أصول الفقه (المظفر) (مع تعليق زارعي السبزواري)

- الشيخ محمد رضا المظفر المزيد...
688 /
7

مقدّمة الناشر

يعتبر آية اللّه الشيخ محمد رضا المظفّر (قدّس اللّه سرّه الشريف) من العلماء الأفذاذ في مجال الإبداع و التجديد، فقد سعى (رحمه اللّه) لوضع أسس جديدة لبناء منهج حديث في الحوزة العلمية، يتلاءم و متطلّبات الحياة العصرية.

و كلّ من عرف العلّامة المظفّر أو عاصره أو تتلمذ عليه يقرأ في شخصيّته عنصري الجدة و الحداثة، محاولة تقديم تصوّر عن الإسلام بأساليب جديدة، كإنشاء كلّية منتدى النشر، التي وضع البذرة الأولى لها و راح يتعاهدها و يسقيها و من فكره النيّر و ذهنه الوقّاد، و تخرّج منها جيل صالح من العلماء و الأدباء و المفكّرين.

إنّ من أهمّ نتاجاته (رحمه اللّه) في رفد المناهج الدراسية للحوزة العلمية كتابي: المنطق و علم أصول الفقه، و اللذين احتلّا محلّ الصدارة في الجامعات الدينيّة، بل و الأكاديميّة أيضا، حيث لا زال هذا الكتاب محافظا على نظارته وجدته.

و من البديهي أنّ أسلوب هذين الكتابين يشكّل قاعدة رصينة و أساسا محكما لصياغة مناهج جديدة على غرارهما تفي بحاجة الدارسين و الباحثين، و نظرا لعدم توفّر البديل المناسب لهما ارتأينا أن نجدّد طباعة كتاب أصول الفقه، الذي طبع مرارا في مؤسسات مختلفة، و منها مركزنا- مركز النشر- إلّا أنّ كل هذه الطبعات لا تخلو من الأخطاء المطبعية، مضافا إلى عدم ذكر مآخذ الكتاب، و عدم ضبطه من جهة قواعد اللغة العربية، الأمر الذي دعا الفاضل المحترم حجّة الإسلام عباس علي زارعي إلى أن ينهض بمسئولية تحقيق الكتاب، خصوصا و أنّه قد درّسه على شكل دورات مختلفة في الحوزة العلمية، و استفاد من كثير من النسخ المصحّحة لأساتيذ آخرين، فعمل على تصحيح الكتاب و إزاحة الأخطاء المسلّم بها، و الاهتمام بالجانب الأدبي منه، مع ذكر المصادر التي استمدّ المؤلّف و أخذ منها.

كما لا يفوتنا أن نشير إلى دور الفاضل حجّة الإسلام الشيخ نعمة اللّه جليلي الذي ضبط نصّ الكتاب و راجعه و كذلك إلى دور الشيخين الفاضلين: أحمد عابدي و رضا مختاري اللذين اطّلعا على الكتاب و

8

أفادانا ببعض الملاحظات النافعة.

و نودّ الإشارة إلى أنّ هذا الكتاب لا زال يعتبر من أهمّ الكتب للمراحل الأولى في دراسة السطوح العالية في جامعاتنا الدينية ما دام لم يطرح ما هو أفضل منه.

فسلام على تلك الروح المقدّسة التي جاهدت في اللّه فأنارت و خلّفت لنا هذا التراث العظيم فأضاءت، و سلام على المظفّر يوم ولد و يوم التحق بركب السعداء و يوم يبعث حيّا، و الحمد لله أولا و آخرا.

مؤسسة بوستان كتاب‏

(مركز الطباعة و النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي)

9

مقدّمة المحقّق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّد المرسلين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و آله الطاهرين المعصومين (عليهم السّلام).

ينبغي تقديم مقدّمة، و فيها ثلاثة فصول:

الفصل الأوّل: علم الأصول و تطوّره التأريخيّ‏

و يمكن تقسيم تأريخ علم الأصول إلى ثلاث دورات:

الدورة الأولى: دورة التأسيس‏

أوّل من أسّس علم أصول الفقه و فتح بابه و رسّخ قواعده هو الإمام الهمام أبو جعفر الباقر (عليه السّلام)، ثمّ ابنه الإمام أبو عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السّلام)، كما قال العلّامة السيّد حسن الصدر في كتاب «تأسيس الشيعة»: «أوّل من أسّس أصول الفقه و فتح بابه و فتق مسائله الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السّلام)، ثمّ بعده ابنه الإمام أبو عبد اللّه الصادق (عليه السّلام). و قد أمليا أصحابهما قواعده، و جمعوا من ذلك مسائل رتّبها المتأخّرون على ترتيب المصنّفين فيه بروايات مسندة إليهما». (1)

و يشهد على ذلك ما في كتب الحديث من الروايات التي ترتبط بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط، كأصل البراءة و الاستصحاب و حجيّة الظاهر، و غيرها من القواعد الأصوليّة.

و قد صنّف بعض المتأخّرين كتبا فيها الأحاديث المأثورة عنهم في قواعد الفقه:

منها: كتاب: «أصول آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)» في استخراج أبواب أصول الفقه من الروايات، ألّفه العلّامة السيّد الشريف ميرزا محمّد هاشم ابن الميرزا زين العابدين الموسوي الخوانساريّ، المتوفّى سنة 1318 ه.

____________

(1). تأسيس الشيعة: 310.

10

و منها: كتاب «الأصول الأصليّة و القواعد المستنبطة من الآيات و الأخبار المرويّة» للعلّامة السيد عبد اللّه بن محمّد الرضا شبّر الحسينيّ الكاظميّ، المتوفّى سنة 1242 ه.

و منها: بحار الأنوار، ج 2.

الدورة الثانية: دورة التدوين‏

اعلم أنّ علم الأصول و إن أسّس في عصر الإمامين الصادقين (عليهما السّلام)- كما أشرنا- و لكنّه لم يكن مدوّنا.

و في أوّل من قام بتدوينه خلاف:

قال السيوطيّ في محكيّ كتاب «الأوائل»: «أوّل من صنّف في أصول الفقه، الإمام الشافعي» (1). و صرّح بذلك صاحب «كشف الظنون». (2)

و قيل: يحتمل أن يكون أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم الذي كان سابقا على الشافعي. قال ابن خلّكان:

«هو أوّل من وضع الكتاب في أصول الفقه على مذهب [أستاذه‏] أبي حنيفة». (3)

و قيل: يحتمل أن يكون محمّد بن الحسن الشيبانيّ فقيه العراق؛ لأنّه توفّي سنة 182 ه أو سنة 189 ه، و الشافعيّ مات في سنة 204 ه. و قد صرّح ابن النديم في «الفهرست» (4) بأنّ للشيبانيّ من مؤلّفاته الكثيرة تأليف سمّي ب «أصول الفقه».

و لكن التحقيق- كما يظهر من كتاب «تأسيس الشيعة» (5) للعلّامة السيد حسن الصدر- أنّ أوّل من صنّف في بعض مسائل علم الأصول هشام بن الحكم المتوفّى سنة 179 ه، تلميذ الإمام الصادق (عليه السّلام)، صنّف كتاب «الألفاظ و مباحثها»، ثمّ يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين تلميذ الإمام الكاظم (عليه السّلام)، صنّف كتاب «اختلاف الحديث و مسائله».

الدورة الثالثة: دورة الاستناد

ثمّ جاءت الدورة الثالثة، و هي دورة الاستناد إلى قواعد أصول الفقه في مقام الاستنباط و هذه الدورة لا تتقدّم على الغيبة الكبرى.

و أوّل من استند إلى أصول الفقه و اعتمد عليه في مقام الاستنباط الشيخ الجليل حسن بن علي بن أبي عقيل صاحب كتاب «المستمسك بحبل آل الرسول»، و هو من مشايخ جعفر بن محمّد بن قولويه. و هو

____________

(1). الوسائل في مسامرة الأوائل: 103.

(2). كشف الظنون 1: 111.

(3). تاريخ ابن خلّكان 2: 463.

(4). الفهرست لابن النديم: 285.

(5). تأسيس الشيعة: 310.

11

أوّل من هذّب الفقه و استعمل النظر، و فتق البحث عن الأصول و الفروع في ابتداء الغيبة الكبرى.

ثمّ اقتفى أثره ابن الجنيد المعروف بالإسكافيّ، و هو أستاذ الشيخ المفيد.

ثمّ وصل الدور إلى محمّد بن محمّد بن نعمان بن عبد السلام المعروف ب «الشيخ المفيد»، فألّف كتاب «التذكرة بأصول الفقه»، و اعتمد على الأصول في مقام الاستنباط.

ثمّ انتقل الدور إلى تلامذته:

منهم: السيّد الأجلّ السيّد المرتضى الملقّب ب «علم الهدى» (المتوفّى سنة 436 ه). و منهم: شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن حسين بن علي الطوسيّ (المتوفّى سنة 460 ه). و منهم: سلّار بن عبد العزيز الديلميّ (المتوفّى سنة 436 ه). فقد صنّف الأوّل كتاب «الذريعة إلى أصول الشريعة»، و الثاني كتاب «العدّة في أصول الفقه»، و الثالث كتاب «التقريب».

و بعد الشيخ الطوسيّ توقّف سير البحث عن نظريّات السابقين و نقدها؛ و ذلك لحسن ظنّ تلامذة الشيخ بما استنبطه، و أفتى به في كتبه. و استمرّت هذه الحالة مدّة تقرب من قرن، إلى أن وصلت النوبة إلى سبط الشيخ ابن ادريس الحلّي (المتوفّى سنة 598)، فأقام مجلس البحث و النقد، و ألّف في الفقه الاستدلالي كتاب «السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي».

و بعد ابن إدريس وصل الدور إلى المحقّق الحلّي، صاحب «شرائع الإسلام» (المتوفّى سنة 676 ه).

فألّف في أصول الفقه كتاب «نهج الوصول إلى معرفة الأصول»، و كتاب «معارج الوصول إلى علم الأصول».

إلى أن وصلت النوبة إلى العلّامة على الإطلاق أبي منصور جمال الدين حسن بن يوسف بن على بن مطهّر (المتوفّى سنة 726 ه)، فالعلّامة بعد الدقّة و النظر في كتب القوم ألّف كتبا قيّمة في علم الأصول:

منها: كتاب «غاية الوصول في شرح مختصر الأصول» و «النكت البديعة في تحرير الذريعة» و «نهج الوصول إلى علم الأصول» و «منتهى الوصول إلى علمي الكلام و الأصول» و «تهذيب طريق الوصول إلى علم الأصول» و «مبادئ الوصول إلى علم الأصول». و هذه الكتب صارت محطّ أنظار العلماء، لا سيّما كتاب «معارج الوصول» الذي تصدّى لشرحه جمع من العلماء، بل كانت هذه الكتب مدار البحث و التحقيق إلى زمان الشهيد الثاني (المتوفّى سنة 965 ه). و قد ألّف الشهيد الثاني كتابا سمّاه «تمهيد القواعد».

ثمّ ألّف ابن الشهيد الثاني أبو منصور جمال الدين حسن بن زين الدّين (المتوفّى سنة 1011 ه) كتابا سمّاه «معالم الدين». و هذا الكتاب لسلاسة تعبيره، و جودة جمعه، و سهولة تناوله صار مدار البحث و الدرس بين الأكابر، فأقبلوا عليه بالتحشية و التعليق و الشرح.

و في القرن الثالث عشر بلغت العناية بعلم الأصول مرتبة اتّصفت بالإطناب و التطويل، فألّفوا كتبا مفصّلة و مبسوطة في علم الأصول. منها: كتاب «هداية المسترشدين» للشيخ محمد تقي الاصفهاني،

12

و كتاب «قوانين الأصول» للمحقّق القمّي (المتوفّى سنة 1231 ه)، و كتاب «الفصول» للشيخ محمّد حسين الأصفهاني (المتوفّى سنة 1261 ه)، و كتاب «فرائد الأصول» للشيخ الأعظم الأنصاريّ (المتوفّى سنة 1281 ه).

و شرع الدور الآخر من زمان المحقّق الشيخ محمّد كاظم الخراسانيّ (المتوفّى 1329 ه) الملقّب ب «الآخوند الخراسانيّ»، فإنّه بادر إلى تنقيح الأصول و تحريرها عن الفضول، و رتّبها على وجه أنيق، و ألّف كتاب «كفاية الأصول»، و صار هذا الكتاب من الكتب الأصوليّة المتداولة عند دارسي العلوم في الحوزات العلميّة و غيرها، بل صار محطّ أنظار الأساتذة و أهل العلم و التحقيق.

و بعد انتهاء دور المحقّق الخراسانيّ انتقل الدور إلى تلامذته، لا سيّما الأعلام الثلاثة:

1. المحقّق الميرزا حسين النائينيّ (المتوفّى 1355 ه).

2. المحقّق الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ المعروف ب (الكمپاني) (المتوفّى 1361 ه).

3. المحقّق الشيخ ضياء الدين العراقيّ (المتوفّى 1361 ه).

فهؤلاء الأعلام الثلاثة قد انكبّوا على تهذيب علم الأصول و تعميقه و ترتيبه، فتخرّج من معهد بحثهم و مجلس درسهم كثير من العلماء و المجتهدين منهم صاحب الكتاب الذي بين يديك «أصول الفقه» العلّامة المحقّق الشيخ محمد رضا المظفّر.

الفصل الثاني: حياة الشيخ محمد رضا المظفّر

1. نسبه و مولده‏

هو الشيخ محمد رضا بن محمّد بن عبد اللّه بن محمّد بن أحمد بن مظفر العيمري. و اشتهر ب «المظفّر» نسبة إلى أحد أجدادهم، و هو مظفّر بن أحمد بن محمّد بن على بن حسين آل علي من عرب الحجاز، كان جدّهم «مظفّر» من أهل العلم، أقام في النجف مدّة ثمّ سكن حوالي البصرة. (1)

و قد ولد الشيخ المظفّر في النجف الأشرف في اليوم الخامس من شعبان سنة 1322 ه، و كانت ولادته بعد وفاة والده بخمسة أشهر كما قال نفسه: «قد توفّي والدي العلّامة الشيخ محمّد، فكانت ولادتي بعده بخمسة أشهر، فلم أره و لم يرني». (2)

2. تربيته الشخصيّة

فتح الشيخ المظفّر عينيه في أحضان والدته بنت العلّامة الشيخ عبد الحسين الطريحيّ، دأبت على‏

____________

(1). ماضى النجف و حاضرها 3: 360.

