أدوار علم الفقه وأطواره‏

- الشيخ علي كاشف الغطاء المزيد...
268 /
5

[المقدمة]

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام على محمد و آله و صحبه الطيبين الطاهرين و بعد، فيقول المفتقر إلى الله تعالى علي ابن المرحوم الشيخ محمد رضا ابن المغفور له الشيخ هادي من آل كاشف الغطاء.

تطور علم الفقه‏

إن علم الفقه لما كان من العلوم التي ترتبط بواقع الحياة و صميمها لأنه تعالج فيه الوقائع و الحوادث الداخلية و الخارجية حيث انه العلم بالأحكام الإلهية لأفعال المكلفين فكان و لا بد أن تصقل مسائله العقول و تنقح مطالبه الأفكار و يناله التطور الذي ينال كل علم من العلوم التي يكون لها هذا الشأن. كيف لا و موضوعه هو أفعال المكلفين و هي تتغير بتغير الزمن‏

6

و تتطور بتطور الحياة و كم كان الفرق بين الحياة في صدر الإسلام و بينها في هذه الأيام فان في هذه الأيام قد صارت استفادة قوانينه و تطبيقها على الحوادث النازلة و الوقائع المتجددة و استنباط الوظائف الدينية في الحياة العملية، و استلهام الأحكام الشرعية منها تحتاج إلى مهارة علمية و مقدرة فنية لانقطاع زمن الوحي و هذا أمر يتجدد بتجدد الحوادث و يختلف باختلاف الافهام و سعة الاطلاع، فكان تطور علم الفقه بتطور الزمن و تجدده بتجدد الأحداث أمراً لازماً لطبيعة موجوديته و لنفس حيويته و ان تمر به أدوار مختلفة منذ نشأته حتى اليوم. و على الفقيه الاطلاع على هذه الأدوار و تاريخ تطورها باختلاف الظروف و الأحوال و تعدد مظاهرها الناتج عن اختلاف المذاهب و الأنظار و تفاوت العقائد و الأفكار، بل يكاد أن يكون من المحتم على من أراد زيادة البصيرة في هذا العلم التعرف بما قطعه هذا العلم من الخطوات و العقبات في مضمار رقيه و تقدمه الذي أبرزه بهذه الصورة في هذه الحياة، فان في ذلك عرضاً للأسس العامة للثقافة الدينية و بياناً لمناهج دراستها العلمية الفقهية و هو ما يزيد الفقيه معرفة و خبرة و اطلاعاً و بصيرة، و الذي حصلناه من بطون الكتب المحررة في هذا الموضوع و استخرجناه من المؤلفات في هذا العلم انه قد مرت بهذا العلم أدوار متعددة.

7

الدّور الأول لعلم الفقه‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الأول: دور التشريع للأحكام الشرعية حيث ان الأحكام الشرعية هي التي يتركز عليها علم الفقه لكونها هي التي يبحث في علم الفقه عن ثبوتها لأفعال المكلفين، و هذا الدور يبدأ من زمن بعثة الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و قد كانت عند ما أكمل الأربعين سنة من عمره قبل هجرته للمدينة المنورة بثلاث عشرة سنة حيث كانت بعثته سنة 610 م تقريباً عند ما صعقه الوحي في غار حراء فقال له (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏) فارتعدت (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فرائصه و رجفت جوانبه و عاد إلى أهله قائلًا زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الفزع و الروع.

10

مكان الوحي و مبدؤه‏

كان ذلك الوحي في 27 من رجب عند الامامية و في 17 من شهر رمضان عند أهل السنة في الموضع الذي كان محل عبادته (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بضواحي مكة المكرمة (غار حراء) ثمّ أخذ المسلمون يتلقون من الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) الأحكام الدينية و ما يوحى إليه فيه في دار الارقم بمكة المكرمة.

ثمّ بعد ذلك اصبح منزل رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في مكة المكرمة هو الذي فيه يتلقى منه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) الأحكام الفقهية و القوانين السماوية.

و من بعد ذلك كان مسجده (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في المدينة المنورة هو الموضع الذي يأخذ منه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) الأحكام الشرعية و المعارف الإلهية، و ينتهي هذا الدور بوفاته (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بعد الهجرة للمدينة المنورة بعشر سنين أي سنة 633 م.

مقدار الزمن الذي بلغ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) الرسالة

فتبليغه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يبلغ اثنتين و عشرين سنة وعدة اشهر. و قد ذكر بعضهم بأنه عبارة عن اثنتين و عشرين سنة و شهرين و اثنين و عشرين يوماً و قد كانت دعوته (صلّى الله عليه و آله و سلّم) سراً بعد بعثته إلى مدة ثلاث سنوات و بعدها أمره الله تعالى بأن يجهر بدعوته بقوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏) و استمرت دعوته ما يقارب ثلاث عشرة سنة

11

في مكة المكرمة و قد نزل عليه من القرآن ما يقارب ثلثيه ثمّ ذهب للطائف بعد بعثته بعشر سنين سنة 620 م.

وقت الاسراء و المعراج و فرض الصلاة

و في السنة الحادية عشرة من بعثته المصادف سنة 621 م وقت الأسراء و المعراج و فرضت الصلوات الخمس اليومية.

وقت زمن هجرته (صلّى الله عليه و آله و سلّم)

ثمّ هاجر من مكة إلى المدينة المنورة في السنة الثالثة عشرة من بعد بعثته و قد وصلها يوم الجمعة 2 تموز سنة 623 م.

مبدأ التاريخ الإسلامي‏

و كانت هجرته هذه هي بدأ التاريخ الإسلامي الهجري القمري و في المدينة تكونت الدولة الإسلامية بقيادة الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم)، و أخذ الرسول يبين الأحكام الإسلامية حتى كملت فنزل قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) و كان نزولها قبل وفاة الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بثلاثة اشهر و لم تنزل بعدها آية من آيات الأحكام.

مدة نشره (صلّى الله عليه و آله و سلّم) للأحكام‏

كانت مدة نشره (صلّى الله عليه و آله و سلّم) للأحكام في المدينة المنورة عشر

12

سنوات نزل فيها من القرآن ثلثه الأخير و شي‏ء يسير منه.

الأعمال التي قام بها (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في المدينة المنورة

و في السنة الأولى من الهجرة بنى (صلّى الله عليه و آله و سلّم) المسجد النبوي و بنى مسجد قبا و فيها شرع الجهاد و الآذان و صلاة العيدين. و عن الواقدي انه لا خلاف بين الحجازيين في انه في هذه السنة 12 ربيع الثاني زيد في الصلاة ركعتان بعد أن كانت ركعتين حضراً و سفراً و لعله هو مراد الشيخ الطوسي من قوله في مصباحه في أول سنة من الهجرة استقر فرض صلاة الحضر و السفر.

و في السنة الثانية من الهجرة تحولت القبلة من المسجد الأقصى و هو بيت المقدس إلى الكعبة بعد أن صلى المسلمون إلى البيت المقدس (16) شهراً. و فيها كان أول خمس خمسه النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فاخذ الصفايا و الخمس في غزوة بني قينقاع و أعطى الباقي لأصحابه. و في شهر شعبان منها شرع صوم شهر رمضان بعد ما كان الصوم ثلاثة أيام من كل شهر. و فيها فرضت زكاة الفطرة.

