ديوان أبي طالب بن عبد المطلب

- ابو هفان المهزمي المزيد...
381 /
7

المقدمة

ترجمة الشاعر، ترجمة أبي هفان المهزمي، ترجمة علي بن حمزة البصري، نسخ الديوان المخطوطة، منهج التحقيق.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، و على آله الطيبين الطاهرين.

ليس هذا الديوان الذي أقدّمه اليوم إلى القراء الكرام، من نمط دواوين الشعر الاخرى التي ينهض الباحثون لتحقيقها، ليمثّل كلّ واحد منها أدب عصره و مصره، في خصائصه و أساليبه، و صوره و تراكيبه، و لتنحصر فائدته أو معظمها بدارسي الأدب و نقّاده المعنيين بتقسيماته الزمنية أو الطبقية، و سماته الحضارية و الفنية، دون غيرهم من جمهور الدارسين و المتذوقين.

إنه ديوان من نمط آخر قليل النظير

____________

1 *

، يضم إلى جانب الحكاية الصادقة لأدب ذلك العصر في هيكله العام و خطوطه العريضة، خلاصة وافية بما يتطلّبه المهتمون بقضايا التاريخ و السيرة الشريفة و المعنيون بمفردات اللغة و شواهدها الشعرية و نصوصها الموثّقة و اشتقاقاتها النادرة. فكان-بهذا التميز و الخصوصية-تحفة نفيسة من تحف التراث الخالد، و درة لامعة من درر الأدب الأصيل، و مصدرا قيما من مصادر البحث في الشعر الذي أتيح له أن يواكب نهاية عصر و بداية عصر. فيعبّر في مجمل خصائصه و ملامحه و أفكاره عن ذيول فترة مظلمة دابرة، و اطلالة عهد مشرق مؤمّل.

____________

(1) * يراجع في تقويم شعر أبي طالب و شاعريته: طبقات فحول الشعراء: 1/244-245 و شرح نهج البلاغة: 15/219 و 272 و 278 و تاريخ آداب العرب للرافعي: 1/384-385.

10

و حسب هذا الديوان قيمة و أهمية و وزنا، أن يكون ناظم عقده و مبدع فرائده «شيخ الأباطح» (1) ، بل «شيخ قريش و رئيس مكة» «و سيد بني هاشم في زمانه» (2) أبو طالب-و اسمه عبد مناف‏ (3) -بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرّة ابن كعب بن لويّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان‏ (4) .

كان جدّه هاشم بن عبد مناف وارث أمجاد آبائه العظام سادة مكة و الجزيرة العربية، و قد أقرّ له قومه بالرئاسة و الزعامة، فولي أمور الرّفادة و السّقاية (5) ، و كان «أوّل من سنّ الرحلتين لقريش رحلتي الشتاء و الصيف» (6) «في الشتاء إلى اليمن و في الصيف إلى الشام، و شرك في تجارته و رؤساء القبائل من العرب، و من ملوك اليمن و الشام...

فأخصبت قريش بذلك و حملت معه أموالها... و حسنت حالها و طاب عيشها» (7) .

و كان هاشم «أوّل من أطعم الثريد بمكة، و إنما كان اسمه عمرا، فما سمّي هاشما إلاّ بهشمه الخبز بمكة لقومه» (8) لما ألمّت بهم المجاعة و أطبق عليهم القحط فلم يدع لديهم ما تسدّ به الأرماق.

____________

(1) تاريخ الطبري: 5/149 في شعر معاوية الذي خاطب به عمرو بن العاص.

(2) شرح نهج البلاغة: 1/29 و 15/219.

(3) السير و المغازي: 69 و سيرة ابن هشام: 1/113 و طبقات ابن سعد: 1/ق 1/56 و 3/ق 1/11 و كنى الشعراء/نوادر المخطوطات: 2/281 و تاريخ الطبري: 2/239 و 5/153 و شرح نهج البلاغة: 15/219.

و قال ابن حجر في الاصابة: 4/115 «اسمه عبد مناف على المشهور، و قيل: عمران، و قال الحاكم:

أكثر المتقدمين على أن اسمه كنيته» .

(4) سيرة ابن هشام: 1/1-2.

(5) سيرة ابن هشام: 1/143.

(6) سيرة ابن هشام: 1/143 و طبقات ابن سعد: 1/ق 1/43 و تأريخ الطبري: 2/252.

(7) شرح نهج البلاغة: 15/202.

(8) سيرة ابن هشام: 1/143 تاريخ الطبري: 2/252.

11

و توفي هاشم في ميعة صباه و عنفوان شبابه بغزّة بفلسطين، و دفن فيها. و كان له من العمر عشرون سنة، و قيل: خمس و عشرون سنة (9) .

و ورث عبد المطلب-والد شاعرنا-هذه الأمجاد و المفاخر، فكان إليه «ما كان إلى من قبله من بني عبد مناف من أمر السقاية و الرفادة، و شرف في قومه و عظم فيهم خطره، فلم يكن يعدل به منهم أحد» (10) . و كان «أحسن قريش وجها، و أمدّهم جسما، و أحلمهم حلما، و أجودهم كفّا، و أبعد الناس من كل موبقة تفسد الرجال» (11) ، «سيد قريش، و صاحب عير مكة، يطعم الناس بالسهل و الوحوش في رءوس الجبال» (12) .

و كان عبد المطلب هو الذي جدّد حفر بئر زمزم و أقام سقايتها للحجاج‏ (13) ، و أول من حلى باب الكعبة بالذهب‏ (14) ، و رزق من البنين عشرة كما هو معروف، و كان عبد اللّه و الزبير و عبد مناف-أي أبو طالب-لأمّ واحدة (15) : و هي فاطمة بنت عمرو بن عائذ ابن عبد اللّه بن عمران بن مخزوم‏ (16) ، و سائر ولده الآخرين لأمّهات شتى.

و توفي عبد المطلب، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ابن ثماني سنين‏ (17) ، و كان في كفالته و رعايته بعد وفاة أبيه عبد اللّه‏ (18) . و لمّا «حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و حياطته» (19) .

____________

(9) سيرة ابن هشام: 1/144 و كامل ابن الأثير: 2/10.

(10) تأريخ الطبري: 2/251.

(11) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/51.

(12) سيرة ابن هشام: 1/51.

(13) سيرة ابن هشام: 1/116 و 150 و تاريخ الطبري: 2/251.

(14) سيرة ابن هشام: 1/155.

(15) تاريخ الطبري: 2/239.

(16) السير و المغازي: 33. و لم يرد (عبد اللّه) في سلسلة نسبها في شرح نهج البلاغة: 1/14 و الاصابة: 4/115.

(17) سيرة ابن هشام: 1/178 و تاريخ الطبري: 2/166.

(18) سيرة ابن هشام: 1/167 و 177 و 178.

(19) سيرة ابن هشام: 1/189 و طبقات ابن سعد: 1/ق 1/74-75 و تاريخ الطبري: 2/277 و الإصابة: 4/115.

12

ولد أبو طالب قبل المولد النبوي الشريف بخمس و ثلاثين سنة على ما ذكر ابن حجر (20) ، و يؤيد ذلك ما رواه الرواة من أنّ عمره يوم وفاته في السنة العاشرة من البعثة «بضع و ثمانون سنة» (21) .

و خلف أباه عبد المطلب في بني هاشم خاصة و قريش عامة، فكان «شيخهم و المطاع فيهم» (22) و «رئيس مكة» الذي «كانت قريش تسميه الشيخ» (23) .

و هو أول من سنّ القسامة في الجاهلية في دم عمرو بن علقمة، ثم أثبتتها السّنّة في الإسلام‏ (24) .

و كانت السقاية بيد أبي طالب وراثة له من آبائه، ثم سلّمها لما شاخ و شغله أمر ابن أخيه بعد بعثته إلى أخيه العباس بن عبد المطلب‏ (25) .

تزوج أبو طالب «فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ» (26) ، و كانت «أول هاشمية ولدت لهاشمي، و هي التي ربّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في حجرها، و كان يدعوها أمّي.... و كان يوجب حقّها كما يوجب حقّ الأمّ» (27) ، «و كانت امرأة صالحة، و كان رسول اللّه-ص-يزورها و يقيل في بيتها» (28) . و هي «أول امرأة بايعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من النساء، و أسلمت بعد عشرة من المسلمين و كانت الحادي عشر» (29) ، و هاجرت إلى

____________

(20) الاصابة: 4/115.

(21) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/79 و الحجة: 65 و الاصابة: 4/118 و اسنى المطالب: 10.

(22) شرح نهج البلاغة: 11/116.

(23) شرح نهج البلاغة: 1/29.

(24) شرح نهج البلاغة: 15/219.

(25) شرح نهج البلاغة: 15/219.

(26) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/77 و 8/34 و 161.

(27) شرح نهج البلاغة: 15/278.

(28) طبقات ابن سعد: 8/161 و الاصابة: 4/368-369.

(29) شرح نهج البلاغة: 1/14.

13

المدينة المنورة فيمن هاجر إليها من المسلمين و المسلمات‏ (30) ، و أدركتها الوفاة في دار الهجرة (31) ، فصلّى عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، «و ألبسها قميصه، و اضطجع معها في قبرها، فقال أصحابه: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه، فقال: إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، و اضطجعت معها ليهون عليها ضغطة القبر» (32) .

و رزق أبو طالب من البنين أربعة:

1-طالب، «و كان أكبر ولده، و كان المشركون أخرجوه و سائر بني هاشم إلى بدر كرها... فلما انهزموا لم يوجد في الأسرى و لا في القتلى و لا رجع إلى مكة و لا يدرى ما حاله، و ليس له عقب» (33) .

2-عقيل، و «كان بينه و بين طالب في السنّ عشر سنين، و كان عالما بنسب قريش» (34) . و كان أبو طالب يحب عقيلا حبا جمّا، و كذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و قد روي أنه قال له يوما: «إني أحبّك حبّين: حبّا لقرابتك مني، و حبّا لما كنت أعلم من حبّ عمي إياك» (35) .

3-جعفر، و «كان بينه و بين عقيل في السنّ عشر سنين، و هو قديم الاسلام، من مهاجرة الحبشة، و قتل يوم مؤتة شهيدا، و هو ذو الجناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء» (36) .

____________

(30) الاستيعاب: 4/369-370 و أسد الغابة: 5/517 و الاصابة: 4/368.

(31) المصادر السابقة نفسها.

(32) الاستيعاب: 4/370 و أسد الغابة: 5/517 و شرح نهج البلاغة: 1/14.

(33) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/77 و شرح نهج البلاغة: 1/13 و 11/250.

(34) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/77 و شرح نهج البلاغة: 1/13 و 11/250.

(35) شرح نهج البلاغة: 11/250 و 14/70.

(36) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/77 و شرح نهج البلاغة: 1/13 و 11/250.

14

4-علي، و «كان بينه و بين جعفر في السنّ عشر سنين» (37) ، و هو أوّل المسلمين، و أمير المؤمنين، و سيد الوصيين، و الامام الخالد الذكر على مرّ القرون و كرّ السنين.

كما رزق من البنات كلا من:

1-أمّ هانئ، و اسمها هند أو فاختة، تزوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي، و ولدت له جعدة بن هبيرة (38) .

2-جمانة، تزوجها أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، و ولدت له جعفرا (39) .

3-ريطة، و تعرف بكنيتها أمّ طالب أيضا (40) .

4-و قال بعضهم: له ابنة اسمها أسماء (41) .

و لما توفّي عبد المطلب والت شئونه العامة و الخاصة إلى وارث مجده أبي طالب قام بانفاذ وصية أبيه بمحمد بكل أمانة و حنان و اخلاص، و ولي أمر ابن أخيه-و كان له من العمر يومذاك ثمانية أعوام-بأفضل وجه و أكمله، «فكان إليه و معه» (42) ، و «كان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده، و كان لا ينام إلاّ إلى جنبه. و يخرج فيخرج معه، و صبّ به أبو طالب صبابة لم يصبّ مثلها بشي‏ء قط... يخصه بالطعام» (43) ، و يخاف عليه «البيات

____________

(37) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/77 و شرح نهج البلاغة: 1/13 و 11/250.

