ امرئ ما يحسن» . (2) فلو لم نقف من هذا الكتاب إلاّ على هذه الكلمة، لوجدناها كافية شافية، و مجزية مغنية، بل

____________

(1) مصادر نهج البلاغة 1-28-41.

(2) نهج البلاغة، الحكمة 81.

10

لوجدناها فاضلة على الكفاية، و غير مقصّرة عن الغاية. و أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، و معناه في ظاهر لفظه. (1)

و قال الجاحظ أيضا: حدّثني ثمامة، قال: سمعت جعفر بن يحيى، و كان من أبلغ الناس و أفصحهم، يقول: الكتابة ضمّ اللفظة إلى أختها، ألم تسمعوا قول شاعر لشاعر، و قد تفاخرا: أنا أشعر منك لأنّي أقول البيت و أخاه، و أنت تقول البيت و ابن عمّه!ثمّ قال: و ناهيك حسنا بقول عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: «هل من مناص أو خلاص، أو معاذ أو ملاذ، أو فرار أو محار» . (2)

و كان جعفر يعجب أيضا بقول عليّ عليه السّلام: «أين من جدّ و اجتهد، و جمع و احتشد، و بنى فشيّد، و فرش فمهّد، و زخرف فنجّد» (3) قال: ألا ترى أنّ كلّ لفظة منها آخذة بعنق قرينتها، جاذبة إيّاها إلى نفسها، دالّة عليها بذاتها!قال أبو عثمان: فكان جعفر يسمّيه فصيح قريش. (4)

و قال ابن أبي الحديد (656 ق) في ديباجة شرحه على نهج البلاغة: و أمّا الفصاحة فهو عليه السّلام إمام الفصحاء، و سيّد البلغاء، و في كلامه قيل: دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوقين.

____________

(1) البيان و التبيين 1-106.

(2) نهج البلاغة، من الخطبة 83 المسمّاة بالخطبة الغرّاء.

(3) احتشد: اجتمع. نجّد: زيّن.

(4) شرح ابن أبي الحديد 6-277-278.

11

و لمّا قال محفن بن أبي محفن لمعاوية: جئتك من عند أعيا الناس، قال له: ويحك!كيف يكون أعيا الناس!فو اللّه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره. (1)

و قال الشريف الرضيّ بعد الخطبة 16 من خطب نهج البلاغة: إنّ في هذا الكلام الأدنى من مواقع الإحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان، و فيه زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان، و لا يطّلع فجّها إنسان. (2)

و قال أيضا بعد الخطبة 21: إنّ هذا الكلام لو وزن بعد كلام اللّه سبحانه و بعد كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، بكلّ كلام لمال به راجحا، و برّز عليه سابقا. (3)

تأثير كلام الإمام عليّ عليه السّلام في الأدب العربيّ:

و بما أنّ الإمام عليّا عليه السّلام كان بحرا لا ينزف، و غمرا لا يسبر، يؤاتيه الكلام و يتابعه، و لا يطاق لسانه، و كلامه عليه السّلام بيّن المنهج و سهل المخرج، مطّرد السياق و القياس، «على أمثلته حذا كلّ قائل خطيب،

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 1-24.

(2) نهج البلاغة-58.

(3) نهج البلاغة-63.

12

و بكلامه استعان كلّ واعظ بليغ، و مع ذلك فقد سبق و قصّروا، و قد تقدّم و تأخّروا، لأنّ كلامه عليه السّلام الكلام الّذي عليه مسحة (1) من العلم الإلهيّ، و فيه عبقة (2) من الكلام النبويّ» . (3)

قال ابن واضح اليعقوبيّ (292 ق) في كتابه «مشاكلة الناس لزمانهم» : و حفظ الناس عنه الخطب، فإنّه خطب بأربعمائة خطبة، حفظت عنه، و هي التي تدور بين الناس و يستعملونها في خطبهم. (4)

و قال المسعوديّ (346 ق) في «مروج الذهب» : و الذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة و نيف و ثمانون خطبة يوردها على البديهة، و تداول الناس ذلك عنه قولا و عملا. (5)

و قال الكلينيّ (328-329 ق) بعد نقل خطبة له عليه السّلام في التوحيد ما لفظه: و هذه الخطبة من مشهورات خطبه عليه السّلام، حتّى لقد ابتذلها

____________

(1) مسحة: أثر أو علامة.

(2) عبقة: رائحة. قال منتجب الدين (من أعلام القرن السادس) في فهرسته، ص 176: الشيخ القاضي جمال الدين محمّد بن الحسين قاضي قاشان فاضل فقيه، كان يكتب نهج البلاغة من حفظه، و له رسالة «العبقة» في شرح قول السيّد الرضيّ في خطبة النهج.

(3) نهج البلاغة-34.

(4) مصادر نهج البلاغة 1-50.

(5) مروج الذهب 2-431.

13

العامّة (1) و هي كافية لمن طلب علم التوحيد إذا تدبّرها و فهم ما فيها، فلو اجتمع ألسنة الجنّ و الإنس ليس فيها لسان نبيّ على أن يبيّنوا التوحيد بمثل ما أتى به-بأبي و أمّي-ما قدروا عليه، و لو لا إبانته عليه السّلام ما علم الناس كيف يسلكون سبيل التوحيد. (2)

و قال ابن دأب الليثيّ‏ (3) (171 ق) في عليّ عليه السّلام: ثمّ البلاغة، مال الناس إليه حيث نزل من المنبر، فقالوا: ما سمعنا يا أمير المؤمنين أحدا قطّ أبلغ منك و لا أفصح، فتبسّم و قال: و ما يمنعني؟و أنا مولد مكيّ، و لم يزدهم على هاتين الكلمتين.

ثمّ الخطب، فهل سمع السامعون من الأوّلين و الآخرين بمثل خطبه و كلامه؟و زعم أهل الدواوين لو لا كلام عليّ بن أبي طالب و خطبه و بلاغته في منطقه ما أحسن أحد أن يكتب إلى أمير جند و لا إلى رعيّة. (4)

و قال ابن ميثم في مقدّمة شرحه على نهج البلاغة: و أمّا الفصحاء

____________

(1) أي اشتهرت بينهم فكأنّها صارت مبتذلة.

(2) الكافي 1-136.

(3) هو أبو الوليد عيسى بن يزيد، من أهل المدينة، و كان أكثر أهل عصره أدبا و علما و معرفة بأخبار الناس و أيّامهم و كان خطيبا شاعرا توفّي سنة 171 ق.

(الأعلام 5-111، الكنى و الألقاب 1-281) .

(4) الاختصاص، للشيخ المفيد-148.

