مختصر المعاني

- مسعود بن عمر التفتازاني المزيد...
323 /
1

مختصر المعانى‏

لسعد الدين التفتازانى‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

خطبة الكتاب‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم نحمدك يا من شرح صدورنا لتلخيص البيان في ايضاح المعانى، و نور قلوبنا بلوامع التبيان من مطالع المثاني، و نصلي على نبيك محمد المؤيد دلائل اعجازه باسرار البلاغة، و على آله و اصحابه المحرزين قصبات السبق في مضمار الفصاحة و البراعة.

(و بعد) فيقول الفقير الى اللّه الغني، مسعود بن عمر المدعو بسعد التفتازاني، هداه اللّه سواء الطريق، و اذاقه حلاوة التحقيق، اني قد شرحت فيما مضى تلخيص المفتاح، و اغنيته بالاصباح عن المصباح، و اودعته غرائب نكت سمحت بها الانظار، و وشحته بلطائف فقر سبكتها يد الافكار، ثم رأيت الجمع الكثير من الفضلاء، و الجم الغفير من الاذكياء، يسألونني صرف الهمة نحو اختصاره، و الاقتصار على بيان معانيه و كشف استاره، لما شاهدوا من ان المحصلين قد تقاصرت همهم عن استطلاع طوالع انواره، و تقاعدت عزائمهم عن استكشاف خبيئات اسراره، و ان المنتحلين قد قلّبوا احداق الاخذ و الانتهاب، و مدوا اعناق المسخ على ذلك الكتاب.

و كنت اضرب عن هذا الخطب صفحا، و اطوى دون مرامهم كشحا، علما مني بان مستحسن الطبايع باسرها، و مقبول الاسماع عن آخرها، امر لا يسعه مقدرة

6

البشر، و انما هو شأن خالق القوى و القدر، و ان هذا الفن قد نضب اليوم ماؤه فصار جدالا بلا اثر، و ذهب رواؤه فعاد خلافا بلا ثمر، حتى طارت بقية آثار السلف ادراج الرياح، و سالت باعناق مطايا تلك الاحاديث البطاح، و اما الاخذ و الانتهاب فامر يرتاح له اللبيب، و للارض من كأس الكرام نصيب، و كيف ينهر عن الانهار السائلون، و لمثل هذا فليعمل العاملون.

ثم ما زادتهم مدافعتي الا شغفا و غراما، و ظمأ في هواجر الطلب و اواما، فانتصبت لشرح الكتاب على وفق مقترحهم ثانيا، و لعنان العناية نحو اختصار الاول ثانيا، مع جمود القريحة بصر البليات، و خمود الفطنة بصر صر النكبات، و ترامى البلدان بي و الاقطار، و نبوّ الاوطان عني و الاوطار.

حتى طفقت اجوب كل اغبر قاتم الارجاء، و احرر كل سطر منه في شطر من الغبراء، يوما بالجزوى و يوما بالعقيق و يوما بالعذيب و يوما بالخليصاء، و لما وفقت بعون اللّه تعالى للاتمام، و قوضت عنه خيامه بالاختتام، بعد ما كشفت عن وجوه خرائده اللثام، و وضعت كنوز فرائده على طرف الثام، سعد الزمان و ساعد الاقبال، و دنا المنى و اجابت الآمال، و تبسم في وجه رجائي المطالب، بان توجهت تلقاء مدين المآرب حضرة من انام الانام في ظل الامان، و افاض عليهم سجال العدل و الاحسان، ورد بسياسته القرار الى الاجفان، و سد بهيبته دون يأجوج الفتنة طرق العدوان، و اعاد رميم الفضائل و الكمالات منشورا، و وقع باقلام الخطّيات على صحائف الصفائح لنصرة الاسلام منشورا.

و هو السلطان الاعظم، مالك رقاب الامم، ملاذ سلاطين العرب و العجم، ملجأ صناديد ملوك العالم، ظل اللّه على بريته، و خليفته في خليقته، حافظ البلاد، ناصر العباد، ماحي ظلم الظلم و العناد، رافع منار الشريعة النبوية، ناصب رايات العلوم الدينية، خافض جناح الرحمة لاهل الحق و اليقين، مادّ سرادق الامن بالنصر العزيز و الفتح المبين كهف الانام ملاذ الخلائق قاطبة ظل الاله جلال الحق و الدين، ابو المظفر السلطان محمود جاني بك خان، خلد اللّه سرادق عظمته و جلاله، و ادام رواء نعيم‏

7

الامال من سجال افضاله، فحاولت بهذا الكتاب التشبث باذيال الاقبال، و الاستظلال بظلال الرأفة و الافضال، فجعلته خدمة لسدته التي هي ملتثم شفاه الاقيال و معول رجاء الآمال و مثوى العظمة و الجلال، لا زالت محط رجال الافاضل، و ملاذ ارباب الفضائل، و عون الاسلام و غوث الانام، بالنبي و آله عليه و عليهم السلام، فجاء بحمد اللّه كما يروق النواظر، و يجلو صداء الاذهان، و يرهق البصائر، و يضي‏ء لباب ارباب البيان، و من اللّه التوفيق و الهداية، و عليه التوكل في البداية و النهاية، و هو حسبي و نعم الوكيل.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مقدمة الكتاب‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الحمد هو الثناء باللسان على قصد التعظيم سواء تعلق بالنعمة او بغيرها، و الشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما سواء كان باللسان او بالجنان او بالاركان، فمورد الحمد لا يكون الا اللسان و متعلقه يكون النعمة و غيرها و متعلق الشكر لا يكون الا النعمة و مورده يكون اللسان و غيره فالحمد اعم من الشكر باعتبار المتعلق و اخص منه باعتبار المورد و الشكر بالعكس.

للّه هو اسم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، و العدول الى الجملة الاسمية للدلالة على الدوام و الثبات، و تقديم الحمد باعتبار انه اهم نظر الى كون المقام مقام الحمد كما ذهب اليه صاحب الكشاف في تقديم الفعل في قوله تعالى اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ على ما سيجي‏ء بيانه، و ان كان ذكر اللّه اهم نظرا الى ذاته.

(على ما انعم) اى على انعامه، و لم يتعرض للمنعم به ايهاما لقصور العبارة عن الاحاطة به و لئلا يتوهم اختصاصه بشي‏ء دون شي‏ء.

و علّم من عطف الخاص على العام رعاية لبراعة الاستهلال و تنبيها على فضيلة نعمة البيان (من البيان) بيان لقوله ما لم نعلم قدم رعاية للسجع، و البيان هو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير و الصلاة على سيدنا محمد خير من نطق بالصواب و افضل من اوتى الحكمة هي علم الشرائع و كل كلام وافق الحق، و ترك فاعل الايتاء لان هذا الفعل لا يصلح الا للّه تعالى و فصل الخطاب اي الخطاب المفصول البين الذى يتبينه من يخاطب به و لا يلتبس عليه او الخطاب الفاصل بين الحق و الباطل و على آله اصله اهل بدليل اهيل، خص استعماله في الاشراف و اولى الخطر (الاطهار) جمع طاهر كصاحب و اصحاب و صحابته الاخيار جمع خيّر بالتشديد.

(اما بعد) هو من الظروف المبنية المنقطعة عن الاضافة اي بعد الحمد و الصلاة، و العامل فيه اما لنيابتها عن الفعل، و الاصل مهما يكن من شي‏ء بعد الحمد

10

و الصلاة، و مهما ههنا مبتدأ و الاسمية لازمة للمبتدأ و يكن شرط و الفاء لازمة له غالبا فحين تضمنت اما معنى الابتداء و الشرط لزمتها الفاء و لصوق الاسم اقامة للازم مقام الملزوم و ابقاء لاثره في الجملة.

(فلما) هو ظرف بمعنى اذا يستعمل استعمال الشرط و يليه فعل ماض لفظا او معنى (كان علم البلاغة) هو المعانى و البيان (و) علم (توابعها) هو البديع (من اجل العلوم قدرا و ادقها سرا اذبه) اي بعلم البلاغة و توابعها لا بغيره من العلوم كاللغة و الصرف و النحو (تعرف دقايق العربية و اسرارها) فيكون من ادق العلوم سرا.

(و يكشف عن وجوه الاعجاز في نظم القرآن استارها) اى: به يعرف ان القرآن معجز لكونه في اعلى مراتب البلاغة لاشتماله على الدقائق و الاسرار و الخواص الخارجة عن طوق البشر و هذا وسيلة الى تصديق النبي عليه السلام، و هو وسيلة الى الفوز بجميع السعادات فيكون من اجل العلوم لكون معلومه و غايته من اجل المعلومات و الغايات.

و تشبيه وجوه الاعجاز بالاشياء المحتجبة تحت الاستار استعارة بالكناية و اثبات الاستار لها استعارة تخييلية و ذكر الوجوه ايهام او تشبيه الاعجاز بالصور الحسنة استعارة بالكناية و اثبات الوجوه استعارة تخييلية، و ذكر الاستار ترشيح و نظم القرآن تأليف كلماته، مترتبة المعانى، متناسقة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل لا تواليها فى النطق و ضم بعضها الى بعض كيف ما اتفق.

(و كان القسم الثالث من مفتاح العلوم الذي صنفه الفاضل العلامة أبو يعقوب يوسف السكاكي اعظم ما صنف فيه) اى فى علم البلاغة و توابعها (من الكتب المشهورة) بيان لما صنف.

(نفعا) تميز من اعظم (لكونه) اى القسم الثالث (احسنها) اى احسن الكتب المشهورة (ترتيبا) هو وضع كل شي‏ء فى مرتبته (و) لكونه (اتّمها تحريرا) هو تهذيب الكلام (و اكثرها) اى اكثر الكتب (للاصول) هو متعلق بمحذوف يفسره قوله (جمعا) لان معمول المصدر لا يتقدم عليه و الحق جواز ذلك فى الظروف لانها مما يكفيه رائحة

11

من الفعل.

(و لكن كان) اى القسم الثالث (غير مصون) اى غير محفوظ (عن الحشو) و هو الزائد المستغنى عنه (و التطويل) و هو الزيادة على اصل المراد بلا فائدة و ستعرف الفرق بينهما فى باب الاطناب (و التعقيد) و هو كون الكلام مغلقا لا يظهر معناه بسهولة (قابلا) خبر بعد خبر اى كان قابلا (للاختصار) لما فيه من التطويل (مفتقرا) اى محتاجا (الى الايضاح) لما فيه من التعقيد (و) الى (التجريد) عما فيه من الحشو.

(الفت) جواب لما (مختصرا يتضمن ما فيه) اى فى القسم الثالث (من القواعد) جمع قاعدة و هى «حكم كلى ينطبق على جميع جزئياته ليعرف احكامها منه كقولنا كل حكم منكر يجب توكيده.

(و يشتمل على ما يحتاج اليه من الامثلة) و هى الجزئيات المذكورة لايضاح القواعد (و الشواهد) و هى الجزئيات المذكورة لاثبات القواعد فهى اخص من الامثلة.

(و لم آل) من الالو و هو التقصير (جهدا) اى اجتهادا و قد استعمل الالو فى قولهم لا آلوك جهدا متعديا الى مفعولين و حذف ههنا المفعول الاول و المعنى لم امنعك جهدا (فى تحقيقه) اى فى المختصر يعنى فى تحقيق ما ذكر فيه من الابحاث (و تهذيبه) اى تنقيحه.

(و رتبته) أي المختصر (ترتيبا اقرب تناولا) اى اخذا (من ترتيبه) اى من ترتيب السكاكى او القسم الثالث اضافة للمصدر الى الفاعل او المفعول (و لم ابالغ فى اختصار لفظه تقريبا) مفعول له لما تضمنه معنى لم ابالغ اى تركت المبالغة فى الاختصار تقريبا (لتعاطيه) اى تناوله (و طلبا لتسهيل فهمه على طالبيه) و الضمائر للمختصر و فى وصف مؤلفه بانه مختصر منقح سهل المأخذ تعريض بانه لا تطويل فيه و لا حشو و لا تعقيد كما فى القسم الثالث.

