أصول الفقه - ج6

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
536 /
1

-

2

المنضّد: تنضيد الكفيل: 7812689211- 7706379103

3

[مباحث القطع‏]

قوله: و المراد من المكلّف هو خصوص المجتهد ... الخ‏ (1).

[الواقعة التي يبتلى بها المكلّف إمّا أن تكون من قبيل الشبهات الحكمية، و إمّا أن تكون من قبيل الشبهات الموضوعية]

لا يخفى أنّ الواقعة التي يبتلى بها المكلّف إمّا أن تكون من قبيل الشبهات الحكمية، و إمّا أن تكون من قبيل الشبهات الموضوعية.

أمّا الشبهات الحكمية فحاصل الكلام فيها يكون في مقامات أربعة

، لأنّ الجاري فيها إمّا أن يكون من قبيل الأمارات، و إمّا أن يكون من قبيل الأُصول الاحرازية، و إمّا أن يكون من قبيل الأُصول الشرعية غير الاحرازية، و إمّا أن يكون الجاري فيها هو الأُصول العقلية.

أمّا المقام الأوّل، [ما يكون من قبيل الأمارات‏]

فمثاله الرواية الدالّة على وجوب السورة و جزئيتها في الصلاة، فقد قالوا إنّ إعمالها من خصائص المجتهد. و لا بدّ من شرح هذا الاختصاص، فإنّ فيه خفاءً، حيث إنّ مدلول تلك الأمارة و هو وجوب السورة لا

____________

(1) بسم اللَّه الرحمن الرحيم و له الحمد وعليه نتوكّل و به نستعين. و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين. لقد منّ اللَّه تعالى على هذا العبد باستمرار الدرس من هذه المباحث و إليها، و نسأله تعالى التوفيق و الاستمرار على ذلك، إنّه هو الموفّق و منه تعالى نستمدّ المعونة إن شاء اللَّه تعالى. الاثنين 26 جمادى الأُولى سنة 1378 الأقل حسين الحلّي.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم و بحمد اللَّه و فضله قد استمرّ الدرس منها و إليها، و شرعنا منها في يوم السبت 28 ربيع الثاني سنة 1384 و نسأله تعالى التوفيق إنّه أرحم الراحمين [منه (قدّس سرّه)‏].

(1) فوائد الأُصول 3: 3.

4

يختصّ بالمجتهد، كما أنّ حجّيتها و كشفها التعبّدي عن الواقع المستفادة من مثل آية النبأ أو الروايات أو السيرة الدالّة على ذلك لا يختصّ به أيضاً، لكن لمّا كان أثر الحجّية و هو تنجيز الواقع فيما أصابت و العذر فيما أخطأت، و كذلك صحّة الإخبار عن الحكم الواقعي و هو وجوب السورة، كلّ هذه الآثار متوقّفة على الوصول و العلم بالحجّية المزبورة، و لا يمكن حصول ذلك إلّا للمجتهد، كانت تلك الآثار منحصرة بالمجتهد.

و من هذه الجهة صحّ لنا أن نقول إنّ حجّيتها منحصرة بالمجتهد، فتلك الأمارة بعد تمامية حجّيتها عند المجتهد تنجّز عليه وجوب السورة فيلزمه العمل على طبقها، فإن أصابت الواقع كانت منجّزة له، و إن أخطأت كان معذوراً، هذا بالقياس إلى عمل نفسه.

و أمّا بالقياس إلى عمل العامي المقلّد له، فيكون أثر قيام تلك الأمارة عند ذلك المجتهد هو كونها مصحّحة لإخباره عن الحكم الواقعي، و أنّه هو وجوب السورة حسب قيام تلك الأمارة عنده، و هذا الاخبار عبارة عن الفتوى، و هذا الاخبار من المجتهد يكون هو الحجّة على المقلّد له، و يستحيل في حقّه حجّية نفس تلك الأمارة، لكون حجّيتها مشروطة بالقيام عنده و وصولها إليه، و هو عاجز عن ذلك.

و من ذلك يظهر لك الكلام في‏

المقام الثاني‏ أعني الأُصول الشرعية الاحرازية،

فإنّ المجتهد بعد إعماله لها يكون قد أحرز الواقع، فيصحّ له الإخبار به اعتماداً عليها، و هذا الاخبار يكون حجّة على العامي. من دون فرق في ذلك بين كون ذلك التكليف الثابت عند المجتهد بالأمارة أو الأصل الاحرازي مشتركاً بينه و بين مقلّده كما مثّلنا من وجوب السورة، أو يكون مختصّاً بالمقلّد كما في أحكام‏

5

الحيض و النفاس و نحوهما ممّا لا تعلّق له بالمجتهد إلّا باعتبار الأثر الثالث، و هو صحّة الاخبار عن الواقع الذي أدّت إليه تلك الأمارة، أو أدّى إليه ذلك الأصل الاحرازي.

أمّا الكلام في المقام الثالث، و هو موارد الأُصول الشرعية غير الاحرازية

مثل البراءة الشرعية و نحوها، مثل أصالة البراءة عن وجوب الاستعاذة مثلًا قبل الفاتحة في الصلاة، و مثل أصالة البراءة عن حرمة حمل المصحف للحائض، فقد يشكل في مثل ذلك بأنّ البراءة إنّما تجري في حقّ الشاكّ الذي يكون متعلّق شكّه تكليفاً راجعاً إلى نفسه دون غيره، فالبراءة في المثال الأوّل و إن جرت في حقّ المجتهد باعتبار تكليف نفسه، إلّا أنّ ذلك لا دخل له بالمقلّد العامي، لأنّ ذلك التكليف و إن كان تكليفاً للمقلّد أيضاً إلّا أنّه لا عبرة بشكّه، فلا يصدق عليه أنّه شاكّ في ذلك التكليف الواقعي كي تجري في حقّه البراءة المذكورة.

أمّا المثال الثاني فبناءً على الإشكال المذكور لا يكون فيه إجراء البراءة ممكناً، لا بالنسبة إلى المجتهد لأنّه و إن كان شاكّاً إلّا أنّ متعلّق ذلك الشكّ ليس تكليفاً له، و لا بالنسبة إلى المقلّد لأنّ متعلّق الشكّ و إن كان تكليفاً راجعاً إليه، إلّا أنّه لعدم العبرة بشكّه لا يكون داخلًا في عموم الشكّ و عدم العلم بالحكم الواقعي الذي هو موضوع البراءة الشرعية.

و هذا الإشكال إنّما نشأ من هذه الكلمة و هي أنّه لا عبرة بشكّ العامي الظاهرة في إلغاء شكّه و أنّه لا حكم له لذلك الشكّ، مع أنّه متحقّق وجداناً، و أقصى ما في البين هو أنّ كون عدم علمه و شكّه موضوعاً للبراءة الشرعية متوقّف على الفحص، و لا ريب أنّ الفحص عن الحجّة في قبال البراءة المذكورة، و تلك الحجّة التي يفحص عنها العامي ليست هي الحجّة الأوّلية على الحكم الواقعي،

6

أعني الرواية أو الاستصحاب الجاريين في الحكم المذكور، لأنّ الحصول على ذلك النحو من الحجّة بل الفحص عنه لا يكون مقدوراً له، فلا يكون فحصه حينئذ إلّا فحصاً عمّا يمكن أن يكون حجّة عليه، و ذلك منحصر بفتوى المجتهد، و بعد فرض أنّ ذلك المجتهد الذي يقلّده لا يمكنه الاخبار عن الحكم الواقعي، لأنّه لم تقم لديه حجّة على وجوده و لا على نفيه واقعاً، يكون شكّ ذلك العامي و عدم علمه بالحكم الواقعي موضوعاً للبراءة الشرعية، و على هذا الأساس يفتيه بالجواز تسامحاً، لأنّ ذلك ليس على نحو الحكاية عن أنّ الحكم الواقعي هو الجواز و الاباحة، بل روحه هو جواز الاقدام باعتبار كونه شاكّاً، و أنّه جواز عذري منشؤه قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون» (1). و هكذا الحال في الفتوى بطهارة الحديد استناداً إلى قاعدة الطهارة في الشبهات الحكمية.

لا يقال: لو كان في الأحياء مجتهد آخر قد اقتنع بأحد الأدلّة على ثبوت الحكم في المسألة المزبورة أو على نفيه، فلِمَ لا يرجع إليه هذا العامي.

لأنّا نقول: إنّه بعد أن كان قد تعيّن عليه الرجوع إلى المجتهد السابق بأحد الوجوه المعيّنة من كونه أعلم و نحوه، لا يمكنه الرجوع إلى ذلك الآخر، لأنّ فتوى ذلك الآخر و إخباره عن الواقع حسبما استفاده من الدليل المذكور لا يكون حجّة عليه.

فإن قلت: إن تعيّن الأوّل عليه إنّما هو فيما له فيه فتوى و إخبار عن الحكم الواقعي، و المفروض أنّه في خصوص هذه المسألة لا فتوى له حاكية و مخبرة عن الواقع، و حينئذٍ فيلزمه الرجوع إلى ذلك الآخر.

قلت: إنّ لازم كون الأوّل مجتهداً و أعلم مثلًا هو أنّه لا يرى ذلك الدليل‏

____________

(1) وسائل الشيعة 15: 369/ أبواب جهاد النفس ب 56 ح 1.

7

الذي استند إليه ذلك الآخر دليلًا مصحّحاً للفتوى و الحكاية عن الحكم الواقعي، و في الحقيقة يكون المجتهد الأوّل مفتياً بعدم ثبوت ذلك الحكم الواقعي، و هذا المقدار من الإخبار عن الواقع بأنّه لم يثبت يكفي لذلك العامي في عدم وجوب الرجوع إلى المجتهد الآخر، و إن صحّ له العمل بفتواه من باب الاحتياط، لكن ربما كان الاحتياط بالخلاف، كما لو كانت الشبهة في ناحية الأقل و الأكثر الارتباطيين كالشكّ في جزئية الاستعاذة، و كان مجتهده الأوّل قائلًا بلزوم الاحتياط، و كان المجتهد الآخر قد اقتنع بدليل ينفي الجزئية، فإنّ رجوعه إلى ذلك الآخر يكون على خلاف الاحتياط.

و هكذا الحال لو كانت الشبهة بدوية تحريمية بأن شكّ في حرمة التنباك، و كان المجتهد الأوّل قائلًا بالاحتياط الشرعي في الشبهة التحريمية البدوية، و كان المجتهد الآخر قد قام عنده الدليل الاجتهادي على عدم حرمة التنباك و أنّه حلال و مباح، ففي هذه الصورة يتعيّن عليه العمل على رأي مجتهده الأوّل، و أنّ التنباك لا دليل على حرمته، و أنّ الشاكّ في الشبهة التحريمية يلزمه الاحتياط، و لا يجوز حينئذ له الرجوع إلى المجتهد الآخر في فتواه الحاكية عن أنّ حكم التنباك واقعاً هو الحلّية و عدم الحرمة.

و أمّا الكلام في المقام الرابع، و هو موارد الأُصول العقلية

مثل مسائل الدوران بين المحذورين الوجوب و الحرمة، و مثل ما لو انتهت النوبة إلى البراءة العقلية، فحاصل الإشكال فيه أنّ الحكم العقلي لا يجري فيه التقليد، لاشتراك العامي و المجتهد فيه.

و يمكن الجواب عنه بما حاصله: أنّ ذلك العامي بعد فرض الوصول إلى تلك الدرجة لو كان ممّن يمكن أن يميّز بين قاعدة دفع المفسدة أولى من جلب‏

8

المصلحة، و قاعدة التخيير العقلي، بحيث إنّه يحصل له العلم بفساد إحدى القاعدتين في المورد و عدم جريانها فيه، و أنّ المحكّم فيه هو القاعدة الأُخرى، لم يصحّ لذلك العامي أن يقلّد في هذه الجهة، و إن قلّد في تنقيح أنّ ما هو محلّ ابتلائه من صغريات هاتين القاعدتين، فإنّه في هذه الصورة ليس على المجتهد إلّا أن يخبره بأنّ هذه المسألة التي هي محلّ ابتلائه، و أنّ الحكم الواقعي فيها هو أحد الحكمين المذكورين، و يذره و ما يحكم به عقله في تحكيم أيّ منهما.

و هكذا الحال فيما إذا انتهت النوبة إلى قاعدة قبح العقاب من دون بيان، أو قاعدة دفع الضرر المحتمل، فإنّ على المجتهد أن يخبره بأنّ محلّ ابتلائه من ذلك القبيل، و يذره و ما يحكم به عقله من تحكيم إحدى القاعدتين على الأُخرى.

لكن أنّى للمقلّد أن يعرف معنى أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، أو معنى دفع الضرر المحتمل و كونه محكوماً لقاعدة قبح العقاب من دون بيان، و حينئذٍ فعليه أن يقلّد أيضاً في هذا الحكم العقلي، بعد فرض كونه عاجزاً عن حقيقته و تحكيم إحدى قاعدتيه على الأُخرى.