(38) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/77 و 8/32، 35، 108، 109 و الاستيعاب: 4/479-480 و الاصابة:

4/479-480.

(39) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/77 و 8/32-33 و 35 و الاستيعاب: 4/259 و الاصابة: 4/252.

(40) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/77 و 8/32 و 35 و الاصابة: 4/303 و 449.

(41) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/77.

(42) سيرة ابن هشام: 1/190.

(43) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/75.

15

إذا عرف مضجعه، فكان يقيمه ليلا من منامه و يضجع ابنه عليّا مكانه» (44) . و «يصبح ولد عبد المطلب غمصا رمصا و يصبح-ص-صقيلا دهينا» (45) .

و قابل محمد عمّه أبا طالب حبا بحبّ و اخلاصا باخلاص. و روى المؤرخون أن أبا طالب لما تهيأ للسفر في تجارته إلى الشام «و أجمع المسير، ضبّ به (أي تعلّق) رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فرقّ له أبو طالب و قال: و اللّه لاخرجنّ به معي و لا يفارقني و لا أفارقه أبدا. فخرج به معه» (46) ، و هي الرحلة التي اجتمعوا فيها بالراهب بحيرى في بصرى من أرض الشام، و قد ظهر فيها من امارات النبوة و شواهدها ما شاع ذكره و ذاع خبره‏ (47) ، مما لا مجال لسرده في هذه المقدمة، و كان للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم يومذاك من العمر «تسع سنين» (48) ، أو «اثنا عشرة سنة» (49) .

و شاهد أبو طالب أباه عبد المطلب يستسقي بالنبي صلّى اللّه عليه و سلّم حينما أصيبت مكة بالجدب، «فقد روى الخطّابي: أن قريشا تتابعت عليهم سنو جدب في حياة عبد المطلب، فارتقى هو و من حضر معه من قريش أبا قبيس بعد أن استلموا ركن البيت، فقام عبد المطلب و اعتضد النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فرفعه على عاتقه و هو يومئذ غلام، ثم دعا. فسقوا في الحال» . و فعل أبو طالب مثل ذلك «حين أصاب أهل مكة قحط شديد، و أتوا أبا طالب فقالوا له: قد أقحط الوادي و أجدب العيال فهلمّ فاستسق. فخرج أبو طالب و أخرج معه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و هو غلام، فأخذه أبو طالب فألصقه بالكعبة، و أشار الغلام باصبعه إلى السماء كالملتجي، و ما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا و هاهنا، و أمطرت السماء، و اغدودق الوادي، و أخصب النادي و البادي» (50) .

____________

(44) شرح نهج البلاغة: 14/64.

(45) تأريخ الطبري: 2/166.

(46) السير و المغازي: 73 و سيرة ابن هشام: 1/191 و تأريخ الطبري: 2/277.

(47) السير و المغازي: 73-76 و سيرة ابن هشام: 1/191-194 و طبقات ابن سعد: 1/ق 1/76-77 و 82-83 و 99-100 و تاريخ الطبري: 2/277-279.

(48) تأريخ الطبري: 2/278.

(49) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/76 و 99.

(50) يراجع في قصة هذا الاستسقاء: الفائق: 3/159.

16

و لما قامت حرب الفجار حضرها أبو طالب حضور القادة و الزعماء، و كان «يحضر معه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و هو غلام، فإذا جاء أبو طالب هزمت قيس، و إذا لم يجي‏ء هزمت كنانة، فقالوا لأبي طالب: لا أبا لك، لا تغب عنّا، ففعل» (51) ، و كان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يوم قيام هذه الحرب ابن عشرين سنة (52) . و قيل: ابن أربع عشرة سنة أو خمس عشرة (53) ، و المشهور الأول.

و كذلك كان أمر أبي طالب في حلف الفضول الذي دعا إليه الزبير بن عبد المطلب على أثر منصرف قريش من حرب الفجار، فقد شارك فيه شيخ الأباطح مشاركة فعّالة.

و «تعاقدوا و تعاهدوا باللّه لنكوننّ مع المظلوم حتى يؤدّى إليه حقّه» ، و لم يستطع هذا الشيخ مفارقة ابن أخيه أثناء ذلك، فكان يحضره معه و هو ابن عشرين سنة (54) .

و لما عزم محمد صلّى اللّه عليه و سلّم على الزواج بالسيدة خديجة بنت خويلد-رضي اللّه عنها-دعا أعمامه و ذوي قرباه إلى الحضور في دارها لهذا الغرض، و لم يكن فيهم من يتقدّم على أبي طالب في إلقاء خطبة النكاح، فخطب و قال:

«الحمد للّه الذي جعلنا من زرع ابراهيم و ذريّة اسماعيل، و جعل لنا بيتا محجوجا و حرما امنا (يجبى إليه ثمرات كل شي‏ء) ، و جعلنا الحكّام على الناس. و بارك لنا في بلدنا الذي نحن به. ثم إن ابن أخي محمد بن عبد اللّه (بن عبد المطلب) لا يوزن برجل من قريش إلاّ رجح، و لا يقاس بأحد منهم إلاّ عظم عنه، و إن كان في المال قلّ فإن المال رزق

____________

(51) شرح نهج البلاغة: 15/220.

(52) سيرة ابن هشام: 1/198 و طبقات ابن سعد: 1/ق 1/81.

(53) سيرة ابن هشام: 1/195.

(54) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/82.

17

حائل و ظل زائل، و له في خديجة رغبة، و لها فيه رغبة، و الصداق ما سألتموه عاجله (و آجله) من مالي. و له خطر عظيم و نبأ شايع (و شأن رفيع و لسان شافع جسيم) » (55) .

ثم بعث اللّه تعالى محمدا برسالة الإسلام.

و ثارت ثائرة قريش على هذه الرسالة الجديدة و رسولها الكريم، و مارست-في سبيل صدّ هذا الطوفان المدمّر لخيلائها و كبريائها-كلّ ألوان الحرب الساخنة و الباردة. و كلّ ضروب الارهاب و المطاردة و الهمز و اللمز و الاتهام بالكذب و السحر و الجنون. و كانت هذه المجابهة من العنف و الشدة بالدرجة التي لم يكن في قدرة حامل الرسالة أن يثبت ازاءها مطمئنا على حياته و سلامته، لو لا أن قيّض اللّه لذلك أبا طالب صاحب المقام الرفيع في قريش، و الزعامة في مكة، و الرئاسة في بني هاشم، فنصر و أيّد، و دافع و حامى، و بذل كلّ طاقاته و قدراته في دفع الأذى و ردّ الخطر عن الرسالة و الرسول.

يقول ابن اسحاق:

كان أبو طالب للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم «عضدا و حرزا في أمره، و منعة و ناصرا على قومه» (56) .

و يقول أيضا:

«فلم يزل أبو طالب ثابتا صابرا مستمرا على نصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و حمايته و القيام دونه حتى مات» (57) .

و يقول النقيب أبو جعفر يحيى بن محمد:

____________

(55) تأريخ اليعقوبي: 2/14-15 و من لا يحضره الفقيه: 3/251-252 و منه الزيادات الموضوعة بين معقوفين، و يراجع في نص الخطبة أيضا الكامل للمبرد: 4/4 و نثر الدر: 1/396 و ربيع الأبرار: 4/299 300 و الحجة: 36 و شرح نهج البلاغة: 14/70 و بحار الأنوار: 16/16-17.

(56) سيرة ابن هشام: 2/57 و تأريخ الطبري: 2/343-344.

____________

(57) شرح نهج البلاغة: 14/61.

18

«ان أبا طالب كان رئيس بني هاشم و شيخهم و المطاع فيهم، و كان محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يتيمه و مكفوله و جاريا مجرى أحد أولاده عنده، ثم خضع له و اعترف بصدقه و دان لأمره، حتى مدحه بالشعر كما يمدح الأدنى الأعلى» (58) .

و يقول ابن أبي الحديد المعتزلي:

«أبو طالب هو الذي كفل رسول اللّه-ص-صغيرا، و حماه و حاطه كبيرا، و منعه من مشركي قريش، و لقي لأجله عنتا عظيما، و قاسى بلاء شديدا، و صبر على نصره و القيام بأمره» (59) .

ثم اختصر ابن أبي الحديد كلّ تاريخ أبي طالب في نصرة الاسلام بقوله:

«إن من قرأ علوم السير عرف أن الاسلام لو لا أبو طالب لم يكن شيئا مذكورا» (60) .

و بدأ مسلسل الأحداث يوم وقف أبو طالب على ابن أخيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و ابنه عليّ و هما يصلّيان-و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم «إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة و خرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه.. فيصلّيان الصلوات فيها-، فقال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟. قال: أي عمّ، هذا دين اللّه و دين ملائكته و دين رسله و دين أبينا ابراهيم، بعثني اللّه به رسولا إلى العباد، و أنت-أي عمّ- أحقّ من بذلت له النصيحة و دعوته إلى الهدى، و أحقّ من أجابني إليه و أعانني عليه» .

«فقال أبو طالب: أي ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي و ما كانوا عليه، و لكن-و اللّه-لا يخلص إليك بشي‏ء تكرهه ما بقيت» .

«و قال لعلي: أي بنيّ، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟» .

____________

(58) شرح نهج البلاغة: 11/116.

(59) شرح نهج البلاغة: 1/29.

(60) شرح نهج البلاغة: 1/142.

19

«فقال: يا أبت، امنت باللّه و برسول اللّه، و صدّقته بما جاء به، و صلّيت معه للّه، و اتّبعته» .

«فقال له: أما أنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه»

____________

61

.

و هكذا بدأت المسيرة، و هكذا أحيطت بالسرّ و الاستخفاء و التكتّم الشديد.

و بعد ثلاث سنين من البعثة الشريفة أمر اللّه تعالى نبيّه «أن يصدع بما جاءه منه، و أن يبادي الناس بأمره و يدعو إليه، فقال له: فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ و أنزل عليه: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ »

____________

62

.

فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عشيرته الأقربين تنفيذا لأمر اللّه تعالى، فحضروا «فكانوا خمسة و أربعين رجلا، فبادره أبو لهب و قال: هؤلاء هم عمومتك و بنو عمك، فتكلّم و دع الصّباة، و اعلم انه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، و ان أحقّ من أخذك فحبسك بنو أبيك إن أقمت على ما أنت عليه، فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش و تمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشرّ مما جئتهم به، فسكت رسول اللّه- ص-و لم يتكلم في ذلك المجلس»

____________

63

.

ثم دعاهم ثانية و خطب فيهم خطبة طويلة جاء فيها:

«الحمد للّه أحمده و أستعينه، و أؤمن به و أتوكل عليه، و أشهد ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله، و اللّه الذي لا إله إلا هو أني رسول اللّه إليكم خاصة و إلى الناس عامة، و اللّه لتموتن كما تنامون و لتبعثنّ كما تستيقظون، و لتحاسبنّ بما تعملون، و إنها الجنة أبدا و النار أبدا» .

____________

(61) سيرة ابن هشام: 1/263-264 و تأريخ الطبري: 2/313-314 و شرح نهج البلاغة: 14/52- 53.

(62) تأريخ الطبري: 2/318.

(63) الكامل: 2/40.

20

«فقال أبو طالب: ما أحبّ إلينا معاونتك، و أقبلنا لنصيحتك، و أشدّ تصديقنا لحديثك، و هؤلاء بنو أبيك مجتمعون، و إنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحبّ، فامض لما أمرت به، فو اللّه لا أزال أحوطك و أمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب» .

«فقال أبو لهب: هذه-و اللّه-السّوءة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم» .

«فقال أبو طالب: و اللّه لنمنعنّه ما بقينا»

____________

64

.

ثم كان من كلام النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في اجتماع عشيرته قوله:

«يا بني عبد المطلب، إني-و اللّه-ما أعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة، و قد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم؟. فأحجم القوم عنها جميعا» .

فبادر عليّ قائلا:

«أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه» .

فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «إنّ هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا» .

«فقام القوم يضحكون، و يقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع»

____________

65

.

و أخذت الأحداث تترى متتابعة و تتصاعد ضراوة و عنفا.

