أجود التقريرات‏ - ج2

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
523 /
1

باسمه تعالى‏

هذا هو المجلد الثاني من تقريرات أبحاث شيخنا الأستاذ الأعظم و مولانا المعلم الا كبر و ملجأ الأمم و مرجع العرب و العجم خاتمة الفقهاء و المجتهدين و حجة الإسلام و المسلمين آية اللّه تعالى في العالمين حضرة المولى الميرزا محمد حسين الغروي النائيني متع اللّه الإسلام و المسلمين بطول بقائه و من عليهم بدوام ظله و أيام إفاداته و البحث فيه إنما هو في الأدلة العقلية و قد جادت بها يد مؤلفه العالم العامل التقي و الفاضل الكامل المهذب الصفي حجة الإسلام و باب الأحكام السيد السند و الحبر المعتمد سيدنا حضرة السيد أبي القاسم الخوئي النجفي أدام اللّه بركات وجوده و نفع المسلمين بفضله وجوده و أقر اللّه أعين كافة الأخيار من أهل العلم بل كافة أهل الدين بإطالة عمره و تكثير أمثاله كما أقر أعين حضرة آية اللّه المعظم له أستاذه بشريف وجوده على ما ترى بيان ذلك بخطه و خاتمه الشريف في صدر الصفحة الأولى، من هذا الجزء زيادة على ما كتبه تقريظا و بيانا لبعض مراتب هذا المؤلف العالم الجليل في الصفة الأولى من الجزء الأول أيضا بخطه و خاتمه الشريف آمين اللهم آمين و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين‏

2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيم‏

الحمد للَّه رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و عترته الطاهرين و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين و بعد فهذا هو

[تتمة الجزء الثاني‏]

(المقصد السادس) و الكلام فيه إنما هو في الأمارات‏

التي تقع أو قيل بوقوعها في طريق الاستنباط عقلا أو نقلا و قبل الخوض في ذلك لا بد من التكلم‏

في القطع و ما يترتب عليه من الأحكام‏

فنقول اعلم ان البالغ الّذي وضع عليه قلم التكليف إذا التفت في مقام الاستنباط إلى حكم شرعي فإما أن يحصل له القطع أو الظن أو الشك أما القطع فهو حجة من قبل نفسه من غير أن يكون‏

3

بجعل جاعل أو اعتبار معتبر و اما الشك فهو غير قابل للحجية و الكاشفية أصلا و الوجه فيه ظاهر و اما الظن فهو متوسط بينهما فإن قام دليل على اعتباره فيلحق بالقطع و يكون قطعا تنزيليا و إلا فيلحق بالشك فيجري في مورده أحد الأصول الأربعة العملية التي لا بد من الرجوع إليها في موارد عدم حصول القطع أو الأمارة المعتبرة و مما ذكرناه ظهر ان جعل التقسيم ثلاثيا كما فعله العلامة الأنصاري (قده) إنما هو باعتبار انقسام حالات المكلف في حدّ ذاتها إلى ذلك و تمييز أحكام بعضها عن بعض فما عن المحقق صاحب الكفاية (قده) من الإشكال عليه بأنه مستلزم لتداخل الأقسام فإن الظن المعتبر يلحق بالقطع و غير المعتبر منه يلحق بالشك من الغرائب بداهة ان التقسيم إنما هو باعتبار ذلك و بيان ان الظن ليس كالقطع و الشك بل يلحق بأحدهما مرة و بالآخر أخرى (ثم) ان الأصول الجارية في مورد الشك و إن كانت كثيرة إلا ان الأصول التي تستعمل في مقام الاستنباط و تكون جارية في تمام الأبواب منحصرة بحكم الاستقراء في الأربعة و اما موارد جريانها فانحصارها في الأربعة عقلي دائر بين النفي و الإثبات و الأولى في تقريبه بحيث يسلم عن الإشكال ان يقال ان الشك اما ان يكون مسبوقا بالحالة السابقة أم لا و على الثاني اما ان يكون جنس الإلزام معلوما أم لا و على الأول اما ان يكون الأمر فيه دائراً بين المحذورين أم لا فالأوّل مورد الاستصحاب و الثاني مورد البراءة و الثالث مورد التخيير و الرابع مورد الاحتياط و الغرض من التعرض لموارد الأصول في المقام إنما هو بيان تلك الموارد بنحو الموجبة الجزئية للإشارة الإجمالية إلى المباحث الآتية و اما شرائط جريان الأصول فبيانها موكول إلى مباحثها إن شاء اللَّه تعالى. و من ذلك يظهر انه لا وقع لإيراد المحقق المذكور على تقسيم العلامة الأنصاري (قدس سرهما) بأن الشك في البقاء مع تحقق الحالة السابقة إن لم يكن من جهة الشك في الرافع لا يكون مجرى للاستصحاب على ما يراه الشيخ (قدس سره) من عدم جريان الاستصحاب عند الشك في المقتضي إذ هو نظير ان يورد على تقسيمنا بأن مورد العلم بالإلزام في الجملة في غير موارد دوران الأمر بين المحذورين لا يكون مجرى للاحتياط مطلقا بل عند عدم انحلال العلم الإجمالي (ثم) انه إذا قيدنا مورد الاستصحاب بما إذا لوحظ فيه الحالة السابقة كما فعله العلامة الأنصاري (قده) هنا و في أول البراءة فلا يكون الإشكال المذكور واردا من أصله حتى يحتاج إلى تكلف الجواب عنه بما ذكرناه إذا ما لم يلحظ فيه الحالة السابقة الّذي هو مورد جريان الأصول الثلاثة الأخيرة يكون أعم مما لا يكون فيه‏

4

حالة سابقة أو كانت و لم تلحظ كما في موارد الشك في المقتضي على ما هو التحقيق عندنا و عند العلامة الأنصاري (قده) من عدم حجية الاستصحاب عند الشك في المقتضي على ما سيأتي تفصيله في محله إن شاء اللَّه تعالى. (ثم) ان انحصار الأصول الجارية في الأحكام الكلية و إن لم يكن انحصارها في الأربعة عقليا كما أشرنا إليه إلا ان انحصار غير الاستصحاب في الثلاثة عقلي دائر بين النفي و الإثبات و تقريبه ان يقال ان في موارد عدم مراعاة الحالة السابقة اما ان يراعى أحد طرفي الاحتمال وجودا أو عدماً أو لا يعتبر شي‏ء منهما بل يكون التخيير بيد المكلف و على الأول فإما أن يراعى وجود التكليف أو عدمه فهذه أقسام ثلاثة و هي أصالة التخيير و الاحتياط و البراءة ليس إلا (ثم) انه لا إشكال في كون مباحث الأمارات و الأصول العملية من المباحث الأصولية و اما مباحث القطع ففيها ما يكون كذلك و تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي كمباحث العلم الإجمالي من جهة وجوب الموافقة القطعية أو حرمة المخالفة القطعية و منها ما لا يكون كذلك كالبحث عن عدم قابلية حجية القطع لتعلق الجعل بها إثباتا و نفيا و نحو ذلك (و كيف كان)

فبيان أحكام القطع إنما هو في ضمن أمور

(الأول) انه لا إشكال في ان القطع إذا تعلق بكل شي‏ء يكون طريقا إليه لا محالة كما انه لا إشكال في وجوب متابعته‏

فيما إذا تعلق بتكليف أو موضوع تعلق به التكليف و التعبير بوجوب متابعته و إن كان يوهم كون القطع بنفسه شيئا حكم عليه بوجوب المتابعة و هذا لا يتحقق في القطع الطريقي فإن حيثية ذاته هي الطريقية الكاشفية لا أمر زائد عليها إلا ان ذلك من باب ضيق التعبير و المراد وجوب متابعة المقطوع به عند تعلق القطع به (ثم) ان الحجية و الطريقية و إن كانت مجعولة في غير القطع على خلاف بيننا و بين العلامة الأنصاري (قده) في انها مجعولة بنفسها أو تتبع منشأ انتزاعها إلا انها في القطع غير قابلة للجعل التشريعي بداهة ان الجعل التشريعي إنما يتعلق بشي‏ء يكون تكوينه بعين تشريعه بعد قابلية المحل له كالوجوب للصلاة و الطريقية للأمارات الظنية و نحوهما من المجعولات التشريعية و اما الموجودات الخارجية من الجواهر و الاعراض فهي لا تكون مجعولة للشارع بما هو شارع و حيث ان الطريقية و الانكشاف إنما هو ذات القطع و حقيقته كما هو الصحيح أو من لوازمه الذاتيّة فيستحيل تعلق الجعل التشريعي بها لا محالة. و من ذلك يظهر استحالة تعلق الجعل بنفي طريقيتها أيضا إذ ما لا يكون قابلا لتعلق الجعل به إثباتا لا يكون قابلا لتعلق الجعل به نفيا بالضرورة (ثم) ان القطع كما يمكن ان يكون طريقيا محضا كذلك يمكن أن يؤخذ في موضوع حكم‏

5

شرعي مغاير لمتعلقه أو لحكم متعلقه كما إذا أخذ القطع بالملكية في موضوع جواز الشهادة و هذا يكون على قسمين (الأول) أن يؤخذ القطع في الموضوع بما انه صفة خاصة و معلوم بالذات و نور لنفسه من دون ملاحظة جهة إراءته و كشفه عن المعلوم بالعرض و حينئذ فإما ان يكون تمام الموضوع هو وجود هذه الصفة في النّفس و لا يكون للواقع فيه دخل أصلًا كما هو الظاهر في باب الشهادة فيعبر عن القطع بأنه تمام الموضوع و اما ان يكون للواقع دخل في الموضوع أيضا فيكون الموضوع مركبا من وجوه الصفة النفسانيّة و مطابقتها للواقع و عند انكشاف الخلاف ينكشف عدم الموضوع من أوَّل الأمر و في هذا القسم يكون القطع جزءاً للموضوع و مقوما له (الثاني) ان يؤخذ القطع في الموضوع بما انه كاشف من الواقع و طريق إليه و منور لغيره الّذي هو المعلوم بالعرض و عليه فلا يمكن أخذ القطع إلا جزءاً للموضوع و مقوما له و يستحيل كونه تمام الموضوع حينئذ بداهة ان معنى كونه تمام الموضوع هو دوران الحكم مداره أصاب الواقع أم أخطأ و أخذه مع ذلك طريقا إلى الواقع و كاشفا عنه مما لا يجتمعان فتحصل ان أقسام القطع أربعة (الأول) القطع الطريقي المحض (الثاني) ما يكون مأخوذا في الموضوع على نحو الصفتية مع كونه تمام الموضوع (الثالث) ما يؤخذ جزءاً للموضوع على نحو الصفتية (الرابع) ما يؤخذ جزءاً للموضوع على نحو الكاشفية و الطريقية (ثم) ان القطع بأقسامه لا يمكن ان يطلق عليه الحجة في باب الأدلة و اما الحجة في باب الأقيسة فلا يمكن إطلاقها على القطع الطريقي فقط (و توضيح ذلك) هو ان الحجة تارة تطلق و يراد منها معناها اللغوي و هو ما يحتج به في مقام الاحتجاج و أخرى تطلق و يراد منها معناها المصطلح عليه عند المنطقي المعبر عنه بالحجة في باب الأقيسة و ثالثة تطلق و يراد معناها المصطلح عليه عند الأصولي المعبر عنه بالحجة في باب الأدلة اما الحجة بالمعنى الأول فلا إشكال في كون القطع الطريقي من أظهر افراده و مصاديقه بل ينتهي إلى حجيته حجية كل حجة إذ بالقطع بحكم المولى أو بقيام ما يقطع بحجيته عليه يحتج المولى على عبده العاصي فيكون قاطعا للعذر كما ان العبد في فرض موافقته لقطعه بالحكم أو بما قطع بحجيته يحتج على مولاه إذا كان القطع أو الطريق مخالفا للواقع فيكون معذرا له و أما الحجة في باب الأقيسة فهي عبارة عن الوسط الّذي يكون واسطة لإثبات الأكبر للأصغر في الشكل الأول سواء كان علة لوجوده أو معلولا له أو كانا متلازمين من جهة معلوليتهما لعلة ثالثة و حيث ان لا علية و لا معلولية بين القطع الطريقي و متعلقه فلا يمكن جعله وسطا في الشكل‏

6

الأول فلا يطلق عليه الحجة في اصطلاح المنطقي و اما القطع الموضوعي فحيث ان نسبته إلى حكمه الثابت له كنسبة العلة إلى معلولها و يمكن تشكيل قياس من ضم صغرى وجدانية إلى كبرى مجعولة شرعية بحيث يكون عنوان المقطوع وسطا في القياس كقولك هذا مما قطع بملكيته لزيد و كل ما كان كذلك فيجوز الشهادة عليه فيطلق عليه الحجة في باب الأقيسة (و بالجملة) حال القطع الموضوعي في ترتب جواز الشهادة عليه مثلا كحال الخمر في ترتب حرمة الشرب عليه شرعا فكما يمكن ترتيب قياس يكون الوسط فيه هو عنوان الخمر و يكون الأكبر هو الحرمة المترتبة عليه نظير ترتب الحدوث على التغيير فكذلك يمكن ترتيب قياس يكون الوسط فيه هو عنوان المقطوع و يكون الأكبر هو الحكم المترتب عليه شرعا و أما الحجة في باب الأدلة أعني بها ما يكون مثبتا لمتعلقه بحيث يمكن عند قيامها تشكيل قياس و لو على نحو المسامحة كما تقول هذا مما قامت البينة على خمريته و كل ما كان كذلك فهو خمر فلا يمكن إطلاقها على القطع مطلقا طريقيا كان أو موضوعيا أو عدم جواز إطلاقها على القطع الطريقي فلعدم جواز وقوعه وسطا في الشكل الأول مطلقا حتى يثبت الأكبر للأوسط و أما عدم إطلاقها على القطع الموضوعي فلأنه و إن أمكن كونه وسطا لإثبات الأحكام المتعلقة به إلا انه لا يمكن كونه وسطا لإثبات متعلقه حتى يمكن إطلاق الحجة في باب الأقيسة عليه و إنما قلنا ان تشكيل القياس فيما يكون حجة في باب الأدلة مبني على المسامحة فلأن المجعول الشرعي عند قيام البينة مثلًا ليس هي الكبرى الكلية بنفسها كمجعولية الكبرى الكلية في القطع الموضوعي بل المجعول في الحقيقة كما سيتضح فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى انما هو نفس طريقية البينة و نحوها (فتحصل) ان الحجة في باب الأدلة لا يراد منها إلا ما يكون مثبتا للمتعلق سواء لم يكن هناك علية و معلولية أصلًا أو كان الحجة كالمعلول بالإضافة إلى الأكبر المحمول في الكبرى كالظواهر فإنها حجة على المراد الواقعي و نسبتها إلى إرادة الواقعية نسبة المعلول إلى العلة فانها هي الموجبة و الداعية إلى إلقاء كلام كاشف عنها و بهذه الملاحظة يكون هذا القسم من الحجة حجة في باب الأقيسة أيضا (و بالجملة) القطع الطريقي لا يمكن إطلاق الحجة عليه إلّا بالمعنى الأول اللغوي و القطع الموضوعي لا يكون حجة الا في الاصطلاح المنطقي و البينة و أمثالها حجة في باب الأدلة فقط و الظواهر يطلق عليها الحجة بكلا الاصطلاحين باعتبارين (ثم) ان القطع الطريقي لا يفرق فيه بين افراده و لا يمكن التصرف فيه أصلا لا من جهة الأشخاص و لا من جهة الأزمنة

7

و الأسباب لما عرفت من ان طريقيته ذاتية غير قابلة لتعلق الجعل بها إثباتا و نفيا و لا يفرق أيضا بين تعلقه بنفس الحكم الشرعي أو بمتعلقه أو موضوعه و اما القطع الموضوعي فحاله في السعة و الضيق يتبع دلالة الدليل الدال على أخذه في الموضوع نظير بقية الموضوعات المأخوذة في أدلة الأحكام فربما يدل الدليل على أخذ خصوص قطع من جهة القاطع أو السبب أو غيرهما في الموضوع و ربما يدل على أخذه في الموضوع مرسلا غير مقيد بخصوصية خاصة (و توضيح ذلك) ان متعلق القطع اما ان يكون موضوعا من الموضوعات الخارجية أو حكما من الأحكام الشرعية و على الأول فيمكن ان يكون الحكم الشرعي مترتبا على نفس الموضوع الّذي تعلق به العلم من دون مدخلية للعلم في ترتبه أصلا فيكون القطع حينئذ طريقا محضا إلى حكم متعلقه و يمكن ان يكون مترتبا على الموضوع المعلوم دون نفسه فيكون العلم تمام الموضوع أو جزئه على التفصيل المتقدم و على الثاني فتارة يقع الكلام في الحكم المقطوع به و أخرى في حكم آخر مترتب عليه أما التكلم في الحكم الآخر فحاله حال القسم الأول بعينه فان الحكم الآخر تارة يترتب على نفس الحكم المقطوع من دون مدخلية لتعلق القطع به فيكون القطع بالإضافة إليه طريقا محضا لا محالة و أخرى يكون مترتبا على الحكم المقطوع بما انه كذلك فيكون القطع مأخوذا في موضوعه على نحو يكون تمام الموضوع أو جزئه و يجوز تخصيص القطع حينئذ ببعض الأفراد دون بعض كما انه أخذ قطع المجتهد بالأحكام من الطرق المتعارفة موضوعا لجواز تقليده دون القطع الحاصل من مثل الجفر و الرمل و نحوهما و أما التكلم في الحكم المقطوع به فملخصه ان القطع ان كان متعلقا بالحكم فلا محالة يكون طريقا إليه و يستحيل كونه مأخوذا في موضوعه لأن أخذه في الموضوع يستلزم تقدمه على حكمه تقدم كل موضوع على ما يترتب عليه من الحكم و فرض تعلقه به و كونه طريقا إليه كونه متأخرا عنه و تقدم الحكم عليه ففرض تعلقه بحكم أخذ في موضوعه القطع بهِ يستلزم تقدم الشي‏ء على نفسه و لكن استحالة تقييد موضوع الحكم بالقطع به لا يوجب كونه مطلقا بالإضافة إلى حالتي العلم و الجهل لما بيناه في بحث المطلق و المقيد و غيره و ان استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق أيضا فكل تكليف بالإضافة إلى الانقسامات الثانوية الناشئة من نفس الخطاب لا يعقل فيه إلا الإهمال و لا يمكن اتصافه لا بالتقييد و لا بالإطلاق اللحاظيين و إنما المتصور هو نتيجة الإطلاق أو التقييد المستفادة من دليل آخر متمم للجعل الأول باعتبار تقييد الغرض و عدمه ففي مثل قصد القربة قد علم تقييد العبادات به بنتيجة التقييد لأجل تقيد