ثمّ بعد ذلك فرضت في هذه السنة زكاة الأموال و سنت صلاة العيد و تزوج الإمام علي (عليه السلام) بفاطمة سيدة النساء بنت رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم)

13

و في السنة الرابعة شرع القصر في صلاة المسافرين.

و في السنة الخامسة ابطلت عادة التبني التي كان العرب يعاملون فيها الربيب معاملة الابن الحقيقي.

و في السنة السادسة فرض الحج و فيها توجه النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) مع أصحابه إلى مكة معتمراً فمنعه المشركون.

و في السنة السابعة اعتمر النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم).

و في السنة التاسعة حج بالناس أبو بكر.

و في السنة العاشرة توفى إبراهيم ابن النبي. و فيها حج النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) حجة الوداع و خطب خطبته المعروفة و بين فيها ان علياً خليفته.

أسماء سني هجرته (صلّى الله عليه و آله و سلّم)

و قد سمى المسلمون السنوات من هجرته إلى وفاته بأسماء مخصوصة، فالأولى بعد الهجرة سموها سنة الأذن، و الثانية سنة الأمر بالقتال، و الثالثة سنة التمحيص، و الرابعة سنة الترفئة، و الخامسة سنة الزلزال، و السادسة سنة الاستئناس، و السابعة سنة الاستغلاب، و الثامنة سنة الاستواء، و التاسعة سنة البراءة، و العاشرة سنة الوداع، و كانوا يستغنون بذكرها عن عددها من الهجرة.

14

كيفية بيان التشريع في هذا الدور

و في هذا الدور كان التشريع للأحكام اما بآية من القرآن العظيم أو بالسنة من النبي الكريم (صلّى الله عليه و آله و سلّم). و السنة من النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عبارة عن كلامه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو كتابته (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو فعله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو تقريره (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و امضائه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فان هذه الأربعة تسمى باصطلاح الفقهاء بالسنة نقلًا من معناها اللغوي الذي هو الطريقة و يسمى الحاكي للسنة (بالخبر أو الحديث) و هو تارة يكون متواتراً و تارة يكون خبراً غير متواتر و يسمى بالخبر الواحد.

و قد تطلق السنة على ما يعم الحاكي و المحكي.

اتجاه التشريع في مكة المكرمة

و كان التشريع في مكة المكرمة متجهاً نحو تركيز العقيدة و اصلاح الفاسد منها و مكافحة الإلحاد و الشرك بالله و إثبات الرسالة المحمدية.

اتجاه التشريع في المدينة المنورة

و في المدينة المنورة كان متجهاً إلى سن الأحكام الشرعية و القواعد الفقهية حتى كمل الدين و تمت رسالة سيد المرسلين‏

15

و لم يترك حادثة صغيرة أو كبيرة إلا و نجد حكمها بنصوصه أو آثاره أو في كلياته و أصوله، و ترك معرفة الوقائع المتجددة لفهم المتفقهين في قوانينه و هذا ما صير الدين الإسلامي يتماشى مع سائر العصور خاتمة للأديان و صالحاً للبقاء في كل حال و زمان.

مصدر التشريع في الدور الأول‏

ان مصدر التشريع في هذا الدور هو الوحي المنزل على النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من قبل رب العالمين سواء كان التشريع بآية قرآنية أو بالسنة النبوية.

اجتهاد الرسول‏

و قد نسب للشافعية و المالكية و بعض الحنفية القول بأن التشريع قد يكون مصدره اجتهاد رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و ما أدى إليه رأيه لا بالوحي المنزل عليه. و ذهب أصحابنا الامامية و الاشعرية و كثير من المعتزلة و المتكلمين إلى عدم ذلك منه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و قد أشبعنا المقام بحثاً و تنقيحاً في المجلد الأول من كتابنا الأحكام الشرعية و شئونها.

إلا انه لا ينكر أن الاجتهاد قد كان عند الصحابة بالمعنى‏

16

الأعم فان فهم أحكام الوقائع من بعض النصوص الدينية يحتاج إلى اعمال الرأي و بذل الوسع و الجهد و هو لا محالة يصدر عن الصحابة عند عدم تيسر وصولهم للنبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بل ربما يرجعون لحكم العقل إذا لم يكن لديهم نص يمكن استلهام الحكم الشرعي للحادثة النازلة بهم لانسداد باب العلم فيها و من هذا الباب ما روي من أن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قد أذن لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن أن يجتهد فيما إذا لم يجد نصاً من الكتاب أو السنة في الواقعة التي هي محل ابتلائه و انك لتلمس الاجتهاد من بعض الصحابة عند ما أمر النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بعض الصحابة ألّا يصلي العصر إلا في بني قريظة فكان فريق منهم لم يصلوا العصر رغم فوات وقته حتى وصلوا لبني قريظة تعبداً بالنص بينما الفريق الآخر اجتهد و اعمل رأيه فصلى العصر قبل الوصول لبني قريظة قبل فوات وقت العصر و قال ان المقصود الحث على الاسراع بالوصول لبني قريظة لا التعبد المحض.

إكمال الدين‏

و في هذا الدور كمل بيان الأحكام الشرعية و بيان مصادرها.

17

إطلاق كلمة الفقه و الفقيه‏

و كانت كلمة (الفقه) في هذا الدور تطلق على معرفة سائر الأحكام سواء كانت اصولية أو فرعية و سواء كانت اخلاقية أو تعبدية و كان (الفقيه) في هذا الدور من حفظ آيات من القرآن الشريف و عرف معانيها و ناسخها من منسوخها و متشابهها من محكمها و خاصها من عامها و مقيدها من مطلقها.

تسمية القراء بالفقهاء في هذا الدور

و كانوا يسمون الفقهاء بالقراء أي الذين يقرءون الكتاب باعتبار ان هذا أمر يميزهم عن عامة الناس لأن الأمية كانت منتشرة و عامة و لما كمل علم الفقه فيما بعد ذلك و اصبح علماً مستقلًا أبدلت أسماؤهم بالفقهاء.

المعروفون بالفتوى في هذا الدور

و كان المعروفون في الفتوى في هذا الدور أبو بكر و أبو الدرداء و أبو رافع و أبو سعيد الخدري و أبي بن كعب و أبو أيوب الأنصاري و حذيفة بن اليمان و جابر الأنصاري و زيد بن ثابت. و سلمان الفارسي، و عبد الرحمن بن عوف، و عبد الله بن مسعود، و عثمان بن عفان و عمر بن الخطاب‏

18

و ابنه عبد الله، و عبد الله بن العاص، و عمار بن ياسر، و عبد الله بن عباس و معاذ بن جبل.

المرجع في تشخيص الحكم هو الإمام علي (عليه السلام)

و كان الإمام علي (عليه السلام) هو المرجع الأعم في تشخيص الحكم الشرعي بعد النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ففي المحكي عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 332 طبع بيروت عن ابن عباس أنه قال إذا حدثنا ثقة عن علي بفتيا فلا نعدوها و مثله عن كتاب (الجرح و التعديل) للحافظ الرازي و الصواعق لابن حجر و تاريخ الخلفاء للسيوطي و نظيره عن الاستيعاب ج 2 ص 462 طبع حيدرآباد و تهذيب التهذيب للعسقلاني ج 1 ص 337 طبع حيدرآباد و الاصابة.