و ساء قريشا أن ترى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يتحداهم و «لا يعتبهم من شي‏ء أنكروه عليه» .

و أن ترى «عمه أبا طالب قد حدب عليه و قام دونه فلم يسلمه لهم» ، فكان أن مشى

____________

(64) الكامل: 2/40-41.

(65) تأريخ الطبري: 2/320-321 و الكامل: 2/41-42.

21

رجال من أشرافهم إلى شيخ البطحاء «فقالوا: يا أبا طالب، أن ابن اخيك قد سبّ آلهتنا و عاب ديننا و سفّه أحلامنا و ضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، و إمّا أن تخلّي بيننا و بينه» .

«فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، و ردّهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه» .

«ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا ابا طالب، إن لك سنّا و شرفا و منزلة فينا، و إنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا، و انّا-و اللّه-لا نصبر على هذا... حتى تكفّه عنّا أو ننازله و إياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين» .

«و بعث أبو طالب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا و كذا، فأبق عليّ و على نفسك، و لا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق» .

«فظنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قد بدا لعمّه فيه بداء أنه خاذله و مسلمه، و أنه قد ضعف عن نصرته و القيام معه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: يا عمّ، و اللّه لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه، ما تركته، ثم استعبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فبكى، ثم قام» .

«فناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال:

اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فو اللّه لا أسلمك لشي‏ء أبدا»

____________

66

.

ثم أعلن أبو طالب على الملأ كلمته المعروفة: «و اللّه ما كذبنا ابن أخي»

____________

67

.

و في لفظ ابن حجر مرويا عن تأريخ البخاري: «و اللّه ما كذب ابن أخي قط»

____________

68

.

«ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم... و اجماعه لفراقهم في ذلك و عداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له:

____________

(66) السير و المغازي: 147-148 و 154 و سيرة ابن هشام: 1/282-285 و تأريخ الطبري: 2/322- 323 و 326 و شرح نهج البلاغة: 14/53-54.

(67) السير و المغازي: 155.

(68) الاصابة: 4/115-116.

22

«يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش و أجمله، فخذه فلك عقله و نصره، و اتّخذه ولدا فهو لك، و أسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك و دين آبائك، و فرّق جماعة قومك، و سفّه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل» .

فقال لهم أبو طالب: «و اللّه لبئس ما تسومونني!، أ تعطوني ابنكم أغذوه لكم و أعطيكم ابني تقتلونه!، هذا و اللّه ما لا يكون أبدا» .

«فقال المطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف: و اللّه يا أبا طالب لقد أنصفك قومك و جهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا» .

«فقال أبو طالب للمطعم: و اللّه ما أنصفوني، و لكنك قد أجمعت خذلاني و مظاهرة القوم عليّ، فاصنع ما بدا لك» .

«فحقب الأمر، و حميت الحرب، و تنابذ القوم، و بادى بعضهم بعضا»

____________

69

.

«ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الذين أسلموا معه، فوثبت كلّ قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذّبونهم و يفتنونهم عن دينهم، و منع اللّه رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم منهم بعمّه ابي طالب، و قد قام-حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون-في بني هاشم و بني المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و القيام دونه، فاجتمعوا إليه و قاموا معه و أجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلاّ ما كان من أبي لهب عدوّ اللّه»

____________

70

.

«فكان أبو طالب يرسل إليه الأشعار و يناشده النصر»

____________

71

، و لكن الشيطان قد استحوذ عليه فلم يؤثّر ذلك كله فيه.

و «لما رأى أبو طالب من قومه ما سرّه من جدّهم معه و حدبهم عليه، جعل يمدحهم و يذكر فضل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فيهم و مكانه منهم، ليشدّ لهم رأيهم»

____________

72

.

____________

(69) السير و المغازي: 152-153 و سيرة ابن هشام: 1/285-286 و طبقات ابن سعد: 1/ق 1/134 و تاريخ الطبري: 2/327 و شرح نهج البلاغة: 14/55-56.

(70) السير و المغازي: 148 و سيرة ابن هشام: 1/187 و تاريخ الطبري: 2/327.

(71) شرح نهج البلاغة: 14/56. و يراجع الديوان في أشعار أبي طالب المشار إليها.

(72) السير و المغازي: 149 و تاريخ الطبري: 2/328.

23

و في يوم من الأيام فقد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و لم يعلم خبره «فجاء أبو طالب و عمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتيانا من بين هاشم و بني المطلب ثم قال: ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد، فلينظر كلّ فتى منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم، فيهم ابن الحنظلية-يعني أبا جهل-فإنه لم يغب عن شرّ إن كان محمد قد قتل، فقال الفتيان: نفعل» .

«فجاء زيد بن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحال، فقال: يا زيد أحسست ابن أخي؟. قال: نعم كنت معه آنفا، فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبدا حتى أراه، فخرج زيد سريعا حتى أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو في بيت عند الصّفا، و معه أصحابه يتحدثون، فأخبره الخبر، فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، أين كنت؟أ كنت في خير؟: قال: نعم... فأخذ بيده فوقف به على أندية قريش و معه الفتيان الهاشميون و المطلبيون فقال: يا معشر قريش، هل تدرون ما هممت به؟قالوا: لا. و أخبرهم الخبر، و قال للفتيان: اكشفوا عما في أيديكم، فكشفوا فإذا كلّ رجل منهم معه حديدة صارمة، فقال: و اللّه لو قتلتموه ما بقّيت منكم أحدا حتى نتفانى نحن و أنتم، فانكسر القوم، و كان أشدّهم انكسارا أبو جهل»

____________

73

.

و لما رأت قريش صلابة أبي طالب و حزمه في حماية النبي و رعايته و دفع الأذى عنه، و استقرار المسلمين المهاجرين إلى الحبشة و حياتهم الامنة في تلك البلاد، و انتشار الاسلام و فشوّه في القبائل خارج مكة، «اجتمعوا و ائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم و بني المطلب، على ألا ينكحوا إليهم و لا ينكحوهم، و لا يبيعوهم شيئا و لا يبتاعوا منهم. فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا و تواثقوا على ذلك، ثم علّقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم» .

«فلمّا فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم و بنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شعبه و اجتمعوا إليه... فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى

____________

(73) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/135.

24

جهدوا، لا يصل إليهم شي‏ء إلا سرّا، مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش»

____________

74

، «و هو شي‏ء قليل لا يمسك أرماقهم، و أخافتهم قريش فلم يكن يظهر منهم أحد و لا يدخل إليهم أحد، و ذلك أشدّ ما لقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أهل بيته بمكة»

____________

75

.

«فلمّا مضت ثلاث سنين أطلع اللّه نبيّه على أمر صحيفتهم و أن الأرضة قد أكلت ما كان فيها من جور أو ظلم، و بقي ما كان فيها من ذكر اللّه. فذكر ذلك رسول اللّه-ص- لأبي طالب: فقال أبو طالب: أحقّ ما تخبرني يا ابن أخي؟، قال: نعم و اللّه، فذكر ذلك أبو طالب لأخوته فقالوا له: ما ظنّك به؟، فقال أبو طالب: و اللّه ما كذبني قط، قالوا:

فما ترى؟. قال: أرى أن تلبسوا أحسن ما تجدون من الثياب، ثم تخرجون إلى قريش فنذكر ذلك لهم قبل أن يبلغهم الخبر» .

«فخرجوا حتى دخلوا المسجد فصمدوا إلى الحجر-و كان لا يجلس فيه إلا مسانّ قريش و ذوو نهاهم-، فترفّعت إليهم المجالس ينظرون ما ذا يقولون» .

«فقال أبو طالب: إنّا قد جئنا لأمر فأجيبوا فيه بالذي يعرف لكم» .

«قالوا: مرحبا بكم و أهلا، و عندنا ما يسرّك، فما طلبت؟. » .

«قال: إن ابن أخي قد أخبرني-و لم يكذبني قط-ان اللّه سلّط على صحيفتكم التي كتبتم الأرضة فلمست كلّ ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم، و بقي فيها كلّ ما ذكر به اللّه، فإن كان ابن أخي صادقا نزعتم عن سوء رأيكم، و إن كان كاذبا دفعته إليكم فقتلتموه» .

«قالوا: قد أنصفتنا» .

«فأرسلوا إلى الصحيفة، فلمّا أتي بها قال أبو طالب: اقرءوها، فلما فتحوها إذا هي كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قد أكلت كلها، إلاّ ما كان من ذكر اللّه فيها، فسقط في أيدي القوم، ثم نكسوا على رءوسهم. فقال أبو طالب: هل تبيّن لكم أنكم أولى بالظلم

____________

(74) السير و المغازي: 156-159 و سيرة ابن هشام: 1/375-379 و تأريخ الطبري: 2/336.

(75) شرح نهج البلاغة: 14/58 رواية عن ابن اسحاق.

25

و القطيعة و الإساءة. فلم يراجعه أحد من القوم، و تلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببني هاشم» .

«و رجع أبو طالب إلى الشّعب و هو يقول: يا معشر قريش علام نحصر و نحبس و قد بان الأمر؟!» .

«ثم دخل هو و أصحابه بين أستار الكعبة و الكعبة فقال: اللهم انصرنا ممن ظلمنا و قطع أرحامنا و استحلّ منّا ما يحرم عليه منّا. ثم انصرفوا»

____________

76

إلى مساكنهم.

و كان بدء حصرهم في الشّعب ليلة هلال محرم سنة سبع من حين تنبأ رسول اللّه- ص-، و خروجهم منه في السنة العاشرة

____________

77

.

و لم يستطع جسم هذا الشيخ الصبور الطاعن في السنّ و المثقل بالآلام أن يتحمل كلّ تلك الأعباء و المشاكل، و أن يقاوم آثار الحصر و المجاعة، فسقط صريع المرض العضال و الشيخوخة المتعبة، و بلغ قريشا ثقل مرضه و شدّته فقال بعضهم لبعض: «انطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه، و ليعطه منّا... فمشوا إلى أبي طالب فكلّموه... فقالوا: يا أبا طالب، إنّك منّا حيث قد علمت، و قد حضرك ما ترى و تخوّفنا عليك، و قد علمت الذي بيننا و بين ابن أخيك، فادعه فخذ له منّا و خذ لنا منه، ليكفّ عنّا و نكفّ عنه، و ليدعنا و ديننا و ندعه و دينه» .

«فبعث إليه أبو طالب فجاءه، فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك و ليأخذوا منك» .

«فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: نعم، كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، و تدين لكم بها العجم» .

«فقال أبو جهل: نعم و أبيك، و عشر كلمات» .

____________

(76) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/125-126، و مختصر منه في السير و المغازي: 161-162 و سيرة ابن هشام: 2/16-17.

(77) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/140-141.

26

«قال: فتقولون: لا إله إلا اللّه، و تخلعون ما تعبدون من دونه» .

«فصفّقوا بأيديهم ثم قالوا: أ تريد يا محمّد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟، إن أمرك لعجب، ثم قال بعضهم لبعض: إنه-و اللّه-ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا و امضوا على دين آبائكم حتى يحكم اللّه بينكم و بينه. ثم تفرّقوا» .

«فقال أبو طالب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: و اللّه يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شططا»

____________

78

.

و لما أحسّ أبو طالب بدنوّ أجله جمع قريشا عنده فأوصاهم بوصية مفصلة جامعة قال فيها:

«يا معشر قريش، أنتم صفوة اللّه من خلقه، و قلب العرب، فيكم السيد المطاع، و فيكم المقدّم الشجاع، و الواسع الباع. و اعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، و لا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، و لهم به إليكم الوسيلة، و الناس لكم حزب، و على حربكم الب» .

«و إني أوصيكم بتعظيم هذه البنيّة-يعني الكعبة-فإن فيها مرضاة للربّ، و قواما للمعاش، و ثباتا للوطأة، و صلوا أرحامكم و لا تقطعوها فإن في صلة الرحم منسأة-أي فسحة-في الأجل، و سعة في العدد، و اتركوا البغي و العقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم، و أجيبوا الداعي و أعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة و الممات، و عليكم بصدق الحديث و أداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص و مكرمة في العام» .

