أجود التقريرات‏ - ج1

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
543 /
1

-

2

الجزء الأول‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و به نستعين الحمد للَّه رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين محمد و آله الطيبين الطاهرين و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

و بعد فيقول المفتقر إلى رحمة ربه الغنى أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي غفر اللَّه تعالى لهما انى كررت النّظر فيما كتبته سابقاً من تقريرات بحث شيخنا الأستاذ علم التحقيق و منبع الفضيلة و التدقيق من إليه ألقت الرئاسة العلمية زمامها و بفضل أبحاثه القيمة ثم للعلوم الدينية نظامها حضرة المولى الميرزا محمد حسين النائيني (قدس اللَّه تعالى أسراره) فغيرت بعض عباراته توضيحاً للمراد مع التحفظ على عدم الإضلال بالمفاد و أضفت إليها بعض المطالب التي خطرت ببالي القاصر بمقدار لا يخرج عن عنوان التعليقة على نحو الاختصار مستمداً من اللَّه و متوكلا عليه في جميع أموري و هو ولى الأمر (و قد رتبت) كتابي هذا على مقدمة و مقاصد و خاتمة فأقول و منه التوفيق‏

(اما المقدمة) ففيها فصلان.

الفصل الأول في تعريف العلم و موضوعه و فائدته و رتبته.

(قدم) المحققون قبل الشروع في المقصود أمورا سموها بالمبادي و نشير تبعا لهم إلى ما هو أهمها و هي الأربعة التي تقدم ذكرها أما من حيث المرتبة فلا إشكال في تأخره عن علم المنطق فانه مبدأ لكل علم نظري إذ فيه يعرف كيفية الاستنتاج و الطرق الصحيحة من الفاسدة و كذا في تأخره عن العلوم الأدبية حيث أن المهم في هذا العلم هو استنباط الأحكام‏

3

الشرعية [1] و توقفه على تلك العلوم لا يحتاج إلى بيان و كذا توقفه على مهمات علم الرّجال فعلم الأصول متوسط بين علم الفقه و تلك العلوم و جزء أخير للعلة التامة للاستنباط فتكون نسبته إلى تلك العلوم بالتأخر و إلى الفقه بالتقدم و اما تعريفه فقد علم مما سبق إجمالا و تفصيله هو العلم بالقواعد التي إذا انضمت إليها صغرياتها أنتجت نتيجة فقهية و هو الحكم الكلي الشرعي الثابت لموضوعه المقدر وجوده على ما هو الشأن في القضايا الحقيقية و هذا التعريف أسد من تعريف المشهور بأنه هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي فانه لا يرد عليه ما أورد على تعريف المشهور بأنه ان أريد من التمهيدان ينحصر فائدة البحث عن تلك القواعد باستنباط الأحكام الشرعية فقط فقل ان تكون مسألة أصولية كذلك و ان أريد منه ان يكون لتلك القواعد دخل في الاستنباط في الجملة فالعلوم الأدبية أيضاً كذلك (وجه عدم الورود) ان العلوم الأدبية أو غيرها من مبادئ الفقه إذا انضمت صغرياتها إليها لا تنتج مسألة فقهية بلا واسطة بخلاف القواعد الأصولية و لذا سميت بأصول الفقه ثم لا يخفى انه إذا أريد من الحكم المأخوذ في التعريف ما هو الأعم من الواقعي و الظاهري فمباحث الأصول العملية تدخل في المسائل التي يستنبط منها الحكم الشرعي و اما إذا اختصصناه بالواقعي فلا مناص في إدخالها في المباحث الأصولية من إضافة قيد آخر إلى التعريف و هو قولنا أو التي ينتهى إليها في مقام العمل و اما فائدته فقد ظهرت مما تقدم و هو استنباط الأحكام الشرعية الكلية التي تكون قابلة للإلقاء على المكلفين فيكون تطبيق موضوعاتها على مصاديقها الجزئية الخارجية مشتركا فيه بين المجتهد و غيره و اما موضوعه فمعرفته يتوقف على تمهيد مقدمتين اما المقدمة الأولى فتشتمل على تعريف كلي موضوع العلم و تمييز العوارض الذاتيّة من الغريبة فنقول [2] موضوع كل علم ما يبحث‏

____________

[1] لا يخفى ان مقتضى ذلك تأخر علم الفقه عن العلوم الأدبية و عن علم الرّجال لا تأخر علم الأصول عنها الّذي هو محل الكلام في المقام‏

[2]- هذا هو المشهور بينهم و قد التزموا بلزوم وجود الموضوع في كل علم و بلزوم كون البحث عن عوارضه الذاتيّة و التحقيق ان علمية العلم لا يتوقف على وجود جامع بين موضوعات مسائله بل هو امر قد يكون و قد لا يكون و ما قيل في وجه لزومه من ان الغرض من العلم الواحد حيث انه واحد و هو مترتب على مجموع المسائل فلا بدّ من وجود جامع بينها و

4

فيه عن عوارضه الذاتيّة (بيان ذلك) ان العارض تارة يعرض بلا وساطة شي‏ء أصلا كإدراك الكليات العارض للنفس الناطقة و نحوه من عوارض البسائط فلا إشكال في كونه من العوارض الذاتيّة فان المعروض فيها هي نفس الحقيقة من دون دخل لشي‏ء آخر غير نفسها لفرض بساطتها الحقيقية (و أخرى) بواسطة امر آخر و ذلك الأمر (تارة) يكون داخلياً كالجنس و الفصل و أخرى خارجياً اما الداخليّ فان كان فصلا فلا إشكال في كون عوارضه من العوارض الذاتيّة أيضاً فان فعلية النوع و تحصله بفصله و ان كان جنساً فقد وقع فيه الخلاف و الإشكال (من جهة) عدم كونه ما به فعلية النوع فلا يكون عارضه ذاتياً للنوع (و من جهة) تقوم النوع به و لو كان جزؤه بالقوة فيكون عارضه ذاتياً للنوع كما في عوارض الفصل و من ثم يبحث في بعض العلوم عن عوارض جنس الموضوع أيضاً و الحق هو الثاني و الإشكال عليه [1] بأن عوارض الجنس لو كانت ذاتية لزم تداخل جملة من العلوم في تمام مسائلها

____________

إلا لزم صدور الواحد من الكثير يرد عليه أولا ان الاقتدار على الاستنباط مثلا الّذي هو الغرض في علم الأصول و ان كان واحداً إلّا ان وحدته نوعية لا شخصية ضرورة ان القدرة المترتبة على مسألة حجية خبر الواحد مثلا غير القدرة المترتبة على مسألة دلالة الأمر على الوجوب و البرهان المزبور على تقدير تماميته فانما يتم في الواحد الشخصي دون النوعيّ و (ثانيا) ان الغرض على تقدير كونه شخصاً واحداً أيضاً فانما هو مترتب على مجموع المسائل لا على كل واحدة منها فلا حاجة إلى تصوير الجامع (و ثالثا) ان الغرض مترتب على العلم بثبوت المحمولات لموضوعاتها لا على نفس المسائل فلا بد من فرض الجامع بين العلوم و على تقدير التنزل فلا بد من تصوير الجامع بين النسب الخاصة الموجودة في المسائل و أين ذلك من تصوير الجامع بين خصوص الموضوعات و رابعاً ان موضوع المسألة في علم الفقه مثلا قد يكون امراً وجودياً و قد يكون امراً عدمياً كالترك كما انه قد يكون من مقولة الكيف مثلا كالتكلم و قد يكون من مقولة أخرى و قد تحقق في محله امتناع تصوير الجامع الماهوي بين مقولتين فضلا عن الوجود و العدم فكيف يمكن الالتزام في مثله بوجود جامع حقيقي يكون مؤثراً في الغرض الواحد و سيجي‏ء البحث عن لزوم كون العوارض ذاتية للموضوع على تقدير وجوده فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى‏

[1] لا يخفى ان الخلاف انما هو في كون ما يعرض للجنس ذاتياً للنوع أو غير ذاتي لا في‏

5

فان الموضوع في علم النحو مثلا هي الكلمة و الكلام و موضوع مسائله الفاعل و المفعول و غير ذلك (فلو فرضنا) أن جميع ما يعرض للجنس من العوارض الذاتيّة (فلا بد) أن يبحث في علم النحو من جميع ما يعرض لهما فيلزم إدخال جميع المسائل الأدبية في علم النحو و هذا ما ذكرناه من اللازم.

مدفوع بأن الموضوع حيث قيد بحيثية الإعراب أو البناء فكل عارض له دخل بالحيثية المذكورة يبحث عنه في علم النحو لا كل عارض ذاتي فالغرض من التقييد بالذاتي إخراج العوارض الغريبة لا ان كل عارض ذاتي يبحث عنه في العلوم و ان لم يكن له دخل بالحيثيات المذكورة و اما الخارجي فاما ان يكون مبايناً أو أعم أو أخص أو مساوياً (لا كلام) في كون عوارض الأولين من العوارض الغريبة و أما عوارض الأخص أو المساوي فيحتاج تحقيق الحال فيهما إلى بسط في المقال فنقول اما عوارض الأخص فالجمهور على انها من العوارض الغريبة (و بذلك) يشكل على كون محمولات العلوم عوارض ذاتية لموضوعاتها (بدعوى) ان المحمولات انما تعرض لموضوعات المسائل أولا و بالذات و بوساطتها تعرض لموضوعات العلوم فلا ينطبق التعريف المذكور لموضوع العلم على موضوع علم من العلوم.

و جوابه انا حيث قيدنا الموضوع بالحيثية المذكورة [1] فينطبق موضوع العلم‏

____________

- كون عارض نوع ذاتياً للنوع الآخر و ان فرض كون عوارض النوع ذاتية للجنس أيضا فالاعتراض على القول بكون عوارض الجنس ذاتية للنوع باستلزامه التداخل في جملة من العلوم مندفع من أصله من غير حاجة إلى تقييد الموضوعات بالحيثيات‏

[1]- الحيثيات المأخوذة في تعاريف جملة من العلوم حيثيات راجعة إلى البحث بمعنى ان البحث في علم الفقه مثلا لا يقع عن جميع عوارض فعل المكلف بل يبحث فيه من حيث الاقتضاء و التخيير فالقيد راجع إلى البحث لا إلى الموضوع ضرورة ان الصلاة بما هي صلاة تكون واجبة لا من حيث اقتضائها للوجوب مع انه على تقدير تسليم تقييد الموضوعات بالحيثيات فاما ان يكون موضوع العلم الّذي هو عنوان جامع لموضوعات المسائل مأخوذاً بنحو المعرفية و به يشار إلى موضوعات المسائل أو يلحظ هو بنفسه بما انه جامع لها و الأول يستلزم إنكار وجود الموضوع للعلم حتى يقع البحث عن عوارضه الذاتية و الثاني يستلزم عدم كون عوارض موضوعات المسائل ذاتية لموضوع العلم فان انطباق العنوان الانتزاعي على منشأ انتزاعه-

6

عليها بنحو العينية بحيث يحمل عليها بالحمل الشائع الصناعي و بعبارة واضحة المبحوث عنه في علم النحو مثلا ليس عوارض الفاعل بما هو فاعل ككونه متقدماً على المفعول بحسب الرتبة بل عوارضه بما هو معرب فيكون عوارضه عوارض ذاتية لموضوع العلم أيضا فان هذه الحيثية حيثية مضيقة للموضوع فانها تقييدية (و حيث) ان موضوعات العلوم بسائط لأنها مفاهيم متقيدة بالحيثيات الاعتبارية فيكون ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز كما في الاعراض و نتيجته إلغاء خصوصية الفاعلية و المفعولية و غير ذلك و البحث عنها بما هي معربة و لا نعنى بتلك الحيثية الحيثية اللاحقة الإعرابية حتى يقال ان الكلمة المعربة يستحيل عروض الإعراب عليها بل الحيثية السابقة التي بها يستحق الإعراب الفعلي.

ثم لا يخفى أن التقييد بالحيثية المذكورة كما اندفعت به الشبهة الناشئة من أخصية موضوعات المسائل كذلك تندفع به الشبهة الناشئة من أعمية موضوعات المسائل عن موضوع العلم كمباحث الألفاظ بالقياس إلى الأدلة الأربعة بناء على ان عوارض الجنس من‏

____________

- على حد دون حد انطباق العناوين الذاتيّة على مصاديقها فإذا فرضنا ان عوارض النوع غريبة بالقياس إلى الجنس مع انه ينطبق عليه بالذات فعوارض ما يكون منشأ لانتزاع عنوان أولى بالغرابة بالقياس إلى نفس العنوان الانتزاعي و كون ما به الامتياز في العناوين الانتزاعية عين ما به الاشتراك لا ينافي التغاير بين موضوعات المسائل فان موضوع كل مسألة بنفسه مغاير لموضوع مسألة أخرى هذا مع ان كون ما به الاشتراك من الأمور الانتزاعية عين ما به الامتياز لا يستلزم كون المقيد بالأمر الانتزاعي كذلك كما هو ظاهر و التحقيق في حل الإشكال ان يقال ان الالتزام بكون العوارض المبحوث عنها في العلوم ذاتية بالمعنى الّذي ذهب إليه الجمهور بلا ملزم ضرورة انه إذا تعلق الغرض بالبحث عن عدة مسائل يجمع موضوعاتها جامع واحد صح تدوين علم يبحث فيه عن تلك العوارض سواء سميت تلك العوارض بكونها ذاتية لموضوع العلم أو بكونها غريبة بالقياس إليه و الّذي يمكن ان يقال باعتباره هو ان لا يكون اسناد تلك العوارض إلى موضوع العلم مجازياً و اما كونها عارضة له بلا واسطة مطلقا فلا ضرورة تقتضيه بل الصحيح هو ان ترتب الغرض لو توقف على البحث عن العوارض الغريبة التي يكون إسنادها إلى موضوع العلم أو إلى موضوع المسألة مجازيا يصح عقد ذلك المبحث من مباحث العلم فلا موجب للالتزام-

7

العوارض الغريبة فان الموضوعات في المسائل و ان كانت أعم بحسب الظاهر إلّا أن البحث عنها مقيد بحيثية خاصة و هو حيث ورودها في الكتاب و السنة و ان لم يكن عروض المحمولات بتلك الحيثية فلا يلزم أعمية الموضوعات من تلك الجهة المبحوث عنها و ان كانت أعم من الجهة الأخرى (كما ان الإشكال المعروف) بان تمايز العلوم [1] لو كان بتمايز الموضوعات‏

____________

- بكون العوارض ذاتية لموضوع العلم أصلا و ان أبيت عن ذلك فلا مناص عن الالتزام بكون عوارض الأخص كالنوع مثلا بالقياس إلى الأعم كالجنس من العوارض الذاتيّة و مما ذكرناه يظهر اندفاع الشبهة الناشئة من قبل أعمية بعض موضوعات المسائل من موضوع العلم أيضاً.

[1] ان كان المراد من التمايز هو تمييز كل علم عن الآخر بالإضافة إلى الجاهل حتى يتمكن بمعرفة المميز من تشخيص أي مسألة ترد عليه و انها هل هي داخلة في علم الفقه مثلا أو في علم النحو فلا ريب ان التمييز في هذا المقام كما يمكن ان يكون بالفرض يمكن ان يكون بالموضوع أو بالمحمول أو بذكر فهرست مسائل العلم إجمالا. و ان كان المراد من التمايز هو التمييز في مقام التدوين و بيان ما هو السبب لاختيار المدون جملة من المسائل و جعلها علماً برأسه دون المسائل الأخر فلا مناص في هذا المقام من كون التمييز بالعرض الداعي إلى التدوين ان كان هناك غرض خارجي يترتب على العلم و المعرفة كما هو الغالب و هو ظاهر و اما فيما كان الغرض من التدوين هو نفس العلم و المعرفة فلا بد من كون الامتياز بالموضوع أو بالمحمول مثلا إذا كان غرض المدون هو معرفة أحوال الإنسان من تمام جهاته فلا مانع من تدوين علم يبحث فيه عن عوارضه النفسانيّة و الجسمانية و عن خصوصيات أقسام أصنافه فيكون تمييز هذا العلم عن غيره بالموضوع كما هو الحال في الفلسفة المالية كما انه إذا كان غرض المدون هو معرفة ما يعرضه الحركة و السكون فلا ضير في تدوين علم يبحث عن كل ما يمكن ان يعرضه الحركة أو السكون و لو كان المعروض من مقولة تارة و من مقولة غير المقولة الأولى أخرى فالتمييز يكون حينئذ بالمحمول و مما ذكرناه يظهر ان إطلاق القول بان التمايز بالموضوعات أو بان التمايز بالأغراض ليس في محله و مما ذكرناه يظهر ما في كلام شيخنا الأستاذ (قدس سره) من إنكاره كون التمايز بالأغراض فانها ربما لا تترتب على العلوم المدونة فتدبر

8

لزم اتحاد العلوم الأدبية (يندفع) بقيد الحيثية أيضاً كما هو ظاهر و اما الجواب عنه بان تمايز العلوم بتمايز الأغراض لا بالموضوعات فغير صحيح فان العلوم المدونة ربما لا يترتب عليها الأغراض المذكورة فلا يمكن ان يكون التمايز بها (و أما عوارض) الأمر الخارجي المساوي المنتهى إلى الذات و لو بوسائط كعروض إدراك الكليات الّذي هو لازم الفصل على الإنسان المستتبع لعروض التعجب المستتبع لعروض الضحك فقد وقع فيها الخلاف و الإشكال.

و تحقيقه يحتاج إلى بيان ضابط الوساطة في الثبوت و العروض (فنقول) اما العارض الأول فلا واسطة له حتى يقال انها واسطة في الثبوت أو العروض (و اما الثاني) و هو التعجب فله واسطة لكن وساطة ثبوتية لأن الواسطة عارضة بلا واسطة و اما العارض الثالث و هو الضحك فله واسطة في العروض فان واسطة عروضه تحتاج إلى واسطة أخرى في الثبوت أيضاً فالميزان [1] ان العارض ان احتاج إلى واسطة غير محتاجة إلى واسطة أخرى فالواسطة في الثبوت و إلّا ففي العروض إذا عرفت ذلك فيمكن ان يقال ان هذا العارض مع الواسطة في العروض أيضاً من الاعراض الذاتيّة لانتهائه إلى الذات بالاخرة (و يمكن ان يقال) انّه من العوارض الغريبة باعتبار انه لم يعرض لا لنفس الذات و لا بواسطة في الثبوت فيكون من الغريبة لكن الحق هو الأول و على تقدير التنزيل فيندفع إشكال البحث عنه بقيد الحيثية المذكورة فان العوارض و ان كانت مترتبة في حد أنفسها إلّا انه لا ترتب بينها من تلك الحيثية فيكون جميعها في عرض واحد.