8

الغرض به كما انه قد علم من أدلة اشتراك التكليف المدعى تواتر اخبارها في كلمات العلامة الأنصاري (قده) عدم اختصاص الأحكام بخصوص العالمين بها بل يعم الجاهلين أيضا و لكن ثبت من الأدلة الاختصاص في باب القصر و التمام و الجهر و الإخفات و ان الجاهل بوجوب القصر لا يجب في حقه القصر كما ان الجاهل بوجوب الجهر أو الإخفات كذلك فيكون الدليل المستفاد من الدليل المتمم للجعل الأول هو اشتراط وجوب القصر أو الجهر أو الإخفات بالعلم بالوجوب من باب نتيجة التقييد و إذا أمكن أخذ القطع بالحكم في موضوعه بدليل آخر فيمكن أخذ القطع بالحكم من سبب خاص مانعا عنه أيضا و هذا كما في القطع القياسي فإن المستفاد من رواية أبان عدم اعتبار القطع الحاصل من القياس و هذا انما يكون باعتبار تقييد الأحكام الواقعية بأن لا تكون معلومة من طريق القياس من باب نتيجة التقييد ففي الحقيقة موضوع تلك الأحكام من لا يكون عالما بها من طريق القياس و هذا ليس تصرفا في ناحية القطع حتى يقال بأن طريقته ذاتية غير قابلة لأن تنالها يد الجعل نفيا و إثباتا بل تصرف في ناحية المقطوع و تخصيصه بموضوع خاص دون آخر بل لا يبعد أن يكون القطع الحاصل من الجفر و الرَّمل و نحوهما أيضا كذلك بأن تكون الأحكام الواقعية مختصة من باب نتيجة التقييد بغير العالمين بها من تلك الطرق الغير المتعارفة فإن دعوى الإجماع على ذلك ليست بكل البعيد (و بالجملة) فأخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه بنحو الشرطية أو المانعية و إن لم يمكن بالنظر إلى الجعل الأول الغير الممكن فيه إلا الإهمال إلا ان ذلك بالنظر إلى متمم الجعل الناشئ من تقيد الأغراض أو إطلاقها بمكان من الإمكان (و الغرض) من جميع ذلك هو دفع ما ربما يورد على شيخنا العلامة الأنصاري (قدس سره) في تمثيله للقطع الخاصّ المأخوذ في الموضوع بالقطع الحاصل من الكتاب و السنة عند الاخباري و حاصل الإيراد هو ان القطع المتعلق بالحكم الشرعي لا محالة يكون طريقيا محضا و لا وجه لعدة من أقسام القطع الموضوعي و حاصل الجواب هو انه يمكن أخذ القطع بالحكم في موضوعه شرطا أو مانعا لكن لا من باب تقييد الجعل الأول المستحيل بل من باب نتيجة التقييد المستفادة من المتمم للجعل الأول فإذا أمكن للأخباري إقامة الدليل على تقييد الأحكام الواقعية بأن لا تكون معلومة من غير الكتاب و السنة فلا مناص عن تصديقه لما عرفت من عدم المحذور في التقييد بالجعل الثاني أصلا (ثم) ان في قيام الأمارات و الأصول المحرزة مقام القطع وجوها بل أقوالا (الأول) قيامها مقام القطع الطريقي المحض دون غيره من‏

9

الأقسام مطلقا (الثاني) قيامها مقام القطع بأقسامه (الثالث) قيامها مقام القطع الطريقي المحض أو المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية و هذا هو الّذي اختاره شيخنا العلامة الأنصاري و سيد أساتيذنا العلامة الشيرازي (قدس سرهما) و هو الحق عندنا

و لتوضيح ذلك نقدم مقدمات‏

(الأولى) ان العلم و ان اختلف في كونه من مقولة الفعل أو الانفعال أو الكيف أو الإضافة إلّا ان الحق ان فيه جهات كل منها

إذا أول مراتبه هو استعداد النّفس و تأثره من المعدات لإيجاد صورة في صقعها و هذا هو جهة الانفعال ثم بعد ذلك توجد تلك الصورة في عالم الذهن و هذا هو جهة الفعل ثم تتصف النّفس بكونها واجدة لتلك الصورة و الكيفية التي لم تكن واجدة لها قبل ذلك و هذا هو جهة الكيفية ثم بعد ذلك تكون تلك الصورة المعلومة بالذات للنفس إضافة بينها و بين الموجود الخارجي الّذي هو معلوم بالعرض و هذا هو جهة الإضافة و هذه المراتب و ان لم يكن بينهما تقدم و تأخر خارجي إلا ان كل مرتبة منها متأخرة عن مرتبة سابقة عليها بالرتبة (ثم) ان المرتبة الأخيرة لها جهتان إحداهما انكشاف المعلوم الخارجي لدى النّفس و حضوره لديها و ثانيهما البناء على وجوده و عقد القلب عليه المترتب عليه الترغبة إليه أو الهرب عنه و ربما تختلف الجهة الثانية عن الأولى كما في موارد التشريع و البناء على عدم المعلوم المعبر عنه في الآية المباركة بالجحود مع اليقين ثم ان ما عدا المرتبة الرابعة التي هي مرتبة تحقق المعلوم بالعرض أمور تكوينية غير قابلة لأن تنالها يد الجعل و اما المرتبة الرابعة فهي في القطع ذاتية غير قابلة للمجعولية و أما في غيره فجعلها بمكان من الإمكان على خلاف بيننا و بين شيخنا العلامة الأنصاري (قده) في ان مجعوليتها هل هي بنفسها أم بتبع الأحكام التكليفية و ستعرف في بحث الاستصحاب أمكن مجعوليتها بنفسها و استحالة كونها منتزعة من الأحكام التكليفية ففي مثل الأمارات و الطرق الناظرة إلى الواقع يكون المجعول الشرعي هي الجهة الأولى من المرتبة الرابعة فتكون هي طريقة إلى الواقع كما ان القطع طريق إليه غاية الأمر ان طريقية القطع ذاتية له و طريقية الأمارات مجعولة لها بجعل الشارع ابتداء أو إمضاء و في مثل الأصول المحررة التي أخذ الشك في موضوعها و ليس لها نظر إلى الواقع و لكن حكم الشارع مع فرض الشك بالبناء على الواقع و بعدم الاعتناء بوجوده كالاستصحاب يكون المجعول الشرعي هي الجهة الثانية من المرتبة الرابعة و في كل منهما يكون لأدلة اعتبارهما حكومة على الأدلة الواقعية حكومة ظاهرية لا واقعية توضيح ذلك ان الحكومة عبارة عن دلالة لعد الدليلين على توسعة موضوع الدليل الآخر

10

أو تضييقه و قد يكون دالا على تضييق حكمه أيضا (و التوسعة) أو التضييق تارة يكونان في مقام الثبوت و الواقع و أخرى في مقام الإثبات و الظاهر ففي مثل أدلة لا ضرر و لا حرج المفيدة لاختصاص الأحكام الشرعية بغير مواردهما تكون الحكومة واقعية و يستفاد منها ان الأحكام الشرعية لم تجعل في موارد الضرر و الحرج واقعا و هذا تضييق بحسب الأحكام الواقعية كما ان المستفاد من قوله (عليه السلام) لا شك لكثير الشك هو اختصاص الشك المأخوذ في أدلة الشكوك بغير شك من يكثر شكه فيكون موضوع تلك الأدلة ضيقا بحسب الواقع و تكون الحكومة أيضا واقعية و كذلك قوله (صلى اللَّه عليه و آله) الطواف بالبيت صلاة و قوله (صلى اللَّه عليه و آله) الفقاع خمر استصغره الناس يفيد أن تعميما في أدلة حرمة الخمر و أدلة اشتراط الصلاة بالطهارة من جهة الموضوع واقعا و هذا بخلاف أدلة حجية الأمارات و الأصول فإنها لا تفيد تعميما أو تضييقا في الواقعيات بأن تدل على ان ما قامت البينة على خمريته أو المستصحب الخمرية مثلا حرام واقعا كيف و حجية الأمارات في ظرف الجهل بالواقع و الأصول أخذ في موضوعها الجهل به فهي في طول الواقع فكيف يمكن أن تكون مفيدة للتعميم أو التضييق بحسبه و من ذلك ظهر ان المناط في الحكومة الواقعية هو كون الدليل الحاكم في عرض الدليل المحكوم حتى يكون متعمما له أو مضيقا له في مرتبته و هذا بخلاف ما إذا كان الدليل الحاكم في طول الواقع و في مرتبة متأخرة عنه فإنه يستحيل حينئذ كون الحكومة واقعية و تتمحض في كونها ظاهرية كما في حكومة الأمارات و الأصول بعضها على بعض أو الأمارات بتمامها على الأصول أو الأمارات و الأصول على الأدلة الواقعية فإن الحكومة في جميع ذلك ظاهرية و التعميم أو التضيق إنما هو بحسب مقام الإثبات ليس إلا و بالجملة فحكم الشارع على المكلف بأنه عند قيام الأمارة محرز للواقع و في موارد الأصول المحرزة بوجوب البناء على كون مواردها هو الواقع يستلزم تعميما أو تضييقا في الأدلة الواقعية في مقام الإثبات (فإن قلت) تشترك أدلة الشكوك في الصلاة مع أدلة الأصول في كون الشك مأخوذا في موضوعها فما الفارق بينهما حتى تكون الحكومة في أدلة الأصول ظاهرية و في أدلة الشكوك واقعية (قلت) الفرق بينهما هو ان الشك المأخوذ في أدلة الشكوك إنما أخذ في الموضوع لا من جهة الحيرة في الواقع بل من جهة كونه صفة من الصفات النفسانيّة نظير أخذ القطع في الموضوع بما هو صفة و لا ريب ان المكلف باعتبار وجود تلك الصفة و عدمه ينقسم إلى قسمين و بمقتضى أدلة الشكوك ينقلب الحكم الواقعي و يكون واجد تلك الصفة مكلفا

11

بإتيان الركعة المفصولة مثلا و إذا كان الحكم الثابت في حقه واقعيا لا ظاهريا فلا محالة تكون حكومة الدليل الدال على إلغاء شك كثير الشك عليها حكومة واقعية و موجبا لتضييق الموضوع واقعا و هذا بخلاف أدلة الأصول فإن الشك لم يؤخذ في موضوعها بما هي صفة بل من جهة التخيير في متعلقه فإذا فرض حكم الشارع على شي‏ء بالمحرزية في مورد الأصل فلا محالة يكون رافعا للتحير من جهة إحراز الحكم الواقعي بحكم الشارع و منه يظهر ان حكومة الأصول بعضها على بعض و حكومة الأمارات عليها أو بعضها على بعض ليست إلا من جهة حكومتها على الأحكام الواقعية و كون الحكومة فيها ظاهرية إنما هو بهذا الاعتبار لا ان حكم الأصول يكون محفوظا في الواقع مع حكومة الأمارات عليها كيف و قد ذكرنا في بحث الأجزاء و سيجي‏ء إن شاء اللَّه تعالى ان الأحكام الظاهرية أعني بها حكم الشارع بمحرزية شي‏ء لا يمكن فعليتها إلا مع وصولها إلى المكلف موضوعا و حكما فإذا فرضنا حكم الشارع بمحرزية الأمارة في مورد الاستصحاب مثلا فيستحيل مع ذلك بقاء الاستصحاب على صفة المحرزية و لا مناص عن إلغاء صفة المحرزية عنه حينئذ و مع ذلك تكون الحكومة ظاهرية فإن حكومتها عليها ليست إلا من جهة كونها محرزة للواقع ليس إلا و قد عرفت ان هذه الحكومة ظاهرية لا واقعية

(الثانية) ان تنجيز الواقع عند مصادفة الأمارة أو الأصل للواقع أو المعذرية عند المخالفة ليسا بمجعولين بأنفسهما

بل هما من لوازم جعل الحجية و الطريقية فإن استحقاق العقوبة على مخالفة التكليف الواصل إنما هو من اللوازم العقلية لها كما ان عدم استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الغير الواصل أيضا كذلك فهما غير قابلين لأن تنالهما يد الجعل أصلا فالمجعول في الحقيقة هو الكاشفية و الطريقية للأمارة أو الأصل المحرز للواقع و عند تحققهما يكون الواقع و أصلا بنفسه و يكون المخالفة عليها حينئذ مخالفة للتكليف الواصل بنفسه فيترتب عليها استحقاق العقوبة (نعم) في الأصول الغير المحرزة كأصالة الاحتياط في الأموال و النفوس و الأعراض أو في الشبهة التحريمية على القول بها لا يكون الواقع و أصلا بنفسه إذ هو على مجهوليته بعد إيجاب الاحتياط أيضا إلا ان وجوب الاحتياط لكونه وجوبا طريقيا ناشئا عن اهتمام الشارع بالواقع و متمما للجعل الأول يكون وصوله كافيا في استحقاق العقوبة على الواقع إذ الواقع بعد إيجابه يكون واصلا بطريقه فيصح العقوبة على مخالفته و قد ذكرنا في بعض المباحث السابقة ان متمم الجعل الأول الناشئ من عدم وفاء الجعل الأول بالغرض تارة يكون واقعيا و في عرض الجعل‏

12

الأول و أخرى يكون طريقيا و في طوله و على كل تقدير فالعقاب على مخالفته هو العقاب على مخالفة الواقع عينا لكون الداعي إلى جعلهما غرضا واحدا فيكونان في حكم تكليف واحد و بالجملة ما يمكن للشارع جعله في باب الأمارات أو الأصول المحرزة ابتداء أو إمضاء إنما هو الطريقية و الكاشفية حتى يكونان موجبين لوصول الواقع على ما عرفت من الفرق بينهما و أما استحقاق العقاب أو المعذرية فهما من اللوازم العقلية للوصول و عدمه و غير قابلين للمجعولية أصلا

(الثالثة) انه ليس معنى حجية الطريق مثلا تنزيل مؤداه منزلة الواقع و لا تنزيله منزلة القطع‏

حتى يكون المؤدي واقعا تعبدا أو يكون الأمارة علما تعبدا بداهة ان دليل الحجية لا نظر له إلى هذين التنزيلين أصلا و إنما نظره إلى إعطاء صفة الطريقية و الكاشفية للأمارة و جعل ما ليس بمحرز حقيقة محرزا تشريعيا (نعم) لا بد و ان يكون المورد قابلا لذلك بأن يكون له كاشفية عن الواقع في الجملة و لو نوعا إذ ليس كل موضوع قابلا لا عطاء صفة الطريقية و المحرزية له فما يجري على الألسنة بأن ما قامت البينة على خمريته مثلا خمر تعبدا أو ان نفس البينة علم تعبدا فمما لا محصل له و ليس له معنى معقول إذ الخمرية أو العلم من الأمور التكوينية الواقعية التي لا تنالها يد الجعل تشريعا مضافا إلى انه لم يرد في آية و لا رواية ان ما قامت البينة على خمريته خمرا و ان الأمارة علم حتى يصح دعوى كون المجعول هو الخمرية أو كون البينة علما و لو بنحو المسامحة من باب و الضيق في التعبير و بالجملة ما يكون قابلا لتعلق الجعل التشريعي به كبقية المجعولات التشريعية هو نفس صفة الكاشفية و الطريقية لما ليس كذلك بحسب ذاته من دون تنزيل للمؤدى منزلة الواقع و لا لتنزيل نفسه منزلة العلم إذا عرفت هذه المقدمات فنقول ان عمدة ما يتصور أن يكون مانعا عن قيام الأمارات و الأصول منزلة العلم الطريقي المحض و المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية هو ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) و هو الّذي كان يدور على السنة تلامذة شيخنا العلامة الأنصاري (قده) منذ سنين و حاصله ان في كل تنزيل لا بد من ملاحظة المنزل و المنزل عليه لا محالة و تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي إنما هو بتنزيل المؤدي منزلة الواقع في الحقيقة إذ المفروض عدم ترتب أثر شرعي على نفس القطع فيكون لحاظ الأمارة و القطع في هذا التنزيل آليا و فانيا في الواقع و المؤدي كما ان تنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي لا بد فيه من لحاظهما استقلالا و باعتبار آثار نفس القطع و لا ريب ان هذين اللحاظين مع قطع النّظر عن عدم إمكان تصور الجامع بينهما متنافيان كمال المنافاة و لا

13

يمكن الجمع بينهما في دليل واحد فلا مناص من كون دليل الحجية متكفلا للتنزيل بذاك اللحاظ الآلي فلا يكون دليلا على قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي أو بذلك اللحاظ الاستقلالي فلا يكون دليلا على قيامها مقام القطع الطريقي‏

(و لا يخفى) ان بناء هذا الإشكال على عدم التفرقة بين الحكومة الظاهرية و الواقعية و تخيل ان دليل الاعتبار إنما يتكفل لإثبات أحكام الواقع للمؤدى أو أحكام القطع للأمارة فيكون تعميما في الموضوعات الواقعية أو في العلم المأخوذ في الموضوع واقعا و أما إذا بنينا على عدم تكفل دليل الحجة و الاعتبار للتنزيل أصلا بل غاية شأنه هو إعطاء صفة الطريقية و الكاشفية للأمارة و جعل ما ليس بمحرز للواقع حقيقة محرزا له تشريعا فليس هناك تنزيل حتى يترتب عليه الجمع بين اللحاظين المتنافيين و الحاصل إذا فرضنا ان الشارع حكم بوجوب الاجتناب عن الخمر الواقعي و حكم بنجاسته حين ما كان محرزا عند المكلف فعند قيام البينة على خمرية شي‏ء و المفروض ان الشارع جعل لها صفة المحرزية و الكاشفية فكما انه يترتب عليه وجوب الاجتناب للكون المكلف محرزا للخمر الواقعي فكذلك يترتب عليه النجاسة أيضا إذ المفروض أن الموضوع لها هو الخمر المحرز و ما قامت البينة على خمريته بعد حكم الشارع بمحرزيتها و طريقيتها يكون كذلك لا محالة غاية الأمر ان موضوع الحكم في القطع الطريقي هو نفس الواقع و هو محرز بحكم الشارع و في القطع الموضوعي مركب من جزءين طوليين بحيث يكون تحقق أحدهما كافيا في تحقق الآخر أيضا فإن الإحراز الّذي هو جزء الموضوع محرز بنفسه و الواقع الّذي هو الجزء الآخر محرز به و مما ذكرناه يظهر انه لا معنى للحكم الظاهري إلا الحكم الواقعي المحرز بحكم الشارع و إلا فليس هناك بعث و زجر آخر في قبال الواقع حتى يكون حقيقة الحكم منقسمة إلى واقعي و ظاهري (ثم) لا يخفى ان مرادنا من القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية ليس كون لفظ القطع مستعملا في مطلق الكاشف على نحو عموم المجاز و لا كون كاشفيته علة مستنبطة حتى يورد علينا بأن استعمال العلم في مطلق الكاشف يحتاج إلى قرينة في الكلام و بأن العلة المستنبطة ما لم تكن قطعية لا توجب سراية الحكم إلى غير الموضوع في القضية و دون إثبات القطع يكون الملاك و العلة هو الكاشفية خرط القتاد بل المراد منه هو كونه بنفسه مأخوذا في الموضوع بما انه منور لغيره موجب لكون الموجود الخارجي معلوما بالعرض كما ان الموضوع في القطع الطريقي هو نفس الخمر الواقعي و لكن الأمارة إنما تقوم مقامها لأجل الحكومة الظاهرية و تحقق موضوع الحكم في كلا المقامين في‏

14

حكم الشارع و بجعله و بعبارة أخرى كما ان ما قامت البينة على خمريته لا يكون حقيقة من افراد الموضوع لوجوب الاجتناب و لا يكون دليل الاعتبار كاشفا عن عموم موضوع الحكم له واقعا بناء على عدم كون الحكومة واقعية كما هو الصحيح و مع ذلك يترتب عليه الأحكام ظاهرا لكونها محرزة للخمر الواقعي بحكم الشارع فكذلك لا يكون نفس البينة من افراد القطع الموضوعي حقيقة بأن يكون دليل الاعتبار كاشفا عن توسعة الأحكام الثابتة للقطع الموضوعي واقعا و مع ذلك فحيث ان موضوع الحكم بعد حكم الشارع بالكاشفية و الطريقية يكون محرزا بجعل الشارع فيترتب عليه أحكامه أيضا و بالجملة حال تحقق موضوع الحكم في القطع الموضوعي على وجه الطريقية بعينها حال تحققه في القطع الطريقي فكما ان الموجب له هو حكم الشارع بطريقية الأمارة و كاشفيتها فكذلك الموجب له هو ذلك أيضا (و الحاصل) ان تحقق الواقع بعد قيام البينة مثلا إنما هو من جهة إعطاء الشارع صفة المحرزية و الكاشفية البينة التي هي ليست بمحرزة تامة للواقع فصفة المحرزية إنما هي المجعولة أولا بالذات و كون الواقع محرزا إنما هو بتبعها فقيامها بعد اتصافها بهذه الصفة المجعولة مقام القطع الوجداني في كونه جزء للموضوع أولى من قيام المؤدي منزلة الواقع (هذا كله) في القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية و الكاشفية و أما ما أخذ فيه على وجه الصفتية فلا يمكن قيام الأمارات أو الأصول مقامه بالنظر إلى دليل اعتبارها فإن دليل الاعتبار كما عرفت إنما يتكفل لا عطاء صفة الكاشفية و المحرزية فقط و المفروض ان القطع لم يؤخذ بهذه الجهة موضوعا للحكم و الجهة التي بها أخذ في الموضوع لا يكون دليل الاعتبار ناظرا إليها و مثبتا لها و بعبارة أخرى حال القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتية حال بقية الصفات المأخوذة فيه فكما لا معنى لقيام الأمارة مقامها بدليل اعتبارها فكذلك لا معنى لقيامها مقامه و هذا واضح بأدنى التفات و تأمل و لا يحتاج إلى مزيد توضيح و بيان (ثم) ان القطع المأخوذ في الموضوع بتلك الجهة الظاهر عدم وجوده في الشرعيات و توهم كون القطع المأخوذ في الموضوع بتلك الجهة الظاهر عدم وجوده في الشرعيات و توهم كون القطع المأخوذ في موضوع جواز الشهادة أو في الركعتين الأوليين من هذا القبيل فاسد فإن قوله (صلى اللَّه عليه و آله) في باب الشهادة بمثل هذا فاشهد أودع ظاهر في كون القطع مأخوذا بجهة كشفه عن الواقع كانكشاف الشمس في النهار و لا بما انه من صفات الشاهد و أما أدلة اعتبار اليقين في الركعتين الأوليين فبعضها و إن كان مشتملا على لفظ اليقين إلا ان الموجود في البقية هو لفظ الإثبات و الإحراز و من الواضح ان ظاهرهما هو كونه مأخوذا فيه بما انه كاشف‏