قول عائشة في الإمام علي (عليه السلام)

و قد تواتر عن عائشة ان علياً اعلم الناس بالسنة كما في الاستيعاب و تاريخ الخلفاء للسيوطي و اسعاف الراغبين و ذخائر العقبى و المناقب للخوارزمي و غيرها. و مما يدل على ذلك قول عمر (أقضانا علي) كما في الطبقات الكبرى و أخبار القضاء و المستدرك و التاريخ الكبير لابن عساكر و الطبقات المالكية و غيرها من كتب الأخبار و التراجم و عن‏

19

الاستيعاب بسنده عن المغيرة (ليس أحد منهم أقوى قولًا في الفرائض من علي).

من اشتهر من الفقهاء في هذا الدور

و اشتهر من الفقهاء عبد الله بن عباس حتى سمي البحر لكثرة علمه. و سلمان الفارسي الذي قال فيه النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) (أنه من أهل البيت). و عمار بن ياسر الذي قال فيه النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) (أنه مع الحق و الحق معه). و أبي بن كعب الذي روي عن الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) (أنه أقرأ أمته).

وجود الفقه و الاجتهاد في هذا الدور

فالفقه في هذا الدور موجود لدى القراء لكون الفقه هو ملكة العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية و هم لوجود الكتاب و النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فيما بينهم كانت عندهم الملكة المذكورة كما ان الاجتهاد أيضاً موجود عندهم لأن الاجتهاد هو القدرة على الاستنباط و لا ريب عندهم في ذلك لسهولة الاستنباط في هذا الدور.

قصة معاذ بن جبل‏

و يدل على وجوده عندهم قصة معاذ بن جبل حيث أمره‏

20

النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بالاجتهاد عند فقد النص. و قول النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في المجتهد (أنه إذا أخطأ له اجر واحد و إذا أصاب كان له اجران).

واقعة بني قريظة

و قد وقع مع الصحابة الاجتهاد كما تقدم في واقعة بني قريظة لما أمر النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) المسلمين بأن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة فصلاها بعضهم قبل الوصول لبني قريظة لفوت الوقت عند الوصول إليهم و اجتهد في قول النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بحمله على أن المقصود طلب الإسراع في الوصول إليهم لا تأخر الصلاة عن وقتها.

اجتهاد عمار

و هكذا اجتهد عمار بن ياسر في التيمم حيث تمعك في التراب.

القضاء في هذا الدور

و كان القضاء في هذا الدور منحصراً في رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو من يقيمه مقامه.

21

كتابة الأحكام في هذا الدور

و كتبت في هذا الدور الأحكام الشرعية و يسمى ما كتب فيه بالصحائف منها صحيفة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الصحيفة التي ذكرتها كتب الفريقين و منها ما أمر رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بعد هجرته للمدينة بكتابته كأحكام الزكاة و ما توجب فيه و مقادير ذلك و قد كتبت في صحيفتين. و منها ما اعطاه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إلى عمر بن حزم لما ولى اليمن أحكاماً مكتوبة من الفرائض و الصدقات و الديات و غير ذلك. و منها ما اعطاه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لعبد الله ابن حكيم من الكتاب الذي فيه أحكام الحيوانات الميتة. و منها ما أمر به (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من كتابة خطبته يوم فتح مكة لرجل من اليمن حين سأله ذلك. و منها ما دفعه إلى وائل بن حجر عند ما أراد الرجوع إلى بلاده حضرموت من الكتاب الذي فيه أحكام الصلاة و الصوم و الربا و الخمر و غيرها.

و مما كتب من الصحائف في هذا الدور صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص و ذكروا ان فيها ما يكفي كاتبها في معرفة الشريعة كلها في جميع أبواب الفقه و ان كنا لا نؤمن بهذه المبالغة لأن عبد الله بن عمرو بن العاص و أباه قد أسلما قبل وفاة رسول‏

22

الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بسنتين و كان له من العمر حين إسلامه خمس عشرة سنة و لم يكن له من الصلة و المعاشرة مع الرسول ما يؤهله لذلك. و قد طعن فيها الحافظ ابن كثير في المجلد الأول من تاريخه المسمى بالبداية و النهاية. و منها صحيفة سعد بن عبادة الأنصاري و صحيفة عبد الله بن أبي أوفى. و صحيفة جابر بن عبد الله و صحف عبد الله بن عباس. و صحيفة سمرة بن جندب.

أمر الرسول زيد بن ثابت بتعلم كتابة اليهود

و حكي عن أهل التاريخ أن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في السنة الرابعة من الهجرة أمر زيد بن ثابت أن يتعلم كتابة اليهود ليكتب لهم و يقرأ ما يكتبونه له (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و في مختصر جامع بيان العلم ص 37 عن أنس بن مالك عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) انه قال قيدوا العلم بالكتابة. إلا أن الكتابة للأحكام الشرعية لم تكن معروفة لدى الصحابة في هذا الدور و كان نوع الصحابة يحفظون الأخبار و الآثار على صدورهم مستغنين بذلك عن كتابتها و جمعها.

ما يمتاز به هذا الدور

و مما يمتاز به هذا الدور انه لم يكن فيه مجال للخلاف في الأحكام الشرعية لوجود الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فيما بينهم و قوله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) هو فصل الخطاب.

23

زمن انتهاء الدور الأول و زمن انقراض الصحابة

و قد انتهى هذا الدور بوفاة رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بالمدينة يوم الاثنين سنة 10 ه كما انقرض عصر الصحابة في سنة 100 ه حيث كان آخر واحد منهم أبو الطفيل الكناني مات سنة 100 ه و قيل كان آخر واحد منهم هو سهل بن سهل الساعدي توفي بالمدينة و هو ابن مائة سنة 91 ه.

المراد بالصحابي‏

و الصحابي من لقي النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) مسلماً و مات على ذلك و قد قبض النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عن مائة و أربعة عشر ألف صحابي. و التابعي من لقي الصحابي مسلماً و مات على ذلك. و أما من اسلم في زمن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و لم يلقه و لكنه لقي صحابياً فهو معدود من التابعين.

خلاصة تاريخ حياة الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم)

و تتلخص حياته (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بأن بدايتها يوم ولادته (صلّى الله عليه و آله و سلّم) 20 نيسان عام الفيل سنة 570 م و هو العام الذي جاء فيه أبرهة من ملوك الحبشة لهدم الكعبة صباح الاثنين في مكة المكرمة 17 ربيع الأول أو 12 منه و بعدها بأربعين سنة بعث‏

24

رسولًا من رب العالمين من غار حراء في ضواحي مكة المكرمة الذي كان محل عبادته و فيه هبط عليه الوحي الأمين، فقال له (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏) الاثنين 27 رجب عند الامامية و 17 رمضان عند السنة المصادف سنة 610 م فكان (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أعجوبة من عجائب الزمن في مواقفه الرائعة و آياته الباهرة، و جهاده العظيم يعجز عن حصرها القلم و عن وصف واقعها المفرد العلم و بعد عشر سنين من بعثته توفي كافله أبو طالب و زوجته خديجة أم المؤمنين فهاجر للطائف يدعو بني ثقيف لنصرته على قريش فقابلوه بالأذى و رجع بعد شهر لمكة المكرمة ثمّ هاجر إلى المدينة المنورة في أول ربيع الأول في السنة الثالثة عشرة من بعثته الموافقة لسنة 623 م أو سنة 622 م و بقي فيها عشر سنين يرشد الناس للأحكام الشرعية ثمّ ذهب بعدها لجوار ربه مسموماً 28 صفر سنة 10 ه و قيل 12 ربيع الأول فيكون عمره الشريف 63 سنة و عند جماعة ان يوم ولادته و هجرته و وفاته (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول.