و اما المقدمة الثانية فهي ان ما يذكر في العلوم ينقسم إلى مباد و مسائل (اما المسائل) فقد علم تعريفها مما سبق (و اما المبادي) فتنقسم إلى تصورية و تصديقية (اما التصورية) فهي التي توجب معرفة الموضوعات أو المحمولات (و أما التصديقية) فهي الأدلة التي توجب التصديق بثبوت المحمولات لموضوعاتها ثم ان لعلم الأصول مبادئ خاصة و تسمى بالمبادي الأحكامية و هي التي يبحث فيها عن حال الأحكام بما هي من كونها مجعولة استقلالية أو انتزاعية و من حيث‏

____________

[1] الميزان في الواسطة في الثبوت هو ان يكون الواسطة علة لثبوت العارض لمعروضه سواء كانت الوسائط متعددة أم غير متعددة و التفصيل بين احتياج الواسطة إلى واسطة أخرى و عدمه بلا وجه‏

9

اشتراطها بشروط عقلية و غير ذلك و من هذا القبيل مباحث مقدمة الواجب و النهي عن الضد و اجتماع الأمر و النهي بناء على عدم كونها من المسائل الأصولية على ما يأتي الكلام فيه في محالها إن شاء اللَّه تعالى ثم ان المسائل المبحوث عنها في علم الأصول اما مسائل يبحث فيها عن دلالة الألفاظ بما هي أو عن حال الأحكام و لو لم تكن مدلولا عليها بشي‏ء من الألفاظ أو عن دليلية الدليل كمباحث حجية الخبر الواحد و الكتاب و غيرهما من مباحث الحجية إذا تمهد ذلك (فنقول) لو كان موضوع علم الأصول هي الأدلة الأربعة بعد الفراغ عن دليليتها كما عليه المحقق القمي (قده) فتخرج مباحث الحجج بالكلية عن مباحث علم الأصول لأن البحث فيها عن نفس الدليليّة لا عن عوارضها و تدخل في المبادي و كذلك المسائل التي يبحث فيها عن حال الأحكام و لو لم تكن مدلولا عليها بدليل لعدم كون البحث فيها عن الأدلة و تدخل في المبادي الأحكامية فينحصر علم الأصول في مباحث الألفاظ بناء على ما ذكرنا من كون عوارض الجنس من العوارض الذاتيّة اما مطلقا أو مع أخذ قيد الحيثية و إلّا فتلك مباحث استطرادية فلا يبقى لعلم الأصول مسألة أصلا (و اما لو بنينا) على ان الموضوع هو ذوات الأدلة فيدخل فيها مباحث الألفاظ بالتقريب المتقدم و مباحث حجية الكتاب و العقل و اما بقية المباحث فهي خارجة لا محالة اما خروج المباحث التي يتكلم فيها عن حال الأحكام بما هي فواضح و اما خروج مباحث حجية الخبر الواحد و الشهرة و الاستصحاب و نحوها فلعدم البحث فيها عن ذوات الأدلّة الأربعة أيضاً كما هو ظاهر و اما إرجاع البحث عن حجية الخبر إلى البحث عن ثبوت السنة بالخبر (بتقريب) ان السنة باعتبار الحكاية تنقسم إلى قسمين المتواتر و الآحاد (اما) المتواتر فلا (إشكال) في ثبوت السنة به (و اما الآحاد فهي محل الخلاف و الإشكال) فيرجع حاصل النزاع إلى أن السنة المحكية هل هي سنة أم لا (فغير مفيد) فانه على فرض تماميّته في مبحث حجية الخبر فلا يكاد يتم في غيره كمباحث حجية الشهرة و الاستصحاب و غيرهما مما تقدم خروجها عن المسائل الأصولية على تقدير كون الموضوع هي الأدلة الأربعة مع انه (غير تام) في نفسه لأن عنوان كون‏

10

السنة محكية [1] تعرض لها بواسطة الخبر الّذي هو مباين لها فيكون من العوارض الغريبة فضلا عن الحجية العارضة بوساطته مضافاً إلى ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) من أن البحث عن الثبوت الّذي هو مفاد كان التامة بحث عن المبادي (فالتحقيق ان الالتزام) بكون الموضوع هي الأدلة (بلا ملزم) بل هو أمر وسيع أخذ موضوعاً للعلم مقيدا بحيثية الاستنباط [2] فيكون جميع المباحث المذكورة داخلة في المسائل لأجل دخلها في الاستنباط.

الفصل الثاني في جملة من المباحث اللغوية

اختلف العلماء في ان دلالة الألفاظ هل هي ذاتية محضة أم جعلية صرفة أو بهما معاً [3]

____________

[1] اتصاف السنة بكونها محكية و ان كان بوساطة الخبر الّذي هو مباين لها في الوجود إلّا انه من قبيل الواسطة في الثبوت لا في العروض كما هو ظاهر نعم الحجية التي هي المحمول في المسألة ليست من عوارض السنة ذاتية أو غريبة بل هي من عوارض الخبر و نحوه و اما البحث عن ثبوت السنة بالخبر بنحو مفاد كان التامة فهو و ان لم يكن صحيحاً في نفسه ضرورة عدم علية الخبر للسنة خارجاً إلّا انه على تقدير صحته لا يكون داخلا في المبادي بل يكون البحث بحثاً عن العوارض فان المبحوث عنه حينئذ ليس هو نفس الوجود و الثبوت بل الثبوت بالخبر الّذي هو عبارة أخرى عن معلولية السنة للخبر و لا ريب ان البحث عن المعلولية بحث عن العوارض‏

[2] قد عرفت فيما تقدم ان اتصاف جملة من المسائل بكونها مسائل علم واحد لا يتوقف على وجود موضوع جامع لموضوعات مسائلها فالالتزام بوجود موضوع وسيع أو ضيق لعلم الأصول بلا موجب بل الظاهر ان كل مسألة يترتب عليها الاستنباط بضم صغرى تلك المسألة إليها فهي من مسائل علم الأصول و إلّا فلا و تمييز مسائل علم الأصول عن غيرها انما هو بالغرض لا بغيره‏

[3] لا ينبغي الريب في عدم كون الارتباط المتحقق بين طبيعي اللفظ و المعنى من قبيل الأمور الواقعية بأقسامها اما عدم كونه من قبيل الجواهر و الاعراض بعد فرض قيامه بطبيعي اللفظ و المعنى فظاهر و امّا عدم كونه من قبيل الملازمات المتحققة في نفس الأمر مع قطع النّظر

11

(و الحق) هو (الثالث) فانا نقطع بحسب التواريخ التي بأيدينا انه ليس هناك شخص أو جماعة وضعوا الألفاظ المتكثرة في لغة واحدة لمعانيها التي تدل عليها فضلا عن سائر اللغات كما انا نرى وجداناً عدم الدلالة الذاتيّة بحيث يفهم كل شخص من كل لفظ معناه المختص به بل اللّه تبارك و تعالى هو الواضع الحكيم جعل لكل معنى لفظاً مخصوصاً باعتبار مناسبة بينهما مجهولة عندنا و جعله تبارك و تعالى هذا واسطة بين جعل الأحكام الشرعية المحتاج إيصالها إلى إرسال رسل و إنزال كتب و جعل الأمور التكوينية التي جبل‏

____________

عن اعتبار أي معتبر و فرض أي فارض فلان دعوى الملازمة بين تصور اللفظ و الانتقال منه إلى المعنى بطلانها ظاهر و إلّا لما أمكن الجهل باللغات أصلا و وقوع الجهل بها من أوضح الواضحات و اما ثبوت المناسبة الذاتيّة بين الألفاظ و معانيها فهو و ان كان ممكنا في الجملة إلّا انه لا دليل عليه و دعوى انه لولاه لكان تخصيص لفظ خاص بمعنى مخصوص بلا مرجح و هو محال يدفعها أولا انه لا يلزم ان يكون المرجح هي المناسبة الذاتيّة بل يجوز ان يكون المرجح امراً خارجياً كما هو الواقع كثيراً في الاعلام الشخصية و ثانيا ان المستحيل انما هو المرجح من دون ترجيح و اما الترجيح بلا مرجح فلا استحالة فيه بل و لا قبح فيه أيضا إذا كان هناك مرجح لاختيار طبيعي الفعل مع عدم وجود المرجح في شي‏ء من افراده و حينئذ فالمصلحة الموجودة في طبيعي الوضع كافية في اختيار لفظ خاص و تخصيصه لمعنى مخصوص و لو من دون ربط و مناسبة بينهما أصلا و من هنا يظهر ان دعوى كون الوضع وسطاً بين الأمور التكوينية الواقعية و الجعلية لا يمكن المساعدة عليها ضرورة انه لا واسطة بين الأمور الواقعية و الجعلية و التخصيص و ان كان بإلهام إلهي كما في جملة من افعال العباد أيضاً إلّا ان حقيقته لا تخلو من ان تكون من الواقعيات أو الاعتباريات الجعليات و من ثم ذهب جمع إلى ان الارتباط المزبور امر اعتباري و وجوده انما هو باعتبار المعتبر و قد أفيد في بيان ذلك وجهان الأول ان الوضع الحقيقي كما في وضع العلم على رأس الفرسخ و ان لم يكن موجوداً في وضع الألفاظ إلّا انه موجود فيه بنحو الاعتبار فكان اللفظ وضع على معناه للدلالة عليه كما في وضع العلم على رأس الفرسخ و فيه أولا ان هذا المعنى على تقدير صحته في نفسه فهو بعيد عن أذهان الواضعين خصوصاً القاصرين منهم كالأطفال و أمثالهم مع انا نرى صدور الوضع منهم كثيراً فكيف يمكن ان يكون حقيقته امراً يغفل عنه الخواصّ فضلا عن غيرهم و ثانياً ان لازم هذا البيان كون المعنى موضوعا عليه لا موضوعاً له و كم فرق بينهما فان الموضوع عليه‏

12

الإنسان على إدراكها كحدوث العطش عند احتياج المعدة إلى الماء و نحو ذلك فالوضع جعل متوسط بينهما لا تكويني محض حتى لا يحتاج إلى أمر آخر و لا تشريعي صرف حتى يحتاج إلى تبليغ نبي أو وصى بل يلهم اللَّه تبارك و تعالى عباده على اختلافهم كل طائفة بالتكلم بلفظ مخصوص عند إرادة معنى خاص.

و مما يؤكد المطلب انا لو فرضنا جماعة أرادوا احداث ألفاظ جديدة بقدر ألفاظ أي لغة لما قدروا عليه فما ظنك بشخص واحد (مضافاً) إلى كثرة المعاني التي يتعذر تصورها من شخص أو أشخاص متعددة (و منه) ظهر أن حقيقة الوضع هو التخصيص و الجعل الإلهي و التعبير عنه بالتعهد و الالتزام مما لا محصل له.

____________

في الوضع الحقيقي انما كان هو المكان المخصوص للدلالة على كونه رأس الفرسخ فكونه رأس الفرسخ هو الّذي وضع له العلامة و عليه فما هو الموضوع له في المقام إذا كان المعنى هو الموضوع عليه الوجه الثاني ان اللفظ اعتبر وجوداً تنزيلياً للمعنى فكان وجود اللفظ هو وجود المعنى في عالم الاعتبار و التنزيل و يرد عليه مضافا إلى عدم مناسبة إطلاق لفظ الوضع على مثل هذا الاعتبار ما أوردناه على الوجه الأول أولا من ان أمثال هذه التدقيقات بعيدة عن أذهان الواضعين هذا مع ان تنزيل وجود منزلة وجود آخر لا بد في صحته من وجود ما يكون التنزيل بلحاظه كما في التنزيلات الشرعية أو العرفية و من الواضح انه لا يترتب شي‏ء من أحكام المعنى و آثاره على وجود اللفظ فما معنى كونه وجوداً تنزيلياً له فالتحقيق ان ارتباط اللفظ بالمعنى ليس من الأمور الواقعية و لا من الأمور الاعتبارية و ليس هو من حقيقة الوضع في شي‏ء بل هو من شئون الوضع و توابعه و من الأمور المنتزعة منه بيان ذلك ان حقيقة الوضع على ما يساعده الوجدان عبارة عن الالتزام النفسيّ بإبراز المعنى الّذي تعلق قصد المتكلم بتفهيمه بلفظ مخصوص فمتعلق الالتزام و التعهد امر اختياري و هو المتكلم بلفظ مخصوص عند تعلق القصد بتفهيم معنى خاص و الارتباط بينهما انما ينتزع من هذا الالتزام و هذا المعنى هو الموافق لمعنى الوضع لغة فانه فيها بمعنى الجعل و الإقرار و منه وضع القانون بمعنى جعله و إقراره و من هنا يظهر ان إطلاق الواضع على الجاعل الأول انما هو لأسبقيته و إلّا فكل شخص من افراد أهل لغة واضع حقيقة ثم ان التعهد المزبور ربّما يكون ابتدائيّاً فيكون الوضع تعيينياً و قد يكون ناشئاً من كثرة الاستعمال فيكون تعيّنياً و حقيقة الوضع في كلا القسمين على نحو واحد كما هو ظاهر

13

(فائدة استطرادية) الفرق بين المعنى و المفهوم و المدلول‏

(هو) أن المعنى [1] يطلق على نفس المعاني المجردة في العقل التي جرد عنها جميع ما يلازمها من المادة و لوازمها فزيد الخارجي الّذي يجرد عنه جميع ما يلازمه يعبر عنه بالمعنى سواء وضع له لفظ أم لا استعمل فيه اللفظ أم لا و عند الاستعمال يتنزل هذا المعنى المجرد إلى عالم الوجود الخارجي أيضا بتوسط اللفظ فكأن المتكلم يلقى المعنى في الخارج (و لذا قيل) بأن للشي‏ء أنحاء من الوجود و عد منها الوجود اللفظي فزيد له قوس صعودي من الخارج إلى الحس المشترك و منه إلى الخيال و منه إلى عالم العقل قبل الاستعمال و له قوس نزولي حين الاستعمال (و أما المفهوم أو المدلول فيطلقان) عليه باعتبار انفهامه من اللفظ أو دلالة اللفظ عليه «ثم» ان المعنى المتصور في مقام الوضع اما ان يكون عاما أو خاصا (و على الأول) اما ان يوضع اللفظ له أو لمصاديقه (و على الثاني) فلا سبيل الا لوضع اللفظ له بخصوصه دون العام (بداهة) ان الخاصّ بما هو لا يكون حاكيا لا عن العام و لا عن الافراد الأخر (نعم) قد يكون تصور الخاصّ موجبا و علة لتصور العام بنفسه و هذا غير كون الفرد مرآتا و حاكيا عنه كما في عكسه فالأقسام المعقولة ثلاثة فقط

تبصرة ينقسم الوضع العام و الموضوع له الخاصّ إلى قسمين‏

فان الخصوصية المأخوذة في الموضوع له (تارة) لا توجد من قبل اللفظ بل هي خصوصية خارجية كما إذا وضع لفظ على مثلا لكل من يتولد ليلة الجمعة فان الخصوصية المأخوذة في المعنى لم تنشأ من قبل اللفظ الموضوع له (و أخرى) توجد من قبله كوضع أسماء الإشارة فانها موضوعة للمعنى المشار إليه بنفس ألفاظ الإشارة [2] فعند

____________

[1] الظاهر ان إطلاق لفظ المعنى على شي‏ء انما هو باعتبار كونه مقصوداً و إلّا فالمدركات المجردة في العقل مع قطع النّظر عن استعمال الألفاظ فيها لا تتصف بكونها معاني كما لا تتصف بأنها مفاهيم أو مداليل‏

[2] إشارة اللفظ إلى المعنى ان كان باعتبار دلالته عليه فلا يختص ذلك بأسماء الإشارة و ان كان بغير هذا الاعتبار فما هو الغير المأخوذ في الموضوع له فالظاهر ان أسماء الإشارة انما

14

الاستعمال يوجد فرد من افراد الإشارة و كذلك الخطاب و النداء و هذه الخصوصيات كلها ناشئة من قبل نفس تلك الألفاظ لا من الخارج فتدبره لعلك تنتفع به فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى.