14

فمعلوم أنّ جميع من ينسب الى الفصاحة بعده (عليّ عليه السّلام) يملئون أوعية أذهانهم من ألفاظه، و يضمّنونها كلامهم و خطبهم فتكون منها بمنزلة ورد العقود كابن نباتة و غيره، و الأمر في ذلك ظاهر. (1)

و قال ابن أبي الحديد: و أمّا الفصاحة فهو عليه السّلام إمام الفصحاء، و سيّد البلغاء... و منه تعلّم الناس الخطابة و الكتابة. قال عبد الحميد بن يحيى: حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع، ففاضت ثمّ فاضت.

و قال ابن نباتة: حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الإنفاق إلاّ سعة و كثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ عليّ بن أبي طالب. (2)

و جاء أبو هلال العسكري (395 ق) ببعض الأخذ من كلام الإمام عليّ عليه السّلام و قال:

سمع أبو تمّام قول عليّ بن أبي طالب للأشعث بن قيس: إنّك إن صبرت جرى عليك قضاء... إلى آخره‏ (3) ، و إن صبرت صبر الأكارم، و إلاّ سلوت سلوّ البهائم‏ (4) ، فحكاه حكاية حسنة في قوله:

و قال عليّ في التعازي لأشعث # و خاف عليه بعض تلك المآثم

____________

(1) شرح ابن ميثم 1-78.

(2) شرح ابن أبي الحديد 1-24.

(3) الحكمة 291 من حكم نهج البلاغة.

(4) الحكمة 414 من حكم نهج البلاغة.

15

أ تصبر للبلوى عزاء و حسبة # فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم‏

(1)

و قال أبو هلال أيضا: و من حسن الاتّباع أيضا قول إبراهيم بن العبّاس حيث كتب: إذا كان للمحسن من الثواب ما يقنعه، و للمسي‏ء من العقاب ما يقمعه، ازداد المحسن في الإحسان رغبة، و انقاد المسي‏ء للحقّ رهبة... أخذه من قول عليّ بن أبي طالب، أخبرنا به أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر الجوهريّ عن المنقري عن ابن جرير قال: قال عليّ بن أبي طالب: يجب على الوالي أن يتعهّد أموره و يتفقّد أعوانه، حتّى لا يخفى عليه احسان محسن و لا إساءة مسي‏ء. ثمّ لا يترك واحدا منهما بغير جزاء، فإن ترك ذلك تهاون المحسن، و اجترأ المسي‏ء، و فسد الأمر، و ضاع العمل. (2)

و قال أبو هلال أيضا بعد نقل بيت ابن طباطبا: «فقيمة كلّ الناس ما يحسنونه» : أخذ ابن طباطبا قول عليّ عليه السّلام بلفظه و أخرجه بغيضا متكلّفا، و الجيّد قول الآخر: «فقيمة كلّ امرئ علمه» ، فهذا و إن كان أخذه ببعض لفظه، فإنّ «كلا» في بيته أحسن موقعا منه في بيت ابن طباطبا. (3)

____________

(1) كتاب الصناعتين-232، ديوان أبي تمّام-300.

(2) كتاب الصناعتين-235.

(3) كتاب الصناعتين-252-253.

16

و قال صلاح الدين الصفديّ في ترجمة أحوال محمّد بن عبد الملك بن عبد الحميد الشهير بالزاهد الفارقي (564 ق) ما لفظه: و كان دعا الخلق إلى اللّه تعالى و كان يتكلّم على الناس كلّ جمعة بعد الصلاة بجامع القصر... و كان يحفظ كتاب نهج البلاغة و يغيّر عبارته، و كان الكبار يحضرون مجلسه و الأعيان و الفضلاء، و كان يتكلّم على لسان أهل الحقيقة بلسان عذب و كلام لطيف و عبارة رشقة و منطق بليغ فانتفع الناس به. (1)

و نختم الكلام بذكر ما قاله الدكتور زكيّ مبارك في كتابه «عبقريّة الشريف الرضيّ» : إنّي لأعتقد أنّ النظر في كتاب نهج البلاغة يورث الرجولة و الشهامة و عظمة النفس، لأنّه فيض من روح قهّار واجه المصاعب بعزائم الأسود.

و هناك خدمة ثانية أدّاها كتاب نهج البلاغة للّغة العربيّة، فقد كان فرصة ثمنية لحركة الأفهام و العقول.

ألا تعرفون شرح ابن أبي الحديد؟ إنّ ذلك الشرح هو من ذخائر اللّغة العربيّة: ففيه فوائد أدبيّة و لغويّة و تاريخيّة و فقهيّة لا يستهين بها إلاّ الغافلون عمّا في ماضيّنا الأدبيّ و العلميّ من أطايب و فرائد و آيات.

____________

(1) الوافي بالوفيات 4-44.

17

فإن ذكرتم أنّ نهج البلاغة شرح نحو أربعين مرّة، و إن ذكرتم أنّ فيه فصولا ترجمت إلى بعض اللغات الشرقيّة و الغربيّة، و إن ذكرتم أنّه فتح أمام النقد أبوابا و مذاهب، و إن ذكرتم أنّ له فضلا على أكثر الفصحاء من الخطباء، و إن ذكرتم أنّه أشهر مجموعة و أكبر مجموعة حفظت منسوبة إلى عصر الخلفاء، و إن ذكرتم أنّ له شرق و غرب و لم تخل منه مكتبة عربيّة أو أعجميّة من المكتبات التي تستوفي أصول المراجع، و إن ذكرتم أنّ مفنّديه لم ينكروا قيمته الأدبيّة...

إن ذكرتم كلّ هذه الخصائص عرفتم أنّ الشريف خدم الأدب و اللغة و الأخلاق بجمع أصول ذلك الكتاب الفريد. (1)

هذا و قال السيّد المرتضى علم الهدى و أجاد فيما قال: (2)

نهج البلاغة نهجة لذوي البلاغة واضح # و كلامه لكلام أرباب الفصاحة فاضح

العلم فيه زاخر و الفضل فيه راجح # و غوامض التوحيد فيه جميعها لك لائح

و وعيده مع وعده للناس طرا ناصح # تحظى به هذي البريّة صالح أو طالح‏

____________

(1) عبقرية الشريف الرضي 1-223-224.

(2) منهاج البراعة 1-243.

18

و قال آخر: (1)

كتاب كأنّ اللّه رصّع لفظه # بجوهر آيات الكتاب المنزّل

حوى حكما كالدرّ ينطق صادقا # فلا فرق إلاّ أنّه غير منزل‏

شروح نهج البلاغة:

و قد تصدّى لشرح كتاب «نهج البلاغة» كثيرون من العلماء و الفضلاء، ذكر السيّد هبة الدين الشهرستاني أنّها تنوف على الخمسين شرحا (2) ، ما بين مبسوط و مختصر، منهم أبو الحسن البيهقيّ، و فخر الدين الرازيّ، و القطب الراونديّ، و كمال الدين محمّد بن ميثم البحراني، و ابن أبي الحديد من المتقدّمين، و حبيب بن محمّد بن هاشم الهاشميّ، و الشيخ محمّد عبده و محمّد نائل المرصفيّ و الشيخ محمّد تقيّ التستريّ من المتأخرين.

