مقتل الحسين (ع)

- السيد عبد الرزاق المقرم المزيد...
424 /
5

ترجمة المؤلف‏

بقلم السيد محمد حسين المقرّم بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

1-تمهيد

أ-نافح أئمة الهدى عن شريعة سيد المرسلين، فأقاموا معالم الدين و أوضحوا السنن و نشروا ألوية الحق، و هم يلقون التعاليم كلما و اتتهم الفرصة و سنحت لهم السانحة و قد كابدوا في سبيل ذلك شتى البلايا و المحن و صابروا كلما اعتكر الجو في وجوههم و نفس عليهم اعداؤهم و حقد عليهم الشانئون و المبغضون، قسم قطع امعاؤهم و فتتت أكبادهم و سيوف وزعت أوصالهم و سجون دامسة ألقوا في غياهبها، و لكن أنوار الحق كانت كاشفة لظلماء الضلال، و صدق الحقيقة مزهق للباطل الزائف، و قد انمحت قرون و أتت أجيال و علماء شريعة بيت العصمة يحوطونها، و تكفلوا بمدارستها و استجلاء غوامضها و استكناه لبابها، و قد حظيت علوم آل البيت بكثير من العناية و حفلت بكثير من الاهتمام، فزخرت أمهات المدن الإسلامية بجهابذة افذاذ و بعلماء اساطين قعّدوا القواعد و فرعوا الفروع، و جالت اقلامهم في كل ميدان وصالت مزابرهم في كل رحب من رحاب العلم و ركضت أفراسهم في كل مضمار من مضامير المعارف و العلوم.

ب-و أجدني لست بصدد الحديث عن هذه العلوم التي ألفوا فيها و الفنون التي صنفوا في مسائلها أو وقفوا أنفسهم و حيواتهم في صيانة نفائسها و إن في‏

6

مكتبات العالم الغربي في كبريات مدنه تزخر بأعداد هائلة من تلك المؤلفات الجليلة و ازدحمت صالات معاهدها بألوف المؤلفات مما حررته أقلام أولئك الأساطين، ناهيك بما تضمه بين جوانحها المدن الإسلامية في الشرق من هذه المؤلفات الجليلة و المصنفات العتيدة... و جاءت دور النشر و المعاهد العلمية في الجامعات و المجامع العلمية فشمرت عن ساعد الجد فأخذت في تحقيق المؤلفات و استخرجتها من كنوزها، فأخذت بالشرح و التحقيق و الإبانة و المقارنة و الفحص، و غاصت أقلام المحققين في الأغوار فاستخرجت الدرر النفائس... و قد اهتبلت الفرصة كل مؤسسة ناشرة محبة في العلم أو راغبة في الثراء حيث النفوس فيها طموح للعلم و عشق للارتشاف من معين المعارف و نميرها الصافي... و النجف الأشرف، سيدة المدن الإسلامية في البحث و النظر و التدريس و التأليف منذ أن أسسها شيخ الطائفة (الطوسي) في القرن الخامس الهجري تعج منتدياتها بعلماء أماثل سطعوا كواكب في دياجير الظلم، و شموسا باهرة في الأزمنة التي أعقبت عصور أئمتنا، و لم ينكصوا عن مواصلة المسيرة و لم يلقوا الأقلام التي جردوها لإزاحة الشبهات و لا تخلوا عن (المنابر) ، فالمساجد الشريفة تعج بوجوه نيرة من المشايخ و تحفل بعقول لمّاحة الخواطر و أذهان وقادة الاشعاع و قرائح عذبة الموارد و لذا نجد النجف لم تبرحها الزعامة و الرئاسة فهي موئل أهل العلم و الشادين به و مباءة أهل الفضل... أتظن أن رئاسة التدريس و مكانتها في (الفتيا) تفارقها و تبارحها و اشعاعات سيد العارفين و إمام المتقين أمير المؤمنين تغمر الكون الإسلامي و القبسات من حكمه و أحكامه تعمر القلوب و تغمرها و تملأ الأفئدة و تفعمها كل ذلك من أنفاس سيد الحكماء عليه السّلام.

ج-و في بحر هذه الأمواج من الفيوضات العلمية الزاخرة نشأ و عاش سيدنا (المترجم له) فحز في نفسه أن يجد أخبار أهل البيت عليهم السّلام مطموسة المعالم في كثير من الجوانب، و آلمه أن لا تعنى (الأقلام) باستجلاء حيواتهم و استبطان مكنونات مآثرهم و فواضلهم!ألا تكفي المكتبة الإسلامية هذه الألوف المؤلفة و المجاميع المصنفة في الفقه و الأصول، و يبقى (نضال) سادات الورى مطموسا يغلب عليه التضليل و التمويه و التحريف من الأقلام المعادية التي انصرفت في العهود التي ما هادنتهم عليهم السّلام و لا ركنت إلى موادعتهم فشنت عليهم حروبا شنيعة

7

فظيعة من البهتان و الإفك في تزوير الحقائق!!و كيف لا تكون كذلك، و السلطة غاشمة و ولاة الأمور في (أزمانهم) ينفسون عليهم و يكيدون لهم، فجاءت الأراجيف و الأباطيل و انتشر المتملقون للحكام القائمين آنذاك بالأمور.

و سيدنا (المترجم له) بخبرته الواسعة بهؤلاء الرواة الكاذبين، و بأسماء الشخصيات المفتعلة وجد من حق الأئمة عليهم السّلام عليه أن يصرف جهده، و يبذل نشاطه في أن يحقق و يدرس تعاليمهم التي أنهيت إلينا و أن يجيل النظر في كثير من الأخبار المرتبكة المروية عنهم، و بيان سبب ذلك الارتباك في الأخبار و مؤدى مضامينها، كل ذلك (بالمقارنة) و (الاستنباط) و النفاذ إلى دقائق الأحكام...

و لكنه وجد التأليف أحق بأن يقصر في بيان أحوالهم و تراجمهم، أليس ظلما لهم منا و نحن نملك، القلم، و لدينا المعرفة، و تتوفر بين أيدينا كل أسباب البحث و الدراسة أن نتقاعس عن ذلك و لا نكشف ما ران على أخبارهم من شبهات؟إذا كان الأمويون و الزبيريون و العباسيون شنوا عليهم حروبا شعواء في إخفات اشعاعاتهم و طمس معالمهم و استخدموا من يواليهم و يناصرهم، أفلا يتوجب علينا أن نوجه الهمم و النشاط لمواصلة الأشواط التي ساروا عليها و بالأحرى أن نؤلف في (حقهم) فنناصرهم و نعضدهم في نضالهم و كفاحهم و بيان حقائقهم الناصعة التي رانت عليها ترهات الأباطيل!ألم يكتف علماؤنا من الخوض في (مسائل) فقهية و أصولية و كلامية و فلسفية أمضينا عليها قرونا و قرونا فلم يبق مجال لقائل أو بيان لمجادل و مناظر... ؟إن حقهم علينا أن نكتب فيهم و ندرس نهضاتهم و نستجلي غوامض أقوالهم و ندفع ما ألصق بهم و بطرائقهم من الريب!و كان يجد- رحمه اللّه-من العبث أن يبذل المؤلف جهده و يفني نفسه في فروع من أمور العلم الحديث أو القديم و لا يخصص شيئا من هذا الجهد و ذلك الإضناء في دراسة شخصياتهم و شخصيات ذراريهم و المشايعين لهم، الذين ركبوا أعواد المشانق و ألقي بهم في الحبوس و شردوا في الآفاق فلاقوا الحتوف ثابتين على المبدإ السامي و دينهم الحنيف. هذا ما حرره في مقدمة شرحه لقصيدة الشيخ حسن ابن الشيخ كاظم سبتي رحمه اللّه المسماة (الكلم الطيب) (1) و هو أول ما بدأ في كتابته، قال:

____________

(1) مخطوط/ديباجة الشرح.

8

«لذلك كان الواجب بعد الأصول الاعتقادية النظر في فضائلهم و مناقبهم و أحوالهم قياما بواجب حقهم من جهة و لنقتدي و نتبع أقوالهم من جهة أخرى... الخ» .

2-نسبه‏

عبد الرزاق بن محمد بن عباس ابن العالم حسن ابن العالم قاسم بن حسون بن سعيد بن حسن بن كمال الدين بن حسن بن سعيد بن ثابت بن يحيى بن دويس بن عاصم بن حسن بن محمد بن علي بن سالم بن علي بن صبرة بن موسى بن علي بن جعفر بن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق عليه السّلام: و كان لقبه (المقرّم) و هو لقب العائلة و سببه أن أحد أجداده كان عليلا في رجليه من مرض أجهده و أنحله فأقعده في البيت على أن اللقب الذي كان يغلب على العائلة قبل هذا (السعيدي) نسبة إلى جده سعيد بن ثابت.

3-ولادته و نشأته 1316-1391 هـ: 1894-1971 م‏

ولد-رحمه اللّه-في النجف الأشرف من والدين شريفين عام 1316 هـ الموافق لعام 1894 الميلادي كما استعلم منه العلامة الشيخ علي أصغر أحمدي و كما ذكرته مقالة الصحفي الإيراني مدير مجلة خود (عماد زاده) المنشورة في جريدة (نداى حق) بطهران بتاريخ 29/رمضان عام 1370 هـ:

كان أبوه السيد محمد ابن السيد عباس كثير الاعتكاف بالجامع الأعظم بالكوفة و كثير الاقامة فيها، و لكن جده لأمه السيد حسين العالم أخذه بمزيد من الرعاية و التنشئة الدينية على غرار ما ينشأ عليه أبناء أهل العلم و الفضل من دراسة العربية بأدواتها و الفقه بفروعه و العقائد بمسائله و كانت وفاة جده هذا في سنة 1334 قد آلمته كثيرا و حملته جهدا و نصبا في العيش و الحياة، فتحمل الشظف و كابد قساوة الأحوال و لكن هذه لم تصرفه عن طلب العلم و حضور (البحث) لدى أساتذته، و كان يذكر والده السيد محمد المتوفى عام 1351 هـ بكثير من الخير...

و والدته العلوية كانت بارة به و قد برّ بها كانت صالحة و قارئة للقرآن و قد وافاها الأجل عام 1370 هـ.

9

كان عمه السيد مهدي ابن السيد عباس كثير التجوال بين المدن و كثير الاختلاف إلى الأرحام المنبثين في النعمانية و الديوانية و الهندية و أماكن أخرى و كان هذا العم رحمه اللّه مناوئا و شديدا على العثمانيين و كثير التقريع لهم لما ينزلون بالناس من الأذى و الجور حتى ظفروا به في الكوت و أعدموه شنقا بدخوله إليها عام 1334 هـ.

و أما جد عائلة (آل المقرّم) فهو السيد قاسم و قد نزح من أراضي (الحسكة) حيث كانت له أراض يباشرها و جاء إلى النجف الأشرف لجوار سيد الوصيين و لأن بعض أفراد العائلة كان يقيم في النجف كذا سجل (المترجم له) في بعض أوراقه.

كان نزوحه في القرن الثاني الهجري، و منذ حل في دارهم الحالية جد في طلب العلم حتى صار علما من الأعلام و كان مرموقا لدى علمائها و أفاضلها و كانت داره مرتادا لذوي الفضل و كثيرا ما كان يقيم الحفلات لأهل البيت و يعقد المجالس لذكراهم، كان نسابة و من أئمة الجماعة له مؤلفات، منها حاشية على كتاب (الأنساب) لأبي الحسن الفتوني العاملي المتوفى سنة 1138 و حاشيته هذه غير متصلة في ذكر الآباء و الأجداد أو ذكر الفروع بالأحرى، و حاشية أخرى على كتاب (عمدة الطالب) لابن عنبه الداودي الحسيني المتوفى سنة 828 هـ... و مترجمنا رحمه اللّه لم يشتغل في قضايا الأنساب المتأخرة و قد كان يتحرج من الخوض في شؤونها، على أنه ملم واسع المعرفة بأخبار الرجال و الرواة و بمن يتفرع من (الأصائل) و لذلك لا يعسر عليه فهم قيمة الحديث و الخبر أو الرواية من معرفة الاسم (المكذوب) أو بالأحرى المفتعل أو الخلائق التي كان يتسم بها (الرجل) أو يشتهر بها.

و لا يعزب عن البال أن جده لأمه السيد حسين المتوفى في أواخر عام 1334 هـ كان هو الآخر إمام جماعة و من المشتغلين بالتدريس و كان خاله السيد أحمد ابن السيد حسين المتوفى أيضا سنة 1334 هـ من أهل الفضل و العلم و قد أنجب أولادا أربعة عرف منهم السيد إبراهيم ابن السيد أحمد المتوفى سنة 1358 هـ عالم فاضل و كان ذا نظر و فقه واسع و حضر عنده كثير ممن صاروا في منازل علمية

10

جليلة، و قد درس ردحا من الزمن في مدرسة الإمام الشيخ محمد حسين آل شيخ علي كاشف الغطاء رحمه اللّه.

4-مشايخه‏

1-جده العالم الورع التقي السيد حسين المتوفى 1334 هـ و قد عني بتنشئته و تربيته و تعليمه.

2-العلامة الحجة الشيخ محمد رضا آل شيخ هادي آل كاشف الغطاء المتوفى 1366 و قد قرأ عليه الأصول.

3-العلامة الحجة الفقيه الشيخ حسين الحلي النجفي، مد ظله، و قد قرأ عليه السطوح فقها و أصولا.

4-المرجع الأعلى المغفور له السيد محسن الحكيم المتوفى 1390 هـ حضر عليه خارج الفقه.

5-الحجة المجتهد الشيخ آغا ضياء العراقي المتوفى 1361 هـ و حضر عليه خارج الأصول.

6-الزعيم الديني المرجع في الفتوى السيد أبو الحسن الأصفهاني النجفي المتوفى 1365 هـ حضر عليه خارج الفقه و كتب تقريراته.

7-الحجة المرجع في الفتوى الميرزا محمد حسين النائيني النجفي المتوفى 1355 هـ حضر عليه خارج الفقه و الأصول و كتب تقريراته.

8-آية اللّه المدرس الأكبر المرجع اليوم السيد أبو القاسم الخوئي النجفي مد ظله، حضر عليه في الفقه و الأصول.

9-أ-أما المجاهد الكبير الشيخ محمد جواد البلاغي المتوفى 1352 هـ فكانت في نفسه له مكانة أثيرة، و كان كثير التحدث عن منزلته و لتشابه الرجلين في أسلوب العمل و النضال عن شريعة المصطفى مما قوى العلاقة بينهما، و قد ساهم (المغفور له) مع الحجة البلاغي في نشر (الرحلة المدرسية) ، و كذلك كتابه (الهدى‏

11

إلى دين المصطفى) ، و كانت شخصية (المرحوم البلاغي) تملأ نفسه إعجابا و إكبارا في كثير من المواقف التي يبدو فيها (الولاء) لآل البيت خالصا صريحا. كما تلاحظ ذلك فيما سجله على قصيدة البلاغي المثبتة في باب المراثي و على كثير من الكتب التي اشتراها منه مثل تصحيح المترجم له نسخة له من كتاب الرحلة المدرسية و شرائه مسند أحمد حيث فهرسه و عليه عبارة تنم عن تقديره لشخصيته.