ثم انّه لا إشكال في وقوع الوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ كالأعلام الشخصية و كذا الوضع العام و الموضوع له كذلك كوضع أسماء الأجناس (انما الخلاف) في وقوع الوضع العام و الموضوع له الخاصّ فاختار بعض ان وضع الحروف و توابعها من الأسماء من هذا القبيل و أنكره آخرون‏

و قبل الخوض في ذلك لا بد من بيان ما به يمتاز الحرف عن الاسم فهنا مقامان‏

. المقام الأول في بيان ما به يمتاز الحرف عن الاسم (و المقام الثاني) في بيان ان الموضوع له خاص أو عام‏

اما المقام الأول فتحقيق الحال فيه يتوقف على بيان الأقوال أولا ثم بيان المختار منها

(فاعلم) ان الأقوال في المسألة ثلاثة (الأول) انه لا فرق بين المفهوم الحرفي و الاسمي في عالم المفهومية و ان الاستقلالية و عدمها خارجتان عن حريم المعنى فالمعنى في حد ذاته لا يتصف بالاستقلال و لا بعدمه و انما نشئا من اشتراط الواضع و هذا القول الّذي هو في حد الإفراط منسوب إلى المحقق (الرضي قده) و اختاره المحقق صاحب الكفاية (قده) (و القول الثاني) الّذي هو في حد التفريط (ان الحروف) لم توضع لمعنى أصلا بل وضعت لأن تكون قرينة على كيفية إرادة مدخولها نظير الإعراب مثلا معنى كلمة الدار يلاحظ بنحوين (أحدهما) بما انه موجود عيني خارجي فيقال دار زيد كذا (و أخرى) بما انه موجود أيني أي ظرف مكان لشي‏ء آخر فكلمة في في قولك ضربت في الدار تدل على ان الدار لو حطت بنحو الأينية لا العينية و هذا القول منسوب إلى المحقق الرضي أيضاً (و القول الثالث) هو ان الحروف لها معان في قبال المعاني الاسمية و هي في حد كونها معاني أي في عالم التجرد العقلاني معان غير مستقلة بخلاف المعاني الاسمية فانها معان استقلالية فكما ان الجوهر لا يحتاج في وجوده إلى موضوع بخلاف الاعراض فانها في وجودها لا في حد ذاتها و كونها معاني‏

____________

وضعت للمعاني الواقعة موقع الإشارة الخارجية أو انها موضوعة بإزاء الإشارة الخارجية فهي موجدة لها بالجعل و المواضعة و تحقيق الحال موكول إلى محله‏

15

تحتاج إلى موضوع فكذلك المفاهيم الاسمية في عالم التجرد العقلاني بجواهرها و أعراضها معان مستقلة عكس المعاني الحرفية (و الصواب) هو القول الثالث و قبل الشروع في توضيحه لا بد من إبطال القولين الأولين (فنقول) اما (القول الأول) فيرد عليه ان لازمه جواز استعمال الحروف في موضع الأسماء و بالعكس مع انه من أفحش الأغلاط (و اما حديث) اشتراط الواضع (فمما لا محصل) له فان الاشتراط المذكور هل هو اشتراط في ضمن الوضع أو في خارجه و ما الدليل عليه أو على لزوم اتباعه في اشتراطه ما لم يرجع إلى الجهات الراجعة إلى الموضوع أو الموضوع له ثم على تقدير لزوم الاتباع فليكن كأحد الأحكام الشرعية التي توجب مخالفته استحقاق العقاب فلم لا يصح الاستعمال بحيث يعد من الأغلاط (و غاية) ما أفيد في تقريبه ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) من إرجاع القيد يعنى الاشتراط إلى ناحية الاستعمال بان يكون ذات الموضوع له فيهما واحدة و الاختلاف في كيفية الوضع فان الاسم وضع ليستعمل مستقلا بخلاف الحرف فانه وضع لأن يستعمل آلة و مرآتاً فالاستقلال و عدمه خارجان عن الموضوع له مأخوذ ان في مقام الاستعمال (و يرد عليه) ان المعنى يستحيل ان يكون في حد ذاته لا مستقلا و لا غير مستقل و ليس هذا إلّا ارتفاع النقيضين (مضافا) إلى ان تقييد الاستعمال في مقام الوضع لا يزيد على تقييد الموضوع له فكما انه يصح الاستعمال في غير الموضوع له مجازاً فليكن استعمال الاسم في موضع استعمال الحرف و بالعكس كذلك ثم ان الاستقلال و عدمه [1] هل هما من الفصول المنوعة أو من قبيل الاعراض‏

____________

[1] إذا كان المراد من الاستقلال و عدمه هو الاستقلال في اللحاظ قبال اللحاظ الآلي كما هو مراد صاحب الكفاية (قدس سره) فالمعنى قبل تعلق اللحاظ به لا يتصف بالاستقلال و لا بعدمه و ليس هو من ارتفاع النقيضين في شي‏ء كما ان الاستقلال و عدمه على ذلك ليسا من الفصول المنوعة و لا من أعراض المعنى حتى يرد عليه ما في المتن بل هما من كيفيات اللحاظ اللاحق على المعنى في مقام الاستعمال فلا يرد عليه الا ما أورد عليه أولا من ان لازم وحدة المعاني الاسمية و الحرفية ذاتاً صحة استعمال الاسم في موضع الحرف و بالعكس مع انه من أفحش الأغلاط مضافاً إلى ان لحاظ المعنى آلة لو كان موجباً لكونه معنى حرفياً لزم منه كون كل معنى اسمي يؤخذ معرفاً لغيره في الكلام و آلة للحاظه كالعناوين الكلية المأخوذة في القضايا معرفات‏

16

و على الأول يلزم تركب المعاني و قد بينا تجردها و بساطتها (مع انه) لا معنى لأخذ الجنس في مقام الوضع و الفصل في مقام الاستعمال و على الثاني فما السبب في وجود هذا العرض (و على كل تقدير) فلا معنى لاشتراط الواضع ما لم يكن سنخ المعاني مختلفة كما سنبين إن شاء اللَّه تعالى (و اما القول الثاني) فيرد عليه ان الظرفية أو غيرها اما ان تؤخذ في مفهوم الدار بحسب الوضع أو يدل عليها كلمة في مثلا و الأول باطل على الفرض فيثبت الثاني و منه يظهر الحال في المقيس عليه و هو الإعراب فانا نلتزم فيه بما نلتزمه في الحروف من دلالتها على معان قائمة بمدخولها و اما توضيح المختار فيحتاج إلى بيان مقدمات (الأولى) ان المعاني تنقسم إلى إخطارية و غير إخطارية فان الأسماء بجواهرها و أعراضها عند التكلم بها يخطر معانيها في الذهن سواء كانت في ضمن تركيب كلامي أم لم تكن بخلاف الحروف فانها بنفسها لا توجب خطور معانيها في نفس سامعها ما لم تكن في ضمن كلام تركيبي (الثانية) ان المعاني غير الإخطارية تنقسم إلى قسمين إيجادية و نسبية (اما الأولى) فكحروف التشبيه و النداء و التمني و غيرها فان الحروف الموضوعة لها في مقام الاستعمال يوجد فرداً منها في الخارج بحيث يصدق على الموجود خارجاً انه فرد من التشبيه أو النداء أو التمني أو غير ذلك (و اما الثانية) فكالنسب الخاصة التي بين الاعراض و معروضاتها فان الاعراض حيث ان وجودها في نفسها عين وجودها لموضوعاتها و إلّا لم يكن وجودها لموضوعاتها وجوداً رابطياً بل استقلالياً يحتاج إلى رابط آخر و حينئذ فبينها و بين موضوعاتها نسب خاصة على اختلافها و الحكيم كما لا بد له من وضع الألفاظ للمفاهيم الاستقلالية كذلك لا بد له من وضع الألفاظ لإفادة هذه المعاني أيضاً [1] (الثالثة) ان‏

____________

- للموضوعات الواقعية معنى حرفياً كما ان لحاظ المعنى حالة لغيره لو كان موجباً لكونه معنى حرفيا لزم منه كون جميع المصادر معاني حرفية فانها تمتاز عن أسماء المصادر بكونها مأخوذات بما انها أوصاف لمعروضاتها بخلاف أسماء المصادر الملحوظ فيها الحدث بما انه شي‏ء في نفسه مع قطع انظر عن كونه وصفاً لغيره و بالجملة لا مناص عن مغايرة المعنى الاسمي للمعنى الحرفي في ذاته كما سيتضح ذلك إن شاء اللَّه تعالى‏

[1] سيتضح لك فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى ان النسب الخارجية لم توضع لها شي‏ء أصلا فان وضع‏

17

الموضوع للنسب تارة يكون في مقام لفظه مستقلا كلفظة من و أخرى غير مستقل حتى في هذا المقام أيضاً كما في وضع الهيئات الخاصة [1] فيكون الموضوع كالموضوع له في حد ذاته أمراً غير مستقل و قوام ذاته بأمر آخر ثم ان الهيئات (تارة) تكون في الجملة الاسمية و أخرى في الجملة الفعلية اما الجملة الاسمية فالحمل فيها قد يكون ذاتياً كزيد إنسان و قد يكون غير ذاتي كزيد قائم (اما القسم الثاني) فوجود النسبة فيه (واضح) (و اما القسم الأول) فالنسبة فيه تنزيلية بمعنى انه يلحظ الموضوع عاريا عن ذاته لا بمعنى بشرط لا بل بمعنى عدم لحاظ ذاته معه في مقام الفرض و يحمل نفس الذات عليه و اما الجملة الفعلية (فهي) تنقسم إلى قسمين (فمنها ما) يدل على النسبة الأولية أي النسبة التي لا تزيد على قيام العرض بمعروضه كما في الفعل المبنى للفاعل (و منها ما) يدل على النسبة التي بين الفعل و ملابساته كالفعل المبنى للمفعول (و منه) يظهر ان الأصل في المرفوعات هو الفاعل فان الجملة الاسمية كزيد قائم منتزعة من نسبة القيام إلى فاعله المستتبعة لعنوان اشتقاقي محمول على الذات و الدال على تلك النسبة الأولية اللازمة لوجود العرض جملة فعلية مشتملة على فعل و فاعل (الرابعة) قد عرفت ان الهيئات منها ما هي مختصة بالنسبة الأولية و ما هي مختصة بالنسبة الثانوية (و اما) الكلمات الاستقلالية (فمنها) ما هو مشترك بينهما كلفظة في فانها تستعمل (تارة) لإفادة قيام العرض أعني مقولة الأين أو متى بموضوعه كزيد في الدار أو في زمان كذا و يسمى بالظرف المستقر فانها لا تدل على أزيد من النسبة الأولية و هو قيام العرض بموضوعه و منها ما هي مختصة لإفادة النسبة الثانوية كما في قولك ضربت في الدار فانها تدل على نسبة الضرب إلى الدار زيادة على نسبته إلى موضوعه و يسمى بالظرف اللغو و الوجه في التسمية في كلتيهما ظاهر (و منها)

____________

اللفظ مطلقا لا بد و ان يكون بإزاء مفهوم مستقل أو غير مستقل و الموجود الخارجي بما هو كذلك لا معنى لوضع اللفظ له نعم النسب الخارجية مصاديق لمفهوم النسبة الّذي هو معنى اسمي‏

[1] سيجي‏ء الكلام في مداليل الهيئات في الجمل الاسمية و الفعلية في مقام الفرق بين الفعل و غيره إن شاء اللَّه تعالى‏

18

ما هو مختص بالقسم الثاني فقط كبقية الحروف و لم نجد فيها ما يختص بالقسم الأول كما كان في الهيئات (الخامسة) ان الحروف بأجمعها معانيها إيجادية نسبية كانت أو غيرها فانها لم توضع الا لأجل إيجاد الربط [1] بين مفهومين لا ربط بينهما كلفظ زيد و الدار فكلمة في هي الرابطة بينهما في الكلام في مقام الاستعمال فالموجد للربط الكلامي هو الحرف و لا منافاة بين كون المعاني الحرفية إيجادية و ان تكون للنسبة الحقيقية واقعية و خارجية قد تطابق النسبة الكلامية و قد تخالفها فان المطابقة بينهما ليس كمطابقة الكلي مع فرده بل كمطابقة فرد مع فرد آخر بحيث يكون النسبة بينهما كنسبة الظل مع ذي الظل فالمفهوم الحرفي هو النسبة الظلية الكلامية التي تطابق النسبة الخارجية (تارة) و تخالفها (أخرى فما في كلام المحقق) صاحب الحاشية (قده) من اختصاص الإيجادية ببعض الحروف «انما نشأ» من لحاظ النسب الخارجية و الغفلة عن انها لم توضع لها الحروف بل الموضوع له فيها هي النسب الكلامية و هي إيجادية مطلقا فظهر ان المعاني الحرفية

____________

[1] لا إشكال في تحقق الربط في الكلام بواسطة الحروف و انه لولاها لما كانت الجملات مربوطة إلّا ان الربط المزبور انما هو من جهة دلالتها على معانيها التي وضعت لها و الكلام فعلا انما هو في تعيين تلك المفاهيم التي بوجود الدال عليها يكون الكلام بعضه مربوطاً ببعض فالقول بان الحروف موضوعة لإيجاد الربط الكلامي لا يرجع إلى محصل و التحقيق ان يقال ان الحروف بأجمعها وضعت لتضييقات المعاني الاسمية و تقييداتها بقيود خارجة عن حقائقها و مع ذلك لا نظر لها إلى النسب الخارجية بل التضييق انما هو في عالم المفهومية و في نفس المعنى كان له وجود في الخارج أو لم يكن فمفاهيمها في حد ذاتها متعلقات بغيرها و متدليات بها قبال مفاهيم الأسماء التي هي مستقلات في أنفسها توضيح ذلك ان كل مفهوم اسمي له سعة و إطلاق بالإضافة إلى الحصص التي تحته سواء كان الإطلاق بالقياس إلى الخصوصيات المنوعة أو المصنفة أو المشخّصة أو بالقياس إلى حالات شخص واحد و من الضروري ان غرض المتكلم كما يتعلق بإفادة المفهوم على إطلاقه و سعته كذلك قد يتعلق بإفادة حصة خاصة منه كما في قولك الصلاة في المسجد حكمها كذا و حيث ان حصص المعنى الواحد فضلا عن المعاني الكثيرة غير متناهية فلا بد للواضع الحكيم من وضع ما يوجب تخصص المعنى و تقيده و ليس ذلك إلّا الحروف و الهيئات الدالة على النسب الناقصة كهيئات المشتقات و هيئة الإضافة أو التوصيف فكلمة في في قولنا الصلاة في المسجد لا

19

و المفاهيم الأدوية معان غير مستقلة في أنفسها و متدلية في حد ذواتها بالمفاهيم الاسمية الاستقلالية لا انها أشياء لها الربط (و لقد أجاد) أهل العربية حيث عبروا في مقام التعبير عن مفاهيمها بان في للظرفية و لم يقولوا بان في هو الظرفية كما هو ديدنهم في مقام التعبير عن المعاني الاسمية و ان تسامحوا من جهة عدم التصريح بالنسبة بان يقولوا في للنسبة الظرفية.

ثم ان الفرق بين المفهوم من لفظ النسبة و الربط و غيرهما من المفاهيم الاسمية و المفهوم من الحروف (هو الفرق) بين المفهوم و الحقيقة (فكما) ان الإنسان قد يحتاج إلى حقيقة الماء مثلا فلا يفيده تصور المفهوم (كذلك) قد يحتاج إلى مفهوم الماء فلا يفيده الحقيقة كما إذا سئل عن الماء الخارجي بما هو فانه لا يفيد السائل‏

____________

- تدل الا على ان المراد من الصلاة ليس هي الطبيعة السارية إلى كل فرد بل خصوص حصة منها سواء كانت تلك الحصة موجودة في الخارج أم معدومة ممكنة كانت أو ممتنعة و من هنا يكون استعمال الحروف في الممكن و الواجب و الممتنع على نسق واحد و بلا عناية في شي‏ء منها فنقول ثبوت القيام لزيد ممكن و ثبوت العلم للَّه تعالى ضروري و ثبوت الجهل له تعالى مستحيل فكلمة اللام في جميع ذلك يوجب تخصص مدخوله فيحكم عليه بالإمكان مرة و بالضرورة أخرى و بالاستحالة ثالثة فما يستعمل فيه الحرف ليس إلّا تضييق المعنى الاسمى من دون لحاظ نسبة خارجية حتى في الموارد الممكنة فضلا عما يستحيل فيه تحقق نسبته كما في الممتنعات و في أوصاف الواجب تعالى و نحوهما و بذلك يظهر ان إيجاد الحروف لمعانيها انما هو باعتبار حدوث الضيق في مرحلة الإثبات و الدلالة و إلّا لكان المفهوم متصفاً بالإطلاق و السعة لو كان المتكلم في مقام البيان و اما باعتبار مقام الثبوت فالكاشف عن تعلق القصد بإفادة المعنى الضيق انما هو الحرف و ما يحذو حذوه لكن المعنى مع ذلك غير إخطاري لعدم استقلاله ثم لا يخفى ان المعاني الحرفية كثيراً ما يكون اللحاظ الاستقلالي و القصد الأولى متعلقين بإفادتها و يكون ذكر الاسم مقدمة لإفادة تلك الخصوصية و التخصص فنقول في جواب من سألك عن كيفية ركوب زيد مع العلم بأصل تحققه انه ركب على الدّابّة أو مع الأمير و نحو ذلك كما هو المشهور من ان المعاني الحرفية ملحوظات آليات لا أصل له نعم نفس المفهوم الحرفي غير مستقل في ذاته كما عرفت هذا ملخص ما اخترناه في المعنى الحرفي و توضيحه يحتاج إلى بسط في الكلام لا يسعه هذا المختصر

20

إتيان ماء آخر في الخارج (بل لا بد) من الجواب بأنه ماء فالمفهوم لا يغنى عن الحقيقة (و كذلك) العكس و فيما نحن فيه أيضا قد نحتاج إلى حقيقة الربط بين كلمتين فلا يفيد قولنا زيد الربط الدار و كذلك قد نحتاج إلى مفهوم الربط كقولنا الربط متقوم بطرفين فلا يفيد قولنا من متقومة بطرفين و لأجل غاية البينونة بينهما لا يصح استعمال أحدهما في موضع الآخر و يكون المستعمل خارجا عن طريق المحاورة و حاصل الفرق بين المعاني الاسمية و الحرفية مبتن على أركان أربعة.

( (الركن الأول)) ان المعاني الحرفية بأجمعها إيجادية [1] و إلّا لكانت إخطارية فتكون هناك معان متعددة إخطارية كمفهوم زيد و دار و مفهوم النسبة الظرفية لا حقيقتها فما الرابط لهذه المفاهيم غير المربوط بعضها ببعض و لا فرق في هذا المعنى بين الهيئات الاخبارية و الإنشائية فان الربط الكلامي في كليهما وجد بالهيئة (غاية الأمر) ان المادة في الإنشاء (مع كونها) إخطارية بحيث لا يفرق بين أنحاء استعمالاته (لها) نحو إيجاد (أيضا) كما يظهر لك في الركن الثالث إن شاء اللَّه تعالى ( (الركن الثاني)) ان لازم كون المعاني الحرفية إيجادية ان لا واقع لها بما هي معان حرفية في غير التراكيب الكلامية [2] بخلاف المفاهيم الاسمية فانها مفاهيم متقررة في عالم مفهوميتها سواء استعمل اللفظ فيه أم لا (نعم) المفاهيم الامتناعية لها تقرر في مرحلة انتزاع العقل لا في مرحلة المفهومية فانه كما يمتنع حقيقة اجتماع النقيضين كذلك يمتنع حضور مفهومه في الذهن أيضاً (بداهة) عدم إمكان تصور الوجود و العدم في ان واحد بل ينتزع العقل مفهوم الاجتماع من اجتماع زيد و عمرو مثلا ثم يتصور كلا من الوجود و العدم و يضيف مفهوم الاجتماع إليهما (و كذلك) الكلام في مفهوم شريك الباري كما عن الشيخ الرئيس من انه كما يمتنع الممتنعات بحسب الوجود الخارجي كذلك بحسب الوجود الذهني أيضاً.