15

لا بما انه صفة خاصة ثم انه إذ فرضنا قيام دليل خاص على قيام أمارة أو أصل مقام القطع الصفتي كما هو مقتضى رواية حفص الدالة على جواز الشهادة من جهة اليد بناء على كون القطع المأخوذ في موضوعه مأخوذا فيه على وجه الصفتية فليس قيامهما مقامه من قبيل قيامهما مقام القطع الطريقي المحض أو المأخوذ في موضوع الحكم على وجه الطريقية لما عرفت من ان قيامهما مقامه إنما هو من جهة الحكومة الظاهرية المقتضية لترتيب الآثار في مقام الظاهر و أما قيامها مقام القطع الصفتي فهو أجنبي عن جهة الكاشفية بل هو من باب التعميم في الموضوع واقعا و إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر الكاشف عن عدم اختصاص الحكم بالموضوع الأول و عن اشتراك الآخر معه نظير قوله (صلى اللَّه عليه و آله) الطواف بالبيت صلاة الكاشف عن اشتراط الطواف كالصلاة بالطهارة الحدثية و الخبثية فتكون الحكومة واقعية فالأحكام الثابتة للمقطوع بعد قيام الدليل على تنزيل الظن منزلته و قيامه مقامه ينكشف ثبوتها للأعم من المقطوع و المظنون واقعا هذا و لكن الظاهر من عبارة شيخنا العلامة الأنصاري (قده) ان قيام الأمارات مقام القطع الصفتي إنما هو من باب قيامها مقام القطع الطريقي و إنما الفرق بينهما انما هو في ان الثاني يثبت بنفس دليل الاعتبار بخلاف الأول فإنه يحتاج إلى دليل بالخصوص و لا يكفي فيه قيام الدليل على اعتبارها بقي الكلام فيما استدل به على قيام الأمارات و الأصول مقام القطع بتمام اقسامه و عمدة ما يستدل به على ذلك هو ان دليل الاعتبار إنما يفيد تنزيل المؤدي منزلة الواقع و بعد قيام الأمارة يقطع بكون مؤداها واقعا تعبديا جعليا فأحد جزئي الموضوع و هو القطع يكون محرزا بالوجدان و الجزء الآخر و هو الواقع يكون محرزا بالتعبد فكما يترتب على آثار الخمر الواقعي على ما قامت البينة على خمريته بالتعبد على خمريته فكذلك يترتب عليه آثار مقطوع الخمرية بنفس هذا التعبد أيضا و هذا هو الوجه الّذي تشبث به المحقق صاحب الكفاية (قده) في تعليقه على الرسائل في إثبات قيام الأمارات مقام القطع الطريقي و الموضوعي بنفس دليل الحجية ثم انه (قده) بعد ما أورد على نفسه بما حاصله ان القطع المأخوذ جزء للموضوع هو القطع المتعلق بالموضوع الواقعي فلا يكون تنزيل المؤدي منزلة الواقع كافيا في تحقق تمام الموضوع بضميمة الوجدان إلى التنزيل التزم باستلزام تنزيل المؤدي منزلة الواقع حتى بلحاظ كونه جزء للموضوع لتنزيل القطع بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي و بالآخرة فقد تمسك بإطلاق الدليل للتنزيل من هذه الجهة أيضا و هو (قده) و ان عدل عن‏

16

هذا التقريب في الكفاية إلا انه لا يخفى ما فيه من الإشكالات الكثيرة إذ يرد عليه أو لا ان هذا التقريب على تقدير تماميته إنما يتوقف على كون مفاد أدلة الاعتبار هو تنزيل المؤدي منزلة الواقع و قد عرفت ان أدلة الاعتبار لا تتكفل إلا إعطاء صفة الطريقية و المحرزية للأمارة فيكون حال الأمارة حال القطع الوجداني غاية الأمر ان الطريقية فيه ذاتية و في الأمارة جعلية و اما تنزيل المؤدي منزلة الواقع فلازمه كما عرفت هي الحكومة الواقعية و هي مستلزمة للتصويب و كون مؤديات الأمارات محكومة بالأحكام الواقعية و عليه فلا يكون لجملة من المباحث كمبحث الأجزاء و نحوه مجال أصلا إذ بعد كون المؤدي محكوما بالحكم الواقعي فما معنى انكشاف الخلاف بعد ذلك حتى يتكلم في كونه مجزيا عن الواقع و عدمه (ثانيا) ان تنزيل المؤدي منزلة الواقع في كونه جزء للموضوع باعتبار الحكم الثابت للمركب يتوقف على كون الجزء الآخر منزلا في عرضه أو محرزا بالوجدان كذلك مع ان الجزء الآخر و هو القطع بالواقع الجعلي و تنزيله منزلة القطع بالواقع الحقيقي يتوقف على تنزيل المؤدي منزلة الواقع على الفرض فيلزم الدور المصرح و بهذا الوجه أشار هو (قدس سره) في الكفاية أيضا (و ثالثا) ان موضوع الحكم في القضية الحقيقية التي حكم فيها بثبوت الحكم على مفروض الوجود إذا كان مركبا من جزءين لا يكون أحدهما إحرازا فيمكن حينئذ أن يكون أحد الجزءين محرزا في زمان و الجزء الآخر محرزا بعد ذلك بزمان كالكرية و المائية و أما إذا كان أحد الجزءين هو الواقع و الجزء الآخر إحرازه فلا يمكن إحراز أحد الجزءين أولا و إحراز الجزء الآخر بعده و يستحيل كون الإحراز المتأخر جزء من هذا الموضوع و حيث ان المفروض في المقام هو تركب الموضوع من الإحراز و متعلقه فلو كان الجزء الآخر منزلا في عرض الجزء الأول بأن يكون مشكوك الخمرية منزلا منزلة الخمر الواقعي و كان إحراز الخمر الواقعي بالأمارة منزلا منزلة القطع بالواقع فيتم الموضوع حينئذ و أما إذا كان الإحراز المتأخر عن التنزيل و هو القطع بالواقع الجعلي الّذي لا مساس له بالواقع الحقيقي منزلا منزلة القطع بالواقع فيستحيل التئامه مع الجزء الأول حتى يتحقق المركب الّذي هو الموضوع للحكم و ليت شعري ما الّذي دعا هذا المحقق إلى جعل الجزء الآخر المنزل منزلة القطع بالواقع هو القطع بالواقع الجعلي حتى يرد عليه ذلك و لم لم يلتزم إلى كون الجزء الآخر المنزل منزلته بالملازمة هو الإحراز الناقص المتعلق بنفس الواقع حتى يسلم من ذلك (و رابعا) ان تمسكه بالإطلاق لإثبات التنزيل بلحاظ كون المؤدي‏

17

جزء للموضوع حتى يترتب عليه تنزيل الجزء الآخر عجيب و أعجب منه قياسه ذلك بورود الدليل الخاصّ على التنزيل بهذا اللحاظ و الوجه في ذلك هو ان الدليل الخاصّ الوارد في مقام التنزيل بلحاظ جزء الموضوع لا محالة يكون دليلا و مثبتا للتنزيل بلحاظ الجزء الآخر أيضا صونا لكلام الحكيم عن اللغوية إذ المفروض عدم ترتب الأثر على جزء الموضوع بنفسه و هذا كما إذا ورد الدليل بالخصوص على استصحاب الحياة مع عدم أثر مترتب على نفسها بل كان الأثر مترتبا على لازمها العقلي و العادي فإنه لا مناص حينئذ عن الالتزام بكون التعبد بلحاظ أثر اللازم لئلا يلزم اللغوية في كلام الحكيم و أين ذلك من إثبات هذا الأثر بإطلاق لا تنقض اليقين بالشك فإن شموله بلحاظ أثر اللازم أول الكلام و كذلك في المقام فإن شمول إطلاق دليل التنزيل لجزء الموضوع حتى يترتب عليه تنزيل آخر أول الدعوى و بالجملة التمسك بالإطلاق إنما يصح فيما إذا لم يكن شموله لمقام محتاجا إلى عناية أخرى و أما فيما إذا احتيج إلى ذلك في الشمول فلا يمكن إثبات تلك العناية به و إلا فلا بد من القول بحجية كل أصل مثبت و من الغريب انه (قده) مع عدم ذهابه إلى حجية الأصل المثبت قد صدر منه ما ينافي مبناه في المقام و في القول بمحصلية الأقل بجريان حديث الرفع فيما شك في جزئيته أو شرطيته و فيما إذا نسي الجزء أو الشرط و خامسا إذا أغمضنا عن جميع ما يرد عليه فغاية ما يدل عليه دليل التنزيل هو كون المؤدي منزلا منزلة الواقع في كونه منكشفا للمكلف و غاية ما يقتضيه الملازمة بين التنزيلين هو كون الجزء الآخر منزلا منزلة القطع في انكشاف الواقع به و أين ذلك من تنزيل الجزء الآخر منزلة القطع المأخوذ على وجه الصفتية و هذا يحتاج إلى عناية أخرى لا يتكفل لها دليل الحجية أصلا

بقي هناك شي‏ء

و هو ان موضوع الحكم إذا كان مرسلا و غير مقيد بكونه معلوما فهل يمكن أخذ القطع به في موضوع حكم آخر مثله أو ضده أم لا أما بالنسبة إلى الضد فلا إشكال في عدم جوازه لما فيه من اجتماع الضدين و امتناع امتثال المكلف في الخارج و اما بالنسبة إلى إلى الحكم المماثل فربما يقال فيه بالجواز نظرا إلى عدم ترتب محذور على ذلك إلا ما يتوهم من استلزامه لاجتماع المثلين و هو لا يكون بمحذور في أمثال المقام أصلا فإن اجتماع عنوانين في شي‏ء واحد يوجب تأكد الطلب و أين ذلك من اجتماع الحكمين المتماثلين و قد وقع نظير ذلك في جملة من الموارد كما في موارد النذر على الواجب و أمثاله و لكن التحقيق هو استحالة ذلك أيضا فإن القاطع بالخمرية مثلا إنما يرى الخمر الواقعي و لا يرى الزجر عما قطع بخمريته إلا

18

زجراً عن الواقع فليس عنوان مقطوع الخمرية عنده عنوانا آخر منفكا عن الخمر الواقعي و مجتمعا معه أحيانا حتى يمكن تعلق حكم آخر عليه في قبال الواقع كما في موارد اجتماع وجوب الشي‏ء في حد نفسه مع وجوب الوفاء بالنذر و أمثاله و مع عدم قابلية هذا العنوان لعروض حكم عليه في نظر القاطع لا يمكن جعله له حتى يلتزم بالتأكد في موارد الاجتماع هذا كله في أقسام القطع و قد عرفت ان اقسامه الممكنة أربعة و الواقع منها في الشريعة قسمان القطع الطريقي المحض و ما أخذ في الموضوع على جهة الطريقية و قد عرفت ان الصحيح هو قيام الأمارات مقام كل من القسمين بنفس دليل الاعتبار و المفيد لحكومتها على الأدلة الواقعية بالحكومة الظاهرية و أما الظن فحيث ان طريقيته ليست ذاتية بل لا بد و ان تكون بجعل جاعل كما عرفت فهو ينقسم إلى قسمين ما يكون حجة مجعولة و ما لا يكون كذلك (و توهم) وجود قسم ثالث فيه و هو ما يكون حجة منجعلة كالظن الانسدادي على الحكومة بتوهم ان الظن في هذا الحال كالقطع حال الانفتاح في كون الطريقية من لوازم ذاته و كونه حجة منجعلة بحكم العقل و لا يمكن استكشاف الحكم الشرعي منه بقاعدة الملازمة أيضا كما أفاده العلامة الأنصاري (قدس سره) فاسدٌ فإن حقيقة الظن إذا لم يكن الطريقية من لوازمها فكيف يمكن كونها كذلك بمقدمات الانسداد و هل يوجب ترتيب مقدمات الانسداد انقلاب الظن عن حقيقته إلى حقيقة أخرى و المراد من كون الظن حجة على الحكومة ليس هو كونه طريقا منجعلا بل المراد هو ان بطلان الاحتياط إذا لم يستلزم جعل الشارع طريقا كما يدعيه القائل بالحكومة فلا بد و ان تنزل من الامتثال القطعي الإجمالي إلى الامتثال الظني و بعبارة أخرى لا بد من الاحتياط في خصوص المظنونات و طرح المشكوكات و الموهومات كما انه إذا لم يمكن الامتثال الظني في أطراف العلم الإجمالي فلا بد و ان نتنزل إلى الاحتمالي لا ان الظن و الاحتمال يكونان طريقين إلى متعلقيهما عقلا في هذا الحال و اما عدم استكشاف حكم شرعي بقاعدة الملازمة فليس من جهة كون الطريقية فيه ذاتية بل من جهة استقلال العقل بالحكم في باب الإطاعة و المعصية من دون ان يكون مستتبعا لحكم شرعي ثم ان حال الظن في أخذه في الموضوع كحال القطع بعينها في انه قد يكون تمام الموضوع و أخرى يكون جزء له و على الثاني فإما ان يؤخذ فيه على وجه الطريقية أو على وجه الصفتية و اما على الأول فقد عرفت استحالة كونه موضوعا على وجه الطريقية ثم ان الظن المأخوذ في الموضوع في تمام اقسامه الثلاثة الممكنة اما ان يكون ظنا معتبرا أو يكون ظنا غير

19

معتبر فيكون الأقسام ستة و توهم استحالة أخذ الظن الغير المعتبر جزء للموضوع بتقريب انه إذا لم يكن حجة و طريقا إلى متعلقه فكيف يلتئم منه الموضوع في الخارج فإن الجزء الآخر له و هو الواقع اما ان يكون محرزا بالظن أو بالقطع اما إحرازه بالظن فهو بعد فرض عدم حجيته غير معقول و اما إحرازه بالقطع فهو و إن كان ممكنا إلا ان اجتماعه مع الظن ليتحقق تمام الموضوع و يلتئم الجزءان في الخارج مستحيل فإذا لم يمكن القيام الظن الغير المعتبر مع الجزء الآخر فجعله جزء للموضوع غير معقول مدفوع بعدم انحصار المحرز للجزء الآخر بالقطع و بهذا الظن الغير المعتبر المأخوذ في الموضوع حتى لا يمكن التئام الجزءين في الخارج بل يمكن إحراز الجزء الآخر بأصل أو أمارة خارجية و يلتئم الموضوع حينئذ بضم الوجدان إلى التعبد و يترتب عليه الآثار المجعولة (ثم) انك قد عرفت سابقا ان أخذ القطع في الموضوع في تمام اقسامه الثلاثة الممكنة إنما هو باعتبار أخذه في موضوع حكم آخر أجنبي عن حكم متعلقه و اما الظن فهو ان كان معتبرا و طريقا مجعولا إلى متعلقه فحاله حال القطع بعينها فإن متعلقه إذا كان حكما شرعيا أو موضوعا ذا حكم فيستحيل أخذه في موضوع حكم آخر يضاد حكم المتعلق أو يماثله بيان ذلك ان الشارع إذا حكم بحرمة الخمر فيكون تلك الحرمة شاملة لصورة الظن بها بنتيجة الإطلاق كما انها تشمل الخمر المظنون خمريته بالإطلاق اللحاظي فإن انقسام الخمر إلى كونه مظنونا و مشكوكا و مقطوعا من الانقسامات الأولية التي يمكن لحاظها في مقام الحكم و مع شمول الحرمة للحرمة المظنونة أو الخمر المظنون خمريته فيستحيل جعل حرمة أخرى أو جعل الوثوب مثلا لمظنون الحرمة أو المظنون الخمرية لامتناع اجتماع المثلين و الضدين هذا مضافا إلى ان جعل الحكم المضاد يستلزم تحير المكلف في مقام الامتثال بداهة ان لازم تعلق الظن المعبر بالحرمة أو الحرام هو لزوم الاجتناب و لازم أخذه موضوعا للوجوب هو الارتكاب و الجمع بينهما غير ممكن فيبقى المكلف متحيرا في مقام الطاعة أو الحرام (و توهم) إمكان الأخذ في موضوع حكم مماثل باعتبار كون الظن بالحرمة أو الحرام عنوانا آخر فيمكن الحكم لهذا العنوان بنفسه و يكون لازما ذلك هو تأكد الحكم في مورد الاجتماع قد ظهر فساده مما بيناه في استحالة كون القطع بالحكم موجبا لحدوث عنوان آخر يكون متعلقا لحكم مماثل و موجبا لتأكد الحكم في مورد الاجتماع وجه الظهور و هو ان الظن بالحكم أو بموضوع ذي حكم بعد فرض كونه طريقا و محرز المتعلقة يكون حاله حال القطع فيما ذكرناه في وجه الاستحالة من ان المحرز للشي‏ء ليس حقيقته إلا