ثمّ إنّك بعد اطّلاعك على هذه التفاصيل التي ذكرناها، تعرف أنّه لا حاجة في توجيه إجراء المجتهد الأُصول الشرعية في الشبهات الحكمية إلى ما أفاده شيخنا الأُستاذ الأعظم (قدّس سرّه) في أوائل الاستصحاب من قوله: و لا عبرة بيقين المقلّد و شكّه في ذلك، بل العبرة بيقين المجتهد و شكّه، و هو الذي يجري الاستصحاب، و يكون بوحدته بمنزلة كلّ المكلّفين‏ (1) لما عرفت من أنّه أعني المجتهد يصحّ له الإخبار على طبق مؤدّى الاستصحاب، و ذلك هو تحصيل الفتوى، من دون حاجة إلى دعوى كونه بمنزلة كلّ المكلّفين، كما أنّه لا حاجة إلى‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 310.

9

دعوى كونه نائباً عنهم كما نقله‏ (1) عن الشيخ (قدّس سرّه) في التخيير بين الخبرين المتعارضين بعد تكافئهما.

كما أنّه لا حاجة إلى ما تكلّفه صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في مبحث الاجتهاد و التقليد من توجيه رجوع المقلّد إلى المجتهد في موارد الأمارات في الشبهات، بأنّه و إن كان ذلك المجتهد جاهلًا بالحكم الواقعي إلّا أنّه عالم بموارد قيام الحجّة الشرعية على الأحكام، فيكون من رجوع الجاهل إلى العالم‏ (2).

فإنّك قد عرفت أنّ رجوعه إليه في موارد الأمارات بل و الأُصول التنزيلية إنّما هو رجوع إليه باعتبار إخباره عن الحكم الواقعي الذي أحرزه بذلك، فإنّه يكون عالماً تنزيلًا بالحكم الواقعي بواسطة قيام الحجّة الشرعية عليه عنده، لا من باب أنّه عالم بموارد الطرق و الأمارات، إذ همّ العامي إنّما هو السؤال عن الحكم الواقعي، لا السؤال عمّا قامت عليه الأمارة و الطرق.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) لم يتعرّض لموارد الأُصول الشرعية، بل انتقل من الكلام على الطرق و الأمارات إلى الأُصول العقلية (3)، و لعلّ هذا مأخوذ ممّا أفاده في هذا المقام من جعل القسمة هنا ثنائية مردّدة بين القطع بالحكم الفعلي الشرعي الأعمّ من الواقعي و الظاهري و عدم حصول القطع بذلك، و أنّ المرجع على الثاني هو ما يستقلّ به العقل‏ (4)، و سيأتي إن شاء اللَّه تعالى الكلام على ذلك.

____________

(1) راجع ما حرّره عن شيخه 0 في المجلّد الثاني عشر من هذا الكتاب، الصفحة: 170 و ما بعدها.

(2) كفاية الأُصول: 465.

(3) كفاية الأُصول: 466.

(4) كفاية الأُصول: 257.

10

و كيف كان، فإنّه (قدّس سرّه) قد أفاد في مبحث الاجتهاد و التقليد أنّ المقلّد إنّما يرجع إلى المجتهد في فقد الأمارة، فكأنّه يقلّده في ذلك لا في الحكم الشرعي أو العقلي‏ (1) و قد عرفت أنّ رجوع المقلّد إليه في جميع موارد الشبهات الحكمية إنّما هو من باب الفحص عن الحجّة على التكليف، و هي فتوى ذلك المجتهد، فإذا فرضنا أنّ ذلك المجتهد لم تقم عنده الحجّة على إحراز التكليف، كان ذلك العامي ممّن لم تقم عنده الحجّة على ذلك التكليف، و حينئذٍ يكون شكّ ذلك العامي مصداقاً لما هو موضوع الأُصول الشرعية على التفصيل الذي حرّرناه، من دون حاجة إلى الالتزام بأنّ العامي يكون مقلّداً للمجتهد في عدم قيام الأمارة على التكليف. على أنّك قد عرفت أنّه يمكنه أن يقلّده باخباره عن عدم ثبوت التكليف.

و ما أفاده بعض سادة مشايخي (قدّس سرّهم) فيما حرّرته عنه من أنّه لا دليل على صحّة تقليده في ذلك، يمكن الجواب عنه بالاستناد إلى إطلاقات التقليد أو مطلق لزوم رجوع الجاهل إلى العالم، إذ يصدق على ذلك المجتهد أنّه عالم بأنّ ذلك التكليف غير ثابت، و أنّه لم تقم عليه حجّة شرعية.

و أمّا ما أفاده (قدّس سرّه) بقوله: و أمّا تعيين ما هو حكم العقل، و أنّه مع عدمها هو البراءة أو الاحتياط، فهو إنّما يرجع إليه الخ‏ (2) فقد [تقدّم‏] تفصيل الحال فيه فيما شرحناه في المقام الرابع‏ (3)، فراجع و تأمّل.

و ينبغي أن يعلم أنّ هذا الذي نقلناه عن الكفاية إنّما هو فيما فرضه من‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 466.

(2) كفاية الأُصول: 466.

(3) في الصفحة: 7.

11

حجّية الظنّ بمقدّمات الانسداد، لكنّه بعينه ينبغي أن يلتزم به في حجّية الظنّ الخاصّ، و أنّه عند فقده يكون المرجع هو الأُصول الشرعية أو العقلية، و أنّ العامي يكون مقلّداً له في عدم الأمارة، إلى آخر ما أفاده.

لكن الذي يظهر من الكفاية أنّه لو قلنا بالانفتاح لم يكن إشكال في تقليد العامي لمن فقد الدليل الاجتهادي، لأنّه يكون عالماً بالحكم الفعلي، فإنّه قال:

فالاجتهاد المطلق هو ما يقتدر به على استنباط الأحكام الفعلية من أمارة معتبرة أو أصل معتبر عقلًا أو نقلًا في الموارد التي لم يظفر فيها بها- إلى قوله- كما لا إشكال في جواز العمل بهذا الاجتهاد لمن اتّصف به، و أمّا لغيره فكذا لا إشكال فيه إذا كان المجتهد ممّن كان باب العلم أو العلمي بالأحكام مفتوحاً له، على ما يأتي من الأدلّة على جواز التقليد الخ‏ (1)، فنراه جعل المقامات الأربعة كلّها مورداً للتقليد و الفتوى، و قد عرفت ما في ذلك و أنّ التفصيل هو ما ذكرناه، فلاحظ.

و من ذلك كلّه يظهر لك الإشكال فيما ذكره في الكفاية من جعل المقسم هو الحكم الفعلي المتعلّق بالمجتهد أو بمقلّديه، و أنّه إمّا أن يحصل له القطع به أو لا يحصل‏ (2)، فإنّك قد عرفت في هذه المقامات الأربعة أنّ الحكم الذي يكون متعلّقاً بالمقلّد إنّما يكون مربوطاً بالمجتهد باعتبار قيام الأمارة أو الأصل الاحرازي عليه عند المجتهد، فيصحّ له الإخبار به، أمّا ما لم يقم عليه شي‏ء من الأمارات و لا الأُصول الاحرازية، و كان المرجع فيه هو الأُصول الشرعية غير الاحرازية أو الأُصول العقلية، فقد عرفت أنّ تلك الأُصول إنّما تجري في حقّ تكليف المجتهد نفسه، و أمّا جريانه في حقّ العامي فإنّما هو في الرتبة المتأخّرة عن عدم إفتاء

____________

(1) كفاية الأُصول: 464.

(2) كفاية الأُصول: 257.

12

المجتهد و إخباره عن الحكم الواقعي.

و بالجملة: أنّهما لا يتشاركان ابتداءً في الحكم الفعلي كما يعطيه ظاهر قوله: إذا التفت إلى حكم فعلي متعلّق به أو بمقلّديه‏ (1).

ثمّ إنّا لو أسقطنا قوله: أو بمقلّديه، و اقتصرنا على قوله: إنّ البالغ الذي وضع عليه القلم إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلّق به، فإمّا أن يحصل له القطع به أو لا الخ‏ (2)، لم يكن ظاهر التقسيم صحيحاً، لأنّ رتبة الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي، فالمكلّف إنّما يلتفت أوّلًا إلى نفس الحكم الواقعي، فإمّا أن يحصل له القطع أو تقوم عليه الأمارة أو يكون شاكّاً فيه، فإن قامت عليه الأمارة كان حكمه الظاهري على طبقها، و إن بقي شاكّاً كان حكمه الظاهري على طبق الأُصول الجارية، فلا يكون تحقّق الحكم الظاهري إلّا بعد مرتبة الحكم الواقعي و مرتبة قيام الأمارة عليه و مرتبة الشكّ، فلا يمكن أن يكون الحكم الظاهري هو الملتفت إليه أوّلًا في عرض الالتفات إلى الحكم الواقعي، هذا كلّه.

مضافاً إلى ما حقّق في محلّه‏ (3) من أنّه لا محصّل للحكم الظاهري و أنّه لا واقعية له، و أنّه ليس في البين إلّا محض المنجّزية و المعذورية، إلّا على القول بالسببية فتأمّل. هذا كلّه في الشبهات الحكمية.

و أمّا الشبهات الموضوعية فقد أطلقوا القول بأنّ إجراء الأُصول و القواعد فيها يشترك فيه المجتهد و المقلّد،

و أنّه لا خصوصية فيها للمجتهد. إلّا أنّ ذلك بعد إثبات أصل تلك الوظائف و تحكيم بعضها على بعض، و ذلك راجع إلى‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 257.

(2) كفاية الأُصول: 257.

(3) راجع فوائد الأُصول 3: 105- 119 و حواشي المصنّف (قدّس سرّه) على ذلك في هذا المجلّد.

13

المجتهد، كما في تحكيم يد المسلم مثلًا على أصالة عدم التذكية، و إخبار ذي اليد بالنجاسة على أصالة الطهارة مثلًا، و من ذلك تحكيم بعض هذه الأُصول الجارية في الشبهات الموضوعية على بعضها في أبواب الخلل، بل تحكيم الأصل الواحد على نفسه، كما في من فاتته سجدتان و لم يعلم أنّهما من ركعة واحدة أو من ركعتين، في أنّ الجاري هو قاعدة الفراغ أو التجاوز في الركعة الأُولى أو الثانية، أو أنّهما يتعارضان، كلّ ذلك شغل المجتهد و لا حظّ فيه للمقلّد.

و بالجملة: أنّ في الشبهات الموضوعية عين تلك المقامات الأربعة في الشبهات الحكمية، فأمارات و أُصول إحرازية، و أُصول شرعية غير إحرازية، و أُصول عقلية، و الأمارات مثل إخبار ذي [اليد] بنجاسة ما تحت يده، و مثل اليد في كونها أمارة الملكية، و مثل الإقرار، لكن بعد الرجوع إلى المجتهد في مفاده، لأنّ ذلك راجع إلى إعمال قواعد الظهور اللفظي، و ذلك ممّا يعجز عنه المقلّد، و بعد تنقيح ظهوره يكون كسائر الأمارات و القواعد و الأُصول الجارية في الشبهات الموضوعية، في أنّ المرجع في تعيين مواردها و تمييز الحاكم منها على المحكوم إنّما هو المجتهد دون المقلّد، فما أفادوه من [أنّ‏] إعمالها يكون مشتركاً بين المجتهد و غيره، لا يخلو عن خفاء، بل قد يكون من خصائص المجتهد، فتأمّل.

قوله: و إنّما قيّدنا مجرى الاستصحاب بلحاظ الحالة السابقة، و لم نكتف بمجرّد وجودها- إلى قوله- إذ هناك من ينكر اعتبار الاستصحاب كلّية، أو في خصوص الأحكام الكلّية، أو في خصوص الشكّ في المقتضي على اختلاف الأقوال فيه ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ الثاني و هو من لا يعلم بالتكليف أصلًا و لو بجنسه، لا وجه‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 4- 5.

14

أيضاً لحصر المرجع فيه بالبراءة، بل هو محلّ خلاف، فقال المحدّثون إنّ المرجع فيه هو الاحتياط، فإن كان الخلاف مؤثّراً في الرجوع إلى الاستصحاب فلِمَ لا يؤثّر في الرجوع إلى البراءة. و هكذا الكلام في التخيير فإنّه ربما يقال فيه بالمنع من التخيير، و أنّ المرجع هو كون دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة.

فالأولى أن يقال: إنّ الحالة السابقة يعتبر العلم بها في جريان الاستصحاب، لأنّ العلم بالحالة السابقة هو الركن في جريان الاستصحاب على نحو جزء الموضوع، و لا يكفي فيه مجرّد تحقّق الحالة السابقة مع فرض عدم العلم بها، كما لا يكفي القطع بالحالة السابقة مع عدم تحقّقها واقعاً، أمّا لحاظ الحالة السابقة فليس هو إلّا عبارة عن نفس الاستصحاب، لا أنّه مورد للاستصحاب.