____________

[1] لا مقابلة بين الإيجادية و الإخطارية حتى يكون نفي الثانية مستلزماً لإثبات الأولى‏

[2] قد ظهر ما فيه مما بيناه في تحقيق المعنى الحرفي‏

21

( (الركن الثالث)) قد عرفت عدم الفرق بين الهيئات في الاخبار و الإنشاء في ان معانيها إيجادية (فمنه ظهر) ان الفرق بينهما ليس بحسب الوضع [1] (بداهة) عدم وضع لفظ بالخصوص لإفادتها بل هما من المدلولات السياقية التي يدل عليها سياق كلام المتكلم (و اما) من حيث المادة فهي في كليهما مفهوم إخطاري بمعنى ان لفظ البيع مثلا متى أطلق يفهم منه ذاك المعنى المجرد العقلاني الصادق على كثيرين (غاية الأمر) ان في الإنشاء يكون دخول الهيئة عليها موجداً لها في ضمن فرده لأن الكلي عين الفرد (و الفرق) بين هذا النحو من الإيجاد و الإيجاد في الحروف (هو ان) الحروف موجدة لمعان غير استقلالية ربطية بين مفهومين في مقام الاستعمال و لا واقع لها غير هذا المقام (كما عرفت) بخلاف البيع فان إيجاده بمعونة الهيئة ليس في عالم الاستعمال بل بتوسط الاستعمال يوجد المعنى في نفس الأمر في الأفق المناسب لوجوده و هو عالم الاعتبار فكم فرق بين إيجاد معنى ربطي في الكلام بما هو كلام و بين إيجاد معنى استقلالي في موطنه المناسب له.

( (الركن الرابع)) ان المعنى الحرفي حاله حال الألفاظ حين استعمالاتها فكما ان المستعمل حين الاستعمال لا يرى إلّا المعنى و غير ملتفت إلى الألفاظ نظير القطع للقاطع فانها هي المرأة دون المرئي فالملتفت إليه هو الواقع دونها (كذلك) المعنى الحرفي غير ملتفت إليه حال الاستعمال [2] بل الملتفت إليه هي المعاني الاسمية الاستقلالية توضيح ذلك انك (تارة) تخبر عن نفس السير الخاصّ فتقول سرت من البصرة فالنسبة الابتدائية في هذا المقام مغفول عنها (و أخرى) عن نفس النسبة فتقول النسبة الابتدائية كذا فهي الملتفت إليها (و هذا) الركن هو الركن الوطيد و بانهدامه ينهدم الأركان كلها فان المعاني الحرفية لو كان ملتفتاً إليها لكانت إخطارية و لكان لها واقعية سوى التراكيب الكلامية (و بهذا) يفرق بين المعاني النسبية و مواد العقود فانها ملتفت إليها و ان كانت النسبة إنشائية كسائر النسب الكلامية لا مغفولا عنها (و منه)

____________

[1] بل الفرق بينهما من ناحية الوضع كما سيجي‏ء بيانه إن شاء اللَّه تعالى‏

[2] قد ظهر ما في ذلك فلا نعيد

22

ظهر وجه التشبيه في كلمات القوم لكل امر غير ملتفت إليه بالمعاني الحرفية و إلّا فمن حيث الألفاظ فالجميع كذلك.

تنبيه‏

لا يخفى ان التعاريف المذكورة في كلمات القوم لم تجد فيها ما يشتمل على الأركان الأربعة التي ذكرناها الا التعريف المذكور في الرواية التي نسبت إلى مولى الكونين أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام و هو ان الحرف ما أوجد معنى في غيره فانه من حيث اشتماله على الإيجاد و على ان الموجد معنى قائم في غيره لا في نفسه قد جمع الأركان كلها و اما تبديل بعضهم لكلمة أوجد بكلمة دل فهو خطأ نشأ من توهم كون المعاني الحرفية إخطارية.

ثم ان الرواية نقلت بوجهين (أحدهما) ما ذكرنا (و الثاني) ان الحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل و لا يبعد ان يكون هذا التعريف اشتباها من الراوي فان أصل الرواية ليست من طرقنا بل من العامة و انما أخذها الخاصة منهم (مضافا) إلى ان علو المضمون من جملة المرجحات المذكورة في بابها و لا ريب في علو مضمون الرواية الأولى و دقته بحيث لم يلتفت إليه الا المحققون من المتأخرين.

تذييل و كشف قناع‏

الرواية مشتملة على اجزاء ثلاثة تعريف الاسم و الفعل و الحرف (اما تعريف الاسم) و هو قوله (عليه السلام) الاسم ما أنبأ عن المسمى فقد (ظهر) من مطاوي ما ذكرنا من ان المعاني الاسمية بجواهرها و أعراضها معان إخطارية فالاسم هو الّذي يوجب خطور معناه في ذهن السامع (و اما تعريف الحرف) (فقد بيناه) آنفا (انما الإشكال) في الفعل من جهتين (الأولى) في أصل جعل الفعل من أقسام الكلمة مع انه ليس إلّا مركبا من الاسم و هو جزئه المادي و الحرف و هو جزئه الصوري كما ان جملة من الأسماء مشتملة على المعاني الحرفية كأسماء الإشارة و الموصولات و أسماء الأفعال و الفرق بوحدة الوضع و تعدده بحسب المادة و الهيئة غير مجد في الجهة المذكورة مع ان الوضع متعدد في المشتقات الاسمية أيضاً فما هو الفارق بينها

23

و بين الأفعال (الثانية) في أخذ الحركة في التعريف و انها بأي معنى أخذت فانها ظاهرة في المعنى المقابل للسكون (و عليه) يخرج غالب الأفعال عن التعريف.

اما الكلام من الجهة الأولى فتحقيقه ان الحروف وضعت بإزاء نسب خاصة كلامية و لذا لا تقع محكوما عليها و لا محكوماً بها بخلاف الأسماء فانها من جهة استقلالها بالمفهومية قابلة لكليهما و الفعل واسطة بينهما بشهادة انه لا يقع مسنداً إليه بل يقع مسنداً دائماً فهو متوسط حقيقة بين الاسم و الحرف لا محالة.

و توضيح ذلك يتوقف على بيان (مقدمة) و هي ان مادة المشتقات ليست بمصادر و لا أسمائها (بداهة) ان كلا منهما أخذت فيه خصوصية خاصة و هي ملاحظة العرض بما هو عرض في المصادر و بما هو شي‏ء من الأشياء في أسمائها و كل من الخصوصيّتين بالإضافة إلى الأخرى و إلى بقية الخصوصيات المأخوذة في باقي المشتقات مباينة فلا يعقل ان يكون بعضها مادة لبعض آخر بل المواد هي المأخوذة لا بشرط من جميع الخصوصيات كما في الهيولى المبهمة بالإضافة إلى صورها فالمادة في حد ذاتها غير متحصلة بتحصل بل يعرضها التحصل من إضافة الهيئات إليها (فتارة) تلحظ عند عروض الهيئة لها بما هي شي‏ء فتسمى باسم المصدر و يخبر عنه و به فيكون مفهوما استقلاليا (و أخرى) مع خصوصية كونها عرضاً فيكون مصدراً (و ثالثة) بما هي متحدة مع الذات فيكون مشتقا اسمياً بأنحاء الاشتقاق و في كل ذلك قابل لأن يكون طرفا للنسبة بالحكم عليه أو به (و رابعة) بما هي متحصلة من جهة الإسناد فقط و بهذه الملاحظة تكون مادة الأفعال فهي بالدقة تكون في التحصل واسطة بين الحروف و الأسماء فان المعاني الحرفية من جهة عدم استقلالها غير قابلة للتحصل في نفسها و الأسماء قابلة له مطلقا و اما الأفعال فهي قابلة له من جهة الإسناد فقط فالحروف لا تقبل التحصل أصلا و الأسماء قابلة (مطلقا) و الأفعال من جهة الإسناد فقط.

و أما الكلام من الجهة الثانية فتحقيقه [1] ان المراد من الحركة هو الخروج من‏

____________

[1] ما ذكره (قدس اللَّه سره) في تحقيق خروج مادة الأفعال من قابلية الاستقلال إلى الفعلية بعروض الهيئة عليها و ان كان معنى دقيقا إلّا انه لا يمكن ان يكون هو المراد من الرواية فان مدلول الرواية هو ان الفعل ينبئ عن حركة المسمى و من الواضح ان الحركة بالمعنى المزبور هو ما به قوام الفعل و تحققه لا انها مدلوله و لا بد لنا في هذا المقام من توضيح مفاد-

24

العدم إلى الفعلية (و بيانه) ان الأسماء كما ان معانيها معان إخطارية (كذلك) هي بنفسها ألفاظ استقلالية (و الحروف) و ان لم تكن معانيها مستقلة في حد ذاتها و لا قابلة لعروض الاستقلال لها (إلّا انها) في غير الهيئات كلمات استقلالية و الأفعال هيئاتها من جملة الحروف كما بينا و اما بحسب المادة فهي كما عرفت لا تحصل لها في حدّ ذاتها لا لفظاً و لا معنى إلّا انها قابلة للتحصل بعروض الهيئة عليها فهي من جهة كونها في حد ذاتها غير مستقلة تشبه بالحرف بل هي أردأ من الحرف لأن الحرف مستقل من جهة اللفظ دونها و اما من جهة كونها قابلة للتحصل و لو بعروض الهيئة النسبية عليها بالاسم (غاية الأمر) ان الأسماء مستقلات في حد أنفسها سواء كانت في ضمن التراكيب الكلامية أم لا

____________

- الهيئات على الإطلاق حتى يتضح مداليل الأفعال خبرية و إنشائية فنقول قد عرفت ان الحروف انما وضعت لإفادة التضييق في المعاني الاسمية من دون ان يكون شي‏ء منها دالا على النسبة الخارجية و من هذا القبيل هيئات المشتقات و الإضافة و التوصيف و ما يلحق به فانه لا يستفاد منها الا التضييق في عالم المفاهيم مع قطع النّظر عن الإمكان و عدمه فضلا عن الوقوع الخارجي و اما هيئة الجملة الاسمية فهي غير موضوعة للنسبة الخارجية كما هو المعروف لعدم وجود النسبة في كثير من الجمل الاسمية كما في قولنا الإنسان ممكن أو موجود و شريك الباري ممتنع و نحو ذلك و دعوى إعمال العناية في جميع ذلك خلاف الوجدان هذا مع ان فائدة الوضع هو الانتقال من اللفظ إلى المعنى و من الواضح ان الجملة الخبرية بما هي كذلك لا كاشفية لها عن تحقق النسبة في الخارج و لو ظنا فما معنى كون الهيئة موضوعاً لها نعم ان الجملة الاسمية توجب الانتقال إلى ثبوت المحمول للموضوع بنحو التصور لكنه لا يستفاد من الهيئة فان الجملة تصديقية لا تصورية و دعوى ان الهيئات موضوعة للنسب الكلامية كالحروف قد عرفت ما فيها فالصحيح ان مدلول الهيئة في الجمل الاسمية انما هو إبراز قصد الحكاية عن ثبوت المحمول للموضوع أو نفيه عنه فهو مصداق للمبرز خارجاً بالجعل و المواضعة بيان ذلك ان اللفظ بما انه فعل اختياري صادر من المتكلم فلا بد و ان يكون صدوره عنه بداع من الدواعي و وضع اللفظ للمعنى الّذي هو عبارة عن التعهد و الالتزام بأنه متى قصد تفهيم معنى يجعل مبرزه لفظاً مخصوصاً يوجب دلالة اللفظ على كون الداعي إلى إيجاده هو قصد الحكاية عن ثبوت المحمول للموضوع مثلا فتكون الجملة بنفسها مصداقا للحكاية كما إذا قصد الاخبار عن قيام زيد بتحريك الرأس و نحوه و الكلام بما انه دال على معناه لا يتصف بالصدق و الكذب فان دلالته على قصد-

25

و الأفعال لا تكون مستقلة الا بعروض الهيئة النسبيّة الموضوعة بوضع على حدة (و بهذا) تفترق عن المشتقات فان هيئاتها و ان كانت موضوعة بوضع آخر إلّا ان تلك الهيئات تفيد معاني اسمية غير نسبية فالهيئة مع المادة لا تفيد الا معنى واحدا بسيطاً مجرداً في عالم العقل فيصح ان يقال ان الأفعال تخطر معاني مستقلة بلحاظ حركتها و خروجها عن قابلية الاستقلال إلى الفعلية من جهة عروض الهيئة عليها بخلاف الأسماء التي اشرب فيها معاني الحروف كأسماء الإشارة و أسماء الأفعال لأنها غير مشتملة على مادة و هيئة موضوعتين بوضعين حتى تخرج المادة إلى الفعلية بعروض الهيئة عليها (و اما) المشتقات (فقد عرفت) حالها (و هذا) الّذي ذكرناه هو الصحيح (لا ما يقال) من ان الحركة و ان كانت بمعنى الخروج من القوة إلّا ان المراد منها فيما نحن فيه هو الخروج من قوة الوجود إلى الفعلية (فالأفعال) تنبئ عن خروج المادة من العدم إلى الوجود فان لازمه ان يكون المراد من‏

____________

- الحكاية لا ينفك عنه أبدا إذا لم تكن قرينة على خلافه حتى ان المتكلّم لو لم يكن قاصدا للحكاية في الواقع لكان تكلمه بلا قرينة على خلاف بعهده و التزامه و الدلالة موجودة لا محالة اما قطعاً و اما من جهة الظهور النوعيّ بل الاتصاف بالصدق و الكذب انما هو من ناحية المدلول فان الحكاية و الاخبار عن الثبوت أو النفي ان طابق الواقع و نفس الأمر فهي صادقة و إلّا فكاذبة و اتصاف الكلام بهما انما هو بتبع المدلول و على كل من تقديري الصدق و الكذب يكون دلالة اللفظ على معناه و هو كون الداعي إلى إيجاده هو قصد الحكاية على نسق واحد فهيئة الجملة الاسمية موجدة للحكاية حقيقة فان الفعل الصادر بداعي الحكاية يكون مصداقاً لها لا محالة كما انه لو وقع بداع آخر من الإرشاد و السخرية و غيرهما لكان مصداقاً له و اما الأفعال فهيئة الفعل الماضي تدل على قصد الحكاية عن تحقق المبدأ سابقاً على التكلم كما ان هيئة الفعل المضارع تدل على تلبس الذات بالمبدإ في حال التكلم أو بعده و لذا لو استند الفعل الماضي أو المضارع إلى الزمانيات لدل على تحقق الفعل في الزمان الماضي أو في خصوص الحال أو الاستقبال و إلّا فالهيئة بما هي كذلك لا تدل على الزمان أصلا على ما سنبين ذلك في محله إن شاء اللَّه تعالى و اما الإنشائيات فالتحقيق فيها ان حقيقة الإنشاء ليست عبارة عن إيجاد معنى كالطلب و غيره باللفظ كما هو المعروف فان الوجودات الحقيقية للمعاني لا يمكن إيجادها إلّا بأسبابها الخارجية و اللفظ ليس منها بالضرورة و اما الوجودات الاعتبارية فاعتبار نفس المتكلم قائم بنفسه و لا دخل لوجود اللفظ في تحققه أصلا و هو ظاهر-

26

المسمى في تعريف الاسم هو المعنى الإخطاري و في تعريف الفعل هو المعنى الحدثي القابل للخروج من العدم إلى الوجود و السياق ينافي ذلك (و لكن) ما ذكرنا من التحقيق أيضاً (مبنى) على ان يكون ذلك المعنى للحركة معنى عرفيا كما هو ليس ببعيد بل يمكن ان يكون إطلاق الحركة على ما يقابل السكون من جهة كونها أحد مصاديق المفهوم العام و لذا يطلق على الأمور غير القابلة للحركة الأينية أيضاً كالغضب و أمثاله‏

و اما المقام الثاني فقد اختلف فيه كلمات القوم على وجوه ثلاثة

(الأول) كون كل من الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه عاماً (الثاني) كون الوضع عاماً مع كون كل من الموضوع له و المستعمل فيه خاصاً (الثالث) كون المستعمل فيه فقط خاصاً (اما القول الأول) فقد اختاره المحقق صاحب الحاشية تبعاً للمحقق الرضي (قدس سرهما) و وجدناه في بعض تقريرات أستاذ الأساتيذ الأنصاري (قده) و لم يعرف المقرر بشخصه (و اما القول الثاني) للمحقق الشريف و تبعه صاحب الفصول و جماعة (و اما القول الثالث) فقد رفضه المحققون فان وضع اللفظ لمعنى يستحيل استعمال اللفظ فيه و لا بد من استعماله‏

____________

- و اما الاعتبارات العقلائية فالإنشاءات و ان كانت موضوعات لتلك الاعتبارات إلّا ان تلك الاعتبارات مترتبة على قصد المعاني بها و الكلام فعلا في بيان ذلك و انه كيف يوجد باللفظ بل (الصحيح) ان الإنشاء حقيقة هو إبراز امر نفساني باللفظ غير قصد الحكاية فالمتكلم بمقتضى تعهده و التزامه يكون اللفظ الصادر منه مبرزاً لاعتبار من الاعتبارات القائمة بنفسه و انه هو الداعي لإيجاده فكما ان في الجملة الخبرية كان اللفظ دالا بالدلالة الوضعيّة على قصد الحكاية و كان مبرزاً له عن الخارج فكذلك الجملة الإنشائية تكون دالة على اعتبار خاص و يكون مبرزاً فهيئة افعل بمقتضى التعهد المزبور تكون مبرزة لاعتبار الوجوب و كون المادة على عهدة المخاطب فالاخبار و الإنشاء يشتركان في تحقق الإبراز بهما و الفرق بينهما هو ان المبرز في الاخبار حيث انه عبارة عن قصد الحكاية و هو متصف بالصدق أو الكذب فالجملة تتصف بأحدهما أيضا لا محالة بالتبع و هذا بخلاف المبرز في الإنشاء فانه اعتبار خاص لا تعلق له بوقوع شي‏ء و لا بعدمه فلا معنى للاتصاف بالكذب و الصدق من ناحية المدلول و قد عرفت ان الدلالة بما هي كذلك لا تتصف بشي‏ء منهما مطلقا كانت الجملة خبرية أو إنشائية و يترتب على ما ذكرناه-