(و اضفت الى ذلك) المذكور من القواعد و غيرها (فوائد عثرت) اى اطلعت (فى بعض كتب القوم عليها) اى على تلك الفوائد (و زوائد لم اظفر) اى لم افز (فى‏

12

كلام احد بالتصريح بها) اى بتلك الزوائد (و لا الاشارة اليها) بان يكون كلامهم على وجه يمكن تحصيلها منه بالتبعية و ان لم يقصدوها.

(و سميته تلخيص المفتاح) ليطابق اسمه معناه (و انا اسأل اللّه تعالى) قدم المسند اليه قصدا الى جعل الواو للحال (من فضله) حال من (ان ينفع به) اى بهذا المختصر (كما نفع باصله) و هو المفتاح و القسم الثالث منه.

(انه) اى اللّه (ولي ذلك) النفع (و هو حسبي) اى محسبي و كافى (و نعم الوكيل) اما عطف على جملة هو حسبى و المخصوص محذوف و اما على حسبى اى و هو نعم الوكيل فالمخصوص هو الضمير المتقدم على ما صرح به صاحب المفتاح و غيره فى نحو زيد نعم الرجل و على كلا التقديرين يلزم عطف الانشاء على الاخبار.

13

(المقدمة)

رتب المختصر على مقدمة و ثلاث فنون، لان المذكور فيه اما ان يكون من قبيل المقاصد فى هذا الفن، اولا. الثاني المقدمة و الاول ان كان الغرض منه الاحتراز عن الخطاء فى تأدية المعنى المراد فهو الفن الاول و الافان كان الغرض منه الاحتراز عن التعقيد المعنوى فهو الفن الثانى و الا فهو الفن الثالث.

و جعل الخاتمة خارجة عن الفن الثالث و هم كما سنبين ان شاء اللّه تعالى.

و لما انجر كلامه في آخر هذه المقدمة الى انحصار المقصود في الفنون الثلاثة ناسب ذكرها بطريق التعريف العهدي بخلاف المقدمة، فانها لا مقتضى لايرادها بلفظ المعرفة في هذا المقام و الخلاف في ان تنوينها للتعظيم او للتقليل مما لا ينبغي ان يقع بين المحصلين.

و المقدمة مأخوذة من مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منها من قدم بمعنى تقدم يقال: مقدمة العلم لما يتوقف عليه الشروع في مسائله و مقدمة الكتاب لطائفة من كلامه قدمت امام المقصود لارتباط له بها و انتفاع بها فيه.

و هى هيهنا لبيان معنى الفصاحة و البلاغة و انحصار علم البلاغة فى علمي المعانى و البيان و ما يلائم ذلك و لا يخفى وجه ارتباط المقاصد بذلك.

و الفرق بين مقدمة العلم و مقدمة الكتاب مما خفى على كثير من الناس.

(الفصاحة)

و هي في الاصل تنبئ عن الظهور و الابانة (يوصف بها المفرد) مثل كلمة فصيحة (و الكلام) مثل كلام فصيح و قصيدة فصيحة.

14

قيل: المراد بالكلام ما ليس بكلمة ليعم المركب الاسنادي و غيره فانه قد يكون بيت من القصيدة غير مشتمل على اسناد يصح السكوت عليه مع انه يتصف بالفصاحة.

و فيه نظر لانه انما يصح ذلك لو اطلقوا على مثل هذا المركب أنه كلام فصيح و لم ينقل عنهم ذلك و اتصافه بالفصاحة يجوز ان يكون باعتبار فصاحة المفردات على ان الحق انه داخل فى المفرد لانه يقال على ما يقابل المركب و على ما يقابل المثنى و المجموع و على ما يقابل الكلام و مقابلته بالكلام ههنا قرينة دالة على انه اريد به المعنى الاخير اعنى ما ليس بكلام (و) يوصف بها (المتكلم) ايضا يقال كاتب فصيح و شاعر فصيح.

البلاغة

) و هي تنبئ عن الوصول و الانتهاء (يوصف بها الاخيران فقط) اى الكلام و المتكلم دون المفرد اذ لم يسمع كلمة بليغة و التعليل بان البلاغة انما هي باعتبار المطابقة لمقتضى الحال و هي لا تتحقق في المفرد و هم لان ذلك انما هو في بلاغة الكلام و المتكلم.

و انما قسم كلا من الفصاحة و البلاغة اولا لتعذر جمع المعاني المختلفة الغير المشتركة في امر يعمها في تعريف واحد و هذا كما قسم ابن الحاجب المستثنى الى متصل و منقطع ثم عرف كلا منهما على حدة.

الفصاحة فى المفرد

(فالفصاحة في المفرد) قدم الفصاحة على البلاغة لتوقف معرفة البلاغة على معرفة الفصاحة لكونها مأخوذة في تعريفها ثم قدم فصاحة المفرد على فصاحة الكلام و المتكلم لتوقفهما عليها (خلوصه) اى خلوص المفرد (من تنافر الحروف و الغرابة و مخالفة القياس) اللغوى اى المستنبط من استقراء اللغة.

و تفسير الفصاحة بالخلوص لا يخلو عن تسامح لان الفصاحة تحصل عند

15

الخلوص.

(فالتنافر) وصف في الكلمة يوجب ثقلها على اللسان و عسر النطق بها (نحو) مستشزرات في قول امرئ القيس (غدائره) اى ذوائبه جمع غديرة و الضمير عائد الى الفرع في البيت السابق (مستشزرات) اى مرتفعات او مرفوعات يقال و استشزر اى ارتفع (الى العلى) تضل العقاص فى مثنى و مرسل تضل: اى تغيب.

العقاص: جمع عقيصة و هى الخصلة المجموعة من الشعر و المثنى المفتول يعنى ان ذوائبه مشدودة على الرأس بخيوط و ان شعره ينقسم الى عقاص و مثنى و مرسل و الاول يغيب في الاخيرين.

و الغرض بيان كثرة الشعر و الضابط ههنا ان كل ما يعده الذوق الصحيح ثقيلا متعسر النطق به، فهو متنافر سواء كان من قرب المخارج او بعدها او غير ذلك على ما صرح به ابن الاثير فى المثل السائر.

و زعم بعضهم، ان منشأ الثقل في مستشزر هو توسط الشين المعجمة التى هى من المهموسة الرخوة بين التاء التى هى من المهموسة الشديدة و بين الزاء المعجمة التى هى من المجهورة و لو قال مستشرف لزال ذلك الثقل.

و فيه نظر، لان الراء المهملة ايضا من المجهورة.

و قيل: ان قرب المخارج سبب للثقل المخل بالفصاحة، و ان في قوله تعالى‏ أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ ثقلا قريبا من المتناهي فيخل بفصاحة الكلمة، لكن الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير فصيحة لا يخرج عن الفصاحة، كما لا يخرج الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير عربية عن ان يكون عربيا؛ و فيه نظر، لان فصاحة الكلمات مأخوذة في تعريف فصاحة الكلام من غير تفرقة بين طويل و قصير، على ان هذا القائل فسر الكلام بما ليس بكلمة، و القياس على الكلام العربي ظاهر الفساد و لم سلّم عدم خروج السورة عن الفصاحة، فمجرد اشتمال القرآن على كلام غير فصيح بل على كلمة غير فصيحة مما يقود الى نسبة الجهل او العجز الى اللّه تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ـ

16

(و الغرابة) كون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى و لا مأنوسة الاستعمال (نحو) مسرج فى قول العجاج و مقلة و حاجبا مزجّجا اي مدققا مطولا (و فاحما) اى شعرا اسود كالفحم (و مرسنا) اى انفا (مسرجا اى كالسيف السريجى فى الدقة و الاستواء) و سريج اسم قين تنسب اليه السيوف (او كالسراج في البريق) و اللمعان.

فان قلت: لم لم يجعلوه اسم مفعول من سرج اللّه وجهه اى بهجّه و حسنّه.

قلت: هو ايضا من هذا القبيل او مأخوذ من السراج على ما صرح به الامام المرزوقي رحمه اللّه تعالى حيث قال السريجى منسوب الى السراج، و يجوز ان يكون وصفه بذلك لكثرة مائه و رونقه، حتى كان فيه سراجا.

و منه ما قيل: سرج اللّه امرك اى حسنه و نوره.

(و المخالفة) ان تكون الكلمة على خلاف قانون مفردات الالفاظ الموضوعة، اعنى على خلاف ما ثبت عن الواضع (نحو) الاجلل بفك الادغام في قوله (الحمد للّه العلي الاجلل) و القياس الاجلّ بالادغام، فنحو آل و ماء و ابى يأبى و عور يعور فصيح لانه ثبت عن الواضع كذلك.

(قيل) : فصاحة المفرد خلوصه مما ذكر (و من الكراهة في السمع) بان يكون اللفظة بحيث يمجها السمع و يتبرأ عن سماعها (نحو) الجرشي في قول ابي الطيب مبارك الاسم اغر اللقب (كريم الجرشي) اى النفس (شريف النسب) و الاغر من الخيل الابيض الجبهة ثم استعير لكل واضح معروف.

(و فيه نظر) لان الكراهة في السمع انما هي من جهة الغرابة المفسرة بالوحشية، مثل تكأكأتم و افرنقعوا و نحو ذلك.

و قيل: لان الكراهة في السمع و عدمها يرجعان الى طيب النغم و عدم الطيب لا الى نفس اللفظ.

و فيه نظر للقطع باستكراه الجرشي دون النفس مع قطع النظر عن النغم.

الفصاحة في الكلام‏

(و) الفصاحة (في الكلام خلوصه من ضعف التأليف و تنافر الكلمات و التعقيد مع فصاحتها) هو حال من الضمير في خلوصه و احترز به عن مثل زيدا

17

جلل و شعره مستشزر و انفه مسرّج.

و قيل: هو حال من الكلمات و لو ذكره بجنبها لسلم من الفصل بين الحال و ذيها بالاجنبي.

و فيه نظر لانه حينئذ يكون قيدا للتنافر لا للخلوص و يلزم ان يكون الكلام المشتمل على تنافر الكلمات الغير الفصيحة فصيحا، لانه يصدق عليه انه خالص عن تنافر الكلمات حال كونها فصيحة فافهم.

(فالضعف) ان يكون تأليف الكلام على خلاف القانون النحوي المشهور بين الجمهور كالاضمار قبل الذكر لفظا و معنى و حكما (نحو ضرب غلامه زيدا) .

(و التنافر) ان تكون الكلمات ثقيلة على اللسان و ان كان كل منها فصيحة (كقوله و ليس قرب قبر حرب) و هو اسم رجل (قبر) و صدر البيت «و قبر حرب بمكان قفر» اي خال عن الماء و الكلاء، ذكر في عجائب المخلوقات ان من الجن نوعا يقال له الهاتف فصاح واحد منهم على حرب بن امية فمات فقال ذلك الجنى هذا البيت (و كقوله «كريم متى امدحه امدحه و الورى معى، و اذا ما لمته لمته وحدي» ) و الواو فى الورى للحال، و هو مبتدأ و خبره قوله معي.

و انما مثل بمثالين لان الاول متناه فى الثقل و الثانى دونه، او لان منشأ الثقل فى الاول نفس اجتماع الكلمات و فى الثانى حروف منها، و هو فى تكرير امدحه، دون مجرد الجمع بين الحاء و الهاء، لوقوعه فى التنزيل، مثل فسبحه، فلا يصح القول بان مثل هذا الثقل مخل بالفصاحة.