[الكلام في حصر مجاري الأُصول‏]

قوله: و لا يخفى أنّ الحصر في مجاري الأُصول إنّما يكون عقلياً لدورانه بين النفي و الإثبات، و أمّا حصر الأُصول في الأربع فليس بعقلي، لإمكان أن يكون هناك أصل آخر وراء هذه الأُصول الأربعة، و لكن هذا بالنسبة إلى خصوص الاستصحاب حيث إنّ اعتباره شرعي ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّه مع الاعتراف بكون الحصر في الموارد الأربعة عقلياً دائراً بين النفي و الإثبات، لا يمكن القول بامكان زيادة الوظائف المقرّرة لكلّ واحد منها على الأربعة، إلّا بأن يكون للمورد الواحد من تلك الموارد وظيفتان، فتكون الوظائف زائدة على الأربع، بأن يقال إنّ مورد لحاظ الحالة السابقة لو كانت هي الإباحة تكون الوظيفة فيه هي التخيير بين الأخذ بالحالة السابقة و الأخذ بضدّها، أو تعيّن الأخذ بضدّها، كما أنّه يمكن التنقيص بأن يقال: الوظيفة لمورد العلم‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 5.

15

بجنس التكليف مع إمكان الاحتياط، و لمورد عدم العلم بجنس التكليف هو الاحتياط كما عن الأخباريين، و حينئذٍ تسقط البراءة الشرعية و العقلية، كما أنّه يمكن تبديل التخيير بقاعدة دفع المفسدة، و لإمكان إسقاط الاحتياط في مورده و تبديله بالبراءة كما ربما قيل بأنّ العلم الاجمالي غير منجّز، و لإمكان تبديل البراءة العقلية بالاحتياط العقلي، بدعوى أنّ قاعدة دفع الضرر المحتمل مقدّمة على قاعدة قبح العقاب بدون بيان.

ثمّ إنّ قوله: و لكن هذا بالنسبة إلى خصوص الاستصحاب، حيث إنّ اعتباره شرعي الخ، يمكن الخدشة فيه بأنّه لا يختصّ بالشرعية، بل الشرعية تجري فيه و في البراءة و الاحتياط، فحصر موارد الشكّ في التكليف بجريان البراءة الشرعية منقوض بأنّه يمكن إبدالها بالاحتياط الشرعي كما ادّعاه المحدّثون.

لكن هذه النقوض الراجعة إلى تكثير الوظائف أو تنقيصها أو تبديل بعضها ببعض، لا ترد على ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه) من الحصر العقلي للأُصول العقلية، لأنّه (قدّس سرّه) ناظر في هذا الحصر إلى نفس الأصل العقلي في مقام الشكّ مع قطع النظر عن مورده، بل مع قطع النظر عن الدليل، و أنّ المنظور في ذلك إنّما [هو] عالم الامكان، و لا ريب في أنّ حكم العقل في مقام الشكّ إمّا أن يكون المنظور فيه مراعاة التكليف من كلّ وجه و هو الاحتياط، و إمّا أن يكون المنظور هو الاعتناء باحتمال التكليف في الجملة لا من كلّ وجه و هو التخيير، و إمّا أن يكون المنظور فيه هو عدم الاعتناء باحتمال التكليف و هو البراءة. لكن كون التخيير مراعاة للتكليف في الجملة محلّ تأمّل، نعم لو حكم العقل في مورد دوران الأمر بين المحذورين بلزوم مراعاة دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، لكان فيه‏

16

مراعاة للتكليف في الجملة، أمّا حكمه بالتخيير فليس هو من قبيل مراعاة التكليف، بل من باب عدم المندوحة، و أنّه لا حيلة فيه للمكلّف، فيحكم العقل بالتخيير من أجل ذلك.

و لا يخفى أنّ نفس هذه الأُصول يمكن أن تكون شرعية، و هي الاحتياط الشرعي و لو في موارد الشبهات البدوية كما يدّعيه الأخباريون، و البراءة الشرعية كما عليه الأُصوليون، و التخيير الشرعي بأن يحكم الشارع في موارد دوران الأمر بين المحذورين بالتخيير فيما لو أمكنت المخالفة القطعية، كما لو كان أحد الأمرين من الفعل و الترك عبادياً، بل حتّى لو كان كلّ منهما توصّلياً، فإنّ العقل و إن حكم بالتخيير إلّا أنّه لا يكون مانعاً من حكم الشارع، كما حكم في الشبهات البدوية بقبح العقاب من دون بيان، و لم يكن حكمه بذلك منافياً لحكم الشارع بالبراءة، و حينئذٍ يكون الحصر في هذه الأُصول الشرعية عقلياً، على حذو ما قلناه في هذه الأُصول لو كانت عقلية، بأن يقال: إنّ الأصل الشرعي إمّا أن يكون الملحوظ فيه هو احتمال التكليف ... إلى آخره، غايته أنّ الثالث لم يقم عليه دليل كالأوّل، لكن عدم قيام الدليل عليه لا يخرجه عن حيّز الامكان الذي هو الملاك و المنظور إليه في هذا الحصر العقلي.

قوله: إمّا علقة التلازم و إمّا علقة العلّية و المعلولية، سواء كان الوسط علّة لثبوت الأكبر الذي هو البرهان اللمي، أو كان معلولًا له الذي هو البرهان الإنّي ... الخ‏ (1).

لم يذكر الوسط الذي يكون هو و الأكبر معلولين لعلّة ثالثة، و لعلّه هو المراد بعلقة التلازم اصطلاحاً، و إلّا فإنّ التلازم بين الشيئين يكون لأحد هذه الأُمور

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 7.

17

الثلاثة و لا رابع لها حتّى علقة التضايف كالأُبوّة و البنوّة، فإنّهما معلولان لعلّة ثالثة و هي تولّد هذا من ذاك. ثمّ إنّ تسمية الثالث و هو كونهما معلولين لعلّة ثالثة بالبرهان الإنّي اصطلاح، و إلّا فإنّه يشتمل على كلا الانتقالين، لأنّه يكون الانتقال فيه من الأوسط الذي هو أحد المعلولين إلى علّته، ثمّ الانتقال من هذه العلّة إلى معلولها الآخر الذي هو الأكبر.

[الحجّة في اصطلاح‏]

قوله: فإنّ الحجّة باصطلاح الأُصولي عبارة عن الأدلّة الشرعية من الطرق و الأمارات التي تقع وسطاً لإثبات متعلّقاتها بحسب الجعل الشرعي ... الخ‏ (1).

الظاهر أنّ الحجّة الأُصولية لا تنحصر بالأدلّة الشرعية، بل إنّ الحجّة الأُصولية أعمّ شاملة لذلك و للحجّة المنطقية المعبّر عنها بالدليل العقلي، حيث إنّ أدلّة الفقه أربعة: الكتاب و السنّة و الإجماع و دليل العقل، الذي هو مأخوذ من قاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، الذي يكون لسانها هو الحسن و القبح العقليين، فيقال: هذا قبيح عقلًا، و كلّ ما حكم العقل بقبحه فقد حرّمه الشارع، و هو استدلال لمّي، لأنّ القبح العقلي علّة للحرمة الشرعية.

ثمّ بعد بيان مصطلح المنطقيين و الأُصوليين في الحجّة ينبغي تحرير البحث في مقامات ثلاثة:

المقام الأوّل: في القطع الطريقي،

و لا ريب في عدم كونه دليلًا لا باصطلاح المنطقيين و لا باصطلاح الأُصوليين.

المقام الثاني: في القطع الموضوعي،

و هو بالنسبة إلى متعلّقه يكون حاله حال القطع الطريقي، و بالنسبة إلى الحكم المترتّب عليه، أو عليه و على متعلّقه‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 7.

18

يكون دليلًا باصطلاح المنطقيين، فيتألّف منه الشكل الأوّل، فيقال هذه الملكية مقطوعة، و كلّ ما هو مقطوع يجوز الشهادة به. و هو ملحق بالقياس اللمّي، لأنّ الموضوع بمنزلة العلّة لحكمه.

و ينبغي أن يعلم أنّ الكبرى التي يتألّف منها القياس في القطع الموضوعي، لا بدّ أن تكون هي عين الكبرى المجعولة شرعاً، ففيما كان القطع تمام الموضوع، لا ريب في صحّة أخذ الكبرى التي يكون القطع فيها منسوباً إلى المكلّف، فيقال أنا قاطع بملكية الدار، و كلّ قاطع بملكيتها يجوز له الشهادة بها. أمّا أخذ القطع منسوباً إلى المقطوع به، بأن يقال هذا مقطوع الخمرية و كلّ مقطوع الخمرية نجس مثلًا، ففيه تأمّل، إذ هذه الكبرى لا تطابق الكبرى المجعولة في صورة كون القطع تمام الموضوع، لأنّ ظاهر الكبرى المذكورة هو أنّ الحكم بالنجاسة لاحق لمصاديق مقطوع الخمرية، و ليس الحكم في الكبرى كذلك، و إنّما يكون مترتّباً على نفس القطع.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ المراد من كون القطع تمام الموضوع أنّ الحكم بالنجاسة مثلًا يكون على مصاديق مقطوع الخمرية و إن كان خلًا في الواقع، هذا في القطع الذي أُخذ تمام الموضوع.

و أمّا ما أُخذ فيه جزء الموضوع فلا بدّ أن يكون تألّف القياس منه بهذه الصورة: هذا خمر مقطوع الخمرية، و كلّ خمر مقطوع الخمرية نجس. و يكون الجزء الأوّل من الصغرى و هو الخمرية الواقعية محرزاً بجزئها الثاني و هو مقطوع الخمرية.

و كيف [كان‏] فلا ريب أنّ تأليف القياس من القطع الموضوعي سواء كان تمام الموضوع أو كان جزء الموضوع، لا يكون فائدته الاحتجاج على الخصم،

19

و إنّما يكون سوقه لإقناع النفس، فإنّ الحرمة الواقعية لا تكون لاحقة إلّا للقاطع دون غيره. و إن شئت فقل: إنّ مرجع القياس المذكور إلى إثبات الحرمة على نفس القاطع، فيقول: هذا أنا قاطع بخمريته، و كلّ ما أنا قاطع بخمريته هو حرام عليَّ.

المقام الثالث: في الأمارات و نحوها من الحجج الشرعية.

و لا ريب في كونها دليلًا باصطلاح الأُصوليين، أمّا باصطلاح المنطقيين و صحّة تألّف الشكل الأوّل منها ففيه تفصيل، و هو أنّها بالنسبة إلى نفس الواقع يكون حالها حال القطع الطريقي في عدم صحّة تألّف الشكل الأوّل منها، و أمّا بالنسبة إلى الحكم الظاهري فصحّة تألّف الشكل الأوّل منها موقوفة على المبنى في جعل الحكم الظاهري، فإن قلنا إنّه عبارة عن الحكم على طبق مؤدّى الأمارة، أو عبارة عن لزوم العمل بها كان حالها بالنسبة إليه حال القطع الموضوعي بالنسبة إلى الحكم المترتّب عليه، فيصحّ أن يتألّف منها الشكل الأوّل. و إن قلنا إنّه عبارة عن جعل الحجّية بمعنى جعل الكشف كما سيأتي شرحه إن شاء اللَّه تعالى في كيفية جعل الطرق‏ (1)، كان حالها بالنسبة [إلى‏] ذلك الحكم الظاهري حال القطع الطريقي في عدم صحّة تألّف الشكل الأوّل منها، فلاحظ و تأمّل.

قوله: و كذا يكون طريقاً محضاً بالنسبة إلى الحكم الشرعي المترتّب على ذلك الموضوع‏ (2).

هذه العبارة لا تخلو من تسامح، فإنّ العلم المتعلّق بالموضوع و إن كان طريقاً صرفاً بالقياس إليه، إلّا أنّه لا ربط لذلك العلم بحكم ذلك الموضوع، فإنّ العلم المتعلّق بحكم ذلك الموضوع يكون علماً آخر، و هو أيضاً طريق إلى ذلك‏

____________

(1) راجع فوائد الأُصول 3: 17 و 105 و ما بعدهما.

(2) فوائد الأُصول 3: 10.

20

الحكم فلاحظ. بل و هكذا الحال في الحكم الذي يكون العلم بالموضوع جزءاً لموضوعه أو تمام موضوعه، فإنّ العلم بذلك الحكم لا يكون إلّا طريقاً صرفاً، فلاحظ و تأمّل.

قوله: بل الظاهر أنّه لا يمكن، من جهة أنّ أخذه تمام الموضوع يستدعي عدم لحاظ الواقع وذي الصورة بوجه من الوجوه، و أخذه على وجه الطريقية يستدعي لحاظ ذي الطريق وذي الصورة، و يكون النظر في الحقيقة إلى الواقع المنكشف بالعلم ... الخ‏ (1).

إن كان المراد هو أنّ أخذ العلم طريقاً إلى متعلّقه هو أن يكون المحكوم عليه هو المتعلّق و لم يكن العلم إلّا طريقاً إليه، ففيه أنّه خلاف الفرض، لأنّ المفروض هو كون القطع موضوعاً أو جزء الموضوع. مضافاً إلى أنّ لازمه هو عدم إمكان أخذه جزء الموضوع، و سقوط القطع الطريقي عن الموضوعية بالمرّة.

و إن كان المراد هو أنّ أخذ القطع من حيث الطريقية عبارة أُخرى عن كونه ملحوظاً آلياً، و هو لا يجتمع مع كونه تمام الموضوع، لأنّ ذلك يستدعي لحاظه الاستقلالي، ففيه أوّلًا: أنّ لازم ذلك هو عدم اجتماعه مع أخذه جزء الموضوع، لأنّ ذلك أيضاً يتوقّف على لحاظه الاستقلالي. و ثانياً: أنّ اللحاظ الآلي للقطع الطريقي إنّما [هو] في وجوده الواقعي أعني مصاديق القطع، أمّا مفهومه الكلّي فهو استقلالي و إن كان مصداقه آلياً، و ما ذلك إلّا مثل الابتداء المستفاد من لفظ (من) في قولك سرت من البصرة، و الابتداء المستفاد من قولك: الابتداء الآلي معنى حرفي، هذا كلّه.