و عن ابن عباس أن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ولد يوم الاثنين و أوحي إليه يوم الاثنين و رفع الحجر الأسود يوم الاثنين و خرج‏

25

من مكة إلى المدينة يوم الاثنين و قدم المدينة يوم الاثنين و قبض يوم الاثنين.

ما يجعل الأفكار صرعى في هذا الدور الأول‏

و مما يدهش الفكر و النظر في هذا الدور أن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عند مرضه الذي التحق به إلى الرفيق الأعلى أراد أن يكتب كتاباً لا يضل بعده ابداً فمنعه عمر عن ذلك و قال ان رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قد غلبه الوجع و هو يهجر و عندكم القرآن و حسبنا كتاب الله و أوجب ذلك اختلاف الحاضرين عنده فمنهم من أراد الكتابة و منهم من أبى ذلك مكتفياً بكتاب الله تعالى فلما رأى الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) خصومتهم قال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قوموا. و ما فتئ ابن عباس بعدها يرى انهم أضاعوا شيئاً كثيراً حيث لم يسرعوا إلى كتابة ما أراد النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إملاءه.

النبي في مرضه يهجر و أبو بكر لم يهجر

مع ان أبا بكر عند مرضه أيضاً أراد ذلك و لم يمنع منه مانع و لم يقل قائل عندنا القرآن و حسبنا كتاب الله فاستحضر عمر عثمان بن عفان و استكتبه استخلاف عمر على المسلمين.

26

كتبة الخلفاء الأربع‏

و قد كان أبو بكر قد اتخذ عثمان كاتباً له كما اتخذ عمر زيد بن ثابت كاتباً له كما اتخذ عثمان مروان بن الحكم كاتباً له و اتخذ علي (عليه السلام) عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كاتباً له.

27

الدّور الثاني‏

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

مبدأ الدور الثاني و منتهاه‏

ان الدور الثاني للفقه يبدأ من وفاة الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) سنة 10 ه و ينتهي بخروج معاوية عن طاعة خليفة المسلمين علي (عليه السلام) سنة 36 ه.

كتابة القرآن المجيد

و قد اتجه فيه المسلمون و خلفاؤهم إلى كتابة أول مصدر للفقه الإسلامي و هو القرآن الشريف و استنساخه و جمعه حفظاً له من الضياع و من اختلاط آياته بالأحاديث النبوية.

أول من تصدى لجمع القرآن الإمام علي (عليه السلام)

و شهادة العلماء بذلك‏

و أول من تصدى لذلك هو أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فقد روي عنه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) انه قال لما قبض رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) (أقسمت أو حلفت أن لا أضع ردائي على ظهري حتى أجمع بين اللوحين‏

30

فما وضعت ردائي حتى جمعت القرآن) كما جاء ذلك في الإمامة و السياسة لابن قتيبة ص 12 طبع المكتبة التجارية. و عن السيوطي عن ابن الغرس من حديث محمد بن سيرين عن عكرمة قال لما كان بدء خلافة أبي بكر قعد علي بن أبي طالب في بيته فقيل لأبي بكر قد كره بيعتك فأرسل إليه فقال (أكرهت بيعتي) فقال خشيت كتاب الله يزداد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا للصلاة حتى أجمعه قال له أبو بكر: فانك نعم ما رأيت.

و اخرج ابن سعد و ابن عبد البر في الاستيعاب عن محمد بن سيرين قال نبئت أن علياً أبطأ عن بيعة أبي بكر فقال أكرهت إمارتي فقال: آليت بيميني أن لا ارتدي‏

برداء إلا للصلاة حتى أجمع القرآن الحديث.

و في الإتقان ج 1 ص 59 أن علياً (عليه السلام) قال آليت على نفسي أن لا آخذ عليّ ردائي إلا لصلاة الجمعة حتى اجمع القران فجمعته. و في إرشاد الساري ج 7 ص 459 و فتح الباري ج 9 ص 43 و عمدة القارئ ج 9 ص 304 ما يدل على جمع علي (عليه السلام) للقرآن. و عن الدرر عن تفسير علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قال لعلي (عليه السلام) يا علي القرآن خلف فراشي في الصحف و القراطيس فخذوه و اجمعوه و لا تضيعوه كما ضيع اليهود التوراة فانطلق علي (عليه السلام) فجمعه في ثوب اصفر ثمّ ختم عليه في بيته و قال لا ارتدي حتى اجمعه و انه كان الرجل يأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتى جمعه. و يقول المؤلف لهذا السفر اني قد شاهدت قطعة منه في خزانة الأمير (عليه السلام) و شاهدت قطعة من قران علي (عليه السلام) في خزانة ضريح رأس الحسين (عليه السلام) في مصر و في رحلة ابن بطوطة ج 1 ص 25 عدد من الآثار الموجودة في الرباط المبني على ضفاف النيل مصحف أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) بخط يده، و ذكر ابن النديم في الفهرست ص 41 ان عند أبي يعلى حمزة الحسيني مصحفاً بخط علي يتوارثه بنو الحسن و إذا لاحظنا هذا الخبر و هذا الأثر مع ما ثبت من جمع القرآن من الرقاع عند رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كما يرشد إلى ذلك ما هو المحكي عن مستدرك الحاكم ج 2 ص 611 و مسند الطيالسي ص 270 و المحبر لابن حبيب ص 286 و تاريخ الشام ج 7 ص 210 و فتح الباري ج 9 ص 440 ثمّ أضفنا إلى ذلك كله ما في صحيح البخاري في كتاب العلم باب (39) و في باب كتاب الجهاد و السير باب (171) و في كتاب الجزية باب (10) و غير ذلك من الأخبار المتظافرة الدالة على أن الكتاب المجيد كان عند أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فانا نستفيد من المجموع أن القرآن‏

31

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

32

الذي جمعه هو القرآن الذي كان عند رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) الموجود في الرقاع التي كانت في بيت رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و كانت منتشرة فجمعها علي (عليه السلام) و كتبها في كتاب خاص و لم يجمع (عليه السلام) القرآن كما جمعه الغير من صدور حفظة القرآن و لا مما في أيدي المسلمين من العسب (جمع عسيب) و هو جريد النخل حيث كانوا يكشفون الخوص و يكتبون في الطرف العريض و لا من (الأكتاف) (جمع كتف) و هو عظم البعير أو الشاة يكتبون عليه بعد أن يجف و لا من (الأقتاب) (جمع قتب) و هو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه و لا من (قطع الأديم) و هو الجلد، فعلي (عليه السلام) لم يجمع القرآن من هذه الأشياء و إنما جمعه و كتبه مما هو موجود عند رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من الرقاع.

جمع الإمام علي (عليه السلام) للقرآن حسب التنزيل‏

و أما ما في إرشاد الساري ج 7 ص 459 و ما حكي عن عمدة القاري للعيني ج 9 ص 304 و عن فتح الباري ج 9 ص 43 من جمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لكتاب الله على حسب النزول لعل المراد به هو جمع القرآن مع التعليق على آياته الكريمة و بيان وقت نزولها و فيمن نزلت و إلا فعلي لا يعقل أن يغير كيفية الجمع التي صنعها رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم).