(2). شعراء الغريّ (النجفيات) للخاقاني 8: 459.

13

تربيته و القيام بشئونه، و كفله أخوه الشيخ عبد النبيّ، و بعده ربّاه أخوه الشيخ محمّد حسن، قال عن نفسه: «و قد كفلني أخي الكبير المرحوم الشيخ عبد النبيّ المتوفّى 1327 ه، فكان لي كالأب الرءوف، و بعده بقيت تحت ظلّ أخي و أستاذي العلّامة الشيخ محمّد حسن». (1)

3. نشأته العلميّة

قال المظفّر عن نفسه: «ابتدأت في دراسة علم النحو حوالي سنة 1335 ه، فقرأت «الأجروميّة» على الطريقة المألوفة بين الناس؛ و لعدم رغبتي في الدرس في ذلك الحين كنت لم أحفظها حفظا كالعادة، و هكذا بقيت على التهاون في الاشتغال في قراءتي لما في كتب النحو، و لمّا انتقلت إلى المنطق فتحت عيني للدّرس، فكثر جدّي في التحصيل، و تداركت ما فات منّي في علم النحو، و لكن مع ذلك كان شغلي على غير تحقيق و تدقيق حتّى حضرت «المطوّل» على الأستاذ الشيخ محمّد طه الحويزيّ، و جملة من علم الأصول، فاستفدت منه فائدة كليّة، و تعلّمت منه كيف يتوصّل إلى التنقيب عن المسائل العلميّة بما كان يتوسّع به في بسط المسائل و تحقيقها». (2)

و حضر المظفّر دروس الأعلام الثلاثة: الشيخ ضياء الدين العراقيّ، و الميرزا محمّد حسين النائينيّ، و الشيخ محمّد حسين الغرويّ الأصفهانيّ.

و حضر أيضا على أخيه الشيخ محمّد حسن سنوات كثيرة، و كان عمدة استفادته منه و من الشيخ محمّد حسين الغرويّ الأصفهانيّ.

4. أساتذته‏

1. الشيخ محمّد طه الحويزي. تتلمذ عليه في المقدّمات و السطوح و الشعر.

2. الشيخ محمّد حسن المظفّر. أخو المترجم له. تتلمذ عليه في الفقه و الأصول سنوات كثيرة، كما قال العلّامة الطهراني: «و عمدة استفادته من أخيه الشيخ محمّد حسن». (3)

3. الميرزا محمّد حسين النائينيّ. و هو فخر المتأخّرين الذي تخرّج من معهد بحثه و مجلس درسه كثير من العلماء و المحقّقين.

4. الشيخ ضياء الدين العراقيّ، و هو الذي تخرّج على يده أكثر من ثلاثة آلاف من الفقهاء و المجتهدين.

____________

(1). نفس المصدر.

(2). نقباء البشر 2: 773.

(3). نقباء البشر 2: 772.

14

5. الميرزا عبد الهادي الشيرازيّ. حضر المظفّر في مجلس درسه في الفقه.

6. السيّد علي القاضي الطباطبائيّ، استفاد الشيخ المترجم له منه في العرفان و السير و السلوك.

7. الشيخ محمّد حسين الغرويّ الاصفهانيّ، حضر المظفّر على الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ عدّة سنين في الفلسفة و الأصول و الفقه، و كان الشيخ المظفّر متأثّرا بمباني و آراء استاذه المحقّق الأصفهانيّ في الأصول و الفقه و الفلسفة، و ذلك يظهر من خلال كتابه «أصول الفقه» الذي بين يديك، بل في بعض الموارد كانت عباراته عين عبارات كتاب «نهاية الدراية».

5. جمعية منتدى النشر

أسّس المظفّر «جمعيّة منتدى النشر» في سنة 1354 ه، و هي من ثمراته التي لا تنساها النجف. و كان غرضه من تأسيسها نشر المعارف الإلهي بوجه وسيع و أسلوب جديد.

و أسّس في سنة 1376 ه «كلّية الفقه» في النجف الأشرف و اعترفت بها وزارة المعارف العراقيّة سنة 1377 ه، يدرس فيها العلوم الإسلاميّة من الفقه الإمامي و الفقه المقارن و أصول الفقه و التفسير و الحديث و علم النفس و الاجتماع و التأريخ و الفلسفة و المنطق و اللغة الإنجليزيّة و غيرها مما يحتاجه العلماء و المبلّغون في العصر الحاضر.

و قام بالتدريس فيها جمع من المحقّقين، منهم العلّامة الشيخ عبد الحسين الحلّي و الشيخ عبد الحسين الرشتيّ و العلّامة محمّد تقي الحكيم و العلّامة الشيخ محمد رضا المظفّر و العلّامة الشيخ محمّد جواد البلاغيّ.

6. مؤلّفاته‏

1. «أصول الفقه». و هو هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم.

2. «المنطق».

3. «عقائد الإماميّة».

4. «فلسفة ابن سينا».

5. «أحكام اليقظة».

6. «ديوان الشعر».

7. «السقيفة».

8. «على هامش السقيفة».

15

9. «الفلسفة الإسلاميّة».

10. «حاشية المكاسب».

11. «كتاب في علم العروض».

و له مقالات متعدّدة طبعت في الجرائد.

7. شي‏ء حول كتاب «أصول الفقه»

كتاب «أصول الفقه» أحد من الكتب الأصوليّة القيّمة الذي عليه مدار التدريس في مرحلة السطوح في حوزاتنا العلميّة، جاء في مقدمة هذا الكتاب: «وضع هذا الكتاب لتبسيط أصول هذا الفنّ للمبتدئين؛ ليعينهم على الدخول في بحره العميق عند ما يبلغون درجة المراهقين، و هو الحلقة المفقودة بين كتاب معالم الأصول و بين كفاية الأصول، يجمع بين سهولة العبارة و الاختصار و بين انتقاء الآراء الحديثة التي تطوّر إليها هذا الفن».

و يكفي في عظمة هذا الكتاب كلمة السيّد المحقّق الخوئي، قال بشأنه: «و كنت منذ زمن بعيد أرغب في أن يؤلّف كتاب في هذا العلم تلائم أبحاثه الأبحاث العالية، و يعمّم تدريسه على طلّاب العلوم الدينيّة، حتى قدّم لي الحجّة الشيخ محمد رضا المظفّر- دامت تأييداته- ما رتّبه من المباحث الأصوليّة في القسم الأوّل من كتابه (مبادئ علم الأصول) ترتيبا جميلا، فألفيته- بحمد اللّه- وافيا بالمقصود، و جامعا بالموجز من القواعد و الأصول التي يدور عليها رحى الأبحاث في عصرنا الحاضر، و جدير بطالب العالم أن يدرس هذا الكتاب؛ ليتهيّأ بذلك للانتفاع بالدراسات العالية».

و هذا الكتاب يشتمل على مدخل و مقاصد أربعة. و كلّ مقصد في جزء واحد:

الجزء الأوّل: في مباحث الألفاظ.

الجزء الثاني: في الملازمات العقليّة.

الجزء الثالث: في مباحث الحجّة.

الجزء الرابع: في مباحث الأصول العمليّة. و ممّا يؤسف له أنّ الجزء الرابع لم يتمّ و ينتهي إلى التنبيه الثاني من تنبيهات الاستصحاب.

8. وفاته‏

توفّي بالنجف ليلة 16 رمضان سنة 1383 ه. و بعد تشييعه من قبل جماهير العلماء و الطلّاب و المؤمنين دفن مع أخيه الشيخ محمّد حسن بمقبرة آل المظفّر.

16

الفصل الثالث: عملنا في تحقيق الكتاب‏

بما أنّ هذا الكتاب يعدّ فريدا من نوعه، و وحيدا في أسلوبه، و كان من الكتب الأصوليّة المتداولة للدراسة عند محصّلي العلوم في الحوزات العلميّة و غيرها، بل كان محطّ أنظار الأساتذة و أهل العلم و التحقيق فلا بدّ أن يكون سالما من الأغلاط، و خاليا من النواقص و التشويهات و الأوهام، و جامعا للمطالب و الآراء الحديثة؛ و لذلك قمت بتحقيق الكتاب. و عملنا في التحقيق كما يلي:

1. قمت أوّلا بتصحيح متن الكتاب تصحيحا قياسيّا؛ و ذلك لعدم وجود النسخة المخطوطة. نعم، قابلت النسخة المطبوعة الأخيرة مع النسخة المطبوعة في الطبعة الأولى بالنجف الأشرف المزيّنة في أوائلها بكلمة السيّد المحقّق الخوئي، و رمزنا إليها ب «س». و قابلتها أيضا مع المطبوعة في الطبعة الثانية التي تمتاز باضافات و تعديلات مهمّة قد أجراها المؤلّف (رحمه اللّه). فأثبتّ ما رأيته صحيحا في المتن و ذكرت بعض موارد الاختلاف في الهامش.

2. قمت بتحقيق و تخريج الآيات و الروايات و النصوص الفقهيّة و الأنظار الأصوليّة و الكلاميّة و الفلسفيّة، معتمدا على أقدم المصادر و أصحّها.

3. ذكر المصنّف أثناء المباحث أقوالا لم ينسبها إلى قائل معيّن، بل اكتفى بالقول: «قالوا- فإن قيل- قيل». و قد راجعت جميع المصادر و عثرت على أغلب القائلين، و ذكرت أسماءهم و مصادر أقوالهم في الهامش، و في موارد نادرة ذكرت أنّا لم نعثر على قائله.

4. قمت بإرجاع ما ذكره المصنّف بقوله: «سبق» أو «قد مرّ» أو «سيأتي» و نظائرها إلى مواضعها الأصليّة السابقة أو اللاحقة.

5. حاولت قدر الإمكان تحريك المواضع المهمّة في الكلمات بالحركات الإعرابيّة؛ و ذلك لأجل تسهيل القراءة، و فهم مضمون اللفظ، و مراد المصنّف.

6. قمت بشرح بعض الألفاظ الغريبة التي وردت في المتن مستعينا بكتب اللغة و المعاجم.

7. علّقت عليه بتعليقات لازمة؛ لإزاحة التشويشات و إيضاح المبهمات. و لست بصدد التعليق عليه تفصيلا؛ لأنّه خارج عن المقصود.

8. من نواقص هذا الكتاب المتداول للدراسة عدم وجود التمارين في آخر كلّ مبحث، فضممت إليه التمارين في آخر كلّ مبحث. و التمارين قسمان: قسم مربوط بمتن الكتاب، و قلنا في عنوانه: «التمرين الأوّل». و قسم مربوط بخارج المتن، لمن لم يكتف بالمتن و أراد التحقيق خارج المتن، و قلنا في عنوانه:

«التمرين الثاني».

17

كلمة شكر

بعد شكري و ثنائي للّه (تعالى) لا بدّ لي من شكر من أرى من الواجب عليّ شكرهم، فإنّى لأتوجّه جزيل شكري و خالص دعائي إلى الأخ الفاضل المحقّق الشيخ نعمة اللّه الجليلي دامت تأييداته، فإنّه ساعدني في تصحيح الكتاب. و إلى الإخوة الأعزّاء في نشر الكتاب في مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، و أخصّ بالذكر حجة الاسلام و المسلمين السيد محمّد كاظم شمس جزاهم اللّه خير الجزاء.

و في الختام نرجو من اللّه (تعالى) أن يزيد في علوّ درجات العلّامة الشيخ محمّد رضا المظفر و أن يحشره مع أوليائه. و الحمد للّه رب العالمين.

عباس علي الزارعيّ السبزواريّ‏

قم- الحوزة العلميّة

جمادى الأولى 1421 ه.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

المدخل‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

نحمده على آلائه، و نصلّي على خاتم النبيين محمّد و آله الطاهرين المعصومين.

* تعريف علم الأصول‏

علم أصول الفقه هو: «علم يبحث فيه عن قواعد تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعيّ».

مثاله: أنّ الصّلاة واجبة في الشريعة الإسلاميّة المقدّسة، و قد دلّ على وجوبها من القرآن الكريم قوله (تعالى): وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ (1)، إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (2). و لكن دلالة الآية الأولى متوقّفة على ظهور صيغة الأمر- نحو «أقيموا» هنا- في الوجوب، و متوقّفة أيضا على أنّ ظهور القرآن حجّة يصحّ الاستدلال به.

و هاتان المسألتان يتكفّل ببيانهما «علم الأصول».

فإذا علم الفقيه من هذا العلم أنّ صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب، و أنّ ظهور القرآن حجة، استطاع أن يستنبط من هذه الآية الكريمة المذكورة أنّ الصّلاة واجبة. و هكذا في كلّ حكم شرعيّ مستفاد من أيّ دليل شرعيّ أو عقليّ لا بدّ أن يتوقّف استنباطه من الدليل‏

____________

(1). البقرة (2) الآيات: 43، 83، 110؛ النساء (4) الآية: 77؛ يونس (10) الآية: 87؛ النور (24) الآية: 56؛ الروم (30) الآية: 31؛ المزّمّل (73) الآية: 20.

(2). النساء (4) الآية: 103. و قوله (تعالى): «موقوتا» أي مفروضا، أو ثابتا، كما في الروايات. الوسائل، الباب 1 من أبواب أعداد الفرائض، الأحاديث: 3 و 5 و 6.

20

على مسألة أو أكثر من مسائل هذا العلم.

* الحكم واقعيّ و ظاهريّ. و الدليل اجتهاديّ و فقاهتيّ (1)

ثمّ لا يخفى أنّ الحكم الشرعيّ- الذي جاء ذكره في التعريف السابق- على نحوين:

1. أن يكون ثابتا للشي‏ء بما هو في نفسه فعل من الأفعال (2)، كالمثال المتقدّم أعنى وجوب الصلاة، فالوجوب ثابت للصلاة بما هي صلاة في نفسها، و فعل من الأفعال مع قطع النظر عن أيّ شي‏ء آخر؛ و يسمّى مثل هذا الحكم: «الحكم الواقعيّ»، و الدليل الدالّ عليه: «الدليل الاجتهاديّ».