27

أبداً في معنى آخر غير معقول و حديث اشتراط الواضع قد عرفت ما فيه (فالمهم في المقام (بيان) الوجهين الأولين فنقول ليس المراد من الكلية و الجزئية في المقام ما هو المتبادر منها في المفاهيم الاسمية من قابلية الصدق على الكثيرين و عدمها كما توهمه المحقق صاحب الكفاية (قده) فأورد على القائلين بكون الموضوع له خاصا بأن ما يستعمل فيه الحروف غالبا لا يكون خاصا كما في مثل سر من البصرة إلى الكوفة فان ما يستعمل فيه الحروف كما عرفت في المقام الأول ليس إلّا النسب الرابطة في الكلام بحيث إذا أعيد الكلام مرة ثانية تكون النسبة مغايرة للأولى و هذه النسبة يستحيل صدقها على الخارج حتى تتصف بالكلية و الجزئية باعتبار الصدق و عدمه و بعبارة واضحة المفهوم الاسمي و الحرفي متعاكسان فان المفهوم الاسمي له خارج يطابقه و لو فرضاً فاما ان يكون الوضع لنفس المفهوم أو لمصاديقه بخلاف المفهوم الحرفي فانه متقوم بطرفي الكلام و يستحيل صدقه على موطن آخر غير موطنه الكلامي بل هو من جملة ما ينطبق عليه المفهوم الاسمي كمفهوم النسبة الصادق على النسبة الخارجية و الكلامية فالمفاهيم الاسمية مفاهيم منطبقة و المفاهيم الحرفية مما ينطبق غيرها عليها لا

____________

- في بيان الفرق بين الإنشاء و الاخبار ان الاختلاف بينهما من ناحية الوضع فما هو المعروف من كون المستعمل فيه فيهما واحداً و انما يفترقان من ناحية الدواعي للاستعمال لا يمكن المساعدة عليه مع انه لو كان الأمر كذلك لصح استعمال الجملة الاسمية في مقام الطلب كالجملة الفعلية مع انه لا يصح قطعاً فيكشف ذلك عن خصوصية خاصة في الأفعال دون غيرها إذا عرفت ذلك فنقول ان مادة الأفعال في حد ذاتها بما انها لا بشرط و لم يؤخذ فيها التحقق و لا عدمه و لا كونه متعلقا لاعتبار من الاعتبارات و لا عدمه لكنها في نفسها قابلة لعروض شي‏ء منها عليها و المنبئ عن خروج هذه القابلية إلى الفعلية و كون المادة متعلقة للحكاية عن تحققها في الخارج أو عن عدم تحققها فيه أو متعلقة لاعتبار من الاعتبارات هي هيئات الأفعال فهيئة الفعل الماضي مثلا تدل على ان مادة الفعل قد تعلق بها قصد الحكاية عن تحققها في الخارج فهي منبئة عن حركة المسمى لا محالة و هذا المعنى و ان كان مشتركا فيه بين الأفعال و الجمل الاسمية إلّا ان الجعل الاسمية خارجة عن المقسم في الرواية فانها مركبة من كلمتين فصاعداً و الكلام انما هو في تقسيم الكلمة و عليك بالتدبر في أطراف ما ذكرناه لعلك تنتفع به إن شاء اللَّه تعالى‏

28

هي على غيرها بل المراد من الكلية و الجزئية في المعاني الحرفية هو ان ما يتقوم به النسبة الكلامية و هي أطراف الكلام كما انها خارجة عن حريم المعنى الحرفي فهل التقيدات أيضا خارجة حتى يكون الموضوع له واحدا و كليا أم هي داخلة في الموضوع له حتى يكون المعنى متعدداً و الموضوع له خاصا (و بعبارة أخرى) المفاهيم الحرفية كما عرفت لا محالة معان غير استقلالية بل إيجادية فلا بد في مقام الوضع لها من تصور مفاهيم اسمية عامة كمفهوم النسبة الابتدائية فيكون الوضع لا محالة عاما (ثم ان) الموضوع له (اما ان) يكون تلك المفاهيم الربطية الكلامية بخصوصياتها فيكون الموضوع له خاصا (أولا فيكون عاما و هذا معنى كلام الفصول حيث قال و يحتمل خروج القيد و التقيد (ثم ان) إطلاق الجزئي الإضافي على المفاهيم الحرفية بلحاظ انها بالإضافة إلى المفهوم الاسمي جزئية و اما بالإضافة إلى موارد استعمالاتها فلا محالة تكون كلية (و لكنه) مع ذلك أيضا مما لا محصل له فان المعنى الحرفي كما عرفت ليس بصدقي بل يوجد في مورد الاستعمال بنفس الاستعمال و ان كان التقيد خارجا أيضا

إذا عرفت ذلك (فالحق) ان الموضوع له فيها كالوضع عام [1] فكما ان المفاهيم العرضية لا تحتاج في مقام ماهياتها إلى موضوع بل في مقام وجودها (فكذلك) المفاهيم الحرفية لا تحتاج في مقام مفهوميتها إلى خصوصية الطرفين بل في مقام استعمالاتها فالموضوع له فيها هو المعنى الواحد بالهوية المشتركة بين جميع موارد الاستعمالات و الخصوصية انما نشأت من ناحيتها.

و توضيح ذلك ان المفاهيم الحرفية كما عرفت قائمة بالمفاهيم الاسمية نظير قيام الاعراض بموضوعاتها (فكما) ان الخارجيات لها جواهر و أعراض (فكذلك) المفاهيم فالمفاهيم الاسمية بأنواعها معان استقلالية جوهرية و المعاني الحرفية معان عرضية قائمة

____________

[1] معاني الحروف على ما عرفت ليست إلّا تقييدات للمعاني الاسمية و تضييقات في ناحيتها و خصوصيات الأطراف و ان كانت خارجة عن مداليلها و بهذه الملاحظة يكون الموضوع له كالوضع عاماً إلّا ان واقع التضيق الّذي هو المعنى الحرفي حيث انه في كل مورد مغاير للتضيق في مورد آخر فلا مناص في مقام الوضع من تصور مفهوم اسمي كمفهوم التضيق بلحاظ ظرف الشي‏ء مثلا فيوضع اللفظ بإزاء واقعه و من هذه الجهة لا بد من كون الموضوع له خاصاً و هو ظاهر

29

(بها فكما) ان الاعراض في مقام تحصلها و قوامها لا تحتاج إلى موضوع و ان ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز لبساطتها فهي في كل مرتبة بسيطة (فكذلك) المفاهيم الحرفية أيضاً بسائط في مقام مفهوميتها و يحتاج في مقام وجودها في عالم الاستعمال إلى مفاهيم اسمية حتى تتحقق بها ففرق بين التحصل و التحقق (فما يقال) في ان المفاهيم الحرفية حيث انها معان عرضية و العرض لا يتقوم إلّا بموضوع فلا بد و ان تكون الخصوصيات داخلة في حقيقته (قد ظهر جوابه من ان قوام العرض بموضوعه في الوجود لا في التحصل و في مقام الماهية (و اما الاستدلال) على جزئية المعاني الحرفية بأنها إيجادية و الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد [1] (فهو مبتن) على عدم وجود الكلي الطبيعي في الخارج أصلا و ان الموجود في الخارج هي الأشخاص أو على ان الكلي و ان كان موجوداً إلّا انه لا بد و ان يتشخص في رتبة سابقة على الوجود حتى يوجد في الخارج فان بناء عليهما حيث ان المعاني الحرفية إيجادية و الإيجاد يستحيل تعلقه بالكلي فيستحيل ان يكون الكلي موضوعا له (و اما إذا) قلنا بان الكلي موجود في الخارج و التشخص مساوق الوجود في مرتبته كما هو التحقيق لأن متعلق الوجود و التشخص شي‏ء واحد فعليه يكون الموضوع له نفس الكلي و ان كان عين وجوده متشخصا بخصوصيات الطرفين إلّا ان تلك الخصوصيات في لوازم الوجود لا الماهية (و من الغريب) ان المحقق الرشتي (قده) بنى في مسألة وجود الكلي الطبيعي على ما بنينا عليه و مع ذلك غفل في مسألة الحروف عن ذلك و قال ان إيجادية المعاني الحرفية تستدعى جزئية معانيها فان الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد.

بقي هناك أمور

(الأول) في بيان ان استعمال الألفاظ في المعاني المجازية تابع للوضع النوعيّ أم لا

(فنقول) حقيقة الوضع كما عرفت سابقاً ليس إلّا جعل اللفظ بالجعل المتوسط بين التكويني و التشريعي وجوداً بالقوة للمعنى (ثم) انه (كما) ينقسم باعتبار الموضوع له إلى كلي و شخصي (فكذلك) ينقسم باعتبار اللفظ إلى كلي و شخصي‏

____________

[1] قد عرفت معنى الإيجادية في المعاني الحرفية و انه لا تنافي بينه و بين إنباء الحروف عن تضييق المفاهيم الاسمية في عالم مفهوميتها و عليه فلا وجه لدعوى جزئية المعاني الحرفية ببرهان ان الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد و لا للجواب عنها بان التشخّص من ناحية الوجود و إلّا فنفس الكلي الطبيعي موجود في الخارج‏

30

فان الموضوع تارة يكون لفظاً مستقلا بنفسه فيكون الوضع شخصياً (و أخرى) لا يكون كذلك بل امراً لا تحصل له في حد ذاته كمواد المشتقات و هيئاتها على ما عرفت مفصلا فيكون الوضع نوعياً فالمشتقات وضعها عام من جهة الموضوع و الموضوع له في المادة و الهيئة (ثم) ان الاستعمال ليس إلّا إيجاد المعنى البسيط العقلاني في الخارج كما أشرنا إليه سابقاً فكأنه إلقاء للمعنى في الخارج و اللفظ غير ملتفت إليه الا تبعا نظير الوجوب المقدمي فهذا الإلقاء (تارة) يستند إلى الجعل و المواضعة كما في الاستعمالات الحقيقية (و أخرى) إلى حسنه بالطبع لأجل غاية المناسبة بين المستعمل فيه و المعنى الحقيقي بحيث يوجب صحة تنزيل أحدهما منزلة الآخر في استعمال اللفظ فيه أو جعله فرداً ادعائياً له كما ادعاه السكاكي و على كل تقدير فبعد وجود المناسبة المذكورة لا يحتاج إلى ترخيص من أحد أصلا فالقول بان الاستعمالات المجازية تابعة للترخيص النوعيّ مما لا محصل له (ثم) ان استعمال اللفظ في نوعه أو صنفه أو مثله من هذا القبيل أيضاً [1] بمعنى ان حسنه بالطبع و الوجدان و حقيقة الاستعمال في الجميع على نحو واحد فان المتكلم يلتفت إلى طبيعة لفظ زيد أولا ثم حين الاستعمال يكون اللفظ الّذي هو من افرادها حقيقة مغفولا عنه بحيث لا يرى إلّا نفس الطبيعة و لا يلقى في الخارج الا إياها كالاستعمال في المعاني عيناً (غاية) الأمر ان المفني فيه في الاستعمال الحقيقي أو المجازي أمور متغايرة لطبيعة الألفاظ و فيما نحن فيه من سنخها و حقيقة الاستعمال في الجميع واحدة و الفرق ان مصحح الفناء في الاستعمال الحقيقي جعل الواضع و في الاستعمال المجازي شدة مناسبة المعنى المجازي مع الحقيقي و فيما نحن فيه كون اللفظ الملقى بنفسه متحداً مع المفني‏

____________

[1] قد عرفت سابقاً ان الحروف وضعت لتضييق المفاهيم الاسمية فان كان المفهوم لا يمكن إحضاره في ذهن المخاطب إلّا باللفظ فيكون إحضار ذات المعنى بالاسم و إفادة تضييقه بحرف من الحروف و اما إذا أمكن إحضاره بنفسه من دون دال آخر فلا يحتاج إلى الاستعمال أصلا غاية الأمر انه في فرض تعلق القصد بإفادة المعنى المضيق يكون الدال على التضييق هو الحرف أيضاً فإذا قلت زيد في ضرب زيد فاعل فقد أوجدت طبيعي لفظ زيد في الخارج بناء على وجود الكلي الطبيعي بوجود فرده و أحضرته في ذهن المخاطب بنفسه غاية الأمر ان قصد المتكلم تعلق بإفادة حصة خاصة من ذلك الطبيعي و قد جعل الدال عليه هو الحرف و عليه لا يبقى لدعوى استعمال اللفظ في النوع أو المثل أو الصنف مجال أصلا

31

فيه خارجاً و الارتباط بينهما أشد من الارتباط الجعلي (و مما ذكرنا) تعرف امتناع الاستعمال في شخص نفسه فانه لا اثنينية (ح) حتى يمكن فناء شي‏ء في شي‏ء (و اما ما ذكره صاحب الفصول) في مقام الامتناع من اتحاد الدال و المدلول من دون تأويل في البين أو تركب القضية من جزءين (فلا وجه له) فان التأويل أو اتحاد الدال و المدلول فرع إمكان الاستعمال و هو منتف فيما نحن فيه رأساً (و مع قطع النّظر عما ذكرنا) نمنع تركب القضية من جزءين بل هي مركبة من اجزاء ثلاثة غاية الأمر ان موضوع القضية هو نفس الموضوع الواقعي (و بالجملة) صحة الاستعمال في مواردها تارة تكون معلولة (للاتحاد الجعلي) الناشئ من الوضع أو من المناسبة بين المستعمل فيه و الموضوع له (أو للاتحاد الذاتي) و الأخير أقوى من الأولين و وجهه واضح فلا يحتاج إلى جعل و تعيين (مضافا) إلى ان صحة الاستعمال كذلك موجودة في المهملات أيضاً و كونها مجعولة و موضوعة ينافي كونها مهملة.

الأمر الثاني في ان الدلالة تابعة للإرادة أم لا

[1] (و لبيان موضع النزاع (لا بد) من ان يقال ان الدلالة اما تصورية و اما تصديقية (اما الأولى) فهي عبارة عن نفس خطور المعنى في الذهن عند تصور اللفظ و هذه مما لا شبهة في عدم كونها تابعة للإرادة بل الإرادة تابعة للدلالة أي كون اللفظ بحيث إذا سمع ينتقل منه إلى المعنى (و اما الثانية فهي عبارة عن الدلالة على كون معاني الألفاظ مما تعلقت بها الإرادة الجدية (و كلام العلمين ((قدس سرهما)) في التبعية (ناظر) إلى المقام الثاني فيخرج بذلك الاستعمال الكنائي من الدلالات‏

____________

[1] مقتضى ما اخترناه في معنى الوضع هو ان يكون طرف الالتزام هو قصد تفهيم المعنى باللفظ إذ لا معنى للالتزام بكون اللفظ دالا على معناه و لو صدر من لافظ من غير شعور و اختيار فانه غير اختياري فلا يعقل ان يكون طرفاً للالتزام و التعهد و عليه فلا مناص من الالتزام بكون الدلالة الوضعيّة مختصة بصورة قصد التفهيم و إرادة المعنى من اللفظ سواء كانت الإرادة جدية أم استعمالية و ما يرى من الانتقال إلى المعنى عند سماع اللفظ و لو كان اللافظ بلا شعور و اختيار فهو من جهة الأنس الحاصل من الاستعمال كثيراً لا من جهة العلقة الوضعيّة و من ثم يتحقق هذا الانتقال حتى مع تصريح الواضع باختصاص العلقة الوضعيّة بما ذكرناه هذا مع ان فائدة الوضع هو التفهيم فلا موجب لجعل العلقة الوضعيّة على الإطلاق و كلام العلمين في بحث الدلالات الثلث صريح فيما ذكرناه فراجع‏

32

الوضعيّة فانها تابعة لأن تكون المعاني مرادة جدية و ليس الأمر في الكناية كذلك (و اما لو قلنا) بعدم التبعية (فلا فرق) بين الاستعمال الكنائي و غيره في كون الدلالة اللفظية على المعاني وضعية (غاية الأمر ان) الإرادة الجدية أي الغرض من استعمال اللفظ في المعنى (في أحدهما) متعلقة بالمعاني الموضوع لها الألفاظ (و في الآخر) متعلقة بلوازمها (فتدبر) حتى لا تتوهم ان مرادهما تبعية الدلالة التصورية للإرادة التي لا يتفوه بها عاقل فضلا عن مثلهما

الأمر الثالث في ان للمركبات وضعاً أم لا

(و المراد من وضع المركبات (هو) وضع الهيئات التركيبية الاسمية في الكلام العربي [1] كزيد قائم فانه وقع النزاع في ان الموضوع للربط الكلامي (هل هو الإعراب) كما ذهب إليه بعض و أورد عليه بان الإعراب مشترك بين هذا النحو من التركيب و بقية التراكيب أو انه هو الضمير المقدر) أي لفظة هو كما اختاره جماعة من أهل الميزان (و أورد عليه) بأنه موضوع لمفهوم استقلالي اسمي فلا يكون مفيدا للمعنى الحرفي أو انه الهيئة التركيبية كما هو المختار للمحققين «و اما الجمل الآخر» كضرب زيد أو كان زيد قائما «فالمفيد» للربط فيها هي هيئة الفعل بأنواعها و قد يكون الدال على الربط أحد الأفعال الناقصة كلفظ كان مثلا و لو كان للهيئة التركيبية في الجمل الفعلية وضع على حدة «لزم» إفادة المعنى الواحد مرتين و هو غير معقول (و اما ما يتوهم) من ان المراد من وضع المركبات وضع المركب بما هو مركب (فغير صحيح و لا يمكن ان ينسب إلى أحد من العقلاء فضلا عن العلماء (و منه ظهر) انه لا معنى لكون المجاز في المركب بما هو مركب إذ المجازية فرع وجود الموضوع له و هو في المركب غير موجود (نعم) يجوز التشبيه فيه (اما) من حيث تشبيه المجموع بالمجموع أو من حيث تشبيه كل من اجزاء أحدهما بما يقابله من اجزاء الآخر كما في قوله تعالى (مثلهم كمثل الّذي استوقد نارا) إلى (آخر الآية) (و اما توهم) ان الآية المباركة و ما ماثلها من الآيات من قبيل المجاز في المركب (كتوهم) ذلك في قولهم أراك تقدم رجلا