33

جمع أبي بكر للقرآن‏

ثمّ انه بعد ذلك تصدى أبو بكر إلى جمع القرآن بعد سنتين من خلافته فيكون جمعه للقرآن بعد جمع الإمام علي له لأن الراوية المتقدمة قد دلت على جمع الإمام علي (عليه السلام) له بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بلا فصل و الرواية التي دلت على جمع أبي بكر له قد دلت على أن أبا بكر قد جمعه بعد واقعة اليمامة بين المسلمين و بين أهل الردة من أتباع مسيلمة الكذاب التي استشهد فيها من حفظة القرآن سبعون من الصحابة سنة اثنتي عشرة للهجرة ففي صحيح البخاري ما حاصله أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: ارسل عليّ أبو بكر عند مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر ان عمر أتاني فقال: ان القتل قد استحر (أي اشتد) يوم اليمامة بقراء القرآن، و إني أخشى أن يستمر القتل بالقراء بالمواطن الأخرى فيذهب كثير من القرآن و إني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف تفعل ما لم يفعله رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قال عمر: هو و الله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك و رأيت في ذلك الذي هو رأي عمر. قال زيد: قال أبو بكر: انك رجل شاب عاقل لا نتهمك و قد كنت‏

تكتب الوحي لرسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فتتبع القرآن فتجمعه. قال زيد فوالله لو كلفوني نقل جبل من‏

34

الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قال: هو و الله خير قال زيد: فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر و عمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب و اللخاف و صدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ‏) حتى خاتمة البراءة. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثمّ عند عمر مدة حياته ثمّ عند حفصة بنت عمر. و على هذه الرواية فيكون قد تم جمع القرآن كله خلال سنة واحدة لأن بين واقعة اليمامة المذكورة و بين وفاة أبي بكر سنة واحدة مع أن الجمع قد كان من العسب و اللخاف و صدور الرجال.

تسمية القرآن بالمصحف‏

و عن الإتقان أنه قد اخرج ابن أشتة في كتاب المصاحف من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: لما جمعوا القرآن فكتبوه على الورق قال أبو بكر: التمسوا له اسماً فقال بعضهم: السفر قال: ذلك اسم تسميه اليهود فكرهوا ذلك و قال بعضهم: المصحف فان الحبشة يسمون مثله (المصحف) فاجتمع رايهم على أن يسموه المصحف.

35

جمع عثمان للمصحف‏

ثمّ أنه بعد انتهاء غزو أرمينية و آذربيجان توجه حذيفة اليماني القائد المشهور للمدينة محذراً عثمان من اختلاف القراء في قراءة القرآن، فان أهل الكوفة يقرءون بقراءة ابن مسعود و أهل البصرة يقرءون بقراءة أبي موسى و أهل الشام و دمشق يقرءون بقراءة أبي بن كعب و أهل حمص يقرءون بقراءة المقداد بن الأسود. و طلب منه توحيد القراءة، و بعد مشاورة عثمان لبعض أصحاب الرسول في ذلك عزم عثمان على تنفيذ فكرة حذيفة فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت المدني و ثلاثةٌ من قريش عبد الله بن الزبير و سعيد بن العاص و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن يكتبوها من صحف حفصة التي جعلت لهم أصلًا، و قال عثمان: إذا اختلفتم انتم و زيد بن ثابت في شي‏ء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فانه إنما نزل بلسان قريش ففعلوا حتى إذا تم نسخ الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة و أرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا و أمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.

36

الرد على السيوطي‏

و يمكن تحديد الوقت الذي حصل فيه ذلك بما بعد سنة ثلاثين هجرية لأن الغزو المذكور كان في سنة ثلاثين و عليه فلا وجه لما حكي عن إتقان السيوطي من انه حدده بسنة ست و عشرين و بعضهم حدده بسنة 650 م هذا و لكن التاريخ لم يروِ لنا أن المصحف الذي جمعه علي (عليه السلام) قد أحرق فقد عدت المصاحف التي أحرقت و لم يذكر معها مصحف علي (عليه السلام).

الأمر العجيب في جمع الخلفاء للمصحف‏

و الأمر العجيب الملفت للنظر هو عدم تعرض الأخبار و المؤرخين إلى أن أبا بكر و عمر و عثمان راجعوا علياً في مصحف رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عند ما تصدوا لجمع القرآن الكريم و هكذا لم يراجعوا المصحف الذي كتبه الإمام علي (عليه السلام) على مصحف رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) مع أن الأخبار و التاريخ قد تضافرت على وجود مصحف رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عند الإمام علي (عليه السلام) و انه قد كتب الإمام علي (عليه السلام) المصحف عليه كما انه مما يلفت النظر عدم وجود كبار الصحابة في من جمع القرآن بأمر عثمان فليس فيهم عبد الله بن العباس و لا عبد الله بن عمر و لا الإمام علي (عليه السلام) و لا غيرهم.

37

إرسال الحفاظ مع المصاحف المرسلة للأقطار

ثمّ ان المعروف ان عثمان أرسل مع المصحف الخاص بكل إقليم حافظاً يوافق قراءته. فكان زيد بن ثابت مقرئ المصحف المدني. و عبد الله بن السائب مقرئ المكي. و المغيرة بن شهاب مقرئ الشامي. و أبو عبد الله الرحمن السلمي مقرئ الكوفي. و عامر بن عبد القيس مقرئ البصري.

تشكيل أبي الأسود المصاحف و تنقيطها

و لما ظهر الألحان في قراءة البعض للقرآن توجهت العناية إلى أن يشكلوا المصاحف و ينقطوها حذراً من الغلط في القراءة للقرآن و الألحان فيها فانبرى إلى ذلك أبو الأسود الدؤلي فان المشهور انه أول من شكل القرآن و نقطه فكان يجعل علامة الفتحة نقطة على أول حرف و الضمة نقطة على آخر الحرف و الكسرة نقطة تحت أوله و بقي الأمر كذلك إلى زمن الخليل بن احمد فوضع الحركات على النحو الموجود لدينا.

خلاصة الكلام في شرح هذا الدور الثاني‏

و خلاصة الكلام أن في هذا الدور الثاني قد توجهت‏

38

عناية المسلمين إلى المصدر الأول للتشريع و هو القرآن الشريف و إخراجه بصورة يستفيد من منهله العذب مسائل المسلمين. و كان الفقه الإسلامي هو المعمول به عند المسلمين في عباداتهم و معاملاتهم الداخلية و الخارجية و المرجع فيه هم الصحابة و قول الخليفة هو الفصل، و في الأقطار البعيدة إذا نزلت بهم الحادثة يرجعون لما عندهم من أمير ذلك البلد و هو بدوره إذا لم يعرف الحكم يرجع للصحابة الذين معه في البلد فان كان عندهم أثر من رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) حكموا به و إلا اجتهد أمير البلد فيها.

المصدر لمعرفة الأحكام الشرعية في هذا الدور الثاني‏

و المصدر لمعرفة الأحكام الفقهية الإسلامية عندهم خمسة الأول الكتاب، الثاني السنة، الثالث الإجماع، الرابع استشارة الصحابة و أهل البصيرة في الحكم، الخامس الرأي بأن يستنبط الحكم الشرعي بفكره و تأمله فيما تقتضيه المصلحة و دفع المفسدة أو بالقياس و المقارنة.