و ذكر الصاحب اسماعيل بن عباد انه انشد هذه القصيدة بحضرة الاستاذ ابن العميد، فلما بلغ هذا البيت قال له الاستاذ هل تعرف فيه شيئا من الهجنة؟قال: نعم مقابلة المدح باللوم، و انما يقابل بالذم او الهجاء، فقال: الاستاذ غير هذا اريد، فقال:

لا ادري غير ذلك.

فقال الاستاذ: هذا التكرير في امدحه امدحه مع الجمع بين الحاء و الهاء، و هما من حروف الحلق خارج عن حد الاعتدال نافر كل التنافر فاثنى عليه‏

18

الصاحب.

(و التعقيد) اى كون الكلام معقّدا (ان لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد لخلل) واقع (اما فى النظم) بسبب تقديم او تأخير او حذف او غير ذلك، مما يوجب صعوبة فهم المراد (كقول الفرزدق فى خال هشام) بن عبد الملك، و هو ابن ابراهيم بن هشام بن اسمعيل المخزومى (

و ما مثله في الناس الا مملكا # ابو امه حىّ ابوه يقاربه‏

) اى ليس مثله فى الناس (حي يقاربه) اى احد يشبهه في الفضائل (الا مملك) اى رجل اعطى الملك و المال يعنى هشاما (ابو امه) اى ابو ام ذلك الملك (ابوه) اى ابو ابراهيم الممدوح اى لا يماثله احد الا ابن اخته و هو هشام.

ففيه فصل بين المبتدأ و الخبر اعنى ابو امه ابوه بالاجنبي الذى هو حى، و بين الموصوف و الصفة، اعنى حى يقاربه بالاجنبى الذى هو ابوه، و تقديم المستثنى اعنى مملكا على المستثنى منه اعنى حى و فصل كثير بين البدل و هو حى و المبدل منه و هو مثله، فقوله مثله اسم ما و فى الناس خبره و الا مملكا منصوب لتقدمه على المستثنى منه.

قيل ذكر ضعف التأليف يغنى عن ذكر التعقيد اللفظى.

و فيه نظر، لجواز ان يحصل التعقيد باجتماع عدة امور موجبة لصعوبة فهم المراد، و ان كان كل واحد منها جاريا على قانون النحوى.

و بهذا يظهر فساد ما قيل: انه لا حاجة فى بيان التعقيد فى البيت الى ذكر تقديم المستثنى على المستثنى منه، بل لا وجه له، لان ذلك جائز باتفاق النحاة، اذ لا يخفى انه يوجب زيادة التعقيد و هو مما يقبل الشدة و الضعف.

(و اما فى الانتقال) عطف على قوله: (اما في النظم) اى لا يكون الكلام ظاهرة الدلالة على المراد، لخلل واقع في انتقال الذهن من المعنى الاول المفهوم بحسب اللغة الى الثانى المقصود، و ذلك بسبب ايراد اللوازم البعيدة المفتقرة الى الوسائط الكثيرة مع خفاء القرائن الدالة على المقصود (كقول الاخر) و هو عباس بن الاحنف و لم يقل‏

19

كقوله لئلا يتوهم عود الضمير الى الفرزدق.

(سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا و تسكب) بالرفع، و هو الصحيح و بالنصب و هم (عيناى الدموع لتجمدا) جعل سكب الدموع كناية عما يلزمه فراق الاحبة من الكئابة و الحزن و اصاب، لكنه اخطأ فى جعل جمود العين كناية عما يوجبه دوام التلاقى من الفرح و السرور (فان الانتقال من جمود العين الى بخلها بالدموع) حال ارادة البكاء، و هى حالة الحزن (لا الى ما قصده من السرور) الحاصل بالملاقاة.

و معنى البيت: انى اليوم اطيب نفسا بالبعد و الفراق و اوطنها على مقاساة الاحزان و الاشواق، و اتجرع غصصها و اتحمل لاجلها حزنا يفيض الدموع من عينى لأتسبب بذلك الى وصل يدوم و مسرة لا تزول، فان الصبر مفتاح الفرج و لكل بداية نهاية، و مع كل عسر يسرا و الى هذا اشار الشيخ عبد القاهر في دلائل الاعجاز.

و للقوم ههنا كلام فاسد اوردناه فى الشرح.

(قيل) : فصاحة الكلام خلوصه مما ذكر (و من كثرة التكرار و تتابع الاضافاة كقوله) و تسعدنى في غمرة بعد غمرة (سبوح) : اى فرس حسن الجرى لا تتعب راكبها كأنها تجرى في الماء (لها) صفة سبوح.

(منها) حال من شواهد (عليها) متعلق بشواهد (شواهد) فاعل الظرف اعنى لها يعنى ان لها من نفسها علامات دالة على نجابتها.

قيل التكرار ذكر الشي‏ء مرة بعد اخرى و لا يخفى انه لا يحصل كثرة بذكره ثالثا.

و فيه نظر، لان المراد بالكثرة ههنا ما يقابل الوحدة و لا يخفى حصوله بذكره ثالثا.

(و) تتابع الاضافات مثل (قوله «حمامة جرعى حومة الجندل اسجعى) ، فانت بمرأى من سعاد و مسمع» .

ففيه اضافة حمامة الى جرعى و جرعى الى حومة و حومة الى الجندل.

20

و الجرعى تأنيث الاجرع قصرها للضرورة، و هي: ارض ذات رمل لا تنبت شيئا، و الحومة معظم الشى‏ء، و الجندل ارض ذات حجارة، و السجع هدير الحمامة و نحوه.

و قوله: فانت بمرأى اى بحيث تراك سعاد و تسمع صوتك. يقال: «فلان بمرأى منى و مسمع اى بحيث اراه و اسمع قوله» كذا في الصحاح.

فظهر فساد ما قيل ان معناه انت بموضع ترين منه سعاد و تسمعين كلامها و فساد ذلك مما يشهد به العقل و النقل.

(و فيه نظر) لان كلا من كثرة التكرار و تتابع الاضافات ان ثقل اللفظ بسببه على اللسان فقد حصل الاحتراز عنه بالتنافر و الا فلا يخل بالفصاحة، كيف وقع في التنزيل مثل دأب قوم نوح، كذلك ذكر رحمة ربك عبده زكريا، و نفس و ما سواها، فالهمها فجورها و تقواها.

الفصاحة في المتكلم‏

(و) الفصاحة (في المتكلم ملكة) و هي كيفية راسخة في النفس و الكيفية عرض لا يتوقف تعلقه على تعقل الغير، و لا يقتضى القسمة و اللاقسمة في محله اقتضاء اوليا.

فخرج بالقيد الاول الاعراض النسبية مثل الاضافة او الفعل و الانفعال و نحو ذلك، و بقولنا، لا يقتضى القسمة الكميات، و بقولنا و اللاقسمة النقطة و الوحدة، و قولنا اوليا ليدخل فيه مثل العلم بالمعلومات المقتضية للقسمة و اللاقسمة.

فقوله: ملكة اشعار بانه لو عبر عن المقصود بلفظ فصيح لا يسمى فصيحا في الاصطلاح ما لم يكن ذلك راسخا فيه.

و قوله: (يقتدر بها على التعبير عن المقصود) دون ان يقول يعبر، اشعار بانه يسمى فصيحا اذا وجد فيه تلك الملكة، سواء وجد التعبير او لم يوجد.

و قوله: (بلفظ فصيح) ليعم المفرد و المركب، اما المركب فظاهر. و اما المفرد فكما تقول عند التعداد دار غلام جارية ثوب بساط الى غير ذلك.

البلاغة في الكلام‏

(و البلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته) : اى فصاحة الكلام، و الحال هو الامر الداعي للمتكلم الى ان يعتبر مع الكلام الذى يؤدى به اصل‏

21

المراد خصوصية ما، و هو مقتضى الحال، مثلا كون المخاطب منكرا للحكم حال يقتضى تأكيد الحكم، و التأكيد مقتضى الحال، و قولك له ان زيدا في الدار مؤكدا بان كلام مطابق لمقتضى الحال.

و تحقيق ذلك انه جزئي من جزئيات ذلك الكلام، الذى يقتضيه الحال، فان الانكار مثلا يقتضى كلاما مؤكدا، و هذا مطابق له، بمعنى انه صادق عليه على عكس ما يقال: ان الكلي مطابق للجزئيات.

و ان اردت تحقيق هذا الكلام فارجع الى ما ذكرناه في الشرح في تعريف علم المعاني (و هو) : اى مقتضى الحال (مختلف فان مقامات الكلام متفاوتة) لان الاعتبار اللائق بهذا المقام يغاير الاعتبار اللائق بذاك، و هذا عين تفاوت مقتضيات الاحوال، لان التغاير بين الحال و المقام انما هو بحسب الاعتبار، و هو انه يتوهم في الحال، كونه زمانا لورود الكلام فيه و في المقام كونه محلا له.

و في هذا الكلام اشارة اجمالية الى ضبط مقتضيات الاحوال و تحقيق لمقتضى الحال.

(فمقام كل من التنكير و الاطلاق و التقديم و الذكر يباين مقام خلافه) : اى مقام خلاف كل منها يعنى ان المقام الذي يناسبه تنكير المسند اليه او المسند، يباين المقام الذى يناسبه التعريف، و مقام اطلاق الحكم او التعليق او المسند اليه او المسند او متعلقه يباين مقام تقييده بمؤكد، او اداة قصر او تابع او شرط او مفعول او ما يشبه ذلك، و مقام تقديم المسند اليه او المسند او متعلقاته، يباين مقام تاخيره، و كذا مقام ذكره يباين مقام حذفه، فقوله خلافه شامل لما ذكرناه.

و انما فصل قوله (و مقام الفصل يباين مقام الوصل) تنبيها على عظم شان هذا الباب، و انما لم يقل مقام خلافه لانه احضر و اظهر، لان خلاف الفصل انما هو الوصل، و للتنبيه على عظم شان الفصل قوله (و مقام الايجاز يباين مقام خلافه) اى الاطناب و المساواة (و كذا خطاب الذكى مع خطاب الغبى) فان مقام الاول يباين مقام الثاني فان الذكى يناسبه من الاعتبارات اللطيفة و المعاني الدقيقة الخفية ما لا

22

يناسب الغبى.

(و لكل كلمة مع صاحبتها) اى مع كل كلمة اخرى مصاحبة لها (مقام) ليس لتلك الكلمة مع ما يشارك تلك المصاحبة في اصل المعنى، مثلا الفعل الذى قصد اقترانه بالشرط، فله مع ان مقام ليس له مع اذا و كذا الكل من ادوات الشرط مع الماضى مقام ليس له مع المضارع و على هذا القياس (و ارتفاع شأن الكلام في الحسن و القبول بمطابقته للاعتبار المناسب و انحطاطه) اى انحطاط شانه (بعدمها) اى بعدم مطابقته للاعتبار المناسب.

(و المراد بالاعتبار المناسب الامر الذى اعتبره المتكلم مناسبا بحسب السليقة او بحسب تتبع تراكيب البلغاء، يقال اعتبرت الشي‏ء، اذا نظرت اليه و راعيت حاله) و اراد بالكلام، الكلام الفصيح و بالحسن، الحسن الذاتي الداخل في البلاغة دون العرضى الخارج لحصوله بالمحسنات البديعية (فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب) للحال و المقام، يعنى اذا علم ان ليس ارتفاع شأن الكلام الفصيح في الحسن الذاتي الا بمطابقته للاعتبار المناسب على ما يفيده اضافة المصدر.

و معلوم انه انما يرتفع بالبلاغة التى هى عبارة عن مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال، فقد علم ان المراد بالاعتبار المناسب و مقتضى الحال واحد، و الا لما صدق انه لا يرتفع الا بالمطابقة للاعتبار المناسب، و لا يرتفع الا بالمطابقة لمقتضى الحال فليتأمل.