ب-أما المرحوم الحجة المرجع في الفتوى الشيخ محمد حسين الأصفهاني النجفي المتوفى سنة 1361 هـ فقد كانت له صحبة جليلة و قد استفاد من دروسه في الفلسفة و الكلام و برغبة من (السيد المقرّم) كتب المرحوم الشيخ الأصفهاني ارجوزته الكبرى في المعصومين عليهم السّلام المسماة (الأنوار القدسية) و مع أن الناظم أستاذ في الفلسفة و ملأ جوانب هذه الأرجوزة بالمصطلحات العقلية الفلسفية فقد جاءت سلسلة في تراكيبها، واضحة في أفكارها و معانيها عذبة في جرسها، و نحن ندري أن الفلسفة بمصطلحاتها ترهق (النظم) و تثقل كاهل الشعر فلا تدعه شعرا، و لم يفتأ المغفور له (المقرم) يكثر من قراءة المناسب من هذه الأرجوزة في عديد من المجالس التي يقيمها في ذكرى المعصومين، و كتاب (مقتل الحسين) هذا لم يغفل الأرجوزة من الالماع إلى بعضها و في باب المراثي تجد فصلا من هذه الأرجوزة مثبتة في الحسين عليه السّلام.

ج-و الحجة الشيخ عبد الرسول بن الشيخ شريف الجواهري المتوفى سنة 1389 هـ نور اللّه ضريحه فقد كان مثال الورع و العفة و في أعلى درجات طهارة النفس و التقى فقد لازمه (المترجم له) و الشيخ ممن يعرف بالاجتهاد و المنزلة العالية في العلم، و سيدنا (المقرم) ذو صلة وثيقة به خصوصا عند المذاكرة في أمهات المسائل و دقائق المباحث، و قد سألت صديقي الفاضل الأستاذ الحاج يحيى الجواهري و كان يحضر مجلسهما عن طبيعة (المباحث) التي تدور بين الشيخ و السيد، أجاب أن المرحوم (المقرم) كان يورد ايرادات فيما يسمى (اشتباهات) على الشيخ الكبير صاحب الجواهر في كتابه (الجواهر) و كان الفقيه الشيخ عبد الرسول يقره على تلك و يوقفه على الملاحظات التي يبديها في بعض مسائل (الجواهر) .

12

5-مكانته العلمية:

هذا الموضوع لا أجده يسمح لي في الحديث عن مكانة السيد العلمية و هو والدي و لكن هذه المكانة العلمية إذا أراد أن يستشفها (القارى‏ء الكريم) فيكفيه ما أدرج في قائمة المؤلفات التي حررها قلمه، فالخطية منها و المطبوعة ما فيه غنية للباحث و نجعة للمرتاد، ناهيك عن تلك (الاجازات) العلمية التي منحها له (أكابر) العلماء و هي محفوظة إلى جنب مخطوطاته لكن (السيد) لم يكن يتبجح بها و لا أدري ما أثرها في نفسه. أما المقدمات التي كتبها لكثير من المؤلفات التي أخرجتها (المطابع) ثم تلك البحوث و التعليقات في كتاب (الدراسات) للسيد علي الشاهرودي رحمه اللّه و هي تقريرات سيدنا الخوئي و كذلك كتابه الآخر (المحاضرات في الفقه الجعفري) فهي تنم عن العقلية التي يتمتع بها (المترجم له) و الذهنية التي توفرت له، ثم الصبر الطويل في تقليب الصفحات للمراجع و المصادر العديدة و يغلب على ظني أنه أعان كثيرا من الباحثين المحدثين في النجف المعاصرين الذين اخرجوا شهيرات الكتب و ربما قدم لهم فصولا تامة، للكتب التي نشروها، كل ذلك خدمة للعلم و أهل العلم و إليك ما كتبه الشيخ محمد هادي الأميني نجل المرحوم الحجة الأميني‏ (1) «لقد كان الحجة السيد المقرم بحرا متدفقا لا في الفقه و أصوله و إنما تجده يخوض في الحديث و الأدب و الفلسفة و الدراية و الحكمة الإلهية، كعبة القاصد و ملاذ المحتاج، واسع الثقافة، وافر العلم، صريحا في جميع أقواله و أعماله... إن كتابا واحدا من كتبه يكفي أن يعطيك فكرة واضحة عن ثقافته الحية التي تتجلى فيها نفحات العبقرية، و هو مع هذا العلم الغزير و البحث الجمّ لا يزدهيه الفخر و لا يداخله الغرور لذلك كنت تجده دائما موطأ الجانب يلقي إليك بما عنده و كأنه يأخذ منك... » .

6-اسلوبه:

إن أساليب الباحثين تعتمد على الوضوح و الإبانة و إقامة الدليل و سطوع

____________

(1) مجلة العدل النجفية 17/في 14 شعبان 1391 الموافق 5/10/1971.

غ

13

الحجة، و إذا استقرأنا مؤلفات المغفور له، فبما ذا يظهر أسلوبه الكتابي؟

في أكبر الظن أنك إذا تفحصت كتبه في مواضيعها المختلفة و التعليقات التي حررها للآخرين، أو التي كتبها مقدمات لكتب علماء اجلاء، فلا شك أنك ستجد سمة الوضوح و طابع الأشواق هي الأساس في التراكيب، و لا يبعد عن البال أن البحث الذي تتميز به كتبه، هي دراسة و فحص و مقارنة، و هذا يستدعي منه قراءة (النصوص) بوجوهها المختلفة مع نقد للقائلين و الرواة، و عرض لشخصياتهم و بعد هذا كله، إما أن يستقيم (النص) أو يتهاوى، و على هذا صدر كتابه (تنزيه المختار الثقفي) و كتابه الجليل (السيدة سكينة) و كتابه المخطوط (نقد التاريخ في مسائل ست) و اسلوب الكتابة في عصره كان يعتمد السجع و الاحتفال بالزخرفة اللفظية و شحن التراكيب بما يثقل كاهل العبارة من رموز و إشارات و أشياء أخرى يجفوها البيان العربي الحديث... هذه أشياء خلا منها أسلوبه، و اعتمد على (الاستنباط) و الفهم الجيد، لذلك قامت مؤلفاته على الأصالة في الفكرة و الاسترسال في سرد الحقائق و عرض المعاني، و تراه يستدرجك إلى الرضا بالمسألة الخطيرة التي يثيرها، و قد حفل هذا الكتاب (مقتل الحسين) بمثل هذه الأمور (و السيد) حين يستمر في البحث و الدراسة و الفحص و المقارنة يقول: و على هذا نستفيد فقها أن... الخ.

7-أول مؤلفاته:

إن شدة حبه لآل البيت عليهم السّلام يدفعه حين يقرأ الكتاب أن يلتقط منه تلك الأخبار و الأحاديث التي تشير إلى شي‏ء من أمورهم أو شي‏ء من أمور من يناوئهم ثم هو يجمع هذه الشذرات في (رسالة) نقدر أن نقول عنها (غير متكاملة) و هي في عرف الباحثين (مادة البحث الاولى) و كثيرا ما يهب هذه التي (يجمعها) إلى كل من يعنى (ببحث) ينفعه هذا الذي (هيأه) لنفسه. وصل إلى علمه أن الخطيب الشاعر المرحوم الشيخ حسن سبتي قد نظم قصيدة مطولة بائية في أحوال المعصومين سماها «الكلم الطيب» أو «أنفع الزاد ليوم المعاد» فشرحها و جاء في صدر الشرح:

و هذا أول ما كتبته، و بعدها كتبت أحوال «زيد الشهيد» و في آخر هذا الشرح جاءت‏

14

العبارة التالية: «قد كنت أرغب في اختصاره و عاقني عنه الشغل الكثير» و قد نذر نفسه إلى شرحها و التعليق عليها و بيان ما يحتاج إلى بيان، لكنه رحمه اللّه لم يحسبه في عداد مؤلفاته، لأن الشرح لا يقوم على جهد أساسي منه فلذلك لم يحفل به.

لقد صدر له أول كتاب هو (زيد الشهيد) و ألحق به رسالة في (تنزيه المختار الثقفي) و الكتاب هو ترجمة لأحوال ابن الإمام السجاد عليه السّلام، و لم يذكر في المقدمة دواعي التأليف، و في أكبر ظني أن حبه الأصيل لثورة الحسين عليه السّلام دفعته لأن يكتب عنه و تعرض الاطاحة بحكم الأمويين الجائر و لتشابه كثير من المواقف بينها و بين ثورة (أبي الشهداء) : و الكتاب يحفل بكثير من القضايا التي زورتها الأقلام المسخرة لتركيز دعائم الأمويين!!هذا أمر لا يهمنا بقدر ما يهمنا الالماع إلى شي‏ء و هو أن الكتاب صدر في الثلاثينات و كان يومئذ من المعيب على (العالم) أن يجرد نفسه في الاشتغال بأمور ليست من صلب (الفقه و الأصول) و يعتبر عمله مزريا به و بمنزلته و فضله، و المترجم له كسر أقفال الحديد التي تمنع الرجل العالم أن يبحث و ينشط (للطبع) و (التعليق) أو التحقيق في كتاب لجهبذ من اعلامنا في القرون المتقدمة، و لذلك لم تتطامن نفوس الحوزة العلمية إلى أن ينصرف (علم من أعلامها) إلى البحث في أمور لا تتصل بالفقه أو الأصول و اشتد الاستغراب لدى الحوزة أن يبرز كتاب للمرحوم الشيخ عبد الحسين الأميني (شهداء الفضيلة) و يأتي الباحث المنقب المرحوم اغا بزرك فيباشر بإخراج موسوعته الجليلة (الذريعة) و تخرج اجزاءه الأولى من مطابع النجف و يسبقهم في العمل المرحوم الحجة الثقة الشيخ عباس القمي فيخرج كتابه النفيس «الكنى و الألقاب» ثم يأتي منتدى النشر فيحقق كتاب السيد الرضي (حقائق التأويل) و يكتب له مقدمة نفيسة الحجة العالم و الشاعر الشيخ عبد الحسين الحلي... و هكذا ألف أهل الفضل و العلم هذا اللون من طرائق الكتابة و الدراسة فتتابعت (المؤلفات) و بالأحرى (الدراسات) و حينئذ لا يمكن أن يبقى (مؤلف) يتراكم عليه غبار النسيان و الاهمال، فالمطابع و دور النشر و القراء يقبلون عليها في كثير من الرضا و حينئذ عمت (المكتبات) الخاصة و العامة، و كثر المنتفعون بتحقيقات أهل العلم.

15

8-كتاب مقتل الحسين‏

قال الشاعر:

أنست رزيتكم رزايانا التي # سلفت و هوّنت الرزايا الآتية

إنه يشير إلى رزية كربلاء حيث هي الفاجعة العظمى و الكارثة الكبرى التي نزلت بساحة آل المصطفى حيث الدواهي التي صاحبتها في سلسلة مسيرة آل بيت الوحي من المدينة إلى العراق و الشام كانت تقرح القلب و تدمي الفؤاد، و قد كان الأئمة الأمجاد يستحثون شيعتهم بأن لا يتناسوها و يعملوا كل شي‏ء في سبيل إحياء ذكراها (أحيوا أمرنا، رحم اللّه من أحيا أمرنا) لذلك رافقتها فصول دخلت رواية الحادثة فيها و الطابع الحزين و المثير للعواطف و المستفز لكوامن النفوس و دفائن الخواطر، و قلوب الشيعة تلتاع بالأسى و تعتلج فيها الخواطر الكئيبة المشحونة بالصور المفزعة و القلوب تحتدم غيظا على كل من أتى بتلك الفعلة النكراء، و جاء أرباب التاريخ فسجلوا كل ما سمعوا و دونوا كل ما وصل إلى سمعهم فدخلت في:

(الفاجعة) أشياء و أشياء يأباها الذوق و لا تنسجم مع ما رواه الأئمة عليهم السّلام و لا يأتلف مع الحقيقة، هذا من جانبنا حيث اضفنا الكثير و الكثير إلى أحداث كربلاء و ما تبعها من أحداث... و أما من جانب أعداء آل البيت فقد عمدت اقلامهم إلى التحريف، و إلى التمويه و إلى إزواء الحقائق!و على هذه مرت الفاجعة و قطعت العصور و الأزمان و هي إلى القيامة باقية، و لكن لا بد من ازاحة الستار عما خفي و استتر و لا بد من رواية الصحيح من الأخبار، و ننسف كل ما لا يتفق مع أساس نهضة سيد الشهداء في صراعه الدامي للإطاحة بمن أمات السنة و أحيا البدعة. !ألا يدفعك الاستغراب إلى أن نأخذ الرواية عن (حميد بن مسلم) الذي يبدو رقيق القلب في ميدان المعركة و هو ممن رافق حمل رأس أبي عبد اللّه عليه السّلام حيث يهدى إلى كوفان و إلى الشامات و ندع أخبار كربلاء و لا نأخذها من (أهلها) و ممن صبت عليهم بلاياها.

ثم من هو أبو الفرج؟إنه أموي في النزعة و النسب و المعتمد في أخباره على زبيريين أو أمويين مناوئين لآل البيت عليهم السّلام!و الطبري في كتابه المشهور، كل روايته عن (السدي) و مجاهد و غيرهما، و أهل العلم يعرفون السدي من هو؟و لكن‏

16

أخبار كربلاء جاءت عنه!لهذا كله انبرى المرحوم (المترجم له) في تحرير كتابه «مقتل الحسين» .

حفل كتاب المقتل بالإشارة إلى الكثير من (المنقولات) التي لا تنهض على أساس، و بالمقارنة و بالفحص أبطل تلك التي راحت تنقلها الأفواه أزمانا و أزمانا!

و احتوى (المقتل) في هوامشه على بحوث فقهية و لغوية و أدبية و تحقيقات عديدة لكثير من ألفاظ روايات تتضارب على ألسنة رواتها و يجد القارى‏ء فيضا من المصادر التي يستند إليها (المترجم له) في تحقيقاته و دراساته لرواية كربلاء!

شخصيات عديدة في رواية كربلاء، رجال و نساء و صبية، فيها التباس، بالأسماء و بالمسميات فأزاح (المؤلف) كل ما ران عليها، ألا تدري بأن المراد بأم كلثوم هي العقيلة زينب!و هل تذهب بك الظنون إلى أن أم البنين لم تكن على قيد الحياة زمن (المأساة) و هذا الشعر الذي يرويه (الذاكرون) لا نصيب له من الصحة:

لا تدعوني ويك أم البنين # تذكريني بليوث العرين‏

و نحن نروي الخبر و نكون إلى جانب مروان (الوزغ) فنظهره رقيق الحاشية دامع العين من حيث لا ندري؟!و ماذا تعرف عن ذابح الحسين (الشمر) نسبا و مزاجا، و عبيد اللّه الأمير؟يستنبط السيد أحكاما شرعية من تصرفات الإمام أبي عبد اللّه و أقواله في خطبه... كل هذا تجده في (مقتل الحسين) و تجد أمورا أخرى أجد نفسي لا أعرضها لك، و لكن نفسك أيها القارى‏ء تدفعك للوقوف عليها و استشراف مضامين الكتاب كما تستشرف مواضيعه الحبيبة إليك.