2. أن يكون ثابتا للشى‏ء بما أنّه مجهول حكمه الواقعيّ، كما إذا اختلف الفقهاء في حرمة النظر إلى الأجنبيّة أو وجوب الإقامة للصلاة. فعند عدم قيام الدليل على أحد الأقوال لدى الفقيه يشكّ في الحكم الواقعيّ الأوليّ المختلف فيه، و لأجل ألّا يبقى في محلّ العمل (3) متحيّرا لا بدّ له من وجود حكم آخر و لو كان عقليّا، كوجوب الاحتياط أو البراءة أو عدم الاعتناء بالشكّ (4)؛ و يسمّى مثل هذا الحكم الثانويّ: «الحكم الظاهريّ»، و الدليل الدالّ عليه: «الدليل الفقاهتيّ» أو «الأصل العمليّ».

و مباحث الأصول منها ما يتكفّل للبحث عمّا تقع نتيجته في طريق استنباط الحكم الواقعيّ، و منها ما يقع في طريق الحكم الظاهريّ. و يجمع الكلّ «وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعيّ» على ما ذكرناه في التعريف.

* موضوع علم الأصول‏

إنّ هذا العلم غير متكفّل للبحث عن موضوع خاصّ، بل يبحث عن موضوعات شتّى‏

____________

(1). قال الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه): «و هذان القيدان اصطلاحان من الوحيد البهبهانيّ لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه و الاجتهاد» راجع فرائد الأصول 1: 309.

(2). أي لا بما هو فعل مشكوك حكمه الواقعيّ.

(3). و في «س»: مقام العمل.

(4). أي الاستصحاب العقلي.

21

تشترك كلّها في غرضنا المهمّ منه، و هو استنباط الحكم الشرعيّ، فلا وجه لجعل موضوع هذا العلم خصوص (الأدلّة الأربعة) فقط (1)، و هي: الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و العقل، أو بإضافة الاستصحاب، أو بإضافة القياس و الاستحسان، كما صنع المتقدّمون (2).

و لا حاجة إلى الالتزام بأنّ العلم لا بدّ له من موضوع يبحث عن عوارضه الذاتيّة في ذلك العلم- كما تسالمت عليه كلمة المنطقيّين (3)- فإنّ هذا لا ملزم له و لا دليل عليه (4).

* فائدته‏

إنّ كلّ متشرّع يعلم أنّه ما من فعل من أفعال الإنسان الاختياريّة إلّا و له حكم في الشريعة الإسلاميّة المقدّسة من وجوب أو حرمة أو نحوهما من الأحكام الخمسة. و يعلم أيضا أنّ تلك الأحكام ليست كلّها معلومة لكلّ أحد بالعلم الضروريّ، بل يحتاج أكثرها لإثباتها إلى إعمال النظر و إقامة الدليل، أي إنّها من العلوم النظريّة.

و علم الأصول هو العلم الوحيد المدوّن للاستعانة به على الاستدلال على إثبات الأحكام الشرعيّة؛ ففائدته إذن الاستعانة على الاستدلال للأحكام من أدلّتها.

* تقسيم أبحاثه‏

تنقسم مباحث هذا العلم إلى أربعة أقسام (5):

____________

(1). هو ما اختاره في قوانين الأصول 1: 9.

(2). و مراده من المتقدّمين هو بعض العامّة، فإنّ بعضهم فسّروا أصول الفقه ب «أدلّة الفقه». و الأدلّة عند بعضهم هي الكتاب و السنّة و الإجماع و القياس و الاستدلال كما في الإحكام (للآمدي) 1: 226- 227. و عند بعض آخر منهم هي الكتاب و السنّة و الإجماع و القياس و الاستصحاب كما في اللمع: 6.

(3). شرح الشمسية: 14؛ حاشية ملّا عبد اللّه: 209؛ الأسفار 1: 30. و التزم بذلك بعض الأصوليّين، فراجع الفصول الغرويّة: 10؛ كفاية الأصول: 21.

(4). أي لا دليل على الوجوب و لا على الوقوع.

(5). و هذا التقسيم حديث تنبّه له شيخنا العظيم الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ (قدّس سرّه) المتوفّى سنة 1361 (ه. ق)،

22

1. مباحث الألفاظ: و هي تبحث عن مداليل الألفاظ و ظواهرها من جهة عامّة، نظير البحث عن ظهور صيغة «افعل» في الوجوب، و ظهور النهي في الحرمة و نحو ذلك.

2. المباحث العقليّة: و هي ما تبحث عن لوازم الأحكام في أنفسها و لو لم تكن تلك الأحكام مدلولة للّفظ، كالبحث عن الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، و كالبحث عن استلزام وجوب الشى‏ء لوجوب مقدّمته المعروف هذا البحث باسم «مقدّمة الواجب»، و كالبحث عن استلزام وجوب الشي‏ء لحرمة ضدّه المعروف باسم «مسألة الضدّ»، و كالبحث عن جواز اجتماع الأمر و النهي و غير ذلك.

3. مباحث الحجّة: و هي ما يبحث فيها عن الحجّيّة و الدليليّة، كالبحث عن حجيّة خبر الواحد، و حجّيّة الظواهر، و حجّيّة ظواهر الكتاب (1)، و حجّيّة السنّة و الإجماع و العقل، و ما إلى ذلك.

4. مباحث الأصول العمليّة: و هي تبحث عن مرجع المجتهد عند فقدان الدليل الاجتهاديّ، كالبحث عن أصل البراءة و الاحتياط و الاستصحاب و نحوها، فمقاصد الكتاب- إذن- أربعة.

و له خاتمة تبحث عن تعارض الأدلّة؛ و تسمّى: «مباحث التعادل و التراجيح»، فالكتاب يقع في خمسة أجزاء إن شاء اللّه تعالى (2).

و قبل الشروع لا بدّ من مقدّمة يبحث فيها عن جملة من المباحث اللغويّة التي لم يستوف البحث عنها في العلوم الأدبيّة أو لم يبحث عنها.

____________

- أفاده في دورة بحثه الأخيرة ... و هو التقسيم الصحيح، الذي يجمع مسائل علم الأصول و يدخل كلّ مسألة في بابها، فمثلا مبحث المشتقّ كان يعدّ من المقدّمات و ينبغي أن يعدّ من مباحث الألفاظ، و مقدّمة الواجب و مسألة الإجزاء و نحوهما كانت تعدّ من مباحث الألفاظ و هي من بحث الملازمات العقلية ... و هكذا.

- منه (رحمه اللّه)-.

(1). قوله: «و حجيّة الظواهر» يشمل البحث عن حجيّة ظواهر الكتاب، فالأنسب حذف قوله: «و حجيّة ظواهر الكتاب».

(2). بل الكتاب- كما يأتي- يقع في أربعة أجزاء، لأنّه ألحق مباحث التعادل و التراجيح إلى مباحث الحجّة في الجزء الثالث و أوضح وجه الإلحاق في مقدّمته.

23

تمرينات (1)

* التمرين الأوّل 1. ما هو علم أصول الفقه؟

2. ايت بمثال من عندك و مثال من الكتاب لكيفية استنباط الحكم الشرعيّ؟

3. ما الفرق بين الحكم الواقعيّ و الحكم الظاهريّ؟

4. ما الفرق بين الدليل الاجتهاديّ و الدليل الفقاهتيّ؟

5. ما هو موضوع علم الأصول عند القدماء؟

6. بيّن رأي المصنّف في موضوع علم الأصول.

7. ما هو المبحوث عنه في المباحث العقليّة و مباحث الألفاظ و الحجّة و الأصول العمليّة؟

* التمرين الثاني 1. أذكر آراء الأصوليّين في تعريف علم الأصول و المناقشات فيها.

2. لم سمّي الدليل الاجتهاديّ «اجتهاديّا» و الفقاهتيّ «فقاهتيّا»؟

3. بيّن آراء العلماء في موضوع كلّ علم.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

المقدّمة

تبحث عن أمور لها علاقة بوضع الألفاظ و استعمالها و دلالتها، و فيها أربعة عشر مبحثا:

1. حقيقة الوضع‏

لا شكّ أنّ دلالة الألفاظ على معانيها- في أيّة لغة كانت- ليست ذاتيّة، كذاتيّة دلالة الدخان- مثلا- على وجود النار- و إن توهّم ذلك بعضهم (1)- لأنّ لازم هذا الزعم أن يشترك جميع البشر في هذه الدلالة، مع أنّ الفارسيّ- مثلا- لا يفهم الألفاظ العربيّة و لا غيرها من دون تعلّم، و كذلك العكس في جميع اللغات، و هذا واضح.

و عليه، فليست دلالة الألفاظ على معانيها إلّا بالجعل و التخصيص من واضع تلك الألفاظ لمعانيها. و لذا تدخل الدلالة اللفظيّة هذه في الدلالة الوضعيّة.

2. من الواضع؟

و لكن من ذلك الواضع الأوّل في كلّ لغة من اللغات؟

قيل: (2) إنّ الواضع لا بدّ أن يكون شخصا واحدا يتبعه جماعة من البشر في التفاهم‏

____________

(1). و منهم سليمان بن عباد الصيمريّ على ما في بعض الكتب، كالفصول: 23، و مفاتيح الأصول: 2.

و ذهب المحقّق النائينيّ أيضا إلى أنّها ذاتيّة و لكن لا بحيث يلزم من تصوّره تصوّر المعنى. راجع أجود التقريرات 1: 19، فوائد الأصول 1: 30- 31.

(2). من قال به هو الأشاعرة، فإنّهم قالوا بأنّ الواضع هو اللّه (تعالى) على ما في الكتب، كالفصول: 23،-

26

بتلك اللغة.

و قيل: (1)- و هو الأقرب إلى الصواب- إنّ الطبيعة البشريّة حسب القوّة المودعة من اللّه (تعالى) فيها تقتضي إفادة مقاصد الإنسان بالألفاظ، فيخترع من عند نفسه لفظا مخصوصا عند إرادة معنى مخصوص- كما هو المشاهد من الصبيان عند أوّل أمرهم- فيتفاهم مع الآخرين الذين يتّصلون به، و الآخرون كذلك يخترعون من أنفسهم ألفاظا لمقاصدهم، و تتألّف على مرور الزمن من مجموع ذلك طائفة صغيرة من الألفاظ، حتى تكون لغة خاصّة، لها قواعدها يتفاهم بها قوم من البشر. و هذه اللغة قد تتشعّب بين أقوام متباعدة، و تتطوّر عند كلّ قوم بما يحدث فيها من التغيير و الزيادة، حتى قد تنبثق (2) منها لغات أخرى، فيصبح لكلّ جماعة لغتهم الخاصّة.

و عليه، تكون حقيقة الوضع هو جعل اللفظ بإزاء المعنى، و تخصيصه به. و ممّا يدلّ على اختيار القول الثاني في الواضع أنّه لو كان الواضع شخصا واحدا لنقل ذلك في تأريخ اللغات، و لعرف عند كلّ لغة واضعها.

3. الوضع تعيينىّ و تعيّنىّ‏

ثمّ إنّ دلالة الألفاظ على معانيها الأصل فيها أن تكون ناشئة من الجعل و التخصيص، و يسمّى الوضع حينئذ: «تعيينيّا»، و قد تنشأ الدلالة من اختصاص اللفظ بالمعنى الحاصل هذا الاختصاص من الكثرة في الاستعمال على درجة من الكثرة أنّه تألفه الأذهان على وجه إذا سمع اللفظ ينتقل السامع منه إلى المعنى، و يسمّى الوضع حينئذ: «تعيّنيّا» (3).

____________

- و إرشاد الفحول: 12، و منتهى الوصول و الأمل: 38.

و اختاره المحقّق النائينيّ و قال بأنّ الواضع هو اللّه (تعالى) بتوسيط الوحي إلى أنبيائه و الإلهام إلى غيرها من البشر. راجع فوائد الأصول 1: 30.

(1). و القائل هو المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار 1: 24. و اختاره السيّد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات 1:

36 و 37، و السيّد الإمام الخمينيّ في تنقيح الأصول 1: 29.

(2). تنبثق أي تفيض و تصدر.

(3). و لا يخفى أنّ هذا التقسيم لا يستقيم على مبنى المصنّف (رحمه اللّه) من أنّ الوضع جعل اللفظ بإزاء المعنى-

27

4. أقسام الوضع‏

لا بدّ في الوضع من تصوّر اللفظ و المعنى؛ لأنّ الوضع حكم على المعنى و على اللفظ، و لا يصحّ الحكم على الشي‏ء إلّا بعد تصوّره و معرفته بوجه من الوجوه و لو على نحو الإجمال؛ لأنّ تصوّر الشي‏ء قد يكون بنفسه، و قد يكون بوجهه- أي بتصوّر عنوان عامّ ينطبق عليه و يشار به إليه؛ إذ يكون ذلك العنوان العامّ مرآة و كاشفا عنه، كما إذا حكمت على شبح من بعيد «أنّه أبيض»- مثلا- و أنت لا تعرفه بنفسه أنّه أيّ شي‏ء هو، و أكثر ما تعرف عنه- مثلا- أنّه شي‏ء من الأشياء أو حيوان من الحيوانات، فقد صحّ حكمك عليه بأنّه أبيض مع أنّك لم تعرفه و لم تتصوّره بنفسه و إنّما تصوّرته بعنوان أنّه شي‏ء أو حيوان، لا أكثر، و أشرت به إليه، و هذا ما يسمّى في عرفهم: «تصوّر الشي‏ء بوجهه»-، و هو كاف لصحّة الحكم على الشي‏ء. و هذا بخلاف المجهول محضا؛ فإنّه لا يمكن الحكم عليه أبدا.

و على هذا، فإنّه يكفينا في صحّة الوضع للمعنى أن نتصوّره بوجهه، كما لو كنّا تصوّرناه بنفسه.

و لمّا عرفنا أنّ المعنى لا بدّ من تصوّره، و أنّ تصوّره على نحوين، فانّه بهذا الاعتبار و باعتبار ثان هو أنّ المعنى قد يكون خاصّا- أي جزئيّا- و قد يكون عامّا- أي كلّيّا- نقول: إنّ الوضع ينقسم إلى أربعة أقسام عقليّة:

1. أن يكون المعنى المتصوّر جزئيّا، و الموضوع له نفس ذلك الجزئيّ- أي إنّ الموضوع له معنى متصوّر بنفسه لا بوجهه-؛ و يسمّى هذا القسم: «الوضع خاصّ و الموضوع له خاصّ (1)».