(فالبلاغة) صفة (راجعة الى اللفظ) يعنى انه يقال: كلام بليغ لكن لا من حيث انه لفظ و صوت، بل (باعتبار افادته المعنى) اى الغرض المصوغ له الكلام (بالتركيب) متعلق بافادته، و ذلك لان البلاغة كما مرّ عبارة عن مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال، فظاهر ان اعتبار المطابقة و عدمها انما يكون باعتبار المعاني و الاغراض التى يصاغ لها الكلام، لا باعتبار الالفاظ المفردة و الكلم المجردة.

(و كثيرا ما) نصب على الظرف لانه من صفة الاحيان و ما لتأكيد معنى الكثرة و العامل فيه.

23

قوله: (يسمى ذلك) الوصف المذكور (فصاحة ايضا) كما يسمى بلاغة، فحيث يقال: أن اعجاز القرآن من جهة كونه في اعلى طبقات الفصاحة يراد بها هذا المعنى. (و لها) اى لبلاغة الكلام (طرفان: اعلى و هو حد الاعجاز) و هو ان يرتقى الكلام في بلاغته الى ان يخرج عن طوق البشر، و يعجزهم عن معارضته.

(و ما يقرب منه) عطف على قوله و هو و الضمير في منه عائد الى اعلى، يعنى ان الاعلى مع ما يقرب منه كلاهما من حد الاعجاز، هذا هو الموافق لما في المفتاح.

و زعم بعضهم انه عطف على حد الاعجاز و الضمير في منه عائد اليه، يعنى ان الطرف الاعلى هو حد الاعجاز، و ما يقرب من حد الاعجاز.

و فيه نظر لان القريب من حد الاعجاز لا يكون من الطرف الاعلى الذى هو حد الاعجاز و قد اوضحنا ذلك في الشرح.

(و اسفل و هو ما اذا غير) الكلام (عنه الى ما دونه) اى الى مرتبة اخرى هي ادنى منه و انزل (التحق) الكلام و ان كان صحيح الاعراب (عند البلغاء باصوات الحيوانات) تصدر عن محالها بحسب ما يتفق، من غير اعتبارات اللطائف و الخواص الزائدة على اصل المراد (و بينهما) اى بين الطرفين (مراتب كثيرة) متفاوتة بعضها اعلى من بعض بحسب تفاوت المقامات و رعاية الاعتبارات، و البعد من اسباب الاخلال بالفصاحة (و تتبعها) اى بلاغة الكلام (وجوه اخر) سوى المطابقة.

و الفصاحة (تورث الكلام حسنا) و في قوله (تتبعها) اشارة الى ان تحسين هذه الوجوه للكلام عرضى خارج عن حد البلاغة، و الى ان هذه الوجوه انما تعد محسنة بعد رعاية المطابقة، و الفصاحة و جعلها تابعة للبلاغة الكلام دون المتكلم لانها ليست مما تجعل المتكلم متصفا بصفة.

البلاغة في المتكلم‏

(و) البلاغة (في المتكلم ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ فعلم) مما تقدم (ان كل بليغ) كلا ما كان او متكلما على سبيل استعمال المشترك في معنييه، او على تأويل كل ما يطلق عليه لفظ البليغ (فصيح) لان الفصاحة مأخوذة في تعريف

24

البلاغة مطلقا (و لا عكس) بالمعنى اللغوى: اى ليس كل فصيح بليغا، لجواز أن يكون كلام فصيح غير مطابق لمقتضى الحال، و كذا يجوز ان يكون لاحد ملكة يقتدر بها التعبير عن المقصود بلفظ فصيح من غير مطابقة لمقتضى الحال.

(و) علم ايضا (ان البلاغة) في الكلام (مرجعها) اى ما يجب ان يحصل حتى يمكن حصولها، كما يقال مرجع الجود الى الغنى (الى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد) و الا لربما ادى المعنى المراد بلفظ فصيح، غير مطابق لمقتضى الحال فلا يكون بليغا (والى تمييز) الكلام (الفصيح من غيره) و الا لربما اورد الكلام المطابق لمقتضى الحال بلفظ غير فصيح، فلا يكون ايضا بليغا لوجوب وجود الفصاحة في البلاغة، و يدخل في تمييز الكلام الفصيح من غيره تمييز الكلمات الفصيحة من غيرها لتوقفه عليها.

(و الثاني) اى تمييز الفصيح من غيره (منه) اى بعضه (ما يبين) اى يوضح (في علم متن اللغة) كالغرابة.

و انما قال في علم متن اللغة اى معرفة اوضاع المفردات لان اللغة اعم من ذلك لانه يطلق على سائر اقسام العربية، يعنى به يعرف تمييز السالم من الغرابة عن تمييز غيره، بمعنى ان من تتبع الكتب المتداولة و احاط بمعانى المفردات المأنوسة علم ان ما عداها مما يفتقر الى تنقير او تخريج، فهو غير سالم من الغرابة.

و بهذا تبين فساد ما قيل انه ليس في علم متن اللغة ان بعض الالفاظ مما يحتاج في معرفته الى ان يبحث عنه في الكتب المبسوطة في اللغة (او) في علم (التصريف) كمخالفة القياس اذ به يعرف ان الاجلل مخالف (للقياس) دون الاجل (او في علم النحو) كضعف التأليف و التعقيد اللفظى (او يدرك بالحس) كالتنافر، اذ به يعرف ان مستشزرا متنافر دون مرتفع.

و كذا تنافر الكلمات (و هو) اى ما يبين في العلوم المذكورة او ما يدرك بالحس، فالضمير عائد الى ما، و من زعم انه عائد الى ما يدرك بالحس فقدسها سهوا ظاهرا.

(ما عد التعقيد المعنوى) اذ لا يعرف بتلك العلوم و لا بالحس تمييز السالم من‏

25

التعقيد المعنوى من غيره فعلم ان مرجع البلاغة بعضه مبين في العلوم المذكورة و بعضها مدرك بالحس و بقى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد و الاحتراز عن التعقيد المعنوى.

فمست الحاجة الى وضع علمين مفيدين لذلك، فوضعوا علم المعاني للاول و علم البيان للثاني.

و اليه اشار بقوله (و ما يحترز به عن الاول) اى الخطاء في تأدية المعنى المراد (علم المعانى و ما يحترز به عن التعقيد المعنوى علم البيان) .

و سموا هذين العلمين علم البلاغة لمكان مزيد اختصاص لهما بالبلاغة، و إن كان البلاغة تتوقف على غيرهما من العلوم.

ثم احتاجوا لمعرفة توابع البلاغة الى علم آخر، فوضعوا لذلك علم البديع و اليه اشار بقوله (و ما يعرف به وجوه التحسين علم البديع) .

و لما كان هذا المختصر في علم البلاغة و توابعها انحصر مقصوده في ثلاثة فنون (و كثير) من الناس (يسمى الجميع علم البيان و بعضهم يسمى الاول علم المعانى و) يسمى (الاخيرين) يعنى البيان و البديع (علم البيان و الثلاثة علم البديع) و لا يخفى وجوه المناسبة و اللّه اعلم.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

(الفن الاول علم المعانى)

قدمه على البيان، لكونه منه بمنزلة المفرد من المركب، لان رعاية المطابقة لمقتضى الحال و هو مرجع علم المعانى، معتبرة في علم البيان، مع زيادة شى‏ء آخر و هو ايراد المعنى الواحد في طرق مختلفة.

(و هو علم) اى ملكة يقتدر بها على ادراكات جزئية، و يجوز أن يريد به نفس الاصول و القواعد المعلومة، و لاستعمالهم المعرفة في الجزئيات.

قال (تعرف به احوال اللفظ العربى) اى هو علم يستنبط منه ادراكات جزئية، و هى معرفة كل فرد فرد من جزئيات الاحوال المذكورة، بمعنى ان اىّ فرد يوجد منها امكننا ان نعرفه بذلك العلم.

و قوله (التى بها يطابق) اللفظ (مقتضى الحال) احتراز عن الاحوال التي ليست بهذه الصفة، مثل الاعلال و الادغام و الرفع و النصب و ما اشبه ذلك مما لا بد منه في تأدية اصل المعنى، و كذا المحسنات البديعية من التنجيس و الترصيع و نحوهما مما يكون بعد رعاية المطابقة.

و المراد انه علم يعرف به هذه الاحوال من حيث انها يطابق بها اللفظ مقتضى الحال، لظهور ان ليس علم المعانى عبارة عن تصور معانى التعريف و التنكير و التقديم و التأخير و الاثبات و الحذف و غير ذلك.

و بهذا يخرج عن التعريف علم البيان، اذ ليس البحث فيه عن احوال اللفظ من هذه الحيثية، و المراد باحوال اللفظ: الامور العارضة له من التقديم و التأخير و الاثبات و الحذف و غير ذلك.

و مقتضى الحال في التحقيق هو الكلام الكلى المتكيف بكيفية مخصوصة على ما اشار اليه في المفتاح، و صرح به في شرحه لا نفس الكيفيات من التقديم و التأخير

28

و التعريف و التنكير على ما هو ظاهر عبارة المفتاح و غيره، و الا لما صح القول بانها احوال بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، لانها عين مقتضى الحال، قد حققنا ذلك في الشرح.

و احوال الاسناد ايضا من احوال اللفظ، باعتبار أن التأكيد و تركه مثلا من الاعتبارات الراجعة الى نفس الجملة، و تخصيص اللفظ بالعربى مجرد اصطلاح، لان الصناعة انما وضعت لذلك.

(و ينحصر) المقصود من علم المعانى (في ثمانية ابواب) : انحصار الكل في الاجزاء لا الكلى في الجزئيات، و الا لصدق علم المعانى على كل باب من الابواب المذكورة، و ليس كذلك (احوال الاسناد الخبرى) و (احوال المسند اليه) و (احوال المسند) و (احوال متعلقات الفعل) و (القصر) و (الانشاء) و (الفصل) و (الوصل) و (الايجاز) و (الاطناب) و (المساواة) .

و انما انحصر فيها؟ (لان الكلام اما اخبار او انشاء لانه) لا محالة يشتمل على نسبة تامة بين الطرفين، قائمة بنفس المتكلم و هى تعلق احد الشيئين بالاخر، بحيث يصح السكوت عليه سواء كان ايجابا او سلبا او غيرهما كما في الانشائيات و تفسيرها بايقاع المحكوم به على المحكوم عليه او سلبه عنه خطأ في هذا المقام، لانه لا يشمل النسبة في الكلام الانشائي فلا يصح التقسيم.

فالكلام (ان كان لنسبته خارج) في احد الازمنة الثلاثة: اى يكون بين الطرفين في الخارج نسبة ثبوتية او سلبية (تطابقه) اى تطابق تلك النسبة ذلك الخارج، بان يكونا ثبوتيتين او سلبيتين (او لا تطابقه) بان تكون النسبة المفهومة من الكلام ثبوتية، و التى بينهما في الخارج و الواقع سلبية او بالعكس.

(فخبر) اى فالكلام خبر (و الا) اى و ان لم يكن لنسبته خارج كذلك (فانشاء) .

و تحقيق ذلك ان الكلام اما ان يكون له نسبة بحيث تحصل من اللفظ و يكون اللفظ موجدا لها من غير قصد الى كونه دالا على نسبة حاصلة فى الواقع بين الشيئين‏

29

و هو الانشاء او تكون له نسبة بحيث يقصدان لها نسبة خارجية مطابقة اولا مطابقة، و هو الخبر، لان النسبة المفهومة من الكلام الحاصلة فى الذهن لابد و ان تكون بين الشيئين، و مع قطع النظر عن الذهن لا بد و ان يكون بين هذين الشيئين في الواقع نسبة ثبوتية، بان يكون هذا ذاك، او سلبية بان لا يكون هذا ذاك.