9-آثاره:

أ-المطبوعة:

1-زيد الشهيد (ترجمة)

2-المختار بن عبيد الثقفي (نقد و دراسة)

3-السيدة سكينة (دراسة)

4-مقتل الحسين عليه السّلام (تاريخ و تحقيق)

17

5-الصديقة الزهراء عليها السّلام (ترجمة)

6-الإمام زين العابدين عليه السّلام (ترجمة)

7-الإمام الرضا عليه السّلام (ترجمة)

8-الإمام الجواد عليه السّلام (ترجمة)

9-قمر بني هاشم-العباس عليه السّلام (ترجمة)

10-علي الأكبر عليه السّلام (ترجمة)

11-الشهيد مسلم بن عقيل (ترجمة)

12-سر الإيمان في الشهادة الثالثة (أخبار و دراسة)

13-يوم الأربعين عند الحسين (رسالة) (مآثر و طاعات)

14-المحاضرات في الفقه الجعفري (كتاب للسيد علي الشاهرودي) تعليقات و دراسة له:

ب-مقدمات و تصدير لكتب تراثية

15-دلائل الإمامة لابن جرير الطبري الإمامي‏

16-الأمالي-للشيخ المفيد (محمد بن محمد بن النعمان العكبري)

17-الخصائص للسيد الرضي‏

18-الملاحم-للسيد أحمد بن طاووس‏

19-فرحة الغري-للسيد عبد الكريم ابن طاووس‏

20-اثبات الوصية-للمسعودي‏

21-الكشكول-للسيد حيدر بن علي العبيدي الحسيني الآملي‏

22-بشارة المصطفى-لعماد الدين الطبري الآملي-تعليقات و ملاحظات‏

23-الجمل-للشيخ المفيد-تعليقات‏

18

جـ-آثاره المخطوطة

1-المنقذ الأكبر-محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم (دراسة)

2-الحسن بن علي عليه السّلام (دراسة)

3-عاشوراء في الإسلام (نقد و تاريخ)

4-الأعياد في الإسلام (تاريخ)

5-ذكرى المعصومين (أجزاء منه مطبوعة-تاريخ)

6-زينب العقيلة عليها السّلام (ترجمة)

7-ميثم التمار (رسالة) (ترجمة)

8-أبو ذر الغفاري (رسالة) (ترجمة)

9-عمار بن ياسر (رسالة) (ترجمة)

10-نقل الأموات في الفقه الإسلامي (دراسة)

11-نقد التاريخ في مسائل ست (دراسة و تحليل)

12-حلق اللحية (نقد)

13-دراسات في الفقه و التاريخ (دراسة و تحليل لأحاديث)

14-ربائب الرسول (تاريخ و دراسة)

15-الكنى و الالقاب (تراجم)

16-حاشية على الكفاية-للشيخ محمد كاظم الخراساني (أصول)

17-حاشية على المكاسب للشيخ مرتضى الأنصاري (فقه) 18-نوادر الآثار (شؤون شتى)

19-يوم الغدير-أو حجة الوداع (تاريخ)

19

10-ولاؤه لأهل البيت عليهم السّلام‏

ليس أكبر ذخيرة من أن يحيا المرء، بل و يموت على محبة أهل البيت عليهم السّلام و ليس أنفس شي‏ء يحرزه المرء حين تصفر الأكف مما يملكه لنفسه من حيازة محبتهم و يضمن شفاعتهم و تكون مثوبته في الدار الأخرى أن ينزل منازلهم و يكون (من المقربين) إليهم. و الناس كلهم ينشأون على محبتهم و ولائهم، و لكن درجة تركز هذه الصفة تتباين لديهم، فواحد يرضى من نفسه أن يحضر مجالسهم و آخر لا يرضى إلا أن يقيم لهم المجالس و آخر يرضى لنفسه أن يحضر أو يرحل لزيارتهم في ضرائحهم و آخر ينشط لتهيئة الناس و ربما ينفق لتهيئة الزائرين لحضور (مشاهدهم عليهم السّلام) .

و سيدنا المترجم له كان تزدهيه هذه الألوان من النشاط كلها... نشأ و تربى و وجد نفسه في بيت تكثر فيه (المناسبات) التي تعقد لآل البيت، هكذا كان يرى جده (السيد حسين) يجتمع الناس عنده و يتذاكرون بل و يلقون من نتاجاتهم الأدبية الشي‏ء الكثير، و وجد نفسه رحمه اللّه مفعمة بهذا الولاء فاستزاد منه، و أخذ يتحين (الفرص) لإقامة المجلس حتى لأولئك الذين شايعوهم و تابعوهم و علوا صهوات الأعواد أو ماتوا في ديار الغربة و تجرعوا كؤوس الردى صابرين-و الشواهد كثيرة جدا، و كتابه المخطوط (نوادر الآثار) فيه تلك القصائد التي كان يلقيها الشعراء الذاهبون رحمهم اللّه في مناسبات افراحهم، و طريقة (الإحياء) عنده لا تكفي باقامة (المجالس) لهم بل الانصراف إلى نشر آرائهم و بيان طرائقهم في السلوك و الحياة و قد مارس ذلك عن طريق (المحاضرات) التي يجمع عليها أهل المكاسب من إخوانه و أصحابه (في أيام رمضان) و هكذا كنت أرى البيت يمتلى‏ء بهم و يتكرر (البحث) ليلة بعد ليلة و رمضانا بعد رمضان... أما (قلمه) و راحته و وقته فشواهدها هذه (المؤلفات) التي خلّفها، و نرجو منه تعالى أن يسدد الخطى لنشرها بين الناس و أجلّ مخطوطاته «المنقذ الأكبر-محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم» و «الإمام الحسن» و قد مضى على تأليفهما أكثر من ثلاثين عاما و كتابه «نقد التاريخ في مسائل ست» كان كثيرا ما يتحدث عنه.

20

11-نظمه‏

لم يكن (المترجم له) يحسن الشعر و لا يتعاطاه و لم يعان قرضه غير أنه رحمه اللّه كان يحبه لا سيما إذا قيل في أهل البيت عليهم السّلام و كثيرا ما كان يقتبس من شعر شعراء أهل البيت في مؤلفاته في ذكراهم عليهم السّلام، احياء لذكر شعرائهم...

أما هو فلا نعهد له شيئا سوى نزر قليل منه قوله في أبي الفضل العباس عليه السّلام متوسلا إلى اللّه تعالى به لكشف ما ألمّ به:

أبا الفضل يا نور عين الحسين # و يا كافل الظعن يوم المسير

أتعرض عني و أنت الجواد # و كهف لمن بالحمى يستجير

و منه أرجوزته التي نظمها في النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و آله الاطهار و لكنه لم يتمها فمنها:

نحمدك اللهم يا من شرفا # هذا الوجود بالنبي المصطفى

محمد و آله الأطايب # نهج الهدى كفاية للطالب

ارشاد من ضل عن الهداية # إلى طريق الحق و الولاية

و فيها يقول:

و جاء في حديث أهل البيت # من قال فينا واحدا من بيت

أيده اللّه بروح القدس # و زال عنه كل ريب ملبس

لذلك أحببت أن أنظم ما # قد دونوه في الصحاح العلما

من فضل عترة النبي الطهر # و من هم ولاة رب الأمر

خاتمة حياته:

عانى المؤلف رحمه اللّه من شظف العيش و قساوة الحياة شيئا كثيرا و سار في حياته سيرة فيها الإباء و الترفع و كان يربأ بها أن تتدنى إلى ما لا يليق بها، و غرامه

21

بحضور الدرس و اداء مهمة التدريس و الاعتكاف شغله الشاغل فكان يرضى من عيشه بالبلغة: و كم رغب إليه المرحوم آية اللّه الزعيم الديني أبو الحسن الأصفهاني أن يحضر إليه فيكون (وكيلا) عنه في إحدى هذه الحواضر الكبرى من مدن العراق و حينئذ يكون رخاء الحياة و لكنه لا يرضيه ذلك العرض!و لا تزدهيه تلك (المهمة) ، و كل ما في نفسه أنه راض بقسمه تعالى قانع بما يتهيأ له من أسباب الحياة و يهمه أن يملأ نفسه من زاد العلم و يشبع مما في كنوزها من دقائق الذخائر بالجد و المثابرة المتواصلة نال المكانة المحترمة بين أهل الفضل...

كان يتحدث رحمه اللّه كثيرا عن مثل تلك (الرغبات) التي يريدها له أصحاب المراجع، كان يعلل رفضه، بأن النفس لا يكبح جماحها إذا تهيأت لها غضارة العيش و رخاء الحياة، و ربما تغمسه في أشياء أخرى... هذه التعلات و أمور أخرى لم يفصح عنها-هي سبب الرفض و كان كتوما في مثل هذه الشؤون!

أما صفاته الجسمية، فقد كان نحيفا في قامة معتدلة، و في أخريات أيامه حينما اصطلمت عليه العلل كان يغالب نفسه بأن يكون معتدل القامة رافع الرأس، كان يرتاح أن يباشر شؤون اقامة (المجلس) في المناسبات العديدة للأئمة الاطهار و لأصحابهم البررة. و إيمانه بهم و بكرامتهم عند اللّه كان كثيرا ما يتوسل إليهم في رفع البلوى و رفع الضر، و لم لا يفعل‏ (1) ذلك؟ألم يكن الإمام أبو الحسن علي الهادي يأمر أبا هاشم الجعفري أن يطلب من رجل... أن يدعو له عند مرقد سيد الشهداء!؟

كان رحمه اللّه مستوفز الأعصاب، تستثيره (البادرة) التي لا يرضاها و ينفعل لسماع ما لا تطمئن إليه النفس، رقيق القلب و وافر الدمعة لدى سماعه مصاب آل الرسول عليهم السّلام هذه أمور تضعف الركن الشديد، فكيف بعلل و شدائد صحية عديدة و لا تفارقه واحدة حتى تنتابه أخرى و مع هذا كله يفزع إليهم عليهم السّلام يتوسل إليهم بجاههم عنده تعالى أن يكشف العسر و يدفع الضر، و كان يعتقد اعتقادا جازما أن اللّه تعالى لم يمد في عمره إلا بسببهم و بحرمتهم حيث إن الواحدة من العلل التي تصيبه كفيلة بأن تقضي عليه، و هكذا سار على هذه الشاكلة حتى وافته المنية

____________

(1) مقتل الحسين للمقرم ص 38 (هذه الطبعة) .

22

في 17 محرم عام 1391 في اليوم الموافق 15/3/1971 فله من اللّه الرضوان و جزيل المثوبة... و أطرف ما رثي به قول الأستاذ الشيخ أحمد الوائلي مؤرخا عام الوفاة:

إيه عبد الرزاق يا ألق الفكر # و روح الإيمان و الأخلاق

إن قبرا حللت فيه لروض # سوف تبقى به ليوم التلاقي

فإذا ما بعثت حفت بك الأعما # ل بيضاء حلوة الإشراق

فحسان الأصول و الفقه و التاريـ # خ قلّدن منك بالاعناق

و مدى الطف يوم سجلت فيه # لحسين و آله و الرفاق

صفحات من التبحر و التمحيـ # ص تزري بأنفس الاعلاق

في حسين و سوف تلقى حسينا # و ترى الحوض مترعا و الساقي

هذه عندك الشفيع و ما # عند إلهي خير و أبقى البواقي

مستميحا عطاء ربك أرخ # (رحت عبد الرزاق للرزاق)

1391 ه

23

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏ وَ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا وَ إِنَّ اَللََّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ (69) وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) `فَرِحِينَ بِمََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ و يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاََّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ (170) * إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ وَ اَلْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى‏ََ بِعَهْدِهِ مِنَ اَللََّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ اَلَّذِي بََايَعْتُمْ بِهِ وَ ذََلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (171) .

القرآن الكريم‏

24

نهضة الحسين عليه السّلام‏

كان المغزى الوحيد لشهيد الدين و حامية الإسلام الحسين بن أمير المؤمنين عليه السّلام إبطال أحدوثة الأمويين و دحض المعرات عن قدس الشريعة و لفت الأنظار إلى براءتها و براءة الصادع بها عما ألصقوه بدينه من شية العار و البدع المخزية و الفجور الظاهر و السياسة القاسية (1) فنال سيد الشهداء مبتغاه بنهضته الكريمة و أوحى إلى الملأ الديني ما هنالك من مجون فاضح و عرف الناس (بيزيد المخازي) و من لاث به من قادة الشر و جراثيم الفتن فمجتهم الاسماع و لم يبق في المسلمين إلا من يرميهم بنظرة شزراء حتى توقدت عليهم العزائم و احتدمت الحمية الدينية من أناس و نزعات من آخرين فاستحال الجدال جلادا و أعقبت بلهنية عيشهم حروبا دامية أجهزت على حياتهم و دمرت ملكهم المؤسس على أنقاض الخلافة الإسلامية من دون أية حنكة أو جدارة، فأصاب هذا الفاتح الحسين عليه السّلام شاكلة الغرض بذكره السائر، وصيته الطائر، و مجده المؤثل، و شرفه المعلى‏ وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ .

لا أجدك أيها القارى‏ء و أنت تسبر التاريخ و تتحرى الحقائق بنظر التحليل إلا و قد تجلت لك نفسية (أبيّ الضيم) الشريفة، و مغزاه المقدس و نواياه الصالحة، و غاياته الكريمة، في حله و مرتحله، في اقدامه و احجامه في دعواه و دعوته، و لا

____________

(1) يتحدث الأستاذ أحمد أمين في ضحى الإسلام عن الحكم الأموي فيقول في ج 1 ص 27: الحق أن الحكم الأموي لم يكن حكما إسلاميا يسوي فيه بين الناس و يكافى‏ء المحسن عربيا كان أو مولى و يعاقب المجرم عربيا كان أو مولى، و إنما الحكم فيه عربي و الحكام خدمة للعرب و كانت تسود العرب فيه النزعة الجاهلية لا النزعة الإسلامية.

25

أحسبك في حاجة إلى التعريف بتفاصيل تلكم الجمل بعد أن عرفت أن شهيد العظمة من هو و ما هي أعماله و بطبع الحال تعرف قبل كل شي‏ء موقف مناوئه و ما شيبت به نفسيته من المخازي.

نحن لو تجردنا عما نرتئيه (لحسين الصلاح) من الإمامة و الحق الواضح الذي يقصر عنه في وقته أي ابن انثى لم تدع لنا النصفة مساغا لاحتمال مباراته في سيرة طاغية مصره، أو أنه ينافسه على شي‏ء من المفاخر فإن سيد شباب أهل الجنة متى كان يرى له شيئا من الكفاءة حتى يتنازل إلى مجاراته، و لقد كان عليه السّلام يربأ بنفسه الكريمة حتى عن مقابلة أسلافه.

أترى أن الحسين يقابل أبا سفيان بالنبي الكريم، أو معاوية بأمير المؤمنين، أو آكلة الأكباد بأم المؤمنين خديجة، أو ميسون بسيدة العالمين أو خلاعة الجاهلية بوحي الإسلام أو الجهل المطبق بعلمه المتدفق، أو الشره المخزي بنزاهة نفسه المقدسة!إلى غيرها مما يكل عنه القلم و يضيق الفم.

لقد كان بين اللّه سبحانه و تعالى و بين أوليائه المخلصين أسرار غامضة تنبو عنها بصائر غيرهم و تنحسر أفكار القاصرين، حتى أعمتهم العصبية فتجرؤا على قدس المنقذ الأكبر و أبوا إلا الركون إلى التعصب الشائن فقالوا: إن الحسين قتل بسيف جده لأنه خرج على إمام زمانه (يزيد) بعد أن تمت البيعة له و كملت شروط الخلافة بإجماع أهل الحل و العقد و لم يظهر منه ما يشينه و يزري به‏ (1) .

____________

(1) عبارة أبي بكر ابن العربي الأندلسي في العواصم ص 232 تحقيق محب الدين الخطيب طبع سنة 1371 قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ستكون هنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة و هي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان فما خرج عليه أحد إلا بتأويل و لا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده صلى اللّه عليه و آله و سلم انتهى. و قال محب الدين في التعليق على هذا الحديث:

ذكره مسلم في الصحيح في كتاب الإمارة قلت: هو في الجزء الثاني ص 121 كتاب الامارة بعد الغزوات أخرجه عن زياد بن علاقة عن عرفجة عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم (و ابن علاقة) سيّى‏ء المذهب منحرف عن أهل البيت كما في تهذيب التهذيب لابن حجر ج 3 ص 381 و ذكر عرفجة في ج 7 ص 176 و لم ينقل له مدح أو ذم فهو من المجهولين لا يؤبه بحديثه.