من هو الشريف الرضيّ؟

هو أبو الحسن محمّد بن أبي أحمد ولد ببغداد في سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة (359) و كان نقيب الطالبيّين ببغداد، كان يلقّب بالرضيّ ذا

____________

(1) نفس المصدر 1-245.

(2) ما هو نهج البلاغة -13-18.

19

الحسبين، و كان من أهل الفضل و الأدب و العلم.

قال الخطيب البغداديّ: ذكر لي أحمد بن عمر بن روح عنه أنّه تلقّن القرآن بعد أن دخل في السنّ، فجمع حفظه في مدّة يسيرة. قال:

و صنّف كتابا في معاني القرآن يتعذّر وجود مثله، و كان شاعرا محسنا، سمعت أبا عبد اللّه الكاتب بحضرة أبي الحسين بن محفوظ و كان أحد الرؤساء يقول: سمعت جماعة من أهل العلم بالأدب يقولون: الرضيّ أشعر قريش. فقال ابن محفوظ: هذا صحيح، و قد كان في قريش من يجيد القول إلاّ أنّ شعره قليل، فأمّا مجيد مكثر فليس إلاّ الرضيّ.

و قال الثعالبي: ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز العشر سنين بقليل، و هو اليوم أبدع أبناء الزمان، و أنجب سادة العراق، يتحلّى مع محتده الشريف، و مفخره المنيف، بأدب ظاهر و فضل باهر، و حظّ من جميع المحاسن وافر، ثمّ هو أشعر الطالبيّين، من مضى منهم و من غبر على كثرة شعرائهم المفلقين... و لو قلت: إنّه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق و سيشهد بما أجريه من ذكره شاهد عدل من شعره العالي القدح، الممتنع عن القدح، الذي يجمع إلى السلاسة متانة، و إلى السهولة رصانة، و يشتمل على معان يقرب جناها، و يبعد مداها.

و قال ابن أبي الحديد: كان أبوه النقيب أبو أحمد جليل القدر، عظيم المنزلة في دولة بني العباس و دولة بني بويه، و لقّب بالطاهر ذي‏

20

المناقب، و خاطبه بهاء الدولة أبو نصر بن بويه بالطاهر الأوحد، و ولي نقابة الطالبيّين خمس دفعات... عرف الرضيّ من الفقه و الفرائض طرفا قويّا، و كان (ره) عالما أديبا، و شاعرا مفلقا، فصيح النظم، ضخم الألفاظ، قادرا على القريض، متصرّفا في فنونه، إن قصد الرقّة في النسيب أتى بالعجب العجاب، و إن أراد الفخامة و جزالة الألفاظ في المدح و غيره أتى بما لا يشقّ فيه غباره‏ (1) ، و إن قصد في المراثي جاء سابقا و الشعراء منقطع أنفاسها على أثره. و كان مع هذا مترسّلا ذا كتابة قويّة. و كان عفيفا شريف النفس، عالي الهمّة، ملتزما بالدين و قوانينه...

توفي الرضيّ (ره) في المحرّم سنة ستّ و أربعمائة (406) و دفن في داره بمسجد الأنباريّين. (2)

المحدّث القميّ الشارح:

هو المحدّث الخبير و العالم البصير، الشيخ عبّاس بن محمّد رضا القمّيّ. ولد في سنة 1294 ق ببلدة قم و نشأ فيها، و اشتغل بالتعليم. و في

____________

(1) يضرب للسابق المبرّز، و لمن لا قرن له يجاريه، و يراد أنّه لا غبار فيه فيشقّ و ذلك لسرعة عدوه و خفّة وطئه. (فرائد الأدب-994)

(2) توجد ترجمته في تاريخ بغداد 2-246-247، يتيمة الدهر 3-131، شرح ابن أبي الحديد 1-31-41.

21

سنة 1316 ق هاجر إلى العراق، و قدم النجف الأشرف و التزم مصاحبة أستاذه في الحديث و الرجال، الحجّة العلاّمة الميرزا حسين الطبرسيّ النوريّ (ره) و أخذ منه الرجال و الحديث.

قال العلاّمة الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ (ره) في ترجمته له: «قد عرفته جيّدا، فرأيته مثال الإنسان الكامل، و مصداق الرجل العلم الفاضل، و كان دائم الاشتغال، شديد الولع في الكتابة و التدوين و البحث و التنقيب، لا يصرفه عن ذلك شي‏ء، و لا يحول بينه و بين رغبته و اتّجاهه إليه حائل» .

توفّي المحدّث القمّيّ (ره) في النجف سنة 1359 ق و دفن في الصحن الشريف. (1)

له مؤلّفات مفيدة جدّا تبلغ 67 كتابا و رسالة، ذكرتها بحسب حروف الهجاء في مقدّمة كتاب «بيت الأحزان في مصائب سيّدة النسوان» . منها هذا الشرح الذي بأيدينا، و هو شرح قسم الحكم من نهج البلاغة.

يقول ابن أبي الحديد في شرح قسم الحكم من نهج البلاغة: اعلم أنّ هذا الباب من كتابنا كالروح من البدن، و السواد من العين، و هو

____________

(1) بيت الأحزان-11-16.

22

الدرّة المكنونة التي سائر الكتاب صدفها. (1)

و هذا الشرح رتّب بالترتيب الأبجديّ و هو شرح موجز و مفيد، ذكر الشارح فيه مسائل هامّة تاريخيّة و أدبيّة و دينيّة حسب دأبه في التأليف. و كثيرا ما استفاد من شرحي ابن أبي الحديد و ابن ميثم البحرانيّ على نهج البلاغة، و عوّل عليهما و إنّي أشرت إلى مواضعها في الهامش.

عملي في تحقيق الكتاب:

حينما شرعت في تحقيق هذا الكتاب بذلت الجهد الممكن في تصحيح المتن، و تخريج المنقولات و مقابلتها مع مصادرها الأصليّة من كتب الأدب و اللغة و التاريخ و الحديث و دواوين الشعراء، و ضبط الأعلام و النصوص اللغويّة و الشعريّة ضبطا صحيحا، و بعض التعليقات في الحواشي.

و وضعت فهارس عامّة في آخر الكتاب لتتميم الفائدة.

و جدير بالذكر أنّ أرقام الخطب و الكتب و الحكم في هذا الشرح تطابق أرقام النسخة الّتي صحّحها الدكتور صبحي الصالح، و استفدت أيضا من نسخة نهج البلاغة الّتي طبعت في مؤسّسة نهج البلاغة.

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 18-81.