الا ترى انك اذا قلت زيد قائم، فان القيام حاصل لزيد قطعا، سواء قلنا ان النسبة من الامور الخارجية او ليست منها، و هذا معنى وجود النسبة الخارجية.

(و الخبر لا بد له من مسند اليه و مسند و اسناد، و المسند قد يكون له متعلقات اذا كان فعلا او ما في معناه) كالمصدر و اسم الفاعل و اسم المفعول و ما اشبه ذلك، و لا وجه لتخصيص هذا الكلام بالخبر.

(و كل من الاسناد و التعليق اما بقصر او بغير قصر و كل جملة قرنت باخرى، اما معطوفة عليها او غير معطوفة، و الكلام البليغ اما زائد على اصل المراد لفائدة) احترز به عن التطويل، على انه لا حاجة اليه بعد تقييد الكلام بالبليغ (او غير زائد) .

هذا كله ظاهر لكن لا طائل تحته، لان جميع ما ذكر من القصر و الفصل و الوصل و الايجاز و مقابليه، انما هو من احوال الجملة او المسند اليه و المسند، مثل التأكيد و التقديم و التأخير و غير ذلك، فالواجب في هذا المقام بيان سبب افرادها و جعلها ابوابا برأسها و قد لخصنا ذلك في الشرح.

30

صدق الخبر و كذبه (تنبيه)

على تفسير الصدق و الكذب الذى قد سبق اشارة ما اليه في قوله تطابقه او لا تطابقه.

اختلف القائلون بانحصار الخبر في الصدق و الكذب في تفسيرها.

فقيل: (صدق الخبر مطابقته) اى مطابقة حكمه (للواقع) و هو الخارج الذى يكون لنسبة الكلام الخبرى (و كذبه) اى كذب الخبر (عدمها) اى عدم مطابقته للواقع، يعنى ان الشيئين اللذين اوقع بينهما نسبة في الخبر، لا بد و ان يكون بينهما نسبة في الواقع، اى مع قطع النظر عما في الذهن و عما يدل عليه الكلام فمطابقة تلك النسبة المفهومة من الكلام للنسبة التى في الخارج، بان يكونا ثبوتيتين او سلبيتين صدق و عدمها، بان يكون احديهما ثبوتية و الاخرى سلبية كذب.

(و قيل) صدق الخبر (مطابقته لاعتقاد المخبر و لو كان) ذلك الاعتقاد (خطاء) غير مطابق للواقع (و) كذب الخبر (عدمها) اى عدم مطابقته لاعتقاد المخبر و لو كان خطاء، فقول القائل السماء تحتنا معتقدا ذلك صدق، و قوله السماء فوقنا غير معتقد كذب، و المراد بالاعتقاد الحكم الذهني الجازم او الراجح، فيعم العلم و الظن.

و هذا يشكل بخبر الشاك لعدم الاعتقاد فيه فيلزم الواسطة و لا يتحقق الانحصار.

اللهم الا ان يقال انه كاذب لانه اذا انتفى الاعتقاد صدق عدم مطابقة الاعتقاد و الكلام في ان المشكوك خبر او ليس بخبر مذكور في الشرح فليطالع ثمة (بدليل) قوله تعالى‏ إِذََا جََاءَكَ اَلْمُنََافِقُونَ قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ ... وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ (إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ) فانه تعالى جعلهم كاذبين في قولهم انك لرسول اللّه لعدم مطابقته لاعتقادهم و ان كان مطابقا للواقع.

31

(ورد) هذا الاستدلال (بان المعنى لكاذبون في الشهادة) و في ادعائهم المواطأة، فالتكذيب راجع الى الشهادة باعتبار تضمنها خبرا كاذبا غير مطابق للواقع، و هو ان هذه الشهادة من صميم القلب و خلوص الاعتقاد بشهادة انّ و اللام و الجملة الاسمية (او) المعنى انهم لكاذبون (في تسميتها) اى في تسمية هذا الاخبار شهادة لان الشهادة ما يكون على وفق الاعتقاد فقوله تسميتها مصدر مضاف الى المفعول الثاني و الاول محذوف (او) المعنى انهم لكاذبون (في المشهود به) اعنى قولهم انك لرسول اللّه لكن لا في الواقع بل (في زعمهم) الفاسد و اعتقادهم الباطل لانهم يعتقدون انه غير مطابق للواقع فيكون كاذبا باعتقادهم و ان كان صادقا في نفس الامر فكأنه قيل انهم يزعمون انهم كاذبون في هذا الخبر الصادق و حينئذ لا يكون الكذب الا بمعنى عدم المطابقة للواقع فليتأمل.

لئلا يتوهم ان هذا اعتراف بكون الصدق و الكذب راجعين الى الاعتقاد.

(و الجاحظ) انكر انحصار الخبر في الصدق و الكذب و اثبت الواسطة و زعم ان صدق الخبر (مطابقته) للواقع (مع الاعتقاد) بانه مطابق (و) كذب الخبر (عدمها) اى عدم مطابقته للواقع (معه) أى مع اعتقاد انه غير مطابق (و غيرهما) اى غير هذين القسمين.

و هو اربعة اعنى المطابقة مع اعتقاد عدم المطابقة، او بدون الاعتقاد اصلا، او عدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة، او بدون الاعتقاد اصلا (ليس بصدق و لا كذب) فكل من الصدق و الكذب بتفسيره اخص منه بالتفسيرين السابقين لانه اعتبر في الصدق مطابقة الواقع و الاعتقاد جميعا و في الكذب عدم مطابقتهما جميعا بناء على ان اعتقاد المطابقة يستلزم مطابقة الاعتقاد.

ضرورة توافق الواقع و الاعتقاد حينئذ و كذا اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الاعتقاد حينئذ.

و قد اقتصر في التفسيرين السابقين على احدهما (بدليل افترى على اللّه كذبا ام به جنة) لان الكفار حصروا اخبار النبي عليه السلام بالحشر و النشر على ما يدل‏

32

عليه قوله تعالى‏ «إِذََا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ» في الافتراء و الاخبار حال الجنة على سبيل منع الخلو.

و لا شك (ان المراد بالثاني) اى الاخبار حال الجنة لا قوله ام به جنة على ما سبق الى بعض الاوهام (غير الكذب لانه قسيمه) اى لان الثاني قسيم الكذب اذ المعنى الكذب ام اخبر حال الجنة و قسيم الشي‏ء يجب ان يكون غيره (و غير الصدق لانهم لم يعتقدوه) اى لان الكفار لم يعتقدوا صدقه فلا يريدون في هذا المقام الصدق الذى هو بمراحل عن اعتقادهم، و لو قال لانهم اعتقدوا عدم صدقه لكان اظهر.

فمرادهم بكونه خبرا حال الجنة غير الصدق و غير الكذب و هم عقلاء من اهل اللسان عارفون باللغة فيجب ان يكون من الخبر ما ليس بصادق و لا كاذب حتى يكون هذا منه بزعمهم و على هذا لا يتوجه ما قيل انه لا يلزم من عدم اعتقادهم الصدق عدم الصدق لانه لم يجعله دليلا على عدم الصدق بل على عدم ارادة الصدق فليتأمل.

(ورد) هذا الاستدلال (بان المعنى) اى معنى ام به جنة (ام لم يفتر فعبر عنه) اى عدم الافتراء (بالجنة لان المجنون لا افتراء له) لانه الكذب عن عمد و لا عمد للمجنون فالثاني ليس قسيما للكذب، بل لما هو اخص منه، اعنى الافتراء فيكون هذا حصرا للخبر الكاذب بزعمهم في نوعيه اعنى الكذب عن عمد و الكذب لا عن عمد.

33

الباب الاول (احوال الاسناد الخبرى)

و هو ضم كلمة او ما يجرى مجراها الى اخرى بحيث يفيد الحكم بان مفهوم احديهما ثابت لمفهوم الاخرى او منفى عنه و انما قدم بحيث الخبر لعظم شأنه و كثرة مباحثه.

ثم قدم احوال الاسناد على احوال المسند اليه و المسند مع تأخر النسبة عن الطرفين لان البحث في علم المعاني انما هو عن احوال اللفظ الموصوف بكونه مسند اليه او مسندا و هذا الوصف انما يتحقق بعد تحقق الاسناد و المتقدم على النسبة انما هو ذات الطرفين و لا بحث لنا عنها.

(لا شك ان قصد المخبر) اى من يكون بصدد الاخبار و الاعلام و الا فالجملة الخبرية كثيرا ما تورد لاغراض آخر غير افادة الحكم او لازمه مثل التحسّر و التحزّن و فى قوله تعالى حكاية عن امرأة عمران‏ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهََا أُنْثى‏ََ و ما اشبه ذلك (بخبره) متعلق بقصر (افادة المخاطب) خبران.

(اما الحكم) مفعول الافادة (او كونه) اى كون المخبر (عالما به) اى بالحكم و المراد بالحكم هنا وقوع النسبة اولا وقوعها و كونه مقصودا للمخبر بخبر لا يستلزم تحققه في الواقع.

و هذا مراد من قال ان الخبر لا يدل على ثبوت المعنى او انتفائه على سبيل القطع و الا فلا يخفى ان مدلول قولنا زيد قائم و مفهومه ان القيام ثابت لزيد و عدم ثبوته له احتمال عقلى لا مدلول و لا مفهوم للفظ فليفهم.

(و يسمى الاول) اى الحكم الذى يقصد بالخبر افادته (فائدة الخبر و الثاني)

34

اى كون المخبر عالما به (لازمها) اى لازم فائدة الخبر، لانه كلما افاد الحكم افاد انه عالم به و ليس كلما افاد انه عالم بالحكم افاد نفس الحكم، لجواز ان يكون الحكم معلوما قبل الاخبار، كما في قولنا لمن حفظ التورية قد حفظت التورية و تسمية مثل هذا الحكم فائدة الخبر بناء على انه من شانه ان يقصد بالخبر و يستفاد منه و المراد بكونه عالما بالحكم حصول صورة الحكم في ذهنه و ههنا ابحاث شريفة سمحنا بها في الشرح.

(و قد ينزّل) المخاطب (العالم بهما) اى بفائدة الخبر و لازمها (منزلة الجاهل) فيلقى اليه الخبر و ان كان عالما بالفائدتين (لعدم جريه على موجب العلم) فان من لا يجرى على مقتضى علمه هو و الجاهل سواء كما يقال للعالم التارك للصلاة، الصلاة واجبة و تنزيل العالم بالشى منزلة الجاهل به لاعتبارات خطابية كثير في الكلام منه قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَرََاهُ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ خَلاََقٍ وَ لَبِئْسَ مََا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ بل تنزيل وجود الشى‏ء منزلة عدمه كثير منه قوله تعالى‏ وَ مََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ رَمى‏ََ .

(فينبغى) اى اذا كان قصد المخبر بخبره افادة المخاطب ينبغى (ان يقتصر من التركيب على قدر الحاجة) حذرا عن اللغو (فان كان) المخاطب (خالى الذهن من الحكم و التردد فيه) اى لا يكون عالما بوقوع النسبة او لا وقوعها و لا مترددا في ان النسبة هل هي واقعة ام لا.

و بهذا تبين فساد ما قيل ان الخلو عن الحكم يستلزم الخلو عن التردد فيه فلا حاجة الى ذكره بل التحقيق ان الحكم و التردد فيه متنافيان (استغنى) على لفظ المبنى للمفعول (عن مؤكدات الحكم) لتمكن الحكم في الذهن حيث وجده خاليا (و ان كان) المخاطب (مترددا فيه) اى في الحكم (طالبا له) بان حضر في ذهنه طرف الحكم و تحير في ان الحكم بينهما وقوع النسبة اولا وقوعها (حسن تقوية) اى تقويته الحكم (بمؤكد) ليزيل ذلك المؤكد تردده و يمكن فيه الحكم.