20

ما به ينكشف ذلك الشي‏ء و ليس انكشاف الشي‏ء أمر آخر في قبال المنكشف و موجبا لتعنونه بعنوان آخر بل الظن أسوأ حالا من القطع في بعض الجهات فإن القطع يمكن أن يؤخذ في موضوع حكم متعلقه من باب نتيجة التقيد و التصرف في الحكم المقطوع دون نفسه لعدم كون طريقته قابلة للتصرف و هذا بخلاف الظن المعتبر لأنه لا يعقل فيه ذلك إذ المفروض ان طريقيته جعلية و انها قابلة للتصرف و مع إعطاء الطريقية له كيف يمكن ان يتصرف في الحكم المظنون بتقييده بعدم كونه مؤدى لهذا الطريق و الحاصل انه يمكن للشارع أن لا يعطي صفة الطريقية للظن القياسي مثلا و لكن مع إعطائها له لا يمكن تقييد حكمه بأن لا يحصل من الظن القياسي و اما في القطع فحيث كان التصرف فيه و إلغاء الطريقية عنه مستحيلا فلم يكن هناك مناص عن تقييد الحكم كما عرفته هذا كلهُ في الظن المعتبر و أما الظن الغير المعتبر فيظهر استحالة أخذه في موضوع الحكم المضاد مما ذكرناه في وجه الاستحالة في أخذ الظن المعتبر موضوعا له فإن الحكم الواقعي بعد شموله لموارد الظن بالإطلاق الذاتي و اللحاظي فيستحيل جعل حكم آخر مضاد له لا محالة و أما أخذه في موضوع الحكم المماثل تمام الموضوع أو جزء له فلا محذور فيه أصلا بداهة إمكان كون تعلق الظن بالخمر أو كون عنوان مظنون الخمرية بنفسه و إن لم يكن هناك خمر واقعي موجبا لحرمة أخرى فيما إذا لم يتصف الظن بالمحرزية و الطريقية كما هو المفروض في المقام و مع إمكانه فلا مانع من جعلها الموجب للتأكد في مورد الاجتماع لا محالة بالخمرية (فإن قلت) إذا فرض شمول الخمر الواقعي المفروض حرمته لصورة الظن بهِ أيضا كما مر آنفا فلا محالة بكون جعل حرمة أخرى له لغوا محضا لا يترتب عليه أثر قلت إذا كان الظن بالخمرية مثلا تمام الموضوع للحرمة فلا محالة يكون النسبة بينه و بين الخمر الواقعي هو العموم من وجه و يكون كل من العنوانين بنفسه موجبا لتعلق الحكم به كما في عنواني العالم و الهاشمي الموجب كل منهما لجعل وجوب الإكرام له غاية الأمر هو تأكد الحكم في مورد الاجتماع كما أشرنا إليه و أين ذلك من اللغوية و اما إذا كان الظن بها جزءاً لموضوع الحرمة فلكون النسبة بين الموضوعين هو العموم و الخصوص المطلق ربما يتوهم استحالة جعل الحكم للخاص مرة ثانية بعد جعله للعام كما إذا حكم بوجوب إكرام الفقهاء بعد الحكم بوجوب إكرام العلماء مطلقا إلا انه توهم فاسد فإن عنوان الفقيه في المثال و عنوان كون الخمر الواقعي مظنونا في المقام إذا كان فيهما ما يوجب جعل الحكم لهما بالخصوص فلا مانع عن الجعل الموجب لتأكد الطلب فيهما و يكون فائدة

21

التشريع هو ان المكلف ربما لا يكون له داع إلى امتثال الأحكام الغير المؤكدة الصادرة من المولى و لكنه لا يتجاسر على مخالفة التكاليف المؤكدة فإذا لم يجعل الوجوب لخصوص إكرام الفقهاء أو الحرمة لخصوص الخمر المظنون فلا يكون التكليف الأول الشامل لهما بالعموم موجبا لإطاعته و هذا المقدار يكفي في فائدة التشريع و إخراجه عن اللغوية فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الممكن من أقسام الظن المأخوذ في الموضوع ثمانية فإنه اما ان يكون حجة أو لا و على كلا التقديرين فإما ان يكون تمام الموضوع أو جزءه و على الثاني فإما ان يكون مأخوذا على وجه الصفتية أو مأخوذا على وجه الطريقية فهذه أقسام ستة ممكنة باعتبار أخذه في موضوع حكم آخر أجنبي و اما أخذه فيه في موضوع حكم مماثل لحكم المتعلق أو مضاد له فقد عرفت ان الممكن من اقسامه قسمان لا غير (أحدهما) أخذ الظن الغير المعتبر تمام الموضوع للحكم المماثل و الثاني أخذه جزء له و فيما ذكرناه من قيام الأمارات و الأصول مقام القطع و عدمه غنى عن إعادة الكلام في أقسام الظن هذا و في عبارة العلامة الأنصاري (قدس سره) في المقام تشويش لا يخفى على من راجعها و قد نقل الأستاذ دام ظله من أستاذ أساتيذنا العلامة الشيرازي (قدس سره) تصحيحه لعبارة الكتاب بما يرتفع به التشويش (ثم) لا يخفى أن أخذ الظن في موضوع حكم من الأحكام الشرعية ليس له عين و لا أثر و إنما كان تعرضنا لأقسامه المعقولة تشريحا للذهن تبعا للعلامة الأنصاري (قده) فإن قلت أ ليس اعتبار الوثوق بالعدالة في موضوع جواز الائتمام من باب أخذ الظن في موضوع الحكم الشرعي ثم ان الظاهر ان اعتباره فيه من باب أخذه تمام الموضوع و على وجه الصفتية و لذا لا يجب إعادة الصلاة عند انكشاف عدم العدالة بالفسق أو الكفر بعدها فلا بد و ان لا يقوم البينة أو الاستصحاب مقامه مع عدم حصول الوثوق منهما بناء على ما ذكرت من عدم قيام الأمارات و الأصول مقام ما أخذ في الموضوع على جهة الصفتية و الكاشفية (قلت) الوثوق المأخوذ موضوعا لجواز الائتمام إنما هو الاطمئنان المعبر عنه بالعلم العادي فأخذه في الموضوع أجنبي عن أخذ الظن فيه و أما حديث قيام الأمارات و الأصول مقامه فهو على القاعدة إذ الظاهر أن أخذه فيه من جهة الكاشفية و الطريقية إلى متعلقه و ليس في حكم الشارع بالاجزاء عند كشف الخلاف دلالة على ان الموضوع هو نفس الإحراز كما توهم ذلك في اشتراط الصلاة بالطهارة من جهة حكم الشارع بالاجزاء عند انكشاف‏

22

وقوعها في الثوب المتنجس بل الصحيح هو ان الحكم بالأجزاء إنما هو لاكتفاء الشارع عن المأمور به بالمأتي به لمصلحة التسهيل أو غيرها و قد ذكرنا في بحث الإجزاء ما ينفع في المقام فراجع‏

بقي أمور

(الأول) في بيان ان التجري و المخالفة الاعتقادية يترتب عليه ما يترتب على المعصية و المخالفة الواقعية أم لا

و قبل التكلم في ذلك لا بد من التنبيه على أمر و هو انه توهم بعضهم ان النزاع في المقام إنما يجري في خصوص مخالفة القطع بالواقع المفروض عدم اصابته و أما مخالفة الطرق الشرعية فلا يجري فيها النزاع لعدم الإشكال و الريب في استحقاق العقاب على مخالفتها و إن كانت غير مصيبة للواقع و منشأ هذا التوهم هو تخيل ان مخالفة الطرق الشرعية إنما هي مخالفة للأحكام الظاهرية المجعولة من قبل المولى فلا محالة يترتب عليها استحقاق العقاب و إن لم يكن هناك أحكام واقعية في مواردها و هذا بخلاف القطع فإن مخالفته في صورة عدم المصادفة لا يكون مخالفة لحكم واقعي و لا ظاهري فيقع النزاع في ان المخالفة الاعتقادية التخيلية يترتب عليها ما يترتب على المخالفة الواقعية أم لا (و أنت) بعد ما عرفت ان المجعول في موارد الطرق الشرعية ليس هي الأحكام البعثية أو الزجرية و إنما هو نفس صفة الطريقية و الكاشفية من دون استتباعها لحكم شرعي تعرف ان حال مخالفة الطريق الوجداني حال الطريق الجعلي بعينها من دون فرق بينهما أصلا و عليه يكون محل النزاع في المقام أعم من مخالفة القطع الوجداني و الأمارات أو الأصول حتى أصالة الاحتياط في موارد العلم الإجمالي أو غيرها و بالجملة مخالفة مطلق المنجز للحكم على تقدير انكشاف عدم ثبوته في الواقع يكون محل الكلام في المقام إذا عرفت ذلك فاعلم انه ربما يحرر المسألة في محل الكلام فرعية و أخرى أصولية و ثالثة كلامية (اما) تحريرها فرعية فباعتبار أن يقع الكلام في اتصاف المخالفة القطعية و لو كان القطع غير مصادف للواقع بالحرمة و عدمه و أنت بعد ما عرفت ان انكشاف الواقع لا يزيد بنظر القاطع على الواقع بشي‏ء و يستحيل أن يكون بهذا العنوان محكوما بحكم آخر تعرف بطلان تحريرها فقهية (و اما) تحريرها أصولية فهو من وجهين (الأول) أن يقع النزاع في شمول الخطاب الواقعي فيما كان له موضوع خارج عن الاختيار كما في لا تشرب الخمر و أمثاله لمقطوع الخمرية مثلا فيكون مقطوع الخمرية محرما بنفس الدليل الواقعي (الثاني) أن يكون النزاع في ان عنوان المقطوعية و تعلق صفة القطع بشي‏ء هل يمكن أن يكون من العناوين التي بها يتأكد الحكم أو يتبدل أم لا (اما) الكلام من الجهة الأولى و إبطال توهم شمول الإطلاقات الأولية

23

لعنوان المقطوع يتوقف على بيان مستند الخصم في توهم شمول الإطلاق لذلك فنقول ان من ذهب إلى شمول الإطلاقات الأولية للمقطوع و إن كان القطع غير مصادف للواقع قد اعتمد في إثبات مطلوبه إلى مقدمات ثلاث (الأولى) ان الخطابات التي لها موضوع خارجي لا محالة يكون الحكم فيها بعد فرض وجود الموضوع خارجا كما هو شأن القضايا الحقيقية و يكون متعلق الحكم حينئذ هي القطعية الاختيارية التي لم تأخذ مفروض الوجود مثلا خمرية المائع الخارجي في قضية لا تشرب الخمر و صدق الخمر عليه لا بد و ان يكون مفروض الوجود في الخطاب حتى يكون المتعلق له هو الشرب الاختياري بداهة ان الأمور الغير الاختيارية كخمرية المائع غير قابلة لتعلق الخطاب بها و على ذلك فرعنا بطلان الواجب المعلق و ذكرنا ان الزمان لكونه خارجا عن الاختيار يستحيل كونه قيدا للمطلوب بل لا مناص عن كونه مفروض الوجود حين الخطاب و تعلق الخطاب بالقطعة الاختيارية و لازم ذلك هو الالتزام باشتراط الوجوب فإن كل قضية حقيقية ترجع إلى قضية شرطية كما ان كل قضية شرطية ترجع إلى قضية حقيقية (الثانية) ان العلم و حضور صورة الموجود الخارجي في النّفس هو الموضوع و العلة لتحقق الإرادة التكوينية ضرورة استحالة الانبعاث أو الانزجار عن الموجود الخارجي ما لم يتصف بصفة المعلومية بداهة أن العطشان لا يعقل تحركه نحو الماء الخارجي ما لم يعلم بوجوده بل ربما يموت عطشا مع وجود الماء عنده كما ان الإنسان لا يفر عن الأسد الخارجي ما لم يعلم بوجوده و لو ترتب على عدم الفرار افتراسه له و هذا بخلاف القاطع بوجود الماء أو الأسد فإنه يتحرك نحو الماء و يفر من الأسد و ان لم يكن هناك ماء أو أسد في الخارج و كان القطع غير مصيب للواقع فتحصل ان الموجب للحركة أو الهرب إنما هو نفس صفة العلم ليس إلا و لها موضوعية في تحقق الإرادة من دون فرق بين ان يكون للصورة النفسانيّة واقع يطابقها أو لم يكن (الثالثة) ان الإرادة التكوينية و اختيار العبد في الخارج هي التي يكون إرادة المولى محركة لها فكان المولى عند طلبه يفرض أعضاء العبد أعضاء نفسه و يحرك إرادة العبد نحوها فطلب المولى و إرادته التشريعية هو الموجب لتحقق إرادة العبد و اختياره و يترتب على هذه المقدمات ان التكليف بحسب مقام التعلق و إن كان يتعلق بنفس الموضوع الخارجي إلا انه في مقام التحريك إنما يحرك إرادة العبد و اختياره في فرض العلم و للصورة النفسانيّة موضوعية لتحقق الإرادة و المقدار الممكن من العبد و ما هو باختياره إنما هو ترك شرب ما قطع بخمريته و الإصابة و عدمها و خمرية

24

المائع الخارجي و عدمها أجنبيتان عن اختيار العبد و إرادته فكما ان العاصي اختار شرب الخمر لقطعه بخمرية المائع الخارجي فكذلك المتجري اختار ذلك أيضا لقطعه بها و الجهة الاختيارية مشتركة بينهما فيكون تحريك التكليف الواقعي مشتركا بينهما لا محالة و هذا معنى ما ذكرناه من شمول الإطلاقات الواقعية لعنوان المقطوع و لو كان القطع غير مصادف للواقع هذا غاية ما يمكن ان يقال في تقريب مستند هذا التوهم (و جوابه) ان المقدمة الأولى و إن كانت صحيحة و لا مناص عن الالتزام بها كما أوضحناها في بحث الواجب المشروط إلا ان المقدمة الثانية و الثالثة ممنوعتان اما منع المقدمة الثانية فلأن الإرادة إنما تنشأ من العلم بالموجود الخارجي بما انه طريق إليه لا بما ان له موضوعية ضرورة ان القاطع بوجود الماء أو الأسد إنما يتحرك أو يهرب لا من جهة وجود صفة نفسانية بما هي صفة بل من جهة انكشاف الموجود الخارجي بها و المحرك لها إنما هو الموجود الخارجي لكن لا مطلقا بل بعد الانكشاف و بالجملة القاطع حيث انه يرى الواقع يتحرك نحوه لا ان الرؤية بنفسها محركة له و هذا ظاهر وجداني لا يحتاج إلى زيادة بيان (ثم) ان كون العلم موضوعا للإرادة بحيث يقيد متعلقها ممنوع أيضا بل انكشاف الواقع عند الشخص داع للحركة الخارجية من دون كونها متقيدة بمتعلق الانكشاف فالعلم بعداوة زيد بما انه طريق إليها يكون داعيا إلى ضربه و قد يتخلف الداعي عن العمل لا ان العلم بها يوجب وقوع الضرب على عنوان العدو ضرورة ان الضرب لا يقبل لأن يقع على العنوان و إنما يقع على الموجود الخارجي ليس إلا كما أن العلم بوجود الخمر خارجا يكون داعيا للخمار لشربه المائع الخارجي و عند انكشاف الخلاف يكون التخلف من قبيل تخلف الداعي (و أما) منع المقدمة الثالثة فلأن الإرادة التشريعية و إن كانت محركة للإرادة التكوينية و نسبتها إليها نسبة حركة المفتاح إلى حركة اليد إلا ان كون حركتها مرادة بنحو المعنى الاسمي الاستقلالي ممنوع بل المراد إنما هو الفعل الصادر بالإرادة و الاختيار لأنه هو الّذي يترتب عليه المصلحة أو المفسدة و الإرادة تكون مرادة بنحو المعنى الحرفي الغير الاستقلالي (ثم) لا يخفى أن منع كل واحدة من المقدمتين يكفي في بطلان ما أراد الخصم إثباته ضرورة أنه إذا منعنا المقدمة الثانية و هي دعوى كون الصورة النفسانيّة لها موضوعية في تحقق الإرادة و أثبتنا أن العلم بما هو طريق إلى الواقع يكون داعيا إلى الحركة فبانكشاف الخلاف و تبين عدم كون الموضوع الخارجي خمراً ينكشف انه لم يكن هناك محرك و انما كان هناك تخيل الحركة

25

فلو سلمنا ان الإرادة التكوينية هي التي يتعلق بها الإرادة التشريعية بنحو المعنى الاسمي إلا ان المحرك هو نفس التكليف الواقعي المشروط بوجود موضوعه واقعا و هو مفقود في المتجري على الفرض كما انا لو سلمنا هذه المقدمة و لكن التزمنا بكون متعلق الإرادة التشريعية هو الفعل الإرادي دون نفس الإرادة و الاختيار بنحو المعين الاسمي كما عرفت فلا يكون المتجري مشتركا مع العاصي ضرورة انه بانكشاف الخلاف في فرض التجري ينكشف ان متعلق الإرادة التكوينية و هو شرب المائع الخارجي لم يكن متعلقا للإرادة التشريعية إذ المفروض تعلقها بنفس شرب الخمر الواقعي و هو غير متحقق و المتحقق إنما هو إرادة الشرب و اختياره المفروض عدم كونها متعلقة للإرادة التشريعية (و الحاصل) ان دعوى اشتراك المتجري و العاصي في كون التكليف الواقعي شاملا لهما في مقام التحريك الخارجي تتوقف على إثبات كون العلم هو العلة التامة و الموضوع لتحقق الإرادة بما هو صفة نفسانية و على إثبات كون الإرادة التكوينية بنفسها متعلقة للإرادة التشريعية بنحو المعين الاسمي دون الفعل الإرادي و قد عرفت فسادهما بما لا مزيد عليه فلا يبقى للدعوى المذكورة مجال أصلا (و أما) التكلم من الجهة الثانية فملخصه ان يقال انه بعد الفراغ عن عدم الإشكال في ان العناوين الطارئة على شي‏ء ربما توجب تأكد حكمه أو تبدله في الجملة وقع النزاع و الكلام في ان تعلق القطع بشي‏ء هل هو من تلك العناوين بأن يكون تعلق القطع بخمرية شي‏ء مثلا موجبا لتحقق مفسدة فيه يترتب عليها حكم شرعي أم لا و التحقيق في المقام ان يقال انه لا إشكال في عدم تغير الموضوع عما هو عليه بتعلق القطع بخلافه ضرورة انه لا يخرج الماء الخارجي عما هو عليه في الخارج و لا يكون ذا مفسدة بتعلق القطع بكونه خمرا كما انه لا إشكال في عدم تغير الشرب الخارجي عما هو عليه و لا يكون متصفا بالقبح بمجرد القطع المذكور لما ذكرنا من ان انكشاف الشي‏ء لا يزيد عليه بشي‏ء فشرب الماء الخارجي على ما هو عليه من الإباحة الواقعية و عدم القبح في فعله و في تركه بعد تعلق القطع بخمريته أيضا كما انه لا إشكال في ان تعلق القطع بخمرية المائع الخارجي يوجب القبح الفاعلي بإرادة شربه و إلّا لخرج المتجري عن كونه متجريا على المولى و كونه في مقام معصيته انما الإشكال في ان القبح الفاعلي هل يستتبع خطابا شرعيا مولويا بترك هذا الشرب أم لا و يقع الكلام في ذلك تارة من جهة استتباع القبح الفاعلي لسراية الحرمة الثابتة للخمر الواقعي إلى مقطوع الخمرية أيضا و أخرى من جهة استتباعه لحكم آخر ثابت لنفس هذا

26

العنوان أما استتباعه لسراية الحكم الأولي الثابت لنفس الخمر إلى مورده فهو غير معقول فإن القبح الفاعلي في مرتبة متأخرة عن التكاليف الواقعية ضرورة ان ثبوت الحرمة للخمر الواقعي هو الموجب للقبح الفاعلي في شرب مقطوع الخمرية و لو كان القطع بها مخالفا للواقع و ما كان في مرتبة متأخرة عن التكليف الواقعي لا يمكن استتباعه له و توهم إمكان استتباعه له بنتيجة الإطلاق قياسا باستتباعه التضييق في الحكم الواقعي من باب نتيجة التقييد كما في موارد اجتماع الأمر و النهي بناء على الجواز و كون التركيب بينهما انضماميا فإنا قد ذكرنا في ذلك المبحث ان متعلقي الأمر و النهي و ان كانا مختلفين خارجا إلّا ان ذلك لا يوجب صحة المأمور به إذا كان عبادة في صورة العلم بجهة الحرمة فإن القبح الفاعلي الناشئ عن اتحاد وجود المأمور به مع المنهي عنه في مقام الإيجاد و التأثير يوجب عدم إمكان التقرب بهذا الفرد فيكون الفرد المتصف بالقبح الفاعلي خارجا عن إطلاق المأمور به بنتيجة التقييد فإذا أمكن كون القبح الفاعلي موجبا للتضييق من باب نتيجة التقييد فيمكن كونه موجبا للتوسعة من باب نتيجة الإطلاق أيضا مدفوع بوجود الفارق بين المقامين فإن التضييق في باب اجتماع الأمر و النهي إنما هو لأجل منافاة القبح الفاعلي مع قصد التقرب فلا محالة يتقيد المأمور به بغير صورة وجود القبح الفاعلي من باب نتيجة التقييد و اما القبح الفاعلي في المقام فهو امر آخر مباين للقبح الفعلي الموجب للحرمة في مرتبة سابقة عليه و المفروض عدم تحقق ذلك الموجب في مورد التجري فلو كان القبح الفاعلي أيضا موجبا لخطاب مولوي فلا بد و ان يكون موجبا لخطاب آخر غير الخطاب الأولي الناشئ عن القبح الفعلي الغير المتحقق في مورد التجري و التحقيق امتناع ذلك أيضا فإنا قد ذكرنا سابقا ان تعلق القطع بشي‏ء ذي حكم يستحيل ان يكون موجبا لجعل حكم آخر على هذا العنوان لاستلزامه اجتماع المثلين بنظر القاطع فلا يمكن ان يكون هذا الحكم المستلزم للحال بنظر القاطع محركا له إلى الامتثال و ما كان كذلك يستحيل جعله فعنوان المقطوعية و ان كان من العناوين الطارئة على الشي‏ء إلا ان العنوان الطارئ إذا كان هو الانكشاف فهو لا يزيد عن المنكشف في نظر المكلف حتى يوجب جعل حكم آخر له في قبال الحكم الأولي ليترتب على ذلك تأكد الحكم في مورد الاجتماع و لو أغمضنا عن هذا المحذور فلا مانع من استتباع القبح الفاعلي لحكم آخر ثابت لنفس عنوان المقطوع في قبال الحكم الواقعي الثابت لنفس الموضوع الواقعي و أما ما أفيد في وجه الاستحالة من ان القطع حيث انه لا يكون ملحوظا استقلاليا في‏