«و إني أوصيكم بمحمد خيرا فانه الأمين في قريش و الصّدّيق في العرب، و هو الجامع لكل ما أوصيتكم به، و قد جاء بأمر قبله الجنان و أنكره اللسان مخافة الشنان. و أيم اللّه كأني أنظر إلى صعاليك العرب و أهل الوبر في الأطراف و المستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته، و صدّقوا كلمته، و عظّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش و صناديدها أذنابا، و دورها خرابا، و ضعفاؤها أربابا، و إذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، و أبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، و أصفت له فؤادها، و أعطته قيادها، دونكم-يا معشر قريش-ابن ابيكم، كونوا له ولاة، و لحزبه

____________

(78) السير و المغازي: 236-237 و سيرة ابن هشام: 2/58-59 و تأريخ الطبري: 2/324.

27

حماة، و اللّه لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، و لا يأخذ أحد بهديه إلاّ سعد، و لو كان لنفسي مدة و لأجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، و لدفعت عنه الدواهي»

____________

79

.

ثم توجّه إلى بني عبد المطلب فخصّهم بوصية جاء فيها:

«لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد و ما اتّبعتم أمره، فأطيعوه ترشدوا»

____________

80

.

و في نصّ آخر:

«لما حضرت أبا طالب-رض-الوفاة، دعا أولاده و اخوته و أحلافه و عشيرته، فأكّد عليهم الوصاة في نصر النبي-ص-و مؤازرته، و بذل النفوس دون مهجته، و عرفهم ما لهم في ذلك من الشرف العاجل و الثواب الاجل»

____________

81

، و قال في ذلك شعرا يجده القارئ في تضاعيف الديوان.

ثم دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بمفرده إليه، فأوصاه بوصية خاصة به، جاء فيها:

«إذا أنا متّ فائت أخوالك من بني النجّار فإنهم أمنع الناس لما في بيوتهم»

____________

82

.

و توفي أبو طالب على أثر ذلك، بعد أن تحمّل في سبيل الرسالة و الرسول كل صنوف الأذى و ألوان الارهاب، و بعد أن جاهد و كافح فلم يدّخر وسعا و لم يدع زيادة لمستزيد.

و كانت وفاته بعد خروجه من الشّعب بثمانية و عشرين يوما، في السنة العاشرة من البعثة الشريفة

____________

83

، و قيل: في أول السنة الحادية عشرة

____________

84

، و ورد في بعض النصوص أن وفاته كانت في النصف من شوال‏

____________

85

قبل الهجرة بثلاث سنين‏

____________

86

. و كان له من العمر يوم موته بضع و ثمانون سنة أو تسعون‏

____________

87

.

____________

(79) الروض الأنف: 2/171 و السيرة الحلبية: 1/390-391 و أسنى المطالب: 7-8.

(80) السيرة الحلبية: 1/391.

(81) الحجة: 96-98.

(82) طبقات ابن سعد: 3/ق 2/91.

(83) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/79 و الاصابة: 4/118 و السيرة الحلبية: 1/384 و أسنى المطالب: 10.

(84) شرح نهج البلاغة: 14/61.

(85) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/79 و الاصابة: 4/118 و أسنى المطالب: 10.

(86) سيرة ابن هشام: 2/57 و تأريخ الطبري: 2/343.

(87) تاريخ اليعقوبي: 2/26 و طبقات ابن سعد: 1/ق 1/79 و الحجة: 65 و الاصابة: 4/118 و أسنى المطالب: 10.

28

و كان بين وفاته و وفاة أم المؤمنين خديجة زمن قصير، قيل: ثلاثة أيام‏

____________

88

، و قيل:

شهر و خمسة أيام‏

____________

89

.

و تتابعت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم المصائب بوفاة خديجة و أبي طالب كما روى ابن اسحاق، و «نالت قريش من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، و يقول صلّى اللّه عليه و سلّم: ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب»

____________

90

، «فخرج صلّى اللّه عليه و سلّم عن مكة خائفا يطلب أحياء العرب»

____________

91

.

و يروي ابن أبي الحديد: «أنه لما توفي أبو طالب أوحي إليه عليه السلام و قيل له: اخرج منها فقد مات ناصرك»

____________

92

.

و كان المرتقب من الأجيال الاسلامية التالية-و قد نشأت مستظلة بلواء الاسلام، و متنعمة بلذة الإيمان، و مستضيئة بنور القرآن-أن تعطي لكل ذي حقّ حقّه، فتحفظ للرعيل الأول من المجاهدين البواسل أياديهم البيضاء و جهودهم المحمودة و مساعيهم المشكورة، في سبيل تثبيت دعائم الدين و حفظه من كيد الكائدين و عدوان المعتدين، و أن تخص هذا الشيخ المناضل من الحب و التقدير و العرفان بالجميل، بما يساوق عطاءه الضخم و يناسب دوره الكبير في الحماية و الرعاية و العمل الدءوب دفاعا عن الاسلام و رسوله العظيم.

و لكن بعض المسلمين-على الرغم من كل ما حفل به تأريخ السيرة من أنباء الكفاح العنيف و الجهاد الفريد لسيد البطحاء-رأوا أن أبا طالب لم يؤمن بالإسلام طرفة عين، و أنه مات على دين قومه كافرا بشرع اللّه و منكرا للرسالة و الكتاب المنزل و النبي المرسل!!.

____________

(88) الحجة: 65.

(89) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/79 و 141.

(90) سيرة ابن هشام: 2/57-58 و تأريخ الطبري: 2/343-344.

(91) شرح نهج البلاغة: 14/61.

(92) شرح نهج البلاغة: 1/29.

29

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي:

«اختلف الناس في ايمان أبي طالب، فقالت الامامية و أكثر الزيدية: ما مات إلا مسلما. و قال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك، منهم الشيخ أبو القاسم البلخي و أبو جعفر الاسكافي و غيرهما. و قال أكثر أهل الحديث و العامّة من شيوخنا البصريين و غيرهم:

مات على دين قومه»

____________

93

.

و على الرغم من ضيق مجال هذه المقدمة عن خوض غمار هذا الموضوع الواسع الأطراف، لا نجد مناصا من وقفة سريعة عليه نستعرض فيها أهمّ ما أورده الطرفان في هذا الصدد، و إن يكن على سبيل الايجاز و الاختصار، أداء لحقّ البحث و ما يفرضه على الباحث من أمانة و صدق في الاستقصاء و الاستيعاب و التنبيه على كل ما يرتبط به و يمتّ إليه:

الأدلة على إيمان أبي طالب‏

استدلّ القائلون بإيمانه بعدة أحاديث و استنتاجات تدل على ذلك، منها:

1-روى ابن اسحاق: أنه «لما تقارب من أبي طالب الموت، نظر العباس إليه يحرّك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه، فقال: يا ابن أخي، و اللّه لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها (يعني بها الشهادتين) ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: لم أسمع»

____________

94

.

«و قد روي بأسانيد كثيرة بعضها عن العباس بن عبد المطلب و بعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة، إن أبا طالب ما مات حتى قال: لا إله إلاّ اللّه، محمد رسول اللّه. و الخبر المشهور: ان أبا طالب عند الموت قال كلاما خفيا، فأصغى إليه أخوه العباس ثم رفع كرأسه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: يا ابن أخي، و اللّه لقد قالها عمّك و لكنه ضعف عن أن يبلغك صوته» .

«و روي عن عليّ عليه السلام أنه قال: ما مات أبو طالب حتى أعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من نفسه الرضا»

____________

95

.

____________

(93) شرح نهج البلاغة: 14/65-66.

(94) السير و المغازي: 238 و سيرة ابن هشام: 2/59.

(95) شرح نهج البلاغة: 14/71.

30

2- «عن عليّ قال: أخبرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بموت أبي طالب، فبكى ثم قال: اذهب فغسّله و كفّنه و واره، غفر اللّه له و رحمه. قال: ففعلت، قال: و جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يستغفر له»

____________

96

.

و في رواية أخرى: «إن أبا طالب لما مات جاء عليّ عليه السلام إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فاذنه بموته، فتوجّع عظيما و حزن شديدا، ثم قال له: امض فتولّ غسله، فإذا رفعته على سريره فأعلمني. ففعل، فاعترضه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو محمول على رءوس الرجال، فقال:

«وصلتك رحم يا عمّ و جزيت خيرا، فلقد ربّيت و كفلت صغيرا، و نصرت و ازرت كبيرا» . «ثم تبعه إلى حفرته فوقف عليه فقال: أما و اللّه لأستغفرنّ لك، و لأشفعنّ فيك شفاعة يعجب لها الثقلان» .

و قد فهم المحققون من هذا النص ايمان أبي طالب و صدق اعتقاده، لأن «المسلم لا يجوز أن يتولّى غسل الكافر، و لا يجوز للنبي أن يرقّ لكافر، و لا أن يدعو له بخير، و لا أن يعده بالاستغفار و الشفاعة. و إنما تولّى عليّ عليه السلام غسله لأنّ طالبا و عقيلا لم يكونا أسلما بعد، و كان جعفر بالحبشة. و لم تكن صلاة الجنائز شرعت بعد، و لا صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على خديجة، و إنما كان تشييع و رقّة و دعاء»

____________

97

.

و يقول البرزنجي تعليقا على هذا الحديث و معطياته: «و هذا الذي اخترناه من نجاة أبي طالب لما كان عنده من التصديق الكافي في النجاة في الآخرة، هو طريق المتكلمين من أئمتنا الأشاعرة، و هو ما دلّت عليه أحاديث الشفاعة، و أحاديث الشفاعة كثيرة و كلّها فيها التصريح بأنها لا تنال مشركا، و قد نالت الشفاعة أبا طالب-كما مرّ-فدلّ ذلك على عدم إشراكه»

____________

98

.

و قال السيد أحمد بن زيني دحلان: «و مما يؤيد التحقيق الذي حققه العلامة البرزنجي في نجاة أبي طالب: ان كثيرا من العلماء المحققين و كثيرا من الأولياء العارفين

____________

(96) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/78.

(97) شرح نهج البلاغة: 14/76 و كتاب الحجة: 67-68.

(98) أسنى المطالب: 21.

31

أرباب الكشف، قالوا بنجاة أبي طالب، منهم القرطبي و السبكي و الشعراني و خلائق كثيرون»

____________

99

.

3- «قال العباس: يا رسول اللّه: أ ترجو لأبي طالب؟. قال: كل الخير أرجو من ربي»

____________

100

، و قال البرزنجي معلّقا على هذا الحديث بعد بيان صحته: «و رجاؤه صلّى اللّه عليه و سلّم محقّق، و لا يرجو كلّ الخير إلاّ لمؤمن»

____________

101

.

4-سئل الامام علي بن الحسين عليه السلام عن ايمان أبي طالب و كفره فقال: «وا عجبا!، إن اللّه تعالى نهى رسوله أن يقرّ مسلمة على نكاح كافر، و قد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الاسلام، و لم تزل تحت أبي طالب حتى مات»

____________

102

.

5-و قالوا: «أشعار أبي طالب تدل على أنه كان مسلما، و لا فرق بين الكلام المنظوم و المنثور إذا تضمّنا إقرار بالإسلام، أ لا ترى أن يهوديا لو توسط جماعة من المسلمين و أنشد شعرا قد ارتجله و نظمه يتضمن الاقرار بنبوة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم لكنّا نحكم باسلامه كما لو قال: أشهد أنّ محمدا رسول اللّه»

____________

103

.

ثم أوردوا له الكثير من الشعر الصريح بإسلامه و إيمانه، و قالوا: «فكل هذه الأشعار قد جاءت مجي‏ء التواتر، لأنه إن لم تكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على أمر واحد مشترك و هو تصديق محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و مجموعها متواتر»

____________

104

.

و «قال القرافي في شرح التنقيح عند قول أبي طالب:

و قد علموا أنّ ابننا لا مكذّب # لدينا و لا يعزى لقول الأباطل‏

«إن هذا تصريح باللسان و اعتقاد بالجنان، و إن أبا طالب ممن آمن بظاهره و باطنه»

____________

105

.

____________

(99) أسنى المطالب: 43.

(100) طبقات ابن سعد: 1/ق 1/79 و كتاب الحجة: 15.