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 11.

21

مضافاً إلى وقوعه في الأحكام الشرعية، مثل إحراز عدالة الإمام المأخوذ موضوعاً لجواز الاقتداء به و صحّة الصلاة حتّى مع انكشاف الخلاف، و مثل إحراز عدالة شهود الطلاق، فقد قال شيخنا (قدّس سرّه) إنّ الشرط المسوّغ للطلاق و للحكم بصحّته واقعاً هو الاحراز أو العدالة الواقعية، بل وسّع المنطقة في ذلك إلى كلّ شرط يكون مبنياً على الاحراز، على وجه يكون ابتناؤه على الواقع و انكشاف الفساد عند انكشاف الخلاف موجباً لعدم استقرار النظام في ذلك النحو من الأحكام‏ (1).

ثمّ لا يخفى أنّ الذي حرّرته عنه (قدّس سرّه) في هذا المقام لا يخلو عن اضطراب، ففي بعضه التصريح بأنّ القطع الطريقي لا يعقل أخذه تمام الموضوع، كما في هذا التحرير و التحرير المطبوع في صيدا (2)، و في بعضه أنّ غير المعقول هو أخذ القطع الصفتي جزء الموضوع، ببيان أنّه إذا أُخذ بما أنّه صفة خاصّة جزءاً للموضوع لم يكن عندنا ما يكون محرزاً للجزء الآخر الذي هو الواقع، و في بعضها أنّ ما أخذ على الصفتية لا يكون جزء الموضوع، و ما أُخذ على نحو الطريقية لا يكون تمام الموضوع، فراجع التحرير ص 3 و ص 25 و ص 27 (3).

قلت: و لعلّ الوجه في إسقاط العلم الصفتي عن كونه جزء الموضوع، هو أنّ أخذه صفة يوجب غضّ النظر عن متعلّقه، و يكون متعلّقه أجنبياً عنه، فلا محصّل لكون القطع و متعلّقه الواقعي هو الموضوع.

و فيه: أنّه و إن كان أجنبياً في هذه المرحلة من لحاظه صفة، إلّا أنّه لا يخرج‏

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه، و لعلّه في تحريراته المخطوطة عن شيخه 0.

(2) أجود التقريرات 3: 13.

(3) مخطوط لم يطبع بعد.

22

عن كونه في حدّ نفسه متعلّقاً لذلك القطع. و لو سلّم فليكن أجنبياً عن القطع، لكن كونه أجنبياً لا يمنع من ضمّه إلى القطع في كونهما معاً تمام الموضوع. أمّا عدم إحراز الجزء الثاني الذي هو الواقع فهو محرز وجداناً للقاطع الذي هو المكلّف، فإنّ الحاكم و إن أخذ العلم بما أنّه صفة للعالم قائمة بنفس المكلّف، إلّا أنّ العلم عند وجوده للمكلّف و قيامه في نفسه، لا يخرج عن كونه محرزاً للواقع بالنسبة إلى ذلك المكلّف، و إن كان الحاكم قد نظر إليه بما أنّه صفة قائمة في نفس المكلّف.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) قد تنظّر في إسقاط هذا القسم، و رجّح إسقاط ما كان العلم الطريقي فيه تمام الموضوع، من جهة عدم مناسبة الطريقية لكونه تمام الموضوع، فراجع ما حرّرته في ص 29 من التحريرات‏ (1).

قوله: فلا بدّ من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الاطلاق أو التقييد، و هو المصطلح عليه بمتمّم الجعل، فاستكشاف كلّ من نتيجة الاطلاق و التقييد يكون من دليل آخر ... الخ‏ (2).

الظاهر أنّه لا بدّ من الجعل الثاني ليتمّ التعميم، و مجرّد كون الاشتراك قطعياً لا يكفي في تحقّق متمّم الجعل الذي يتوقّف عليه تعميم الجعل الأوّل، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّا نستكشف من قطعية الاشتراك تحقّق الجعل الثانوي المتمّم للجعل الأوّلي.

و يمكن أن يقال: إنّ التعميم المذكور لا يحتاج إلى جعل ثانٍ، بل يكفي مجرّد جعل الحكم الأوّلي، فإنّه و إن لم يمكن فيه الاطلاق اللحاظي، لتأخّر كلّ‏

____________

(1) مخطوط لم يطبع بعد.

(2) فوائد الأُصول 3: 12.

23

من العلم و الجهل المتعلّقين بالحكم عن نفس ذلك الحكم- من دون فرق في ذلك بين مقام الثبوت و مقام الاثبات، فلا وجه لما قد يقال من إمكان الاطلاق في مقام الثبوت- إلّا أنّ الحكم بنفسه يكون متحقّقاً قهراً في كلّ من الموردين، على حذو تحقّق العلّة مع معلولها، و إن كانت سابقة في الرتبة على معلولها، فإن سبق الحكم على العلم به من سنخ سبق العلّة على معلولها، و حينئذٍ يكون نفس الحكم متحقّقاً مع كلّ من حالتي العلم و الجهل المتعلّقين به، غايته أنّ تحقّقه يكون سابقاً في الرتبة، فهما- أعني الحكم و أحد الأمرين من العلم به و الجهل- موجودان معاً غير أنّ الأوّل سابق في الرتبة على الثاني، و نعبّر عن هذا التحقّق في كلّ من حالتي العلم و الجهل بالاطلاق الذاتي، من دون حاجة إلى جعل ثانٍ.

و ذلك كما يشاهد في أوامر الموالي العرفية بالنسبة إلى من لهم الأمر عليه، فإنّهم لا يحتاجون في شمولها لكلّ من العالم و الجاهل إلى جعل ثانٍ، إذ ليس في مثل ذلك إجماع و نحوه على الاشتراك كي يستكشف منه الجعل الثاني المتمّم للجعل الأوّل، و ما ذلك إلّا من جهة ما ذكرناه من الاطلاق الذاتي. و كون إمكان الاطلاق تابعاً لإمكان التقييد مسلّم، إلّا [أنّ‏] ذلك في الاطلاق اللحاظي، أمّا الاطلاق الذاتي الذي هو إطلاق قهري فلا يكون إمكانه متوقّفاً على إمكان التقييد اللحاظي، بل يكفي فيه تعلّق الحكم بالذات، فتكون الذات في حال العلم بالحكم متعلّقة لذلك الحكم، لكن في الرتبة السابقة على العلم، كما أنّها بالنسبة إلى الجهل كذلك. و هذا هو محصّل الاطلاق الذاتي القهري. و لعمري إنّه في الحقيقة ليس باطلاق، لكنّه في حكم الاطلاق من حيث النتيجة.

و أمّا ما أفاده شيخنا الأُستاذ الأعظم (قدّس سرّه) من تصحيح ذلك بمتمّم الجعل، ففيه تأمّل، لأنّ ذلك الجعل الثانوي إن كان من مجرّد الاخبار و الحكاية عن أنّ الحكم‏

24

ثابت في كلتا الحالتين، ففيه أوّلًا: أنّه لا يكون حينئذ من قبيل الجعل. و ثانياً: أنّه بعد أن كان وجود الحكم في مرتبة العلم و الجهل به غير معقول كيف يصحّ الاخبار به.

و إن كان المراد هو سحب الحكم من مرتبته السابقة على العلم به و الجهل إلى ما بعدهما فهو محال، لأنّ ما هو في مرتبة العلّة يستحيل سحبه إلى مرتبة المعلول.

و إن كان المراد به جعلًا ثانوياً يكون المجعول فيه مماثلًا للمجعول الأوّل، ففيه أوّلًا: أنّ ذلك خلاف ما هو المشاهد بالوجدان من الأوامر العرفية و غيرها، في أنّ تسرية الحكم فيها و شموله لكلّ من حالتي العلم به و الجهل، لا يحتاج إلى جعل المماثل.

و ثانياً: أنّه يلزم اجتماع المثلين، و تعدّد الرتبة لا ينفع في دفع إشكال اجتماعهما، و إلّا لصحّ ذلك في ضدّ ذلك الحكم، بأن يقال: إذا علمت بحرمة شرب الخمر وجب عليك أو جاز لك شربها. و دعوى عدم إمكان ذلك في العلم، لكونه تناقضاً بنظر المكلّف، بخلاف ما لو كان المأخوذ هو الجهل بأن يقول: إذا جهلت بحرمة شرب الخمر جاز لك شربها، و بخلاف ما لو كان المجعول مماثلًا للمجعول الأوّل، فإنّه لا تناقض فيه، يدفعها أنّه بعد فرض كون اجتماع المثلين كالضدّين محالًا يكون المانع من صحّته موجوداً فيه.

و ثالثاً: لو سلّمنا ذلك لكان خارجاً عمّا نحن بصدده من إطلاق الحكم بالنسبة إلى كلّ من العلم و الجهل المتعلّقين به، بل هو من قبيل أخذ العلم بالحكم و الجهل به موضوعاً لحكم آخر، غايته أنّه يماثل الحكم الأوّل.

و رابعاً: أنّ هذا الحكم المجعول ثانياً في مرتبة العلم و الجهل المتعلّقين‏

25

بالحكم الأوّل أيضاً يكون متعلّقاً لكلّ من العلم و الجهل، فهو بالنسبة إلى العلم و الجهل المتعلّقين به يحتاج إلى متمم الجعل بالقياس إليه و هكذا، فيلزم التسلسل. و سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في مبحث جعل الأحكام الظاهرية في موارد الأمارات و الأُصول الشرعية (1)، و فيما علّقناه على ما حرّرناه عنه (قدّس سرّه) في ذلك المبحث، ما فيه زيادة توضيح لهذه الجهات، فراجع ص 76 ممّا حرّرناه هناك‏ (2).

و من ذلك كلّه يظهر لك أنّ قيام الدليل الخارجي على اختصاص الحكم في بعض الموارد بصورة العلم، لا يحتاج إلى جعل ثانٍ يكون محصّله رفع ذلك الحكم عن الجاهل به، نظير النسخ، على وجه يكون الحكم الواقعي ثابتاً للذات معرّاة عن كلّ من العلم و الجهل، و يكون تحقّق الجهل موجباً للحكم الشرعي برفع ذلك الحكم، ليكون لازمه تحقّق الحكم في حقّ الجاهل في الرتبة السابقة على الجهل، و نفيه و رفعه عنه في رتبة الجهل، على وجه يكون الجهل بالحكم الواقعي موضوعاً للحكم الشرعي برفعه، فإنّ ذلك عين التناقض، و لا يدفعه اختلاف المرتبة.

بل المراد من الاختصاص المذكور هو قيام الدليل الخارجي على كون المجعول له ذلك الحكم الواقعي، هو خصوص الذات التي يعلم اللَّه تعالى أنّها يتحقّق منها العلم بذلك، لا على وجه يكون العلم دخيلًا في الموضوع، و إلّا لزم كون الحكم سابقاً في الرتبة على العلم لتعلّقه به، و متأخّراً في الرتبة عنه لكونه مأخوذاً في موضوعه.

هذا هو خلاصة الإشكال في أخذ التقييد أو الاطلاق لحاظين في مثل‏

____________

(1) راجع الحاشية المفصّلة الآتية في الصفحة: 312 و ما بعدها.

(2) مخطوط لم يطبع بعد.

26

الجهل، و ليس هو بالدور المصطلح، فإنّ الحكم و إن توقّف على العلم من جهة كونه حسب الفرض موضوعاً له، إلّا أنّ العلم بالحكم لا يتوقّف على تحقّق الحكم واقعاً، إلّا إذا كان المأخوذ قيداً هو العلم على نحو جزء الموضوع، فتأمّل.

و كيف كان، فإنّ المراد من دليل الاختصاص ليس هو أخذ العلم بالحكم جزء الموضوع أو تمام الموضوع، بل المراد هو أنّ المحكوم عليه هو نفس تلك الذات الخاصّة التي اقترنت بالعلم، فلا يكون المحكوم عليه إلّا خصوص تلك الذات معرّاة في حال إيراد الحكم عليها عمّا هي واجدة له من خصوصية العلم.

و بعبارة أُخرى لا يكون المنظور إليه في حال إيراد الحكم إلّا نفس الحصّة من الذات الخاصّة. و هذا النحو من التوجيه لا يتأتّى في مسألة قيد القربة وداعي الأمر، لأنّ أخذها قيداً لا يمكن إلّا مع دخول القيد المزبور تحت الأمر على وجه يكون جزء المأمور به، على تأمّل في ذلك، فراجع ما حرّرناه عن بعض الأجلّة من مشايخنا فيما علّقناه في مبحث التعبّدي و التوصّلي‏ (1). و قد حرّرنا هذه المسألة المتعلّقة بدليل الاشتراك فيما علّقناه على ما حرّرناه عن شيخنا (قدّس سرّه) في هذا المقام.