27

نظر القاطع و لا يكون الفعل صادرا عن المكلف الا بعنوانه الأولي الاستقلالي دون عنوانه الطاري الآلي ضرورة ان القاطع بخمرية المائع الخارجي انما يشربه بما انه خمر لا بما انه مقطوع الخمرية بل يكون هذا العنوان مغفولا عنه و غير ملتفت إليه غالبا فلا يمكن ان يكون متعلقا لحكم شرعي إذ المتعلق له لا بد و ان يكون من الأفعال الاختيارية فمدفوع بأن الموضوع الخارجي انما يكون ملتفتا إليه بالقطع فصفة القطع حاضرة للنفس بذاتها و الموضوع الخارجي يكون حاضرا لها بها و لا ريب ان صدور الفعل بهذا العنوان اختياري و ملتفت إليه غاية الأمر انه بالارتكاز لا بالتفصيل و هذا لا ضير فيه و إلّا لما كان عنوان المقطوع قابلا لتعلق الحكم به أصلا و لو كان ذلك حكما آخر أجنبيا عن حكم متعلقه مع انه لا إشكال فيه و لا ريب و إنكاره يستلزم هدم جميع ما ذكرناه في القطع الموضوعي مع ان هذا القائل ملتزم بها أيضا (ثم) انه ظهر مما ذكرناه فساد توهم ان ملاك استحالة جعل الحكم لعنوان الناسي و هو ان الحكم الثابت لهذا العنوان يستحيل فعليته فإنه مع عدم الالتفات إلى الموضوع يستحيل فعلية الحكم و محركيته له و مع الالتفات إليه ينقلب الموضوع إلى ضده جار في المقام أيضا فإن من لم يلتفت إلى القبح الفاعلي و كون قطعه مخالفا للواقع يستحيل فعلية الحكم في حقه و مع الالتفات إليه ينقلب الموضوع إلى ضده وجه الظهور ان المدعى إذا كان هو استتباع القبح الفاعلي في خصوص المتجري لخطاب متعلق به بخصوصه فيرد عليه ما ذكر و يصبح القياس بالناسي في استحالة جعل الحكم له لكنه خلاف الواقع و المفروض فإن القبح الفاعلي مشترك بين العاصي و المتجري و على تقرير استتباعه لحكم آخر يكون هذا الحكم ثابتا في حق كل منهما و إذا كان القبح الفاعلي مشتركا بينهما فلا محالة يكون الحكم التابع له ثابتا لكلي عنوان المقطوع به كان القطع مصادفا للواقع أم لم يكن و لا ريب ان هذا العنوان مما يلتفت إليه المتجري و على تقدير استتباعه لحكم آخر يمكن له الانبعاث عنه مع الالتفات إلى موضوعه و أين ذلك من النسيان المستحيل ان يلتفت إليه مع بقائه على حاله و بالجملة القبح الفاعلي الموجود في التجري ان كان صالحا للاستتباع لخطاب شرعي فالقبح الفاعلي الموجود في فرض العصيان يكون صالحا له بالأولية و الأولوية فلا يكون الخطاب مختصا بخصوص المتجري حتى يلزم من الالتفات إلى موضوعه انقلابه إلى ضده (و أما) التكلم من الجهة الثالثة و هي الجهة الكلامية فحاصله انه ذهب جماعة إلى ان المتجري يستحق العقاب بعين ذاك الملاك الّذي يوجب استحقاق العاصي‏

28

و اما توهم كون المتجري مستحقا له بملاك آخر يختص به فلم يذهب إليه أحد و دون إثباته خرط القتاد و عمدة ما يستدل به على كون المتجري مستحقا للعقاب بملاك استحقاق العاصي له هو ما اعتمد عليه سيد أساتيذنا العلامة الشيرازي (قدس سره) و أوضح مرامه في ضمن مقدمات أربع (الأولى) انه لا إشكال في ان وظيفة المولى هو جعل الأحكام و إيصالها إلى المكلفين بالطرق المتعارفة من إنزال الكتب و إرسال الرسل و أمرهم بتبليغها إلى أوصيائهم و أمرهم بالتبليغ إلى الرّواة و هكذا إلى ان ينتهي الأحكام إلى المكلفين بها و بالوصول إليهم ينتهي سلسلة البعث و يحكم العقل بوجوب الانبعاث عنها و حكم العقل بذلك أعني حكمه بوجوب الطاعة و حسنها و قبح المعصية و حرمتها حكم استقلالي يستحيل وجود حكم شرعي في مورده إذ المفروض ان مرتبة حكمه هي مرتبة الانبعاث ففرض البعث في هذه المرتبة خلف محال فوجوب الانبعاث عن تكاليف المولى المنحل إلى وجوب الطاعة و حرمة المعصية هو الوجوب الذاتي الّذي ينتهي إليه وجوب كل واجب كما ان طريقية القطع كانت ذاتية و إليها كانت تنتهي طريقية كل طريق و الوجه في ذلك هو ان هذا الوجوب لو لم يكن ذاتيا لما وجب امتثال حكم من الأحكام الإلهية ضرورة ان وجوب الانبعاث عنها لو كان مجعولا غير ذاتي لكان وجوب الانبعاث عن هذا الوجوب محتاجا إلى جعل آخر و هكذا فيدور أو يتسلسل و هذا بخلاف ما إذا كان غير مجعول و كان ذاتيا فيكون وجوب كل واجب شرعي بعد وصوله إلى المكلف داخلا في هذه الكبرى العقلية و يجب إطاعته بحكم العقل (الثانية) انه قد ظهر مما ذكرناه ان حكم العقل بحسن الطاعة و قبح المعصية يغاير الأحكام العقلية الأخر مثل حكمه بقبح التشريع و قبح التصرف في مال الغير و نحوهما في ان مرتبة هذا الحكم العقلي هي مرتبة المعلول من الحكم الشرعي ضرورة ان مرتبة الانبعاث من البعث هي مرتبة المعلول من العلة و اما مرتبة بقية الأحكام العقلية فمرتبتها من الأحكام الشرعية مرتبة العلة من معلولها فإن حكم العقل بقبح التشريع و قبح التصرف في مال الغير بضميمة قاعدة الملازمة بين حكم العقل و الشرع يكونان مثبتان للحكم الشرعي فيكونان في مرتبة العلة للحكم الشرعي بحرمة التشريع و حرمة التصرف في مال الغير (ثم) ان هناك فرقا بين هذا الحكم العقلي الّذي هو في مرتبة المعلول و بين بقية الأحكام العقلية التي هي في مرتبة العلة من جهة أخرى و حاصل هذا الفرق هو ان هذا الحكم العقلي لا يكون ثابتا إلا في مورد إحراز الحكم الشرعي بطريق عقلي أو شرعي و اما في‏

29

موارد الشك أو الظن الغير المعتبر فلا يكون بل يكون تلك الموارد محكومة بحكم عقلي آخر و هو حكمه بقبح العقاب بلا بيان و هذا بخلاف بقية الأحكام العقلية فإنها كما تثبت في موارد الظن و الشك أيضا فإن العقل لا يفرق بين مورد العلم بعدم صدور التكليف من المولى و بين مورد الشك في صدوره في حكمه بقبح التشريع فيهما كما انه لا يفرق بين موارد العلم بكون المال ما لا للغير و بين موارد الشك في ذلك في حكمه بقبح التصرف فيه (نعم) بين حكمه بقبح التشريع في موارد عدم العلم بعدم الصدور و بين حكمه بقبح التصرف عند الشك في كون المال مالا للمتصرف فرق أيضا فان حكمه بقبح التشريع في موارد الشك حكم واقعي ناشئ عن الملاك الّذي به حكم العقل بالقبح في موارد العلم بعدم الصدور فإن قبح التشريع إنما هو لكونه تصرفا في سلطان المولى بغير اذنه و هو مشترك بين موارد العلم و الشك فحكمه بالقبح في الموردين بملاك واحد مشترك بينهما و أما حكمه بقبح التصرف في موارد الشك في كون التصرف فيه مالا للمتصرف فهو حكم طريقي ناشئ عن الاهتمام بالواقعيات فالملاك فيه غير الملاك في حكمه بالقبح عند إحراز كونه مالا للغير و الفرق بين المقامين بذلك يستتبع ثمرات تظهر لك فيما بعد ذلك إن شاء اللَّه تعالى (الثالثة) ان العلم المأخوذ في موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة و حرمة المعصية لا بد و ان يكون هو تمام الموضوع صادف الواقع أم لا ضرورة انه لو كان موضوعه هو العلم المصادف لكان إحراز المصادفة الّذي هو الجزء الآخر للموضوع لازما في حكمه بالوجوب و عليه فلا يجب امتثال تكليف واصل من قبل المولى أصلا لاحتمال ان لا يكون هذا الإحراز مورد الحكمة لاحتمال انكشاف الخلاف فيه و هذا يستلزم سد باب حكم العقل بوجوب الطاعة و حرمة المعصية بالكلية و بالجملة فما يمكن ان يكون موضوعا للحكم العقلي هو نفس الإحراز ليس إلّا و اما تخصيصه بفرد دون فرد فغير معقول و موجب للمحذور المذكور (الرابعة) ان الملاك لحكمه بوجوب الطاعة إذا استحال كونه هو القبح الفعلي و إلّا لزم استحقاق العقاب في موارد الجهل أيضا فلا بد و ان يكون الملاك له هو القبح الفاعلي لانحصار الملاك في أحدهما و عدم قابلية شي‏ء آخر للملاكية و إذا كان هو الملاك فلا بد من الالتزام باستحقاق المتجري للعقاب كالعاصي لثبوت القبح الفعلي في كليهما و ما يختص بالعاصي من القبح الفعلي قد عرفت كونه أجنبيا عن الملاك و استحالة كونه موجبا لاستحقاق العقاب و لا يخفى عليك ان لازم هذه المقدمات و إن كان هو استحقاق المتجري للعقاب بملاك استحقاق‏

30

العاصي له إلّا ان المقدمة الثالثة و الرابعة منها محل نظر بل منع (اما) المقدمة الثالثة فلأن العلم و انكشاف الواقع و ان كان هو الموضوع في هذا الحكم العقلي كما عرفت في المقدمة الثانية إلّا انه غير متحقق في باب التجري و المتحقق في مورده هو الجهل المركب و انى لهم بإثبات سراية أحكام العلم للجهل و لسنا ندعي ان أحكام العلم ثابت لفرد دون فرد بل ندعي عدم ثبوت أحكام العلم لغيره و بالجملة ان ما يقتضيه وظيفة العبودية هو لزوم انبعاث العبد عن البعث الواصل إليه و اما لزوم انبعاثه عن البعث التخيلي فلا يحكم به العقل أصلا لعدم كون ترك هذا الانبعاث ظلما للمولى و حركة على خلاف إرادته و رضاه و المتجري في حال كونه متجريا و ان كان يرى مخالفته محكومة بالقبح العقلي إلا ان من جهة عدم احتماله لعدم المصادقة و تخيله انه يخالف البعث الواصل من المولى و بعد انكشاف الخلاف ينكشف انه لم يكن هذه المخالفة محكومة بالقبح لعدم كونه معصية و مخالفة للبعث الواصل و الحاصل ان حكم العقل بوجوب الطاعة و حرمة المعصية انما هو بملاك العبودية و المولوية و ان العبد لا بد و ان ينبعث عن البعث الواصل من المولى و ينزجر عن زجره الواصل و هذا الملاك غير متحقق في موارد التجري قطعا و وجود ملاك آخر في مورد التجري يوجب استحقاق العقاب مع انه خلاف المدعى قد عرفت ان دون إثباته خرط القتاد (و اما المقدمة الرابعة) فلأن ملاك استحقاق العقاب و ان لم يكن هو القبح الفعلي كما أفاده (قدس سره) إلّا ان ذلك لا يستلزم كون القبح الفاعلي و ان لم يكن هو القبح الفعلي كما أفاده (قدس سره) إلّا ان ذلك لا يستلزم كون القبح الفاعلي الموجود في صورة التجري ملاكا له أيضا بيان ذلك ان القبح الفاعلي المتحقق في فرض العصيان ليس امر مغاير للقبح الفاعلي الواصل إلى المكلف بل نفس القبح الفعلي بعدم فرض علم المكلف به يوجب اتصاف الفعل بالقبح الفاعلي و هذا هو الملاك في استحقاق العقاب و اما القبح الفاعلي الموجود في التجري فهو مغاير لهذا المعنى من القبح الفاعلي و إنما هو مجرد كشف الفعل عن سوء السريرة و شقاوة الفاعل و أين ذلك من القبح الفاعلي الموجود في فرض العصيان و إثبات كونه ملاكا لاستحقاق العقاب أيضا يحتاج إلى مئونة أخرى و إقامة برهان آخر و قد عرفت ان دون إثباته خرط القتاد فتحصل من جميع ما ذكرناه ان التجري لا يكون مستتبعا للقبح الفعلي و لا يكون القبح الفاعلي الموجود في مورده مستتبعا لخطاب مولوي و لا موجبا لكون التجري في حكم المعصية في استحقاق العقاب و بعد ذلك لا يبقى مجال للبحث عن كونه محكوما بالحرمة الشرعية فقهيا و هل يمكن إثبات الحرمة لموضوع آخر أعم من التجري المبحوث عنه في المقام و من إتيان مقدمات الحرام بقصد

31

التوصل إليه و من إيجاد بعض المقدمات لصدور الحرام من الغير أم لا (ربما) يقال بأن نية السوء التي يكون لها مظهر عملي في الخارج تكون محرمة شرعا و يستدل على ذلك بالإجماع و بالأخبار و لا يخفى عدم تمامية هذه الدعوى لوضوح عدم قيام الإجماع على هذه الكبرى الكلية (نعم) لا يبعد قيامه على بعض المسائل الجزئية لكن كونها من قبيل المقام ممنوعة (منها) حكمهم بحرمة تأخير الصلاة لمن ظن تضيق الوقت و لو انكشف بعد ذلك سعته و منها حكمهم بوجوب إتمام الصلاة لمن ظن بالخطر في السفر لكون السفر معصية و لو انكشف بعد ذلك كون الطريق مأمونا وجه المنع هو ان حكمهم في المسألة الأولى بتحقق المعصية ليس من جهة حرمة التجري و إنما هو لأجل ان خوف تضيق الوقت و لو لم يكن هناك ظن بالضيق أيضا هو تمام الموضوع لوجوب البدار و أين ذلك من التجري المبحوث عنه في المقام و أما حكمهم بوجوب الإتمام لمن ظن الخطر في الطريق فهو مبني على وجوب دفع الضرر المظنون عقلا و توضيح الحال فيه هو ان الظن قد يتعلق بالضرر الأخروي و أخرى بالضرر الدنيوي لا إشكال في انه إذا تعلق بالضرر الأخروي يكون العقل حاكما بوجوب دفعه إرشاد إلى عدم الوقوع فيه و لا يكون هذا الحكم مستتبعا لخطاب مولوي فإنه من فروع حكمه بوجوب الطاعة و حرمة المعصية لأن الملاك في حكمه بذلك هو دفع العقاب و لا يفرق في ذلك بين كونه مقطوعا أو مظنونا أو مشكوكا و أما حكمه بوجوب دفع الضرر الدنيوي المظنون بل المشكوك فلا مانع من استتباعه لخطاب مولوي شرعي إلا ان كون مخالفته معصية حكمية ليكون داخلا في باب التجري يتوقف على كون حكمه بذلك طريقا مغايرا الحكمة بوجوب دفع الضرر المقطوع و هذا غير مسلم بل الظاهر ان حكمه بوجوب دفع الضرر المقطوع و غير بملاك واحد و هو قبح إلقاء النّفس فيما لا يؤمن من ضرره كما ربما يدعى كون ذلك هو الظاهر من قوله تعالى و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و عليه فلا يتصور هنا انكشاف خلاف في موضوع هذا الحكم إذ تمام الموضوع له هو نفس عدم الأمن من الضرر و أين ذلك من باب التجري و بالجملة فساد توهم قيام الإجماع على تلك الكبرى الكلية المنطبقة على موارد التجري أيضا الناشئ من حكمهم في هذين الفرعين من الموضوع بمكان و لا يحتاج إلى أزيد من ذلك من البيان (و اما) الاخبار الدالة على ثبوت العقاب بنية السوء فهي متعارضة باخبار أخر دلت على العفو عنها و الجمع بينهما بحمل الطائفة الثانية على النية المجردة و حمل الطائفة الأولى على النية مع الإظهار و إن كان‏

32

جمعا حسنا إلا انه يتوقف على وجود شاهد من الأخبار و عمل جمع من الأصحاب على طبقه و إلّا فهو جمع تبرعي لا يمكن كونه منشأ للفتوى نعم يمكن ان تكون الرواية الواردة في دخول القاتل و المقتول كليهما في النار من جهة تحقق القتل من أحدهما و الإرادة من الآخر التي هي العمدة في اخبار الباب دالة على حرمة نية السوء إذا وقعت الحركة على طبقها لكن لا مطلقا بل في خصوص ما إذا كان المانع عن عدم تحقق المعصية أمرا خارجيا حائلا بين الشخص و بين المعصية و بها يخصص اخبار العفو عن نية المعصية و تحمل على غير تلك الصورة و لكن مع ذلك لا يمكن الحكم بحرمة التجري إذ المتجري و ان كان ناويا للسوء إلا انه لم يقع منه في الخارج قصد نحوه بل كان ما فعله تصديا خياليا و غاية ما أمكننا ان نحكم بحرمته هو ما إذا كان التصدي حقيقيا كما هو مورد الرواية الدالة على الحرمة لا ما إذا كان خياليا كما في المقام و ينبغي التنبيه على أمور (الأول) انه ربما يشكل على الأخبار الدالة على العفو عن نية السوء بأنها تنافي قاعدة اللطف فإنها تقتضي تبعيد المكلف عن المعصية و تقريبه إلى الطاعة و العفو اللازم ينافي ذلك إذ لا يكون بعده رادع للمكلف عن نية المعصية و بمثله يشكل على ما دل على العفو عن الصغائر في فرض الاجتناب عن الكبائر و لكنه لا يخفى فساد الإشكال في كلا المقامين أما في المقام فلأن الناوي للمعصية لا يتحقق منه النية بما انها نية بنحو المعنى الاسمي حتى تكون الاخبار الدالة على العفو عنها موجبة لتحققها من المكلف بل تحقق النية منه إنما يكون باعتبار كونها فانية في المنوي و بنحو المعنى الحر في الالتفات إلى قبح المعصية و إلى ترتب العقاب عليها يكفي في الرادعية عن تحقق النية و لو مع القطع بعدم ترتب العقاب على نفسها و بعبارة أخرى جعل العقاب على المنوي و ما يصدر من المكلف خارجا كما انه يكفي في كونه رادعا عن تحقق نفسه في الخارج كذلك يكفي في كونه رادعا عن تحقق نيته فإن الملتفت إلى قبح المنوي مع التزامه بعدم ارتكاب القبيح لا يتحقق منه نية لا محالة و أما في مسألة العفو عن الصغائر فلأن العفو عنها إذا كان مطلقا و غير متعلق على شي‏ء لكان للإشكال المذكور من كونه منافيا لقاعدة اللطف مجال واسع و أما إذا كان معلقا على الاجتناب عن الكبائر فكونه منافيا لها يتوقف على إمكان الوثوق من المرتكب لها بأنه لا يرتكب كبيرة أصلا حتى يكون مأمونا من العقاب حين ارتكابها و حصول هذا الوثوق من البعد بمكان يليق بالمستحيل العادي و مع عدم حصوله لا يمكن ان يكون العفو المعلق مؤمنا له حين الارتكاب حتى يكون منافيا لقاعدة