2. أن يكون المتصوّر كلّيّا، و الموضوع له نفس ذلك الكلّي- أي إنّ الموضوع له كلّيّ‏

____________

- و تخصيصه به. و ذلك لأنّه ليس في الوضع التعيّني جعل و لا تخصيص، بل فيه اختصاص اللفظ بالمعنى الحاصل من كثرة الاستعمال.

و ناقش في هذا التقسيم الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول 1: 57، كما تعرّض للمناقشة فيه المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول 1: 29.

(1). الجملة الاسميّة في محلّ المنصوب الثاني ليسمّى.

28

متصوّر بنفسه لا بوجهه-؛ و يسمّى هذا القسم: «الوضع عامّ و الموضوع له عامّ».

3. أن يكون المتصوّر كلّيّا، و الموضوع له أفراد الكلّيّ لا نفسه- أي إنّ الموضوع له جزئيّ غير متصوّر بنفسه بل بوجهه-؛ و يسمّى هذا القسم: «الوضع عامّ و الموضوع له خاصّ».

4. أن يكون المتصوّر جزئيّا، و الموضوع له كلّيّا لذلك الجزئيّ؛ و يسمّى هذا القسم:

«الوضع خاصّ و الموضوع له عامّ».

إذا عرفت هذه الأقسام المتصوّرة العقليّة، فنقول: لا نزاع في إمكان الأقسام الثلاثة الأولى، كما لا نزاع في وقوع القسمين الأوّلين. و مثال الأوّل: الأعلام الشخصيّة، كمحمّد و علي و جعفر؛ و مثال الثاني: أسماء الأجناس، كماء و سماء و نجم و إنسان و حيوان.

و إنّما النزاع وقع في أمرين: الأوّل: في إمكان القسم الرابع. و الثاني: في وقوع الثالث بعد التسليم بإمكانه. و الصحيح عندنا استحالة الرابع و وقوع الثالث، و مثاله: الحروف و أسماء الإشارة و الضمائر و الاستفهام و نحوها على ما سيأتي (1).

5. استحالة القسم الرابع‏

أمّا استحالة الرابع- و هو الوضع الخاصّ و الموضوع له العامّ- فنقول في بيانها: إنّ النزاع في إمكان ذلك ناشئ من النزاع في إمكان أن يكون الخاصّ وجها و عنوانا للعامّ، و ذلك لما تقدّم أنّ المعنى الموضوع له لا بدّ من تصوّره بنفسه أو بوجهه؛ لاستحالة الحكم على المجهول، و المفروض في هذا القسم أنّ المعنى الموضوع له لم يكن متصوّرا، و إنّما تصوّر الخاصّ فقط، و إلّا لو كان متصوّرا بنفسه و لو بسبب تصوّر الخاصّ، كان من القسم الثاني، و هو الوضع العامّ و الموضوع له العامّ، و لا كلام في إمكانه بل في وقوعه كما تقدّم.

فلا بدّ حينئذ للقول بإمكان القسم الرابع من أن نفرض أنّ الخاصّ يصحّ أن يكون وجها من وجوه العامّ، و جهة من جهاته حتى يكون تصوّره كافيا عن تصوّر العامّ بنفسه، و مغنيا عنه؛ لأجل أن يكون تصوّرا للعامّ بوجه.

____________

(1). يأتي في الأمر السادس من المقدّمة.

29

و لكنّ الصحيح- الواضح لكلّ مفكّر- أنّ الخاصّ ليس من وجوه العامّ، بل الأمر بالعكس من ذلك؛ فإنّ العامّ هو وجه من وجوه الخاصّ، و جهة من جهاته. و لذا قلنا بإمكان القسم الثالث و هو «الوضع العامّ و الموضوع له الخاص»؛ لأنّا إذا تصوّرنا العامّ فقد تصوّرنا في ضمنه جميع أفراده بوجه، فيمكن الوضع لنفس ذلك العامّ من جهة تصوّره بنفسه، فيكون من القسم الثاني، و يمكن الوضع لأفراده من جهة تصوّرها بوجهها، فيكون من الثالث، بخلاف الأمر في تصوّر الخاصّ، فلا يمكن الوضع معه إلّا لنفس ذلك الخاصّ، و لا يمكن الوضع للعامّ؛ لأنّا لم نتصوّره أصلا، لا بنفسه بحسب الفرض و لا بوجهه؛ إذ ليس الخاصّ وجها له (1). و يستحيل الحكم على المجهول المطلق.

6. وقوع الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ، و تحقيق المعنى الحرفي‏

أمّا وقوع القسم الثالث: فقد قلنا: إنّ مثاله وضع الحروف، و ما يلحق بها من أسماء الإشارة و الضمائر و الموصولات و الاستفهام و نحوها.

و قبل إثبات ذلك لا بدّ من تحقيق معنى الحرف و ما يمتاز به عن الاسم، فنقول: الأقوال في وضع الحروف و ما يلحق بها من الأسماء ثلاثة:

1. إنّ الموضوع له في الحروف هو بعينه الموضوع له في الأسماء المسانخة لها في المعنى، فمعنى «من» الابتدائيّة هو عين معنى كلمة «الابتداء» بلا فرق، و كذا معنى «على» معنى كلمة «الاستعلاء»، و معنى «في» معنى كلمة «الظرفيّة» ... و هكذا.

و إنما الفرق في جهة أخرى، و هي أنّ الحرف وضع لأجل أن يستعمل في معناه إذا لوحظ ذلك المعنى حالة و آلة لغيره- أي إذا لوحظ المعنى غير مستقلّ في نفسه-، و الاسم وضع لأجل أن يستعمل في معناه إذا لو حفظ مستقلّا في نفسه؛ مثلا مفهوم «الابتداء» معنى واحد وضع له لفظان: أحدهما لفظ «الابتداء»، و الثاني كلمة «من»، لكنّ الأوّل وضع له؛

____________

(1). لا يخفى أنّ العامّ أيضا بما أنّه عامّ لا يمكن أن يكون مرآة للخاصّ بما أنّه خاصّ، فإنّا إذا تصوّرنا «الإنسان» بما أنّه إنسان لا يحكي إلّا عن الإنسانيّة الصرفة، نعم، إذا تصوّرناه بما أنّه صادق على الأفراد يحكي عنها بالإجمال.

30

لأجل أن يستعمل فيه عند ما يلاحظه المستعمل مستقلّا في نفسه، كما إذا قيل: «ابتداء السير كان سريعا»، و الثاني وضع له؛ لأجل أن يستعمل فيه عند ما يلاحظه المستعمل غير مستقلّ في نفسه، كما إذا قيل: «سرت من النجف».

فتحصّل أنّ الفرق بين معنى الحرف و معنى الاسم أنّ الأوّل يلاحظه المستعمل حين الاستعمال آلة لغيره، و غير مستقلّ في نفسه، و الثاني يلاحظه حين الاستعمال مستقلّا، مع أنّ المعنى في كليهما واحد. و الفرق بين وضعيهما إنمّا هو في الغاية فقط.

و لازم هذا القول أنّ الوضع و الموضوع له في الحروف عامّان. و هذا القول منسوب إلى الشيخ الرضيّ نجم الأئمّة (1)، و اختاره المحقّق صاحب الكفاية (2) (قدّس سرّه).

2. إنّ الحروف لم توضع لمعان أصلا، بل حالها حال علامات الإعراب في إفادة كيفيّة خاصّة في لفظ آخر، فكما أنّ علامة الرفع في قولهم: «حدّثنا زرارة» تدلّ على أنّ «زرارة» فاعل الحديث، كذلك «من» في مثال المتقدّم تدلّ على أنّ النجف مبتدأ منها و السير مبتدأ به.

3. إنّ الحروف موضوعة لمعان مباينة في حقيقتها و سنخها للمعاني الاسميّة؛ فإنّ المعاني الاسميّة في حدّ ذاتها معان مستقلّة في أنفسها، و معاني الحروف لا استقلال لها، بل هي متقوّمة بغيرها (3).

و الصحيح هذا القول الثالث. و يحتاج إلى توضيح و بيان.

إنّ المعاني الموجودة في الخارج على نحوين:

الأوّل: ما يكون موجودا في نفسه، ك «زيد» الذي هو من جنس الجوهر، و «قيامه»

____________

(1). ينسب إليه هذا القول و القول الثاني. و النسبة صحيحة بمقتضى ما في عباراته من الاختلاف، و إن كان الثاني ينافي تعريف المعنى الحرفيّ بعدم الاستقلال في المفهوميّة. راجع شرح الكافية 1: 9 و 10.

(2). كفاية الأصول: 25. و ناقش فيه بعض من تأخّر عنه كما في نهاية الأفكار 1: 41؛ و نهاية الأصول: 18؛ و المحاضرات 1: 57 و 58؛ و تنقيح الأصول 1: 38 و 39.

(3). ذهب إلى المباينة جماعة، و إن اختلفوا في كيفيّتها، فراجع الأسفار 1: 78- 82؛ فوائد الأصول 1: 42- 45؛ بدائع الأفكار (العراقي) 1: 42.

31

- مثلا- الذي هو من جنس العرض؛ فإنّ كلّا منهما موجود في نفسه. و الفرق أنّ الجوهر موجود في نفسه لنفسه، و العرض موجود في نفسه لغيره.

الثاني: ما يكون موجودا لا في نفسه، كنسبة القيام إلى زيد.

و الدليل على كون هذا المعنى لا في نفسه أنّه لو كان للنسب و الروابط وجودات استقلاليّة للزم وجود الرابط بينها و بين موضوعاتها، فننقل الكلام إلى ذلك الرابط، و المفروض أنّه موجود مستقلّ، فلا بدّ له من رابط أيضا ... و هكذا ننقل الكلام إلى هذا الرابط، فيلزم التسلسل، و التسلسل باطل.

فيعلم من ذلك أنّ وجود الروابط و النسب في حدّ ذاته متعلّق بالغير، و لا حقيقة له إلّا التعلّق بالطرفين.

ثمّ إنّ الإنسان في مقام إفادة مقاصده كما يحتاج إلى التعبير عن المعاني المستقلّة كذلك يحتاج إلى التعبير عن المعاني غير المستقلّة في ذاتها، فحكمة الوضع تقتضي أن توضع بإزاء كلّ من القسمين ألفاظ خاصّة، و الموضوع بإزاء المعاني المستقلّة هي الأسماء، و الموضوع بإزاء المعاني غير المستقلّة هي الحروف و ما يلحق بها. و هذه المعاني غير المستقلّة لمّا كانت على أقسام شتّى فقد وضع بإزاء كلّ قسم لفظ يدلّ عليه، أو هيئة لفظيّة تدلّ عليه؛ مثلا إذا قيل: «نزحت البئر في دارنا بالدلو» ففيه عدّة نسب مختلفة و معان غير مستقلّة:

إحداها: نسبة النزح إلى فاعله، و الدالّ عليها هيئة الفعل المعلوم.

و ثانيتها: نسبته إلى ما وقع عليه- أي مفعوله- و هو البئر، و الدالّ عليها هيئة النصب في الكلمة.

و ثالثتها: نسبته إلى المكان، و الدالّ عليها كلمة «في».

و رابعتها: نسبته إلى الآلة، و الدالّ عليها لفظ الباء في كلمة «بالدلو».

و من هنا يعلم أنّ الدالّ على المعاني غير المستقلّة ربما يكون لفظا مستقلا، كلفظة «من» و «إلى» و «في»، و ربما يكون هيئة في اللفظ، كهيئات المشتقّات، و الأفعال، و هيئات الإعراب.

32

* النتيجة

فقد تحقّق ممّا بيّنّاه أنّ الحروف لها معان تدلّ عليها، كالأسماء، و الفرق أنّ المعاني الاسميّة مستقلّة في أنفسها، و قابلة لتصوّرها في ذاتها، و إن كانت في الوجود الخارجيّ محتاجة إلى غيرها كالأعراض، و أمّا المعاني الحرفيّة فهي معان غير مستقلّة و غير قابلة للتصوّر إلّا في ضمن مفهوم آخر. و من هنا يشبّه كلّ أمر غير مستقلّ بالمعنى الحرفيّ.

* بطلان القولين الأوّلين‏

و على هذا، فيظهر بطلان القول الثاني القائل: إنّ الحروف لا معاني لها، و كذلك القول الأوّل القائل: إنّ المعنى الحرفيّ و الاسميّ متّحدان بالذات، مختلفان باللحاظ.

و يردّ هذا القول أيضا أنّه لو صحّ اتّحاد المعنيين لجاز استعمال كلّ من الحرف و الاسم في موضع الآخر، مع أنّه لا يصحّ بالبداهة حتى على نحو المجاز، فلا يصحّ بدل قولنا: «زيد في الدار»- مثلا- أن يقال: «زيد، الظرفيّة، الدار».

و قد أجيب عن هذا الإيراد (1) بأنّه إنّما لا يصحّ [استعمال‏] أحدهما في موضع الآخر؛ لأنّ الواضع اشترط ألّا يستعمل لفظ «الظرفيّة» إلّا عند لحاظ معناه مستقلّا، و لا يستعمل لفظ «في» إلّا عند لحاظ معناه غير مستقلّ، و آلة لغيره (2).

و لكنّه جواب غير صحيح؛ لأنّه لا دليل على وجوب اتّباع ما يشترطه الواضع إذا لم يكن اشتراطه يوجب اعتبار خصوصيّة في اللفظ و المعنى؛ و على تقدير أن يكون الواضع ممّن تجب طاعته فمخالفته توجب العصيان لا غلط الكلام (3).

____________

(1). و المجيب هو المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول: 27.

(2). بين المحقّقين النائينيّ و العراقيّ (رحمه اللّه) في تفسير كلام المحقّق الخراسانيّ اختلاف. و ما في المتن موافق لتفسير النائينيّ (رحمه اللّه). و الحقّ هو ما ذكره العراقيّ (رحمه اللّه). راجع فوائد الأصول 1: 33، نهاية الأفكار 1: 44- 45.

(3). و اعلم أنّ إيراد المصنّف لا يرد على ما هو الحقّ من تفسير المحقّق العراقيّ (رحمه اللّه).