____________

[1] لا يختص وضع الهيئة التركيبية بخصوص هيئة الجملة الاسمية بل الخصوصيات المستفادة من الكلام الزائدة على ما يستفاد من هيئة الفعل كصدور الفعل من عيسى في قولك أعان عيسى موسى أو الحصر المستفاد من قوله تعالى إياك نعبد إلى غير ذلك كلها يستفاد من هيئات الجمل فما أفاده (قدس اللَّه سره) في معنى ثبوت الوضع للمركب و ان كان وجيهاً إلّا ان تخصيصه ذلك بخصوص الجملة الاسمية لا وجه له‏

33

و تؤخر أخرى (فغير صحيح) لما عرفت من انه غير معقول (بل التحقيق) ان المستعمل فيه في جميع ما ذكر هي المعاني الحقيقية اما على سبيل التشبيه أو الكناية و يمكن ان يكون المثل المتقدم جارياً على نهج كل منهما و على كل حال فليس الاستعمال في مثل هذه التراكيب بنحو المجاز

الأمر الرابع في الحقيقة الشرعية

(لا يخفى) ان البحث في هذه المسألة لا يترتب عليه ثمرة أصلا فانه (و ان) ذكر بعض ثمرة له و هو حمل الألفاظ المستعملة بلا قرينة على المعنى اللغوي بناء على عدمها و على المعنى الشرعي بناء على ثبوتها (إلّا) ان التحقيق انه ليس لنا مورد نشك فيه في المراد الاستعمالي أصلا (ثم ان) الكلام تارة يقع في الوضع التعييني و أخرى في التعيني (اما الأول) فهو مقطوع بعدمه إذ لو كان الشارع المقدس قد وضع هذه الألفاظ لمعانيها الشرعية بنحو التعيين لبينه لأصحابه و لو بينه لهم لنقل إلينا لتوفر الدواعي إلى نقله و عدم المانع منه فلا يقاس ذلك بالنص على الخلافة الّذي أخفوه مع التصريح به و ذلك لثبوت الداعي إلى الكتمان هناك دون المقام (و توهم) إمكان الوضع بنفس الاستعمال [1] كما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) (مدفوع) بان حقيقة الاستعمال كما بيناه إلقاء المعنى في الخارج بحيث يكون الألفاظ مغفولا عنها فالاستعمال يستدعى كون الألفاظ مغفولا عنها و توجه النّظر إليه بتبع المعنى بخلاف الوضع‏

____________

[1] قد عرفت فيما تقدم ان حقيقة الوضع ليست إلّا عبارة عن الالتزام و التعهد بأنه متى ما تعلق إرادة المتكلم بإفادة معنى خاص ان يبرز ذلك بلفظ مخصوص كما هو المختار أو انه اعتبار نفساني قائم بها نظير بقية الاعتبارات القائمة بمعتبرها و على كل حال فالوضع سابق على الاستعمال لا محالة و عليه فلا يكون الوضع بنفس الاستعمال حتى يرد عليه استحالة الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي في آن واحد بل يكون الاستعمال كاشفاً عن الوضع فيما إذا كان هناك قرينة على ذلك و من هنا يظهر ان ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من عدم كون هذا الاستعمال بحقيقة و لا مجاز لا وجه له و الظاهر ان دعوى القطع بثبوت الوضع التعييني بهذا النحو قريبة جداً و مع قطع النّظر عن ذلك أيضا فلا ينبغي الريب في ثبوت الوضع التعيني في الألفاظ التي كثر استعمالها في المعاني الشرعية حتى في زمان النبي (صلى اللَّه عليه و آله) فان منشأ الوضع التعيني لا يختص بخصوص كثرة الاستعمال في لسانه (صلى اللَّه عليه و آله) بل يكفي في ثبوته كثرة الاستعمال في لسانه و لسان تابعيه بحيث يكون دلالة اللفظ على المعنى الشرعي غير محتاجة إلى القرينة

34

فانه يستدعى كون اللفظ منظوراً إليه باستقلاله و من الواضح انه لا يمكن الجمع بينهما في آن واحد (و اما الوضع التعيني فهو بالنسبة إلى زمان الصادقين (عليهما السلام) (مقطوع به) إلّا انه لا طريق لنا إلى إثباته في زمان النبي (صلى اللَّه عليه و آله) حتى تثبت الحقيقة الشرعية و عليه تكون الألفاظ المستعملة في زمانه (صلى اللَّه عليه و آله) مجملات (و اما ما يقال) كما عن صاحب الكفاية «قده» ان ثبوت الحقيقة الشرعية فرع كون هذه المعاني مستحدثة و هو خلاف التحقيق على ما يظهر من جملة من الآيات «فيرده» ان جملة من المعاني و ان كانت ثابتة في الشرائع السابقة أيضاً كالحج فانه كان في عصر الخليل (عليه السلام) إلّا انها لم تكن يعبر عنها بهذه الألفاظ بل بألفاظ آخر قطعاً «و اما لفظ الصلاة» فانه و ان كان مذكوراً في إنجيل برنابا إلّا ان المستعمل فيه في غير عصر نبينا (صلى اللَّه عليه و آله) كان هو المعنى اللغوي فان صلاة المسيح لم تكن الا مركبة من أدعية مخصوصة فالألفاظ المستعملة في الشرائع السابقة لم يكن المراد منها هذه المعاني الشرعية و المعاني الموجودة في الشرائع السابقة لم يكن يعبر عنها بهذه الألفاظ و عليه فلا يكون ثبوتها في الشرائع السابقة مانعاً عن ثبوت الحقيقة الشرعية

الأمر الخامس في ان ألفاظ العبادات (هل هي) أسام للصحيح (أو الأعم)

و لنقدم لتحقيق الحال فيها مقدمات‏

(الأولى) ان النزاع المذكور كما انه يجري على القول بثبوت الحقيقة الشرعية كذلك يجري على القول بعدمها (اما) على الأول فواضح (و اما) على الثاني (فانه) يقع الكلام في ان المعاني الشرعية التي استعمل فيها الألفاظ مجازاً و لوحظ العلاقة بينها و بين المعاني اللغوية (هل هي) المعاني الصحيحة (أو) الأعم منها و بعبارة أخرى لا إشكال في ثبوت الحقيقة في لسان المتشرعة في زماننا هذا تبعاً للاستعمالات الشرعية بنحو الحقيقة أو المجاز فيقع الكلام في ان المعاني التي يستعمل الألفاظ فيها في عرفنا (هل هي) الصحيحة (أو) الأعم (الثانية) ان الصحة (و ان) فسرت بموافقة الشريعة تارة و بإسقاط الإعادة و القضاء أخرى (إلّا انهما) من باب التفسير باللوازم و إلّا فمعنى الصحة واحد و هي التمامية التي يعبر عنها بالفارسية بدرستى (الثالثة) ان التمامية المبحوثة عنها (تارة) تلاحظ بالإضافة إلى الاجزاء وحدها (و أخرى)

35

بإضافة الشرائط المأخوذة في المأمور به إلى اجزاء العبادة (و ثالثة) بإضافة عدم المزاحم الموجب لانتفاء الأمر فيكون الصحيح هو المركب الجامع للاجزاء و الشرائط مع عدم كونه مزاحماً بواجب آخر (و رابعة) بإضافة عدم النهي إلى ما ذكر (و خامسة) من جهة إضافة قصد التقرب بالعبادة إلى جميع ما تقدم اعتباره في التسمية (و التحقيق) ان يقال انه لا وجه لاختصاص النزاع بالاجزاء قطعاً بل يجري النزاع في دخول الشرائط في المسمى و عدمه أيضاً (و اما) عدم المزاحم الموجب لعدم الأمر (أو عدم) النهي (فكلاهما) خارجان عن محل النزاع (بداهة) انهما فرع المسمى حتى ينهى عنه أو يوجد له مزاحم فينتفي امره (و اما) قصد التقرب (فهو) متأخر عن المسمى بمرتبتين فانه متأخر عن الأمر المتأخر عن المسمى فلا يعقل أخذه في المسمى (الرابعة) قد عرفت ان الاستعمال هو إيجاد المعنى العقلاني البسيط المجرد الّذي هو بإزاء الحقائق باللفظ المستعمل فيه فلا بد من ان يوضع اللفظ بإزاء الحقيقة و لو كانت الحقيقة من الممتنعات فالقول بان لفظ الصلاة موضوع لمفهوم الصحيح أو فريضة الوقت أو المطلوب غير معقول [1] فان المفهوم لا بد و ان يكون بإزاء الحقيقة لا بإزاء مفهوم آخر (مضافا) إلى ان عنوان المطلوب منتزع من تعلق الطلب بشي‏ء و الطلب متأخر عن المسمى كما عرفت فلا يعقل كون المسمى هو نفس عنوان المطلوب ففيه محذور آخر غير عدم تعقل جعل المفهوم بإزاء المفهوم (الخامسة) انه لا بد على كلا القولين من وجود حقيقة واحدة يشترك فيها جميع الافراد حتى يكون هو القدر المشترك الّذي وضع اللفظ بإزائه أو استعمل فيه مجازاً في لسان الشارع و على نحو الحقيقة في لساننا (و توهم) عدم لزومه بناء على كون الموضوع له خاصاً (مدفوع) بان الموضوع له و ان كان خاصاً إلّا انه لا بد من قدر جامع به يشار إلى الموضوع له (فالقدر) المشترك (لازم) على كل حال (مضافا) إلى ان كون الموضوع له خاصاً مع عموم الوضع فرع الوضع التعييني و قد أبطلناه فيما مر إذا عرفت ذلك فنقول‏

(الكلام) (تارة) يقع في العبادات و أخرى في المعاملات‏

[المقام الأول في العبادات‏]

(اما الأولى) فتصوير الجامع‏

____________

[1] لا ينبغي الريب في إمكان وضع لفظ الصلاة مثلا لمفهوم الصحيح حتى يكون اللفظان مترادفين و لا استحالة في ذلك أصلا غاية الأمر عدم وقوع ذلك خارجاً و أين ذلك من الاستحالة و عدم الإمكان‏

36

فيها في (غاية الإشكال) على الصحيح فضلا عن الأعم فان مراتب الصحة مراتب متعددة كالصلاة مثلا فان أقل مراتبها صلاة الغرقى و أعلى مراتبها صلاة الحاضر المختار و بينهما وسائط كثيرة فتصوير جامع حقيقي يكون متعلق الأمر و يجمع تمام تلك المراتب صعب جداً (و اما) على الأعم (فأشكل) فان كل صلاة فرضت إذا بدل بعض اجزائه إلى اجزاء آخر فالصدق على حاله (و يمكن) دفع الإشكال عن كلا القولين بالتزام ان الموضوع له أولا هي المرتبة العليا الواجدة لتمام الاجزاء و الشرائط [1] و الاستعمال في غيرها من المراتب الصحيحة على قول الصحيحي أو الأعم منها على الأعم منها على الأعم من باب الادعاء و التنزيل (و الموضوع له) على كلا القولين (هي) المرتبة العليا و بقية المراتب الصحيحة أو الأعم يستعمل فيها الألفاظ ادعاء و من باب تنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة كما في جملة من الاستعمالات أو من باب اكتفاء الشارع به كما في صلاة الغرقى فانه لا يمكن فيه الالتزام بالتنزيل المذكور كما هو واضح (ثم) ان الاستعمال في فاسد صلاة الغرقى أيضا بتنزيل الفاقد منزلة الواجد المنزل منزلة تام الاجزاء و الشرائط من باب الاجزاء و الاكتفاء فبعد البناء على كون الصحيح فرداً للطبيعة من جهة الاجزاء يصح تنزيل الفاقد منزلته أيضاً و لا يلزم سبك مجاز عن مجاز (و اما القصر و الإتمام) فهما و ان كانتا في عرض واحد بالقياس إلى المرتبة العليا إلّا انه يمكن تصوير الجامع بينهما فقط و على ما ذكرناه فيبطل نزاع الأعمي و الصحيحي رأساً (فان ثمرة النزاع) كما سيجي‏ء إن شاء اللَّه تعالى (هو التمسك) بالإطلاق على تقدير تمامية مقدمات الحكمة على الأعمي (و إجمال الخطاب) على الصحيحي (و هذا) لا يصح على ما ذكرناه لأنه لو بنينا على ان الصلاة موضوعة لخصوص المرتبة العليا و إطلاقها على غيرها من باب المسامحة و التنزيل فعلى تقدير وجود المطلق في العبادات أيضاً فحيث ان‏

____________

[1] الالتزام بذلك مع انه على خلاف الوجدان لا يغنى عن تصوير الجامع فان اجزاء المراتب العالية تختلف قلة و كثرة حسب اختلاف أقسام الصلاة فان الصلاة ذات ركعتين فاسدة ممن هو مأمور بأزيد منها و بالعكس فما هو الموضوع له لو لم يكن هناك جامع يجمع الأقسام و ستعرف ما هو الصحيح في تصوير الجامع فيما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى‏

37

اللفظ لم يوضع للجهة الجامعة المشتركة حتى تكون الاجزاء و الشرائط المأخوذة في المأمور به من قبيل القيود فلا يمكن التمسك بالإطلاق بل اللفظ يكون مجملا لعدم العلم بالتنزيل و المسامحة في مقام استعمال اللفظ حتى يتمسك بإطلاقه (ثم) ان هذا الاحتمال الّذي ذكرناه (غير بعيد) في حد ذاته و يساعده الوجدان العرفي و ليس في مقام فهم المفاهيم امر آخر أوضح منه (و على تقدير) الإغماض و الاحتياج إلى تصوير الجامع (فيقع الكلام) (تارة) في الجامع بين الافراد الصحيحة فقط (و أخرى) في الجامع بين افراد الأعم (اما الأول) فالتحقيق ان الجامع بحيث يوضع اللفظ له غير معقول إذ تصويره بأحد وجوه ثلاثة كلها باطلة (الأول) ان يكون الجامع هو الّذي يسقط الإعادة أو ما يوجب ارتفاع اشتغال الذّمّة إلى غير ذلك مما يترتب على إتيان المأمور به و لم يكن غرضاً منه و هذا الأمر المترتب واحد و جهة جامعة بين تمام ما يترتب عليه و ان كانت كثيرة (و فيه أولا) ان هذه المفاهيم كلها مترتبة على إتيان المأمور به في الخارج بقصد الأمر المتأخر عن المسمى فكيف يعقل أخذها في المسمى (و لو سلمنا) ترتب هذه الأمور على نفس الفعل الخارجي و لو بلا داعي الأمر (إلّا انه) من أين يستكشف ترتب المعلول الواحد على جميع المراتب فلم لا يكون هناك أوامر متعددة متعلقة بأمور متعددة الأمر الأول متعلق بحقيقة الصلاة و لكل من المراتب النازلة امر آخر اكتفي الشارع بامتثاله عن امتثال الأمر الأول كما لا يبعد ان يكون الأمر كذلك بل لا مناص عنه فيما كان الصحة ثابتة بمثل لا تعاد و أمثالها (و لو سلمنا) اشتراك الجميع في معلول واحد لأجل تسليم كون الغرض من الجميع واحدا (فغاية ما هناك) انا نستكشف وجود جامع بين جميع المراتب في عالم من العوالم كما في موارد التخيير الشرعي و إلّا فما وقع في حيز الخطاب ليس ذاك الجامع كما في موارد التخيير العقلي و المدعى تصور جامع يكون متعلقا للخطاب الشرعي و مسمى بلفظ الصلاة مثلا لا تصور جامع كيف ما كان (و بعبارة أخرى) الكلام في تصور جامع قريب عرفي يقع تحت الخطاب كما في التخيير العقلي لا في الجامع العقلي الملاكي (و ثانياً) ان من المسلم في محله ان اجزاء البراءة فرع ان يكون المأمور به هو نفس الاجزاء و الشرائط لا مقيداً بأمر آخر يشك في حصوله و إلّا لكان مقتضى القاعدة هو الاشتغال فيلزم على القائلين بوضع الألفاظ للصحيح ان لا يقولوا بالبراءة

38

عند الشك في الاجزاء و الشرائط لأجل تقيد المأمور به بمعلوله فيكون الشك شكا في المحصل لا محالة و مقتضى القاعدة فيه هو الاشتغال مع ان جلهم قائلون بالبراءة و على فرض عدم التقيد فلا يكون جامع في مقام الموضوعية للخطاب و ان كان هناك جامع بلحاظ مقام ترتب الأثر (الثاني) ان يكون الجامع هو الّذي يترتب عليه النهي عن الفحشاء الّذي هو علة التشريع و غرض من المأمور به فان وحدة الغرض تكشف عن وحدة المؤثر [1] و هذا الوجه (أردأ) من سابقه و بيانه يتوقف على تمهيد مقدمة شريفة يبتنى عليها مطالب مهمة (و هي) ان الفرق بين الأسباب التوليدية و العلل المعدة (هو) ان الأسباب التوليدية ما يترتب عليها مسبباتها بلا توسط امر آخر بينهما و (هي) على قسمين (فتارة) لا تكون محتاجة في ترتبها عليها إلى أمور أخر أصلا كالعلة البسيطة و أخرى تكون محتاجة إليها كما في العلل المركبة (نظير) رمي السهم فان الجزء الأخير من الفعل الاختياري و ان لم يتوسط بينه و بين معلوله شي‏ء آخر (إلّا انه) محتاج إلى سبق أمور أخر أيضا كوجود القوة الدافعة في القوس مثلا (و على كل حال) فحيث لم يفرض التوسط بين المعلول و الفعل الاختياري فيمكن تعلق الإرادة التكوينية بكل منهما فيمكن تعلق الإرادة التشريعية بهما أيضا لإمكان الانبعاث من المكلف (و ح) فلا فرق في لسان الدليل بين تعلق الأمر بالمسبب أو السبب فان المسبب يكون عنواناً لسببه في الفرض المزبور (فأمر) المولى بالإحراق (عبارة) أخرى عن امره بإلقاء المترتب عليه الإحراق فالإلقاء هو الإحراق عنواناً و هذا هو ملاك الفعل التوليدي و هو الّذي بنى صاحب المعالم (قده) على عدم الجدوى في البحث عن وجوبه المقدمي لاتحادهما خارجاً و السبب‏