و الحاصل انهم إذا نزلت بهم حادثة أو وقعت واقعة رجعوا إلى كتاب الله في معرفة حكمها بحسب فهمهم فان لم يجدوا حكمها فيه رجعوا للسنة و سألوا من الصحابة عمن يحفظ في هذه الحادثة حديثاً عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فان لم يجدوا ذلك‏

39

استشاروا فان أجمعوا على حكمها بما تستوحيه عقولهم أخذوا به و ان اختلفوا اجتهد خليفة المسلمين فعمل بالقياس و بما تقتضيه المصلحة، ففي كتاب عمر إلى شريح، إذا حضرك أمر لا بد منه فانظر في كتاب الله فاقض به فان لم يكن ففيما قضى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فان لم يكن ففيما قضى به الصالحون و أئمة العدل فان لم يكن فان شئت ان تجتهد برأيك فاجتهد و إن شئت أن تؤامرني و لا أرى مؤامرتك إياي إلا خيراً لك. و في كتاب أعلام الموقعين ج 1 ص 243 أن أبا عبيدة ذكر في كتاب القضاء قال: حدثنا كثير بن هاشم عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله فان وجد فيه ما يقضي به قضى به و ان لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فان وجد فيها ما يقضي به قضى به فان أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قضى فيه بقضاء فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى بكذا و كذا، فان لم يجد سنة سنها النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) جمع رؤساء الناس فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شي‏ء قضى به، و كان عمر يفعل ذلك فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب و السنة سأل: هل كان أبو بكر قد قضى فيه بقضاء فان كان لأبي بكر فيه قضاء قضى به و إلا جمع علماء الناس‏

40

و استشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شي‏ء قضى به. و روي عن ميمون بن مهران أن أبا بكر و عمر إذا لم يجدا في كتاب الله و لا في سنة رسوله حكماً للواقعة يجمعان الناس للاستشارة في استنباط حكمها بالاجتهاد و الرأي فان اتفق المستشارون في الرأي اخذوا به. و روي أن عمر أمر شريحاً أن يعمل في الكوفة كذلك و يبني على ذلك قضاءه، و كان بعضهم يحترم اجتهاد صاحبه فقد روي أن عمر بن الخطاب لقي رجلًا له قضية نظرها الإمام علي (عليه السلام) فعرضها الرجل على عمر حين لقيه في الطريق فقال: لو كنت أنا لقضيت بكذا فقال الرجل فما يمنعك و الأمر إليك‏

فقال عمر: لو كنت أدرك إلى كتاب الله و سنة رسوله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لفعلت و لكن أدرك إلى رأي و الرأي مشترك و لست ادري أي الرأيين أحق، و في هذا الدور عمل بالقياس و كان أول من بذر ذلك و أمر بالعمل به هو عمر بن الخطاب ففي كتابه لأبي موسى‏

الاشعري (أعرف الأشياء و الأمثال قس الأمور عند ذلك على نظائرها)، و في هذا الدور نشأ الخلاف بين الشيعة و السنة في الخلافة فالأولون يقولون بخلافة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بنص من الله تعالى و النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و بعده أولاده، و أما أهل السنة فيقولون بأن الخليفة بعد الرسول هو أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ‏

41

علي و لذا كان الشيعة في هذا الدور يرجعون لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) و أولاده الإمام الحسن (عليه السلام) و الإمام الحسين (عليه السلام) و أمهم فاطمة الزهراء (عليها السلام) و الصحابة العدول الثقات كسلمان و المقداد و أبي ذر و نحوهم في معرفة أحكامهم الشرعية لاعتقادهم بعصمته (عليه السلام) و عصمة أولاده الأحد عشر و انهم عندهم علم ما كان و يكون حتى ارش الخدش و لحصول الوثوق بالصحابة العدول.

شروط قبول الخبر الواحد عند الخلفاء

و ينقل ان أبا بكر لم يقبل الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إلا إذا جاء بشاهد على صدقه و أن عمر كان يطلب البينة ممن روى له الحديث عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و أن علياً (عليه السلام) يحلف الراوي على انه سمع الحديث من النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم).

رجوع الشيعة للأئمة هو رجوع للسنة النبوية

هذا و لا يخفى أن الرجوع للأئمة (عليهم السلام) عند الشيعة من الرجوع للسنة النبوية لقول الصادق (عليه السلام) كما في الشافي و في أصول الكافي في كتاب فضل العلم ص 103 ان حديثي حديث أبي و حديث أبي حديث جدي و حديث جدي حديث الحسين و حديث الحسين حديث الحسن و حديث الحسن حديث أمير المؤمنين و حديث أمير المؤمنين حديث رسول الله و حديث‏

42

رسول الله قول الله و قد ذكرنا في كتابنا باب مدينة الفقه في مبحث واضع الفقه ان عند الإمام علي (عليه السلام) الجامعة سبعون ذراعاً كلها من املاء رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و بخط الإمام علي (عليه السلام) و فيها حتى ارش الخدش و قد ذكرناه أيضاً في مبحث إيداع الرسول لبيان بعض الأحكام للأئمة الأطهار (عليهم السلام) و يرشدك إلى أن الرجوع إليهم (عليهم السلام) رجوع للسنة النبوية، ان فقهاء الشيعة عند ما تجي‏ء الرواية عن الأئمة (عليهم السلام) إذ قال فيها الإمام (عليه السلام) (و أنا اصنع كذا) لم يتبعوه في عمله و إنما يحملون ذلك على الاستحباب و الأولوية كما انهم يعملون بالإخبار النبوية و ان كانت مروية من غير طرق أصحابهم إذا كان رواتها موثوقين أو حصل لهم الثقة بصدورها من النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و كتب الشيعة مشحونة بذلك.

و في الدور الثاني وقع الاختلاف بين الصحابة في عدة أشياء.

الاختلاف في تدوين الحديث‏

منها الاختلاف في تدوين السنة فكان علي و ابنه الحسن (عليهما السلام) مما يرى كتابتها كما نص على ذلك السيوطي في تدريب الراوي، و عن ابن شهرآشوب انه قال: أول من صنف في الإسلام علي (عليه السلام) ثمّ سلمان الفارسي ثمّ أبو ذر،

43

و نقل الكثير من الفريقين ان عليَّ ابن أبي طالب (عليه السلام) كتب الجامعة من املاء رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و كانت تبلغ سبعين ذراعاً و كتب العهد لمالك الاشتر و الوصية لابنه محمد بن الحنفية. و هذا أبو رافع المولى لرسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و الذي اهداه له العباس بن عبد المطلب و سماه النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إبراهيم و كان ملازماً للإمام علي (عليه السلام) و خرج معه إلى الجمل و هو ابن خمس و ثمانين سنة و قيم الإمام علي (عليه السلام) على بيت ماله في الكوفة و كان يقول بايعت البيعتين و صليت القبلتين و هاجرت الهجر الثلاث فقيل و ما الهجر الثلاث فقال الأولى إلى الحبشة و الثانية

المدينة و هذه الثالثة الكوفة مع أمير المؤمنين، قد كتب السنن و الأحكام و القضايا و كان ولداه عبيد الله و علي كاتبي أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و قد كتب الأول منهما كتاباً في الوضوء و الصلاة و سائر الأبواب و كتب الثاني منهما كتاباً في فنون الفقه و الوضوء و الصلاة و سائر الأبواب و كان أهل البيت يعظمون كتاب علي بن أبي رافع و يطلبون من شيعتهم الرجوع إليه، و كان لسلمان مدونة في الحديث، و ألف الأصبغ بن نباتة كتابين: مقتل الحسين و عجائب أحكام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و ألف قيس بن سليم كتابه في الإمامة و ألف ميثم صاحب أمير المؤمنين كتاباً في الحديث يروي عنه الكثير من المحدثين و غيرهم من المؤلفين و كان عمر بن الخطاب ممن يمنع من‏

44

كتابة الحديث و تدوينه و قد سبب ذلك ضياع اعظم ثروة علمية و التفريط بأعظم مرجع بعد القرآن الكريم و يا حبذا لو أمر بجمع الأحاديث مع التحفظ على صحتها كما صنع الخليفة الأول في جمع القرآن الكريم لما استطاع أهل الاغراض الافتراء و الكذب و الدس في السنة كما لم يستطيعوا ذلك في القرآن الكريم.