و في أوائل إمكان جعل الطرق و الأمارات عند التعرّض للجواب عن إشكال التناقض، و أنّ دليل الاشتراك ينافي الترخيص في مقام الشكّ فراجعه‏ (2)، (3)

____________

(1) لعلّ المقصود بذلك ما تقدّم في المجلّد الأوّل من هذا الكتاب، صفحة: 401- 403.

(2) الظاهر أنّ المقصود بذلك تحريراته المخطوطة عن شيخه 0. و على أيّ حال فلتراجَع الحاشية المفصّلة الآتية في الصفحة: 312 و ما بعدها.

(3) هذا و لكن لا يخفى أنّ اختصاص الحكم بخصوص العالم به لا يتوقّف إمكانه على أخذ الذات توأماً مع العلم، أعني الذات التي يعلم اللَّه أنّها يتحقّق منها العلم بالحكم، بل يكفي فيه ما عرفت من جعل الحكم لنفس الذات معرّاة عن لحاظ العلم و الجهل به، لعدم إمكان لحاظها كذلك في حال إيراد الحكم عليها، ثمّ بعد جعل الحكم على عنوان الذات القاضي بتحقّقه لها لو طرأها العلم أو طرأها الجهل يرفعه عن الذات عند طروّ الجهل، و لا يكون ذلك موجباً للتناقض في مرتبتين، بل هو من قبيل العناوين الأوّلية و الثانوية، فالمكلّف بعنوانه الأوّلي يكون محكوماً بذلك الحكم، و بعنوانه الثانوي- أعني كونه جاهلًا بذلك الحكم- يكون ذلك الحكم مرتفعاً عنه، بمعنى أنّ الشارع يرفع ذلك الحكم عنه عند جهله به نظير الاضطرار.

و ينبغي التأمّل في عدم معقولية الإهمال في الواقع، مع فرض أنّه لا يمكن الاطلاق و التقييد و ما ذلك إلّا عبارة عن الاهمال، و ما الاهمال الواقعي إلّا ما التزم به (قدّس سرّه) من متمم الجعل، فإنّ المجعول الأوّلي لا بدّ أن يكون مهملًا [منه (قدّس سرّه)‏].

27

قوله: و قد ادّعي تواتر الأدلّة على اشتراك الأحكام في حقّ العالم و الجاهل، و نحن و إن لم نعثر على تلك الأدلّة سوى بعض أخبار الآحاد التي ذكرها صاحب الحدائق في مقدّمات كتابه ... الخ‏ (1).

لعلّ المراد بذلك ما ذكره صاحب الحدائق في المقدّمة الخامسة (2) في حكم الجاهل و أنّه غير معذور، لكن لم يذكر هناك ما يدلّ على عدم المعذورية إلّا ما دلّ على وجوب الفحص و التعلّم و السؤال و التفقّه. و لا يخفى عدم صراحتها في الاشتراك، و لو من جهة إمكان كون التعلّم واجباً نفسياً ليتهيّأ إلى إيراد التكاليف عليه. نعم ذكر في الوجه الثاني ممّا ردّ به على القائلين بالبراءة العقلية في أوائل كتابه ما هذا نصّه: الثاني استفاضة الأخبار بأنّ للَّه تعالى في كلّ واقعة حكماً شرعياً مخزوناً عند أهله، حتّى أرش الخدشة و الجلدة و نصف الجلدة الخ‏ (3). و هذا أيضاً

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 12.

(2) الحدائق الناضرة 1: 77.

(3) الحدائق الناضرة 1: 45.

28

ليس بصريح في إفادة الاشتراك فتأمّل، لجواز كون تلك الأحكام مختصّة أيضاً بخصوص العالم، فإنّ كون كلّ واقعة لها حكم لا يوجب أن يكون ذلك الحكم مجعولًا في حقّ الجاهل به، فتأمّل.

قوله: و قد خصّصت في غير مورد، كما في مورد الجهر و الاخفات و القصر و الاتمام، حيث قام الدليل على اختصاص الحكم في حقّ العالم، فقد أخذ العلم شرطاً في ثبوت الحكم واقعاً ... الخ‏ (1).

ينبغي مراجعة ما أفاده (قدّس سرّه) في توجيه هذه المسألة في مبحث لزوم الفحص من الأُصول‏ (2) و مبحث القصر و الاتمام من الفقه‏ (3)، فإنّه أفاد (قدّس سرّه) هناك أنّ التوجيه لهذه المسألة باختصاص الحكم بوجوب الجهر بمن كان عالماً به يلزمه عدم استحقاق العقاب عند الاخفات جهلًا في مورد الجهر، و أنّه بناءً على الالتزام باستحقاق العقاب لا بدّ من توجيه ذلك بأنّ الجهر واجب مستقل نفسي عام للجاهل و العالم، و أنّه عند العلم بهذا الوجوب النفسي يكون الاجهار قيداً في الصلاة، و لازم ذلك أنّه عند الاخفات مع الجهل تكون الصلاة صحيحة، لعدم كون الجهر حينئذ قيداً، مع كونه معاقباً على ترك الجهر الذي هو واجب نفسي.

و من ذلك‏ كلّه يظهر لك التأمّل فيما أفاده بقوله: و كما يصحّ أخذ العلم بالحكم شرطاً في ثبوت الحكم، كذلك يصحّ أخذ العلم بالحكم من وجه خاصّ و سبب خاص مانعاً عن ثبوت الحكم واقعاً، بحيث لا حكم مع العلم به من ذلك السبب، كما في باب القياس- إلى قوله- و بذلك يمكن أن توجّه مقالة الأخباريين‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 13.

(2) فوائد الأُصول 4: 294 و ما بعدها.

(3) كتاب الصلاة 3: 380.

29

من أنّه لا عبرة بالعلم الحاصل من غير الكتاب و السنّة ... الخ‏ (1).

فإنّ لازم هذا التوجيه أنّ أخذ الحكم الواقعي من غير الكتاب و السنّة يوجب ارتفاع ذلك الحكم الواقعي عمّن قطع به من غير الكتاب و السنّة، و أنّ شرط تحقّق الحكم الواقعي و إن كان بنحو نتيجة التقييد هو أخذه من طريق الكتاب و السنّة، على وجه لا حكم في حقّ من أخذه من غير الكتاب و السنّة، و هذا على الظاهر ممّا لا يرضى به الأخباريون، لأنّ لازمه هو كون من أخذ الأحكام من غير الكتاب أو السنّة غير مكلّف بتلك الأحكام الواقعية المفروض كونها بحسب الواقع مقيّدة بمن أخذها من الكتاب أو السنّة، و أنّ من أخذها من غيرهما لا حكم في حقّه، سواء كان مرجع ذلك إلى اختصاص الأحكام الواقعية بخصوص من علمها من الكتاب و السنّة، دون الجاهلين بها و دون من أخذها من غيرهما، أو كان مرجعه إلى أنّ خصوص من أخذها من غير الكتاب و السنّة ليست مجعولة في حقّه، و الأوّل أوسع إشكالًا من الثاني، لأنّ لازمه أن لا حكم للجاهل، كما لا حكم لمن علم الحكم من غيرهما.

فالأولى توجيه مقالتهم بما وجّهها به في الكفاية (2) من منع قاعدة الملازمة، أو دعوى كون المقدّمات العقلية لا تفيد العلم، و أنّها إنّما تفيد الظنّ.

و لو قال قائل منهم أو من غيرهم بأنّ الشرط في صحّة ما يكون مورداً للتشريع من أفعال أو تروك لها آثار تكليفية أو آثار وضعية هو أخذ أحكامها من المعصومين، على وجه لو حصل القطع بأحكامها من الطرق الأُخر لم يكن الجري على طبقها مجزياً، و لا يترتّب عليه الأثر من إجزاء عن التكليف و من‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 13- 14.

(2) كفاية الأُصول: 270.

30

ترتّب الأثر الوضعي، فلو باع أو تزوّج أو طلّق أو صلّى أو أعتق جامعاً لجميع الشرائط المعتبرة، و لم يكن أخذه ذلك من المعصومين (صلوات اللّه عليهم) لم يكن ذلك صحيحاً، و لا يترتّب عليه شي‏ء من الآثار، و كان معاقباً على ذلك، لم يكن بذلك بأس على الظاهر، كما ربما يستفاد من قوله (عليه السّلام): «لم يكن له على اللَّه ثواب» (1).

و كيف كان، فالظاهر أنّ توجيه مقالة الأخباريين بما يرجع إلى نفي الحكم الواقعي عمّن قطع به من غير الكتاب و السنّة يمكن الجزم بأنّهم لا يريدونه.

و كيف كان، فليس المراد به هو اختصاص الأحكام بمن حصّلها من طريق الكتاب و السنّة، على وجه يكون كلّ من الجاهل بها و العالم بها من غير طريق الكتاب و السنّة لا حكم له، لأنّ ذلك ممّا يوجب معذورية كلّ من الجاهل الصرف الذي لم يسلك طريقاً أصلًا، و سالك طريق الاستحسان و الطرق العقلية المحضة، إذ لا حكم حينئذ لهم في الواقع، من دون فرق بين الجاهل الذي لم يسلك طريقاً أو السالك طريق غير الكتاب و السنّة.

بل المراد هو أنّ الحكم الواقعي غير مجعول في خصوص من حصّل العلم به من غير الكتاب و السنّة، فإنّ من قطع بالحكم الواقعي من غير الكتاب و السنّة إن كان قطعه مطابقاً للواقع، يقال له: إن هذا الحكم الواقعي الذي حصّلته من غير الكتاب و السنّة غير مجعول في حقّك، و حينئذٍ فعليه أن يحصّل حكمه الواقعي في تلك الواقعة، و أن يفحص عنه من طريق الكتاب و السنّة، فإن تفحّص و كان مقتضى الكتاب و السنّة هو ذلك الذي حصّله أوّلًا فهو، و إلّا بأن وصل من طريق الكتاب و السنّة إلى خلاف ذلك الذي حصّله أوّلًا كان معذوراً. هذا فيما إذا كان‏

____________

(1) وسائل الشيعة 27: 42/ أبواب صفات القاضي باب 6 ح 13.

31

قطعه السابق الذي حصّله من غير الكتاب و السنّة مطابقاً للواقع.

و منه يعرف الحال فيما لو فرض كونه غير مطابق للواقع، فإنّه يرى قطعه مطابقاً للواقع، فيقال له أيضاً: إنّ هذا الحكم الواقعي ليس بحكم لك، و حينئذٍ فالعقل أيضاً يلزمه بالفحص عن حكمه الواقعي من طريق الكتاب و السنّة، فإن أوصلاه إلى الحكم الواقعي فهو، و إلّا كان معذوراً أيضاً، هذا.

و لكن لا يخفى أنّ من فرضنا قطعه غير مطابق للواقع، لا ريب في أنّ حكمه الواقعي هو غير هذا الذي توصّل إليه من غير الكتاب و السنّة، غايته أنّه لأجل كونه قاطعاً به لا يمكن أن يقال له إنّ هذا ليس بحكمك الواقعي، بل يقال له إنّ توصّلك إلى الواقع بالقياس مثلًا أوجب أن لا يكون هذا حكمك الواقعي. أمّا الذي فرضنا كون قطعه مطابقاً للواقع غايته أنّه حصّله من القياس، فهذا لا يمكننا الالتزام بأنّ هذا الحكم الذي حصّله ليس حكمه الواقعي مع علمنا بأنّ قطعه مطابق للواقع، و أنّ حكمه الواقعي هو هذا.

و الحاصل: أنّا نسأل أنفسنا عن حكم هذا الشخص عند ما توصّل إلى القطع بهذا الحكم الواقعي من القياس، فنقول: إنّ حكمه الواقعي لا يعقل أن يكون هو غير هذا الحكم، لأنّ المفروض كون قطعه مطابقاً للواقع، و حينئذٍ إذا قلنا إنّ هذا الحكم الذي حصّله من القياس ليس بحكمه الواقعي، كان ذلك عبارة أُخرى عن أنّه لا حكم له في هذه الواقعة.

و من ذلك‏ كلّه يظهر لك التأمّل فيما أفاده الشيخ (قدّس سرّه) في الردّ على الأخباريين في ضمن قوله ثانياً بقوله (قدّس سرّه): إلّا أن يدّعى أنّ الأخبار المتقدّمة و أدلّة وجوب الرجوع إلى الأئمّة (صلوات اللّه عليهم أجمعين) تدلّ على مدخلية تبليغ الحجّة و بيانه في طريق الحكم، و أنّ كلّ حكم لم يعلم بطريق السماع عنهم (عليهم السّلام) و لو

32

بالواسطة فهو غير واجب الاطاعة، و حينئذٍ فلا يجدي مطابقة الحكم المدرك لما صدر عن الحجّة (عليه السّلام)(1). فإنّ أمثال هذه الكلمات لا معنى لها إلّا على ما أفاده الأُستاذ (قدّس سرّه) من رفع الحكم الذي حصل القطع به من غير طريق الكتاب و السنّة.

و يمكن أن توجّه مقالة الأخباريين بوجه آخر غير ما تقدّم من التوجيهات و ذلك بأن توجّه مقالتهم بأنّ الأحكام الواقعية لا أثر لها ما لم تصل إلى درجة الفعلية، التي هي درجة التبليغ و الإعلان، و المفروض أنّه منحصر بالكتاب و السنّة فلا أثر للحكم الواقعي الذي حصل القطع به من غير الكتاب و السنّة. و هذا توجيه حسن.