33

اللطف (الثاني) انا قد ذكرنا في صدر المبحث ان التكلم في التجري لا يختص بخصوص مورد القطع بل يجري في موارد الأصول و الأمارات مطلقا محرزة كانت أو غير محرزة و لكنه لا يخفى ان حجية الأمارات أو الأصول إذا كانت من باب السببية فيمكن تحقق التجري من جهتين (الأولى) من جهة الواقع (الثانية) من جهة المخالفة للحكم الظاهري و توضيح ذلك انه إذا دامت البينة على خمرية مائع خارجي فالشارب له تارة يشربه من جهة عدم مبالاته بشرب الخمر و أخرى لعدم مبالاته بمخالفة البينة من جهة عدم بنائه على كونها حجة و إلا فلو كانت الخمرية مقطوعة عنده لما تحقق منه الشرب خارجا اما التجري من الجهة الأولى فلا يكون إلا بالإضافة إلى الحكم الواقعي و اما بالإضافة إلى الجهة الثانية فكونه تجريا يتوقف على انكشاف عدم جعل الشارع للبينة حجة و إلا فيكون الشرب معصية حقيقية و يخرج بذلك عن مبحث التجري و الحاصل ان شرب المائع الّذي قامت الحجة على خمريته عند المكلف كما يكون تجريا بالإضافة إلى الواقع فيما إذا انكشف عدم الخمرية بعد الارتكاب كذلك يكون تجريا بالإضافة إلى الحكم الظاهري المقطوع جعله من قبل الشارع المنكشف خلافه بعد ذلك بانكشاف عدم إعطاء الشارع لها صفة الحجية و اما بناء على كون الحجية من باب الطريقية كما هو المختار عندنا فليس هناك حكم ظاهري مجهول في موارد قيام الحجة الشرعية أصلا حتى يمكن فرض التجري بالإضافة إليه في قبال الواقع فيتمحض التجري عند قيام الحجة عند المكلف على خمرية مائع مثلا في التجري بالإضافة إلى الواقع ليس إلّا (ثم) لا يخفى ان في موارد الأصول و الأمارات النافية للتكليف و ان أمكن الاحتياط و كان حسنا ما على ما سيجي‏ء إن شاء اللَّه تعالى من عدم منافاة وجود الحجة على العدم مع حسن الاحتياط إلّا ان من لم يحيط و اقتحم فيها إذا كان في اقتحامه مستند إلى الحجة الموجودة فيها فلا يتحقق منه التجري و يكون معذورا و لو انكشف وقوعه في المخالفة الواقعية و اما إذا لم يكن الاقتحام استنادا إلى الحجة الشرعية بل لرجاء تحقق المعصية منه كمن شرب المائع المحكوم بعدم الخمرية برجاء كونه خمرا فلا ريب في حسن مؤاخذته إذا كان الاقتحام موجبا لتحقق المخالفة الواقعية فان المخالفة الواقعية انما يقبح العقاب عليها إذا كانت مستندة إلى حجة شرعية أو عقلية و اما في غير ذلك فلا موجب لقبحه و سيجي‏ء تفصيل الكلام في ذلك في مبحث البراءة إن شاء اللَّه تعالى بل لو بينا على استحقاق المتجري للعقاب فلا ريب في حسن المؤاخذة في المقام و لو لم يكن الاقتحام موجبا لتحقق‏

34

المخالفة الواقعية (و بالجملة) حال من لا يستند في اقتحامه إلى حجة شرعية أو عقلية حال من لم يكن عنده حجة أصلا في انه مع وجود المخالفة الواقعية يستحق عقاب العاصي و مع عدمها يستحق عقاب المتجري و صرف وجود الحجة مع عدم الاستناد عليها لا يوجب رفع العقاب عن المرتكب بل يمكن ان يقال بأشدية العصيان أو التجري عند قيام الحجة النافية مع عدم الاستناد إليها من العصيان أو التجري في موارد القطع بالمخالفة فان الأقدام على مخالفة المولى و عصيانه حتى في الموارد المحتملة رجاء لتحقق المعصية لا ينشأ إلّا عن سوء سريرة أقوى من سوء السريرة الموجودة في موارد القطع بالمخالفة فالعقاب عليه في فرض المصادفة و عدمها يكون أولى من العقاب على المعصية أو التجري الموجودين في موارد القطع (الثالث) ان صاحب الفصول (قده) بعد ما ذهب إلى قبح التجري في حد ذاته التزم بانقسامه إلى الأحكام الخمسة باعتبار مزاحمة قبحه في بعض الموارد بالمصلحة الواقعية ففي مثل ما إذا تجري العبد بعدم قتل من قطع بعداوته للمولى التزم بعدم القبح بل بالحسن فيما إذا انكشف كونه ابنا للمولى (ثم) انه ذكر في بعض كلماته انه إذا صادف التجري المعصية الواقعية تداخل عقابهما و حاصل ما ذكره فيحل إلى دعاوٍ ثلاث (الأولى) ان قبح التجري يمكن زواله بعروض عنوان آخر موجب لحسنه فيختلف حاله في الحسن و القبح باختلاف الوجوه من الاعتبارات (الثانية) ان مصادفة مورد التجري لمحبوب المولى واقعا من جملة الوجوه التي بها يرتفع قبح التجري (الثالثة) ان في صورة مصادفة التجري للمعصية الواقعية يتداخل عقابهما و كل هذه الدعاوي فاسدة اما الدعوى الأولى فيبطلها ان الأفعال باعتبار كونها حسنة أو قبيحة بحكم العقل على إقامة ثلاثة فان منها ما ليس فيه اقتضاء الحسن و القبح أصلا و يحتاج في اتصافه بهما إلى عروض عنوان خارجي عليه و هذا كالمباحات فانها لا تتصف بالحسن و القبح في حد ذواتها (نعم) إذا عرض لها عنوان محسن أو مقبح فهي تتصف بالحسن أو القبح (و منها) ما يكون فيه اقتضاء الحسن أو القبح لكن لا يمتنع ان يعرض له عنوان آخر يغيره عما هو عليه و هذا كالصدق و الكذب فان الأول مقتض للحسن و ما لم يكن هناك جهة أخرى كالإضرار بمؤمن مثلا فيتصف بالحسن كما ان الثاني فيه اقتضاء القبح و ما لم يعرض له جهة محسنة كإنجاء مؤمن أو دفع فتنة مثلا فيتصف بالقبح فالصدق مع بقاء عنوانه يمكن ان يتصف بالقبح لعروض عنوان آخر كما ان الكذب مع كونه كذبا يمكن ان يتصف بالحسن لأمر خارجي (و منها) ما يكون علة تامة للحسن أو

35

القبح و لا يمكن فيه الانفكاك أصلًا و هذا كالعدل و الظلم فانهما مع بقائهما على عنوانهما يستحيل ان يتغيرا عما هما عليه (نعم) يمكن ان يكون بعض العناوين مخرجا للشي‏ء عن كونه عدلا أو ظلما كما في ضرب اليتيم فانه إذا كان بعنوان التأديب يخرج عن كونه ظلما و يكون عدلا في حقه لا انه يتصف بالحسن مع بقائه على كونه ظلما و كما في حكم الشارع بأخذ المال من الكافر الحربي فان الشارع بعد إلغائه مالكيته و جعل ما يملكه هنيئا للمسلمين لا يكون الأخذ منه بالغلبة و القهر ظلما في حقه (و لا يخفى) ان عنوان التجري على المولى و كشفه عن سوء سريرة العبد لا يمكن ان يعرض له جهة أخرى محسنة فانه كالمعصية الحقيقية في كونه ظلما على المولى فكما انه لا يمكن اتصاف المعصية الحقيقية بالحسن أصلا فكذلك يكون التجري أيضا (و بالجملة) القبح الفاعلي الموجود في التجري انما هو من لوازم ذاته و يستحيل انفكاكه عنه أبدا (و اما) الدعوى الثانية فيبطلها انا و لو سلمنا إمكان عروض عنوان موجب لارتفاع قبح التجري إلّا ان المصادقة مع محبوب المولى واقعا لا يمكن ان يكون من هذا القبيل فان الأمور الغير الاختيارية كما لا يمكن ان تكون معروفة للحسن أو القبح فكذلك لا يمكن ان تكون من العناوين المزيلة للحسن أو القبح ضرورة ان ضرب اليتيم لا للتأديب لا يمكن ان يقع حسنا و لو ترتب عليه الأدب خارجا كما ان الكذب لا يرتفع عنه قبحه بمجرد مصادفته لإنجاء مؤمن أو دفع فتنة واقعا و مصادفة مورد التجري مع ما هو محبوب المولى واقعا لكونها خارجة عن الاختيار يستحيل كونها دافعة لقبح التجري و موجبة لحسنه و لذا اعترف (قده) بمعذورية من لم يتجر على مولاه و بعدم فعله القبح لو أتى بما هو مبغوض للمولى واقعا فكما ان المبغوضية الواقعية لا توجب قبحا في ترك التجري على المولى فكذلك لا توجب المحبوبية الواقعية حسنا في التجري فان (قلت) إذا كان دخل الأمور الواقعية الخارجة عن الاختيار في اتصاف الفعل بالحسن أو القبح محالا فلما إذا أنكرت استحقاق المتجري للعقاب مع ان المصادفة الواقعية في العاصي و عدم المصادفة في المتجري خارجان عن الاختيار فكما أمكن دخل المصادفة الواقعية في العاصي و عدم المصادفة في المتجري خارجان عن الاختيار فكما أمكن دخل المصادفة في استحقاق العقاب و في صدور القبيح منه خارجا فكذلك يمكن دخل المصادفة مع محبوب المولى رافعا للقبح عن التجري (قلت) المستحيل انما هو دخل الأمور الغير الاختيارية في اتصاف شي‏ء بالحسن أو القبح و كونها مزيلة و رافعة لهما كما في المقام و اما كونها موجبة لعدم تحقق القبيح فلا محذور فيه أصلا و ما التزمناه هناك انما هو من هذا القبيل لا القسم الأول فانا قد ذكرنا

36

هناك ان الموجب للعقاب هو القبح الفعلي مع كونه محرزا عند الفاعل و من المعلوم ان عدم المصادفة الواقعية توجب عدم تحقق القبيح من المكلف لا انها توجب ارتفاع القبح عما هو متصف به في حد نفسه و كم فرق بين كون الأمر الغير الاختياري رافعا للقبح و كونه مانعا عن تحقق القبيح خارجا و ما أنكرناه في المقام هو الأول دون الثاني (و اما الدعوى) الثالثة فيرد عليها انا إذا بنينا على استحقاق المتجري للعقاب بملاك استحقاق العاصي له فليس في مورد العصيان الا ملاك واحد للعقاب فأين عقابان حتى يتداخلان و إذا بنينا على استحقاق المتجري له بملاك آخر يخص به في قبال ملاك استحقاق العاصي له فكيف يمكن فرض المصادفة في صورة التجري حتى يكون هناك ملاكان لاستحقاق العقاب فيلتزم بتداخلهما و كيف كان فلا نعقل معنى محصلا لتداخل العقابين في فرض المصادفة إلّا ان يريد من المصادفة مورد التجرد الحرام آخر كما إذا قطع المتجري بخمرية مائع فشربه فظهر كونه مغصوبا و حينئذ فان بنينا على جواز العقاب على جنس الحرام المعلوم و ان كان المكلف مخطئا في فصله كما هو المختار عندنا على ما سيجي‏ء تفصيله في بحث الاشتغال أو بنينا على جواز العقاب على نفس الحرام الواقعي و هو الغصب في الفرض المزبور بعد معلومية حرمة الفعل الخارجي و لو بعنوان آخر فلا محالة يتحقق المعصية بالإضافة إلى جنس الحرام المعلوم أو بالإضافة إلى الحرام الواقعي و يتحقق التجري بالإضافة إلى خصوصية الخمر المعلوم للمكلف فيجتمع المعصية و التجري في محل واحد باعتبارين و اما إذا بنينا على عدم صحة العقاب على جنس الحرام المعلوم و لا على الفرد الواقع الموجود في ظرف القطع بفرد آخر خطأ لما اجتمع المعصية و التجري حتى في الفرض المزبور

(الأمر الثاني) في تحقيق قاعدة الملازمة و ما ذهب إليه الأخباريون من عدم اعتبار الدليل العقلي في الأحكام الشرعية

و هذه المسألة و ان وقع فيها ما وقع من الإضراب و كثرة النقض و الإبرام في كلماتهم إلّا انه لا حاجة لنا إلى ذكرها و تمييز الصحيح منها من سقيمها فان روح المراد و حقيقة المطلب انما تتضح بالبحث عن جهات أربع (الجهة الأولى) في بيان ان الأحكام الشرعية هل هي تابعة للمصالح و المفاسد أم لا و المخالف في هذه المسألة هم الأشعرية و لهم في ذلك قولان (الأول) ان الأحكام بأجمعها جزافية و الشارع له ان يأمر بكل ما يريد و ينهى عن كل ما يريد و ليس هناك مصلحة و مفسدة أصلا و هذه الطائفة أنكروا وجود الحسن و القبح بالكلية و التزموا بعدم قبح الترجيح بلا مرجح و لا ريب ان هذا القول مناف لضرورة العقل و الوجدان لكن‏

37

الالتزام به ممن لا يلتزم بالعقل و ينكر كل بديهي ليس بعزيز (الثاني) ان الأحكام انما جعلت لمصلحة اقتضت التشريع و حفظا لتلك المصلحة لا بد من إيجاب أمور و تحريم أمور و حيث ان الأفعال بعضها مشتملة على المصلحة و بعضها الآخر على المفسدة فهما صارتا مرجحتين في إيجاب ما فيه المصلحة و تحريم ما فيه المفسدة و إلّا فليست المصلحة أو المفسدة بنفسهما مناطين لجعل الواجب أو الحرمة و هذا القول ربما مال إليه بعض العدلية تبعا لهم و لا يخفى اشتراك هذا القول مع القول الأول في الفساد فان الضرورة قاضية بعدم المصلحة في جعل المكلفين في الكلفة الا إيصال المصالح إليهم و تبعيد المفاسد عنهم و إلّا فأي مصلحة تقتضي جعلهم في الكلفة مع عدم رجوع المنفعة إليهم هذا و قد تواترت الأخبار معنى بمضمون قوله (صلى اللَّه عليه و آله) ما من شي‏ء يقربكم إلى الجنة و يبعدكم عن النار الا و قد أمرتكم به و ما من شي‏ء يقربكم إلى النار و يبعدكم عن الجنة الا و قد نهيتكم عنه الصريح في انبعاث الأحكام عن المصالح و المفاسد في الأفعال و كيف كان فلا ريب في ان مناطية المصالح و المفاسد للأحكام ضرورية لا يمكن إنكارها و سيجي‏ء إن شاء اللَّه تعالى في الجهة الرابعة بعض المغالطات الواقعة في هذا المقام و الكشف عنها (ثم) لا يخفى ان إنكار قبح الترجيح بلا مرجح المختص بالأشاعرة انما هو مع عدم وجود المرجح أصلا و عليه بنوا إنكار تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد كما عرفت آنفاً و اما الترجيح في الفرد مع وجود المصلحة في النوع من دون مرجح في خصوص ذلك الفرد فهو ليس تقبيح ضرورة ان العاقل لا يفوت المصلحة الثابتة في النوع بعدم وجود المرجح في خصوص فرد من افراده و قد بينا تفصيل هذا المطلب و نقلنا عن الفخر الرازي كلاما لطيفا في هذا المقام في بحث الطلب و الإرادة فراجع (الجهة الثانية) في بيان ان العقل هل يدرك الحسن و القبح بعد الفراغ عن إثبات أنفسهما أم لا و التحقيق ان يقال ان العقل و ان لم يكن له إدراك جميع المصالح و المفاسد إلّا ان إنكار إدراكه لهما في الجملة و بنحو الموجبة الجزئية مناف للضرورة أيضا و لو لا ذلك لما ثبت أصل الديانة و لزم إفحام الأنبياء إذ إثبات النبوة العامة فرع إدراك العقل لقاعدة وجوب اللطف كما ان إثبات النبوة الخاصة بظهور المعجزة على يد مدعيها فرع إدراك العقل قبح إظهار المعجزة على يد الكاذب و مع إنكار إدراك العقل للحسن و القبح بنحو السالبة الكلية كيف يمكن إثبات أصل الشريعة فضلا عن فروعها (الجهة الثالثة) في بيان ان حكم العقل بعد تسليم إدراكه للحسن أو القبح بنحو الموجبة الجزئية هل يكون ملازما لثبوت‏

38

الحكم الشرعي أم لا (ربما) يقال بعدم الملازمة فان إدراك العقل لمناط الحكم من الحسن أو القبح لا يلزم عدم وجود ما يكون مزاحما له في مورده إذ يحتمل ان يكون هناك جهة أخرى خفيت على العقل و الشارع الحكيم على الإطلاق لاطلاعه على الجهة المخفية على العقل لم يحكم على طبق حكمه و مع هذا الاحتمال كيف يمكن القول بملازمة الحكمين دائما و أنت خبير بفساده فان محل الكلام انما هو فيما إذا استقل العقل بحكم و وجود هذا الاحتمال في مورد حكمه خلف واضح ضرورة عدم إمكان الاستقلال بحكم مع احتمال وجود المزاحم و محل الكلام انما هو في مورد لا يتطرق هذا الاحتمال و مع عدم تطرقهِ الأريب في استكشاف الحكم الشرعي بعد فرض تبعيته للمصلحة أو المفسدة بحكم العقل فيكون الملازمة ثابتة من الطرفين (ثم) ان صاحب الفصول (قده) ذهب إلى إنكار الملازمة من الطرفين و استدل عليه بوجوه يرجع بعضها إلى دعوى وجود الحكم الشرعي مع عدم وجود الملاك في مورده و بعضها إلى دعوى وجود الملاك مع عدم وجود الحكم الشرعي في مورده منها وجود الأوامر الامتحانية في الشريعة مع عدم وجود الملاك في متعلقاتها (و فيه) ان المأمور به في الأوامر الامتحانية انما هو فعل بعض المقدمات و هو مشتمل على المصلحة و اما توجيه الأمر إلى ذي المقدمة فهو من جهة الإيهام لمصلحة فيه و إلّا فهو ليس بمأمور به حقيقة (و منها) انه ثبت لنا في الشريعة موارد لم يحكم الشارع فيها على طبق الملاكات الموجودة فيها كما هو مقتضى قوله (صلى اللَّه عليه و آله) لو لا ان أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك بل أمرنا بالسكوت فيما سكت اللَّه عنه في قوله (صلى اللَّه عليه و آله) اسكتوا عما سكت اللَّه عنه فان اللَّه لم يسكت عنها نسيانا إلخ فإذا أمكن تخلف الحكم الشرعي عن الملاك و لو في مورد واحد فبمجرد إدراك العقل لحسن شي‏ء أو قبحه لا يمكن استكشاف الحكم الشرعي في ذلك المورد بل لا بد من السكوت فيه (و فيه) ان محل الكلام انما هو في مورد لا يتطرق فيه احتمال المزاحم مثل المشقة و نحوها إذ معه لا يمكن استقلال العقل حتى يستكشف به الحكم الشرعي (و منه) يظهر فساد توهم دخول المقام في موارد الأمر بالسكوت فان في موارد الاستقلال يكون الحكم الشرعي و أصلا بطريق الرسول الباطني و لا فرق في وصول الحكم بين ان يكون بتوسط الرسول الظاهري أو الباطني بل الوصول بتوسط الثاني لكونه قطعيا يكون أقوى من الوصول بتوسط الرسول الظاهري فانه في غالب الموارد لا يكون إِلا ظنيا و بالجملة السكوت انما يتحقق في موارد عدم وصول الحكم و اما موارد الوصول فلا معنى لتوهم‏