و العجب من التزامه بصحة خلافة يزيد و هو يقرأ حديث النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد، رواه ابن حجر-

26

و قد غفل هذا القائل عن أن ابن ميسون لم يكن له يوم صلاح حتى يشينه ما يبدو منه و ليس لطاماته و مخازيه قبل و بعد و قد ارتضع در ثدي (الكلبية) المزيج بالشهوات، و تربى في حجر من لعن على لسان الرسول الأقدس‏ (1) و أمر الأمة بقتله متى شاهدته متسنما صهوة منبره‏ (2) و لو امتثلت الأمة الأمر الواجب لأمنت العذاب الواصب المطل عليها من نافذة بدع الطاغية و من جراء قسوته المبيدة لها، لكنها كفرت بأنعم اللّه فطفقت تستمرى‏ء ذلك المورد الوبي‏ء ذعافا ممقرا فألبسها اللّه لباس الخوف و تركها ترزح تحت نير الاضطهاد و ترسف في قيود الذل و الاستعباد و نصب عينها استهتار الماجنين و تهتك المنهمكين بالشهوات، و كل ما تنضح به الآنية الأموية الممقوتة شب (يزيد الأهواء) بين هاتيك النواجم من مظاهر الخلاعة.

و لقد أعرب عن كل ما أضمره من النوايا السيئة على الإسلام و الصادع به

____________

ق-في مجمع الزوائد ج 5 ص 241 عن مسند أبي يعلى و البزاز و في الصواعق المحرقة ص 132 عن مسند الروياني عن أبي الدرداء عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له يزيد و في كتاب الفتن من صحيح البخاري باب قول النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم هلاك أمتي على يدي أغيلمة من أمتي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم يقول: هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش، قال ابن حجر في شرح الحديث من فتح الباري ج 13 ص 7 كان أبو هريرة يمشي في السوق و يقول: اللهم لا تدركني سنة ستين و لا إمارة الصبيان قال ابن حجر أشار بذلك إلى خلافة يزيد فإنها في سنة ستين و لم يتعقبه.

(1) في تاريخ الطبري ج 11 ص 357 حوادث سنة 284 و تاريخ أبي الفدا ج 2/57 حوادث سنة 238 هـ و كتاب صفين لنصر ص 247 مصر و تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص 115 إيران أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم رأى أبا سفيان على جمل و ابنه يزيد يقوده و معاوية يسوقه فقال: لعن اللّه الراكب و القائد و السائق.

(2) في تاريخ بغداد ج 12 ص 181 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 428 و ج 5 ص 110/و تاريخ الطبري ج 11 ص 357 و كتاب صفين ص 243 و ص 248 و شرح النهج الحديدي ج 1 ص 348 و كنوز الدقائق للمناوي على هامش الجامع الصغير ج 1 ص 18 و اللئالى‏ء المصنوعة للسيوطي ج 1 ص 320 كتاب المناقب و في ميزان الاعتدال للذهبي ج 1 ص 268 مصر في ترجمة الحكم بن ظهير و ج 2 ص 129 ترجمة عبد الرزاق بن همام و في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 99 ترجمة معاوية و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 185 فصل 9 و تاريخ أبي الفدا ج 2 ص 57 حوادث سنة 283 هـ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه.

27

جذلا بخلاء الجو له فيقول العلامة الآلوسي:

من يقول إن يزيد لم يعص بذلك و لا يجوز لعنه فيبتغي أن ينتظم في سلسلة أنصار يزيد و أنا أقول إن الخبيث لم يكن مصدقا بالرسالة للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و إن مجموع ما فعله مع أهل حرم اللّه و أهل حرم نبيه صلى اللّه عليه و آله و سلم و عترته الطيبين الطاهرين في الحياة و بعد الممات و ما صدر منه من المخازي ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر و لا أظن أن أمره كان خافيا على أجلة المسلمين إذ ذاك و لكن كانوا مغلوبين مقهورين و لم يسعهم إلا الصبر و لو سلم أن الخبيث كان مسلما فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان و أنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين و لو لم يتصور أن يكون له مثل من الفاسقين و الظاهر أنه لم يتب و احتمال توبته أضعف من إيمانه.

و يلحق به ابن زياد و ابن سعد و جماعة فلعنة اللّه عليهم و على أنصارهم و أعوانهم و شيعتهم و من مال إليهم إلى يوم الدين ما دمعت عين على أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام!و يعجبني قول شاعر العصر ذي الفضل الجلي عبد الباقي أفندي العمري الموصلي و قد سئل عن لعن يزيد فقال:

يزيد على لعني عريض جنابه # فأغدو به طول المدى ألعن اللعنا

و من يخشى القيل و القال من التصريح بلعن ذلك الضليل فليقل لعن اللّه عز و جل من رضي بقتل الحسين عليه السّلام و من آذى عترة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بغير حق (و من غصبهم حقهم) فإنه يكون لاعنا له لدخوله تحت العموم دخولا أوليا في نفس الأمر و لا يخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ و نحوها سوى ابن العربي المار ذكره و موافقيه، فإنهم على ظاهر ما نقل عنهم لا يجوزون لعن من رضي بقتل الحسين و ذلك لعمري هو الضلال البعيد الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد.

ثم قال نقل البرزنجي في (الإشاعة) و الهيثمي (في الصواعق) أن الإمام أحمد لما سأله ابنه عبد اللّه عن لعن يزيد قال كيف لا يلعن من لعنه اللّه في كتابه فقال عبد اللّه قرأت كتاب اللّه عز و جل فلم أجد فيه لعن يزيد فقال الإمام إن اللّه يقول:

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحََامَكُمْ (22) `أُولََئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ و أي فساد و قطيعة أشد مما فعله يزيد.

28

و قد جزم بكفره و صرح بلعنه جماعة من العلماء منهم القاضي أبو يعلى و الحافظ ابن الجوزي و قال التفتازاني لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة اللّه عليه و على أعوانه و أنصاره و صرح بلعنه الجلال السيوطي.

و في تاريخ ابن الوردي و كتاب الوافي بالوفيات: لما ورد على يزيد نساء الحسين و أطفاله و الرؤوس على الرماح و قد أشرف على ثنية جيرون و تعب الغراب قال:

لما بدت تلك الحمول و أشرقت # تلك الشموس على ربى جيرون

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل # فلقد قضيت من النبي ديوني‏

يعني أنه قتل بمن قتله رسول اللّه يوم بدر كجده عتبة و خاله ولد عتبة و غيرهما و هذا كفر صريح فإذا صح عنه فقد كفر به و مثله تمثله بقول عبد اللّه بن الزبعرى قبل إسلامه (ليت أشياخي) الأبيات انتهى‏ (1) .

إلى كثير من موبقاته و إلحاده فاستحق بذلك اللعن من اللّه و ملائكته و أنبيائه و من دان بهم من المؤمنين إلى يوم الدين و لم يتوقف في ذلك إلا من حرم ريح الإيمان و أعمته العصبية عن السلوك في جادة الحق فأخذ يتردد في سيره، حيران لا يهتدي إلى طريق، و لا يخرج من مضيق.

و لم يتوقف المحققون من العلماء في كفره و زندقته فيقول ابن خلدون: غلط القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي إذ قال في كتابه (العواصم و القواصم) : إن الحسين قتل بسيف شرعه غفلة عن اشتراط الإمام العادل في الخلافة الإسلامية و من أعدل من الحسين في زمانه و إمامته و عدالته في قتال أهل الآراء، و في ص 254 ذكر الاجماع على فسق يزيد و معه لا يكون صالحا للإمامة، و من أجله كان الحسين عليه السّلام يرى من المتعين الخروج عليه و قعود الصحابة و التابعين عن نصرة الحسين لا لعدم تصويب فعله بل لأنهم يرون عدم جواز إراقة الدماء فلا يجوز نصرة يزيد بقتال الحسين بل قتله من فعلات يزيد المؤكدة لفسقه و الحسين فيها شهيد (2) .

____________

(1) تفسير روح المعاني ج 26 ص 73 آية فهل عسيتم إن توليتم.

(2) المقدمة ص 254 و 255 عند ذكر ولاية العهد.

غ

29

و يقول ابن مفلح الحنبلي: جوز ابن عقيل و ابن الجوزي الخروج على الإمام غير العادل بدليل خروج الحسين على يزيد لاقامة الحق و ذكره ابن الجوزي في كتابه (السر المصون) من الاعتقادات العامية التي غلبت على جماعة من المنتسبين إلى السنة أنهم قالوا كان يزيد على الصواب و الحسين مخطى‏ء في الخروج عليه، و لو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت البيعة له و ألزم الناس بها و لقد فعل مع الناس في ذلك كل قبيح، ثم لو قدرنا صحة خلافته فقد بدرت منه بوادر ظهرت منه أمور كل منها يوجب فسخ ذلك العقد من نهب المدينة و رمي الكعبة بالمنجنيق و قتل الحسين و أهل بيته و ضربه على ثناياه بالقضيب و حمل رأسه على خشبة، و إنما يميل إلى هذا جاهل بالسيرة عامي المذهب يظن أنه يغيظ بذلك الرافضة (1) .

و قال التفتازاني الحق أن رضا يزيد بقتل الحسين و استبشاره به و اهانته أهل بيت النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم مما تواتر معناه و إن كان تفاصيله آحاد فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة اللّه عليه و على أنصاره و أعوانه‏ (2) .

و قال ابن حزم: قيام يزيد بن معاوية لغرض دنيا فقط فلا تأويل له و هو بغي مجرد (3) . و يقول الشوكاني: لقد أفرط بعض أهل العلم فحكموا بأن الحسين السبط رضي اللّه عنه و أرضاه باغ على الخمير السكّير الهاتك لحرمة الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية لعنهم اللّه فيا للعجب من مقالات تقشعر منها الجلود و يتصدع من سماعها كل جلمود (4) .

و قال الجاحظ المنكرات التي اقترفها يزيد من قتل الحسين و حمله بنات رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم سبايا و قرعه ثنايا الحسين بالعود و اخافته أهل المدينة و هدم الكعبة تدل على القسوة و الغلظة و النصب و سوء الرأي و الحقد و البغضاء و النفاق و الخروج عن الإيمان، فالفاسق ملعون و من نهى عن شتم الملعون فملعون‏ (5) .

____________

(1) الفروع ج 3 ص 548 باب قتال أهل البغي مطبعة المنار سنة 1345 هـ.

(2) شرح العقائد النسفية ص 181 طبع الاستانة سنة 1313.

(3) المحلى ج 11 ص 98.

(4) نيل الأوطار ج 7 ص 147.

(5) رسائل الجاحظ ص 298 الرسالة الحادية عشرة في بني أمية.

30

و يحدث البرهان الحلبي أن الأستاذ الشيخ محمد البكري تبعا لوالده كان يلعن يزيد و يقول زاده اللّه خزيا وضعة و في أسفل سجين وضعه‏ (1) كما لعنه أبو الحسن علي بن محمد الكياهراسي و قال لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي الرجل‏ (2) و حكى ابن العماد عنه أنه سئل عن يزيد بن معاوية فقال لم يكن من الصحابة لأنه ولد أيام عمر بن الخطاب و لأحمد فيه قولان تلويح و تصريح و لمالك قولان تلويح و تصريح و لأبي حنيفة قولان تلويح و تصريح و لنا قول واحد تصريح دون تلويح و كيف لا يكون كذلك و هو اللاعب بالنرد و مدمن الخمر و شعره في الخمر معلوم‏ (3) و يقول الدكتور علي إبراهيم حسن كان يزيد من المتصفين بشرب الخمر و اللهو و الصيد (4) .

و قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: كان يزيد بن معاوية ناصبيا فظا غليظا جلفا يتناول المسكر و يفعل المنكر، افتتح دولته بقتل الشهيد الحسين و ختمها بوقعة الحرة فمقته الناس و لم يبارك في عمره‏ (5) .

و قال الشيخ محمد عبده إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع و حكومة جائرة تعطله وجب على كل مسلم نصر الأولى ثم قال و من هذا الباب خروج الإمام الحسين سبط الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم على إمام الجور و البغي الذي ولي أمر المسلمين بالقوة و المكر يزيد بن معاوية خذله اللّه و خذل من انتصر له من الكرامية و النواصب‏ (6) و قال ابن تغربردي الحنفي: كان يزيد فاسقا مدمن الخمر (7) و قال أخذت فتاوى العلماء بتعزير عمر بن عبد العزيز القزويني إذ قال أمير المؤمنين يزيد

____________

(1) السيرة الحلبية.

(2) وفيات الأعيان لابن خلكان ترجمة علي بن محمد بن علي الكياهراسي و مرآة الجنان لليافعي ج 3 ص 179 سنة 504 هـ.

(3) شذرات الذهب لابن العماد ج 3 ص 179 سنة 504 هـ.

(4) تاريخ الإسلام العام ص 270 طبعة ثالثة.

(5) نقله عنه في الروض الباسم للوزير اليماني ج 2 ص 36.

(6) تفسير المنار ج 1 ص 367 في المائدة آية 37 و ج 12 ص 183 و 185.

(7) النجوم الزاهرة ج 1 ص 163.

31

ثم أخرج من بغداد إلى قزوين‏ (1) و قال أبو شامة دخل بغداد أحمد بن إسماعيل بن يوسف القزويني فوعظ بالنظامية و في يوم عاشوراء قيل له العن يزيد بن معاوية قال ذاك إمام مجتهد ففاجأه أحدهم فكاد يقتل و سقط عن المنبر ثم اخرجوه إلى قزوين و مات بها سنة 590 ه (2) .

و قال سبط ابن الجوزي سئل ابن الجوزي عن لعن يزيد فقال أجاز أحمد لعنه و نحن نقول لا نحبه لما فعل بابن بنت نبينا و حمله آل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم سبايا إلى الشام على اقتاب الجمال و تجرّيه على آل رسول اللّه فإن رضيتم بهذه المصالحة بقولنا لا نحبه و إلا رجعنا إلى أصل الدعوى جواز لعنته‏ (3) .

و ذكر أبو القاسم الزجاجي بإسناده عن عمر بن الضحاك قال: كان يزيد بن معاوية ينادم (قردا) فأخذه يوما و حمله على اتان وحشي و شد عليها رباطا و أرسل الخيل في أثرها حتى حسرتها الخيل فماتت الاتان فقال يزيد بن معاوية:

تمسك أبا قيس بفضل عنانها # فليس علينا إن هلكت ضمان

كما فعل الشيخ الذي سبقت به # زيادا أمير المؤمنين اتان‏ (4)

و ما ذكره ابن الأثير عن أبي يعلى حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السّلام أنه قال أنا لا أكفر يزيد لقول النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم سألت اللّه تعالى أن لا يسلط على بنيّ من غيرهم فأعطاني ذلك‏ (5) لا يتابع عليه لأن شرف أبي يعلى و جلالته و ثقته تبعد صدور هذه الكلمة الجافة عنه و إن سبقه إليها الرافعي في التدوين في علماء قزوين‏ (6) و على فرض

____________

(1) النجوم الزاهرة ج 6 ص 134 سنة 590 هـ.

(2) رجال القرنين لأبي شامة ص 6 سنة 590 هـ و مضمار الحقائق لتقي الدين عمر بن شاهنشاه الأيوبي المتوفى سنة 617 هـ تحقيق الدكتور حسن حبشي ص 120 حوادث 579 هـ.

(3) مرآة الزمان ج 8 ص 496 سنة 597 هـ حيدرآباد.

(4) أمالي الزجاجي ص 45 طبع مصر المكتبة المحمودية.

(5) كامل ابن الاثير ج 4 ص 51 سنة 64 هـ عليه مروج الذهب.