و لا يخفى أنّه لا يرد على هذا التوجيه ما تقدّم ذكره من أنّ لازمه هو أنّه لا حكم لذلك القاطع، بل أقصى ما فيه هو أنّ هذا الحكم الذي حصل القطع به لا من الكتاب و السنّة يكون مورد الشكّ في فعليته إن كان يحتمل أنّه قد بلّغه الحجّة.

كما أنّه لا يرد عليه أنّه محتاج إلى إقامة الدليل، لأنّ هذه المقدّمة و هي أنّه لا أثر للحكم الواقعي ما لم يصل إلى درجة الاجراء و التبليغ كافية في الدلالة عليه.

نعم، لا بدّ لها من ضمّ المقدّمة الأُخرى و هي انحصار التبليغ بالكتاب و السنّة. و هذه المقدّمة الثانية غير بعيدة، لأنّ المراد من التبليغ هو الإعلان و الاجراء، و صيرورة المولى بصدد تحصيل ذلك الحكم، و من الواضح أنّ هذه المرتبة لا يكفي في تحقّقها مجرّد الحكم العقلي، إلّا إذا كان بحيث يمكن الاعتماد عليه في حصول ما كان المولى بصدده من الإعلان و الاجراء و تحصيله من المكلّفين، و ذلك لا يكون إلّا إذا كان الحكم العقلي حاصلًا لنوع المكلّفين، و هو ما يعبّر عنه بكونه فطرياً، و لا ريب في ندرته، بل يمكن القطع بعدم تحقّقه‏

____________

(1) فرائد الأُصول 1: 62.

33

فيما نحن فيه من مورد الأحكام الشرعية، كما هو المشاهد لمن سبر الفقه، فإنّه لا يجد مسألة يكون الدليل على الحكم الشرعي فيها هو محض الدليل العقلي.

و أمّا التحسين و التقبيح العقليان و قاعدة الملازمة فهي فرض صرف، فأين المسألة التي استقلّ العقل بالحكم الشرعي فيها، بحيث يكون ذلك الحكم العقلي هو الكاشف الوحيد عن الحكم الشرعي، بحيث يكون الحكم العقلي كافياً في ثبوت ذلك الحكم الشرعي حتّى في مثل الظلم، فإنّه مضافاً إلى تصرّف الشارع المقدّس في موارده ممّا يكون قد خرج عن قبح الظلم حكماً أو موضوعاً بواسطة الطوارئ و العوارض، مثل باب معاملاته مع الكافر الحربي، و مثل أمره باخراج الكافر عن الجزيرة، الذي ظاهره لزوم إخراجهم منها حتّى مع عدم تعدّيهم على المسلمين، بل مثل حلّية الذبح و الصيد فإنّه من الظلم بنظر جملة من العقلاء، و هو مباح شرعاً لأُمور هناك تخرجه عن كونه ظلماً قبيحاً إخراجاً موضوعياً أو إخراجاً حكمياً، هذا حال المستقلّات العقلية.

و أمّا الوساوس الشيطانية من القياسات و الأُمور الاستحسانية فهي أخسأ و أحقر من أن تكون كاشفة عن الأحكام الشرعية. و هكذا الحال في مثل الجفر و نحوه من الأطياف و غيره من الأُمور الخيالية.

و الحاصل: أنّ الحكم العقلي إن كان على وجه يستكشف منه أنّ الحجج قد بلّغوا ذلك الحكم، غايته أنّ ذلك لم يصل إلينا، فلا أظنّ أنّ أحداً من الأخباريين لا يعتني بمثل ذلك الحكم العقلي الموجب حسب الفرض للقطع بأنّ الحجج قد بلّغوا ذلك الحكم. و إن كان ذلك الحكم العقلي مقروناً بالعلم بأنّ الحجج لم يبلّغوا ذلك الحكم، كان ذلك عبارة أُخرى عن أنّ ذلك الحكم لم يبلغ مرتبة الاجراء و التبليغ، فلا أثر له في مقام العمل. اللهمّ إلّا أن يعدّ ذلك الحكم‏

34

العقلي تبليغاً، و يكون عدم تبليغ الحجج ذلك الحكم اعتماداً على ذلك الحكم العقلي و اكتفاءً به لوضوحه. لكن يمكن أن يقال: إنّ المستفاد من الأخبار التي هي بمضمون «اسكتوا عمّا سكت اللَّه تعالى عنه» (1) هو عدم ترتّب الأثر على ذلك الحكم العقلي، و لو شكّ في ذلك فالبراءة حاكمة بنفيه.

و ينبغي أن يعلم أنّ مسألة حكم العقل بوجوب المقدّمة، و حرمة الضدّ المأمور بضدّه، و تصحيح العبادة المأمور بضدّها اعتماداً على الملاك، جميع هذه المسائل و نحوها خارجة عمّا هو محلّ النزاع مع الأخباريين في حجّية العقل، فإنّ الأوّلين لا يخرجان عن الاعتماد على الدليل الدالّ على وجوب ذي المقدّمة و الدالّ على وجوب أحد الضدّين، و لأجل الملازمة الذاتية بين الوجوبين أو بين وجوب الشي‏ء و حرمة ضدّه نحكم بذلك، و كذلك الاعتماد على الملاك في المسألة المفروضة، لأنّ إثباته إنّما هو بالاطلاق لا بالمقدّمات العقلية كما حقّق في محلّه، فراجع‏ (2).

ثمّ لا يخفى‏ أنّ الشيخ (قدّس سرّه) قال في أوّل رسالة القطع في مقام بيان القطع الموضوعي، و أنّه ربما كان القطع فيه مطلقاً أو كان قطعاً خاصّاً من طريق خاصّ قال ما هذا لفظه: و حكمه أنّه يتّبع في اعتباره مطلقاً أو على وجه خاصّ دليل ذلك الحكم الثابت الذي أُخذ العلم في موضوعه، فقد يدلّ على ثبوت الحكم لشي‏ء بشرط العلم به، بمعنى انكشافه للمكلّف من غير خصوصية للانكشاف كما في حكم العقل بحسن إتيان ما قطع العبد بكونه مطلوباً لمولاه، و قبح ما يقطع بكونه‏

____________

(1) بحار الأنوار 2: 260/ ب 31/ 14، من لا يحضره الفقيه 4: 75/ باب نوادر الحدود ح 5149.

(2) راجع المجلّد الثالث من هذا الكتاب، الصفحة: 151 و ما بعدها.

35

مبغوضاً، فإنّ مدخلية القطع بالمطلوبية أو المبغوضية في صيرورة الفعل حسناً أو قبيحاً عند العقل، لا يختصّ ببعض أفراده، و كما في حكم الشارع بحرمة ما علم أنّه خمر أو نجاسته بقول مطلق، بناءً على أنّ الحرمة و النجاسة الواقعيتين إنّما تعرضان مواردهما بشرط العلم لا في نفس الأمر كما هو قول بعض. و قد يدلّ دليل ذلك الحكم على ثبوته لشي‏ء بشرط حصول القطع به من سبب خاصّ أو شخص خاصّ، مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريين من عدم جواز العمل في الشرعيات بالعلم الغير الحاصل من الكتاب و السنّة كما سيجي‏ء، و ما ذهب إليه بعض من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق اللَّه تعالى الخ‏ (1).

و لا يخفى أنّ هذا الذي أفاده نقلًا عن بعض الأخباريين لا دخل له بدعوى كون الحكم الشرعي مختصّاً بخصوص من علم به من طريق الكتاب و السنّة، و أنّ من علم الحكم الشرعي من الطرق الأُخر لا حكم له، بل إنّ تلك الجملة مسوقة لبيان دعوى بعض الأخباريين اختصاص حجّية القطع و لزوم العمل به بخصوص القطع الحاصل من الكتاب و السنّة، إذ ليس مراده بالحكم في قوله: و قد يدلّ دليل ذلك الحكم، هو الحكم الشرعي الواقعي، بل المراد بالحكم المذكور هو الحكم العقلي الذي هو وجوب العمل بالقطع في الشرعيات، فإنّ هذا الحكم العقلي حكم من الأحكام، يكون موضوعه هو القطع بأمر شرعي، و هذا الحكم يكون مقيّداً بما إذا كان القطع حاصلًا من الكتاب و السنّة، غاية الأمر أنّ هذا الحكم ليس بحكم شرعي، بل هو حكم عقلي موضوعه القطع بالحكم الشرعي، و كون القطع موضوعاً لحكم من الأحكام لا ينحصر بما إذا كان ذلك الحكم شرعياً، فإنّه (قدّس سرّه) قد مثّل للقطع الموضوعي الذي كان مطلقاً و غير مقيّد بسبب خاصّ بلزوم إطاعة

____________

(1) فرائد الأُصول 1: 31- 32.

36

العبد و امتثال ما علم أنّ مولاه قد أمر به، مع أنّ وجوب الاطاعة حكم عقلي لا شرعي.

و على هذا فيكون الحاصل من مجموع كلامه (قدّس سرّه) في ذلك المقام أنّه بصدد بيان أنّ القطع الموضوعي يمكن أن يكون مطلقاً، و يمكن أن يكون مقيّداً بسبب خاصّ، و الحكم في كلّ منهما تارةً يكون حكماً شرعياً، و أُخرى يكون حكماً عقلياً، فتكون الصور أربعاً.

و قد مثّل لكلّ واحدة منها بمثال، فمثال الصورة التي يكون الحكم فيها عقلياً و يكون القطع الموضوعي مطلقاً، هو ما ذكره من حكم العقل بحسن امتثال ما قطع العبد أنّه أمره به المولى و بقبح عصيانه.

و مثال الصورة التي يكون الحكم فيها شرعياً مع كون القطع الموضوعي مطلقاً، هو ما ذكره من مثال العلم بالخمرية بالنسبة إلى الحكم الشرعي بالنجاسة على رأي بعضهم.

و مثال الصورة التي يكون الحكم فيها عقلياً، مع كون القطع الموضوعي مقيّداً بسبب خاصّ، هو ما ذكره من جواز العمل بالقطع في الشرعيات، بناء على ما ذهب إليه بعض الأخباريين من اختصاص القطع المذكور بما إذا كان ناشئاً من الكتاب أو السنّة، فإنّ الجواز المذكور حكم عقلي، و موضوعه هو القطع المقيّد بكونه حاصلًا من الكتاب و السنّة، فيكون مراده بالحكم في قوله: و قد يدلّ دليل الحكم على ثبوته لشي‏ء بشرط حصول القطع به الخ، هو نفس جواز العمل بالقطع المتعلّق بالشرعيات لا الشرعيات نفسها، و المراد بالشي‏ء في قوله: على ثبوته لشي‏ء، هو أحد الأُمور الشرعية، و الضمير في قوله: بشرط حصول القطع به، راجع إلى الشي‏ء لا إلى الحكم.

37

نعم، يرد على هذا البعض من الأخباريين ما هو واضح، من عدم معقولية تخصيص حجّية القطع بخصوص قطع خاصّ، و هو ما عقده بعد ذلك للنزاع مع الأخباريين في حجّية القطع الناشئ من المقدّمات العقلية، و ليس غرضه هنا إلّا مجرّد المثال.

و من ذلك يظهر لك التأمّل في قوله: و بما ذكرنا يرتفع ما ربما يستشكل في عبارة الشيخ من جعله مقالة الأخباريين من أمثلة العلم المأخوذ موضوعاً، مع أنّه لا يمكن الخ‏ (1)، فإنّه قد اتّضح لك أنّ ذلك ليس من قبيل المثال لما يكون العلم فيه جزءاً من الموضوع للحكم الشرعي، كي يتوجّه عليه الإشكال المذكور، و يحتاج إلى الجواب بما أُفيد من متمّم الجعل، بل هو من قبيل المثال لما يكون العلم فيه جزءاً من الموضوع للحكم العقلي، فلاحظ و تأمّل.

و مثال الصورة التي يكون الحكم فيها شرعياً مع كون القطع الموضوعي مقيّداً بسبب خاصّ، هو ما ذكره من جواز عمل القاضي بما ثبت عنده من حقوق اللَّه تعالى، فإنّ الثبوت فيه يكون موضوعاً لجواز العمل، و هو- أعني الثبوت المذكور- مقيّد بما إذا كان من الموازين الشرعية المقرّرة في كتاب القضاء، دون ما إذا كان ثبوت ذلك بعلمه.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) استطرد في التمثيل بما لو كان قطع شخص موضوعاً لحكم في حقّ شخص آخر، فإنّه ربما كان القطع المذكور مقيّداً بما إذا كان حاصلًا من سبب خاص، كما في رجوع العامي إلى المجتهد العالم بالحكم، فإنّه مقيّد بما إذا كان علمه به ناشئاً عن الموازين المقرّرة للمجتهد، دون ما إذا كان من مثل الجفر و الرمل و نحوهما، و مثل قبول الشهادة إذا كان الشاهد عالماً بما يشهد به عن حس‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 14.

38

لا عن حدس.