(101) أسنى المطالب: 45.

(102) شرح نهج البلاغة: 14/69 و كتاب الحجة: 14.

(103) شرح نهج البلاغة: 14/71.

(104) شرح نهج البلاغة: 14/78.

(105) أسنى المطالب: 21.

32

6- «ذكر الامام أحمد بن الحسين الموصلي الحنفي المشهور بابن وحشي في شرحه على الكتاب المسمّى بشهاب الأخبار للعلامة محمد بن سلامة القضاعي المتوفى سنة 454: إن بغض أبي طالب كفر. و نصّ على ذلك أيضا من أئمة المالكية العلامة علي الأجهوري في فتاويه، و التلمساني في حاشيته على الشفا فقال عند ذكر أبي طالب: لا ينبغي أن يذكر إلاّ بحماية النبي-ص-، لأنه حماه و نصره بقوله و فعله، و في ذكره بمكروه أذيّة للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و مؤذي النبي كافر. و قال أبو الطاهر: من أبغض أبا طالب فهو كافر»

____________

106

. غ

و احتج القائلون بكونه قد مات على دين قومه و لم يؤمن، بأمور:

1-قوله تعالى: مََا كََانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كََانُوا أُولِي قُرْبى‏ََ مِنْ بَعْدِ مََا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحََابُ اَلْجَحِيمِ سورة التوبة/113.

فقد ورد في الرواية أن هذه الآية قد نزلت في أبي طالب بعد أن وعده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بأن يستغفر له‏

____________

107

.

و قال الطبري: إن أهل التأويل اختلفوا في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه، و ذكر ثلاثة أقوال في ذلك، و منها أنها نزلت في شأن أبي طالب‏

____________

108

، و مثل ذلك ذكر ابن كثير

____________

109

.

أما الفخر الرازي فذكر أربعة وجوه في سبب نزول هذه الآية و منها: أنها نزلت في شأن أبي طالب‏

____________

110

، و روى الزمخشري قولين في ذلك: نزولها في أبي طالب، أو نزولها لما أراد النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أن يزور قبر أمّه و يستغفر لها

____________

111

في فتح مكة سنة ثمان من الهجرة.

____________

(106) أسنى المطالب: 42.

(107) صحيح البخاري: 6/87.

(108) تفسير الطبري: 11/41-42.

(109) تفسير ابن كثير: 2/393-394.

(110) تفسير الرازي: 16/208-209.

(111) الكشاف: 2/216-217.

33

و الحقيقة أن نزول هذه الآية في أبي طالب عند موته لما وعده النبي-ص-أن يستغفر له، مرفوض جملة و تفصيلا و لا يصح بأي وجه من الوجوه، لأن هذه الآية إحدى آيات سورة التوبة، و هي من السور المدنية، و قد نزلت كاملة، و تعدّ آخر أو من أواخر ما نزل بالمدينة

____________

112

، أي ان نزولها كان بعد وفاة أبي طالب بأكثر من اثنتي عشرة سنة، و قد التفت إلى ذلك الزمخشري فضعّف ادعاء نزولها في أبي طالب و قال: «لأن موت أبي طالب كان قبل الهجرة، و هذا آخر ما نزل بالمدينة»

____________

113

.

و قال السهيلي معلّقا على الاستغفار الوارد في هذه الآية:

«و قد استغفر عليه السلام يوم احد فقال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، و ذلك حين جرح المشركون وجهه و قتلوا عمّه و كثيرا من أصحابه. و لا يصح أن تكون الآية نزلت في عمه ناسخة لاستغفاره يوم أحد، لأن وفاة عمه كانت قبل ذلك بمكة، و لا ينسخ المتقدم المتأخر»

____________

114

.

2-قوله تعالى: إِنَّكَ لاََ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ، وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ سورة القصص/56.

فقد جاء في الرواية: ان أبا طالب لما حضرته الوفاة «جاءه رسول اللّه-ص-فوجد عنده أبا جهل و عبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: أي عمّ، قل لا إله إلاّ اللّه كلمة أحاجّ لك بها عند اللّه، فقال أبو جهل و عبد اللّه بن أبي أمية: أ ترغب عن ملّة عبد المطلب؟فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يعرضها عليه. و يعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: على ملّة عبد المطلب. و أبي أن يقول لا إله إلا اللّه، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: و اللّه لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك. فأنزل اللّه: مََا كََانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ

____________

(112) صحيح البخاري: 5/212 و الكشاف: 2/217 و مجمع البيان: 3/1 و الروض الأنف: 2/170 و تفسير ابن كثير: 2/331 و الاتقان: 1/44-45، و ذكر ذلك القرطبي أيضا في تفسيره: 8/61 و قال:

«هذه السورة نزلت في غزوة تبوك و نزلت بعدها» .

(113) الكشاف: 2/217.

(114) الروض الأنف: 2/170.

34

يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ . و أنزل اللّه في أبي طالب فقال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: إِنَّكَ لاََ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ

____________

115

.

و هذه الرواية-كسابقتها-مرفوضة جملة و تفصيلا، لما فيها من خلط بين سورة مكية هي القصص و أخرى مدنيّة هي التوبة، فكيف نزلت الآيتان في وقت واحد و هما من سورتين، و يجب ألا نغافل أن الراوي لها هو أبو هريرة

____________

116

، و من مسلّمات التأريخ أنه كان يوم وفاة أبي طالب في اليمن، و لم يأت الحجاز إلاّ في عام خيبر سنة سبع من الهجرة

____________

117

، فكيف تسنى له أن يشهد ذلك و يسمعه؟!.

و قد أورد القرطبي هذه الرواية ثم قال معلقا عليها: «قال الحسين بن الفضل: و هذا بعيد، لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، و مات أبو طالب في عنفوان الاسلام و النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بمكة»

____________

118

.

3-قوله تعالى: وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ، وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ وَ مََا يَشْعُرُونَ سورة الأنعام/26.

فقد ورد في الرواية: أنها نزلت في أبي طالب عند ما دفع الأذى عن النبي-ص-في قصة ابن الزبعرى، أي ينهى عن أذى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ينأى أن يدخل في الاسلام‏

____________

119

.

و الحقيقة أن المفسرين لم يجمعوا على ذلك، بل ذكروا أن هناك من قال بنزولها في أبي طالب، و من قال بأنها تعني عموم أولئك الذين ينهون الناس عن اتّباع الحق و تصديق الرسول و الانقياد لأحكام القران، و ينأون عنه أي و يبعدون عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين‏

____________

120

.

____________

(115) صحيح البخاري: 6/141.

(116) صحيح البخاري: 6/141 و سنن الترمذي: 5/341 و تفسير الطبري: 20/92 و تفسير ابن كثير:

3/395.

(117) تهذيب التهذيب: 12/265.

(118) تفسير القرطبي: 8/272-273.

(119) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/370.

(120) تفسير الطبري: 7/171-173 و تفسير القرطبي: 6/405 و الكشاف: 2/12.

35

و رجّح القول الثاني عدد من المفسرين منهم الفخر الرازي و الطبرسي و ابن كثير

____________

121

، و استدل الرازي على رجحان القول الثاني بوجهين: «الأول: إن جميع الآيات المتقدمة على هذه الآية تقتضي ذمّ طريقتهم، فكذلك قوله: وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ينبغي أن يكون محمولا على أمر مذموم، فلو حملناه على أن أبا طالب كان ينهى عن ايذائه لما حصل هذا النظم. و الثاني: إنه تعالى قال بعد ذلك: وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ يعني به ما تقدّم ذكره، و لا يليق ذلك بأن يكون المراد من قوله: وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ النهي عن أذيّته، لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك»

____________

122

.

و مما ينبغي أن يلاحظ هنا أن هذه الآية إحدى آيات سورة الأنعام، و قد ذكر المفسرون أنها نزلت جملة واحدة

____________

123

، و أنها نزلت على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو في مسير

____________

124

، فكيف يلتئم ذلك مع ادّعاء نزول هذه الآية بمفردها في قصة ابن الزبعرى و أبي طالب؟!!.

4-الحديث المنسوب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال لأبي طالب عند موته: «قل يا عمّ كلمة أشهد لك بها غدا عند اللّه تعالى، فقال: لو لا أن تقول العرب ان أبا طالب جزع عند الموت لأقررت بها عينك»

____________

125

.

و هذا الحديث مروي عن أبي هريرة، و قد ذكرنا في ما تقدّم أن أبا هريرة كان يومذاك في اليمن فلم يشهد و لم يسمع.

5-الحديث المنسوب إلى العباس بن عبد المطلب في قوله للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما أغنيت عن عمّك أبي طالب فإنه كان يحوطك و يغضب لك، فقال: هو في ضحضاح من النار، و لو لا أنا لكان في الدرك الأسفل» . و قال المستدلون بهذا الحديث: إن أبا طالب «لو كان مات على التوحيد لنجا من النار أصلا»

____________

126

.

____________

(121) مجمع البيان: 2/287 و تفسير ابن كثير: 2/127.

(122) تفسير الرازي: 12/189.

(123) تفسير القرطبي: 6/382 و قال: «فدعا رسول اللّه-ص-الكتّاب فكتبوها» و مجمع البيان:

2/271 و تفسير ابن كثير: 2/122 و الاتقان: 1/14 و 24.

(124) تفسير ابن كثير: 2/122.

(125) السير و المغازي: 238 و شرح نهج البلاغة: 14/66.

(126) الاصابة: 4/118.

36

و قد ناقش الباحثون هذا الحديث مناقشة مسهبة، و أثبتوا وهن سنده و تضارب دلالته و مخالفة مضمونه لآيات القرآن الكريم و السنة الثابتة

____________

127

، فلا نكرر و لا نعيد.

و لعل مسك ختام هذه الجولة الواسعة الأطراف أن نردّد مع عز الدين ابن أبي الحديد المعتزلي قوله في أبي طالب: «إنه لولاه لما قامت للاسلام دعامة» ، «و إن حقّه واجب على كلّ مسلم في الدنيا إلى أن تقوم الساعة» ، و قال:

و لو لا أبو طالب و ابنه # لما مثل الدين شخصا فقاما

فذاك بمكة آوى و حامى # و هذا بيثرب جسّ الحماما

تكفّل عبد مناف بأمر # و أودى فكان عليّ تماما

فقل في ثبير مضى بعد ما # قضى ما قضاه و أبقى شماما

فلله ذا فاتحا للهدى # و للّه ذا للمعالي ختاما

و ما ضرّ مجد أبي طالب # جهول لغا أو بصير تعامى‏

كما لا يضرّ إياة الصباح # من ظنّ ضوء النهار الظلاما

____________

128

____________

(127) شرح نهج البلاغة: 14/70 و الغدير: 8/23-27.

(128) شرح نهج البلاغة: 14/83-84.

37

أمّا صانع الرواية الأولى للديوان: فهو عبد اللّه بن أحمد بن حرب‏ (1) بن مهزم بن خالد بن مهزم بن الفزر (2) بن مهزم بن جوين بن مجاسر بن الصّيق بن مالك بن مرّة، العبديّ-نسبة إلى عبد القيس‏ (3) -، المشتهر بكنيته أبي هفّان‏ (4) . «و كان مهزم (أبو جدّ عبد اللّه) في دولة بني العباس، و مهزم الأول قتل مع خالد بن يزيد بمصر» (5) .

ولد في الثلث الأخير من القرن الثاني الهجري، و لكننا لم نقف على تأريخ معين لذلك، و الشي‏ء الوحيد الذي نعلمه أنه كان من ذوي الصلة بأبي نواس المتوفى في ما بين سنتي 196-199 هـ و من رواة أخباره و شعره‏ (6) .

و الراجح أنه ولد بالبصرة (7) حيث موطن الأسرة و مجمع شملها (8) ، و نشأ بها دارسا متعلما، ثم لامعا متميزا، حتى أصبح يشار إليه بالبنان، و استحق لقب «راوية أهل البصرة» (9) . و انتقل بعد ذلك إلى بغداد فكان له ذكر بارز و وجود مشهود في مجالسها الأدبية و حلقاتها الثقافية، مما لا مجال للتوسع فيه في هذا التقديم. و نشأت له صلات

____________

(1) هذا هو المتفق عليه في اسمه الثلاثي في جميع المصادر.