33

* زيادة إيضاح‏

إذ قد عرفت أنّ الموجودات (1) منها ما يكون مستقلّا في الوجود، و منها ما يكون رابطا بين موجودين، فاعلم أنّ كلّ كلام مركّب من كلمتين أو أكثر إذا ألقيت كلماته بغير ارتباط بينها فإنّ كلّ واحدة منها كلمة مستقلّة في نفسها لا ارتباط لها بالأخرى، و إنّما الذي يربط بين المفردات و يؤلّفها كلاما واحدا هو الحرف أو إحدى الهيئات الخاصّة، فأنت إذا قلت- مثلا-: «أنا»، «كتبت»، «قلم»، لا يكون بين هذه الكلمات ربط، و إنّما هي مفردات صرفة منثورة. أمّا إذا قلت: «كتبت بالقلم»، كان كلاما واحدا، مرتبطا بعضه مع بعض، مفهما للمعنى المقصود منه. و ما حصل هذا الارتباط و الوحدة الكلاميّة إلّا بفضل الهيئة المخصوصة ل «كتبت» و حرف الباء و أل.

و عليه، فيصحّ أن يقال: إنّ الحروف هي روابط المفردات المستقلّة و المؤلّفة للكلام الواحد و الموحّدة للمفردات المختلفة، شأنها شأن النسبة بين المعاني المختلفة و الرابطة بين المفاهيم غير المربوطة. فكما أنّ النسبة رابطة بين المعاني و مؤلّفة بينها فكذلك الحرف الدالّ عليها رابط بين الألفاظ و مؤلّف بينها.

و إلى هذا أشار سيّد الأولياء أمير المؤمنين (عليه السّلام) بقوله المعروف في تقسيم الكلمات:

«الاسم ما أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، و الحرف ما أوجد معنى في غيره (2)». فأشار إلى أنّ المعاني الاسميّة معان استقلاليّة، و معاني الحروف غير مستقلّة في نفسها، و إنّما هي تحدث الربط بين المفردات. و لم نجد في تعاريف القوم للحرف تعريفا جامعا صحيحا مثل هذا التعريف.

____________

(1). ينبغي أن يقال للتوضيح: إنّ الموجودات على أربعة أنحاء: موجود في نفسه لنفسه بنفسه و هو واجب الوجود، و موجود في نفسه لنفسه بغيره و هو الجوهر كالجسم و النفس، و موجود في نفسه لغيره بغيره و هو العرض، و موجود في غيره و هو أضعفها و هو المعنى الحرفيّ المعبّر عنه بالربط، فالأقسام الثلاثة الأولى الموجودات المستقلّة، و الرابع عداها الذي هو المعنى الحرفيّ الذي لا وجود له إلّا وجود طرفيه- منه (رحمه اللّه)-.

(2). بحار الأنوار 40: 162؛ كنز العمال 10: 283 مع اختلاف بينهما، و ما في المتن يوافق ما في البحار.

34

* الوضع في الحروف عامّ و الموضوع له خاصّ (1)

إذا اتّضح جميع ما تقدّم، يظهر أنّ كلّ نسبة حقيقتها متقومة بطرفيها على وجه لو قطع النظر عن الطرفين لبطلت و انعدمت، فكلّ نسبة في وجودها الرابط مباينة لأيّة نسبة أخرى، و لا تصدق عليها، و هي في حدّ ذاتها مفهوم جزئيّ حقيقيّ.

و عليه، فلا يمكن فرض النسبة مفهوما كلّيّا ينطبق على كثيرين و هي متقوّمة بالطرفين، و إلّا لبطلت و انسلخت عن حقيقة كونها نسبة.

ثمّ إن النسب غير محصورة، فلا يمكن تصوّر جميعها للواضع، فلا بدّ في مقام الوضع لها من تصوّر معنى اسميّ يكون عنوانا للنسب غير المحصورة، حاكيا عنها، و ليس العنوان في نفسه نسبة، كمفهوم لفظ «النسبة الابتدائيّة» المشار به إلى أفراد النسب الابتدائيّة الكلاميّة، ثمّ يضع لنفس الأفراد غير المحصورة التى لا يمكن التعبير عنها إلّا بعنوانها. و بعبارة أخرى: إنّ الموضوع له هو النسبة الابتدائية بالحمل الشائع، و أمّا بالحمل الأوّلى فليست بنسبة حقيقة، بل تكون طرفا للنسبة، كما لو قلت: «الابتداء كان من هذا المكان».

و من هذا يعلم حال أسماء الإشارة و الضمائر و الموصولات و نحوها، فالوضع في الجميع عامّ و الموضوع له خاصّ (2).

____________

(1). اعلم أنّ الأقوال في وضع الحروف كثيرة، و إن شئت تفصيلها فراجع الفصول الغرويّة: 16؛ كفاية الأصول:

25- 26؛ فوائد الأصول 1: 57- 58؛ نهاية الأفكار 1: 53- 54.

(2). و الخلاف الموجود في وضع الحروف موجود في المقام أيضا.

35

تمرينات (2)

التمرين الأوّل 1. ما الدليل على عدم كون دلالة الألفاظ على معانيها ذاتيّة؟

2. ما حقيقة الوضع؟

3. من الواضع؟ (اذكر ما قيل في الواضع و الدليل على مختار المصنّف).

4. ما الفرق بين الوضع التعيينيّ و التعيّنيّ؟

5. ما المراد من قول المصنّف: «تصوّر الشي‏ء قد يكون بنفسه و قد يكون بوجهه»؟

6. ما هي أقسام الوضع عقلا و إمكانا و وقوعا؟ و اذكر لكلّ قسم مثالا.

7. بيّن وجه استحالة القسم الرابع (الوضع الخاصّ و الموضوع له العامّ).

8. اذكر الأقوال في الفرق بين المعنى الحرفي و المعنى الاسميّ.

9. ما هو مختار المصنّف في الفرق بينهما؟ و ما دليله عليه؟

10. ما الوجه في بطلان القولين الأوّلين في الفرق بينهما؟

11. الوضع في الحروف من أيّ الأقسام الأربعة؟ و ما الدليل عليه؟

التمرين الثاني:

1. اذكر أقوال العلماء في دلالة الألفاظ على معانيها.

2. بيّن إيراد المحقّق النائيني على تقسيم الوضع إلى التعيينيّ و التعيّني.

3. ما هو منشأ الخلاف في القول المنسوب إلى الشارح الرضيّ؟

4. اذكر آراء المحقّقين في كيفيّة مغايرة المعنى الحرفيّ و المعنى الاسميّ ذاتا.

5. بيّن ما يرد على القول الأوّل، و ما أجاب به المحقّق الخراسانيّ، و ما أورد المصنّف على ذلك الجواب.

6. اذكر أقوال العلماء في وضع الحروف.

36

7. الاستعمال حقيقيّ و مجازيّ‏

استعمال اللفظ في معناه الموضوع له «حقيقة»، و استعماله في غيره المناسب له «مجاز»، و في غير المناسب «غلط»، و هذا أمر محلّ وفاق.

و لكنّه وقع الخلاف في الاستعمال المجازيّ في أنّ صحّته هل هي متوقّفة على ترخيص الواضع و ملاحظة العلاقات المذكورة في علم البيان (1)، أو أنّ صحّته طبعيّة تابعة لاستحسان الذوق السليم فكلّما كان المعنى غير الموضوع له مناسبا للمعنى الموضوع له و استحسنه الطبع، صحّ استعمال اللفظ فيه و إلّا فلا؟

و الأرجح القول الثاني (2)؛ لأنّا نجد صحّة استعمال «الأسد» في «الرجل الشجاع» مجازا، و إن منع منه الواضع، و عدم صحّة استعماله مجازا في «كريه رائحة الفم»- كما يمثّلون- و إن رخّص الواضع. و مؤيّد ذلك اتّفاق اللغات المختلفة غالبا في المعاني المجازيّة، فترى في كلّ لغة يعبّر عن الرجل الشجاع باللفظ الموضوع للأسد. و هكذا في كثير من المجازات الشائعة عند البشر.

8. الدلالة تابعة للإرادة

قسّموا الدلالة إلى قسمين: التصوّريّة، و التصديقيّة:

1. التصوّريّة: و هي أن ينتقل ذهن الإنسان إلى معنى اللفظ بمجرّد صدوره من لافظ، و لو علم أنّ اللافظ لم يقصده، كانتقال الذهن إلى المعنى الحقيقيّ عند استعمال اللفظ في معنى مجازيّ، مع أنّ المعنى الحقيقيّ ليس مقصودا للمتكلّم، و كانتقال الذهن إلى المعنى من اللفظ الصادر من الساهي أو النائم أو الغالط.

2. التصديقيّة: و هي دلالة اللفظ على أنّ المعنى مراد للمتكلّم في اللفظ و قاصد لاستعماله فيه. و هذه الدلالة متوقّفة على عدّة أشياء: أوّلا: على إحراز كون المتكلّم في‏

____________

(1). المطوّل: 284- 286، مختصر المعاني: 155- 157.

(2). و هو ما اختاره في الكفاية: 28. و القول الأوّل منسوب إلى المشهور كما في المحاضرات 1: 92.

37

مقام البيان و الإفادة، و ثانيا: على إحراز أنّه جادّ غير هازل، و ثالثا: على إحراز أنّه قاصد لمعنى كلامه شاعر به، و رابعا: على عدم نصب قرينة على إرادة خلاف الموضوع له، و إلّا كانت الدلالة التصديقيّة على طبق القرينة المنصوبة.

و المعروف أنّ الدلالة الأولى (التصوّريّة) معلولة للوضع- أي أنّ الدلالة الوضعيّة هي الدلالة التصوّريّة-. و هذا هو مراد من يقول: «إنّ الدلالة غير تابعة للإرادة، بل تابعة لعلم السامع بالوضع» (1).

و الحقّ أنّ الدلالة تابعة للإرادة- و أوّل من تنبّه لذلك فيما نعلم، الشيخ نصير الدين الطوسيّ (قدّس سرّه) (2)-؛ لأنّ الدلالة في الحقيقة منحصرة في الدلالة التصديقيّة، و الدلالة التصوّريّة التي يسمّونها دلالة ليست بدلالة، و إن سمّيت كذلك فإنّه من باب التشبيه و التجوّز؛ لأنّ التصوّريّة في الحقيقة هي من باب تداعي المعاني الذي يحصل بأدنى مناسبة، فتقسيم الدلالة إلى تصديقيّة و تصوّريّة تقسيم الشي‏ء إلى نفسه و إلى غيره.

و السرّ في ذلك أنّ الدلالة حقيقة- كما فسّرناها في كتاب المنطق، الجزء الأوّل بحث الدلالة (3)- هي أن يكشف الدالّ عن وجود المدلول، فيحصل من العلم به العلم بالمدلول، سواء كان الدالّ لفظا أو غير لفظ، مثلا إنّ طرقة الباب يقال: إنّها دالّة على وجود شخص على الباب، طالب لأهل الدار؛ باعتبار أنّ المطرقة موضوعة لهذه الغاية. و تحليل هذا المعنى أنّ سماع الطرقة يكشف عن وجود طالب قاصد للطلب، فيحصل من العلم بالطرقة العلم بالطارق و قصده، و لذلك يتحرّك السامع إلى إجابته. لا أنّه ينتقل ذهن السامع من‏

____________

(1). الفصول الغرويّة: 17- 18.

(2). شرح الإشارات 1: 32. و نسبه إليه العلّامة الحلّي في الجوهر النضيد: 8، و إن تنظّر فيه.

و قد ينسب إليه و الشيخ الرئيس كما في الفصول الغرويّة: 17؛ و كفاية الأصول: 32. و التحقيق أنّ نسبة هذا القول إلى الشيخ الرئيس غير ثابتة. و أمّا قوله في الفصل الثامن من المقالة الأولى من الفنّ الأوّل من منطق الشفاء 1: 42: «لأنّ معنى دلالة اللفظ هو أن يكون اللفظ اسما لذلك المعنى على سبيل القصد الأوّل» فلا يشعر به.

(3). المنطق 1: 36 و 38.

38

تصوّر الطرقة إلى تصوّر شخص ما؛ فإنّ هذا الانتقال قد يحصل بمجرّد تصوّر معنى الباب، أو الطرقة من دون أن يسمع طرقة، و لا يسمّى ذلك دلالة. و لذا إنّ الطرقة لو كانت على نحو مخصوص يحصل من حركة الهواء- مثلا- لا تكون دالّة على ما وضعت له المطرقة و إن خطر في ذهن السامع معنى ذلك.

و هكذا نقول في دلالة الألفاظ على معانيها بدون فرق؛ فإنّ اللفظ إذا صدر من المتكلّم على نحو يحرز معه أنّه جادّ فيه غير هازل، و أنّه عن شعور و قصد، و أنّ غرضه البيان و الإفهام- و معنى إحراز ذلك أنّ السامع علم بذلك- فإنّ كلامه يكون حينئذ دالّا على وجود المعنى، أي وجوده في نفس المتكلّم بوجود قصديّ، فيكون علم السامع بصدور الكلام منه يستلزم علمه بأنّ المتكلّم قاصد لمعناه لأجل أن يفهمه السامع. و بهذا يكون الكلام دالّا كما تكون الطرقة دالّة. و ينعقد بهذا الكلام ظهور في معناه الموضوع له أو المعنى الذي أقيمت على إرادته قرينة.

و لذا نحن عرّفنا الدلالة اللفظيّة في [كتاب‏] المنطق بأنّها «هي كون اللفظ بحالة ينشأ من العلم بصدوره من المتكلّم العلم بالمعنى المقصود به (1)»؛ و من هنا سمّي المعنى «معنى» أي المقصود، من عناه إذا قصده.

و لأجل أن يتّضح هذا الأمر جيّدا اعتبر باللافتات التي توضع في هذا العصر للدلالة على أنّ الطريق مغلوق- مثلا- أو أنّ الاتّجاه في الطريق إلى اليمين أو اليسار، و نحو ذلك؛ فإنّ اللافتة إذا كانت موضوعة في موضعها اللائق على وجه منظّم بنحو يظهر منه أنّ وضعها لهداية المستطرقين كان مقصودا لواضعها؛ فإنّ وجودها هكذا يدلّ حينئذ على ما يقصد منها من غلق الطريق أو الاتّجاه. أمّا لو شاهدتها مطروحة في الطريق مهملة أو عند الكاتب يرسمها، فإنّ المعنى المكتوب يخطر في ذهن القارئ، و لكن لا تكون دالّة عنده على أنّ الطريق مغلوقة، أو أنّ الاتّجاه كذا، بل أكثر ما يفهم من ذلك أنّها ستوضع لتدلّ على هذا بعد ذلك، لا أنّ لها الدلالة فعلا.