(6) التدوين في علماء قزوين ج 2 ص 184 تصوير في مكتبة السيد الحكيم.

32

صدورها منه فمن المقطوع به صدورها منه تقية!و قد بالغ ميرزا عبد اللّه أفندي تلميذ المجلسي في انكارها (1) لأن كل من ترجم له من علماء الرجال مدحه و اطراه بالجميل و لم يذكر ذلك عنه و لو كان لصدورها عنه عين أو أثر لمقتوه من أجلها.

و قد ترجم عليه الشيخ الصدوق في كتبه و ترضى عنه لأنه من مشايخه. ففي العيون ص 493 باب 39 حدثه بقم سنة 339 عما كتبه إليه علي بن إبراهيم بن هاشم سنة 309 هـ عن ياسر الخادم عن الرضا عليه السّلام الخ حتى إن الخطيب البغدادي مع تعصبه ترجم له و لم يذكر عنه هذه الكلمة النابية (2) فهذه الكلمة من زيادات الرافعي و ابن الأثير غير المقرونة بأصل وثيق.

و بعد مقت اعلام الأمة ليزيد نحاسب عبد المغيث بن زهير بن علوي الحربي عن الأصول الصحيحة التي استقى منها كتابه الذي صنفه في فضائل يزيد (3) و أي مأثرة صحيحة وجدها له حتى سجلها في كتابه و هل حياته كلها إلا مخاز و تهجمات على قدس الشريعة؟!لذلك لم يعبأ العلماء بهذا الكتاب فيقول ابن العماد في شذرات الذهب ج 4 ص 275 حوادث سنة 583 هـ أتى فيه بالموضوعات و في البداية لابن كثير ج 12 ص 328 رد عليه ابن الجوزي فأجاد و أصاب و في كامل ابن الأثير ج 11 ص 213 عليه مروج الذهب أتى فيه بالعجائب و في طبقات الحنابلة لابن رجب ج 1 ص 356 صنف ابن الجوزي في الرد عليه سماه الرد على المتعصب العنيد المانع من لعن يزيد.

و من الغريب ما أفتى به عبد الغني المقدسي حين سئل عن يزيد فقال خلافته صحيحة لأن ستين صحابيا بايعه منهم ابن عمر و من لم يحبه لا ينكر عليه لأنه ليس من الصحابة و إنما يمنع من لعنه خوفا من التسلق إلى أبيه و سدا لباب الفتنة (4) و أغرب من هذا انكار ابن حجر الهيثمي رضا يزيد بقتل الحسين عليه السّلام أو أنه أمر به‏ (5) مع تواتر الخبر برضاه و لم ينكره إلا من أنكر ضوء الشمس. قال ابن جرير

____________

(1) رياض العلماء بترجمته مخطوط في مكتبة السيد الحكيم.

(2) تاريخ بغداد ج 8 ص 184 طبع أول.

(3) طبقات الحنابلة لابن رجب ج 1 ص 356.

(4) طبقات الحنابلة لابن رجب ج 2 ص 34.

(5) الفتاوى الحديثية ص 193.

33

و السيوطي لما قتل الحسين سر يزيد بمقتله و حسنت حال ابن زياد عنده ثم بعد ذلك ندم‏ (1) و قال الخوارزمي قال يزيد للنعمان بن بشير الحمد للّه الذي قتل الحسين‏ (2) و قد احتفظوا بمنكراته كاحتفاظهم ببغي أبيه معاوية و معاندته لقوانين صاحب الدعوة الإلهية، أليس هو القائل لأبيه صخر لما أظهر الإسلام فرقا من بوارق المسلمين؟

يا صخر لا تسلمن طوعا فتفضحنا # بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا

لا تركنن إلى أمر تقلدنا # و الراقصات بنعمان به الحرقا (3)

فالموت أهون من قيل الصباة لنا # خيل ابن هند عن العزى كذا فرقا

فإن أبيت أبينا ما تريد و لا # تدع عن اللات و العزى إذا اعتنقا (4)

و يقول ابن أبي الحديد طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية و قالوا إنه كان ملحدا لا يعتقد النبوة و نقلوا عنه في فلتات كلامه ما يدل عليه‏ (5) .

وجده صخر هو القائل للعباس يوم الفتح إن هذه ملوكية فقال العباس ويلك إنها نبوة (6) و في معاوية يقول أحمد بن الحسين البيهقي خرج معاوية من الكفر إلى النفاق في زمن الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم و بعده رجع إلى كفره الأصلي‏ (7) .

فابن ميسون عصارة تلكم المنكرات، فمتى كان يصلح لشي‏ء من الملك فضلا عن الخلافة الالهية و في الأمة ريحانة الرسول و سيد شباب أهل الجنة أبوه من قام الدين بجهاده و أمه سيدة نساء العالمين، و هو الخامس لأصحاب الكساء و عديل الكتاب المجيد في (حديث الثقلين) يتفجر العلم من جوانبه و يزدهي الخلق العظيم معه أينما يتوجه و عبق النبوة بن اعطافه و ألق الإمامة في أسارير وجهه و إلى هذا

____________

(1) تاريخ الطبري ج 7 ص 19 طبعة أولى و تاريخ الخلفاء ج 1 ص 139 عند أحوال يزيد.

(2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 59.

(3) تذكرة الخواص ص 115 ايران.

(4) التعجب للكراجكي ص 39 ملحق بكنز الفوائد له.

(5) شرح النهج ج 1 ص 463 طبع أول مصر.

(6) ابن الاثير ج 2 ص 93 عليه مروج الذهب و الطبري ج 3 ص 117 طبعة أولى.

(7) هدية الأحباب ص 111 بترجمة البيهقي.

34

يشير عليه السّلام لمّا عرض الوليد البيعة فقال:

«أيها الأمير إنّا أهل بيت النبوة و معدن الرسالة و مختلف الملائكة بنا فتح اللّه و بنا يختم. و يزيد رجل فاسق شارب الخمر و قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق و مثلي لا يبايع مثله» (1) .

و بعد هذا فلنسأل هذا المتحذلق عن قوله: «خرج الحسين بعد انعقاد البيعة ليزيد» متى انعقدت هاتيك البيعة الغاشمة و متى اجتمع عليها أهل الحل و العقد، أيوم كان يأخذها أبوه تحت بوارق الارهاب أم يوم اسعاف الصلات لرواد الشره رضيخة يتلمظون بها (2) أم يوم عرضها عمال يزيد على الناس فتسلل عنها ابن الرسول و معه الهاشميون وفر ابن الزبير إلى مكة و تخفى ابن عمر في بيته‏ (3) و كان عبد الرحمن ابن أبي بكر يجاهر بأنها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل مكانه‏ (4) و كان يقول إنها بيعة قوقية و قوق هو اسم قيصر (5) فأرسل له معاوية مائة ألف درهم يستعطفه بها فردها و قال لا أبيع ديني بدنياي‏ (6) و قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص لعابس بن سعيد الذي حثه على البيعة ليزيد أنا أعرف به منك و قد بعت دينك بدنياك‏ (7) و قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي للشامي الذي أرسله مروان بن الحكم ليبايع ليزيد: يأمرني مروان أن أبايع لقوم ضربتهم بسيفي حتى أسلموا و اللّه ما سلموا و لكن استسلموا (8) .

و قال زياد بن أبيه لعبيد بن كعب النميري كتب إليّ معاوية في البيعة ليزيد و ضمان أمر الإسلام عظيم إنّ يزيد صاحب رسلة و تهاون مع ما أولع به من الصيد

____________

(1) اللهوف لابن طاووس.

(2) الطبري ج 6 ص 135، و ابن خلكان بترجمة الأحنف.

(3) تاريخ الطبري ج 6 ص 170.

(4) كامل ابن الاثير ج 3 ص 199 عليه مروج الذهب و في مجالس الثعلبي ص 519 و الفائق للزمخشري ج 2 ص 203 طبع مصر مادة فضض.

(5) سلس الغانبات ص 41 نعمان خيري الآلوسي.

(6) تهذيب الأسماء للنووي ج 1 ص 294 بترجمته.

(7) القضاة للكندي ص 310 اوفست.

(8) تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 6 ص 128.

35

فألق معاوية عني و أخبره عن تهاون يزيد بأمر الدين و فعلاته المنكرة (1) .

و قد أنكر على معاوية سعيد بن عثمان بن عفان و فيما كتب إليه إن أبي خير من أب يزيد و أمي خير من أمه و أنا خير منه‏ (2) و كان الأحنف بن قيس منكرا لها و كتب إليه يعرفه الخطأ فيما قصده من البيعة لابنه يزيد و تقديمه على الحسن و الحسين مع ما هما عليه من الفضل و إلى من ينتميان و ذكره بالشروط التي أعطاها الحسن و كان فيها أن لا يقدم عليه أحدا و أن أهل العراق لم يبغضوا الحسنين منذ أحبوهما و القلوب التي أبغضوه بها بين جوانحهم‏ (3) .

و حرص أبيّ الضيم سيد الشهداء على نصح معاوية و إرشاده إلى لاحب الطريق و تعريفه منكرات يزيد و أن له الفضل عليه بكل جهاته و فيما قال له: إن أمي خير من أمه و أبي خير من أبيه فقال معاوية أما أمك فهي ابنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فهي خير من امرأة من كلب و أما حبي يزيد فلو أعطيت به مل‏ء الغوطة لما رضيت و أما أبوك و أبوه فقد تحاكما إلى اللّه تعالى فحكم لأبيه على أبيك‏ (4) .

إلى هنا سكت أبو عبد اللّه الحسين عليه السّلام لأنه عرف أن لا مقنع لابن آكلة الأكباد بالحقيقة و إنما لم يقل معاوية (إن أباه أفضل من أبيك) لعلمه بعدم سماع كل أحد منه ذلك لشهرة سبق «علي» عليه السّلام إلى الإسلام و اجتماع المحامد فيه و تقدمه على غيره في الفضائل جمعاء لذلك عدل معاوية إلى الايهام بايجاد شبهة لمنافرة و المحاكمة و هذا ما يسميه علماء البلاغة بالاستدراج.

و مرة أخرى قال له سيد الشهداء أبو عبد اللّه لقد فهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله و سياسة أمة محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم تريد أن توهم على الناس كأنك تصف محجوبا أو تنعت غائبا أو تخبر عما احتويته بعلم خاص و قد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد من استقرائه الكلاب المهارسة (5) و الحمام السبق و القينات ذوات

____________

(1) تاريخ الطبري ج 6 ص 169 حوادث سنة 56.

(2) نوادر المخطوطات الرسالة السادسة ص 165 في المغتالين لمحمد بن حبيب.

(3) الإمامة و السياسة ج 1 ص 141 مطبعة الأمة بمصر سنة 1328 هـ.

(4) المثل السائر لابن الاثير ج 1 ص 71 باب الاستدراج طبع مصر سنة 1358 هـ.

(5) في الآداب السلطانية لابن الطقطقي فصل أول ص 38 كان يزيد بن معاوية يلبس كلاب الصيد أساور الذهب و الجلاجل المنسوجة منه و يهب لكل كلب عبدا يخدمه.

غ

36

المعازف و ضرب الملاهي تجده ناصرا ودع ما تحاول فما أغناك أن تلقى اللّه بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت فيه فو اللّه ما برحت تقدم باطلا في جور و حنقا في ظلم حتى ملأت الأسقية و ما بينك و بين الموت إلا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود و لات حين مناص‏ (1) .

و كتب عليه السّلام إليه مرة ثالثة اعلم أن للّه عز و جل كتابا لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا احصاها و ليس اللّه تعالى بناس أخذك بالظنة و قتلك أولياءه على التهم و نفيك لهم عن دورهم إلى دار الغربة أو لست قاتل حجر أخا كندة و المصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم و يستعظمون البدع و لا يخافون في اللّه تعالى لومة لائم أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه و اصفر لونه بعد ما آمنته و أعطيته من عهود اللّه عز و جل ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس جبل جرأة منك على ربك و استخفافا بذلك العهد أولست المدعي (ابن سمية) المولود على فراش عبيد ثقيف فزعمت أنه من أبيك و قد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم الولد للفراش و للعاهر الحجر فتركت سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم تعمدا و اتبعت هواك بغير هدى من اللّه تعالى ثم سلطته على العراقين يقطع أيدي المسلمين و يسمل أعينهم و يصلبهم على جذوع النخل كأنك لست من هذه الأمة و ليسوا منك أو لست الكاتب لزياد أن يقتل كل من كان على دين علي بن أبي طالب عليه السّلام فقتلهم و مثل بهم بأمرك و دين عليّ عليه السّلام هو دين اللّه عز و جل الذي به ضرب أباك و ضربك و به جلست مجلسك الذي جلست.

و إن أخذك الناس ببيعة ابنك يزيد و هو غلام حدث يشرب الخمر و يلعب بالكلاب فقد خسرت نفسك و بترت دينك و أخرجت أمانتك‏ (2) .

و كتب إليه مرة رابعة يعدد عليه بوائقه و ذلك لما قتل زياد ابن أبيه مسلم بن زيمر و عبد اللّه بن نجي الحضرميين و صلبهما على أبواب دورهما بالكوفة أياما و كانا من شيعة علي أمير المؤمنين و فيما كتب إليه: ألست صاحب حجر

____________

(1) الإمامة و السياسة لابن قتيبة ج 1 ص 154.

(2) رجال الكشي ص 32 طبع الهند ترجمة عمرو بن الحمق و الدرجات الرفيعة للسيد علي خان ص 434. طبع النجف.

37

و الحضرميين اللذين كتب إليك ابن سمية أنهما على دين علي عليه السّلام و رأيه فكتبت إليه اقتل كل من كان على دين علي عليه السّلام و ابن عم علي عليه السّلام الذي كان يضرب عليه أباك و يضربه عليه أبوك و به جلست مجلسك الذي أنت فيه و لو لا ذلك كان أفضل شرفك شرف تجشم الرحلتين اللتين بنا منّ اللّه عليك بوضعها عنكم.

في كلام طويل يوبخه فيه بادعائه زيادا و توليته على العراقين‏ (1) و لم تجد هذه النصائح من ابن الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم في دحض باطل معاوية بعد أن كانت بوارق الارهاب و بواعث الطمع سدا طريق الحق لكن معاوية بدهائه المعلوم لم يرقه أن يمس الحسين عليه السّلام سوء خشية سوء الفتنة و انتكاث الأمر لما يعلمه أن (أبيّ الضيم) لا يتنازل إلى الدنية إلى نفس يلفظه، و أن شيعته يومئذ غيرهم بالأمس على عهد أخيه الإمام المجتبى فإنهم ما زالوا يتذمرون من عمال معاوية للتنكيل الذريع بهم حتى بلغ الحال أن الرجل منهم يستهين أن يقال له زنديق و لا يقال له (ترابي) .

و كم من مرة واجهوا الإمام المجتبى عليه السّلام بكلام أمر من الحنظل مع اعترافهم له بالأمانة و إذعانهم بأن ما صدر منه عن صلاح إلهي و أمر ربوبيّ و حتى إنهم استنهضوا الحسين غير مرة فلم ينهض معهم رعاية للميثاق و ارجاء الأمر إلى وقته المعلوم لديه من جده و أبيه الوصي.

فمعاوية يعلم أنه لو أصيب الحسين بسوء و الحالة هذه تلتف الشيعة حوله فيستفحل الخطب بينه و بين معاوية.

و للعلة هذه بعينها أوصى ولده يزيد بالمسالمة مع الحسين إن استبد بالأمر مهما يجد من أبيّ الضيم مخاشنة و شدة فقال له: «إن أهل العراق لن يدعوا الحسين حتى يخرجوه فإن خرج عليك و ظفرت به فاصفح عنه فإن له رحما ماسة و حقا عظيما» (2) .