الاختلاف في خروج الفقهاء من المدينة

و منها الاختلاف في خروج الفقهاء من المدينة فان عمر كان يمنع خروج الفقهاء لسائر الأمصار إلا ما أخرجه للقيام بالوظيفة كالولاية و القضاء و قيادة الجيوش بخلاف الإمام علي (عليه السلام).

الاختلاف في الرجوع إلى الرأي‏

و منها الاختلاف في الرجوع إلى الرأي فكان الإمام علي (عليه السلام) يمنع منه و يقول لو كان الدين بالرأي لكان اسفل القدم أولى بالمسح كما في المحلى لابن حزم و كان على ذلك طريقة الأئمة الأحد عشر من بعده حتى قال الإمام جعفر الصادق لا بأن بن تغلب المتوفي سنة 141 ه أخذتني بالقياس و السنة إذا قيست محق الدين و كان اكثر أهل الحجاز على هذه الطريقة

45

و يؤكد صحتها قوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏) فان الرجوع إلى الرأي في المسألة معناه أما الإهمال للدين فيها أو الالتزام بنقصان الدين و عدم كماله بالنسبة إليها، و في جامع بيان العلم ج 2 ص 76 عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم): اعظم فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور بآرائهم فيحللون الحرام و يحرمون الحلال.

مدرسة أهل الحديث و مدرسة أهل الرأي‏

و كانت هذه الطريقة اعني المنع من الأخذ بالرأي هي التي اتبعتها مدرسة أهل الحديث و تسمى بمدرسة المدينة و بمدرسة الحجاز و كان ممن أخذ بهذه الطريقة سعيد بن المسيب المتوفي سنة 93 ه و تلقى منه هذه الطريقة الكثير من فقهاء الحجاز و غيرهم.

من أخذ هذه الطريقة و حرم الإفتاء بالرأي‏

و ممن أخذ بهذه النزعة سالم بن عمر فانه كان يرفض الإفتاء بالرأي فإذا سئل عن حكم واقعة لم يسمع فيها شيئاً قال لا ادري لعلي إذا افتيت لك برأي ثمّ تذهب فأرى بعد ذلك رأياً غيره فلا أجدك فما ذا يكون مصيري، و ممن اتبع هذه المدرسة زيد بن ثابت، و لم تكن مدرسة الحديث اعني‏

46

من اتخذ هذه الطريقة هم خصوص فقهاء الحجاز بل الكثير منهم من أقطار أخرى كعامر الشعبي التابعي فانه من فقهاء الكوفة، و سفيان الثوري من تابع التابعين أحد أعلام الكوفة في الفقه، و يزيد بن حبيب المعري، و الاوزاعي الشامي، و كانوا في طرق استنباطهم للأحكام الشرعية لا يعتمدون إلا على العلم أو العلمي بمعنى ان الحكم الشرعي أما ان يقوم عليه الدليل العقلي الذي يوجب العلم و القطع به كالدليل العقلي على حسن رد الأمانة فان الدليل العقلي المفيد للقطع حجة بنفسه و ليست الأحكام الشرعية الفرعية اعظم شأناً من الأحكام الشرعية الاعتقادية و الدليل العقلي المفيد للقطع حجة فيها فبالطريق الأولى في الأحكام الشرعية الفرعية، و أما ان يقوم على الحكم الشرعي الفرعي الدليل الذي قام الدليل القطعي على حجيته كالخبر الصحيح الذي عمل به المشهور فان الدليل المفيد للقطع قام على حجيته و هكذا ظواهر القرآن و لذا لم يعتبروا القياس و الاستحسان لكونها أدلة لا تفيد القطع بالحكم و لم يقم دليل يفيد القطع بحجيتها، و ينسب لبعضهم بأن مدرسة الحديث لم يكتب لها البقاء حيث اختفت بوفاة الإمام الظاهري سنة 270 ه و لعله أراد عند بعض طوائف الإسلام و إلا فمدرسة الحديث لا تزال باقية ما بقي الإسلام، و قد خالف عمر بن الخطاب في ذلك حيث استعمل‏

47

الرأي بصورة واضحة في استخراج الأحكام الشرعية و هو أول من أمر بالعمل بالقياس و بذر بذرته ففي كتابه لأبي موسى الاشعري (اعرف الأشياء و الأمثال و قس الأمور في ذلك على نظائرها) و كانت طريقته هي التي اتبعتها مدرسة أهل الرأي في العراق و تسمى بمدرسة الكوفة

حيث قد تأثر اكثر أهل العراق بفقه ابن مسعود في الكوفة، و ابن مسعود يسير على طريقة عمر، فكانوا لا يحجمون عن الفتوى برأيهم فيما لم يجدوا نصاً بل يتبعون في فتواهم العلل التي يستخرجونها من النصوص و ان خالفت ظواهر النصوص و يبنون الأحكام على العلل و ان خالفت ظواهر الأدلة فمدرسة الرأي تعتمد على الأدلة التي تفيد الظن و ان لم يقم الدليل القطعي على حجيتها فاعتمدوا على مثل القياس و

الاستحسانات مع انه لم يقم الدليل القطعي على حجيتها، و لم تكن مدرسة الرأي اعني من اتخذ هذه الطريقة هم خصوص فقهاء أهل الكوفة بل الكثير منهم من أقطار أخرى، فان في المدينة نفسها كان ربيعة بن عبد الرحمن المتوفي سنة 136 أحد كبار التابعين من أهل هذه المدرسة و لذا سمي بربيعة الرأي.

نواة مدرسة الرأي و مدرسة الحديث‏

و الحاصل ان هذا الاختلاف في معرفة الحكم الشرعي‏

48

كان نواة و بذرة لوجود مدرستين للفقهاء عرفتا فيما بعد باسم مدرسة الحديث و مدرسة الرأي، و كان اكثر المذاهب عملًا بالقياس الحنفية و لذا صار عندهم دليلا مستقلا في مقابل الرأي و خصوا اسم الرأي بحكم العقل من غير طريق القياس.