____________

(1). المنطق 1: 39.

39

9. الوضع شخصيّ و نوعيّ‏

قد عرفت في المبحث الرابع (1) أنّه لا بدّ في الوضع من تصوّر اللفظ و المعنى، و عرفت هناك أنّ المعنى تارة يتصوّره الواضع بنفسه، و أخرى بوجهه و عنوانه، فاعرف هنا أنّ اللفظ أيضا كذلك، ربما يتصوّره الواضع بنفسه و يضعه للمعنى كما هو الغالب في الألفاظ، فيسمّى الوضع حينئذ: «شخصيّا» (2). و ربما يتصوّره بوجهه و عنوانه، فيسمّى الوضع:

«نوعيّا».

و مثال الوضع النوعيّ الهيئات؛ فإنّ الهيئة غير قابلة للتصوّر بنفسها، بل إنّما يصحّ تصوّرها في مادّة من موادّ اللفظ، كهيئة كلمة «ضرب»- مثلا- و هي هيئة الفعل الماضي، فإنّ تصوّرها لا بدّ أن يكون في ضمن الضاد و الراء و الباء، أو في ضمن الفاء و العين و اللام في «فعل». و لمّا كانت الموادّ غير محصورة و لا يمكن تصوّر جميعها فلا بدّ من الإشارة إلى أفرادها بعنوان عامّ (3)، فيضع كلّ هيئة تكون على زنة «فعل»- مثلا- أو زنة «فاعل» أو غيرهما، و يتوصّل إلى تصوّر ذلك العامّ بوجود الهيئة في إحدى الموادّ، كمادّة «فعل» التي جرت الاصطلاحات عليها عند علماء العربيّة.

10. وضع المركّبات‏

ثمّ الهيئة الموضوعة لمعنى، تارة تكون في المفردات، كهيئات المشتقّات التي تقدّمت الإشارة إليها، و أخرى في المركّبات، كالهيئة التركيبيّة بين المبتدأ و الخبر لإفادة حمل شي‏ء، على شي‏ء، و كهيئة تقديم ما حقّه التأخير لإفادة الاختصاص.

و من هنا تعرف أنّه لا حاجة إلى وضع الجمل و المركّبات في إفادة معانيها زائدا على‏

____________

(1). راجع الصفحة: 27.

(2). و المراد بالوضع الشخصيّ وضع اللفظ بوحدته الطبيعيّة و شخصيّته الذاتيّة، لا وضع شخص اللفظ الصادر من المتكلّم، فإنّه قد انقضى و انعدم و لا يمكن إعادته.

(3). أي بوضع عنوان عامّ و تصوّره.

40

وضع المفردات بالوضع الشخصيّ و الهيئات بالوضع النوعيّ- كما قيل (1)- بل هو لغو محض. و لعلّ من ذهب إلى وضعها أراد به وضع الهيئات التركيبيّة، لا الجملة بأسرها بموادّها و هيئاتها زيادة على وضع أجزائها، فيعود النزاع حينئذ لفظيّا (2).

11. علامات الحقيقة و المجاز

قد يعلم الإنسان- إمّا من طريق نصّ أهل اللغة أو لكونه نفسه من أهل اللغة- أنّ لفظ كذا موضوع لمعنى كذا، و لا كلام لأحد في ذلك؛ فإنّه من الواضح أنّ استعمال اللفظ في ذلك المعنى حقيقة و في غيره مجاز.

و قد يشكّ في وضع لفظ مخصوص لمعنى مخصوص، فلا يعلم أنّ استعماله فيه هل كان على سبيل الحقيقة فلا يحتاج إلى نصب قرينة عليه أو على سبيل المجاز، فيحتاج إلى نصب القرينة؟ و قد ذكر الأصوليّون لتعيين الحقيقة من المجاز- أي لتعيين أنّه موضوع لذلك المعنى أو غير موضوع- طرقا و علامات كثيرة نذكر هنا أهمّها.

العلامة الأولى: التبادر

دلالة كلّ لفظ على أيّ معنى لا بدّ لها من سبب. و السبب لا يخلو فرضه عن أحد أمور ثلاثة: المناسبة الذاتيّة، و قد عرفت بطلانها، أو العلقة الوضعيّة، أو القرينة الحاليّة أو المقاليّة. فإذا علم أنّ الدلالة مستندة إلى نفس اللفظ من غير اعتماد على قرينة فإنّه يثبت أنّها من جهة العلقة الوضعيّة. و هذا هو المراد بقولهم: «التبادر علامة الحقيقة». و المقصود من كلمة «التبادر» هو انسباق المعنى من نفس اللفظ مجرّدا عن كلّ قرينة.

و قد يعترض على ذلك بأنّ التبادر لا بدّ له من سبب، و ليس هو إلّا العلم بالوضع؛ لأنّ‏

____________

(1). و القائل كثير من الأصوليّين. منهم: صاحب الفصول، و المحقّق الخراسانيّ، و المحقّق العراقيّ. فراجع الفصول الغرويّة: 28؛ كفاية الأصول: 32؛ نهاية الأفكار 1: 65.

(2). هكذا وجّه المحقّق الخراسانيّ العبارات الموهمة للحاجة إلى وضع الجمل و المركّبات زائدا على وضع المفردات و الهيئات. راجع كفاية الأصول: 33.

41

من الواضح أنّ الانسباق لا يحصل من اللفظ إلى معناه- في أيّة لغة- لغير العالم بتلك اللغة، فيتوقّف التبادر على العلم بالوضع، فلو أردنا إثبات الحقيقة و تحصيل العلم بالوضع بسبب التبادر، لزم الدور المحال، فلا يعقل- على هذا- أن يكون التبادر علامة للحقيقة يستفاد منه العلم بالوضع، و المفروض أنّه مستفاد من العلم بالوضع.

و الجواب: أنّ كلّ فرد من أيّة أمّة يعيش معها لا بدّ أن يستعمل الألفاظ المتداولة عندها تبعا لها، و لا بدّ أن يرتكز في ذهنه معنى اللفظ ارتكازا يستوجب انسباق ذهنه إلى المعنى عند سماع اللفظ، و قد يكون ذلك الارتكاز من دون التفات تفصيليّ إليه و إلى خصوصيّات المعنى، فإذا أراد الإنسان معرفة المعنى و تلك الخصوصيّات و توجّهت نفسه إليه فإنّه يفتّش عمّا هو مرتكز في نفسه من المعنى، فينظر إليه مستقلّا عن القرينة، فيرى أنّ المتبادر من اللفظ الخاصّ ما هو من معناه الارتكازيّ، فيعرف أنّه حقيقة فيه.

فالعلم بالوضع لمعنى خاصّ بخصوصيّاته التفصيليّة- أي الالتفات التفصيليّ إلى الوضع و التوجّه إليه- يتوقّف على التبادر، و التبادر إنّما هو موقوف على العلم الارتكازيّ بوضع اللفظ لمعناه غير الملتفت إليه.

و الحاصل أنّ هناك علمين: أحدهما يتوقّف على التبادر و هو العلم التفصيليّ، و الآخر يتوقّف التبادر عليه و هو العلم الإجماليّ الارتكازيّ (1).

هذا الجواب بالقياس إلى العالم بالوضع، و أمّا بالقياس إلى غير العالم به فلا يعقل حصول التبادر عنده؛ لفرض جهله باللغة. نعم، يكون التبادر أمارة على الحقيقة عنده إذا شاهد التبادر عند أهل اللغة، يعني أنّ الأمارة عنده تبادر غيره من أهل اللغة. مثلا إذا شاهد الأعجميّ من أصحاب اللغة العربيّة انسباق أذهانهم من لفظ «الماء» المجرّد عن القرينة إلى الجسم السائل البارد بالطبع فلا بدّ أن يحصل له العلم بأنّ هذا اللفظ موضوع‏

____________

(1). قيّده بالارتكازيّ؛ لأنّ العلم الإجماليّ قد يطلق و يراد به ما كان متعلّقه مردّدا بين أمرين فصاعدا، قبال العلم التفصيليّ بأمر معيّن، و قد يطلق و يراد به ما يكون مرتكزا و مكنونا في خزانة النفس من دون التفات تفصيليّ إليه، و هذا هو المراد في المقام.

42

لهذا المعنى عندهم. و عليه فلا دور هنا؛ لأنّ علمه يتوقّف على التبادر، و التبادر يتوقّف على علم غيره.

العلامة الثانية: عدم صحّة السلب و صحّته، و صحّة الحمل و عدمها

ذكروا: أنّ عدم صحّة سلب اللفظ عن المعنى الذي يشكّ في وضعه له علامة أنّه حقيقة فيه، و أنّ صحّة السلب علامة على أنّه مجاز فيه.

و ذكروا أيضا: أنّ صحّة حمل اللفظ على ما يشكّ في وضعه له علامة الحقيقة، و عدم صحّة الحمل علامة على المجاز.

و هذا ما يحتاج إلى تفصيل و بيان، فلتحقيق الحمل و عدمه و السلب و عدمه نسلك الطرق الآتية:

1. نجعل المعنى الذي يشكّ في وضع اللفظ له «موضوعا»، و نعبّر عنه بأيّ لفظ كان يدلّ عليه.

ثمّ نجعل اللفظ المشكوك في وضعه لذلك المعنى «محمولا» بما له من المعنى الارتكازيّ.

ثمّ نجرّب أن نحمل بالحمل الأوّلي اللفظ بما له من المعنى المرتكز في الذهن على ذلك اللفظ الدالّ على المعنى المشكوك وضع اللفظ له. و الحمل الأوّلي ملاكه الاتّحاد في المفهوم و التغاير بالاعتبار (1)، و حينئذ إذا أجرينا هذه التجربة فإن وجدنا عند أنفسنا صحّة الحمل و عدم صحّة السلب علمنا تفصيلا بأنّ اللفظ موضوع لذلك المعنى، و إن وجدنا عدم صحّة الحمل و صحّة السلب علمنا أنّه ليس موضوعا لذلك المعنى، بل يكون استعماله فيه مجازا.

2. إذا لم يصحّ عندنا الحمل الأوّلي نجرّب أن نحمله هذه المرّة بالحمل الشائع الصناعيّ (2)

____________

(1). و قد شرحنا الحمل و أقسامه في الجزء الأوّل من المنطق: 93- 97.- منه (رحمه اللّه)-.

(2). يسمّي هذا الحمل بالشائع؛ لأجل شيوعه بين عامّة الناس، و بالصناعيّ؛ لأجل استعماله في صناعات العلوم.

43

الذي ملاكه الاتّحاد وجودا و التغاير مفهوما، و حينئذ، فإن صحّ الحمل علمنا أنّ المعنيين متّحدان وجودا، سواء كانت النسبة التساوي أو العموم من وجه (1) أو مطلقا (2)، و لا يتعيّن واحد منها بمجرّد صحّة الحمل، و إن لم يصحّ الحمل و صحّ السلب علمنا أنّهما متباينان.

3. نجعل موضوع القضية أحد مصاديق المعنى المشكوك وضع اللفظ له، لا نفس المعنى المذكور، ثمّ نجرّب الحمل- و ينحصر الحمل في هذه التجربة بالحمل الشائع- فإن صحّ الحمل، علم منه حال المصداق من جهة كونه أحد المصاديق الحقيقيّة لمعنى اللفظ الموضوع له، سواء كان ذلك المعنى نفس المعنى المذكور أو غيره المتّحد معه وجودا، كما يستعلم منه حال الموضوع له في الجملة من جهة شموله لذلك المصداق، بل قد يستعلم منه تعيين الموضوع له، مثل ما إذا كان الشكّ في وضعه لمعنى عامّ أو خاصّ، كلفظ «الصعيد» المردّد بين أن يكون موضوعا لمطلق وجه الأرض أو لخصوص التراب الخالص، فإذا وجدنا صحّة الحمل و عدم صحّة السلب بالقياس إلى غير التراب الخالص من مصاديق الأرض يعلم بالقهر تعيين وضعه لعموم الأرض.

و إن لم يصحّ الحمل و صحّ السلب علم أنّه ليس من أفراد الموضوع له و مصاديقه الحقيقيّة، و إذا كان قد استعمل فيه اللفظ، فالاستعمال يكون مجازا إمّا فيه رأسا أو في معنى يشمله و يعمّه.

تنبيه:

إنّ الدور الذي ذكر في التبادر يتوجّه إشكاله هنا أيضا. و الجواب عنه نفس الجواب هناك؛ لأنّ صحّة الحمل و صحّة السلب إنّما هما باعتبار ما للّفظ من المعنى المرتكز إجمالا، فلا تتوقّف العلامة إلّا على العلم الارتكازيّ، و ما يتوقّف على العلامة هو

____________

(1). إنّما يفرض العموم من وجه إذا كانت القضيّة مهملة.- منه (رحمه اللّه)-.

(2). نسبة التساوي نحو «الإنسان ضاحك»، و نسبة العموم من وجه كقولهم: «الحيوان أبيض»، و نسبة العموم مطلقا كقولهم: «زيد إنسان».

44

العلم التفصيليّ (1).

هذا كلّه بالنسبة إلى العارف باللغة. و أمّا الجاهل بها: فيرجع إلى أهلها في صحّة الحمل و السلب و عدمهما كالتبادر.

العلامة الثالثة: الاطّراد

و ذكروا من جملة علامات الحقيقة و المجاز الاطّراد و عدمه؛ فالاطّراد علامة الحقيقة، و عدمه علامة المجاز.

و معنى الاطّراد: أنّ اللفظ لا تختصّ صحّة استعماله في المعنى المشكوك بمقام دون مقام، و لا بصورة دون صورة، كما لا تختصّ بمصداق دون مصداق (2).

و الصحيح أنّ الاطّراد ليس علامة الحقيقة؛ لأنّ صحة استعمال اللفظ في معنى بما له من الخصوصيّات مرّة واحدة تستلزم صحّته دائما، سواء كان حقيقة أم مجازا، فالاطّراد لا يختصّ بالحقيقة حتى يكون علامة لها.