23

و أمّا النسخة الوحيدة الّتي عليها مدار التحقيق، هي النسخة الخطّيّة الثمينة بخطّ المؤلّف (ره) تقع في 153 صفحة بقطع 21x15 سم و كان تاريخ تأليفها سنة 1328 ق.

و من الواجب عليّ أن أتقدّم بوافر الشكر لحفيد المؤلّف (ره) السيّد «حسين محدّث زاده» الّذي تفضّل عليّ بالنسخة المصوّرة من النسخة الخطّيّة، و «مؤسّسة نهج البلاغة» الّتي قامت بطبع هذا الكتاب و نشره.

و ختاما أسأل المولى-سبحانه و تعالى-أن يقبل منّي هذا المشروع بمنّه و كرمه.

طهران-باقر قرباني زرّين 1417 هـ. ق-1375 هـ. ش‏

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

شرح حكم نهج البلاغة للمحدّث القمّيّ‏

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

«بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ»

حرف الألف‏

3002 *3001* 1-

أزرى بنفسه من استشعر الطّمع، و رضي بالذّلّ من كشف ضرّه [عن ضرّه‏]، و هانت عليه نفسه من أمّر عليها لسانه. (1)

هذه ثلاثة فصول: الأوّل في الطمع (1) -:

«أزرى بنفسه» ، أي حقّرها و قصّر بها. «استشعر الطمع» ، أي جعله شعاره أي لازمه.

و في الحديث: الطمع الفقر الحاضر. (2)

و كان يقال: أكثر مصارع الألباب تحت ظلال الطمع (2) -. (3)

الثاني في الشكوى:

____________

(1) نهج البلاغة، الحكمة 2.

(2) شرح ابن أبي الحديد 18-85.

(3) نفس المصدر 18-84. و في نهج البلاغة، الحكمة 219: أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع.

30

«من كشف ضرّه» ، أي شكى إلى الناس بؤسه و فقره. و في معناه:

لا تشكونّ إلى أحد فإنّه إن كان عدوّا سرّه، و إن كان صديقا ساءه، و ليست مسرّة العدوّ و لا مساءة الصديق بمحمودة (1) -. (1)

الثالث في حفظ اللسان، و قد ورد فيه ما لا يحصى منها: سلامة الإنسان في حفظ اللسان‏ (2) ، و منها: ربّ كلمة سفكت دما، و أورثت ندما. (3)

قال الشاعر:

يموت الفتى من عثرة بلسانه # و ليس يموت المرء من عثرة الرجل‏

(4)

3008 *3002* 2-

اعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم، و يتكلّم بلحم، و يسمع بعظم، و يتنفّس من‏[في-خ ل‏]خرم (2) -. (5)

قال ابن أبي الحديد: هذا كلام محمول بعضه على ظاهره، لما تدعو إليه الضرورة من مخاطبة العامّة بما يفهمونه، و العدول عمّا لا تقبله

____________

(1) نفس المصدر السابق 18-85.

(2) بحار الأنوار 71-286 نقلا عن جامع الأخبار، ص 109.

(3) شرح ابن أبي الحديد 18-85.

(4) نفس المصدر 18-86. زبان سرخ سر سبز مى‏دهد بر باد. منه (ره) .

(5) نهج البلاغة، الحكمة 8.

31

عقولهم، و لا تفي به. (1) (2) انتهى.

و الخرم-بضمّ الخاء المعجمة-الثقب‏ (3) ، و هنا ثقب الأنف.

نبّه عليه السّلام على لطف خلق الإنسان ببعض أسرار حكم اللّه فيه، و غايته من ذلك الاستدلال على حكمة صانعه و مبدعه، و ذكر أربعة من محالّ النظر و الاعتبار، و هي آلة البصر و الكلام و السمع و التنفّس.

و راعى في القرائن الأربع السجع المتوازي.

3009 *3003* 3-

إذا أقبلت الدّنيا على أحد[قوم-خ ل‏]أعارته‏[أعارتهم‏]محاسن غيره‏[غيرهم‏]، و إذا أدبرت عنه‏[عنهم‏]سلبته‏[سلبتهم‏]محاسن نفسه‏[أنفسهم (1) -]. (4) كان الرشيد أيّام كان حسن الرأي في جعفر بن يحيى، يحلف باللّه أنّ جعفرا أفصح من قسّ بن ساعدة، و أشجع من عامر بن الطفيل، و أكتب من عبد الحميد بن يحيى، و أسوس من عمر بن الخطّاب، و أحسن من مصعب بن الزبير مع أنّ جعفرا ليس بحسن الصورة، و كان طويل الوجه جدّا، و أنصح له من الحجّاج لعبد الملك، و أسمح من عبد اللّه بن جعفر، و أعفّ من يوسف بن يعقوب، فلّما تغيّر رأيه فيه

____________

(1) في المصدر: و لا تعيه قلوبهم.

(2) شرح ابن أبي الحديد 18-103.

____________

(3) المصباح المنير 1-204-خرم.

(4) نهج البلاغة، الحكمة 9.

32

أنكر محاسنه الحقيقيّة الّتي لا يختلف إثنان أنّها فيه، نحو كياسته و سماحته. و لم يكن أحد يجسر أن يردّ على جعفر قولا و لا رأيا. (1)

3011 *3004* 4-

إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه (1) -. (2)

روي أنّ مصعب بن الزبير لمّا وليّ العراق عرض الناس ليدفع إليهم أرزاقهم، فنادى مناديه: أين عمرو بن جرموز-و هو الّذي قتل أباه الزبير-؟فقيل له: أيّها الأمير، إنّه أبعد في الأرض، قال: أ و ظنّ الأحمق أنّي أقتله بأبي عبد اللّه!قولوا له: فليظهر آمنا، و ليأخذ عطاه مسلّما. (3)

3012 *3005* 5-

أعجز النّاس من عجز عن اكتساب الإخوان، و أعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم (2) -. (4)

روي أنّ النبيّ-صلّى اللّه عليه و آله-بكى لمّا قتل جعفر بمؤتة، و قال: المرء كثير بأخيه. (5)

و كان أبو أيّوب السجستانيّ‏ (6) يقول: إذا بلغني موت أخ لي،

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 18-105.

(2) نهج البلاغة، الحكمة 11.

(3) شرح ابن أبي الحديد 18-110.

(4) نهج البلاغة، الحكمة 12.

(5) شرح ابن أبي الحديد 18-112.

(6) في المصدر: السختيانيّ.