و أمّا ما ذكره (قدّس سرّه) من مثال رجوع العامي إلى المجتهد الفاسق أو غير الإمامي، فليس من قبيل تقييد القطع بما إذا كان من سبب خاصّ، بل هو من قبيل التقييد بكون القاطع شخصاً خاصّاً.

قوله: و ليس هذا في الحقيقة نهياً عن العمل بالعلم‏- إلى قوله- بل مرجع ذلك إلى التصرّف في المعلوم و الواقع الذي أمره بيد الشارع فالتصرّف يرجع إلى ناحية المتعلّق‏- إلى قوله- إذ الحكم الواقعي قيّد بغير ما أدّى إليه القياس ... الخ‏ (1).

ظاهره بل لازمه أنّه لو أدّى القياس الموجب للقطع إلى القطع بالحكم الواقعي، بحيث إنّه كان ما أدّى إليه القياس هو نفس الحكم الواقعي، بأن اتّفق أنّ ذلك القياس المؤدّي إلى القطع بالحكم الواقعي كان مطابقاً للواقع، لكنّه لم يأخذه إلّا من طريق القياس، لم يكن الحكم الواقعي المذكور متحقّقاً في حقّ ذلك المستدلّ، لأنّه حسب الفرض مقيّد بغير ما أدّى إليه القياس، و هذا ممّا لا يمكن الالتزام به.

فالأولى أن يقال: إنّ رواية أبان‏ (2) كما لا دلالة فيها على النهي عن العمل بالقطع القياسي، فكذلك لا دلالة فيها على تقييد الحكم الواقعي بغير ما أدّى إليه القياس، بل أقصى ما دلّت عليه هو بيان أنّ القياس لا يكون من الأدلّة، و أنّ السنّة إذا قيست محق الدين، لكثرة الخطأ في القياس. ثمّ إنّه (عليه السّلام) ناقشه في مقدّمات قياسه، و بيّن له القاعدة في معاقلة المرأة للرجل، و أنّها تعاقله إلى حدّ الثلث من‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 13.

(2) وسائل الشيعة 29: 352/ أبواب ديات الأعضاء ب 44 ح 1.

39

الدية، فإذا زادت على الثلث رجعت إلى النصف. و بهذا البيان أفسد مقدّمات قياسه، و أزال قطعه الحاصل من ذلك القياس.

فائدة:

أنّ هذه الجملة الشريفة و هي «إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية» ذكرها ابن قتيبة في أوّل كتابه أدب الكاتب فقال: و لا بدّ له (أي للكاتب) مع ذلك من النظر في جمل الفقه و معرفة أُصوله من حديث رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله) و صحابته كقوله: البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه، و الخراج بالضمان، و جرح العجماء جبار- إلى قوله- و المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، الخ‏ (1).

قوله: فتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ العلم إذا تعلّق بموضوع خارجي فالعلم بالنسبة إلى ذلك الموضوع يكون طريقاً محضاً، و بالنسبة إلى أحكام ذلك الموضوع يمكن أن يكون طريقاً و يمكن أن يكون موضوعاً (2).

قلت: هذا بالنسبة إلى حكم ذلك الموضوع الذي تعلّق به القطع، و أمّا بالنسبة إلى حكم آخر فلا بدّ أن يكون موضوعاً، مثلًا إنّ الخمر موضوع و حكمه الواقعي هي الحرمة، لكن يمكن أن يكون العلم بالخمرية موضوعاً لحكم آخر مثل أن يقول: إذا علمت بخمرية المائع الفلاني وجب عليك التصدّق بدرهم، أو أن يقول: إنّ معلوم الخمرية حكمه النجاسة، لكن لا بدّ في ذلك الحكم الآخر [أن يكون‏] غير مضادّ و لا مماثل للحكم الواقعي المتعلّق بالخمر كما مثّلنا، و لا يصحّ أن يقول: إذا علمت بخمرية المائع وجب عليك شربه أو حرم عليك شربه، مع فرض كون حكم الخمر الواقعي هو الحرمة.

____________

(1) أدب الكاتب: 10.

(2) فوائد الأُصول 3: 14.

40

قوله: و إذا تعلّق بحكم شرعي فيمكن أن يكون بالنسبة إلى حكم آخر موضوعاً، كما أنّه يمكن أن يكون موضوعاً بالنسبة إلى نفس ذلك الحكم لكن بنتيجة التقييد ... الخ‏ (1).

أمّا الأخير فقد عرفت‏ (2) أنّه لا يمكن إصلاحه بمتمّم الجعل الراجع إلى رفع ذلك الحكم عن الجاهل، و أنّ توجيهه منحصر بجعل الحكم على الذات التي تكون مقترنة بالعلم بنفس ذلك الحكم، من دون أن يؤخذ ذلك قيداً فيها، لكنّي في شكّ من ذلك، و لم نعثر فعلًا على حكم من الأحكام الشرعية يكون مقيّداً بالعلم به بنفسه. و مسألة الجهر و الإخفات و القصر و الاتمام لا ينحصر توجيهها بذلك، بل لها توجيهات أُخر تعرّضنا لها في محلّها (3)، فراجعها.

و أمّا الأوّل و هو أخذ العلم بالحكم موضوعاً لحكم آخر فهو أيضاً مشروط بما تقدّم ذكره من عدم كونه مضادّاً و مماثلًا للحكم الذي تعلّق به القطع المذكور، مثل أن يقول: إذا علمت بحرمة شرب الخمر فتصدّق بدرهم، دون ما لو قال: إذا علمت بحرمة شرب الخمر جاز لك شربها أو حرم عليك شربها.

أمّا الأوّل فواضح لكونه تناقضاً، و لا يصلحه اختلاف الرتبة.

و منه يظهر لك الحال في الثاني، بناءً على محالية اجتماع المثلين‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 14.

(2) في الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 22 و ما بعدها.

(3) أشار (قدّس سرّه) إلى ذلك في الصفحة: 28، و تعرّض (قدّس سرّه) لذلك في مبحث الترتّب، فراجع المجلّد الثالث من هذا الكتاب الصفحة: 398 و ما بعدها، و سيأتي في المجلّد الثامن من هذا الكتاب التعرّض له أيضاً، فراجع الصفحة: 550 و ما بعدها في التعليق على فوائد الأُصول 4: 291- 292 و كذا ما بعدها من الحواشي.

41

كالضدّين، إذ لا يصلحه حينئذ اختلاف الرتبة. أمّا إصلاحه بالتأكّد فهو أيضاً غير تامّ، إذ لا يمكن تأكّد السابق في الرتبة بما يكون متأخّراً عنه.

نعم، من جمع بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظاهرية باختلاف الرتبة بحيث إنّه أجاب عن التدافع بينهما باختلاف الرتبة، يتوجّه عليه الإشكال بذلك، و أنّه ينبغي أن يسوغ للحاكم أن يقول: إذا قطعت بحرمة الخمر جاز أو وجب عليك شربها، أو حرم عليك شربها بحرمة ثانية مماثلة للأُولى. و لا يمكنه الجواب عنه بأنّه تناقض أو اجتماع مثلين في نظر القاطع، فلأجل ذلك لم يصحّ ذلك الجعل الثاني.

و لكن لا يخفى أنّه بعد فرض أنّ اختلاف الرتبة مسوّغ لذلك الجمع كيف يكون ذلك تناقضاً بنظر القاطع، فتأمّل.

نعم، أجاب عنه المرحوم الشيخ عبد الكريم (قدّس سرّه) في أوائل القطع بأنّ القطع بالحكم يحقّق موضوع الاطاعة و المعصية في نظر القاطع، و مع تحقّقهما في نظر القاطع يكون الحكم على خلاف ما قطع به ترخيصاً في ترك الاطاعة و في فعل المعصية، و هو قبيح عقلًا، لا من جهة التناقض بين الحكمين‏ (1).

و لا يخفى أنّا لو سلّمنا ذلك كلّه يبقى الإشكال في الحكم المماثل، فإنّه لا يشتمل على ما ذكره من الترخيص في ترك الطاعة و فعل المعصية. كما أنّه لا وجه فيه للاندكاك، لأنّ المفروض اختلاف الرتبة المانع من الاندكاك. اللهمّ إلّا أن يلتزم فيه بكون ذلك من قبيل اجتماع العنوان الأوّلي و الثانوي، لكن لازمه الالتزام بالكسر و الانكسار في الحكم المضادّ أو المناقض، فلاحظ و تأمّل.

____________

(1) درر الفوائد 1- 2: 327- 329 (نُقل بالمضمون).

42

و لشيخنا (قدّس سرّه) في هذا المقام كلمات حرّرناها فيما علّقناه ص 24 (1)، و راجع ما في التحريرات المطبوعة في صيدا، فإنّه قال في التحريرات المزبورة: بقي هناك شي‏ء و هو أنّ موضوع الحكم إذا كان مرسلًا و غير مقيّد بكونه معلوماً، فهل يمكن أخذ القطع به في موضوع حكم آخر مثله أو ضدّه أم لا؟ أمّا بالنسبة إلى الضدّ فلا إشكال في عدم جوازه، لما فيه من اجتماع الضدّين، و امتناع امتثال المكلّف في الخارج. و أمّا بالنسبة إلى الحكم المماثل فربما يقال فيه بالجواز، نظراً إلى عدم ترتّب محذور على ذلك إلّا ما يتوهّم من استلزامه لاجتماع المثلين، و هو لا يكون بمحذور في أمثال المقام أصلًا، فإنّ اجتماع عنوانين في شي‏ء واحد يوجب تأكّد الطلب، و أين ذلك من اجتماع الحكمين المتماثلين، و قد وقع نظير ذلك في جملة من الموارد، كما في موارد النذر على الواجب و أمثاله.

و لكن التحقيق هو استحالة ذلك أيضاً، فإنّ القاطع بالخمرية مثلًا إنّما يرى الخمر الواقعي، و لا يرى الزجر عمّا قطع بخمريته إلّا زجراً عن الواقع، فليس عنوان مقطوع الخمرية عنده عنواناً آخر منفكّاً عن الخمر الواقعي و مجتمعاً معه أحياناً حتّى يمكن تعلّق حكم آخر عليه في قبال الواقع، كما في موارد اجتماع وجوب الشي‏ء في حدّ نفسه مع وجوب الوفاء بالنذر و أمثاله، و مع عدم قابلية هذا العنوان لعروض حكم عليه في نظر القاطع لا يمكن جعله له حتّى يلتزم بالتأكّد في موارد الاجتماع‏ (2).

و بنحو ذلك صرّح فيما حرّرته، قال: بقي في المقام مطلب متعلّق بما تقدّم من إمكان أخذ العلم قيداً أو مانعاً بالنسبة إلى ما تعلّق به من الحكم على نحو

____________

(1) لعلّ المقصود بذلك تحريراته (قدّس سرّه) المخطوطة.

(2) أجود التقريرات 3: 34- 35.

43

نتيجة التقييد، فاتتنا الاشارة إليه في محلّه، و هو أنّ ذلك العلم المتعلّق بحكم من الأحكام لا يعقل أن يكون موضوعاً لحكم آخر يماثله أو يضادّه. أمّا الثاني فواضح، لكونه موجباً لاجتماع الضدّين. و أمّا الأوّل فقد يتوهّم أنّه لا بأس به فيكون من قبيل العناوين الأوّلية و الثانوية، بأن يكون الأوّلي لاحقاً لنفس موضوعه، و يكون الحكم الثانوي لاحقاً له بعنوان كون ذلك الحكم معلوماً، و يندك أحد الحكمين بالآخر، و يتأكّد الأوّل بالثاني.

و فيه: ما لا يخفى من الفرق الواضح بين العنوان الثانوي الذي يكون من قبيل النذر، و بين ما إذا كان من قبيل العلم، فإنّ الأوّل يصلح لأنّ يكون علّة في إيجاد حكم ثانٍ، بخلاف الثاني- أعني العلم- فإنّه لا يصلح لذلك، حيث لا يكون النظر فيه إلّا من جهة الكشف عن متعلّقه، فلا يكون مؤثّراً في الواقع أصلًا، فلا يعقل أن يكون له المدخلية في شي‏ء أصلًا، و لا يمكن أن يكون مؤثّراً في المصالح و المفاسد الواقعية، فهو غير صالح لأن يكون مؤثّراً في جعل حكم على موضوع الحكم الذي تعلّق به لا ملاكاً و لا خطاباً، فتأمّل.

قلت: و بين التحريرين فرق، في أنّ الأوّل مسوق لبيان أنّ العلم المتعلّق بموضوع ذي حكم واقعي لا يمكن أخذه في موضوع آخر يماثل حكم متعلّقه أو يضادّه، و الثاني مسوق لبيان أنّ العلم المتعلّق بحكم واقعي لا يمكن أخذه موضوعاً لحكم آخر يماثل متعلّقه أو يضادّه.