انتشار الفقهاء في أوائل خلافة عثمان‏

و في هذا الدور عند أوائل خلافة عثمان انتشر الفقهاء في الأمصار الإسلامية واخذ أهل كل قطر يأخذون ممن نزل عليه من الصحابة الفتوى و الرواية و العلم و المعرفة بعد أن كان عمر بن الخطاب لا يمكنهم من الخروج من المدينة المنورة إلا للقيام بالاعمال التي تخص الخلافة، فخرج عبد الله بن عباس لمكة المكرمة و توفي بالطائف سنة 68 ه. و خرج للكوفة علقمة بن قيس النخعي المتوفي سنة 62 ه و سعيد بن جبير الذي قتله الحجاج سنة 95 ه و إبراهيم ابن يزيد النخعي المتوفي سنة 96 ه و خرج لمصر عبد الله بن عمر بن العاص الذي كان يلوم أباه على القيام في الفتنة. و خرج انس بن مالك للبصرة المتوفي سنة 93 ه. و بقي في المدينة المنورة جماعة منهم الإمام علي (عليه السلام) و زيد بن ثابت الذي كان عثمانياً و لم يشهد مع الإمام علي (عليه السلام) حروبه و المتوفي سنة 45 ه و عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي ندم على تركه القتال‏

49

لخصوم علي (عليه السلام) و لحروبه و المتوفي سنة 73 ه و سعيد بن المسيب التابعي المتوفي سنة 94 ه و لقد كان بين سعيد و بين عكرمة مولى ابن عباس منافرة فكان يكذب عكرمة، و عكرمة يخطئه في فتواه.

من أعمال عمر في هذا الدور

و في هذا الدور استقضى عمر بن الخطاب شريحاً المتوفي سنة 378 على الكوفة و ارسل للكوفة عبد الله بن مسعود الصحابي المتوفي سنة 32 ه معلماً و وزيراً و كان يأخذ أهل الكوفة منه الحديث إلى أن صار بينه و بين عثمان كدورة فاستقدمه للمدينة و مات فيها، و بعث عبد الرحمن الاشعري لتفقيه الناس، و هو الذي تفقه على يده التابعون بالشام سنة 78 ه و كان المرجع في كل بلد فتاوى من كان فيه من الصحابة و التابعين.

المرجع في الفتوى في هذا الدور الثاني‏

و كان المرجع في الفتوى في هذا الدور هم الصحابة و التابعون و كان المرجع في الفتوى عند التحير فيها من الجميع هو الإمام علي (عليه السلام) كما تشهد بذلك السير و التاريخ حتى قال فيه عمر

50

(رض) لو لا علي لهلك عمر، و لا يفتين أحدكم في المسجد و علي حاضر.

الأسف على إهمال مثل البخاري لأكثر روايات علي (عليه السلام)

و يؤسفنا جداً أن يكون مثل الإمام علي (عليه السلام) الذي تربى في حجر النبوة و هو اكثر الصحابة مصاحبة للنبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و باب مدينة علمه و فقهه ان تكون روايته و فقهه قليلة في كتب الروايات كالبخاري و مسلم بحيث لا تتناسب مع المدة التي قضاها مع الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و بعده.

ما يستوقف الفكر في هذا الدور الثاني‏

و كيفما كان فالذي يستوقف نظري في هذا المقام أمور:

الأول: اعراضهم عن القرآن الكريم الذي جمعه الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فانه لا يعقل ان يكون الرسول قد ترك القرآن بلا جمع مبعثراً في الصدور و العظام و اللخاف مع انه الدستور الشرعي لصلاح الأمة و هو خاتمة الأنظمة الإلهية مع ما في ذلك من تعريضه للتلف و للتحريف و التبديل الذي اعابه الله على اليهود و النصارى بالنسبة لتوراتهم‏

و انجيلهم و قد دلت الروايات المتضافرة على انه كان مجموعاً عند رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في اضبارة

51

خاصة كما في أحكام القران و فتح الباري و مستدرك الحاكم و تاريخ الشام و المحبر لابن حبيب و مسند الطيالسي و في صحيح البخاري في فضائل القرآن عن أنس بن مالك ان أربعة من الصحابة جمعوا القرآن في زمن حياة رسول الله و هم معاذ بن جبل و زيد بن ثابت و أبو زيد و اختلفت الرواية عنه في الرابع بين أبي الدرداء و أبي بن كعب و في إرشاد الساري ما يدل على جمع ابن عمر له في عهد الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و عليه فما وجه أعراض القوم عن هذا القرآن و التجائهم إلى جمعه من اللخاف و العسب و صدور الرجال.

الثاني: اعراضهم عن القرآن الذي كتبه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) على نسخة الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم).

الثالث: اعراضهم عن كبار الصحابة و حفظة القرآن في جمعهم للقرآن الكريم كالإمام علي بن أبي طالب. و عبد الله بن عباس. و عبد الله بن عمر. و ابن مسعود و غيرهم من حفظة القرآن الكريم.

الرابع: منع الخليفتين أبي بكر و عمر من كتابة السنة و إصرارهما على ذلك مع انه في ذلك حفظها من التحريف و التبديل و معرفة القوانين الإسلامية على الوجه الأكمل، و لم يكن سبيل للدس و الافتراء من قبل أعداء الإسلام‏

52

و أصحاب الأهواء لقرب العهد بالرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و الخوف من ولاة الأمور كما هو الشأن في القرآن الكريم مع ان الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أمر بالكتابة لأبي شامة اليماني و أجاز لعبد الله بن عمر بن العاص ان يكتب عنه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) الحديث كما تقدم و كان عليهم ان يحفظوا السنة بالتدوين كما حفظوا القرآن بالتدوين مع ان في السنة أحكاماً اكثر و شرحاً للقرآن اجدر بل هي المكملة للأحكام التي لم تأت صريحة في القرآن العظيم و المبينة للقوانين التي أجمل بيانها التنزيل الكريم و فيها من الثروة الفقهية ما يعرف بها حتى ارش الخدش و قد دخل على المسلمين من ترك تدوينها بادئ بدء ضرر عظيم أوجب ان يشق عصا وحدتهم و اختلاف كلمتهم و انقسام آرائهم، و القول بأن تدوينها يوقع الخلط بينها و بين القرآن الكريم ناشئ من الجهل ببلاغة القرآن و إعجازها فإنها هي المميزة بين التعبير الإلهي النازل للاعجاز و بين الحديث النبوي الصادر لبيان الأحكام ثمّ ان ذلك لا يوجب المنع و إنما يوجب المحافظة من الاختلاط بينهما و لعل التدوين كان احسن شي‏ء للتفرقة بينهما و لو خشي من الاختلاط. الخامس: منع الخليفة عمر من خروج الصحابة و الفقهاء من المدينة المنورة إلا بإذن خاص منه مع ان في ذلك نشر الأحكام الإسلامية و تفهيمها للمسلمين، و إذا ضممنا

53

هذين الأمرين الرابع و الخامس إلى ما ذكرنا من منع عمر ان يكتب الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في حال مرضه كتاباً لن يضلوا بعده ابداً ترى انه قد ذهب من ايدينا ثروة علمية عملية كانت تزيل هذا الانشقاق بين صفوف المسلمين في الخلافة الإسلامية و تمنع من انفصام عرى وحدتها في الأحكام الشرعية.

وقت وفاة أبي بكر و عمر و عثمان‏

و في هذا الدور توفي أبو بكر سنة 13 ه و توفي عمر ابن الخطاب سنة 23 ه و قتل عثمان بن عفان سنة 35 ه.

موقف الإمام علي (عليه السلام) من قتل عثمان‏

و قد أرسل الإمام علي (عليه السلام) ولديه الإمام الحسن و الإمام الحسين (عليهما السلام) لحمايته فكانا على باب داره يحفظانه حتى تسلق القوم على حائط قصره فنزلوا عليه و قتلوه.

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}