لكن (يزيد الجهل) لغروره المردي لم يكترث بتلك الوصية فتعاورت عليه بوادره و انتكث فتله و لئن سر (يزيد الخزاية) الفتح العاجل فقد أعقب فشلا قريبا

____________

(1) المحبر لابن حبيب ص 479 حيدرآباد.

(2) الطبري ج 6 ص 179.

38

و كاشفه الناس بالسباب المقذع و اكثروا اللائمة عليه حتى ممن لم ينتحل (دين الإسلام) .

و حديث رسول ملك الروم مع يزيد في المجلس حين شاهد الرأس الأزهر بين يديه يقرعه بالعود أحدث هزة في المجلس و عرف يزيد أنه لم تجد فيهم التمويهات و كيف تجدي و قد سمع من حضر المجلس صوتا عاليا من الرأس المقدس لما أمر يزيد بقتل ذلك الرسول «لا حول و لا قوة إلا باللّه» (1) .

و أي أحد رأى أو سمع قبل يوم الحسين رأسا مفصولا عن الجسد ينطق بالكلام الفصيح و هل يقدر ابن ميسون أن يقاوم أسرار اللّه أو يطفى‏ء نوره الأقدس؟... كلا.

و لقد فشا الانكار عليه من حريمه و حامته حتى إن زوجته هند (2) لما أبصرت

____________

(1) مقتل العوالم ص 150 مؤلفه المحدث عبد اللّه نور اللّه البحراني ترجمته في روضات الجنات ص 370 آخر ترجمة شيخ عبد اللّه ابن الحاج صالح السماهيجي جامع الصحيفة العلوية.

(2) قصة تزويج هند زوجة عبد اللّه بن عامر بن كريز من يزيد و اجبار زوجها على الطلاق من الأساطير التي أراد واضعها الحط من كرامة سيدي شباب أهل الجنة الحسن و الحسين عليهما السّلام فرويت بصور مختلفة.

الصورة الأولى: في مقتل الخوارزمي ج 1 ص 151 فصل 7 طبع النجف بالإسناد إلى يحيى بن عبد اللّه بن بشير الباهلي، قال: كانت هند بنت سهيل بن عمرو عند عبد اللّه بن عامر بن كريز و كان عامل معاوية على البصرة فأقطعه خراج البصرة على أن يتنازل عن زوجته هند لرغبة يزيد فيها و بعد انتهاء العدة أرسل معاوية أبا هريرة و معه ألف دينار مهرا لها و في المدينة ذكر أبو هريرة القصة للحسين بن علي عليه السّلام فقال: اذكرني لهند ففعل أبو هريرة و اختارت الحسين فتزوجها و لما بلغه رغبة عبد اللّه بن عامر فيها طلقها و قال له: (نعم المحلل كنت لكما) و في إسناده يحيى بن عبد اللّه بن بشير الباهلي عن ابن المبارك و هو مجهول عند علماء الرجال.

الصورة الثانية: في مقتل الخوارزمي ج 1 ص 150 فصل 7 مسندا عن الهذلي عن ابن سيرين أن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد كان أبا عذرتها طلقها و تزوجها عبد اللّه بن عامر بن كريز و ذكر كما في الصورة الأولى إلا أنه أبدل الحسين بالحسن عليه السّلام و أنه قال لعبد اللّه بن عامر بعد أن طلقها (لا تجد محللا خيرا لكما مني) و كانت هند تقول سيدهم حسن و اسخاهم عبد اللّه و احبهم إلي عبد الرحمن و في تهذيب التهذيب لابن-

39

____________

ق-حجر ج 2 ص 45 أن الهذلي هو أبو بكر كذاب عند ابن معين ضعيف عند أبي زرعة متروك الحديث عند النسائي و في الوافي بالوفيات للصفدي ج 3 ص 146 اعترف محمد بن سيرين على نفسه بأنه يسمع الحديث و ينقص منه و كان من سبي جرجايا و في طرح التثريب ج 1 ص 103 كان سيرين من سبي عين التمر.

الصورة الثالثة: في نهاية الأرب للنويري ج 6 ص 180 كانت (زينب) بالزاء المعجمة عند عبد اللّه بن سلام عامل معاوية على العراق فطلب منه معاوية طلاق زوجته لرغبة يزيد فيها على أن يزوجه من ابنته فلما طلقها لم توافق ابنة معاوية على التزويج منه فأرسل معاوية أبا هريرة و أبا الدرداء إلى العراق ليخطبا (زينب بنت إسحاق) ليزيد فقد ما الكوفة و كان بها الحسين بن علي عليه السّلام فذكرا له القصة فقال لهما اذكراني فاختارت الحسين عليه السّلام و تزوجها و لما عرف رغبة عبد اللّه بن سلام فيها طلقها ليحلها لزوجها الأول.

و هذه القصة المطولة التي أرسلها النويري في نهاية الأرب من دون إسناد ارسلها ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص 172 طبع سنة 1330 هـ و سماها (ارينب) بالراء المهملة و الحسين عليه السّلام لم يرد إلى الكوفة بعد ارتحالهم منها.

الصورة الرابعة: في الأمثال للميداني ج 1 ص 274 حرف الراء عنوان (رب ساع لقاعد) روي مرسلا أن معاوية سأل يزيد عن رغباته فذكر له رغبته في التزويج من (سلمى أم خالد) زوجة عبد اللّه بن عامر بن كريز فاستقدمه معاوية و سأله طلاق امرأته (أم خالد) على أن يعطيه خراج فارس خمس سين فطلقها فكتب معاوية إلى واليه على المدينة (الوليد بن عتبة) أن يعلم أم خالد بطلاقها. و بعد انقضاء العدة أرسل معاوية أبا هريرة و معه ستون ألفا، عشرون ألف دينار مهرها و عشرون ألف كرامتها و عشرون ألف هديتها و في المدينة حكى القصة لأبي محمد الحسن بن أمير المؤمنين عليه السّلام فقال لأبي هريرة: اذكرني و قال له الحسين اذكرني لها و قال عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب اذكرني و قال عبد اللّه بن جعفر الطيار اذكرني و قال عبد اللّه بن الزبير اذكرني و قال عبد اللّه بن مطيع بن الأسود اذكرني و لما دخل عليها أبو هريرة حكى لها ما أراده معاوية ثم ذكر رغبة الجماعة فيها فقالت له اختر لي أنت فاختار لها الحسن بن علي عليه السّلام و زوجها منه و انصرف إلى معاوية بالمال و لما بلغ معاوية القصة عتب على أبي هريرة فرد عليه: المستشار مؤتمن.

هذا كل ما في عيبة المؤرخين الأمناء على تسجيل الحقائق كما وقعت و من المؤسف عدم تحفظهم عن الطعن بكرامة المسلمين و التأمل في هذه الاسطورة لا يعدوه الاذعان بأن الغاية منها هو النيل من ابني رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم الإمامين على الأمة إن قاما و إن قعدا لعل من يبصر الأشياء على علاتها من دون تمحيص و قد وجد من انطلت عليه هذه‏

40

الرأس مصلوبا على باب دارها و الأنوار العلوية تتصاعد إلى عنان السماء و شاهدت الدم يتقاطر و يشم منه رائحة طيبة (1) عظم مصابه في قلبها فلم تتماسك دون أن دخلت عليه مجلسه مهتوكة الحجاب و هي تصيح رأس ابن بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم مصلوب على دارنا و قام إليها و غطاها و قال لها أعولي على الحسين فإنه صريخة بني هاشم، عجل عليه ابن زياد (2) .

قصدا منه تعمية الأمر و تبعيد السبة عنه بإلقاء الجريمة على العامل لكن الثابت لا يزول و هذا هو السر في إنشائه الكتاب الصغير الذي وصفه المؤرخون بأنه (اذن فارة) أرفقه مع كتابه الكبير إلى واليه على المدينة الوليد بن عتبة بأخذ البيعة من أهلها عامة و في هذا الكتاب الصغير ألزم الحسين بها (3) و إن أبى فاضرب عنقه و ابعث إلي برأسه.

و ليس الغرض من هذا إلا أن يزيد لما كان عالما بأن بيعته لم يتفق عليها صلحاء الوقت و أشراف الأمة و ما صدر من الموافقة منهم يوم أرادها أبوه معاوية إنما هو بالوعيد و التهديد.

أراد أن يخلي رسمياته عن الأمر بقتل الحسين بحيث لو صدر ذلك من عامله و لامه الناس و خطأوه تذرع بنسبة القتل إلى العامل فإن كتابه الذي يأمره فيه بأخذ البيعة من أهل المدينة عامة خال من هذه الجرأة فيكون له المجال في إلقاء التبعة بذلك على عاتق العامل كما أنه في الوقت تذرع بهذا العذر و انطلى على بعض المؤرخين و هل ينفعه هذا؟... لا.

لبسوا بما صنعوا ثياب خزاية # سودا تولى صبغهن العار

____________

ق-الأكذوبة فرمى أبا محمد الحسن عليه السّلام بما تسيخ منه الجبال بالاعتذار عن كثرة الزوجات للحسن أن الطلاق بالثلاث شائع و لم يجدوا محللا صادقا بأن يتزوج المرأة على الدوام ثم يطلقها إلا الحسن عليه السّلام و ما أدري بما يعتذر يوم يقول له: «أبو محمد» عليه السّلام على أي استناد وثيق هتكتني و لم تتبصر؟!

(1) الخطط للمقريزي ج 3 ص 284.

(2) الطبري ج 6 ص 267.

(3) الطبري ج 6 ص 188.

41

الأنبياء مع الحسين‏

لقد كان حديث مقتل الحسين من أسرار الخليقة و ودائع النبوات فكان هذا النّبأ العظيم مألكة (1) أفواه النبيين دائرة بين أشداق الوصيين و حملة الأسرار ليعرفهم المولى سبحانه عظمة هذا الناهض الكريم و منته على الجميع بحفظ الشريعة الخاتمة التي جاؤوا لتمهيد أمرها و توطيد الطريق إليها و تمرين النفوس لها فيثيبهم بحزنهم و استيائهم لتلك الفاجعة المؤلمة فبكاه آدم و الخليل و موسى و لعن عيسى قاتله و أمر بني إسرائيل بلعنه و قال من أدرك أيامه فليقاتل معه فإنه كالشهيد مع الأنبياء مقبلا غير مدبر و كأني أنظر إلى بقعته، و ما من نبي إلا وزارها و قال إنك لبقعة كثيرة الخير، فيك يدفن القمر الزاهر (2) .

و شاء إسماعيل صادق الوعد الأسوة به لما أنبى‏ء بشهادته فيكون الآخذ بثأره الإمام المنتظر عجل اللّه فرجه‏ (3) .

و اختار يحيى أن يطاف برأسه # و له التأسي بالحسين يكون‏

و حديث مقتل الحسين أبكى الرسول الأقدس و أشجاه‏ (4) و هو حي فكيف به لو رآه صريعا بكربلا في عصابة من آله كأنهم مصابيح الدجى و قد حلؤوه و من معه عن الورد المباح لعامة الحيوانات.

____________

(1) في مقاييس اللغة لابن فارس ج 1 ص 133 قال الخليل الألوك الرسالة و هي المألكة على مفعلة و إنما سميت الرسالة ألوكا لأنها تؤلك في الفم مشتق من قول العرب الفرس يألك اللجام و يعلكه إذا مضغ الحديد و يجوز تذكير المألكة.

(2) كامل الزيارات-ص 67 لابن قولويه المتوفى سنة 367.

(3) كامل الزيارات-ص 65.

(4) خصائص السيوطي ج 2 ص 125 من حديث أم الفضل و أنس و رواه الماوردي في أعلام النبوة ص 83 من حديث عائشة قالت و كان في المجلس علي و أبو بكر و عمر و حذيفة و عمار و أبو ذر و رواه ابن حجر في مجمع الزوائد ج 9 ص 188 عن عائشة و رواه زكريا الأنصاري في فتح الباقي شرح ألفية العراقي طبع في ذيل الألفية ج 1 ص 25.

42

نعم شهد نبي الرحمة فلذة كبده بتلك الحالة التي تنفطر لها السموات و رأى ذلك الجمع المغمور بالاضاليل متألبا على استئصال آله من جديد الأرض فشاهده بعض من حضر ينظر الجمع مرة و السماء أخرى مسلما للقضاء (1) .

و لما مر أمير المؤمنين بكربلا في مسيره إلى صفين نزل فيها و أومأ بيده إلى موضع منها فقال: ههنا موضع رحالهم و مناخ ركابهم، ثم أشار إلى موضع آخر و قال: ههنا مهراق دمائهم، ثقل لآل محمد ينزل ههنا ثم قال: واها لك يا تربة ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب‏ (2) و ارسل عبرته و بكى من معه لبكائه و أعلم الخواص من صحبه بأن ولده الحسين يقتل ههنا في عصابة من أهل بيته و صحبه هم سادة الشهداء لا يسبقهم سابق و لا يلحقهم لاحق‏ (3) .

و في حديثه الآخر بعد الإخبار بأن في موضع كربلا يقتل فتية من آل محمد قال تبكي عليهم السماء و الأرض‏ (4) بأبي من لا ناصر له إلا اللّه‏ (5) ثم قال: لا يزال بنو أمية يمعنون في سجل ضلالتهم حتى يهريقوا الدم الحرام في الشهر الحرام و لكأني أنظر إلى غرنوق من قريش يتشحط في دمه فإذا فعلوا ذلك لم يبق لهم في الأرض عاذر و لم يبق ملك لهم‏ (6) و مر سلمان الفارسي على كربلا حين مجيئه إلى المدائن فقال هذه مصارع إخواني و هذا موضع مناخهم و مهراق دمائهم يقتل بها ابن خير الأولين و الآخرين‏ (7) و مر عيسى بن مريم عليه السّلام بأرض كربلا فرأى ظباء ترعى هناك فكلمته بأنها ترعى هنا شوقا إلى تربة الفرخ المبارك فرخ الرسول أحمد و أنها آمنة في هذه الأرض ثم أخذ المسيح عليه السّلام من أبعارها وشمه و قال: اللهم

____________

(1) كامل الزيارات.

(2) كتاب صفين لنصر بن مزاحم من ص 157-159.

(3) كامل الزيارات ص 27.

(4) دلائل النبوة لأبي نعيم ج 3 ص 211.

(5) أسد الغابة ج 4 ص 169.

(6) شرح النهج الحديدي ج 4 ص 363 مصر طبع أول.

(7) رجال الكشي ص 13 هند.

غ

43

أبقه حتى يشمها أبوه فتكون له عزاء و سلوة فبقيت الأبعار إلى مجي‏ء أمير المؤمنين بكربلا و قد اصفرت لطول المدة فأخذها و شمها و بكى ثم دفعها إلى ابن عباس و قال احتفظ بها فإذا رأيتها تفور دما فاعلم أن الحسين قد قتل و في يوم عاشوراء بعد الظهر رآها تفور دما (1) .

الاقدام على القتل‏

تمهيد

من الضروري احتياج المجتمع البشري إلى مصلح يسد خلته و يسدد زلته و يكمل اعوازه و يقوّم أوده لتوفر دواعي الفساد فيه، فلو لم يكن في الأمة من يكبح جماح النفوس الشريرة للعبت الأهواء بهم و فرقتهم أيدي سبا و بات حميم لا يأمن حميمه، و أصبحت أفراد البشر ضحايا المطامع. و هذا المصلح يختاره المولى سبحانه من بين عباده لأنه العارف بطهارة النفوس و نزاهتها عما لا يرضى به رب العالمين، و يكون الواجب عصمته مما في العباد من الرذائل و السجايا الذميمة حتى لا يشاركهم فيها فيزداد الطين بلة و يفوته التعريف و الارشاد إلى مناهج الاصلاح و مساقط الهلكة و قد برأ اللّه ذات النبي الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلم من نور قدسه و حباه بأكمل الصفات الحميدة حتى بذ العالم وفاق من في الوجود فكان محلا للتجليات الإلهيّة و ممنوحا بالوحي العزيز، و إن اليراع ليقف مترددا عن تحديد تلك الشخصية الفذة التي أنبأ عنها النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بقوله لأمير المؤمنين عليه السّلام: لا يعرف اللّه إلا أنا و أنت و لا يعرفني إلا اللّه و أنت و لا يعرفك إلا اللّه و أنا (2) .