39

دخولها في الأخبار الآمرة بالسكوت أصلا (و منها) انه لا إشكال في النهي عن العمل ببعض الطرق كالظن القياسي كما انه لا إشكال في الأمر بالعمل ببعضهما الأخر مع ان الأول ربما يكون مصادفا للواقع فيكون في مورده ملاك الحكم بوجوب العمل به و الثاني ربما لا يكون مصادفا للواقع فلا يكون في مورده الملاك و على التقديرين يلزم تخلف الحكم عن الملاك (و جوابه) يظهر مما ذكرناه من ان المدعي عدم إمكان تخلف الحكم عن الملاك التام و اما تخلفه في فرض مزاحمة الملاك بملاك آخر أقوى كما في موارد القياس فما لا ينكر و اما توهم وجود الحكم في موارد الأمارات المعتبرة الغير المصادفة للواقع مع عدم وجود الملاك فيها فيدفعه ان الملاك المفقود فيها انما هو ملاك جعل الحكم الواقعي و اما الملاك لجعل الحكم الظاهري و إعطاء صفة الطريقية لها فهو موجود في فرض عدم المصادفة أيضا (و منها) انه لا ريب في ان الملاك و المصلحة في العبادات انما يترتب على إتيانها بقصد قربي لا على مجرد وجوداتها في الخارج و من المعلوم ان الأوامر فيها لا تتعلق الا بأنفسها من دون اعتبار قصد القربة فيها فما فيه الملاك يستحيل تعلق الأمر به و ما تعلق به الأمر لا يكون واجداً للملاك على الفرض (و جوابه) إِن المأمور به فيها إنما هو الفعل المأتي به بداعي القربة لكنه لا بأمر واحد بل بأمرين فإِن ما لا يمكن فيه استيفاء الغرض بأمر واحد لا بدَّ من استيفائه بأمرين و أين ذلك من تخلف الحكم عن الملاك و من أراد الاطلاع على تفصيل الكلام فليراجع ما ذكرناه في بحث التعبدي و التوصلي (و منها) انه لا ريب في ان الملاك ربما يكون في بعض الأفراد دون بعض و مع ذلك يجعل الحكم على كلي يشملهما و هذا كما في باب العدة فان مصلحة حفظ الأنساب و عدم اختلاف المياه اقتضت تشريع حكم العدة مطلقا حتى فيما لا يلزم فيه من عدم العدة اختلاف المياه فقد تخلف الحكم في تلك الموارد عن الملاك (و فيه) ان الالتزام يجعل الحكم الكلي لمصلحة في بعض الافراد الغير الممتازة عن الأفراد الأخر عين الالتزام بوجوب تبعية الحكم للملاك غاية الأمر ان المصلحة الداعية إلى الجعل ربما تكون مصلحة نوعية و أخرى شخصية و أين ذلك من الالتزام بعدم تبعية الحكم للملاك كما هو المدعى (و منها) ان التقية إِذا كانت في نفس الحكم دون المتعلق كما إِذا أمر الإِمام (عليه السلام) بشي‏ء لحفظ دم نفسهِ (سلام اللَّه عليه) بنفس الأمر من دون أن يكون هناك مصلحة في المأمور به فقد تخلف الحكم عن الملاك (و فيه) ان المصلحة إذا كانت في نفس الإنشاء بان يكون التقية في نفس الأمر لا ان تكون‏

40

التقية مأمورا بها فهو لا يكون بأمر حقيقة بل هو مجرد تكلم بلفظ المصلحة في نفس التكلم و أين ذلك من تخلف الحكم عن الملاك (و بالجملة) فما ذهب إليه (قدس سره) من إمكان انفكاك الحكم عن الملاك و بالعكس و استدلاله على ذلك بهذه الوجوه الضعيفة لم يكن مترقبا منه (قدس سره) و كيف كان فلا ريب بعد إثبات تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد و بعد إثبات إمكان إدراك العقل لهما في الجملة في ثبوت الملازمة من الطرفين (الجهة الرابعة) فيما ذهب إليه الأخباريون في المقام و الجواب عنه و لا يخفى أن كلماتهم فيه و ان كانت مختلفة جداً إذ ظاهر كلام بعضهم إنكار الملازمة بين الحكم العقلي و الشرعي و ظاهر بعض آخر منهم عدم جواز الاستدلال بالأدلة العقلية الظنية على الأحكام الشرعية مع دعوى عدم إمكان حصول القطع بها من غير الطرق الشرعية و مظاهر جماعة أخرى منهم عدم حجية القطع بالحكم الحاصل من غير الطرق الشرعية إلّا ان الّذي يجتمع عليه كلماتهم هو دعوى لزوم توسط الأوصياء (سلام اللَّه عليهم) في التبليغ فكل حكم لم يكن فيه وساطتهم فهو لا يكون واصلا إلى مرتبة الفعلية و الباعثية و ان كان ذلك الحكم واصلا إلى المكلف بطريق آخر و هذا الّذي يدعونه من كون التبليغ بوساطة حجج اللَّه تعالى مأخوذة في موضوع الأحكام و ان كان امراً ممكنا من باب نتيجة التقييد على ما بينا توضيح ذلك في نظائر المقام مراراً إلّا أن الكلام معهم في ذلك في مقام الإثبات و إقامة الدليل على المدعي و ما يمكن ان يستدل لهم على ذلك امران (الأول) هو احتمال مدخلية وساطتهم (عليهم السلام) في فعلية الأحكام و العقل بعد احتمال ذلك يستحيل أن يستقل على وجه الجزم بشي‏ء حتى يحكم بملازمة الحكم الشرعي له و يرد هذا الوجه أن العقل بعد ما أدرك المصلحة الملزمة في شي‏ء كالكذب المنجي للنبي أو لجماعة من المؤمنين مثلا و أدرك عدم مزاحمة شي‏ء آخر لها و أدرك الأحكام الشرعية ليست جزافية و انما هي الأجل إيصال العباد إلى المصالح و تبعيدهم عن المفاسد كيف يعقل ان يتوقف في استكشاف الحكم الشرعي بوجوبه و يحتمل مدخلية وساطتهم (صلوات اللَّه و سلامه عليهم) بل لا محالة يستقل بحسن هذا الكذب و يحكم بمحبوبيته و الحاصل ان المدعي هو تبعية الحكم الشرعي لما استقل به العقل من الحسن أو القبح و بعد الاستقلال لا يبقى مجال لهذا الاحتمال أصلا (الثاني) الاخبار الكثيرة التي لا يبعد تواترها معنى الدالة على وجوب الرجوع إلى الأئمة (صلوات اللَّه و سلامه عليهم أجمعين) و وجوب الاعتقاد بهم و عدم الاعتناء بالعقل في الأحكام الشرعية و لا يخفى ان هذه‏

41

الأخبار على كثرتها على طائفتين (الأولى) الأخبار الدالة على عدم قبول الأعمال بل على عدم صحتها ممن لا يعتقد بإمامتهم (صلوات اللَّه عليهم) و كون هذه الأخبار أجنبية عما هو محل الكلام في المقام ظاهر لا يحتاج إلى البيان (الثانية) الأخبار الدالة على وجوب أخذ الأحكام منهم (عليهم السلام) و عدم الاعتناء على الإدراكات العقلية و ظاهر هذه الطائفة انها في مقام الردع عما يفعله أئمة النفاق و الكفر عليهم لعائن اللَّه من الاستقلال في الفتوى بآرائهم الفاسدة المبنية على العمل بالأقيسة و الاستحسانات الظنية من دون الرجوع إلى أئمة الهدى (صلوات اللَّه عليهم) بل ربما كانوا يعارضونهم و أين ذلك ممن يعتقد بإمامتهم و يرجع في مقام الفتوى إلى كلماتهم و الأخبار الصادرة عنهم (صلوات اللَّه عليهم) و ربما يتفق له استقلال عقله بحسن شي‏ء أو متجه و يستكشف من ذلك أدائهم (صلوات اللَّه عليهم) بطريق الآن لما ثبت عنده من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد و عدم كونها جزافية كما يدعيها الأشاعرة من دون شعور فإِذا لم يكن هناك دليل من الشرع على تقييد الأحكام الواقعية بكونها مبلغة تبليغهم (صلوات اللَّه عليهم) من باب نتيجة التقييد و لم يكن هو محملا في حد ذاته فلا يبقى ما يمنع عن استقلال العقل بشي‏ء و عن ملازمة حكم الشرع له لا عقلا و لا نقلا

(الأمر الثالث) ذهب بعض الأساطين في كشف غطائه إلى عدم الاعتبار بقطع كثير القطع‏

كعدم الاعتبار بظن كثير الظن و شك كثير الشك و التحقيق ان يقال ان الشك المأخوذ في موضوع أدلة الشكوك من جهة انصرافه إلى الشك المتعارف لا يكون شاملا للشك الغير المتعارف و مقتضى القاعدة الأولية عند حصول الشك الغير المتعارف هو بطلان العمل لاستلزامه الشك في انطباق المأمور به على المأتي به خارجا إلّا ان الأدلة الدالة على عدم اعتبار شك من يكثر شكه قد دلت على اكتفاء الشارع عن المأمور به بما يؤتى به في الخارج مع الشك المذكور و بها خرجنا عن مقتضى القاعدة الأولية (و اما) الظن المأخوذ في لسان الدليل فهو ينصرف إلى الظن المتعارف و عليه يكون الظن الغير المتعارف الحاصل مما لا ينبغي حصول الظن منه محكوما باحكام الشك لا محالة فيختلف حاله باختلاف الموارد فيفرق بين الظن المتعلق بالركعتين الأخيرتين و بين المتعلق بالأوليين و كذا ان يفرق بين حالتي تعلقه بالافعال قبل تجاوز المحل و بعده و اما القطع فهو ان كان مأخوذا في الموضوع فلا ريب انه ينصرف إلى القطع المتعارف و لا يترتب على القطع الحاصل مما لا ينبغي حصول القطع منه الا الأحكام الثابتة له إلّا ان القاطع لا يلتفت إلى كون قطعه غير متعارف و إلا لزال قطعه‏

42

لا محالة بل الظان لا يلتفت بذلك فلا يكون الانصراف الثابت في الدليل مفيدا لهما أصلا و إذا كان هذا حال القطع المأخوذ في الموضوع مع فرض انصرافه إلى المتعارف فكيف يعقل عدم اعتبار القطع الطريقي مع عدم جريان دعوى الانصراف فيه لأن المفروض ان طريقيته ذاتية و ليست ثابتة له بجعل شرعي حتى يمكن فيه دعوى الانصراف إلى خصوص قسم دون قسم آخر

(الأمر الرابع) لا ريب في ان العلم الإجمالي كالعلم التفصيليّ في انكشاف متعلقه به في الجملة

إلّا انه من جهة كونه مشوبا بالجهل وقع الكلام في انه هل هو مثله في إثبات التكليف و تخييره أو في إسقاطه و الفراغ عنه أم لا و لا يخفى ان البحث في مرحلة الإثبات و ان كان سابقا في الرتبة على البحث في مرحلة الإسقاط إلّا ان شيخنا العلامة الأنصاري (قده) حيث قدم البحث عن الإسقاط على البحث على الإثبات لنكتة تظهر لك فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى فنحن نقتفي اثره في ذلك فنقول لا ريب في صحة الاكتفاء بالامتثال الإجمالي و لو مع التمكن عن الامتثال التوصلي في التوصليات إذ المفروض سقوط الأمر فيهما بمجرد وجود المأمور به خارجا من دون ان يعتبر فيه شي‏ء آخر فإذا فرض تحققه في الخارج و لو في ضمن أمور متعددة فيسقط الأمر لا محالة و من ذلك يظهر ان الأمر في باب العقود و الإيقاعات أيضا كذلك فإذا أوجد المكلف في ضمن أمور متعددة ما هو سبب للملكية عند الشارع فيترتب الملكية عليه لا محالة و توهم ان التردد في السبب ينافي قصد الإنشاء المعتبر في تحقق الملكية فساده غني عن البيان (و اما) الامتثال الإجمالي في العبادات فقد يكون مع التكرار فيهما و قد يكون بدونه اما ما لا يحتاج فيه إلى التكرار فلا ينبغي الإشكال في جوازه و لو مع التمكن عن الامتثال القطعي التفصيليّ فانه لا مانع عنه الا توهم لزوم قصد الوجه و معرفته في صحة العبادة الغير المتحققين في فرض الامتثال الإجمالي (و لا يخفى) ان اعتبارهما في صحة العبادة و ان كان هو مختار جملة من المتكلمين بل اعتبر بعضهم أمور أخر في صحتهما أيضا إلّا ان ذلك لا بد و ان يكون بدليل عقلي أو نقلي و كلاهما مفقودان (اما العقل) فهو لا يحكم إلّا بلزوم الإطاعة و الانبعاث عن بعث المولى خارجا و لا يحكم بلزوم أزيد من ذلك في مقام الإطاعة جزما (و اما الدليل) النقلي فهو بعد عدم وجدانه مع كثرة الابتلاء بالعبادات من الصدر الأول إلى زماننا مقطوع العدم إذ عدم الوجدان مع كون الواقعة في محل الابتلاء لا سيما بهذه الشدة من الابتلاء و عدم وجود داع إلى الإخفاء عادة بل مع وجود (الداعي) إلى الإظهار كما

43

في المقام دليل قطعي على عدم الوجود فحيث انه ليس من اعتبار قصد الوجه و معرفته في الاخبار و الآثار عين و لا أثر فيحصل لنا القطع بعدم اعتبارهما شرعا و مع عدم اعتبارهما في صحة العبادة لا عقلا و لا شرعا لا يكون هناك مانع آخر عن جواز الامتثال الإجمالي (فان) قلت اعتبارهما في صحة العبادة و ان لم يدل عليه من الكتاب و السنة شي‏ء إلّا انه ادعى عليه الإجماع في كلمات جملة من الأكابر و لا ريب ان دعواهم الإجماع في مسألة يكون دليلا عليها و ان لم نقل بحجية الإجماع المنقول في حد نفسه (قلت) نعم إلّا انه لم يظهر لنا دعواهم الإجماع على اعتبارهما من جهة كونهم فقهاء حتى ينكشف بها رأي المعصوم (عليه السلام) و من المحتمل قويا ان دعواهم على الإجماع اعتبارهما من جهة كونهم من أهل الكلام و مستندهم في ذلك هو العقل و إذا كان المستند هو العقل فقد عرفت انه لا يحكم بأزيد من وجوب إطاعة المولى و الانبعاث عن بعثه و لا يبقى حينئذ لدعوى الإجماع في المسألة أثر أصلا (بل) عدم العثور على دليل شرعي يدل على اعتبارهما في صحة العبادة مع كثرة الابتلاء بها كما عرفت يكون دليلا قطعيا على ان دعواهم الإجماع مستندة إلى ذهابهم على اعتبارهما فيها عقلا و ليست مستندة إلى جهة فقاهتهم (ثم) انا لو تنزلنا عن دعوى القطع بعدم الاعتبار فغاية ما هناك هو احتمال اعتبارهما فيها شرعا (و على) ما هو المختار عندنا من جريان البراءة في غير الشك فيما يعبر في الطاعة عقلا سواء كان الشك في اعتبار أصل قصد القربة و اعتبار امر آخر بعد الفراغ عن اعتباره يكون المورد مجرى لها (نعم) لو بنينا على ما بنى عليه شيخنا العلامة الأنصاري (قده) من لزوم الرجوع إلى الاشتغال عند الشك في اعتبار امر آخر بعد الفراغ عن اعتبار قصد القربة و كون المأتي به عبادة لم يمكن الرجوع إلى البراءة في المقام و لكنا ذكرنا في بحث التعبدي و التوصلي و سيجي‏ء في مبحث البراءة إن شاء اللَّه تعالى عدم الفرق في الرجوع إلى البراءة بين كون الشك في أصل اعتبار قصد القربة و بين الشك في اعتبار امر آخر بعد الفراغ عن اعتباره (ثم لا يخفى) ان القائلين باعتبار قصد الوجه و معرفته مع الاختلاف بينهم في ان المعتبر هل هو أحدهما أو كلاهما معا اتفقوا على ان الاعتبار انما هو في فرض التمكن و اما في صورة عدم التمكن فلا ريب في عدم الاعتبار و إلّا لأفسد باب الاحتياط في العبادات مطلقا و هذا مما لا (يلزم) أحد من القائلين باعتبارهما فضلا عن غيرهم (ثم ان) الامتثال الإجمالي في مورد دون ان الأمر بين الأقل و الأكثر يتصور على أنحاء ثلاثة الأول ان يكون مطلوبيته ما

44

يشك في جزئيته مفروغا عنها و كان الشك في الإلزام به لكونه جزء للعبادة و عدمه (الثاني) ان يكون الشك في أصل المطلوبية و مع ذلك يشك في كونه جزء للعبادة الواجبة (الثالث) ان يكون الجزء المعلوم جزئيته مرددا بين المتباينين كان يشك في ان الجزء المعلوم جزئيته هل يعتبر فيه الجهر أو الإخفات (اما القسم) الأول فقد عرفت انه لا مانع عن الاحتياط فيه و لو مع التمكن من الامتثال التفصيليّ الا توهم اعتبار معرفة الوجه أو نيته في صحة العبادة و حيث عرفت ان الصحيح هو عدم اعتبارهما فيها فلا يبقى إشكال في جوازه (و اما القسم) الثاني فلا إشكال في جواز الاحتياط فيه مع التمكن من الامتثال التفصيليّ أيضا إِذ الامتثال الاحتمالي و ان كان في طول الامتثال التفصيليّ على ما ستعرف إن شاء اللَّه تعالى إلّا ان ذلك في غير مورد دوران الأمر بين الأقل و الأكثر فان المحرك للمكلف في موارد الدوران المذكور انما هو شخص الإرادة المتعلقة بالعبادة و للمكلف ان يأتي بما يشتمل على المشكوك جزئيته بالداعي امتثال شخص تلك الإرادة سواء كان الامتثال في الواقع بمجموع الاجزاء المأتي بها في الخارج أو بغير هذا المشكوك جزئية و على كل تقدير فالامتثال انما هو بداعي الأمر المتعلق بشخص العبادة (و اما) القسم الثالث فيجوز الاحتياط فيه بتكرار الجزء في العبادة فيقصد بهذا العمل المشتمل على الجزء الواقع امتثال شخص الإرادة المتعلقة بالعبادة و يكون الجزء الزائد ذكرا مطلقا لا يضر بها (و اما) الاحتياط في العبادة فيما يحتاج إلى التكرار كما إذا علم المكلف بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة يوم الجمعة فلا إشكال في حسنه مع عدم التمكن من الامتثال التفصيليّ (و اما) مع التمكن منه فالحق عدم جوازه لا لما أفاده المحقق العلامة الأنصاري (قده) من كون التكرار في مقام الإطاعة لغوا و لعبا بأمر المولى حتى يورد عليه بأنه غالبا يكون بداع عقلائي بل لأن الإطاعة بالمعنى الأخص المعتبر في العبادات فقط و هو الانبعاث عن بعث المولى و التحرك عن تحريكه خارجا لا يتحقق مع الامتثال الإجمالي بداهة ان المحرك لخصوص صلاة الظهر أو الجمعة يستحيل ان يكون هو إِرادة المولى و بعثه فإِن المفروض الشك في تعلقها بكل منهما بكل المحرك انما هو احتمال تعلق الإرادة بكل منهما و مع التمكن من التحرك عن نفس الإرادة يستقل العقل بعدم حسن التحرك عن احتمالها فإِن مرتبة الأثر متأخرة عن مرتبة العين فكل ما أمكن التحرك عن نفس الإرادة في مقام الإطاعة فلا حسن في التحرك عن احتمالها (و بالجملة) فالإِطاعة بالمعين الأعم المشترك بين العباديات‏