لكن المذكور في دلائل الاعجاز انه انما يحسن التأكيد اذا كان للمخاطب ظن في خلاف حكمك (و ان كان) اى المخاطب (منكرا) للحكم (وجب توكيده) اى‏

35

توكيد الحكم (بحسب الانكار) اى بقدرة قوة و ضعفا يعنى يجب زيادة التأكيد بحسب ازدياد الانكار ازالة له (كما قال اللّه تعالى حكاية عن رسل عيسى عليه السلام اذ كذبوا في المرة الاولى‏ إِنََّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ مؤكدا بانّ و اسمية الجملة (و في) المرة (الثانية) ربنا يعلم‏ إِنََّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ مؤكدا بالقسم و انّ و اللام و اسمية الجملة لمبالغة المخاطبين في الانكار حيث قالوا ما انتم الا بشر مثلنا و ما انزلنا الرحمن من شى‏ء ان انتم الا تكذبون و قوله اذ كذبوا مبنى على أن تكذيب الاثنين تكذيب الثلاثة و الا فالمكذب او لا اثنان.

(و يسمى الضرب الاول ابتدائيا و الثاني طلبيا و الثالث انكاريا و) يسمى (اخراج الكلام عليها) اى على الوجوه المذكورة و هي الخلو عن التأكيد في الاول و التقوية بمؤكد استحسانا في الثاني و وجوب التأكيد بحسب الانكار في الثالث (اخراجا على مقتضى الظاهر) و هو اخص مطلقا من مقتضى الحال لان معناه مقتضى ظاهر الحال فكل مقتضى الظاهر مقتضى الحال من غير عكس كما في صورة اخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر فانه يكون على مقتضى الحال و لا يكون على مقتضى الظاهر.

(و كثيرا ما يخرج) الكلام (على خلافه) اى على خلاف مقتضى الظاهر (فيجعل غير السائل كالسائل اذا قدم اليه) اى الى غير السائل (ما يلوح) اى يشير (له) اى لغير السائل (بالخبر فيستشرف) غير السائل (له) اى للخبر يعنى ينظر اليه يقال استشرف فلان الشى‏ء اذا رفع رأسه لينظر اليه و بسط كفه فوق حاجبه كالمستظل من الشمس (استشراف الطالب المتردد نحو و لا تخاطبني في الذين ظلموا) اى و لا تدعنى يا نوح في شأن قومك و استدفاع العذاب عنهم بشفاعتك فهذا كلام يلوح بالخبر تلويحا ما و يشعر بانه قد حق عليهم العذاب فصار المقام مقام ان يتردد المخاطب في انهم هل صاروا محكوما عليهم بالاغراق ام لا فقيل (انهم مغرقون) مؤكدا اى محكوم عليهم بالاغراق.

(و) يجعل (غير المنكر كالمنكر اذا لاح) اى ظهر (عليه) اى على غير المنكر

36

(شى‏ء من امارات الانكار نحو جاء شقيق) اسم رجل (عارضا رمحه) اى واضعا على العرض فهو لا ينكر ان في بنى عمه رماحا لكن مجيئه واضعا الرمح على العرض من غير التفات و تهيّؤ امارات انه يعتقد ان لا رمح فيهم بل كلهم عزل لا سلاح معهم فنزل منزلة المنكر و خوطب خطاب التفات بقوله (ان بنى عمك فيهم رماح) مؤكدا بانّ و فى البيت على ما اشار اليه الامام المرزوقى تهكم و استهزاء كانه يرميه بان فيه من الضعف و الجبن بحيث لو علم ان فيهم رماحا لما التفت لفت الكفاح و لم تقو يده على حمل الرماح على طريقة قوله:

فقلت لمحرز لما التقينا # تنكب لا يقطرك الزحام‏

يرميه بانه لم يباشر الشدائد و لم يدفع الى مضائق، المجامع كأنه يخاف عليه ان يداس بالقوائم، كما يخاف على الصبيان و النساء لقلة غنائه و ضعف بنائه.

(و) يجعل (المنكر كغير المنكر اذا كان معه) اى مع المنكر.

(ما ان تأمله) اى شى‏ء من الدلائل و الشواهد ان تأمل المنكر ذلك الشى (ارتدع) عن انكاره و معنى كونه معه ان يكون معلوما له و مشاهدا عنده كما تقول لمنكر الاسلام «الاسلام حق» من غير تأكيد لان مع ذلك المنكر دلائل دالة على حقيقة الاسلام و قيل معنى كونه معه ان يكون معه موجودا في نفس الامر.

و فيه نظر لان مجرد وجوده لا يكفى في الارتداع ما لم يكن حاصلا عنده.

و قيل معنى ما ان تأمله شى‏ء من العقل.

و فيه نظر لان المناسب حينئذ ان يقال ما ان تأمل به لانه لا يتأمل العقل بل يتأمل به.

(نحو لا ريب فيه) ظاهر هذا الكلام انه مثال لجعل منكر الحكم كغيره و ترك التأكيد لذلك.

و بيانه ان معنى لا ريب فيه انه ليس القرآن بمظنة للريب و لا ينبغى ان يرتاب فيه و هذا الحكم مما ينكره كثير من المخاطبين لكن نزل انكارهم منزلة عدمه لما معهم‏

37

من الدلائل الدالة على انه ليس مما ينبغى ان يرتاب فيه و الاحسن ان يقال انه نظير لتنزيل وجود الشى‏ء منزلة عدمه بناء على وجود ما يزيله فانه نزل ريب المرتابين منزلة عدمه تعويلا على وجود ما يزيله حتى صح نفى الريب على سبيل الاستغراق كما نزل الانكار منزلة عدمه لذلك حتى يصح ترك التأكيد.

(و هكذا) اى مثل اعتبارات الاثبات (اعتبارات النفى) من التجريد عن المؤكدات في الابتدائي و تقويته بمؤكد استحسانا في الطلبى و وجوب التأكيد بحسب الانكار في الانكارى تقول لخالى الذهن ما زيد قائما او ليس زيد قائما و للطالب ما زيد بقائم و للمنكر و اللّه ما زيد بقائم و على هذا القياس.

الاسناد الحقيقى و المجازى‏

(ثم الاسناد) مطلقا سواء كان انشائيا او اخباريا (منه حقيقة عقلية) لم يقل اما حقيقة و اما مجاز لان بعض الاسناد عنده ليس بحقيقة و لا مجاز كقولنا الحيوان جسم و الانسان حيوان و جعل الحقيقة و المجاز صفتى الاسناد دون الكلام لان اتصاف الكلام بهما انما هو باعتبار الاسناد و اوردهما في علم المعانى لأنهما من احوال اللفظ فيدخلان في علم المعاني.

(و هى) اى الحقيقة العقلية (اسناد الفعل او معناه) كالمصدر و اسم الفاعل و اسم المفعول و الصفة المشبهة و اسم التفضيل و الظرف (الى ما) اى الى شى‏ء.

(هو) اى الفعل او معناه (له) اى لذلك الشى‏ء كالفاعل فيما بنى له نحو ضرب زيد عمرا او المفعول فيما بنى له نحو ضرب عمرو فان الضاربية لزيد و المضروبية لعمرو (عند المتكلم) متعلق بقوله له و بهذا دخل فيه ما يطابق الاعتقاد دون الواقع (في الظاهر) و هو ايضا متعلق بقوله له و بهذا يدخل فيه ما لا يطابق الاعتقاد و المعنى اسناد الفعل او معناه الى ما يكون هو له عند المتكلم فيما يفهم من ظاهر حاله و ذلك بان لا ينصب قرينة دالة على انه غير ما هو له في اعتقاده و معنى كونه له ان معناه قائم به و وصف له و حقه ان يسند اليه سواء كان صادرا عنه باختياره كضرب او لا كمات و مرض.

38

و اقسام الحقيقة العقلية على ما يشمله التعريف اربعة:

الاول ما يطابق الواقع و الاعتقاد جميعا (كقول المؤمن انبت اللّه البقل و) .

الثاني ما يطابق الاعتقاد فقط نحو قول الجاهل انبت الربيع البقل.

الثالث ما يطابق الواقع فقط كقول المعتزلى لمن لا يعرف حاله و هو يخفيها منه خلق اللّه تعالى الافعال كلها و هذا المثال متروك في المتن.

(و) الرابع ما لا يطابق الواقع و الاعتقاد (نحو قولك جاء زيد و انت) اى و الحال انك خاصة (تعلم انه لم يجى‏ء) دون المخاطب اذ لو علمه المخاطب ايضا لما تعين كونه حقيقة لجواز ان يكون المتكلم قد جعل علم السامع بانه لم يجى‏ء قرينة على انه لم يرد ظاهره فلا يكون الاسناد الى ما هو له عند المتكلم في الظاهر.

(و منه) اى و من الاسناد (مجاز عقلى) و يسمى مجازا حكميا و مجازا في الاثبات و اسنادا مجازيا (و هو اسناده) اى اسناد الفعل او معناه (الى ملابس له) اى للفعل او معناه (غير ما هو له) اى غير الملابس الذى ذلك الفعل او معناه مبنى له يعنى غير الفاعل في المبنى للفاعل و غير المفعول به في المبنى للمفعول به سواء كان ذلك الغير غيرا في الواقع او عند المتكلم في الظاهر.

و بهذا سقط ما قيل انه ان اراد به غير ما هو له عند المتكلم في الظاهر فلا حاجة الى قوله يتأول و هو ظاهر و ان اراد به غير ما هو له في الواقع خرج عنه مثل قول الجاهل انبت اللّه البقل مجازا باعتبار الاسناد الى السبب.

(بتاول) متعلق باسناده و معنى التأول تطلّب ما يؤل اليه من الحقيقة او الموضع الذى يؤل اليه من العقل و حاصله ان ينصب قرينة صارفة عن ان يكون الاسناد الى ما هو له (و له) اى للفعل و هذا اشارة الى تفصيل و تحقيق للتعريفين.

(ملابسات شتى) اى مختلفة جمع شتيت كمريض (يلابس الفاعل و المفعول به و المصدر و الزمان و المكان و السبب) و لم يتعرض للمفعول معه و الحال و نحوهما لان الفعل لا يسند اليها.

(فاسناده الى الفاعل او المفعول به اذا كان مبنيا له) اى للفاعل او الى‏

39

المفعول به اذا كان مبنيا للمفعول به (حقيقة كما مر) من الامثلة.

(و) اسناده (الى غيرهما) اى: غير الفاعل او المفعول به، يعنى غير الفاعل في المبنى للفاعل، و غير المفعول به في المبنى للمفعول به (للملابسة) : يعنى لاجل ان ذلك الغير يشابه ما هو له في ملابسة الفعل (مجاز كقولهم عيشة راضية) فيما بنى للفاعل و اسند الى المفعول به اذ العيشة مرضية.

(و سيل مفعم) في عكسه اعنى فيما بنى للمفعول، و اسند الى الفاعل، لان السيل هو الذى يفعم اى يملاء من افعمت الاناء اى ملئته (و شعر شاعر) في المصدر و الاولى بالتمثيل بنحو جد جده لان الشعر ههنا بمعنى المفعول (و نهاره صائم) في الزمان (و نهر جار) في المكان لان الشخص صائم في النهار، و الماء جار في النهر (و بنى الامير المدينة) في السبب و ينبغى ان يعلم ان المجاز العقلي يجرى في النسبة الغير الاسنادية ايضا من الايقاعية نحو: اعجبنى انبات الربيع البقل، و جرى الانهار، قال اللّه تعالى: وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقََاقَ بَيْنِهِمََا و مَكْرُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ و نومت الليل و اجريت النهر.