(2) ورد في بعض المصادر بعد حرب: «بن خالد» ، و في بعضها بعد حرب: «بن مهزم بن خالد بن الفزر» . و ما أثبتناه هنا هو الذي أورده الكلبي في الجمهرة. و نص ابن الأثير في اللباب: 3/194 على كسر الميم و سكون الهاء و فتح الزاي من مهزم. و نص الحلي في خلاصة الأقوال: 55 على كون الفزر «بالزاي بعد الفاء. و الراء أخيرا» .

(3) جمهرة النسب: 584.

(4) نص الحلي في خلاصة الأقوال: 55 على كسر الهاء من هفان، و ورد في الاشتقاق لابن دريد: 230 في بيان أسماء القبائل: «هفان-فعلان-: من الهف و هو السحاب الذي لا ماء فيه» . و جاء في القاموس المحيط و تاج العروس (هفف) : «هفان-بالفتح و يكسر-: من أسمائهم» .

(5) جمهرة النسب: 584.

(6) طبقات الشعراء لابن المعتز: 410.

(7) و لذلك لقب بالبصري في عدد من المصادر، و قال الخطيب البغدادي: «أحسبه من أهل البصرة سكن بغداد» . و وصفه ابن حجر بـ «نزيل بغداد» .

(8) قال النجاشي في رجاله: 151 «بنو مهزم بيت كبير بالبصرة في عبد القيس، شيعة» .

(9) بغية الوعاة: 277.

38

و روابط بعدد من رجالها الإداريين و أدبائها اللامعين و شيوخ العلم المعروفين، فكانت له الرواية عن بعضهم، و المطارحة و المفاكهة مع بعض آخر، و الاعجاب و التقدير لبعض ثالث، و المهاجاة و الانتقاد على بعض رابع. كما روى عنه الكثيرون من شداة اللغة و الأدب و هواة أخبار الشعر و الشعراء (10) . غ

لقد روى أبو هفّان-فيمن روى عنهم من رجال عصره-عن:

1-أبي عبيدة معمر بن المثنى، المتوفى في ما بين سنتي 209-213 ه (11) .

2-الأصمعي عبد الملك بن قريب، المتوفى في ما بين سنتي 210-217 ه (12) ، و كانت هذه التلمذة بعد عودة الأصمعي إلى البصرة في سنة 188 هـ.

3-عمه خالد بن حرب المهزمي‏ (13) .

4-عمه محمد بن حرب المهزمي‏ (14) .

5-عمه علي بن حرب المهزمي‏ (15) .

6-أبي عمرو قعنب بن المحرز الباهلي البصري، و «كان أبو هفان يكتب عنه و يسمع منه» (16) .

7-أبي محلّم السعدي، المتوفى سنة 248 ه (17) .

____________

(10) وردت أسماء بعضهم في ترجمة أبي هفان في المصادر، و وردت أسماء آخرين منهم في ما رواه الأدباء عن أبي هفان، كما في موارد كثيرة من طبقات الشعراء لابن المعتز و الأغاني لأبي الفرج الاصبهاني و شرح ما يقع فيه التصحيف: 162-163 و 184 و ايضاح الوقف و الابتداء: 1/50 و تاريخ بغداد: 2/132 و معجم البلدان: 7/218 و 281 و إنباه الرواة: 3/81 و غيرها.

(11) روى عنه في ديوان أبي طالب.

(12) روى عنه في ديوان أبي طالب، و نصّ على رواية أبي هفان عنه في تأريخ بغداد: 9/370 و نزهة الألباء: 140 و معجم الأدباء: 12/54 و غيرها.

(13) روى عنه في ديوان أبي طالب.

(14) روى عنه في أخبار أبي نواس: 49 و 108.

(15) روى عنه في أخبار أبي نواس أيضا: 49 و 108.

(16) نور القبس: 219.

(17) روى عنه في ديوان أبي طالب.

39

و كانت له الصلة و العلاقة-في جملة من اتصل بهم من رجال عصره- بأمثال:

1-أبي نواس الحسن بن هاني، و قد تقدّم ذكر ذلك.

2-دعبل بن علي الخزاعي الشاعر، المتوفى سنة 246 ه (18) .

3-الفتح بن خاقان، المتوفى سنة 247 ه (19) .

4-الجاحظ عمرو بن بحر، المتوفى سنة 255 هـ.

5-عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان، المتوفى سنة 263 هـ، و لأبي هفان شعر في مدحه‏ (20) .

6-أحمد بن محمد بن ثوابة، المتوفى سنة 273 هـ، و لأبي هفان شعر في مدحه‏ (21) .

7-علي بن يحيى المنجّم، المتوفى سنة 275 هـ، و لأبي هفان شعر في مدحه‏ (22) .

8-اسماعيل بن اسحاق القاضي، المتوفى سنة 282 ه (23) .

9-أبي العيناء محمد بن القاسم بن خلاّد، المتوفى سنة 282 هـ، و لأبي هفان شعر في هجائه‏ (24) .

10-أبي العباس المبرّد، المتوفى سنة 285 هـ، و لأبي هفان بيتان فيهما هجاء و تعريض بالمبرد (25) .

____________

(18) الأغاني: 20/123 و زهر الآداب: 4/114.

(19) لأبي هفان ثناء خاص على الفتح و الجاحظ و اسماعيل بن اسحاق رواه ابن النديم في الفهرست:

130.

(20) طبقات ابن المعتز: 409-410.

(21) طبقات ابن المعتز: 410.

(22) معجم الأدباء: 15/167. و وردت رواية علي بن يحيى عن أبي هفان في تاريخ بغداد: 4/143.

(23) الفهرست: 130.

(24) الفهرست: 139 و طبقات ابن المعتز: 409 و 410.

(25) طبقات ابن المعتز: 410.

40

وصفه مترجموه فقالوا:

«أبو هفان من المشهورين المذكورين، و شعره موجود بكل مكان» (26) ، و «كان أخباريا راوية مصنّفا» و «من جملة الشعراء المحدثين» (27) ، و «كان له محل كبير في الأدب» (28) ، و هو «راوية عالم بالشعر و الغريب، و شعره جيد إلا أنه مقلّ» (29) ، و «كان ذا حظّ وافر من الأدب» (30) ، «شاعرا لغويا كثير الأخبار، و له كتب و صنعة مشهورة» (31) ، و كان «من النحاة اللغويين الأدباء» (32) . غ

و ذكروا له من المؤلفات:

1-كتاب صناعة الشّعر (33) ، وصفه ابن النديم بأنه كبير و قال: «رأيت بعضه» (34) .

2-كتاب الأربعة في أخبار الشعراء (35) .

3-أخبار أبي نواس‏ (36) ، طبع في القاهرة سنة 1373 هـ-1953 م.

4-كتاب أشعار عبد القيس و أخبارها (37) .

5-كتاب أخبار الشعراء (38) .

____________

(26) طبقات ابن المعتز: 410. و قد ورد له شعر في العديد من المصادر المعنية بالشعر و الأدب، و ذكر النجاشي في رجاله: 151 و الحلي في الخلاصة: 55 أن له شعرا في المذهب.

(27) الفهرست: 161.

(28) تاريخ بغداد: 9/370.

(29) سمط اللآلئ: 1/335.

(30) نزهة الألباء: 140.

(31) لسان الميزان: 3/250.

(32) بغية الوعاة: 277.

(33) معجم الأدباء: 12/54 و بغية الوعاة: 277.

(34) الفهرست: 161.

(35) الفهرست: 161.

(36) الفهرست: 182، و قال: إنه في «أخباره و المختار من شعره» .

(37) رجال النجاشي: 151 و هدية العارفين: 1/448 و ذيل كشف الظنون: 1/88 و الفوائد الرضوية:

1/244 و الذريعة: 2/108.

(38) معجم الأدباء: 12/54 و بغية الوعاة: 277.

41

6-كتاب طبقات الشعراء (39) ، و لعلّه الكتاب المتقدم نفسه.

7-كتاب شعر أبي طالب بن عبد المطلب و أخباره‏ (40) «و سيأتي مزيد من الحديث عنه» .

توفي أبو هفان في سنة 257 ه (41) ، و وهم ياقوت فأرّخ وفاته سنة 195 ه (42) ، و بقي ذكره خالدا بما روت المصادر من شعره و أدبه؛ و بما أبقى الزمان من كتبه و صنعته.

____________

(39) رجال النجاشي: 151 و هدية العارفين: 1/448 و ذيل كشف الظنون: 2/79 و الفوائد الرضوية:

1/244 و الذريعة: 15/150.

(40) رجال النجاشي: 151 و هدية العارفين: 1/448 و ذيل كشف الظنون: 2/49 و الفوائد الرضوية:

1/244 و الذريعة: 14/195.

(41) لسان الميزان: 3/250. و يؤيد ذلك ما رواه المرزباني في معجم الشعراء: 503 من أنه كان حيا في سنة 256 هـ.

(42) معجم الأدباء: 12/54.

42

رجعت في نشر رواية أبي هفان للديوان إلى صورة من النسخة الأمّ النفيسة التي تحتفظ بها جامعة كارل ماركس بمدينة ليبزك في ألمانية التي كانت تعرف بـ (الشرقية) ، و هي نسخة قديمة جيدة الخط قليلة الغلط (1) ، مضبوطة في معظم ألفاظها بالشكل، تضم ثلاثة دواوين: أولها ديوان أبي طالب-و هو في 31 ورقة-، و يليه ديوان أبي الأسود الدؤلي، ثم ديوان سحيم عبد بني الحسحاس.

جاء في الصفحة الأولى من المخطوط:

«شعر أبي طالب عمّ رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و سلّم-.

و شعر أبي الأسود الديلي.

و شعر سحيم عبد بني الحسحاس.

لعفيف بن أسعد الكاتب‏ (2) بخطه» .

و جاء في ختام ديوان أبي طالب:

«نجز شعر أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، و كتب عفيف بن أسعد، ببغداد، في المحرم سنة ثمانين و ثلاثمائة (3) ، من نسخة بخط الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني أدام اللّه عزّه، و عارضته به، و قرأته عليه، و للّه الحمد كثيرا» .

و قد سميت هذه النسخة (الأصل) لأنها الأصل حقا لجميع النسخ المخطوطة من ديوان أبي طالب-صنعة أبي هفان-، فقد نصّ الناسخون في ختام تلك النسخ على أنها

____________

(1) قد يكتب الناسخ الفعل (بكى) هكذا: (بكا) -و تكرر ذلك مرتين-، و كتب (فدى) : (فدا) ، و لكن الأغلاط، قليلة جدا لا تقدح في سلامة النّسخ على وجه العموم.

(2) لم أقف على ترجمة لهذا الرجل في المصادر المتوفرة عندي، و ذكر الشيخ الميمني في مقدمة نشرته لديوان سحيم: أنه من ورّاقي القرن الرابع.

(3) في الأصل: و ثلاثمائة.

43

منقولة من هذه النسخة القيمة؛ أو من نسخة منقولة منها، و لذلك لم يكن لهذه النسخ جميعا أيّ شأن أو دخل في تحرير النص و تحقيقه، و لكني-مع العلم بهذا-رجّحت الرجوع إلى أهمّها للاستئناس به و التنبيه على بعض ما ورد فيه من اختلاف و تغيير، و يتمثل هذا الذي عنيته بنسختين رجعت إليهما في المقابلة، هما:

1-النسخة المرموز لها بـ (ت) : و هي محفوظة في مكتبة المتحف العراقي ببغداد، و تحمل الرقم (1242) ، عدد أوراقها (17) ورقة، لم يؤرّخ نسخها و لعله في أواخر القرن الحادي عشر الهجري أو أوائل الثاني عشر.

جاء في صدرها:

«شعر أبي طالب عمّ النبي-صلّى اللّه عليه و سلم-» .

و جاء في آخرها:

«تمّ شعر أبي طالب، في نسخة أصله ما صورته: نجز شعر أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، و كتبه عفيف بن أسعد لنفسه، ببغداد، في المحرم سنة ثمانين و ثلاثمائة، من نسخة بخط الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني، و عارضته به، و قرأته عليه، و للّه الحمد كثيرا. انتهى ما وجد في نسخة أصله» .