و حيث إن عمر النبي غير باق إلى الأبد لأنه لم يخرج عما عليه الناس في مدة الأجل و جملة من تعاليمه لا تخلو من أن تكون كليات لم تأت أزمنة تطبيقها على الخارج. كان الواجب في شريعة الحق الداعية إلى اصلاح الأمة إقامة خليفة مقامه يحذو حذوه في نفسياته و اخلاصه و عصمته، لأن السرائر الكامنة بين الجوانح لا

____________

(1) اكمال الدين للصدوق ص 295.

(2) المحتضر للحسن بن سليمان الحلي من تلامذة الشهيد الأول كان حيا سنة 802 هـ ص 165 و مختصر البصائر له ص 125.

44

يعلمها إلا خالقها و لو أوكل معرفتها إلى الأمة لتعذر عليها التمييز لعدم الاهتداء إلى تلك المزايا الخاصة في الإمام فتحصل الفوضى و ينتشر الفساد و يعود النزاع و التخاصم و هو خلاف اللطف الواجب على المولى سبحانه: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ وَ يَخْتََارُ مََا كََانَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ (1) وَ مََا كََانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاََ مُؤْمِنَةٍ إِذََا قَضَى اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاََلاً مُبِيناً (36) (2) .

فالخلافة منصب الهي يقيض اللّه تعالى رجلا ينوء بأثقال النبوة فيبلغ الدعوة لمن تبلغه و يدعو إلى تفاصيل الشريعة التي جاء بها المنقذ الأكبر فيرشد الجاهل و ينبه الغافل و يؤدب المتعدي و يبين ما أجمله النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم لضرب من المصلحة أو أهمله لعدم السعة في زمانه.

بعد انقضاء أمد الرسالة في شخصية أمير المؤمنين ثم ابنه الحسن و بعده أخوه سيد الشهداء الحسين فابنه زين العابدين علي ثم ابنه الباقر محمد فابنه الصادق جعفر فابنه الكاظم موسى فابنه الرضا علي فابنه الجواد محمد فابنه الهادي علي فابنه الحسن العسكري ثم ابنه المنتظر أبو القاسم محمد عجل اللّه فرجه.

كما أفاد المتواتر من الأحاديث بأن اللّه عز شأنه أودع في الإمام المنصوب حجة للعباد و منارا يهتدي به الضالون، قوة قدسية نورية يتمكن بوساطتها من استعلام الكائنات و ما يقع في الوجود من حوادث و ملاحم فيقول الحديث الصحيح إذا ولد المولود منا رفع له عمود نور يرى به أعمال العباد و ما يحدث في البلدان‏ (3) .

و التعبير بذلك إشارة إلى القوة القدسية المفاضة من ساحة (الحق) سبحانه ليكتشف بها جميع الحقائق على ما هي عليه من قول أو عمل أو غيرهما من أجزاء الكيان الملكي و الملكوتي و بتلك القوة القدسية يرتفع سدول الجهل و استتار الغفلة فلا تدع لهم شيئا إلا و هو حاضر بذاته عند ذواتهم القدسية، كما أن النور يجلو ما أسدلته غياهب الظلمة فيجد المبصر ما حجبه الحلك الدامس نصب عينيه و قد أنبأ

____________

(1) سورة القصص، الآية: 68.

(2) سورة الأحزاب، الآية: 36.

(3) بصائر الدرجات للصفار ص 128 جزء 9 ملحق بنفس الرحمن للنوري «قده» .

45

أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام عما حباهم به المولى جل شأنه من الوقوف على أمر الأولين و الآخرين و ما في السماوات و الأرضين و ما كان و يكون حتى كأن الأشياء كلها حاضرة لديهم‏ (1) .

ثم يسجل التدليل عليه بقوله: كل ما كان لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فلنا مثله إلا النبوة و الأزواج‏ (2) .

و لا غلو في ذلك بعد قابلية تلك الذوات المطهرة بنص الذكر الحميد:

إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (3) لتحمل الفيض الأقدس و عدم الشح في (المبدأ الأعلى) تعالت آلاؤه و المغالاة (4) في شخص عبارة عن اثبات صفة له إما أن يحملها العقل أو لعدم القابلية لها و العقل لا يمنع الكرم الالهي كيف و الجليل عز لطفه يدر النعم على المتمادين في الطغيان المتمردين على قدس جلاله حتى كأن المنة لهم عليه فلم يمنعه ذلك من الرحمة بهم و الاحسان إليهم و التفضل عليهم لا تنفد خزائنه و لا يفوته من طلبه و هذا من القضايا التي قياساتها معها و إذا كان حال المهيمن سبحانه كما وصفناه مع أولئك الطغاة فكيف به عز و جل مع من اشتقهم من الحقيقة الأحمدية التي هي من (الشعاع الأقدس) جل شأنه فالتقى مبدأ فياض و ذوات قابلة للإفاضة، فلا بدع في كل ما ورد في حقهم عليهم السّلام من علم الغيب و الوقوف على أعمال العباد و ما يحدث في البلدان مما كان و يكون.

فالغيب المدعى فيهم عليهم السّلام غير المختص بالباري تعالى ليستحيل في حقهم عليهم السّلام فإنه فيه تعالى شأنه ذاتي، و أما في الأئمة فمجعول من اللّه سبحانه، فبوساطة فيضه و لطفه كانوا يتمكنون من استعلام خواص الطبائع و الحوادث.

____________

(1) مختصر البصائر ص 101.

(2) المحتضر ص 20.

(3) سورة الأحزاب، الآية: 33.

(4) من الغلو ما قاله أحمد بن يحيى البلاذري في المستعين:

و لو أن برد المصطفى إذ لبسته # يظن لظن البرد أنك صاحبه

و قال و قد اعطيته و لبسته # نعم هذه اعطافه و مناكبه‏

(الآثار النبوية ص 13) لأحمد تيمور باشا.

46

فإذا الغيب على قسمين: منه ما هو عين واجب الوجود بحيث لم يكن صادرا عن علة غير ذات فاطر السماوات و الأرضين و منه ما كان صادرا عن علة و متوقفا على وجود الفيض الالهي و هو ما كان موجودا في الأنبياء و الأوصياء و إلى هذا الذي قررناه تنبه العلامة الآلوسي المفسر فإنه عند قوله تعالى: قُلْ لاََ يَعْلَمُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ اَلْغَيْبَ إِلاَّ اَللََّهُ قال لعل الحق أن يقال إن علم الغيب للنفي عن غيره جل و علا هو ما كان للشخص بذاته أي بلا وساطة في ثبوته له و ما وقع للخواص ليس من هذا العلم المنفي في شي‏ء و إنما هو من الواجب عز و جل أفاضه منه عليهم بوجه من الوجوه فلا يقال إنهم علموا الغيب بذلك المعنى فإنه كفر بل يقال إنهم أظهروا و أطلعوا على الغيب‏ (1) .

و يشهد له ما جاء عن أبي جعفر الجواد عليه السّلام فإنه لما أخبر أم الفضل بنت المأمون بما فاجأها مما يعتري النساء عند العادة قالت له: لا يعلم الغيب إلا اللّه، قال عليه السّلام: و أنا أعلمه من علم اللّه تعالى‏ (2) .

فالأئمة محتاجون في جميع الأوقات إلى الفضل الالهي بحيث لو لا دوام الاتصال و تتابع الفيوضات لنفد ما عندهم على حد تعبير الإمام أبي عبد اللّه الصادق فإنه قال: لو لا أنا نزداد في كل ليلة جمعة لنفد ما عندنا (3) و مراده التعريف بأن علمهم مجعول من الباري تعالى و أنهم في حاجة إلى استمرار ذلك الفيض الأقدس و تتابع الرحمات السبحانية و التخصيص بليلة الجمعة من جهة بركتها بنزول الالطاف الربانية فيها من أول الليل إلى آخره على العكس من سائر الليالي و إلى هذا يرجع قول الرضا عليه السّلام: يبسط لنا العلم فنعلم و يقبض عنا فلا نعلم‏ (4) .

و هل يشك من يقرأ في سورة الجن: عََالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاََ يُظْهِرُ عَلى‏ََ غَيْبِهِ أَحَداً (26) `إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ مِنْ رَسُولٍ أن من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى هو خاتم الأنبياء الرسول المرتضى لأنه لم يفضله أحد من الخلق و كان أبو جعفر يقول: كان

____________

(1) روح المعاني ج 20 ص 11.

(2) البحار ج 12 ص 29 ط كمپاني عن مشارق الأنوار للبرسي.

(3) أصول الكافي على هامش مرآة العقول ج 1 ص 185.

(4) مختصر البصائر ص 63.

47

و اللّه محمدا ممن ارتضاه‏ (1) و لم يبعد اللّه الخلفاء عن هذه المنزلة بعد اشتقاقهم من النور المحمدي و يشهد له جواب الرضا عليه السّلام لعمرو بن هداب فإنه لما نفى عن الأئمة عليهم السّلام علم الغيب محتجا بهذه الآية قال له: إن رسول اللّه هو المرتضى عند اللّه و نحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه اللّه على غيبه، فعلمنا ما كان و يكون إلى يوم القيامة (2) .

و كيف لا يكون حبيب اللّه هو ذلك الرسول المرتضى و قد شرفه الباري سبحانه بمخاطبته اياه بلا وسيط ملك، يحدث زرارة أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الغشية التي كانت تأخذ رسول اللّه أهي عند الوحي قال عليه السّلام: لا، فإنها تعتريه عند مخاطبته اللّه عز و جل اياه بلا وساطة أحد و أما جبرئيل فإنه لم يدخل عليه إلا مستأذنا فإذا دخل جلس بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم جلسة العبد (3) .

و إذا كان رسول اللّه على حال لا ينبغي أن يؤذن له قام مكانه إلى أن يخرج الاذن و المكان الذي يقف فيه حيال الميزاب‏ (4) و قد اذعن بالوحي بلا وساطة ملك، برهان الدين الحلبي‏ (5) و السهيلي‏ (6) و ابن سيد الناس‏ (7) و السيوطي‏ (8) و الزرقاني‏ (9) .

و على طبق هذه الأحاديث المعربة عن مقام الرسول الأعظم من المولى تعالت آلاؤه سجل الشيخ الصدوق اعتقاده في الوحي و الغشية (10) كما لم يتباعد

____________

(1) البحار ج 15 ص 74 و تكلم على هذه الآية ابن حجر في فتح الباري ج 13 ص 284 كتاب التوحيد.

(2) البحار ج 12 ص 22 باب وروده البصرة و ج 15 ص 74 عن الخرائج.

____________

(3) توحيد الصدوق ص 102 باب نفي الرؤية و في علل الشرائع ص 14 باب 7 و علم اليقين للفيض 86.

(4) البحار ج 11 ص 216 باب أحوال أصحاب الصادق.

(5) السيرة الحلبية ج 1 ص 294 باب بدء الوحي.

(6) الروض الأنف ج 1 ص 154.

(7) عيون الأثر ج 1 ص 90.

(8) الخصائص الكبرى ج 2 ص 193.

(9) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 1 ص 221 الطبعة الأولى.

(10) الاعتقادات ملحق بالباب الحادي عشر للعلامة.

48

عنه الشيخ المفيد فيقول: الوحي منه ما يسمعه النبي من غير وساطة و منه ما يسمعه بوساطة الملائكة (1) و اقتص أثره الحجة الشيخ محمد تقي الأصفهاني المعروف بآقا نجفي مع زيادة علم النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بالقرآن و بما حواه من المعارف و الفنون و ما اشتمل عليه من أسرار الطبائع و خواص الأشياء قبل أن يوحى به إليه، غاية الأمر عرفه المولى جل شأنه أن لا يفيض هذا العلم قبل أن يوحى به إليه، فقال سبحانه:

وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ (2) و لو لا وقوف النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم على ما حواه الكتاب المجيد من الأسرار و المعارف لما كان للنهي عن بيان ما فيه معنى فظهر أن علم النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بالحوادث الكائنة و التي كانت و تكون لم يتوقف على نزول جبرئيل عليه لأن المنحة الالهية المباركة اوقفته على جمع الحقائق قبل خلق جبرئيل.

و من هنا تتجلى ظاهرة أخرى لم يدركها من لم يفقه ما تحلت به هذه الشخصيات من مراتب الجلال و الجمال و هي معرفة الرسول الأعظم بالقراءة و الكتابة على اختلاف انحاء اللغات و تباين الخطوط قبل البعثة و بعدها لبلوغه اسمى درجات الكمال فلا تفوته هذه الصفة مع أن اللازم من عدم معرفته بها رجوعه إلى غيره فيما يحتاج إليه من كتابة و قراءة فيكون مفضولا بالنسبة إليه مع أنه الفاضل في المحامد كلها، و بهذا الذي قلناه اذعن المحققون من الاعلام‏ (3) و آية

____________

(1) شرح اعتقادات الصدوق ص 211 ملحق بالمقالات طبع طهران.

(2) العنايات الرضوية ص 51.

(3) نص عليه الشيخ المفيد في المقالات ص 123 و الشيخ الطوسي في التبيان ج 2 ص 23، و المبسوط و هو ظاهر الشهيد الأول في غاية المراد و العلامة في التحرير و القواعد و السيد المجاهد في المناهل و صرح به ابن شهراشوب في المناقب ج 1 ص 161 و المجلسي في مرآة العقول ج 1 ص 147 و السيد في الرياض و الفاضل الهندي في كشف اللثام و المقداد في التنقيح و الحاج ملا علي الكنّي في القضاء و عبارة السرائر مشعرة بدعوى الاجماع عليه تعرضوا لذلك في مسألة كتابة القاضي من كتاب القضاء.

و به صرح الشهاب الخفاجي في شرح الشفا ج 2 ص 398 في فصل أسمائه من الباب الثالث و في ص 514 فصل اعجازه و في روح المعاني للآلوسي ج 21 ص 4 عند قوله:

وَ لاََ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ذكر جماعة قالوا بمعرفته الكتابة ثم نقل عن صحيح البخاري أنه صلى اللّه عليه و آله و سلم كتب عهد الصلح و حمل الأستاذ عبد العظيم الزرقاني في مناهل العرفان ص 260 ط أول، الاخبار النافية على أوليات أمره و المثبتة للكتابة على اخريات أمره و في-

49

وَ لاََ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ لا تنفي معرفته بالكتابة على اطوارها فإنها غاية ما تثبته عدم كتابته صلى اللّه عليه و آله و سلم و لا ربط لها بعدم المعرفة للكتابة فهو صلى اللّه عليه و آله و سلم عارف بالكتابة و لكنه لم يكتب و العلة في نفي كتابته ارتياب المبطلين كما صرح به القرآن.

و المتحصل مما قررناه أن اللّه عز و جل منح الأئمة من ذرية الرسول جميع ما حبا به جدهم الأقدس من المآثر و الفضائل عدى النبوة و الأزواج لأنه صلوات اللّه عليه و على آله خاتم الأنبياء و قد اختص في التزويج دائما بأكثر من أربعة.