قال اللّه تعالى: وَ لاََ تُطِيعُوا أَمْرَ اَلْمُسْرِفِينَ ، و التعريف المذكور انما هو للاسنادى.

اللهم الا ان يراد بالاسناد مطلق النسبة.

و ههنا مباحث نفيسة و شحنا بها في الشرح.

(و قولنا) في التعريف (بتأول يخرج نحو ما مر من قول الجاهل) انبت الربيع البقل رائيا، الانبات من الربيع فان هذا الاسناد و ان كان الى غير ما هو له في الواقع لكن لا تأول فيه لانه مراده و معتقده، و كذا شفى الطيب المريض و نحو ذلك فقوله بتأويل يخرج ذلك كما يخرج الاقوال الكاذبة، و هذا تعريض بالسكاكي، حيث جعل التأول لاخراج الاقوال الكاذبة فقط و للتنبيه.

على هذا تعرض المصنف في المتن لبيان فائدة هذا القيد مع انه ليس ذلك من دأبه فى هذا الكتاب و اقتصر على بيان اخراجه لنحو قول الجاهل مع انه يخرج الأقوال الكاذبة ايضا.

(و لهذا) اى: و لان مثل قول الجاهل خارج عن المجاز لاشتراط التأول فيه.

40

(لم يحمل نحو قوله:

اشاب الصغير و افنى الكبير # كر الغداة و مر العشى على المجاز

اى على ان اسناد اشاب و افنى الى كر الغداة و مر العشى مجاز (ما) دام (لم يعلم او) لم (يظن ان قائله) اى قائل هذا القول (لم يعتقد ظاهره) اى ظاهر الاسناد لانتفاء التأول حينئذ لاحتمال ان يكون هو معتقدا للظاهر فيكون من قبيل قول الجاهل انبت الربيع البقل.

(كما استدل) يعني ما لم يعلم و لم يستدل بشى‏ء على انه لم يرد ظاهره مثل هذا الاستدلال (على ان اسناد ميز) الى جذب الليالى (في قول ابي النجم ميز عن) عن الرأس (قنزعا عن قنزع) هو الشعر المجتمع في نواحى الرأس.

(جذب الليالى) اى مضيها و اختلافها (ابطئ او اسرعى) هو حال من الليالى على تقدير القول اى مقولا فيها و يجوز ان يكون الامر بمعنى الخبر (مجاز) خبر انّ اى استدل على ان اسناد ميز الى جذب الليالى مجاز (بقوله) متعلق باستدل اى بقول ابى النجم (عقيبه) اى عقيب قوله ميز عنه قنزعا عن قنزع (افناه) اى بالنجم او شعر رأسه..

(قيل اللّه) اى امر اللّه تعالى و ارادته (للشمس اطلعى) فانه يدل على اعتقاده انه من فعل اللّه و انه المبدئ و المعيد و المنشئ و المفنى فيكون الاسناد الى جذب الليالي بتأول بناء على انه زمان او سبب.

(و أقسامه) اى اقسام المجاز العقلى باعتبار حقيقة الطرفين او مجازيتهما (اربعة: لان طرفيه) و هما المسند اليه و المسند (اما حقيقتان) لغويتان (نحو انبت الربيع البقل او مجازان) لغويان (نحو احى الارض شباب الزمان) فان المراد باحياء الارض تهييج القوى النامية فيها و احداث نضارتها بانواع النبات و الاحياء في الحقيقة اعطاء الحياة و هي صفة تقتضى الحس و الحركة الارادية و كذا المراد بشباب الزمان زمان ازدياد قويها النامية و هو في الحقيقة عبارة عن كون الحيوان فى زمان تكون حرارته الغريزية مشبوبة

41

اى قوية مشتعلة (او مختلفان) بان يكون احد الطرفين حقيقة و الآخر مجازا (نحو انبت البقل شباب الزمان) فيما المسند حقيقة و المسند اليه مجازا.

(و احيى الارض الربيع) في عكسه و وجه الانحصار في الاربعة على ما ذهب اليه المصنف ظاهر لانه اشترط في المسند ان يكون فعلا او فى معناه فيكون في مفرد و كل مفرد مستعمل اما حقيقة او مجاز.

(و هو) : اى المجاز العقلي (في القرآن كثير) اى كثير فى نفسه لا بالاضافة الى مقابله حتى تكون الحقيقة العقلية قليلة.

و تقديم فى القرآن على كثير لمجرد الاهتمام كقوله تعالى‏ (وَ إِذََا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيََاتُهُ) اى آيات اللّه‏ (زََادَتْهُمْ إِيمََاناً) اسند الزيادة و هى فعل اللّه تعالى الى الايات لكونها سببا.

(يُذَبِّحُ أَبْنََاءَهُمْ) نسب التذبيح الذى هو فعل الجيش الى فرعون، لانه سبب آمر (يَنْزِعُ عَنْهُمََا لِبََاسَهُمََا) نسب نزع اللباس عن آدم و هو فعل اللّه تعالى حقيقة الى ابليس لان سببه الاكل من الشجر و سبب الاكل وسوسته و مقاسمته اياهما انه لهما لمن الناصحين.

(يَوْماً) نصب على انه مفعول به لتتقون؛ اى كيف تتقون يوم القيمة ان بقيتم على الكفر يوما.

(يَجْعَلُ اَلْوِلْدََانَ شِيباً) نسب الفعل الى الزمان و هو للّه تعالى حقيقة و هذا كناية عن شدته و كثرة الهموم: و الاحزان فيه لان الشيب هما يتسارع عند تفاقم الشدائد و المحن او عن طوله و ان الاطفال يبلغون فيه او ان الشيخوخة.

(و اخرجت الارض اثقالها) اى ما فيها من الدفائن و الخزائن نسب الاخراج الى مكانه و هو فعل اللّه تعالى حقيقة (و هو غير مختص بالخبر) عطف على قوله كثير اى و هو غير مختص بالخبر و انما قال ذلك لان تسميته بالمجاز في الاثبات و ايراده في احوال الاسناد الخبرى يوهم اختصاصه بالخبر.

(بل يجرى في الانشاء نحو ياهامان ابن لى صرحا) لان البناء فعل العملة،

42

و هامان سبب آمر، و كذلك قولك لينبت الربيع ما شاء و ليصم نهارك و ليجد جدك و ما اشبه ذلك، مما اسند فيه الامر او النهى الى ما ليس المطلوب فيه صدور الفعل او الترك عنه و كذا قولك ليت النهر جار و قوله تعالى‏ أَ صَلاََتُكَ تَأْمُرُكَ .

(و لا بدّ له) : اى للمجاز العقلى (من قرينة) صارفة عن ارادة ظاهرة، لان المتبادر الى الفهم عند انتفاء القرينة هو الحقيقة (لفظية كما مر) في قول ابى النجم من قوله افناه قيل اللّه (او معنوية كاستحالة قيام المسند بالمذكور) اى بالمسند اليه المذكور مع المسند.

(عقلا) اى من جهة العقل يعنى ان يكون بحيث لا يدعى احد من المحققين و المبطلين انه يجوز قيامه به لان العقل اذا خلى و نفسه يعده محالا (كقولك محبتك جاءت بى اليك) لظهور استحالة قيام المجى‏ء بالمحبة.

(او عادة) اى من جهة العادة (نحو هزم الامير الجند) لاستحالة قيام انهزام الجند بالامير وحده عادة و ان كان ممكنا عقلا و انما قال قيامه به ليعم الصدور عنه مثل ضرب و هزم و غيره مثل قرب و بعد.

(و صدوره) عطف على استحالة اى و كصدور الكلام (عن الموحد فى مثل اشاب الصغير) و افنى الكبير البيت فانه يكون قرينة معنوية على ان اسناد شاب و افنى الى كر الغداة و مر العشى مجاز، لا يقال هذا داخل فى الاستحالة لانا نقول لا نسلم ذلك كيف و قد ذهب اليه كثير من ذوى العقول و احتجنا فى ابطاله الى الدليل.

(و معرفة حقيقته) : يعنى ان الفعل فى المجاز العقلى يجب ان يكون له فاعل او مفعول به اذا اسند اليه يكون الاسناد حقيقة.

فمعرفة فاعله او مفعوله الذى اذا اسند اليه يكون الاسناد حقيقة (اما ظاهرة كما في قوله تعالى‏ (فَمََا رَبِحَتْ تِجََارَتُهُمْ أي فما ربحوا في تجارتهم و اما خفية) لا تظهر الا بعد نظر و تأمل (كما فى قولك سرتنى رؤيتك) اى سرنى اللّه عند رؤيتك (و قوله «يزيدك وجهه حسنا، اذا ما زدته نظرا» ) اى يزيدك اللّه حسنا فى وجهه لما اودعه من دقائق الحسن و الجمال تظهر بعد التأمل و الامعان.

43

و فى هذا تعريض بالشيخ عبد القاهر وردّ عليه حيث زعم انه لا يجب فى المجاز العقلى ان يكون الاسناد اليه حقيقة لانه ليس لسرتنى فى سرتنى رؤيتك و لا ليزيدك فى يزيدك وجهه حسنا فاعل يكون الاسناد اليه حقيقة و كذا اقدمنى بلدك حق لى على فلان بل الموجود ههنا هو السرور و الزيارة و القدوم.

و اعترض عليه الامام فخر الدين الرازى: بان الفعل لابد و ان يكون له فاعل حقيقة لامتناع صدور الفعل لا عن فاعل فهو ان كان ما اسند اليه الفعل فلا مجاز و الا فيمكن تقديره.

فزعم صاحب المفتاح ان اعتراض الامام حق و ان فاعل هذه الافعال هو اللّه تعالى و ان الشيخ لم يعرف حقيقتها لخفائها فتبعه المصنف و فى ظنى ان هذا تكلف و الحق ما ذكره الشيخ.

(و انكره) اى المجاز العقلى (السكاكى) و قال: الذى عندى نظمه فى سلك الاستعارة بالكناية بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقى بواسطة المبالغة فى التشبيه و جعل نسبة الانبات اليه قرينة للاستعارة و هذا معنى قوله (ذاهبا الى ان ما مر) من الامثلة (و نحوه استعارة بالكناية) و هى عند السكاكى ان تذكر المشبه و تريد المشبه به بواسطة قرينة.

و هى إن تنسب اليه شيئا من اللوازم المساوية للمشبه به مثل ان تشبه المنية بالسبع ثم تفردها بالذكر و تضيف اليها شيئا من لوازم السبع فتقول مخالب المنية نشبت بفلان بناءا (على ان المراد بالربيع الفاعل الحقيقى) للانبات يعنى القادر المختار (بقرينة نسبة الانبات) الذى هو من اللوازم المساوية للفاعل الحقيقى (اليه) اى الى الربيع.

(و على هذا القياس غيره) اى غير هذا المثال و حاصله ان يشبه الفاعل المجازى بالفاعل الحقيقى فى تعلق وجود الفعل به ثم يفرد الفاعل المجازى بالذكر و ينسب اليه شى‏ء من لوازم الفاعل الحقيقى.

(و فيه) اى فيما ذهب اليه السكاكى (نظر لانه يستلزم ان يكون المراد

44

بعيشة فى قوله تعالى‏ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ* صاحبها لما سيأتى) في الكتاب من تفسير الاستعارة بالكناية على مذهب السكاكي و قد ذكرناه و هو يقتضى ان يكون المراد بالفاعل المجازى هو الفاعل الحقيقى فيلزم ان يكون المراد بعيشة صاحبها و اللازم باطل اذ لا معنى لقولنا فهو في صاحب عيشة راضية و هذا مبنى على ان المراد بعيشة و ضمير راضية واحد.