و أظن هذه النسخة هي-نفسها-التي وقف عليها الشيخ الطهراني في خزانة آل السيد عيسى العطار ببغداد (4) .

2-النسخة المرموز لها بـ (س) : و هي محفوظة في مكتبة المتحف العراقي ببغداد، و تحمل الرقم (525) ، عدد أوراقها (20) ورقة، و قد نسخت في سنة 1342 هـ.

جاء في صدرها:

«ديوان أبي طالب-رضي اللّه عنه-» .

____________

(4) الذريعة: 14/195.

44

و جاء في آخرها:

«نجز شعر أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، و كتبه عفيف بن أسعد لنفسه، ببغداد، في المحرم سنة ثمانين و ثلاثمائة، من نسخة بخط الشيخ أبي الفتح عثمان ابن جني، و عارضته به، و قرأته عليه، و للّه الحمد كثيرا» .

«و كتب على نسخة كتبت على هذه النسخة، الفقير إلى اللّه محمد بن الشيخ طاهر السماوي، في النجف، غرّة شعبان سنة ألف و ثلاثمائة و اثنتين و أربعين من الهجرة، حامدا مصلّيا مسلّما مستغفرا منيبا» .

و على هذه النسخة طبع الديوان-طبعته السقيمة-في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف، في سنة 1356 هـ، في أربعين صفحة، مع مقدمة تحمل الحروف أ-ح.

و من هذه النسخة أيضا نقل المرحوم السيد محمد صادق آل بحر العلوم في سنة 1351 هـ نسخته الخاصة التي تحتفظ بها اليوم مكتبة المتحف العراقي ببغداد تحت الرقم (35428) .

أما نسبة الديوان لصانعه، فقد أهمل ذكرها معظم المترجمين لأبي هفان و المعنيين بأخباره، و لكن يكفينا ثقة بها و اطمئنانا إليها رجوع البغدادي صاحب الخزانة إلى هذا الديوان و تسمية صانعه أبي هفان و رواية بعض ما جاء فيه من الشعر و من شروح أبي هفان‏ (5) . كما يزيدنا وثوقا و اطمئنانا بذلك ذكر هذا الديوان في كتاب الرجال لأبي العباس النّجاشي أحمد بن علي المتوفى سنة 450 هـ، و قد روى النجاشي ما ذكر من كتب أبي هفان-و منها شعر أبي طالب-عن مؤلّفها بسندين:

الأول. عن أبي أحمد عبد السلام بن الحسين الأديب البصري، عن محمد بن عمران (المرزباني، ت 384 هـ) ، عن يحيى بن علي بن يحيى بن أبي منصور (المنجّم، ت 300 هـ) ، عن أبيه (ت 275 هـ) ، عن أبي هفان.

____________

(5) خزانة الأدب: 4/386 و 387 و 389.

45

و الثاني. عن أبي الحسن ابن الجندي (أحمد بن محمد بن عمران، ت 396 هـ) عن محمد بن القاسم بن (محمد بن) بشّار الأنباري (ت 328 هـ) ، عن أبيه (ت 305 هـ) ، عن أبي هفان‏ (6) .

و حسبنا هذان السّندان الجيّدان و نقول صاحب الخزانة اعتمادا و ثقة بثبوت النسبة و توثيقها.

____________

(6) رجال النجاشي: 151، و كان الصغاني قد رجع إلى «شعر أبي طالب» في العباب (شهر) ، و ذكر العيني «ديوان أبي طالب» في مصادره في آخر شرحه للشواهد الكبرى/هامش الخزانة: 4/597، و لكنهما لم ينصا على صانعه و جامعه.

46

و أمّا صانع الرواية الثانية من هذا الديوان فهو الأديب اللغوي الناقد المعروف؛ أبو القاسم‏ (1) ؛ علي بن حمزة؛ البصري؛ التميمي‏ (2) .

ولد في البصرة في أوائل القرن الرابع الهجري، و مع أن تاريخ ولادته لم تعيّنه المصادر فإن ذلك هو المستفاد من كونه لدة أبي الطيب المتنبي المولود في سنة 303 ه (3) ، كما يستفاد ذلك أيضا من حضوره مجلس أبي بكر الخياط النحوي المتوفى سنة 320 ه (4) .

درس و تعلّم في إبّان شبابه في البصرة، ثم انتقل بعد ذلك إلى بغداد و أقام بها ردحا من الزمن، و لما ورد المتنبي بغداد قادما من مصر سنة 351 هـ نزل عليه ضيفا شهورا عدة و أنفق ابن حمزة على ضيفه مدة مقامه ببغداد أكثر من ألف دينار (5) ؛ و رافقه في سفره إلى أرّجان لزيارة أبي الفضل ابن العميد (6) .

و غادر علي بن حمزة بغداد بعد مقتل المتنبي، فأقام بمصر مدة (7) ، و ساح في بلاد الشمال الأفريقي‏ (8) ، حتى حطّ عصا التسيار في جزيرة صقلية مقيما بها إلى أن وافته المنية

____________

(1) هذا هو الصواب في كنيته كما كنى بها نفسه مكررا في كتابه التنبيهات و كما وردت في أصل معجم الأدباء، و في معجم البلدان: 3/203، و قد تصحفت إلى (أبي نعيم) في بغية الوعاة: 337. و روضات الجنات: 5/229 و في ما تعمده محقق معجم الأدباء: 13/208 خلافا لأصله.

(2) هكذا نسب في صدر مخطوطة ديوان أبي طالب. و روى الميمني مثل ذلك (عن مخطوطة شرح أبي هلال العسكري على الحماسة) في مقدمته للتنبيهات: 63/الهامش ذو الرقم 1.

(3) مقدمة الميمني للتنبيهات: 63.

(4) بقية التنبيهات: 62.

(5) فهرسة ابن خير: 404 و معجم الأدباء: 13/210.

(6) خزانة الأدب: 1/386.

(7) التنبيهات: 325.

(8) التنبيهات: 289.

47

في شهر رمضان سنة 375 ه (9) ، «و صلّى عليه القاضي إبراهيم بن مالك قاضي صقلية، و كبّر خمسا، في الجامع» (10) ، و دفن هناك.

أخذ عليّ بن حمزة العلم عن عدد كبير من علماء اللغة و الأدب اللامعين في عصره؛ حتى بلغ درجة رفيعة من الفضل و المعرفة و التعمق، و أصبح يعدّ من «أعيان أهل اللغة الفضلاء المتحققين العارفين بصحيحها من سقيمها» (11) ، و «من أعلام أئمة الأدب» (12) .

و كان من جملة من قرأ عليهم و روى عنهم:

1-أحمد بن ابراهيم أبي هاشم القيسي؛ أبو رياش؛ من سكان البصرة (13) .

2-أحمد بن ابراهيم بن معلّى بن أسد؛ أبو بشر؛ العمّي؛ التميمي؛ البصري‏ (14) .

3-أحمد بن بكر؛ أبو روق؛ الهزّاني؛ المتوفى سنة 332 ه (15) .

4-أحمد بن الحسين؛ أبو الطيّب؛ المتنبي؛ المتوفى سنة 354 هـ.

و كانت بينهما علاقة حميمة و صداقة وثيقة، و روى ابن المستوفي عن علي بن حمزة قوله: «صحبت أبا الطيب سنتين و نصف (كذا) ؛ لا أفارقه فيها ليلا و لا نهارا؛ و لا

____________

(9) معجم الأدباء: 13/209 و بغية الوعاة: 337 و روضات الجنات: 5/229 و تاريخ الأدب العربي لبروكلمان: 2/194.

(10) معجم الأدباء: 13/209.

(11) معجم الأدباء: 13/208.

(12) تاريخ الأدب العربي لبروكلمان: 2/194.

(13) روى عنه في ديوان أبي طالب و التنبيهات: 96 و 247 و 258 و 319 و بقية التنبيهات: 38 و 62 و مواضع أخرى، و سماه «شيخنا» في البقية: 69.

(14) روى عنه كثيرا في ديوان أبي طالب: و في التنبيهات: 163.

(15) روى عنه في التنبيهات: 83 و البقية: 40 و 164 و 167.

48

يحتشمني في شي‏ء» (16) ، و قرأ ابن حمزة «عليه شعره إلى آخر الكافوريات» ببغداد عند إقبال المتنبي من مصر (17) .

5-عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى، أبو أحمد؛ الجلودي؛ البصري، المتوفى سنة 330 ه (18) .

6-عبد اللّه بن جعفر بن درستويه؛ أبو محمد؛ المتوفى سنة 347 ه (19) .

7-عبد الواحد بن أحمد بن عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة (حفيد ابن قتيبة المعروف) ؛ أبو أحمد (20) .

8-عبد الواحد بن محمد؛ أبو الفرج؛ الأصبهاني‏ (21) .

9-علي بن أحمد؛ أبو الحسين؛ المهلّبي؛ المتوفى سنة 385 هـ. و كان يسكن مصر (22) .

10-علي بن محمد: أبو الحسن؛ الوهبي‏ (23) .

11-محمد بن الحسن؛ أبو بكر؛ ابن مقسم؛ العطار؛ المتوفى سنة 354 ه (24) .

12-محمد بن مزيد بن محمود؛ أبو بكر؛ ابن أبي الأزهر؛ الخزاعي؛ المتوفى سنة 325 ه (25) .

13-المروزي؛ أبو سعيد (26) .

____________

(16) النظام: 1/201.

(17) فهرسة ابن خير: 404.

(18) روى عنه في ديوان أبي طالب و التنبيهات: 289 و البقية: 62 و 63.

(19) روى عنه في التنبيهات: 142.

(20) روى عنه في التنبيهات: 82 و 85 و 87 و مواضع أخرى منه.

(21) روى عنه في بقية التنبيهات: 39.

(22) روى عنه في التنبيهات: 325.

(23) روى عنه في التنبيهات: 79 و 316 و البقية: 54.

(24) روى عنه في بقية التنبيهات: 38.

(25) روى عنه في التنبيهات: 142.

(26) روى عنه في التنبيهات: 83.

49

14-هارون بن موسى؛ أبو محمد؛ التلعكبري؛ المتوفى سنة 385 ه (27) .

و أصبح علي بن حمزة-بفضل هؤلاء الشيوخ الأجلاء؛ و بما بذل من جهد و همة في المتابعة و الاتقان و التحقيق-علما بارزا من أعلام اللغة و الأدب؛ و استاذا معروفا له طلاّبه و رواة علمه في عدد من الحواضر التي أقام فيها كالبصرة و بغداد و مصر و أفريقية و صقلية، و لكننا لم نعرف منهم إلاّ:

1-أبا الفتح؛ عثمان بن جنّي؛ المتوفى سنة 392 ه (28) .

2-أبا الفتوح؛ ثابت بن محمد؛ الأندلسي؛ النحوي؛ المتوفى سنة 431 ه (29) .

و كما كان منتظرا من علي بن حمزة-و قد بلغ هذه المرتبة العليا من المعرفة-أن يودع آراءه و تحقيقاته و رواياته و تعليقاته؛ في مصنفات تتداولها الأجيال و ينتفع بها المعنيّون و الدارسون على مرّ العصور. فقد قام بهذه المهمة العلمية أفضل قيام، و ألّف عددا من الكتب القيمة المشحونة بالفوائد و المفعمة بالنفع و العطاء، و كان منها:

1-التنبيهات على أغاليط الرواة في كتب اللغة المصنفات-و هو أهم مؤلفاته و أشهرها : نبّه فيه على ما ورد من أوهام و أغاليط في عدد من كتب اللغة المعروفة الكثيرة الشيوع و التداول، و قد عرفنا منها:

أ-التنبيهات على أبي العباس المبرّد في «الكامل» .

ب-التنبيهات على أغلاط كتاب «اختيار فصيح الكلام» لثعلب.

ج-التنبيهات على ما في كتاب «الغريب المصنّف» لأبي عبيد.

د-التنبيهات على أغلاط أبي يوسف في كتاب «إصلاح المنطق» .

____________

(27) روى عنه في ديوان أبي طالب.

(28) معجم الأدباء: 13/210. و وردت احدى روايات ابن جني عن علي بن حمزة في خزانة الأدب:

1/386.