____________

(1). هذا، و الصحيح أنّ صحّة الحمل ليست علامة الحقيقة؛ لأنّ صحّة حمل شى‏ء على شي‏ء عند العرف و أبناء المحاورة إنّما تكشف عن عدم مباينة الموضوع و المحمول، و أمّا الاستعمال الحقيقي، فلا يكشف إلّا بمعونة التبادر. و التبادر أيضا إنّما يكشف عن المعنى الحقيقي بمعونة أصالة عدم النقل و أصالة اتّحاد العرفين.

و التفصيل في محلّه.

(2). و لا يخفى أنّ هذا التعريف للاطّراد جمع بين التعريف الذي ذكره المحقّق العراقيّ و التعريف الذي ذكره المحقّق الأصفهانيّ. فراجع نهاية الأفكار 1: 68؛ و نهاية الدراية 1: 51.

45

تمرينات (3)

التمرين الأوّل 1. ما الفرق بين الاستعمال الحقيقيّ و المجازيّ؟

2. صحة استعمال اللفظ فيما يناسب الموضوع له هل هو بالوضع أو بالطبع؟ و على كلا التقديرين ما الدليل عليه؟

3. ما الفرق بين الدلالة التصوريّة و الدلالة التصديقيّة؟ مثّل لهما.

4. هل الدلالة تابعة للإرادة أم لا؟ و على كلا التقديرين ما الدليل عليه؟

5. ما الفرق بين الوضع الشخصيّ و النوعيّ؟ مثّل لهما.

6. بيّن كيفيّة وضع المركّبات.

7. ما المراد بقولهم: «التبادر علامة الحقيقة»؟ و ما المقصود من كلمة «التبادر»؟

8. هل التبادر علامة الحقيقة أم لا؟ و على الأوّل كيف يدفع إشكال لزوم الدور؟

9. هل صحّة الحمل و عدم صحّة السلب علامتا الحقيقة أو لا؟ و على الأوّل ما الدليل عليه؟

10. كيف يدفع إشكال الدور على كون صحّة الحمل و عدم صحّة السلب علامتي الحقيقة؟

11. هل الاطّراد علامة الحقيقة أم لا؟ و على كلا التقديرين ما الدليل عليه؟

التمرين الثاني 1. ما هو رأي المحقّق الخراسانيّ و المحقّق الحائريّ في تبعيّة الدلالة للإرادة و عدمها؟

2. بيّن آراء العلماء فيما هو المراد من وضع المركّب في المقام.

3. ما المراء من الاطّراد؟ (اذكر آراء المتأخّرين).

46

12. الأصول اللفظيّة

تمهيد

اعلم أنّ الشكّ في اللفظ على نحوين:

1. الشكّ في وضعه لمعنى من المعاني.

2. الشكّ في المراد منه بعد فرض العلم بالوضع، كأن يشكّ في أنّ المتكلّم أراد بقوله:

«رأيت أسدا» معناه الحقيقيّ أو معناه المجازيّ مع العلم بوضع لفظ الأسد للحيوان المفترس، و بأنّه غير موضوع للرجل الشجاع؟

أمّا النحو الأوّل: فقد كان البحث السابق معقودا لأجله، لغرض بيان العلامات المثبتة للحقيقة أو المجاز- أي المثبتة للوضع أو عدمه-. و هنا نقول: إنّ الرجوع إلى تلك العلامات و أشباهها كنصّ أهل اللغة أمر لا بدّ منه في إثبات أوضاع اللغة أيّة لغة كانت، و لا يكفي في إثباتها أن نجد في كلام أهل تلك اللغة استعمال اللفظ في المعنى الذي شكّ في وضعه له؛ لأنّ الاستعمال كما يصحّ في المعنى الحقيقيّ يصحّ في المعنى المجازيّ، و ما يدرينا لعلّ المستعمل اعتمد على قرينة حاليّة أو مقاليّة في تفهيم المعنى المقصود له، فاستعمله فيه على سبيل المجاز. و لذا اشتهر في لسان المحقّقين- حتى جعلوه كقاعدة- قولهم: «إنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة و المجاز» (1).

و من هنا نعلم بطلان طريقة العلماء السابقين لإثبات وضع اللفظ بمجرّد وجدان استعماله في لسان العرب، كما وقع ذلك لعلم الهدى السيّد المرتضى (قدّس سرّه) (2)، فإنّه كان يجري أصالة الحقيقة في الاستعمال، بينما أنّ أصالة الحقيقة إنّما تجري عند الشكّ في المراد لا في الوضع، كما سيأتي.

و أمّا النحو الثاني: فالمرجع فيه لإثبات مراد المتكلّم الأصول اللفظية، و هذا البحث‏

____________

(1). قوانين الأصول 1: 81؛ الفصول الغرويّة: 41؛ و كفاية الأصول: 47؛ مفاتيح الأصول: 78 و غيرها من الكتب الأصوليّة.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 13.

47

معقود لأجلها، فينبغي الكلام فيها من جهتين:

أوّلا: في ذكرها و ذكر مواردها.

ثانيا: في حجيّتها و مدرك حجيّتها.

الأصول اللفظيّة و مواردها

أمّا من الجهة الأولى: فنقول: أهمّ الأصول اللفظيّة ما يأتي:

1. أصالة الحقيقة

و موردها ما إذا شكّ في إرادة المعنى الحقيقيّ أو المجازيّ من اللفظ بأن لم يعلم وجود القرينة على إرادة المجاز مع احتمال وجودها، فيقال حينئذ: «الأصل الحقيقة»، أي الأصل أن نحمل الكلام على معناه الحقيقيّ، فيكون حجّة فيه للمتكلّم على السامع، و حجّة فيه للسامع على المتكلّم، فلا يصحّ من السامع الاعتذار في مخالفة الحقيقة بأن يقول للمتكلّم:

«لعلّك أردت المعنى المجازيّ»، و لا يصحّ الاعتذار من المتكلّم بأن يقول للسامع: «إنّي أردت المعنى المجازيّ».

2. أصالة العموم‏

و موردها ما إذا ورد لفظ عامّ و شكّ في إرادة العموم منه أو الخصوص، أي شكّ في تخصيصه، فيقال حينئذ: «الأصل العموم»، فيكون حجّة في العموم على المتكلّم أو السامع.

3. أصالة الإطلاق‏

و موردها ما إذا ورد لفظ مطلق له حالات و قيود يمكن إرادة بعضها منه و شكّ في إرادة هذا البعض لاحتمال وجود القيد فيقال: «الأصل الإطلاق»، فيكون حجّة على السامع و المتكلّم؛ كقوله (تعالى): أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ (1)، فلو شكّ- مثلا- في البيع أنّه هل يشترط في‏

____________

(1). البقرة (2) الآية: 275.

48

صحّته أن ينشأ بألفاظ عربيّة؟ فإنّنا نتمسّك بأصالة إطلاق البيع في الآية لنفي اعتبار هذا الشرط و التقييد به، فنحكم حينئذ بجواز البيع بالألفاظ غير العربيّة.

4. أصالة عدم التقدير

و موردها ما إذا احتمل التقدير في الكلام و ليس هناك دلالة على التقدير فالأصل عدمه.

و يلحق بأصالة عدم التقدير أصالة عدم النقل و أصالة [عدم‏] الاشتراك. و موردهما ما إذا احتمل معنى ثان موضوع له اللفظ، فإن كان هذا الاحتمال مع فرض هجر المعنى الأوّل- و هو المسمّى ب «المنقول»- فالأصل عدم النقل، و إن كان مع عدم هذا الفرض- و هو المسمّى ب «المشترك»- فالأصل عدم الاشتراك؛ فيحمل اللفظ في كلّ منهما على إرادة المعنى الأوّل ما لم يثبت النقل و الاشتراك. أمّا إذا ثبت النقل فإنّه يحمل على المعنى الثاني، و إذا ثبت الاشتراك فإنّ اللفظ يبقى مجملا لا يتعيّن في أحد المعنيين إلّا بقرينة على القاعدة المعروفة في كلّ مشترك.

5. أصالة الظهور

و موردها ما إذا كان اللفظ ظاهرا في معنى خاصّ لا على وجه النصّ فيه الذي لا يحتمل معه الخلاف، بل كان يحتمل إرادة خلاف الظاهر، فإنّ الأصل حينئذ أن يحمل الكلام على الظاهر فيه.

و في الحقيقة أنّ جميع الأصول المتقدّمة راجعة إلى هذا الأصل؛ لأنّ اللفظ مع احتمال المجاز- مثلا- ظاهر في الحقيقة، و مع احتمال التخصيص ظاهر في العموم، و مع احتمال التقييد ظاهر في الإطلاق، و مع احتمال التقدير ظاهر في عدمه. فمؤدّى أصالة الحقيقة نفس مؤدّى أصالة الظهور في مورد احتمال المجاز، و مؤدّى أصالة العموم هو نفس مؤدّى أصالة الظهور في مورد احتمال التخصيص ... و هكذا في باقي الأصول المذكورة.

فلو عبّرنا بدلا عن كلّ من هذه الأصول بأصالة الظهور كان التعبير صحيحا مؤدّيا للغرض، بل كلّها يرجع اعتبارها إلى اعتبار أصالة الظهور، فليس عندنا في الحقيقة إلّا

49

أصل واحد هو «أصالة الظهور»، و لذا لو كان الكلام ظاهرا في المجاز و احتمل إرادة الحقيقة انعكس الأمر، و كان الأصل من اللفظ المجاز، بمعنى أنّ الأصل الظهور، و مقتضاه الحمل على المعنى المجازيّ، و لا تجري أصالة الحقيقة حينئذ. و هكذا لو كان الكلام ظاهرا في التخصيص أو التقييد.

حجيّة الأصول اللفظيّة

و هي الجهة الثانية من البحث عن الأصول اللفظيّة، و البحث عنها يأتي في بابه- و هو باب مباحث الحجّة (1)-. و لكن ينبغي الآن أن نتعجّل في البحث عنها؛ لكثرة الحاجة إليها، مكتفين بالإشارة، فنقول:

إنّ المدرك و الدليل في جميع الأصول اللفظية واحد، و هو تباني العقلاء في الخطابات الجارية بينهم على الأخذ بظهور الكلام، و عدم الاعتناء باحتمال إرادة خلاف الظاهر، كما لا يعتنون باحتمال الغفلة، أو الخطأ، أو الهزل، أو إرادة الإهمال و الإجمال، فإذا احتمل الكلام المجاز أو التخصيص أو التقييد أو التقدير لا يوقفهم ذلك عن الأخذ بظاهره، كما يلغون أيضا احتمال الاشتراك و النقل و نحوهما.

و لا بدّ أنّ الشارع قد أمضى هذا البناء، و جرى في خطاباته على طريقتهم هذه، و إلّا لزجرنا و نهانا عن هذا البناء في خصوص خطاباته، أو لبيّن لنا طريقته لو كان له غير طريقتهم طريقة خاصّة يجب اتّباعها، و لا يجوز التعدّي عنها إلى غيرها، فيعلم من ذلك على سبيل الجزم أنّ الظاهر حجّة عنده كما هو عند العقلاء بلا فرق.

13. الترادف و الاشتراك‏

لا ينبغي الإشكال في إمكان الترادف و الاشتراك، بل في وقوعهما في اللغة العربيّة، فلا يصغى إلى مقالة من أنكرهما (2). و هذه بين أيدينا اللغة العربيّة و وقوعهما فيها واضح‏

____________

(1). يأتي في مبحث «وجه حجّية الظهور» من الباب الخامس من المقصد الثالث: 494 و 495.

(2). كتغلب و الأبهريّ و البلخيّ على ما في مفاتيح الأصول: 23. و كالمحقّق النهاونديّ في تشريح الأصول:

47.

50

لا يحتاج إلى بيان.

و لكن ينبغي أن نتكلّم في نشأتهما، فإنّه يجوز أن يكونا من وضع واضع واحد، بأن يضع شخص واحد لفظين لمعنى واحد أو لفظا لمعنيين، و يجوز أن يكونا من وضع واضعين متعدّدين، فتضع قبيلة- مثلا- لفظا لمعنى و قبيلة أخرى لفظا آخر لذلك المعنى، أو تضع قبيلة لفظا لمعنى و قبيلة اخرى ذلك اللفظ لمعنى آخر. و عند الجمع بين هذه اللغات باعتبار أنّ كلّ لغة منها لغة عربيّة صحيحة يجب اتّباعها يحصل الترادف و الاشتراك.

و الظاهر أنّ الاحتمال الثاني أقرب إلى واقع اللغة العربيّة، كما صرّح به بعض المؤرّخين للّغة (1)، و على الأقلّ فهو الأغلب في نشأة الترادف و الاشتراك، و لذا نسمع علماء العربيّة يقولون: لغة الحجاز كذا، و لغة حمير كذا، و لغة تميم كذا ... و هكذا. فهذا دليل على تعدّد الوضع بتعدّد القبائل و الأقوام و الأقطار في الجملة. و لا تهمّنا الإطالة في ذلك.

تمرينات (4)

1. ما المراد من قولهم: «إنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة و المجاز»؟

2. ما هي طريقة العلماء السابقين في إثبات وضع اللفظ؟

3. ما المراد من أصالة الحقيقة؟

4. ما المراد من أصالة العموم و أصالة الإطلاق؟

5. ما المراد من أصالة عدم التقدير؟

6. ما المراد من أصالة الظهور؟

7. ما الدليل على حجّيّة الأصول اللفظيّة؟

8. ما الفرق بين الترادف و الاشتراك؟

9. ما هو المنشأ في تحقّق الترادف و الاشتراك؟

____________

(1). و هو عبد الرحمن جلال الدين السيوطيّ في المزهر 1: 369.

51

استعمال اللفظ في أكثر من معنى‏

و لا شكّ في جواز استعمال اللفظ المشترك في أحد معانيه بمعونة القرينة المعيّنة، و على تقدير عدم القرينة يكون اللفظ مجملا لا دلالة له على أحد معانيه.

كما لا شبهة في جواز استعماله في مجموع معانيه بما هو مجموع المعاني، غاية الأمر يكون هذا الاستعمال مجازا يحتاج إلى القرينة؛ لأنّه استعمال للّفظ في غير ما وضع له.

و إنّما وقع البحث و الخلاف في جواز إرادة أكثر من معنى واحد من المشترك في استعمال واحد، على أن يكون كلّ من المعاني مرادا من اللفظ على حدة، و كأنّ اللفظ قد جعل للدلالة عليه وحده.