(و) يستلزم (ان لا تصح الاضافة فى) كل ما اضيف الفاعل المجازى الى الفاعل الحقيقى (نحو نهاره صائم لبطلان اضافة الشى‏ء الى نفسه) اللازمة من مذهبه لان المراد بالنهار حينئذ فلان نفسه و لا شك فى صحة هذه الاضافة و وقوعها كقوله تعالى‏ فَمََا رَبِحَتْ تِجََارَتُهُمْ و هذا اولى بالتمثيل.

(و) يستلزم (ان لا يكون الامر بالبناء) في قوله تعالى: يََا هََامََانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً (لهامان) لان المراد به حينئذ هو العملة انفسهم و اللازم باطل لان النداء له و الخطاب معه.

(و) يستلزم (ان يتوقف نحو انبت الربيع البقل) و شفى الطبيب و المريض و سرتنى رؤيتك مما يكون الفاعل الحقيقى هو اللّه تعالى (على السمع) من الشارع لان اسماء اللّه تعالى توقيفية و اللازم باطل، لان مثل هذا التركيب صحيح شائع ذائع عند القائلين بان اسماء اللّه تعالى توقيفية و اللازم باطل لان مثل هذا التركيب صحيح شائع ذائع عند القائلين بان اسماء اللّه تعالى توفيقيه و غيرهم سمع من الشارع او لم يسمع.

(و اللوازم كلها منتفية) كما ذكرناه فينتفى كونه من باب الاستعارة بالكناية لان انتفاء اللوازم يوجب انتفاء الملزوم.

و الجواب ان مبنى هذه الاعتراضات على ان مذهب السكاكى في الاستعارة بالكناية ان يذكر المشبه و يراد المشبه به حقيقة و ليس كذلك بل مذهبه ان يراد المشبه به ادعاءا و مبالغة لظهور ان ليس المراد بالمنية في قولنا مخالب المنية نشبت بفلان هو السبع حقيقة و السكاكى صرح بذلك في كتابه و المصنف لم يطلع عليه (و لانه) اى ما ذهب اليه السكاكى (ينتقض بنحو نهاره صائم) و ليله قائم و ما اشبه ذلك مما يشتمل‏

45

على ذكر الفاعل الحقيقى (لاشتماله على ذكر طرفى التشبيه) و هو مانع من حمل الكلام على الاستعارة كما صرح به السكاكى، و الجواب انه انما يكون مانعا اذا كان ذكرهما على وجه ينبئ عن التشبيه بدليل انه جعل قوله

لا تعجبوا من بلى غلالته # قد زرا زرارة على القمر

من باب الاستعارة مع ذكر الطرفين و بعضهم لما لم يقف على مراد السكاكى بالاستعارة بالكناية اجاب عن هذه الاعتراضات بما هو برئ عنه و رأينا تركه اولى.

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

الباب الثاني (احوال المسند اليه)

اى الامور العارضة له من حيث انه مسند اليه، و قدم المسند اليه على المسند لما سيأتى.

(اما حذفه) قدمه على سائر الاحوال، لكونه عبارة عن عدم الاتيان به، و عدم الحادث سابق على وجوده، و ذكره ههنا بلفظ الحذف، و في المسند بلفظ الترك، تنبيها على ان المسند اليه هو الركن الاعظم الشديد الحاجة اليه، حتى انه اذا لم يذكر فكأنه اتى به، ثم حذف بخلاف المسند، فانه ليس بهذه المثابة فكأنه ترك عن اصله (فللاحتراز عن العبث بناء على الظاهر) لدلالة القرينة عليه و ان كان في الحقيقة هو الركن من الكلام (او تخييل العدول الى اقوى الدليلين و اللفظ) .

فان الاعتماد عند الذكر على دلالة اللفظ من حيث الظاهر، و عند الحذف على دلالة العقل و هو اقوى لافتقار اللفظ اليه.

و انما قال تخييل لان الدال حقيقة عند الحذف ايضا هو اللفظ المدلول عليه بالقرائن (كقوله قال لي كيف انت قلت عليل) و لم يقل انا عليل، للاحتراز و التخييل المذكورين (او اختبار تنبه السامع) عند القرينة هل يتنبه ام لا.

(و) اختبار (مقدار تنبهه) هل يتنبه بالقرائن الخفية ام لا (او ايهام صونه) اى صون المسند اليه (عن لسانك) تعظيما له (او عكسه) اى ايهام صون لسانك عنه تحقيرا له (او تأتى الانكار) اى تيسره (لدى الحاجة) نحو فاسق فاجر عند قيام القرينة على ان المراد زيد ليتأتى لك ان تقول ما اردت زيدا بل غيره (او تعينه) .

و الظاهر ان ذكر الاحتراز عن العبث يغنى عن ذلك لكن ذكره لامرين.

48

احدهما: الاحتراز عن سوء الادب فيما ذكروا له من المثال و هو خالق لما يشاء و فاعل لما يريد، اى: اللّه تعالى.

و الثاني التوطئة و التمهيد لقوله (او ادعاء التعين له) نحو وهاب الاولوف اى السلطان (او نحو ذلك) كضيق المقام عن اطالة الكلام بسبب ضجرة او سآمة او فوات فرصة او محافظة على وزن او سجع او قافية او نحو ذلك كقول الصياد غزال اى هذا غزال او كالاخفاء عن غير السامع من الحاضرين مثل جاء و كاتباع الاستعمال الوارد على تركه مثل رمية من غير رام او ترك نظائره مثل الرفع على المدح او الذم او الترحم.

(و اما ذكره) اى ذكر المسند اليه (فلكونه) اى الذكر (الاصل) و لا مقتضى للعدول عنه (او للاحتياط لضعف التعويل) اى الاعتماد (على القرينة او للتنبيه على غباوة السامع او زيادة الايضاح و التقرير) .

و عليه قوله تعالى: أُولََئِكَ عَلى‏ََ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ* (او اظهار تعظيمه) لكون اسمه مما يدل على التعظيم نحو امير المؤمنين حاضر (او اهانته) اى اهانة المسند اليه لكون اسمه مما يدل على الاهانة مثل السارق اللئيم حاضر (او التبرك بذكره) مثل النبي عليه السلام قائل هذا القول (او استلذاذه) مثل الحبيب حاضر (او بسط الكلام حيث الاصغاء مطلوب) اى في مقام يكون اصغاء السامع مطلوبا للمتكلم لعظمته و شرفه.

و لهذا يطال الكلام مع الاحباء و عليه (نحو) قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام‏ (هِيَ عَصََايَ) أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهََا. و قد يكون الذكر للتهويل او التعجب او الاشهاد في قضية او التسجيل على السامع حتى لا يكون له سبيل الى الانكار (و اما تعريفه) اى ايراد المسند اليه التعريف و في المسند التنكير. (فبالاضمار لان المقام للتكلم) نحو انا ضربت (او الخطاب) نحو انت ضربت (او الغيبة) نحو هو ضرب لتقدم ذكره اما لفظا تحقيقا او تقديرا و اما معنى لدلالة اللفظ عليه او قرينة حال و اما حكما. ـ

49

(و اصل الخطاب ان يكون لمعين) واحدا كان او اكثر لان وضع المعارف على ان تستعمل لمعين مع ان الخطاب هو توجيه الكلام الى حاضر (و قد يترك) الخطاب مع معين (الى غيره) اى غير معين (ليعم) الخطاب (كل مخاطب) على سبيل البدل (نحو و لو ترى اذا المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم) لا يريد بقوله و لو ترى اذ المجرمون مخاطبا معينا قصدا الى تفظيع حالهم (اى تناهت حالهم في الظهور) لاهل المحشر الى حيث يمتنع خفاؤها فلا يختص بها رؤية راء دون راء.

و اذا كان كذلك (فلا يختص به) اى بهذا الخطاب (مخاطب) دون مخاطب بل كل من يتأتى منه الرؤية فله مدخل في هذا الخطاب و في بعض النسخ فلا يختص بها اى برؤية حالهم مخاطب او بحالهم رؤية مخاطب على حذف المضاف.

(و بالعلمية) اى تعريف المسند اليه بايراده علما و هو ما وضع لشى‏ء مع جميع مشخصاته (لاحضاره) اى المسند اليه (بعينه) اى بشخصه، بحيث يكون متميزا عن جميع ما عداء.

و احترز بهذا عن احضاره باسم جنسه نحو رجل عالم جاءنى (في ذهن السامع ابتداء) اى اول مرة و احترز به عن نحو جاءنى زيد و هو راكب (باسم مختص به) اى بالمسند اليه بحيث لا يطلق باعتبار هذا الوضع على غيره.

و احترز به عن احضاره بضمير المتكلم او المخاطب او اسم الاشارة او الموصول او المعرف بلام العهد او الاضافة و هذه القيود لتحقق مقام العلمية و الا فالقيد الاخير مغن عما سبق.

و قيل احترز بقوله ابتداء، عن الاحضار بشرط التقدم، كما في المضمير الغائب و المعرف بلام العهد و الموصول فانه يشترط تقدم ذكره او تقدم العلم بالصلة.

و فيه نظر لان جميع طرق التعريف كذلك حتى العلم فانه مشروط بتقدم العلم بالوضع (نحو قل هو اللّه احد) فاللّه اصله الاله حذفت الهمزة و عوضت عنها حرف التعريف ثم جعل علما للذات الواجب الوجود الخالق للعالم.

و زعم بعضهم انه اسم لمفهوم الواجب لذاته او المستحق للعبودية له و كل منهما

50

كل انحصر في فرد فلا يكون علما لان مفهوم العلم جزئى.

و فيه نظر لانا لا نسلم انه اسم لهذا المفهوم الكلى كيف و قد اجتمعوا على ان قولنا لا اله الا اللّه كلمة التوحيد و لو كان اللّه اسما لمفهوم كلى لما افادت التوحيد لان الكلى من حيث انه كلى يحتمل الكثرة (او تعظيم او اهانة) كما في الالقاب الصالحة لذلك مثل ركب على و هرب معاوية (او كناية) عن معنى يصلح للعلم له نحو ابو لهب فعل كذا كناية عن كونه جهنميا بالنظر الى الوضع الاول اعنى الاضافى لان معناه ملازم النار و ملابسها و يلزمه انه جهنمى فيكون انتقالا من الملزوم الى اللازم باعتبار الوضع الاول و هذا القدر كاف في الكناية.

و قيل في هذا المقام ان الكناية كما يقال جاء حاتم و يراد به لازمه اى جواد لا الشخص المسمى بحاتم و يقال رأيت ابا لهب اى جهنميا.

و فيه نظر لانه حينئذ يكون استعارة لا كناية على ما سيجئ و لو كان المراد ما ذكره لكان قولنا فعل هذا الرجل كذا مشيرا الى كافر.

و قولنا ابو جهل فعل كذا كناية عن الجهنمى و لم يقل به احد.

و مما يدل على فساد ذلك انه مثل صاحب المفتاح و غيره في هذه الكناية، بقوله تعالى‏ تَبَّتْ يَدََا أَبِي لَهَبٍ .

و لا شك ان المراد به الشخص المسمى بابى لهب لا كافر آخر (او ايهام استلذاذه) اى وجدان العلم لذيذا نحو قوله.

باللّه يا ظبيات القاع قلن لنا # ليلاى منكن ام ليلى من البشر

(او التبرك به) نحو اللّه الهادى، و محمد الشفيع، او نحو ذلك، كالتفؤل و التطير و التسجيل على السامع و غيره مما يناسب اعتباره في الاعلام.

(و بالموصولية) اى تعريف المسند اليه بايراده اسم موصول (لعدم علم المخاطب بالاحوال المختصة به سوى الصلة كقولك الذى كان معنا امس رجل عالم) و لم يتعرض المصنف لما لا يكون للمتكلم او لكليهما علم بغير الصلة نحو الذين فى بلاد المشرق لا اعرفهم او لا نعرفهم لقلة جدوى مثل هذا الكلام (او استهجان‏