33

فكأنّما سقط عضو منّي. (1) قال الشاعر:

أخاك أخاك‏[إنّ‏]من لا أخا له # كساع إلى الهيجا بغير سلاح

و إنّ ابن عمّ المرء فاعلم جناحه # و هل ينهض البازي بغير جناح‏

(2)

3013 *3006* 6-

إذا وصلت إليكم أطراف النّعم فلا تنفّروا أقصاها بقلّة الشكر (1) -. (3)

استعار لفظ التنفير لشبهها بالطير المتّصل إذا سقط أوّله اتّصل به آخره إن لم ينفّر. و فيه إيماء إلى أنّ دوام الشكر مستلزم لدوامها و كثرتها كقوله تعالى‏ «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» .. (4) (5)

3020 *3007* 7-

أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر منهم عاثر إلاّ و يد اللّه [و يده بيد اللّه-خ ل‏] ترفعه [يرفعه (2) -]. (6)

قيل في المروءة : اللذة ترك المروءة، و المروءة ترك اللذة. (7)

و قال معاوية لعمرو: ما ألذّ الأشياء؟قال: مر فتيان قريش أن

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 18-112-113.

(2) شرح ابن أبي الحديد 18-112-113.

(3) نهج البلاغة، الحكمة 13.

(4) سورة إبراهيم (14) -7.

(5) شرح ابن ميثم 5-246.

(6) نهج البلاغة، الحكمة 20.

(7) شرح ابن أبي الحديد 18-128.

34

يقوموا، فلّما قاموا قال: اسقاط المروءة. (1)

قال ابن أبي الحديد: لام معاوية يزيد على سماع الغناء و حبّ الفتيان، و قال له: أسقطت مروءتك، فقال يزيد: أتكلّم بلساني كلمة! قال: نعم، و بلسان أبي سفيان بن حرب و هند بنت عتبة مع لسانك، قال: و اللّه لقد حدّثني عمرو بن العاص-و استشهد على ذلك ابنه عبد اللّه بصدقه-أنّ أبا سفيان كان يخلع على المغنّي الفاضل و المضاعف من ثيابه، و لقد حدّثني أنّ جاريتي عبد اللّه بن جدعان غنّتاه يوما فأطربتاه، فجعل يخلع عليهما أثوابه ثوبا ثوبا حتّى تجرّد تجرّد العير، و لقد كان هو و عفّان ابن أبي العاص ربّما حملا جارية العاص بن وائل على أعناقهما، فمرّا بها على الأبطح و جلّة قريش ينظرون إليهما، مرّة على ظهر أبيك، و مرّة على ظهر عفّان، فما الّذي تنكر منّي!فقال معاوية: اسكت لحاك اللّه!و اللّه ما أحد ألحق بأبيك هذا إلاّ ليغرّك و يفضحك، و إن كان أبو سفيان-ما علمت‏ (2) -لثقيل الحلم، يقظان الرأي، عازب الهوى، طويل الأناة، بعيد القعر، و ما سوّدته قريش إلاّ لفضله. (3)

____________

(1) نفس المصدر 18-129.

(2) معترضة. منه (ره) .

(3) شرح ابن أبي الحديد 18-130.

35

3027 *3008* 8-

امش بدائك ما مشى بك (1) -. (1)

يقول: مهما وجدت سبيلا إلى الصبر على أمر من الأمور الّتي قد دفعت إليك و فيها مشقّة عليك، فاصبر و لا تتعاجز به، بل كن في صورة الأصحّاء.

و قيل: فيه إيماء إلى ما أمر به من كتمان المرض كما قال الرسول صلّى اللّه عليه و آله: من كنوز البرّ كتمان الصدقة و المرض و المصيبة. (2)

3028 *3009* 9-

أفضل الزّهد إخفاء الزّهد (2) -. (3) إنّما كان كذلك لأنّ الجهر بالعبادة و الزّهادة و الإعلان بذلك قلّ أن يسلم من مخالطة الرياء.

لطيفة: رأى المنصور رجلا واقفا ببابه، فقال: مثل هذا الدرهم بين عينيك و أنت واقف ببابنا!فقال الربيع: نعم، لأنّه ضرب على غير السكّة. (4)

3029 *3010* 10-

إذا كنت في إدبار و الموت في إقبال، فما أسرع الملتقى (3) -! (5) هذا ظاهر، لأنّ إدباره هو توجّهه إلى الموت، و إقبال الموت هو

____________

(1) نهج البلاغة، الحكمة 27.

(2) شرح ابن ميثم 5-251.

(3) نهج البلاغة، الحكمة 28.

(4) شرح ابن أبي الحديد 18-139.

(5) نهج البلاغة، الحكمة 29.

36

توجّه الموت نحوه، فقد حقّ إذن الالتقاء سريعا، و مثال ذلك سفينتان بدجلة أو غيرها، تصعد إحداهما، و الأخرى تنحدر نحوها، فلا ريب أنّ الالتقاء يكون وشيكا.

3034 *3011* 11-

أشرف الغنى ترك المنى (1) -. (1) المنى‏ : جمع منيّة بمعنى التمنّي. و ظاهر أنّ ترك المنى يستلزم القناعة و استلزامها للغنى النفسانيّ و عدم الحاجة ظاهر.

3049 *3012* 12-

احذروا صولة الكريم إذا جاع، و اللّئيم إذا شبع (2) -. (2) يراد بالكريم‏ شريف النفس، ذو الهمّة العليّة، و بجوعه ضميمه، و امتهانه، و شدّة حاجته. و ذلك مستلزم لثوران غضبه و حميّته عند عدم التفات الناس إليه، و شبع اللئيم‏ كناية عن غناه و عدم حاجته.

و ذلك يستلزم تمرّده و أذيّته لمن كان تحت يده، و من يحتاج إليه من الناس، فربما كان جوعه سببا لتغيّر أخلاقه و تجويدها، و نحن شاهدنا ذلك كثيرا.

3052 *3013* 13-

أولى النّاس بالعفو أقدرهم بالعقوبة[على العقوبة (3) -]. (3) قالت الحكماء: ينبغي للإنسان إذا عاقب من يستحقّ العقوبة، أن

____________

(1) نهج البلاغة، الحكمتين 34 و 211.

(2) المصدر، الحكمة 49.

(3) نفس المصدر، الحكمة 52.

37

لا يكون سبعا في انتقامه، و أن لا يعاقب حتّى يزول سلطان غضبه، لئلاّ يقدم على ما لا يجوز، و لذلك جرت سنّة السلطان بحبس المجرم حتّى ينظر في جرمه، و يعيد النظر فيه. (1)

و قالوا أيضا: لذّة العفو أطيب من لذّة التشفّي و الانتقام، لأنّ لذّة العفو يشفعها حميد العاقبة، و لذّة الانتقام يتّبعها ألم الندم. و قالوا:

و العقوبة ألأم حالات ذي القدرة و أدناها، و هي طرف من الجزع. (2)

3062 *3014* 14-

إذا حيّيت بتحيّة فحيّ بأحسن منها، و إذا أسديت إليك يد فكافئها بما يربي عليها، و الفضل مع ذلك للبادئ (1) -. (3) هذا الكلام أورده ابن أبي الحديد في الشرح و لم أجده في هذا المقام من النهج، و قال: اللفظة الأولى من القرآن‏ (4) العزيز (2) -، و الثانية تتضمّن معنى مشهورا.