45

و التوصليات و هو إيجاد المأمور به خارجا و ان علم بتحققها بعد الإتيان بالصلاتين إلّا ان الإطاعة بالمعنى الأخص المعتبر في العبادات لا تتحقق مع التمكن من التحرك عن نفس الإرادة بالتحرك عن احتمالها و العقل يستقل بعدم حسن الاحتياط و التحرك عن الاحتمال مع التمكن عن الانبعاث عن نفس الإرادة و لو نزلنا عن ذلك فحيث ان كون الامتثال الاحتمالي في عرض الامتثال التفصيليّ لم يقم عليه دليل فلا محالة نشك في كونه في عرضه و مقتضى القاعدة حينئذ هو عدم جواز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي و لا مجال التمسك بحديث الرفع في رفع هذا الشك لأن مورد جريانه هو ما إذا كان المشكوك من الأمور التي وضعها و رفعها بيد الشارع إمضاء أو تأسيسا و اما الأمور المشكوك اعتبارها في الطاعة العقلية فلا يكون حديث الرفع متكفلا لرفعها (و بالجملة) الأمور التي اعتبرها العقل في الطاعة و يحتمل اعتبارها فيها عقلا و ان كانت قابلة للتصرف شرعا كان يحكم الشارع بدليل مخصوص بكون الامتثال الاحتمالي في عرض الامتثال التفصيليّ و ليس وزان ذلك وزان ما لا يقبل للتصرف الشرعي أصلا كطريقية القطع و أمثالها إِلا ان حديث الرفع ليس ناظرا الأعلى رفع الأحكام المجعولة شرعا إمضاء أو تأسيسا فيكون قاصر عن الشمول لما يحتمل اعتباره في الطاعة عقلا و بذلك يفرق بين المقام و بين الشك في اعتبار نية الوجه و معرفيته في صحة العبادة فان الشك هناك لرجوعه إلى الشك في اعتبار امر زائد على ما هو معتبر عند العقل شرعا يكون مورد الحديث الرفع بخلاف المقام فإِن الشك فيه راجع إلى اعتبار امر في الطاعة العقلية ضرورة ان حسن الاحتياط من الأحكام التي يستقل العقل بها و مع الشك في تحققه لا يمكن التمسك بحديث الرفع الناظر إلى رفع الأحكام المجعولة الشرعية إمضاء أو تأسيسا و إذا لم يمكن التمسك بحديث الرفع فاقتضى قاعدة الاشتغال هو عدم جواز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي مع التمكن من الامتثال التفصيليّ و لا يفرق في ذلك بين كون الشبهة حكمية كما في المثال الّذي ذكرناه و بين كونها موضوعية كما إذا تردد الماء بين ما يعين يعلم كون أحدهما ماء ورد فمع التمكن من تعيين الماء خارجا و التوضي به لا يجوز الامتثال الإجمالي و الوضوء منهما إذ لم يعلم وجود الماء متميزا عن غيره لما أمكن الانبعاث عن شخص الإرادة المتعلقة بالتوضي من الماء بل لا محالة يكون الانبعاث عن احتمالهما و قد عرفت ان الانبعاث عن الاحتمال انما هو في طول الانبعاث عن شخص الإرادة و انه مع الشك في ذلك لا مجال للتمسك بالبراءة و لا بد من القول‏

46

بالاشتغال (ثم) انه قد ظهر مما ذكرناه عدم جواز الاحتياط في الشبهة البدوية قبل الفحص في خصوص العبادات أيضا (و توضيح) ذلك ان الشك في التكليف في الشبهة البدوية اما ان يكون قبل الفحص أو بعده و على كل تقدير فإما ان تكون الشبهة حكمية أو موضوعية و في تمام الأقسام اما ان يكون المشكوك عباديا أو توصليا لا إشكال في جواز الاحتياط في التوصليات مطلقا لما عرفت من ان الغرض فيها انما هو وجود المأمور به خارجا و لا ريب ان الاحتياط محرز له فيكون التكليف به ساقطا لا محالة و اما في العبادات فان لم يكن الشك فيها منجزا للتكليف كما إذا كان بعد الفحص في خصوص الشبهة الحكمية أو مطلقا في الشبهة الموضوعية فلا ريب في حسن الاحتياط و الإتيان برجاء المطلوبية عقلا و اما إذا كان الشك منجزاً له على تقدير وجوده واقعا كما في الشبهة الحكمية قبل الفحص فالحق فيه عدم جواز الاحتياط و لزوم الفحص لما عرفت من ان الامتثال التفصيليّ و التحرك عن نفس إرادة المولى متقدم رتبة على الامتثال الاحتمالي و ان حسن الاحتياط في العبادات انما هو في فرض عدم التمكن من الامتثال التفصيليّ فمع الشك في إمكان الانبعاث عن نفس الإرادة لاحتمال الوصول إليها بالفحص فلا محالة يكون حسن الاحتياط مشكوكا أيضا و قد عرفت ان مقتضى القاعدة عند الشك في حسن الاحتياط هو الاشتغال لا البراءة و معه فلا بد من الفحص و التحرك عن نفس الإرادة على تقدير الوصول إليها و التحرك عن احتمالها على تقدير عدمه (نعم) إذا كان الشك في خصوص التكليف الإلزامي بعد الفراغ عن أصل المطلوبية فلا ريب في حسن الاحتياط قبل الفحص أيضا و الوجه فيه ظاهر بعد ما عرفت من ان الصحيح هو عدم اعتبار نية الوجه و معرفته في صحة العبادة إذ المانع عن حسن الاحتياط على هذا التقدير منحصر بتوهم اعتبار نية الوجه و معرفته في صحتها و حيث عرفت ان الصحيح هو عدم اعتبار بما فيها فلا يكون هناك مانع آخر عن حسنه (هذا) كله فيما إذا تمكن المكلف من الامتثال التفصيليّ القطعي و اما إذا لم يتمكن الا من الامتثال التفصيليّ الظني فإن كان الظن مما ثبت اعتباره بدليل خاص فحاله حال القطع الوجداني ضرورة انه في مرتبة جواز العمل به إذ لا ريب في جواز العمل بالظن الخاصّ مع انفتاح باب العلم أيضا فإذا كان هو في مرتبة و المفروض تأخر مرتبة الامتثال الإجمالي عن مرتبة الامتثال التفصيليّ القطعي فلا محالة بتأخر مرتبة الامتثال الإجمالي عن مرتبة الامتثال التفصيليّ الظني الثابت اعتباره بدليل خاص أيضا هذا مضافا إلى ان الظن إذا كان معتبرا من قبل الشارع بإعطاء صفة الكاشفية و الطريقية

47

له فهو يكون قطعا بالجعل فيستقل العقل بتقدم الامتثال التفصيليّ بهذا القطع الجعلي على الامتثال الإجمالي و قد عرفت ان مقتضى القاعدة على تقدير الشك أيضا هو الاشتغال دون البراءة و عليه فلا يجوز الاحتياط مع التمكن من الامتثال الظني التفصيليّ أيضا (نعم) إذا عمل المكلف على طبق الظن فلا بأس بإتيان الطرف الآخر المحتمل رجاء مثلا إذا علم المكلف بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة في يوم الجمعة فالاحتياط بإتيان الصلاتين و ان كان لا يحسن قبل الامتثال التفصيليّ مع التمكن منه إلّا انه إذا تفحص عن الأدلة بنى على وجود خصوص صلاة الظهر مثلا و أتى بها فيحسن في حقه الاحتياط بإتيان صلاة الجمعة رجاء لإدراك الواقع فإِن الدليل الظني لا يوجب رفع موضوع الاحتياط و هو الاحتمال الوجداني كما كان في القطع الوجداني كذلك فغاية ما يقتضيه دليل الحجية و العناء احتمال الخلاف و العمل على طبقه في قبال الأمارة من دون اعتناء بها و اما إلغاء احتماله مطلقا حتى بعد العمل على طبق الأمارة و سقوط مقتضاها فلا يتكفل له الأمارة أصلا و هذا هو السر في احتياط العلامة الأنصاري (قدس سره) في بعض موارد الاحتياط بالجمع بين القصر و الإتمام بتقديم الإتمام على القصر و احتياط تلميذه العلامة الشيرازي (قدس سره) في تلك الموارد بتقديم القصر على الإتمام فإِن الشيخ (قدس سره) من جهة رجحان الإتمام في نظره في تلك الموارد احتياط بتقديمه على القصر و لكن العلامة الشيرازي (قده) من جهة رجحان القصر في نظره احتياط بتقديمه على الإتمام (و اما) إِذا كان الظن مما لم يثبت اعتباره إلّا بدليل الانسداد ففي تقديم العمل به على الامتثال الإجمالي و عدمه و توضيح ذلك هو أن الاختلاف في كون نتيجة الانسداد على نحو الكشف أو الحكومة إنما نشأ عن الاختلاف في كيفية ترتيب مقدماته و إِلا فكيف يعقل ان يترتب على مقدمات معينة الكشف مرة و الحكومة أخرى و سيتضح في محله إن شاء اللَّه تعالى انا إِذا أخذنا في مقدماته بطلان العمل بالاحتياط و عدم جواز الامتثال الإجمالي فيكون النتيجة هو الكشف لا محالة بمعنى ان العقل يكشف عن ان الشارع جعل الظن حجة عند تمامية هذه المقدمات و اما إذا أخذنا في مقدماته عدم وجوب الاحتياط فلا محالة بحكم العقل بأنه عند تعذر الامتثال التفصيليّ و عدم وجوب الامتثال الإجمالي لا بد من الامتثال الظني و لا يجوز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي فحكم العقل على الكشف يكون علة و مثبتا للحكم الشرعي و كاشفا عنه نظير آية النبأ الكاشفة عن حجية خير الواحد و على الحكومة يكون واقعا في سلسلة المعلول للحكم الشرعي و في مرتبة الامتثال و حيث فرضنا

48

من مقدماته بطلان الامتثال الإجمالي لقيام الإجماع عليه أو غيره على الكشف و عدم وجوبه على الحكومة فلا محالة يتقدم الامتثال الظني التفصيليّ على الامتثال الإجمالي على الكشف و اما على الحكومة فيكون كلاهما في عرض واحد في مقام الامتثال بحكم العقل (فإِن) قلت قد ذكرت سابقا ان الملاك في تقديم العمل بالظن الخاصّ على الامتثال الإجمالي و ان العمل بالظن الخاصّ في عرض العمل بالعلم و المفروض تقديم الامتثال التفصيليّ العلمي على الامتثال الإجمالي فيكون العمل بالظن الخاصّ مقدما عليه أيضا و عليه فحيث ان العمل بالظن المطلق على الكشف ليس في عرض العمل بالعلم بل هو مترتب على عدم التمكن منه فلا بد من كون العمل به في عرض الامتثال الإجمالي فلا وجه للتفصيل بين الكشف و الحكومة في ذلك قلت ما ذكرناه في وجه تقدم العمل بالظن الخاصّ على الامتثال الإجمالي من كونه في عرض العمل بالعلم التفصيليّ انما كان برهانا صوريا و إلا فروح البرهان على ذلك هو ان الشارع بعد إعطائه صفة الكاشفية و الطريقية للظن و امره بإلغاء احتمال الخلاف يكون حال الظن هو حال العلم في حكم العقل بعدم حسن الاحتياط مع التمكن من العمل به و لا أقل من الشك في ذلك الموجب لعدم جواز الاحتياط و هذا الملاك جار في الظن المطلق على الكشف أيضا فيكون حكمه حكم الظن الخاصّ في عدم حسن الاحتياط مع التمكن من العمل به فقد ظهر مما ذكرناه انه لا وجه لتعجب العلامة الأنصاري (قده) من ذهاب المحقق القمي (قدس سرهما) إلى تقدم العمل بالظن على الامتثال الإجمالي مع انه (قده) ممن ذهب إلى حجية الظن من باب الانسداد فإن المحقق القمي (قده) و ان كان يرى حجية الظن من باب الانسداد إلّا انه من القائلين بالكشف بل من المصرين عليه و قد عرفت ان مقتضى القاعدة على هذا القول هو تقدم العمل بالظن على الامتثال الإجمالي (هذا كله) في المقام الأول و هو جواز الامتثال بالعلم الإجمالي و اما المقام الثاني و هو كون العلم الإجمالي مثبتا للتكليف و منجز له فيقع الكلام فيه تارة من جهة لزوم الموافقة القطعية و أخرى من جهة حرية المخالفة القطعية (اما الجهة) الأولى فالمتكلف للبحث عنها هو مبحث البراءة و الاشتغال فلا بد من عقد البحث في المقام من الجهة الثانية فنقول البحث عن هذه الجهة و ان كنا ترددنا فيه في الدورة السابقة في كونه أصوليا أو كلاميا إلّا ان الحق هو كون هذه المسألة ذات جهتين و كون الجهة الكلامية من مبادئ الجهة الأصولية فان البحث عن الجهة الكلامية انما هو في ان العلم الإجمالي إذا تعلق بحكم فهل هو كالعلم التفصيليّ‏

49

في كونه مقتضيا لاستحقاق العقوبة على المخالفة أو حاله حال الشك البدوي في ان العقاب معه على المخالفة عقاب بلا بيان الثابت قبحه بحكم العقل و اما البحث عن الجهة الأصولية فهو في انحفاظ مرتبة جعل الحكم الظاهري و عدمه معه إِذا عرفت ذلك (فنقول) اما الجهة الكلامية فالحق فيها هو كون العلم الإجمالي كالعلم التفصيليّ في كونه موجبا لاستحقاق العقوبة على المخالفة (و اما) ما ربما يقال من انه لا محذور في ارتكاب تمام الأطراف تدريجا لعدم علم المكلف بالمخالفة و العصيان عند ارتكابه لكل واحد من الأطراف و العلم بحصول المخالفة بعد ارتكاب تمام الأطراف لم يقم دليل على محذور فيه إذ العقل إنما يحكم بقبح المعصية و هو عبارة عن المخالفة المعلومة فالعلم له دخل في موضوع حكم العقل بالقبح و هذا مفقود في ارتكاب تمام أطراف المعلوم بالعلم الإجمالي و ليس هناك موجب آخر للقبح (ففيه) ان القائل بعدم جواز ارتكاب تمام الأطراف لا يدعى وجود المحذور فيه من جهة العلم بالمخالفة الطارئ بعد ارتكاب تمام الأطراف بل هو يدعي ان العلم الإجمالي بوجود التكليف موجب لوصول التكليف إلى العبد و مخرج للعقاب على مخالفته عن كونه عقابا بلا بيان ضرورة ان أصل التكليف بما هو و أصل إلى المكلف تفصيلا و المشكوك إنما هو كل واحد من خصوصية الأطراف و العقاب إنما هو على مخالفة ذلك التكليف الواصل لا على خصوصية كل واحد من أطراف العلم و إِذا كان أصل التكليف و أصلا إلى المكلف فلا محالة يجب إتيان كل واحد من الأطراف أو تركها من باب المقدمة و لا يبقى مجال للقول بان الجهل بكل واحد من خصوصية الأطراف موجب لكون العقاب على المخالفة عقابا بلا بيان إذ المصحح للعقاب على ما بيناه هو مخالفة أصل التكليف الجامع بين الأطراف المعلوم للمكلف تفصيلا لا الخصوصية المجهولة و الّذي يدلك على كفاية معلومية هذا المقدار من التكليف في استحقاق العقوبة و في إمكان الانبعاث عنه هو ان لا إشكال في توجيه الخطاب على المكلف بنحو لا يقتضي أزيد من هذا المقدار من الوصول إلى المكلف و في صحة العقاب على مخالفته و في إمكان الانبعاث عنه كما إذا حكم الشارع بوجوب صلاة الظهر أو العصر تخييرا أو بحرمة أحد الفعلين كذلك أو بوجوب أحد الفعلين و حرمة الآخر تخييرا بينهما أيضا و هذا هو الميزان في تنجيز العلم الإجمالي و لزوم الانبعاث عنه كما سيتضح إن شاء الله تعالى (و اما الجهة) الأصولية فالحق فيها عدم انحفاظ الحكم الظاهري مع العلم الإجمالي بالنسبة إلى المخالفة القطعية و غاية ما يمكن ان يقترب به انحفاظ مرتبة جعل الحكم‏

50

الظاهري مع العلم الإجمالي هو ان يقال ان العلم في موارد العلم الإجمالي إنما تعلق بالجامع و هذا المقدار هو الّذي لا يمكن جعل الحكم الظاهري على خلافه و أما كل واحد من الأطراف فهو بعد على المجهولية و الجهل هو الموضوع لجعل الحكم الظاهري فإِذا علم بوقوع قطرة من البول في أحد إناءين المقطوع طهارة كل منهما سابقا فيستصحب طهارة كل واحد واحد منهما و ان كان أصل خطاب لا تشرب الجامع بينهما معلوما و لكن نشأ هذا التقريب من الوضوح بمكان فإِن الكلام يقع تارة في تقييد الأحكام الواقعية و الالتزام باختصاصها بموارد العلم التفصيليّ حتى لا يكون في موارد العلم الإجمالي فضلا عن الشكوك البدوي حكم واقعي أصلا و أخرى في صحة جعل الحكم الظاهري مع عدم التصرف في الحكم الواقعي أصلا (أما) تقييد الأحكام الواقعية بموارد العلم التفصيليّ بها فهو و ان كان ممكنا في حد نفسه من باب نتيجة التقييد على ما عرفت تفصيله سابقا إِلا ان الشأن في قيام الدليل على ذلك و لم يقم الدليل على التقييد إِلا في موارد الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام و يمكن ان يكون الاخبار الدالة على جواز أخذ المال المشتبه ممن عنده الحلال و الحرام في غير الخراج و المقاسمة الثابت حليتهما و لو مع العلم التفصيليّ دالة على تقييد حرمة التصرف في أموال الغير إِذا كان يد أحد عليها بما إِذا كانت معلومة تفصيلا ففي موارد الشبهة المحصورة و ان كان مقتضى القاعدة الأولية هو لزوم الاجتناب إلّا ان هذه الاخبار دلت على جواز التصرف فيها لمن يعطيها الجائر ما لم يعلم حرمتها تفصيلا و لا منافاة بين الالتزام بذلك في خصوص تلك الأموال و بين وجوب الاحتياط في موارد الشبهة البدوية في الأموال كما هو ظاهر و لكن الشأن في عمل المشهور بهذه الاخبار و عدمه و المسألة محررة في الفقه تفصيلا و أما صحة جعل الحكم الظاهري في مورد العلم الإجمالي مع عدم التصرف في الواقع أصلا فالحق عدمها في الأصول التنزيلية مطلقا و في غيرها إِذا لزم من جريان الأصول المخالفة العملية فالمحذور في جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي أحد امرين على سبيل منع الخلو أحدهما لزوم التناقض من جريانه و هذا لا يتحقق إِلا في موارد الأصول التنزيلية (ثانيهما) لزوم المخالفة القطعية و هذا لا يتحقق إلّا في موارد العلم بثبوت التكليف لا نفيه (و توضح) ذلك ان الأصل الجاري في أطراف العلم الإجمالي اما أن يكون من الأصول المحرزة و متكفلا للتنزيل أم لا و على كل من التقديرين فاما ان يكون العلم الموجود المخالف لمؤدى الأصل مثبتا للتكليف أو نافيا له فالصور أربع أما الصورة الواحدة منها و هي ما إِذا كان العلم نافيا للتكليف مع كون‏