(29) فهرسة ابن خير: 404، و قد روى ثابت هذا عن ابن حمزة شرحه لديوان المتنبي.

50

هـ-التنبيهات على ما في «المقصور و الممدود» لابن ولاّد المصري.

و قد نشر الشيخ عبد العزيز الميمني هذه التنبيهات الخمسة في مجلد واحد في مصر سنة 1387 هـ.

و-التنبيهات على ما في «نوادر أبي عمرو الشيباني» .

نشره الدكتور عبد القادر عبد الجليل في مجلة كلية الآداب/جامعة البصرة، في سنة 1981 م.

ز-التنبيهات على «نوادر» أبي زياد الكلابي الأعرابي.

ح-التنبيهات على كتاب «النبات» لأبي حنيفة الدينوري.

نشرهما الدكتور خليل إبراهيم العطية-و معهما التنبيهات على ما في نوادر أبي عمرو الشيباني-باسم «بقية التنبيهات على أغلاط الرواة» في بغداد سنة 1991 م.

ط-كتاب الرد على الجاحظ في «الحيوان» .

ي-ردود على الأصمعي.

ك-ردود على ابن الأعرابي‏ (30) .

ل-ردود على ابن دريد (31) ، أو: أغلاط «الجمهرة» لابن دريد (32) .

م-أغلاط «المجاز» لأبي عبيدة (33) .

2-كتاب «الآباء و الأمهات و البنون و البنات» (34) .

____________

(30) ورد ذكر (ط-ك) في معجم الأدباء: 13/208 و 209.

(31) معجم الأدباء: 13/208.

(32) خزانة الأدب: 1/12. و ذكره علي بن حمزة نفسه في التنبيهات: 290 و البقية: 158.

(33) خزانة الأدب: 1/12.

(34) ذكره المؤلف في التنبيهات: 110 و 241 و 287 و 314 و في البقية: 107 و 145، و وصفه الميمني بأنه «كتاب جليل» و أخبر بوجود نسخة مخطوطة منه في مكتبة كوبريلي‏زاده في تركية. و ورد النقل منه في المؤتلف و المختلف: 193-194.

51

3-كتاب «الدارات» (35) .

4-ديوان شعر أبي طالب-و سيأتي الحديث عنه-.

5-ديوان شعر عليّ عليه السلام‏ (36) .

6-شرح ديوان أبي الطيب المتنبي‏ (37) . و يعدّ عليّ بن حمزة أوّل شارح له.

7-كتاب «العشرات» : جمع فيه الكلمات التي وردت كلّ واحدة منها بعشرة معان‏ (38) .

8-كتاب «المناكحات» (39) .

____________

(35) ذكره مؤلفه في بقية التنبيهات: 122.

(36) ذكره مؤلفه في التنبيهات: 155.

(37) ذكره مؤلفه في التنبيهات: 131.

(38) ذكره مؤلفه في التنبيهات: 128 و 151 و البقية: 135.

(39) ذكره مؤلفه في التنبيهات: 134 و 153 و 157.

52

رجعت في نشر رواية ابن حمزة للديوان إلى النسخة التي أظن أنها الفريدة في العالم كله، و هي المحفوظة في مكتبة المتحف العراقي ببغداد، و تحمل الرقم (11582/1) ، و قد كتبت في سنة 1071 هـ، عدد أوراقها (56) ، و قياس كل صفحة 20 سم*13 سم.

و عدد سطورها (15) سطرا. و كانت هذه النسخة قبل 80 عاما من الزمن تقريبا في خزانة آل العطار الحسنيّين ببغداد (1) ، ثم انتقلت من يد إلى يد حتى استقرت أخيرا في المكتبة المذكورة.

جاء في صدر صفحتها الأولى:

«ديوان جمع فيه شعر أبي طالب عمّ النبي (ص) » .

«صنعة علي بن حمزة البصري التميمي رحمه اللّه» .

«كتبه لنفسه أقلّ العباد كلب علي بن جواد سنة 1071» .

و جاء في ختامها:

«نجز شعر أبي طالب، و الحمد للّه رب العالمين، و صلّى اللّه على محمد و آله الطيبين الطاهرين، و كان الفراغ منه يوم السبت ثامن (كذا) و العشرين من شهر رمضان المبارك، من شهور سنة ألف و إحدى و سبعين هجرية، على يد أضعف العباد كلب علي بن جواد الكاظمي، بمدينة اصفهان» .

و كان هذا الناسخ ضعيف الدراية و المعرفة باللغة العربية كما يتضح ذلك من أغلاطه الكثيرة في نسخه؛ و أوهامه الوفيرة حتى في رسم الكلمات و إملائها، كأن يكتب النّضر (النظر) و الفعل محا (محى) و خلّى (خلا) و دعا (دعى) الخ، و لم ننبّه على ذلك في الهوامش لئلا نثقلها بهذه الأمور الواضحة الغلط.

____________

(1) الذريعة: 9/ق 1/42-43. و قد وصف صاحب الذريعة النسخة و نص على اسم ناسخها و تاريخ النسخ و مكان النسخ، و ذكر أنه رآها في الخزانة المذكورة.

53

أما صحة نسبة هذا الكتاب لمؤلّفه و صانعه فليس فيها مغمز أو مجال لشكّ، فقد ذكر الديوان الحافظ ابن حجر العسقلاني-و إن كان لم يسمّه و لم يسمّ صانعه‏ (1) ، و لكن البغدادي سمّاه «جزء فيه شعر أبي طالب» و سمّى مؤلّفه عليّ بن حمزة راويا ذلك عن ابن حجر (2) -. و ذكره أيضا السيد أحمد زيني دحلان‏ (3) و آقا بزرك الطهراني‏ (4) و عبد العزيز الميمني‏ (5) و غيرهم من المتأخرين. و قد أكد صحة النسبة و زادها توثيقا ما نقل ابن حجر من هذا الكتاب من نصوص و أقوال، بل روى أسانيد بعضها أيضا كما وردت فيه‏ (6) . و لهذا كلّه كانت قضية نسبة الكتاب لمؤلفه في عداد المسلّمات التي لا تحتاج إلى مزيد بحث.

و أما عملي في التحقيق فقد انصبّ بالدرجة الأولى على تحرير النص و تصويبه و اخراجه أقرب ما يكون إلى أصل مؤلفه، بعيدا عن الشروح و التعليقات التفصيلية التي لا تدخل في صلب عملية التحقيق؛ باستثناء شرح بعض الكلمات الغريبة و المفردات الغامضة التي لم يفسرها الصانعان الفاضلان.

و قد جعلت لكل قصيدة أو مقطوعة من شعر أبي طالب رقما خاصا بها، كما جعلت لكل بيت من أبيات القصيدة أو المقطّعة رقما خاصا به أيضا، لتيسير الرجوع إليها و إليه في التعليق و التخريج و الاستدراك.

ثم ألحقت بالديوان فصلا سمّيته (التخريج) أوردت فيه مظانّ وجود الشعر الذي رواه ابن حمزة في المشهور من المصادر التراثية العربية؛ سواء أ كان قصيدة أو مقطوعة أو

____________

(1) الاصابة: 4/116.

(2) خزانة الأدب: 1/261.

(3) السيرة النبوية: 1/82-83.

(4) الذريعة: 9/ق 1/42.

(5) مقدمة التنبيهات: 66.

(6) الاصابة: 4/116-118.

54

بيتا مفردا، مع الاشارة إلى اختلاف الرواية بين الأصل و مصدر التخريج-إن وجد ذلك- فيما كان منه شطر بيت أو أكثر.

و أردفت ذلك بفصل آخر سميته (المستدرك) أوردت فيه ما لم يورده صانعا الديوان مما ذكره غيره من الرواة من شعر أبي طالب، عسى أن يكون في ذلك ما يزيد في النفع و يضاعف الفائدة.

و قبل ختم الكلام في هذه المقدمة أجد من الواجب عليّ-أداء لأمانة البحث-أن أنبّه على أن هذا الديوان الذي صنعه ابن حمزة و كذلك الآخر الذي صنعه أبو هفان لم يضمّا كل شعر أبي طالب، بل لم يضمّا إلا القليل منه، فقد روى الباحث المعروف محمد بن علي السروي‏ (7) و هو يتحدث عن أبي طالب؛ أن أشعاره الدالة على ايمانه تزيد على ثلاثة آلاف بيت‏ (8) . فإذا أضفنا إلى ذلك سائر أشعاره في أغراضه الاخرى المختلفة و المتنوعة فربما تجاوز عدّها أربعة آلاف بيت.

و يبدو أن أيادي غير أمينة و قد تكون سيئة النوايا و المقاصد؛ قد امتدت-و منذ القرن الأول الهجري-إلى شعر هذا الشاعر، فطمست ما أمكن طمسه منها، و شكّكت في نسبة ما لم يمكن طمسه مما اشتهر أمره و شاع ذكره، حتى بلغت الحال حدّ زعم مؤرخ موسوعيّ واسع الاطلاع كالنويري نسبة أبيات من لامية أبي طالب الشهيرة إلى أخيه العباس بن عبد المطلب‏ (9) ، ثم بلغت الحال في العصر الحاضر بمحقق اسمه محمد نايف الدليمي إلى التعليق على أبيات رواها موفق الدين المقدسي لأبي طالب؛ فقال:

«و أحسب أن الأبيات منسوبة له» (10) !!!، و بمحقق آخر اسمه عبد المعطي قلعجي إلى التعليق على قصيدة لأبي طالب رواها له ابن اسحاق و غيره قائلا: «و هو (أي شعر هذه القصيدة) ظاهر الركاكة مما يدل على وضعه‏ (11) » !!.

____________

(7) المشهور بابن شهرآشوب، و المتوفى سنة 588 هـ كما في الوافي للوفيات: 4/164 و بغية الوعاة: 77.

(8) متشابهات القرآن: 2/65.

(9) نهاية الأرب: 18/241.

(10) التبيين في أنساب القرشيين: 89 «الهامش ذو الرقم 64» .

(11) دلائل النبوة: 2/29؛ الهامش ذو الرقم 22.

55

و لعل مما يعد من شواهد العبث و التلاعب ورود قصيدة نونية في شعر أبي طالب زعم الرواة-و منهم أبو هفّان و علي بن حمزة-أنها له في رثاء مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس. و يظهر أن ذلك مما أشاعه المتزلفون للحكام في العصر الأموي، لأن السهيلي شارح السيرة يقول: إن هذه القصيدة لأبي سفيان صخر بن حرب في رثاء ابن عمه‏ (12) ، و لا علاقة لها بأبي طالب.

كذلك وردت في شعره أبيات لاميّة جاء فيها: (هلمّ إلى حكم ابن صخرة أنّه...

الخ) و أراد بابن صخرة: خاله الوليد بن المغيرة، و صخرة أمّه. و لكنّ محمد بن حبيب قال بعد ذكر ما تقدّم: «و يقال إنهم رضوا بحكم أبي سفيان بن حرب، فروي بيت أبي طالب: هلمّ إلى حكم ابن حرب فانه» (13) .

و مهما يكن من أمر، فهذا هو الديوان كما ورد نصّه في الأصل القيم لرواية أبي هفان و الأصل الفريد لرواية ابن حمزة، و قد تلته إضافات التخريج و الاستدراك بالقدر الذي وفّقت للوقوف عليه. و كلّ الأمل و الرجاء أن يفي مجموع ذلك باعطاء الصورة الصادقة لشاعرية هذا الشاعر الفحل الأصيل؛ و لجهاده الصادق الدءوب في سبيل اللّه و الرسالة و الرسول.

و اللّه تعالى المسئول أن يمدّ بالتسديد؛ و يدلّ على محجّة الصواب؛ و يمنح العون و التوفيق، إنه خير مسدّد و موفّق و معين.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

العراق: بغداد-الكاظمية.

محمد حسن آل ياسين

____________

(12) الروض الأنف: 1/175، و يؤكد ورود هذا النص في الروض رواية البغدادي ذلك عن السهيلي في خزانة الأدب: 4/388.

(13) المحبر: 337-338.

56

اسكن صورة الصفحة الأولى من أصل «صنعة أبي هفان»