و قوله: «و الفضل مع ذلك للبادئ» ، يقال في الكرم و الحثّ على فعل الخير.

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 18-183.

(2) نفس المصدر السابق.

(3) ليس هذا الكلام في أكثر نسخ النهج الخطّيّة، و لكن ذكره الشيخ محمد عبده و الدكتور صبحي الصالح من نسخة شرح ابن أبي الحديد تحت الرقم 62 من الحكم.

(4) و هو قوله تعالى في سورة النساء (4) -86: «وَ إِذََا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهََا أَوْ رُدُّوهََا» .

38

ثمّ ذكر توسّل بعض الأشخاص برحم أو قرابة و إسداء معروف و نحو ذلك، فنالوا منهم بسببه مالا جزيلا. (1)

3064 *3015* 15-

أهل الدّنيا كركب يسار بهم و هم نيام (1) -. (2) قال ابن أبي الحديد في الشرح: هذا التشبيه واقع و هو صورة الحال لا محالة.

و قد أتيت بهذا المعنى في رسالة كتبتها إلى بعض الأصدقاء تعزية، فقلت: و لو تأمّل الناس أحوالهم، و تبيّنوا مآلهم، لعلموا أنّ المقيم منهم بوطنه، و الساكن إلى سكنه، أخو سفر يسرى به و هو لا يسري، و راكب بحر يجرى به و هو لا يدري. (3)

3069 *3016* 16-

إذا لم يكن ما تريد فلا تبل كيف‏[ما]كنت (2) -!. (4) كان أصل‏ «لا تبل» لا تبال، فحذفت الألف تخفيفا لكثرة الاستعمال، و مراده عليه السّلام بهذا الكلام أي إذا فاتك مرادك من الأمر فلا تبل بفوات ما أمّلته، و لا تحمل لذلك همّا كيف كنت، و على أيّ حال كنت، من حبس أو مرض أو فقر أو فقد حبيب، و بالجملة، لا تبال بالدهر، و لا تكثرت بما يعكس عليك من غرضك، و يحرمك من

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 18-201.

(2) نهج البلاغة، الحكمة 64.

(3) شرح ابن أبي الحديد 18-193.

(4) نهج البلاغة، الحكمة 69.

39

أملك، و ذلك لأنّ الأسف على فوات المراد يستلزم غمّا و ألما و هو مضرّة عاجلة لا يثمر فائدة فارتكابه سفه، و هذا مثل قوله عليه السّلام: «فلا تكثر على ما فاتك منها أسفا» (1) و مثل قوله تعالى: «لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ» . (2)

3071 *3017* 17-

إذا تمّ العقل نقص الكلام (1) -. (3) تمام العقل يستلزم كمال قوّته على ضبط القوى البدنيّة و تصريفها بمقتضى الآراء المحمودة الصالحة، و وزن ما يبرز إلى الوجود الخارجيّ عنها من الأقوال و الأفعال بميزان الاعتبار و في ذلك من الكلفة و الشرائط ما يستلزم نقصان الكلام بخلاف ما لا يوزن و لا يعتبر من الأقوال.

قالوا: إذا رأيتم الرجل يطيل الصمت و يهرب من الناس، فاقربوا منه فإنّه يلقّى الحكمة. (4)

3076 *3018* 18-

إنّ الأمور إذا اشتبهت اعتبر آخرها و بأوّلها (2) -. (5) روي: «إذا استبهمت» ، و المعنى واحد و هو حقّ، و ذلك أنّ

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 18-215.

(2) سورة الحديد (57) -23.

(3) نهج البلاغة، الحكمة 71.

(4) شرح ابن أبي الحديد 18-217.

(5) نهج البلاغة، الحكمة 76.

40

المقدّمات تدلّ على النتائج، و الأسباب تدلّ على المسبّبات، فإذا اشتبهت أمور على العاقل الفطن و لم يعلم إلى ما ذا تؤول، فإنّه يستدلّ على عواقبها بأوائلها، و على خواتمها بفواتحها. (1)

و إلى معنى كلامه عليه السّلام أشير في هذا المثل بالفارسيّة: سالى كه نكوست از بهارش پيداست. (2)

3082 *3019* 19-

أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل لكانت لذلك أهلا:

لا يرجونّ أحد منكم إلاّ ربّه، و لا يخافنّ إلاّ ذنبه، و لا يستحينّ أحد منكم إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول: لا أعلم، و لا يستحينّ أحد[منكم‏]إذا لم يعلم الشّي‏ء أن يتعلّمه، و عليكم بالصّبر، فإنّ الصّبر من الإيمان كالرّأس من الجسد، و لا خير في جسد لا رأس معه، و لا خير في إيمان لا صبر معه (1) -. (3) كنّى عليه السّلام بضرب آباط الإبل‏ عن الرحلة في طلبها، و ذلك لأنّ الراكب يضرب إبطي راحلته برجليه ليحثّها على السير (2) -.

فأحد الخمس: الرجاء للّه دون غيره، و من لوازم ذلك إخلاص العمل له، و دوام طاعته.

و الثانية: أن يخاف ذنبه دون غيره، و ذلك لأنّ أعظم ما يخافه

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 18-191.

(2) نظيره في العربيّة قولهم: من الأوّل حسن الآخر. و يكفيك ممّا لا ترى ما قد ترى. (أمثال و حكم دهخدا ج 2، ص 940) .

(3) نهج البلاغة الحكمة، 82.

41

الإنسان هو عقاب اللّه، و لمّا كان إنّما يلحق العبد بواسطة ذنبه فبالأولى أن يجعل الخوف من الذنب دون غيره.

الثالثة: عدم استحياء من لا يعلم الشي‏ء من قول «لا أعلم» ، فإنّ الاستحياء من ذلك القول يستلزم القول‏[العمل‏]بغير علم و هو ضلال و جهل يستلزم إضلال الغير و تجهيله و فيه هلاك الآخرة. قال صلّى اللّه عليه و آله:

من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء و الأرض. (1)

الرابعة: عدم استحياء من لا يعلم الشي‏ء من تعلّمه، و إلاّ لبقي على جهله و نقصانه.

قالوا: من استحيا من المسألة لم يستحي الجهل منه.

و كان يقال: يحسن بالإنسان التعلّم ما دام يقبح منه الجهل، و كما يقبح منه الجهل ما دام حيّا كذلك يحسن به التعلّم ما دام حيّا (1) -. (2)

الخامسة: فضيلة الصبر و الأمر باقتنائها، لأنّ كلّ الفضائل لا تخلو منه، و أقلّ ذلك الصبر على اكتسابها ثمّ على البقاء عليها، و لذلك شبّهه من الإيمان بالرأس من الجسد، و ذلك لأنّ الصبر لمّا كان موجودا في كلّ الفضائل الّتي مجموعها هو الإيمان فلا يقوم إلاّ به أشبه الرأس من الجسد في عدم قيامه بدونه، ثمّ أكّد التشبيه و المناسبة بينهما بقوله: لا

____________

(1) شرح ابن ميثم 5-282.