____________

[1] التحقيق انه لا يعقل وجود الجامع الحقيقي المقولي بين افراد الصلاة حتى يكون الأثر الواحد مترتباً عليه لأنه مضافاً إلى ان الصلاة مركبة من مقولات متباينة و قد ثبت في محله انها أجناس عالية و لا يمكن الجامع الحقيقي بين فردين منها لا ينبغي الريب في ان الصحة في صلاة الصبح مثلا متوقفة على إيقاع التسليمة في الركعة الثانية و في صلاة المغرب متوقفة على إيقاعها في الثالثة و عدم إيقاعها في الثانية فكيف يمكن تصوير الجامع بين المشروط بشي‏ء و المشروط بعدمه و انما يمكن الالتزام بترتب الأثر على الجامع فيما إذا لم يكن للخصوصيات دخل في ترتبه و اما ترتب النهي عن الفحشاء على الصلاة فبيان كيفيته يحتاج إلى بسط لا يسعه المجال‏

39

المبحوث عن وجوبه بمعنى المقتضى لا السبب التوليدي (و اما العلل المعدة) (فهي) ما يتوسط بينها و بين المعلول امر آخر سواء كان ذاك الأمر اختيارياً كصعود الدرج المترتبة أو غير اختياري كما في الزرع و السقي و نحوهما فانهما من العلل المعدة لكون البذر حنطة أو تمراً (فان) ترتبهما على الزرع و السقي يحتاج إلى أمور عديدة غير مقدورة للزارع و الساقي (و الفرق) بين القسمين هو ان الواسطة إذا كانت اختيارية فحالها حال الأسباب التوليدية في صحة تعلق التكليف بالمعلولات و اما إذا كانت غير اختيارية فيستحيل تعلق الإرادة التكوينية بها إلّا إرادة سفهائية فيستحيل تعلق الإرادة التشريعية بها أيضا (و السر فيه) (هو) ان الإرادة التشريعية بعث إلى ما يتعلق به الإرادة التكوينية فلو لم يمكن الثانية يستحيل الأولى أيضاً فالتكاليف في هذا القسم لا محالة تتعلق بنفس العلل المعدة لا بما يترتب عليها من الأمور غير الاختيارية (و ما يقال) من ان المقدور بالواسطة مقدور (انما يتم) فيما كان الواسطة امراً اختيارياً لا غير اختياري كما هو واضح (و لذا) أفتى الفقهاء بأنه لو شرط في ضمن العقد جعل البسر رطباً كان المشروط كشرطه باطلا لعدم كونه تحت القدرة (ثم) ان هذا كله في مقام الثبوت و اما في مقام الإثبات (فتارة) تكون المسببات من الأمور العرفية التي يعلم كونها من الأفعال التوليدية (فلا فرق) (ح) بين تعلق التكليف بالمسببات أو الأسباب كالطهارات الخبثية إذ لا فرق بين امر المولى بالطهارة بقوله و ثيابك فطهر (و بين) امره بالغسل بقوله اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه و على كلا التقديرين فيكون كل منهما مقيدا بالآخر (و أخرى) لا يكون كذلك بل من الأمور التي لا يكون للعرف طريق إلى معرفة حقيقتها (و ح) فيستكشف ذلك بطريق الآن من تعلق الأمر (فان) تعلق الأمر بالمسبب (فنعلم) انه من قبيل الأفعال التوليدية كما قيل ذلك في الطهارة الحدثية من جهة قوله تعالى (و ان كنتم جنباً فاطهروا) (و إلّا فلا) (إذا عرفت ذلك فنقول) ان العبادات كلها من قبيل العلل المعدة فان المأمور به فيها هي أنفسها لا ما يترتب عليها من الأغراض فيعلم ان نسبة العبادات إليها نسبة العلل المعدة إلى معاليلها لا نسبة الأسباب التوليدية إلى مسبباتها و يحتاج ترتب الأغراض عليها إلى توسط أمور إلهية غير اختيارية للمكلف و إلّا لكان تعلق الأمر بنفس الغرض مع عدم كونه امراً عرفياً معلوماً نظير الطهارة الخبثية أولى من تعلقه بنفس الاجزاء و الشرائط

40

فلا يعقل ان يكون هناك جامع يكون عنواناً للمصاديق في مقام التسمية و تعلق الخطاب و الغرض تصوير الجامع في هذا المقام (و لو تنزلنا و سلمنا) انها من قبيل الأسباب التوليدية (فلازمه) ان لا يمكن التمسك بالبراءة عند الشك في الاجزاء و الشرائط لرجوع الشك إلى الشك في المحصل كما في الوجه السابق الوجه الثالث هو ان يكون الجامع هي المادة الصلاتية الحافظة للصورة الناهية عن الفحشاء و المنكر (و الفرق) بين هذا الوجه و سابقه هو انه في الوجه السابق اعتبر النهي عن الفحشاء علة غائية و تصور الجامع من ناحية العلة و في هذا الوجه اعتبر صورة نوعية حافظة للمادة الصلاتية (و يرد عليه) ان التقيد بهذا العنوان (ان) لم يعتبر (فما) هو الجامع في مقام تعلق الخطاب و المسمى (و ان) كان معتبراً (فمرجع) الأمر إلى الشك في المحصل الّذي لازمه القول بالاشتغال [1] الوجه الرابع ان يفرض الجامع في خصوص الصلاة التي استكشفنا من أدلة القواطع وجود هيئة اتصالية معتبرة فيها كما أفاده العلامة الأنصاري (قده) فيكون لفظ الصلاة موضوعاً لتلك المادة الحافظة لهذه الوحدة الاتصالية (و الجواب) عنه (أولا) ان غاية ما نستفيد من أدلة القواطع إبطالها للصلاة و لو بنحو المانعية بأن يكون عدم هذه الأمور من شرائط الصلاة (و اما) اعتبار صفة وجودية (فلا) و على تقدير الاعتبار فمرجع الأمر عند الشك هو الاشتغال لكونه شكا في المحصل [2] (فالتحقيق) عدم إمكان تصوير الجامع أصلا على الصحيح (و اما) على الأعم فقيل بتصوير الجامع من وجوه (الأول) ان يكون الموضوع له هي الأركان [3] كما ذهب إليه المحقق القمي‏

____________

[1] مضافاً إلى ان الانتهاء عن الفحشاء على تقدير كونه امراً واحداً مترتبا على- الصلاة فهو من قبيل الآثار و لا معنى لكونه صورة نوعية لما هو المركب من مقولات متباينة.

[2] هذا مع ان الكلام انما هو في تصوير الجامع بين الاجزاء التي اعتبر الهيئة الاتصالية بينها مع فرض اختلافها قلة و كثرة بل بحسب الحقيقة و الماهية أيضاً

[3] التحقيق في هذا المقام ان يقال ان معرفة الموضوع له في كل مركب اعتباري لا بد و ان تكون من قبل المخترع لذلك المركب سواء كان المخترع هو الشارع أو غيره و عليه فالمستفاد من الروايات الكثيرة ان التكبيرة و التسليمة معتبرتان في الصلاة و ان التكبيرة ابتداؤها و افتتاحها كما ان التسليمة انتهاؤها و اختتامها كما ان الركوع و السجود و الطهارة-

41

(قده) و تكون بقية الاجزاء دخيلة في المأمور به لا في المسمى فيرجع حاصل دعواه إلى دعويين (الأولى) كون الأركان هو الموضوع له (و الثانية) خروج بقية الاجزاء عن المسمى و الحق فساد كلتا الدعويين (اما الأولى) فلان المراد من الأركان أي مرتبة منها مع اختلافها بحسب الموارد من القادر و العاجز و الغريق و أمثال ذلك (فلا بدّ) من تصور جامع آخر بين تلك المراتب (فيعود) الإشكال (و القول) بأن الموضوع له هو الأركان بحسب الجعل الأولى و البقية أبدال لها (فاسد) إذ الالتزام بالبدلية انما يمكن في مقام الاجزاء

____________

- معتبرة فيها و ان كلا منها ثلث الصلاة و اما غير ذلك من الاجزاء و الشرائط فهي خارجة عن حقيقتها و دخيلة في المأمور به على اختلاف الأشخاص و الحالات و من هنا لو كبر المصلى لصلاة الوتر و نسي جميع الاجزاء غير الركوع و السجود حتى سلم لصح صلاته فيعلم من ذلك انه لا يتقوم الصلاة إلّا بما ذكرناه و المراد من الطهارة المقومة للصلاة أعم من المائية و الترابية كما ان المراد من الركوع و السجود أعم مما هو وظيفة المختار أو المضطر و لا بأس بكون مقوم المركب الاعتباري أحد الأمور على سبيل البدل كما في لفظ الحلوى مثلا فانه موضوع للمركب المطبوخ من شكر و غيره سواء كان ذلك الغير حنطة أو أرزاً أو غير ذلك فلا يرد على ذلك ما في المتن من لا بدية تصور جامع آخر بين تلك المراتب نعم بناء ما ذكرناه لا يكون صلاة الغرقى بصلاة حقيقة و لا ضير في الالتزام بذلك بل هي كذلك كما يظهر بالوجدان و الرجوع إلى المتفاهم العرفي ثم انه لا استحالة في دخول شي‏ء في مركب اعتباري عند وجوده و خروجه عنه عند عدمه إذا كان ما أخذ مقوماً للمركب مأخوذاً فيه لا بشرط كما في لفظ الدار مثلا فانه موضوع لما اشتمل على ساحة و حيطان و غرفة فان كان هناك غير ذلك من سرداب و بئر و حوض و غير ذلك فهي من اجزاء الدار و إلّا فلا و اعتبار اللابشرطية كما يمكن ان يكون على نحو لا يضر بالصدق كذلك يمكن ان يكون على نحو يدخل الزائد في المركب ثم ان دخول شي‏ء في الماهية تارة و خروجه عنها أخرى يستحيل في الماهيات الحقيقية لكنها أجنبية عما هو محل الكلام في المقام و من هنا يظهر انه لا يبتنى ما ذكرناه على كون التشكيك في الوجود أو الماهية بل هو امر على طبق الارتكاز العرفي في كثير من المركبات الاعتبارية و اما ما في المتن من عدم تصوير التشكيك في الوجود و لزوم كونه في الوجود ففساده غير خفي على أهله و كيف كان فالصحيح في تصوير الجامع هو ما عرفت و التوضيح لا يسعه المجال‏

42

كما على الصحيح لا في المسمى بلا جهة عناية أصلا (و اما) الدعوى (الثانية) فان التزم (قده) بان بقية الاجزاء خارجة دائماً (فهو) ينافي الوضع للأعم فان المفروض صدقها على الصحيحة أيضاً (و ان) أراد خروج بقية الاجزاء عند عدمها (فيلزم) دخول شي‏ء في الماهية عند وجوده و خروجه عنها عند عدمه و هو محال (فان قلت) أ لستم تقولون بالتشكيك في الوجود و في بعض الماهيات كالبياض و السواد و ان المعنى الواحد يصدق على الواجد و الفاقد فالوجود يصدق على وجود الواجد و وجود الممكن على اختلاف مراتبه (و كذا) السواد يصدق على القوى و الضعيف و ليكن الصلاة أيضاً صادقة على التام من جميع الجهات و على الناقص أيضاً (قلت اما) التشكيك في الوجود (فلا نفهم) ما معناه و هو امر فوق إدراك العقل و قد صرح أهله بأنه لا يعلم إلّا بالكشف و المجاهدة (و اما) التشكيك في الماهيات فهو امر معقول لكن لا في كل ماهية بل في الماهيات البسيطة التي يكون ما به الاشتراك فيها عين ما به الافتراق و لا تكون مركبة من جنس و فصل و لا مادة و صورة نظير البياض و السواد فان المرتبة القوية من السواد لا يزيد على السواد بشي‏ء و المرتبة الضعيفة لا تنقص عن حقيقة السواد بشي‏ء بل الكل مشترك في حقيقة بسيطة واحدة (و هذا) بخلاف الصلاة (فانها) على الفرض (مركبة) من أركان و اجزاء فكونها بحيث تدخل بقية الاجزاء التي لها وجود مستقل في الخارج (مرة) و تخرج (أخرى) مما لا يعقل (و منه) علم ان قياسها بالوجود على تقدير تعقل التشكيك فيه و إمكان إدراكه أفسد من قياسه بالماهيات التشكيكية فان الوجود أشد بساطة من الماهيات البسيطة كما حقق في محله (و اما) ما ربما يقال من أخذ الأركان لا بشرط (فكلام) لا معنى له فان اللابشرطية توجب عدم إضرار بقية الاجزاء بالصدق لا انها توجب دخولها في الماهية الثاني ان يكون الجامع هو معظم الاجزاء و نسبه شيخ الأساطين العلامة الأنصاري (قده) إلى المشهور (و يرد عليه) بعد وضوح انه ليس المراد هو الوضع بإزاء مفهوم معظم الاجزاء يقيناً و إلّا لترادف اللفظان و صح استعمال كل واحد منهما في موضع الآخر و لا بإزاء مفهوم آخر يحكى عن مفهوم معظم الاجزاء لما بينا مراراً ان الوضع لا بد و ان يكون بإزاء مفهوم حاك عن الحقيقة ان الحقيقة متبدلة غاية التبدل فانه يمكننا

43

تصوير حقيقة المعظم على الف وجه فيلزم التردد و التبدل في اجزاء الماهية و هو مستحيل و لا يمكن التصحيح بكون الموضوع له خاصاً و الوضع عاماً لما ذكرنا من ان كون الموضوع له خاصاً يبتنى على الوضع التعييني و هو باطل (مضافاً) إلى انه يرجع بالاخرة إلى عدم الجامع في مقام تعلق الخطاب (و لكن التحقيق) إمكان تصور الجامع من هذا الوجه بأن يكون الجامع هو الكلي في المعين نظير البيع الواقع على صاع من الأصواع المعينة فان المبيع كلي يمكن انطباقه على كل واحد من الأصواع على البدل فالمبيع واحد و انما الاختلاف في التشخص (فالموضوع) له (هو) الكلي المنطبق على أقل مراتب معظم الاجزاء فصاعداً و لم يؤخذ الجامع لا بشرط حتى يورد علينا باستلزام ذلك لدخول بقية الاجزاء في المسمى عند وجودها و خروجها عنه عند عدمها فيكون مبتنيا على جواز التشكيك في الماهيات المركبة التي أوضحنا فساده آنفاً (بل) المأخوذ في الموضوع له (هو) عدة من الاجزاء فصاعداً المبهمة من حيث التشخص فيكون كلياً منطبقاً على القليل و الكثير نظير لفظ الكلام فانه وضع بحسب اللغة لما يتركب من حرفين من الحروف الهجائية فصاعداً فيصدق على كلمة أب و أحمد و غير ذلك من الكلمات المركبة من ثمانية و عشرين حرفاً (فلفظ) الصلاة أيضا يكون موضوعاً لعدة من الاجزاء بنحو الإبهام فصاعداً فلا نحتاج إلى التشكيك أصلا (و هذا) بخلاف الأركان (فان) الموضوع له على تقدير الوضع لها (شخصي) فيلزم دخول بقية الاجزاء عند الوجود و خروجها عند العدم (و هذا هو) محذور التشكيك (لكن الإنصاف) ان تصوير الجامع بهذا النحو خلاف الوجدان لما ذكرناه من ان الموضوع له هو خصوص المرتبة العليا (و إطلاقها) على غيرها (بنحو) من العناية (و عليه فينبغي) ان يحرر النزاع بعد الفراغ عن الوضع لخصوص المرتبة العالية في ان العناية المصححة للتنزيل و الاستعمال (هل هو) خصوص اجتزاء الشارع و اكتفائه في مقام الامتثال حتى تثبت نتيجة الوضع للصحيح (أو هو) مع المشابهة في الصورة أيضاً تنزيلا للفاقد منزلة الواجد حتى يثبت نتيجة الوضع للأعم (الوجه الثالث) ان يكون الجامع هو المعنى الّذي يدور مداره التسمية عرفاً (فمن صدق اللفظ عرفا (يستكشف) وجود المعنى (و من) عدمه (عدمه و هذا) الوجه بظاهره‏

44

«ظاهر الفساد» فان الصدق العرفي تابع لوجود المسمى و وضع اللفظ له فكيف يعقل ان يكون تصوير الجامع و الوضع له من توابع الصدق العرفي «إلّا انه» يمكن إرجاع هذا الوجه إلى الوجه الثاني على النحو الّذي صححناه و يكون التعبير بالصدق العرفي من باب المسامحة في التعبير

«و ينبغي» التنبيه على أمور

«الأول» ان كل ما يستدل به من الطرفين لكل من القولين باطل لا يمكن الركون إليه‏

و لا يسع المجال للتعرض لها بخصوصياتها و إبطالها فلا بد من الإشارة إليها و إلى ما يرد عليها إجمالا «فنقول اما» الاستدلال على الصحيح بمثل لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب و أمثاله «فغير تام» لأن هذه التراكيب كلها في مقام بيان اجزاء المأمور به و شرائطه لا في مقام التسمية «و كذا» الاستدلال بمثل الصلاة معراج المؤمن أو تنهى عن الفحشاء و المنكر (فان) جميع هذه التراكيب (في مقام) بيان آثار المأمور به ترغيباً و تحريصاً إلى امتثال امره لا في مقام بيان آثار المسمى بما هو (و اما) الاستدلال على الأعم (بالاستعمال) في الفاسد في كثير من الموارد كقوله (عليه السلام) دعى الصلاة أيام أقرائك و كقولهم (عليهم السلام) يعيد الصلاة أو بطلت صلاته إلى غير ذلك من الموارد (ففاسد أيضا) فان الاستعمال في الفاسد أعم من ان يكون على نحو الحقيقة و المجاز و كون الأصل في الاستعمال هي الحقيقة انما هو في مورد الشك في المراد لا في مورد الشك في كيفية الإرادة بعد معلومية المراد (هذا) مع إمكان منع الاستعمال في الفاسد (بدعوى) ان المستعمل فيه دائماً هو الصحيح و لو باعتقاد المصلى أو بتنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة

(الثاني) ربما يذكر للنزاع المذكور ثمرات‏

(الأولى) ما ذكر في القوانين و في بعض عبارات الرياض أيضا من ان الصحيحي يتمسك بالاشتغال و الأعمي بالبراءة و أشكل عليه جملة من المحققين و منهم أستاذ الأساطين العلامة الأنصاري (قده) بان اجزاء البراءة و الاشتغال فرع انحلال العلم الإجمالي و عدمه سواء قلنا بالصحيح أو بالأعم و لذا ذهب المشهور القائلون بالصحيح إلى البراءة (و فيه) ان الوضع للصحيح كما عرفت لا يمكن إلّا بتقييد المسمى (اما) من ناحية المعلولات (أو) من ناحية العلل (و حيث) انه يؤخذ امر آخر خارج عن المأتي به في المأمور به (فلا بدّ) من القول بالاشتغال‏

45

(و اما ذهاب المشهور القائلين بالصحيح إلى البراءة (فاما) ان يحمل منهم على الغفلة عن مبناهم «أو» على تخيلهم إمكان تصوير الجامع بلا تقيد بأمر آخر (نعم) جريان البراءة على الأعم مبتن على الانحلال الّذي هو مقتضى التحقيق في محله (فالتحقيق) ان النزاع في مسألة الانحلال و عدمه مبتن على الوضع للأعم حتى يكون المأمور به امراً خارجيا مركباً غير مقيد بأمر بسيط آخر (فان) قلنا بالانحلال كما هو التحقيق (فنقول) بالبراءة «و إلّا فبالاشتغال» و هذا بخلاف الوضع الصحيح لما عرفت من انه لا يمكن تصوير الجامع إلّا بتصور عنوان بسيط خارج عن نفس الاجزاء و الشرائط سواء كان ذلك متعلق الأمر أو قيده فلا محالة يكون الشك في الاجزاء و الشرائط شكا في حصوله فيرجع إلى الشك في المحصل و لا إشكال حينئذ في الاشتغال على كل تقدير «الثانية» التمسك بالإطلاق على القول بالوضع للأعم للقطع بصدق اللفظ على الفاقد فيكون الشك في اعتبار امر زائد عليه شكا في التقييد فيرجع إلى أصالة الإطلاق بخلاف الوضع للصحيح فانه يشك في صدق اللفظ عند الشك في اعتبار امر شرطاً أو شطراً «و من» المعلوم «ان» التمسك بالإطلاق فرع صدق اللفظ و الشك في التقييد بأمر زائد على المسمى.