و من لم يعرف المراد من علم الغيب المدعى لهؤلاء الأفذاذ استعظمه فأنكره. و حكم من لا يفقه الشرع و الشريعة بكفر معتقده!يحدث شيخ زاده الحنفي: أن قاسم الصفار أفتى بكفر من تزوج على شهادة اللّه تعالى و رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم مدعيا بأنه يقتضي اعتقاده في علم النبي بالغيب، و لكن صاحب التتارخانية نفى الكفر عنه لأنّ بعض الأشياء تعرض على روح النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم الطاهرة فيعرف بعض الغيب و قد قال اللّه تعالى: عََالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاََ يُظْهِرُ عَلى‏ََ غَيْبِهِ أَحَداً (26) `إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ مِنْ رَسُولٍ (1) ، و كلاهما لم يفقها معنى الغيب المراد اثباته و لا أدركا كنه خاتم الأنبياء صلى اللّه عليه و آله و سلم فقالا بما شاء لهما ادراكهما.

و بعد أن أوضحنا المراد منه لم يبق للقارى‏ء النابه مجال التردد و التشكيك نعم، لا ينكر أن للباري سبحانه علما استأثر به خاصة و لم يطلع عليه أحدا و منه العلم بالساعة.

و أما ما ورد عنهم عليهم السّلام من نفي علمهم بالغيب كقول أبي عبد اللّه: عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ما يعلم الغيب إلا اللّه لقد هممت بضرب جاريتي فهربت مني ما علمت في أي بيوت الدار (2) فمحمول على التقية لحضور المجلس داود الرقي و يحيى البزاز و أبي بصير و لم يكن لهم قابلية تحمل غامض علم أهل البيت. فأراد أبو عبد اللّه بنفي علم الغيب عنهم تثبيت عقيدة هؤلاء و يؤيده أن

____________

ق-تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 6 ص 249 كتب أبو الوليد الباجي رسالة في كتابة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم. و انتصر له أحمد بن محمد اللخمي و جعفر بن عبد الجبار مع جماعة آخرين.

(1) مجمع الأنهر ج 1 ص 320 في الفقه الحسن.

(2) بصائر الدرجات ص 57 و 62 و أصول الكافي على هامش مرآة العقول ج 1 ص 186.

غ

50

سديرا الراوي لهذا الحديث دخل عليه في وقت آخر و ذكر له استغراب ما سمعه منه من نفي العلم بالغيب، فطمنه بأنه يعلم ما هو أرقى من ذلك و هو العلم بالكتاب كله و ما حواه من فنون المعارف و أسرارها على أن هذا الحديث لم يعبأ به المجلسي في مرآة العقول لجهالة رواته.

و يحتمل أن يريد بنفي العلم بمكان الجارية الرؤية البصرية لا الانكشاف الواقعي فقوله: (ما علمت) أي ما رأيتها بعيني في أي بيت دخلت و إلا فمن يقول في صفة علمه: لم يفتني ما سبقني و لم يعزب عني ما غاب عني لا يخفى عليه أمر الجارية، و لما طرق الباب (مبشر) على الباقر و خرجت الجارية تفتحه قبض على كفها فصاح به أبو جعفر عليه السّلام من داخل الدار: ادخل لا أبا لك فيدخل مبشر معتذرا بأنه لم يرد السوء و إنما أراد الازدياد قال له: لو كانت الجدران تحجبنا كما تحجبكم لكنا و أنتم سواء (1) ثم يقول لمحمد بن مسلم لو لم نعلم ما أنتم فيه و عليه ما كان لنا على الناس فضل ثم استدل عليه بما وقع في الربذة بينه و بين زميله في أمر الإمامة (2) .

و أما الحكاية عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: لو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير، فلا يفيد إلا كونه مفتقرا إلى اللّه تعالى في التعليم و أنه لم يكن عالما بالغيب من تلقاء نفسه، و هذا لا ريب فيه فإن المعتقد أن اللّه تعالى هو المتلطف على النبي و أبنائه عليهم السّلام بالملكة القدسية التي تمكنوا بواسطتها من استكشاف ما في الكون‏ (3) .

و سؤال الصادق عن وجود العين عليهم يوم كان في الحجر و معه أصحابه فعرفوه بعدم العين فقال و رب هذه البنية ثلاثا لو كنت بين موسى و الخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما و لا نبأتهما بما ليس في أيديهما إنهما أعطيا علم ما كان

____________

(1) مناقب ابن شهراشوب ج 2 ص 274 و البحار ج 11 ص 70 عن أبي الصباح الكناني.

(2) البحار ج 11 ص 72 عن الخرائج.

(3) في شرح الشفا للخفاجي ج 3 ص 150 المنفي في الآيات اطلاعه على الغيب من غير وساطة و أما علمه بالغيب فبإعلام اللّه تعالى فثابت و متحقق لقوله تعالى: فَلاََ يُظْهِرُ عَلى‏ََ غَيْبِهِ أَحَداً `إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ مِنْ رَسُولٍ .

51

و يكون و ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة و قد ورثناه من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم‏ (1) .

فبعد التسليم بصحة الحديث و عدم ضعف إبراهيم بن إسحاق الأحمر نقول بعدم منافاته لعلمه الواسع لما ورد عنهم أنهم غير مكلفين باظهار ما يعلمونه بل لا بد من العمل بما توجبه التقية ظاهرا أو لأنه كان يراعي حال بعض أصحابه في ظنه وجود العين عليهم، و هذا نظير قوله الآخر: إني أعلم ما في السموات و الأرضين و اعلم ما في الجنة و النار و اعلم ما كان و يكون فلما رأى عظم ذلك و خاف على من عنده قال عليه السّلام: إني علمت ذلك من كتاب اللّه إن اللّه تعالى يقول: فيه تبيان كل شي‏ء (2) .

فالإمام راعى حال أصحابه فاستدل لهم بما يقنعهم و هكذا الأئمة فيما يعلمونه من المصالح الوقتية و الأحوال الشخصية و قوله عليه السّلام في حق موسى و الخضر: إنهما أعطيا علم ما كان لا ينافي علم الخضر بمستقبل أمر الغلام فإنه من القضايا التي أطلعه اللّه عليها لمصلحة وقتية.

و أما ما ورد عنهم عليهم السّلام أن الإمام إذا أراد أن يعلم شيئا أعلمه اللّه‏ (3) فليس فيه دلالة على تحديد علمهم في وقت خاص بل الحديث يدل على أن إعمال تلك القوة القدسية الثابتة لديهم عند الولادة موقوف على إرادتهم المتوقفة على وجود المصلحة في ابراز الحقائق المستورة و اظهار ما عندهم من مكنون العلم على أن هذا المضمون ورد في أحاديث ثلاثة، ردها المجلسي في مرآة العقول بضعف بعضها و جهالة الآخرين.

فالمتحصل من جميع ما ذكرناه أنّ اللّه تعالى أفاض على خلفائه الاطهار ملكة نورية تمكنوا بوساطتها من استعلام ما يقع من الحوادث و ما في الكائنات من خواص الطبائع و أسرار الموجودات و ما يحدث في الكون من خير و شر و لا غلو فيه بعد قابلية ذواتهم لهذا الفيض الأقدس و عدم الشح في عطاء الرب سبحانه فإنه يهب ما يشاء لمن يشاء و صارح الأئمة عليهم السّلام بهذه الحبوة الالهية و أنهم في جميع

____________

(1) أصول الكافي على هامش مرآة العقول ج 1 ص 189.

(2) المصدر السابق ص 190.

(3) المصدر السابق ص 187.

52

الآنات محتاجون إلى تتابع الآلاء منه جل شأنه، و لولاها لنفد ما عندهم من مواد العلم و هذا غير بعيد فيمن تجرد لطاعة اللّه تعالى و عجنت طينته بماء النزاهة من الأولياء و الصديقين فضلا عمن قيضهم الباري تعالى أمناء شرعه و قد صادق على ذلك المحققون من الاعلام كما حكاه الشيخ المفيد في المقالات ص 77 و المجلسي في مرآة العقول ج 1 ص 187، و مشى على ضوئهم المحقق الآشتياني في حاشيته على رسائل الشيخ الأنصاري ج 2 ص 60.

و قال ابن حجر الهيثمي: لا منافاة بين قوله تعالى: قُلْ لاََ يَعْلَمُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ اَلْغَيْبَ إِلاَّ اَللََّهُ ، و قوله: عََالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاََ يُظْهِرُ عَلى‏ََ غَيْبِهِ أَحَداً ، و بين علم الأنبياء و الأولياء بجزئيات من الغيب فإن علمهم إنما هو بإعلام من اللّه تعالى، و هذا غير علمه الذي تفرد به تعالى شأنه من صفاته القديمة الازلية الدائمة الأبدية المنزهة عن التغيير و هذا العلم الذاتي هو الذي تمدح به و أخبر في الآيتين بأنه لا يشاركه أحد فيه و أما من سواه فإنما يعلم بجزئيات الغيب فبإعلامه تعالى و اعلام اللّه للأنبياء و الأولياء ببعض الغيوب ممكن لا يستلزم محالا بوجه، فانكار وقوعه عناد و من البداهة أنه لا يؤدي إلى مشاركتهم له تعالى فيما تفرد به من العلم الذي تمدح به و اتصف به من الازل و على هذا مشى النووي في فتاواه‏ (1) .

فاتضح بهذا البيان أن ابن حجر لم يتباعد عن القول بعلم الأولياء بالغيب و إنما لم يوافق الشيعة على ما يعتقدونه في أئمتهم من أهل البيت عليهم السّلام من قدرتهم على العلم بالحوادث الكائنة و التي تكون إلى يوم القيامة لاعتقاده أن هذه السعة مختصة بالباري جل شأنه و لكن الملاك الذي قرره لمعرفة الأولياء ببعض الغيب و هو تمكين المولى سبحانه لهم من الوقوف على الغيب يقيد ما تعتقده الشيعة، فإن الميزان للوقوف على المغيبات إذا كان بإقدار اللّه تعالى و جعله الملكة النورية في هذه الذوات الخاصة من آل الرسول، فمن الممكن أن تكون تلك القوة بالغة أقصى مداها فلا يتوقف من أفيضت عليه من جميع المغيبات حتى كأن الأشياء كلها حاضرة لديه على حد تعبير الإمام الصادق عليه السّلام اللهم إلا الأشياء التي

____________

(1) الفتاوى الحديثة ص 222.

53

استأثر بها اللّه تعالى وحده، فلا وقوف لأحد عليها مهما ترقى إلى فوق ذروة الكمال.

و على هذا الذي قرره ابن حجر سجل اعتقاده النيسابوري صاحب التفسير فقال: إن امتناع الكرامة من الأولياء إما لأن اللّه ليس أهلا لأن يعطي المؤمن ما يريد، و إما لأن المؤمن ليس أهلا لذلك و كل منهما بعيد فإن توفيق المؤمن لمعرفته لمن أشرف المواهب منه تعالى لعبده فإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالدون أولى‏ (1) و قال ابن أبي الحديد إنّا لا ننكر أن يكون في نوع من البشر أشخاص يخبرون عن الغيوب و كله مستند إلى الباري جل شأنه بإقداره و تمكينه و تهيئة أسبابه‏ (2) و قال لا منافاة بين قوله تعالى: وَ مََا تَدْرِي نَفْسٌ مََا ذََا تَكْسِبُ غَداً و بين علمه صلى اللّه عليه و آله و سلم بفتح مكة و ما سيكون من قتال الناكثين و القاسطين و المارقين فإن الآية غاية ما تدل عليه نفي العلم بما يكون في الغد و أما إذا كان باعلام اللّه عز و جل فلا، فإنّه يجوز أن يعلم اللّه نبيه بما يكون‏ (3) .

آية التهلكة

مما قررناه تجلى لنا أنه لم يعزب عن الأئمة عليهم السّلام العلم بالشهادة على يد من تكون و في أي وقت تقع و في أي شي‏ء إقدارا من اللّه تعالى لهم بما أودعه فيهم من مواد العلم التي بها استكشفوا الحوادث مضافا إلى ما يقرأونه في الصحيفة النازلة من السماء على جدهم المنقذ الأكبر صلى اللّه عليه و آله و سلم.

و ليس في إقدامهم على الشهادة اعانة على ازهاق نفوسهم القدسية و إلقاؤها في التهلكة الممنوع منها بنص الذكر المجيد، فإن الابقاء على النفس و الحذر عن إيرادها مورد الهلكة إنما يجب إذا كان مقدورا لصاحبها أو لم يقابل بمصلحة أهم من حفظها، و أما إذا وجدت هنالك مصلحة تكافى‏ء تعريض النفس للهلاك كما في الجهاد و الدفاع عن النفس مع العلم بتسرب القتل إلى شرذمة من المجاهدين و قد

____________

(1) النور السافر في أعيان القرن العاشر ص 85 لعبد القادر العيدروسي.

(2) شرح النهج ج 1 ص 427 طبع مصر أول.

(3) المصدر ج 2 ص 362.

54

أمر اللّه الأنبياء و المرسلين و المؤمنين فمشوا إليه قدما موطنين أنفسهم على القتل و كم فيهم سعداء و كم من نبي قتل في سبيل دعوته و لم يبارح قوله دعوته حتى أزهقت نفسه الطاهرة!و قد تعبد اللّه طائفة من بني إسرائيل بقتل أنفسهم فقال جل شأنه: فَتُوبُوا إِلى‏ََ بََارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ (1) .

على أن الاقتصار على ما يقتضيه السياق يخرج الآية عما نحن فيه من ورودها للتحذير عما فيه الهلكة فإنها أعقبت آية الاعتداء في الأشهر الحرم على المسلمين قال اللّه تعالى: اَلشَّهْرُ اَلْحَرََامُ بِالشَّهْرِ اَلْحَرََامِ وَ اَلْحُرُمََاتُ قِصََاصٌ فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلْمُتَّقِينَ (194) `وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ (195) .

فيكون النهي عن الالقاء في التهلكة خاص بما إذا اعتدى المشركون على المسلمين في الأشهر الحرم و لم تكن للمسلمين قوة على مقتلتهم و الالتزام بعموم النهي لكل ما فيه هلكة لا يجعل حرمة ايراد النفس مورد الهلكة من المستقلات العقلية التي لا تقبل التخصيص بل هي من الأحكام المختصة بما إذا لم توجد مصلحة أقوى من مفسدة الاقدام على التلف و مع وجود المصلحة اللازمة لا يتأتى الحكم بالحرمة أصلا كما في الدفاع عن بيضة الإسلام.

و قد أثنى سبحانه و تعالى على المؤمنين في اقدامهم على القتل و المجاهدة في سبيل تأييد الدعوة الالهية فقال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ و قال تعالى:

____________

(1) ذكر المفسرون أن عبدة العجل من بني إسرائيل لما ندموا على ما فرطوا في جنب اللّه تعالى أعلمهم موسى عليه السّلام بما أوحي إليه من توقف قبول توبتهم على الاغتسال و لبس الاكفان و القيام صفين ثم يهجم عليهم هارون و معه من لم يعبد العجل و يضعون السيوف فيهم و لما نظر الرجل إلى ولده و أخيه و أبيه و حميمه لم تطاوعه نفسه على القتل و كلموا موسى عليه السّلام في ذلك و ناجى ربه سبحانه في ذلك فعرفه المولى تعالى بأنه سيرسل ظلمة لا يبصر الرجل جليسه و أمر عبدة العجل بالجلوس في فناء بيوتهم محتبين لا يتقون بيد و لا رجل و لا يرفعون طرفا و لا يحلون حبوة و علامة الرضا عنهم كشف الظلمة و سقوط السيوف فعندما يغفر اللّه لمن قتل و يقبل توبة من بقي ففعل هارون بهم حتى قتل سبعون ألفا.