(2) شرح ابن أبي الحديد 18-232.

42

خير في جسد... إلى آخره.

3092 *3020* 20-

أوضح العلم ما وقف على اللّسان، و أرفعه ما ظهر في الجوارح و الأركان (1) -. (1) هذا حقّ، لأنّ العالم إذا لم يظهر من علمه إلاّ لقلقة لسانه من غير أن يظهر منه العمل، كان عالما ناقصا، و أمّا إذا شاهده الناس عاملا بعلمه، فإنّ النفع يكون به عامّا تامّا، و ذلك لأنّ الناس يقولون: لو لم يكن يعتقد حقيقة ما يقوله، لما أدأب نفسه.

و أمّا الأوّل فيقولون فيه: كلّ ما يقوله نفاق و باطل، لأنّه لو كان يعمل حقيقة ما يقول لأخذ به، و لظهر ذلك في حركاته، فيقتدون بفعله لا بقوله.

3197 *3021* 21-

إنّ هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكم [الحكمة-خ ل (2) -]. (2) النفوس قد يقع لها انصراف عن العلم الواحد و ملال للنظر فيه بسبب مشابهة بعض أجزائه لبعض، فإذا اطلعت النفس على بعضه قاست‏ (3) ما لم تعلم منه على ما علمت و لم يكن الباقي عندها من

____________

(1) نهج البلاغة، الحكمة 92.

(2) المصدر، الحكمة 91.

(3) من القياس. منه (ره) .

43

الغريب لتلتذّ به و تدوم النظر فيه، أو المراد أنّ القلوب تملّ من الأنظار العقليّة، في البراهين الكلاميّة على التوحيد و العدل، فعند ذلك فابتغوا لها طرائف الحكمة ، أي الأمثال الحكميّة الراجعة إلى الحكمة العملية، مثل مدح الصبر، و الشجاعة، و الزهد، و العفّة، و ذمّ الغضب، و الشهوة، و الهوى، و ما يرجع إلى سياسة الإنسان نفسه، و ولده، و منزله، و صديقه، و نحو ذلك.

3096 *3022* 22-

إنّ أولى النّاس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به، ثمّ تلا عليه السّلام: «إِنَّ أَوْلَى اَلنََّاسِ بِإِبْرََاهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَ هََذَا اَلنَّبِيُّ» (1) الاية، ثمّ قال: إنّ وليّ محمّد من أطاع اللّه و إن بعدت لحمته، و إنّ عدوّ محمّد من عصى اللّه و إن قربت قرابته (1) -. (2) قال ابن أبي الحديد: هكذا الرواية، و الصحيح «أعملهم» لأنّ استدلاله بالآية يقتضي ذلك، و كذا قوله فيما بعد: «انّ وليّ محمّد من أطاع اللّه... » إلى آخر الفصل، فلم يذكر العلم، و إنّما ذكر العمل.

اللحمة-بالضمّ-: النسب و القرابة، و هذا مثل الحديث المرفوع:

«ائتوني بأعمالكم، و لا تأتوني بأنسابكم، «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ»

____________

(1) سورة آل عمران (3) -68.

(2) نهج البلاغة، الحكمة 96.

44

«أَتْقََاكُمْ» » (1) انتهى.

و قال ابن ميثم: و لمّا كان الغرض من الأنبياء جذب الخلق إلى اللّه بطاعته، فكلّ من كان أبلغ في الطاعة كان أشدّ موافقة لهم، و أقرب إلى قلوبهم، و أقوى نسبة إليهم، و لمّا لم يكن طاعتهم إلاّ بالعلم بما جاءوا به، كان أعلم الناس بذلك أقربهم إليهم، و أولاهم به، و برهان ذلك الآية المذكورة (2) انتهى.

3098 *3023* 23-

اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية، لا عقل دراية (3) ، فإنّ رواة العلم كثير، و رعاته قليل (1) -. (4) نهاهم عليه السّلام أن يقتصروا إذا سمعوا منه أو من غيره أطرافا من العلم و الحكمة، على أن يرووا ذلك رواية، كما يقرأ أكثر الناس القرآن دراسة و لا يدري من معانيه إلاّ اليسير.

و أمرهم أن يعقلوا ما يسمعونه عقل رعاية أي معرفة و فهم.

ثمّ قال لهم: «إنّ رواة العلم كثير، و رعاته قليل» ، أي من يراعيه و يتدبّره.

3103 *3024* 24-

إنّ الدّنيا و الآخرة عدوّان متفاوتان، و سبيلان مختلفان، فمن

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 18-252.

(2) شرح ابن ميثم 5-289.

(3) في النهج: رواية.

(4) نهج البلاغة، الحكمة 98.

45

أحبّ الدّنيا و تولاّها أبغض الآخرة و عاداها، و هما بمنزلة المشرق و المغرب، و ماش بينهما، كلّما قرب من واحد بعد من الآخر، و هما (1)

ضرّتان (1) -. (2) هذا الكلام لا يحتاج إلى بيان، لأنّ عمل كلّ واحدة من الدّارين مضادّ لعمل الأخرى.

3105 *3025* 25-

إنّ اللّه تعالى فرض‏ (3) عليكم فرائض فلا تضيّعوها، و حدّ لكم حدودا فلا تعتدوها، و نهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، و سكت لكم عن أشياء و لم يدعها نسيانا فلا تتكلّفوها (2) -. (4) فرائض‏ اللّه: واجبات دينه. و حدوده‏ : نهايات ما أباحه من نعمة و رخّص فيه. (5)

و انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحلّ‏ (6) ، إمّا بارتكاب ما نهي عنه أو بالإخلال بما أمر به.

و قوله عليه السّلام: «فلا تتكلّفوها» أي بالسؤال، و البحث عنه، و نحو

____________

(1) في النهج: و هما بعد.

(2) نهج البلاغة، الحكمة 103.

(3) في النهج: افترض.

(4) نهج البلاغة، الحكمة 105.

(5) شرح ابن ميثم 5-294.