و قد أورد عليه بوجهين «الأول» ان عدم التمسك بالإطلاقات الواردة في الكتاب و السنة لعدم كونها في مقام البيان إذ ليس فيها ما يكون في هذا المقام قطعاً بل كلها في مقام التشريع فقط فكما ان الصحيحي لا يمكنه التمسك بالإطلاق فكذلك الأعمي و إلّا فلو فرضنا ان هناك دليلا وارداً في مقام البيان كصحيحة حماد الواردة في مقام بيان الاجزاء و الشرائط فالصحيحي أيضاً يتمسك بعدم جزئية المشكوك للسكوت عنها في مقام البيان «و فيه» ان مطلقات الكتاب و السنة و ان لم يكن فيها ما يكون في مقام البيان فالأعمي كالصحيحي في عدم جواز التمسك بها في مقام الشك «إلّا انه» يكفي في الثمرة فرض وجود مطلق في مقام البيان «فان» ثمرة المسألة الأصولية هو ان يمكن وقوع نتيجتها في طريق الاستنباط و لا يلزم ان يكون ذلك فعلياً «و اما توهم» إمكان تمسك الصحيحي أيضا بالإطلاق إذا كان واردا في مقام البيان كصحيحة حماد «ففيه» ان الكلام متمحض في جواز التمسك بالإطلاق في مقام البيان لا في جواز التمسك بقاعدة عدم الدليل دليل العدم «فان» التمسك‏

46

بصحيحة حماد في نفي الاجزاء و الشرائط المشكوكة «ليس» من جهة التمسك بالإطلاق «بل» من جهة ان الإمام (عليه السلام) العالم بأجزاء المأمور به و شرائطه لو كان بصدد بيانها و ان المؤثر في النهي عن الفحشاء و المنكر ما هو و مع ذلك لم يذكر غير ما ذكره من الاجزاء و الشرائط فيستكشف منه عدم دخله (لأن عدم الدليل) على دخل ما احتمل دخله دليل العدم إذا كان المتكلم في مقام البيان و إلّا لكان مخلا بغرضه فالتمسك بالصحيحة خارج عما هو محل الكلام و هو التمسك بالإطلاق لا بأمر آخر «و لكن الإنصاف» عدم استقامة ذلك بل التمسك بها من قبيل التمسك بالإطلاق أيضا «غاية الأمر» ان الإطلاق «قد» يكون في المعاني البسيطة الإفرادية «و أخرى» في الجمل التركيبة كإطلاق القضية الشرطية المستتبع للمفهوم فإطلاق الصحيحة و ان لم يكن من القسم الأول إلّا انه من قبيل الثاني فالتمسك بها تمسك بالإطلاق «فالتحقيق» ان الصحيحي يتمسك بالإطلاق كالأعمى في المطلقات التركيبية «نعم» تظهر الثمرة في المطلقات الإفرادية على تقدير وجودها

(إيقاظ) لا يخفى انه لا يجوز التمسك بالصحيحة في إثبات وجوب الاجزاء المذكورة فيها إذا شك في وجوب بعضها

فانا نعلم إجمالا باشتمالها على اجزاء مستحبة أيضا فيسقط ظهور الصحيحة في بيان الاجزاء الواجبة (و من) ذلك يظهر عدم صحة التمسك بقوله (صلى اللَّه عليه و آله) (صلوا كما رأيتموني أصلي) فانا نقطع بعدم اكتفاء النبي (صلى اللَّه عليه و آله) بالاجزاء الواجبة من الصلاة بل لا محالة كان يأتي باجزاء مستحبة فيكون الأمر مستعملا في مطلق الطلب جزماً فلا يفيد في مقام إثبات الجزئية.

(الوجه الثاني) ان الصحيحي (و ان) لم يمكن له التمسك بالإطلاقات لما ذكر (إلّا) ان الأعمي لا يمكنه ذلك أيضاً فان المأمور به هو الصحيح قطعاً فثبت تقييد المسمى بقيد يشك في تحققه عند الشك في الجزئية و الشرطية «فلا» فرق في الشك في الصدق المانع من التمسك بالإطلاق (بين) ان يكون منشؤه دخل شي‏ء في المسمى (أو دخله) في المأمور به قطعاً مثلا إذا امر الشارع بعتق رقبة ثم ثبت من الخارج تقييده بالمؤمنة و شككنا في رقبة خاصة انها مؤمنة أو كافرة فلا يمكن التمسك بالإطلاق قطعاً (و فيه) ان المأمور به أو قيده البسيط على الصحيح مشكوك‏

47

الصدق على الفاقد كما عرفت (فلا يمكن معه) التمسك بالإطلاق «بخلافه» على الأعم «فان» المأمور به على هذا «ليس» إلّا نفس الاجزاء و الشرائط و الصحة ليست إلّا امراً منتزعا من كون الشي‏ء موافقاً للمأمور به فالصحة متأخرة عن تعلق الأمر و يستحيل أخذها في المأمور به فصدق المأمور به على المأتي به في الخارج «معلوم و جزئية» الجزء المشكوك (تدفع) بالإطلاق «فيثبت» ان المأتي به «هو» الصحيح و موافق للمأمور به و ليس غرض القائل بالأعم ان الفاسد مأمور به «بل» غرضه ان الإطلاق يكشف عن ان الصحيح هو الأعم من فاقدة السورة و واجدتها مثلا لأن الأمر لم يتعلق الا بهذا المقدار و لا نعنى بالصحيح الا ما كان موافقاً للمأمور به و هو المسقط للإعادة و القضاء «فهذه» المغالطة (واضحة) الفساد و ان كان شيخ الأساطين العلامة الأنصاري «قده» أطال الكلام في هذا المقام و أتعب نفسه المقدسة و اعتنى بالجواب عن هذه المغالطة فوق ما تستحق و لعله لأجل عدم وضوحه في ذلك الوقت فأراد «قده» بيانه على وجه أوفى و أتم.

«ثم» انك قد عرفت فيما مر «انه» على ما ذكرناه من كون الموضوع له هو خصوص المرتبة العالية التامة من حيث الاجزاء و الشرائط و ان بقية المراتب كلها افراد تنزيلية «لا يمكن» التمسك بالإطلاق أيضاً لعدم العلم بالتنزيل حين الاستعمال «نعم» تجري البراءة لكون الشك في اجزاء نفس المأمور به أو شرائطه غير متقيد بأمر آخر فيكون القول المختار واسطة بين الصحيحي و الأعمي فان الصحيحي لا يمكنه إجراء البراءة على ما حققناه كما لا يمكنه ان يتمسك بالإطلاق و الأعمي بخلافه فيهما و نحن نوافق الأعمي في الأول و الصحيحي في الثاني.

«تذييل»

ربما يقال بأن الشرائط حيث انها في مرتبة متأخرة عن الاجزاء فانها في مرتبة المقتضى دون الشرائط فلا محالة لا تكون في عرضها فالألفاظ موضوعة للتامة من حيث الاجزاء فقط و الشرائط دخيلة في مقام فعلية التأثير كما في تقريرات العلامة الأنصاري «قده» و لكنه لا يخفى ان التأخر بحسب مقام لا يوجب التأخر في كل مقام فالتأخر في مقام العلية لا يوجب التأخر في مقام التسمية كما لا تأخر في مقام الأمر أيضاً.

48

المقام الثاني في المعاملات‏

لا يخفى ان جريان النزاع المذكور في المعاملات يتوقف على كون ألفاظها أسامي للأسباب إذ لو كانت أسامي للمسببات فلا تتصف إلّا بالوجود و العدم دون الصحة و الفساد و المتصف بهما هي الأسباب فقط.

«ثم» ان الشهيد «قده» ذكر ان الماهيات الجعلية كالصلاة و الصوم و سائر العقود «حقيقة» في الصحيح «مجاز» في الفاسد الا الحج لوجوب المضي فيه فلو نذر ان لا يصلى فصلى صحيحاً ثم أفسدها يحنث و يحتمل عدم الحنث بخلاف ما إذا أتى بها من الأول فاسدة فانه لا يحنث قطعاً (و أورد) عليه بأنه كيف يمكن ان تكون العقود أسامي للصحيح مع انه (قده) كغيره يتمسك بإطلاقات المعاملات و الصحيحي لا يمكنه التمسك بالإطلاقات لإجمال المعاني كما عرفت سابقاً.

(و تحقيق الجواب) يحتاج إلى بسط في المقال «فنقول» ان المعاملات حيث انها أمور عرفية عقلائية فهي ليست بمجعولة للشارع قطعاً و انما الشارع قد أمضاها و عليه «فتارة» يكون إمضاؤه للأسباب التي يتسبب بها الا ما ينشأ بها «و أخرى» لمسبباتها فإذا كان الإطلاق الوارد في مقام البيان مسوقا لإمضاء الأسباب العرفية و مع ذلك لم يزد شيئاً على ما هو سبب عندهم «فلا محالة» يتمسك بإطلاق كلامه في إلغاء كل ما يحتمل دخله كما يتمسك بإطلاق أوفوا بالعقود في مقام الشك في اعتبار شي‏ء زائد على الأسباب العرفية «بخلاف» ما إذا كان إمضاؤه للمسببات أي للمعاملات التي هي رائجة عند العرف كالزوجية و المبادلة مع قطع النّظر عن الأسباب التي يتوسل بها إليها كما في قوله تعالى (أحل اللّه البيع و حرم الرّبا) فانه في مقام ان المعاملة الربوية من دون نظر إلى الأسباب غير ممضاة في الشريعة بخلاف المعاملة البيعية فالإطلاق لو كان واردا في هذا المقام فلا يدل على إمضاء الأسباب العرفية أصلا إذا عرفت ذلك.

فنقول المطلقات الواردة في الكتاب و السنة كلها واردة في مقام إمضاء المسببات دون الأسباب الا قوله تعالى (أوفوا بالعقود) فانه يحتمل ان يكون واردا في مقام إمضاء الأسباب العرفية (و لكن) التأمل فيه يقتضى ان يكون هو أيضاً في مقام إمضاء المسببات (فان) لفظ العقود (و ان كان) ظاهراً في الأسباب (إلّا انها) بقرينة تعلق‏

49

وجوب الوفاء بها تكون ظاهرة في المسببات فان الأسباب آنية الحصول و غير قابلة للبقاء حتى تكون متعلقة لوجوب الوفاء (بل) القابل هي المسببات التي لها نحو بقاء بعد انعدام أسبابها (فعليه) لا يمكن التمسك بمطلقات المعاملات أصلا (و اما) ما في كلام صاحب التقريرات من ان العرف حيث يرى حصول المسبب بسبب معين عندهم فإمضاء المسبب يستلزم إمضاء السبب (فغير تام) فان المتبع هو إنظار العرف في تعيين المفاهيم لا في التطبيق فهم و ان رأوا حصول المسبب عند وجود امر خاص إلّا ان إمضاء المسبب لا دليل على كونه إمضاء لنظره في التطبيق أيضاً بل المتبع هو نظر الشارع فان ثبت و إلّا فيتمسك بأصالة عدم حصول المسببات فانها تحدث عند وجود أسبابها فإذا شك في حدوثها من جهة الشك في شرطية شي‏ء أو مانعيته لأسبابها فالأصل عدمها كما انه عند الشك في الاجزاء و الشرائط في العبادات على الصحيح نتمسك بأصالة الاشتغال للشك في الفراغ (و الحاصل) ان المسبب حيث انه موجود آخر في قبال السبب فلا دليل على ان يكون إمضاؤه إمضاءً له فيما إذا كان له سبب متيقن (نعم) إذا لم يكن له سبب متيقن أصلا فلا بد و ان يكون إمضاؤه إمضاءً لأسبابه أيضاً و إلّا لكان الإمضاء لغوا محضاً فان قلت ما الفارق بين ما نحن فيه و ما إذا علق حكم على موضوع من الموضوعات فان المعيار في التطبيق هو نظر العرف في الثاني دون الأول.

قلت الفارق هو ان الموضوعات ليست إلّا أموراً خارجية غير قابلة للجعل و ليس للإمضاء و عدمه فيها مجال أصلا فيكون المتبع هو نظر العرف فقط بخلاف الأسباب فانها جعلية إمضائية فنحتاج إلى دليل الإمضاء في إثبات سببيتها و لا يكفي فيه إمضاء المسبب فقط و التحقيق [1] في حل الإشكال ان يقال ان نسبة صيغ العقود إلى المعاملات ليست‏

____________

[1] بل التحقيق ان يقال ان المراد من المسبب في المعاملة ليس هو الإمضاء الشرعي أو إمضاء العقلاء ضرورة ان البيع و نحوه اسم لفعل البائع و هو يصدر منه لا من غيره بل- المراد منه هو الاعتبار الصادر من البائع المظهر باللفظ أو بغيره و الاعتبار امر قائم بالمعتبر بالمباشرة بلا احتياج إلى سبب أو آلة و قد عرفت سابقاً انه لا أساس لما هو المعروف من كون الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ و على ما ذكرناه فإذا كان دليل الإمضاء وارداً-

50

نسبة الأسباب إلى مسبباتها حتى يكونا موجودين خارجين يترتب أحدهما على الآخر ترتباً قهرياً و الإرادة تكون متعلقة بالمسبب بتبع تعلقها بالسبب حيث ان اختياريته باختياريته كما هو الحال في جميع الأفعال التوليدية بل نسبتها إليها نسبة الآلة إلى ذيها و الإرادة متعلقة بنفس المعاملة ابتداء كما في سائر الإنشاءات (بداهة) ان قول بعت أو اضرب ليس بنفسه موجداً للملكية أو الطلب في الخارج نظير الإلقاء الموجد للإحراق (بل) الموجد هو الإرادة المتعلقة بإيجاده إنشاءً (فإذا) لم يكن من قبيل الأسباب و المسببات (فليس) هناك موجودان خارجيان حتى لا يكون إمضاء أحدهما إمضاء للآخر بل الموجود واحد (غاية الأمر) انه باختلاف الإله ينقسم إلى أقسام عديدة (فالبيع) المنشأ باللفظ العربي (قسم) و بغير العربي (قسم آخر) فإذا كان المتكلم في مقام البيان و لم يقيده بنوع دون نوع فيستكشف منه عمومه لجميع الأنواع و الأصناف كما في سائر المطلقات طبق النعل بالنعل.

فان قلت حيث ان ألفاظ المعاملات موضوعة لمعاني أسماء المصادر التي لم تلحظ فيها نسبة أصلا و هي بهذا الاعتبار تباين معاني المصادر الملحوظة فيها النسبة الناقصة فالجهتان متباينتان و ان كانت ذات المعنى فيهما واحدة (فإذا) كان الإمضاء إمضاءً للمعاملة التي بمعنى اسم المصدر فلا ملازمة بينه و بين الإمضاء للمعنى المصدري فلا يمكن التمسك بالإطلاق لإثبات إمضاء سبب المعاملة.

قلنا نعم و ان كانت الجهتان متباينتين (إلّا ان) دليل الإمضاء حيث انه مثل قوله تعالى (أوفوا بالعقود) أو (أحل اللَّه البيع) و أمثالهما (فهو) ظاهر في ان الممضاة هي الجهة الصدورية فان ظاهره ان المعاملات الصادرة في الخارج منكم يجب الوفاء بها أو أحلها اللَّه تبارك و تعالى في محلها لا نفس المعاملات بما هي (بل يمكن) ان يقال ان معاني أسماء المصادر (حيث) انها متحدة وجوداً مع المعاني المصدرية (فيكون) إمضاؤها ملازما لإمضائها عرفا (فتدبر) (فظهر) انه لا منافاة بين القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيحة و التمسك بالإطلاق أصلا و ان كان‏

____________

- في مقام إمضاء الاعتبارات الصادرة من المتعاملين فمقتضى إطلاقه و عدم التقييد بمظهر خاص يثبت عموم الإمضاء لكل ما يمكن ان يكون مظهراً له و بذلك يستغنى عن جميع ما أفيد في المقام في وجه التمسك بالإطلاقات في المعاملات مع عدم تماميتها في أنفسها فافهم و اغتنم‏