و للعلماء في ذلك أقوال و تفصيلات كثيرة لا يهمّنا الآن التعرّض لها (1). و إنّما الحقّ عندنا عدم جواز مثل هذا الاستعمال.

الدليل أنّ استعمال أيّ لفظ في معنى إنّما هو بمعنى إيجاد ذلك المعنى باللفظ، لكن لا بوجوده الحقيقيّ، بل بوجوده الجعليّ التنزيليّ؛ لأنّ وجود اللفظ وجود للمعنى تنزيلا.

فهو وجود واحد ينسب إلى اللفظ حقيقة أوّلا و بالذات، و إلى المعنى تنزيلا ثانيا و بالعرض (2)، فإذا أوجد المتكلّم اللفظ لأجل استعماله في المعنى فكأنّما أوجد المعنى و ألقاه بنفسه إلى المخاطب. فلذلك يكون اللفظ ملحوظا للمتكلّم بل للسامع آلة و طريقا للمعنى، و فانيا فيه، و تبعا للحاظه، و الملحوظ بالأصالة و الاستقلال هو المعنى نفسه.

و هذا نظير الصورة في المرآة؛ فإنّ الصورة موجودة بوجود المرآة، و الوجود الحقيقيّ للمرآة، و هذا الوجود نفسه ينسب إلى الصورة ثانيا و بالعرض. فإذا نظر الناظر إلى الصورة في المرآة فإنّما ينظر إليها بطريق المرآة بنظرة واحدة هي للصورة بالاستقلال و الأصالة، و للمرآة بالآليّة و التبع، فتكون المرآة كاللفظ ملحوظة تبعا للحاظ الصورة، و فانية فيها فناء

____________

(1). و من أرادها فليراجع معالم الدين: 32- 34؛ بدائع الأفكار «الرشتي»: 163؛ و كفاية الأصول: 53؛ مقالات الأصول 1: 162- 163؛ فوائد الأصول 1: 51؛ مناهج الوصول 1: 18؛ المحاضرات 1: 210.

(2). راجع عن توضيح الوجود اللفظي للمعنى الجزء الأوّل من المنطق: 30 من الطبعة الثانية للمؤلّف.

52

العنوان في المعنون (1).

و على هذا، فلا يمكن استعمال لفظ واحد إلّا في معنى واحد؛ فإنّ استعماله في معنيين مستقلّا- بأن يكون كلّ منهما مرادا من اللفظ على حدة، كما إذا لم يكن إلّا نفسه- يستلزم لحاظ كلّ منهما بالأصالة، فلا بدّ من لحاظ اللفظ في آن واحد مرّتين بالتبع، و معنى ذلك اجتماع لحاظين في آن واحد على ملحوظ واحد، أعني به (2) اللفظ الفاني في كلّ من المعنيين، و هو محال بالضرورة؛ فإنّ الشي‏ء الواحد لا يقبل إلّا وجودا واحدا في النفس في آن واحد (3).

أ لا ترى أنّه لا يمكن أن يقع لك أن تنظر في مرآة واحدة إلى صورة تسع المرآة كلّها، و تنظر- في نفس الوقت- إلى صورة أخرى تسعها أيضا. إنّ هذا لمحال.

و كذلك النظر في اللفظ إلى معنيين، على أن يكون كلّ منهما قد استعمل فيه اللفظ مستقلّا، و لم يحك إلّا عنه.

نعم، يجوز لحاظ اللفظ فانيا في معنى في استعمال، ثمّ لحاظه فانيا في معنى آخر في استعمال ثان، مثل ما تنظر في المرآة إلى صورة تسعها، ثمّ تنظر في وقت آخر إلى صورة أخرى تسعها.

و كذا يجوز لحاظ اللفظ في مجموع معنيين في استعمال واحد و لو مجازا، مثلما تنظر في المرآة في آن واحد إلى صورتين لشيئين مجتمعين. و في الحقيقة إنّما استعملت اللفظ في معنى واحد هو مجموع المعنيين، و نظرت في المرآة إلى صورة واحدة لمجموع الشيئين.

تنبيهان‏

الأوّل: أنّه لا فرق في عدم جواز الاستعمال في المعنيين بين أن يكونا حقيقيّين أو

____________

(1). من قوله: «و هذا نظير الصورة» إلى هنا اقتباس من كلام المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول: 53.

(2). أي الملحوظ الواحد.

(3). انتهى ما استدلّ به المحقّق النائينيّ على عدم جواز الاستعمال، كما في أجود التقريرات 1: 76؛ و ناقش فيه السيّد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات 1: 206. و مناقشته تبتني على مبناه في حقيقية الوضع.

53

مجازيّين أو مختلفين؛ فإنّ المانع- و هو تعلّق لحاظين بملحوظ واحد في آن واحد- موجود في الجميع، فلا يختصّ بالمشترك كما اشتهر.

الثاني: ذكر بعضهم (1) أنّ الاستعمال في أكثر من معنى إن لم يجز في المفرد يجوز في التثنية و الجمع، بأن يراد من كلمة «عينين»- مثلا- فرد من العين الباصرة و فرد من العين النابعة، فلفظ «عين»- و هو مشترك- قد استعمل حال التثنية في معنيين: في الباصرة، و النابعة. و هذا شأنه في الإمكان و الصحّة شأن ما لو أريد معنى واحد من كلمة «عينين»، بأن يراد فردان من العين الباصرة- مثلا- فإذا صحّ هذا فليصحّ ذلك بلا فرق.

و استدلّ على ذلك بما ملخّصه: أنّ التثنية و الجمع في قوّة تكرار الواحد بالعطف، فإذا قيل: «عينان» فكأنّما قيل: «عين و عين». و إذ يجوز في قولك: «عين و عين» أن تستعمل أحدهما في الباصرة، و الثانية في النابعة فكذلك ينبغي أن يجوز فيما هو بقوّتهما، أعني «عينين»، و كذا الحال في الجمع.

و الصحيح عندنا عدم الجواز في التثنية و الجمع، كالمفرد. و الدليل: (2) أنّ التثنية و الجمع و إن كانا موضوعين لإفادة التعدّد، إلّا أنّ ذلك من جهة وضع الهيئة في قبال وضع المادّة، و هي- أي المادّة- نفس لفظ المفرد الذي طرأت عليه التثنية و الجمع، فإذا قيل: «عينان»- مثلا- فإن اريد من المادّة خصوص الباصرة- مثلا- فالتعدّد يكون بالقياس إليها (3)، أي فردان منها، و إن أريد منها خصوص النابعة- مثلا- فالتعدّد يكون بالقياس إليها، فلو اريد الباصرة و النابعة، فلا بدّ أن يراد التعدّد من كلّ منهما- أي فردان من الباصرة و فردان من النابعة (4)-، لكنّه مستلزم لاستعمال المادّة في أكثر من معنى، و قد عرفت استحالته.

و أمّا أنّ التثنية و الجمع في قوّة تكرار الواحد فمعناه أنّهما تدلّان على تكرار أفراد المعنى المراد من المادّة، لا تكرار نفس المعنى المراد منهما. فلو أريد من استعمال التثنية أو

____________

(1). و هو صاحب المعالم في معالم الدين: 32- 34.

(2). و هذا الدليل ما نهج السيّد الخوئي في مناقشته لصاحب المعالم، فراجع المحاضرات 1: 211.

(3). أي الباصرة.

(4). و الموجود في بعض النسخ المطبوعة: «أي فرد من الباصرة و فرد من النابعة»، و لكن الصحيح ما في المتن.

54

الجمع فردان أو أفراد من طبيعتين أو طبائع متعدّدة لا يمكن ذلك أبدا إلّا أن يراد من المادّة «المسمّى بهذا اللفظ» على نحو المجاز، فتستعمل المادّة في معنى واحد و هو معنى «مسمّى هذا اللفظ» و إن كان مجازا، نظير الأعلام الشخصيّة غير القابلة لعرض (1) التعداد على مفاهيمها الجزئية إلّا بتأويل المسمّى، فإذا قيل: «محمّدان» فمعناه فردان من المسمّى بلفظ «محمّد»، فاستعملت المادّة- و هي لفظ محمّد- في مفهوم «المسمّى» مجازا.

تمرينات (5)

التمرين الأوّل 1. ما المراد من استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد؟

2. هل استعمال اللفظ في أكثر من معنى جائز أم لا؟ ما الدليل عليه؟

3. هل عدم جواز الاستعمال يختصّ بالمشترك أم لا؟

4. كيف استدلّ صاحب المعالم على جواز الاستعمال في الأكثر في التثنية و الجمع؟ و ما الجواب عن استدلاله؟

التمرين الثاني 1. ما هي الأقوال في استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد؟

____________

(1). و في المطبوع «لعروض» و لكن «العروض» لا تساعده اللغة.

55

14. الحقيقة الشرعيّة

لا شكّ في أنّا- نحن المسلمين- نفهم من بعض الألفاظ المخصوصة، كالصلاة و الصوم و نحوهما، معاني خاصّة شرعيّة، و نجزم بأنّ هذه المعاني حادثة لم يكن يعرفها أهل اللغة العربيّة قبل الإسلام، و إنّما نقلت تلك الألفاظ من معانيها اللغوية إلى هذه المعاني الشرعيّة.

هذا لا شكّ فيه، و لكنّ الشكّ وقع عند الباحثين في أنّ هذا النقل وقع في عصر الشارع المقدّس على نحو الوضع التعييني أو التعيّني، فتثبت الحقيقة الشرعيّة، أو أنّه وقع في عصر بعده على لسان أتباعه المتشرّعة، فلا تثبت الحقيقة الشرعيّة، بل الحقيقة المتشرعيّة؟.

و الفائدة من هذا النزاع تظهر في الألفاظ الواردة في كلام الشارع مجرّدة عن القرينة، سواء كانت في القرآن الكريم أم السنّة. فعلى القول الأوّل يجب حملها على المعاني الشرعيّة، و على الثاني تحمل على المعاني اللغويّة، أو يتوقّف فيها فلا تحمل على المعاني الشرعيّة و لا على اللغويّة، بناء على رأي من يذهب إلى التوقّف فيما إذا دار الأمر بين المعنى الحقيقيّ و بين المجاز المشهور (1)؛ إذ من المعلوم أنّه إذا لم تثبت الحقيقة الشرعيّة فهذه المعاني المستحدثة تكون- على الأقلّ- مجازا مشهورا في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله).

و التحقيق في المسألة أن يقال: إنّ نقل تلك الألفاظ إلى المعاني المستحدثة إمّا بالوضع التعيينيّ أو التعيّنيّ:

أمّا الأوّل: فهو مقطوع العدم؛ لأنّه لو كان لنقل إلينا بالتواتر، أو بالآحاد على الأقلّ؛ لعدم الداعي إلى الإخفاء، بل الدواعي متظافرة على نقله، مع أنّه لم ينقل ذلك أبدا.

و أمّا الثاني: فهو ممّا لا ريب فيه بالنسبة إلى زمان إمامنا أمير المؤمنين (عليه السّلام)؛ لأنّ اللفظ إذا استعمل في معنى خاصّ في لسان جماعة كثيرة زمانا معتدّا به- لا سيّما إذا كان المعنى جديدا- يصبح حقيقة فيه بكثرة الاستعمال، فكيف إذا كان ذلك عند المسلمين قاطبة في سنين متمادية؟! فلا بدّ- إذن- من حمل تلك الألفاظ على المعاني المستحدثة فيما إذا

____________

(1). القول بالتوقّف فيما إذا دار الأمر بين المعنى الحقيقيّ و بين المجاز المشهور منسوب إلى المشهور، كما نسبه إليهم المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية 1: 56.

56

تجرّدت عن القرائن في روايات الأئمّة (عليهم السّلام).

نعم، كونها حقيقة فيها في خصوص زمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) غير معلوم، و إن كان غير بعيد، بل من المظنون ذلك، و لكن الظنّ في هذا الباب لا يغني من الحقّ شيئا، غير أنّه لا أثر لهذا الجهل، نظرا إلى أنّ السنّة النبويّة غير مبتلى بها إلّا ما نقل لنا من طريق آل البيت (عليهم السّلام) على لسانهم، و قد عرفت الحال في كلماتهم أنّه لا بدّ من حملها على المعاني المستحدثة.

و أمّا القرآن المجيد: فأغلب ما ورد فيه من هذه الألفاظ أو كلّه محفوف بالقرائن المعيّنة لإرادة المعنى الشرعيّ، فلا فائدة مهمّة في هذا النزاع بالنسبة إليه. على أنّ الألفاظ الشرعيّة ليست على نسق واحد؛ فإنّ بعضها كثير التداول، كالصلاة و الصوم و الزكاة و الحجّ، لا سيّما الصلاة التي يؤدّونها كلّ يوم خمس مرّات، فمن البعيد جدّا ألّا تصبح حقائق في معانيها المستحدثة بأقرب وقت في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله).

الصحيح و الأعمّ‏

من ملحقات المسألة السابقة مسألة «الصحيح و الأعمّ». فقد وقع النزاع في أنّ ألفاظ العبادات أو المعاملات أ هي أسام موضوعة للمعاني الصحيحة أو للأعمّ منها و من الفاسدة؟

و قبل بيان المختار لا بدّ من تقديم مقدّمات:

الأولى: أنّ هذا النزاع لا يتوقّف على ثبوت الحقيقة الشرعيّة (1)؛ لأنّه قد عرفت أنّ هذه الألفاظ مستعملة في لسان المتشرّعة بنحو الحقيقة و لو على نحو الوضع التعيّني عندهم.

و لا ريب أنّ استعمالهم كان يتبع الاستعمال في لسان الشارع، سواء كان استعماله على نحو الحقيقة أو المجاز.

فإذا عرفنا- مثلا- أنّ هذه الألفاظ في عرف المتشرّعة كانت حقيقة في خصوص الصحيح يستكشف منه أنّ المستعمل فيه في لسان الشارع هو الصحيح أيضا، مهما كان‏

____________

(1). خلافا لصاحب الفصول، فإنّه قال: «و هذا النزاع إنّما يتفرّع على القول بأنّ هذه الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها الشرعيّة». و تبعه المحقّق الخراسانيّ، فقال: «لا شبهة في تأتّي الخلاف على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة». الفصول الغرويّة: 46؛ كفاية الأصول: 38.