(6) مجمع البحرين 5-296-نهك‏

46

ذلك. قال تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيََاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» . (1)

و جاء في الأثر: أبهموا ما أبهم اللّه. (2)

و حكي عن بعض الصالحين أنّه قال لبعض الفقهاء: لم تفرض مسائل لم تقع و أتعبت فيها فكرك!حسبك بالمتداول بين الناس. (3)

و قال شريك في أبي حنيفة: أجهل الناس بما كان، و أعلمهم بما لم يكن. (4)

3114 *3026* 26-

إذا استولى الصّلاح على الزّمان و أهله، ثمّ أساء رجل الظّنّ برجل لم تظهر منه حوبة[خزية]فقد ظلم، و إذا استولى الفساد على الزّمان و أهله، فأحسن رجل الظّنّ برجل، فقد غرّر (1) -. (5) يريد أنّه يتعيّن على العاقل سوء الظنّ حيث الزمان فاسد، و لا ينبغي له سوء الظنّ حيث الزمان صالح. و قد جاء في الخبر النهي عن أن يظنّ المسلم بالمسلم ظنّ السوء (6) ، و ذلك محمول على المسلم الذي

____________

(1) سورة المائدة (5) -101.

(2) شرح ابن أبي الحديد 18-267.

(3) المصدر نفسه.

(4) نفس المصدر السابق.

(5) نهج البلاغة، الحكمة 114.

(6) شرح ابن أبي الحديد 18-278.

47

لم تظهر منه حوبة ، كما أشار إليه عليه السّلام.

و الحوبة : المعصية، و في بعض النسخ: الخزية، و هي الفضيحة، و الخبر هو ما رواه جابر، قال: نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى الكعبة، فقال:

مرحبا بك من بيت!ما أعظمك و أعظم حرمتك!و اللّه إنّ المؤمن أعظم حرمة منك عند اللّه عزّ و جلّ، لأنّ اللّه حرّم منك واحدة، و من المؤمن ثلاثة: دمه و ماله و أن يظنّ به ظنّ السوء. (1)

قيل لصوفيّ: ما صناعتك؟قال: حسن الظنّ باللّه، و سوء الظنّ بالناس. (2)

و كان يقال: ما أحسن حسن الظنّ إلاّ أنّ فيه العجز، و ما أقبح سوء الظنّ إلاّ أنّ فيه الحزم. (3)

قال الطغرائي:

«و حسن ظنّك بالأيّام معجزة»

(4)

3118 *3027* 27-

إضاعة الفرصة غصّة. (5) (1) -

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 18-278.

(2) المصدر 18-279.

(3) نفس المصدر السابق.

(4) من قصيدته اللاميّة المعروفة بلاميّة العجم. انظر معجم الأدباء، لياقوت ج 10-67.

(5) نهج البلاغة، الحكمة 118.

48

أي إنّ تضييع الأمر وقت إمكانه من نفسه يستلزم الغصّة، و الأسف، و الحزن على تفويته.

و في المثل: انتهزوا الفرص، فإنّها تمرّ مرّ السحاب. (1)

3132 *3028* 28-

إنّ للّه ملكا ينادي في كلّ يوم: لدوا للموت، و ابنوا للخراب، و اجمعوا للفناء (1) -. (2) اللامات الثلاثة تسمّى لام العاقبة، مثل قوله تعالى: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» . (3)

فإنّهم ما التقطوه لهذه العلّة، بل للتبنّي، لكن كان عاقبة التقاطهم إيّاه العداوة و الحزن، و كذلك قوله تعالى: «وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ» . (4)

و بالجملة، خلاصة كلامه عليه السّلام التنبيه على أنّ الدنيا دار فناء و عطب، لا دار بقاء و سلامة، و أنّ الولد يموت، و الدور تخرّب، و ما يجمع من الأموال يفنى.

و قد نظم الشاعر بقوله:

له ملك ينادي كلّ يوم # لدوا للموت و ابنوا للخراب‏

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 18-283.

(2) في نهج البلاغة، الحكمة 132 تقديم و تأخير بين الفقرتين الأخيرتين.

(3) سورة القصص (28) -8.

(4) سورة الأعراف (7) -179.

49

3137 *3029* 29-

استنزلوا الرّزق بالصّدقة (1) -. (1) لا ريب أنّ التصدّق على الغير يستلزم تأليف قلبه و اجتماع همّه على دعاء اللّه لصلاح حال المتصدّق و هو سبب لاستنزال الرزق مع أنّ لكلّ نفس رزق مقدّر فإذا صرت سبب الوصول تستنزل رزقه عليك و لهذا ورد: «من وسّع وسّع عليه، و كلّما كثر العيال كثر الرزق» . (2)

و بهذا المعنى أشار عليه السّلام بقوله بعد هذا الكلام: «تنزل المعونة على قدر المئونة» . (3)

3155 *3030* 30-

اعتصموا[استعصموا-خ ل‏]بالذّمم في أوتادها (2) -. (4) الذمم‏ : العهود و العقود و الأيمان، و في أوتادها ، أي في مركزها و مظانّها، أي لا تستندوا إلى ذمام الكافرين و المارقين، فإنّهم ليسوا أهلا للاستعصام بذممهم، كما قال تعالى: «لاََ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَ لاََ ذِمَّةً» . (5)

و قال: «إِنَّهُمْ لاََ أَيْمََانَ لَهُمْ» . (6)

____________

(1) نهج البلاغة، الحكمة 137.

(2) شرح ابن أبي الحديد 18-337.

(3) نهج البلاغة، الحكمة 139.

(4) المصدر، الحكمة 139.

(5) سورة التوبة (9) -10.

(6) سورة التوبة (9) -12.

50

و هذه كلمة قالها بعد انقضاء أمر الجمل و حضور قوم من الطّلقاء بين يديه ليبايعوه، منهم مروان بن الحكم. (1)

3167 *3031* 31-

الإعجاب إنّما يمنع من الازدياد (1) -. (2) إعجاب المرء بفضيلته الداخلة كعلمه، أو الخارجة كغناه إنّما يكون عن تصوّر كماله فيها و اعتقاده أنّه قد بلغ منها الغاية القصوى، و هذا الاعتقاد يمنعه عن طلب الزيادة منها، و إنّما يطلب الزيادة من يستشعر التقصير لا من يتخيّل الكمال.

و ورد في ذمّ العجب روايات كثيرة منها قوله عليه السّلام: «ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، و هوى متّبع، و إعجاب المرء بنفسه» . (3)

3168 *3032* 32-

الأمر قريب، و الاصطحاب قليل (2) -. (4) هذه الكلمة تذكّر بالموت و سرعة زوال الدّنيا، و المراد بالأمر أمر اللّه و هو الموت.

3175 *3033* 33-

إذا هبت أمرا فقع فيه، فإنّ شدّة توقّيه أعظم ممّا تخاف منه (3) -. (5) إنّ للنفوس فيما يتوقّع مكروهه انفعالا كثيرا و فكرا عظيما في كيفيّة

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 18-372.

(2) في نهج البلاغة، الحكمة 167: الإعجاب يمنع الازدياد.

(3) شرح ابن أبي الحديد 18-392.

(4) نهج البلاغة، الحكمة 168.

(5) نهج البلاغة، الحكمة 175.