و لا يخفى أنّ التأكّد لا يتأتّى في الفرض الثاني، و هو أخذ القطع بالحكم الواقعي موضوعاً لحكم آخر يضادّه أو يماثله، كما هو آت في أخذ القطع بموضوع ذي حكم موضوعاً لحكم آخر يضادّ حكم متعلّقه أو يماثله، إذ لا يمكن تصحيح أخذه في المماثل بالتأكّد، لما عرفت من أنّ التأكّد إنّما يتأتّى في اتّحاد

44

الرتبة كما في نذر الفعل الواجب، فإنّ ذلك الفعل المنذور في حدّ نفسه يكون واجباً، و بواسطة تعلّق النذر به يكون واجباً بوجوب آخر، فنلتزم بتأكّد الوجوبين لكونهما معاً في رتبة واحدة، حيث إنّ تعلّق النذر بذات الفعل المفروض كونه واجباً لا يكون متأخّراً في الرتبة عن نفس وجوبه الأوّلي، بخلاف العلم بنفس الوجوب، فإنّه لو أُخذ في وجوب مماثل لما تعلّق به العلم المذكور، كان الوجوب الثاني متأخّراً في الرتبة عن الوجوب الأوّل، و لا يمكن أن يكون الثاني منهما مؤكّداً للأوّل.

نعم، يتأتّى ذلك في الأوّل، و هو أخذ العلم بموضوع ذي حكم واقعي موضوعاً لحكم آخر مماثل للحكم الأوّل، مثل أن يقول: إذا علمت بكون الشي‏ء خمراً- المفروض كونه حراماً في الواقع- فقد حرم شربها.

و ما أفاده (قدّس سرّه) في التحريرات المشار إليها من الجواب عنه بما يرجع إلى استحالته من جهة أنّ القاطع بالخمرية إنّما يرى الخمر الواقعي، قابل للتأمّل، فإنّ لازمه هو عدم إمكان أخذ القطع بشي‏ء موضوعاً لحكم من الأحكام، من جهة أنّ القاطع لا يرى إلّا متعلّق قطعه. و كذلك الحال فيما نقلناه عنه (قدّس سرّه) من كون العلم غير قابل للتأثير في عالم المصالح و المفاسد.

و الخلاصة: أنّه على الظاهر لا مانع من أخذ العلم بموضوع ذي حكم موضوعاً لما يماثل حكم ذلك الموضوع.

لا يقال: إذا سوّغتم اجتماع المتماثلين و دفعتم الإشكال بالتأكّد، فلِمَ لم تسوّغوه في الضدّين أو المتناقضين و تدفعوا الإشكال فيه بالكسر و الانكسار، بناءً على ما ذكرتموه من كون عنوان القطع مؤثّراً في الصلاح و الفساد.

لأنّا نقول: إنّما لم نلتزم بذلك لأنّه موجب للغوية الحكم الواقعي، إذ لا أثر

45

له إلّا عند قيام الحجّة عليه التي هي القطع أو الظنّ المعتبر القائم مقامه، فإذا قلنا إنّ هذه العناوين موجبة لقلب الواقع، كان ذلك الحكم الواقعي لغواً في مورد قيام القطع أو الظنّ المعتبر على تحقّق موضوعه.

نعم، في مثل ما لو قال: إذا قطعت بخمرية الشي‏ء- المفروض كون حكمها الواقعي هو الحرمة- فقد حرمت عليك، لو كان أخذ القطع المذكور في الحرمة الثانية على نحو تمام الموضوع، و اتّفق خطأ ذلك القطع بأن كان ذلك الشي‏ء ماءً مطلقاً و حكمه الواقعي الأوّلي هو الجواز، يكون اللازم هو اجتماع النقيضين بالنسبة إلى ذلك القاطع، فلا بدّ في مثل ذلك من الالتزام بالكسر و الانكسار، فتأمّل.

و الخلاصة: أنّ ما نقلناه عنه (قدّس سرّه) من أنّ القطع بالخمرية مثلًا لا يعقل أن يكون مؤثّراً في صلاح أو فساد، لعلّه سدّ لباب القطع الموضوعي بالمرّة.

و أمّا ما نقله عنه (قدّس سرّه) في التحريرات المشار إليها من أنّ القاطع بالخمرية مثلًا إنّما يرى الخمر الواقعي، و لا يرى الزجر عمّا قطع بخمريته إلّا زجراً عن الواقع الخ، يمكن القول بأنّه من باب المغالطة الناشئة عن اشتباه المفهوم بالمصداق، فإنّ الذي لا يرى نفس القطع إنّما هو القاطع في مرتبة عروض قطعه، و الذي يأخذ القطع موضوعاً إنّما هو الحاكم، غايته أنّه في حال جعل الحكم يلاحظ القطع حاكياً عمّا في الخارج من القطع الواقع آلة للحاظ متعلّقه، و من الواضح أنّ الحاكم في مرتبة لحاظه القطع حاكياً عمّا هو في الخارج آلة للحاظ متعلّقه، لا يكون القطع بالنسبة إليه حاكياً عن متعلّقه، بل لا يكون إلّا حاكياً عن نفسه كما عرفت‏ (1) في تصوير أخذ القطع من حيث الطريقية تمام الموضوع.

____________

(1) في الصفحة: 20 قوله: و ثانياً.

46

لا يقال: إنّ القاطع إذا فرض أنّه لا يرى من قطعه إلّا الواقع، كيف يلتفت إلى قطعه المفروض كونه موضوعاً للحكم.

لأنّا نقول: هذا أمر سهل، فإنّه بعد مرتبة عروض القطع بالخمرية يلتفت إلى أنّه قد قطع بها و صارت معلومة لديه، و بذلك يتحقّق عنده موضوع الحكم الثاني.

و أمّا ما أفاده لبرهان المنع من أخذ القطع بالموضوع موضوعاً لحكم يكون ضدّاً لحكم ذلك الموضوع، بقوله: أمّا بالنسبة إلى الضدّ فلا إشكال في عدم جوازه، لما فيه من اجتماع الضدّين و امتناع امتثال المكلّف في الخارج الخ‏ (1) فيمكن القول بأنّ المسألة لا تنتهي إلى اجتماع الضدّين، لأنّ الموضوع مختلف، حيث إنّ موضوع الحكم الأوّل هو نفس الخمر مثلًا، و موضوع الحكم الثاني هو العلم بالخمرية، فلا يكون اجتماع الحكمين المتضادّين في موضوع واحد. نعم إنّ الخمر بعنوانها الأوّلي تكون محكومة بالحرمة، و بعنوانها الثانوي تكون محكومة بالوجوب أو الجواز مثلًا، و حينئذٍ يكون المقام من قبيل الكسر و الانكسار، كما هو الشأن في اجتماع العناوين الأوّلية مع العناوين الثانوية، و حيث يكون الغالب هو ذا العنوان الثانوي، يكون الحكم اللاحق للعنوان الأوّلي لغواً كما عرفت. و أمّا التعليل بعدم المقدورية على التكليفين، فهو إنّما يتأتّى فيما لو كان كلّ من الحكمين إلزامياً، أمّا إذا لم يكونا إلزاميين، مثل أن يكون الأوّل هو الكراهة و الثاني هو الاباحة، أو كان أحدهما إلزامياً و الآخر غير الزامي، فلا يتأتّى التعليل، لعدم إمكان اجتماعهما بعدم القدرة على امتثالهما.

و اعلم‏ أنّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه) أشار إلى بعض صور هذه المسألة فقال: الأمر

____________

(1) أجود التقريرات 3: 34.

47

الرابع: لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم للزوم الدور، و لا مثله للزوم اجتماع المثلين، و لا ضدّه للزوم اجتماع الضدّين. نعم يصحّ أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أُخرى منه أو مثله أو ضدّه الخ‏ (1) فلم يذكر إلّا صورة أخذ القطع بحكم في موضوع حكم آخر يماثله أو يضادّه.

و شيخنا (قدّس سرّه) حسبما نقله في التحرير المشار إليه‏ (2) لم يذكر إلّا الصورة الثانية، و هي صورة أخذ القطع بموضوع ذي حكم موضوعاً لحكم آخر يماثل حكم متعلّقه أو يضادّه.

و كيف كان، فقد يقال في الصورة الأُولى بالصحّة، نظراً إلى اختلاف الرتبة، و بذلك جمع هذا القائل بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظاهرية، غير أنّه منعه في صورة العلم لكونه تناقضاً في نظر القاطع.

و فيه: أنّه لو كان اختلاف الرتبة مصحّحاً لاجتماع النقيضين أو الضدّين، لم يكن ذلك تناقضاً حتّى في نظر القاطع، و حينئذٍ يتعيّن عليه أن يقول في الجواب عن صورة العلم بالحكم الواقعي إنّ المانع منه هو عدم القدرة.

و على كلّ حال، أنّ الجواب بالتناقض أو عدم القدرة إنّما يحسن في صورة أخذ القطع بحكم موضوعاً لحكم آخر يضادّ ذلك الحكم الذي تعلّق به القطع.

أمّا صورة أخذ القطع بموضوع ذي حكم موضوعاً لحكم آخر يضادّ حكم ذلك المتعلّق، فالأولى في الجواب عنها بأنّها من قبيل العناوين الأوّلية و الثانوية الموجبة للكسر و الانكسار، الموجب للغوية الجعل الأوّل إن كان هو المغلوب، أو الجعل الثاني إن كان هو المغلوب.

____________

(1) كفاية الأُصول: 266- 267.

(2) أجود التقريرات 3: 34- 35.

48

و حينئذٍ لا يكون الأمر منتهياً إلى اجتماع الضدّين، و لا إلى عدم القدرة، بل يكون عمدة الإشكال هو لزوم اللغوية. نعم بناءً على أنّ ذلك من قبيل العناوين الأوّلية و الثانوية يكون اللازم في صورة المماثل هو الالتزام بالتأكّد، فتأمّل‏ (1).

هذا كلّه مبني على أنّ الحكم الآتي من ناحية القطع في الصورة الثانية غير متأخّر في الرتبة عن الحكم الواقعي للموضوع الذي تعلّق به القطع المذكور و حينئذٍ يكون مورداً للتأكّد لو كان الحكم الثاني مماثلًا للأوّل، و للكسر و للانكسار لو كان مضادّاً له، بخلاف الصورة [الأُولى‏] فإنّ الحكم الثاني الآتي من ناحية القطع لمّا كان متأخّراً في الرتبة عن الحكم الذي تعلّق به القطع المذكور، لم يمكن الالتزام فيه بالاندكاك و التأكّد فيما لو كان مماثلًا، و لا بالكسر و الانكسار لو كان مضادّاً، لأنّهما لأجل اختلافهما في الرتبة لا يعقل فيهما الاندكاك و التأكّد، و لا

____________

(1) [وجدنا هنا ورقة منفصلة ذكر (قدّس سرّه) فيها ما يلي:] و خلاصة البحث: أنّ العلم المتعلّق بحكم أو بموضوع ذي حكم لا يمكن جعله موضوعاً لحكم آخر مماثل لمتعلّقه أو لحكم متعلّقه و لا مضادّ له، للزوم اجتماع المثلين أو الضدّين، و اختلاف الرتبة لا يدفع الغائلة. و لو التزمنا بالتأكّد في المثلين كان ذلك تخريجاً على العناوين الثانوية بالنسبة إلى العناوين الأوّلية ليكون قولنا إذا قطعت بحرمة الخمر حرمت عليك، أو إذا قطعت بأنّ هذا خمر الذي هو حرام واقعاً حرم عليك، من قبيل حرمة شرب النجس، و أنّه لو كان مغصوباً كان شربه حراماً. و إذا ألحقنا ما نحن فيه بذلك الباب أعني باب العناوين الأوّلية، كان اللازم هو الالتزام بالكسر و الانكسار في صورة كون الحكم الآخر مضادّاً للحكم الأوّل، و حينئذٍ يكون جعل الحكم الأوّل لغواً، لأنّه لا أثر له عند عدم العلم، و عند العلم به يتأكّد بالحكم الآخر أو يرتفع بذلك الحكم الآخر. نعم يمكن ذلك في الجهل بالنسبة إلى الحكم الأوّلي المجعول للذات، بجعل الجهل عنواناً ثانوياً رافعاً لحكم الذات، و لا يكون موجباً للغوية جعل الحكم الأوّل، لتحقّقه و ترتّب الأثر عليه عند العلم به، فلاحظ و تأمّل.

49

يعقل فيهما الكسر و الانكسار أيضاً.

و لكن هذا الفرق لا يخلو من تأمّل، فإنّ الحكم الآتي من القطع في الصورة [الثانية] أيضاً يكون متأخّراً في الرتبة عن الحكم الذي هو لاحق للموضوع الذي تعلّق به القطع المزبور، فإنّ الحكم الواقعي للخمر الواقعي لا شبهة في تأخّره رتبة عن موضوعه الذي هو الخمر، كما أنّ العلم بالخمرية أيضاً يكون متأخّراً عن نفس الخمرية، فيكون العلم بالخمرية مع الحرمة اللاحقة للخمر في رتبة واحدة، لكون كلّ منهما متأخّراً رتبة عن نفس الخمرية، فالحكم الآخر الآتي من ناحية العلم بالخمرية لا بدّ أن يكون متأخّراً عن الحكم الأوّل اللاحق لنفس الخمرية، لكونه متأخّراً عن العلم بها الواقع في رتبة الحرمة اللاحقة لنفس الخمرية، لأنّ ما هو متأخّر رتبة عن الشي‏ء يكون متأخّراً رتبة عمّا هو في رتبة ذلك الشي‏ء، مثلًا لو كان للعلّة الواحدة معلولان و كان أحد المعلولين علّة لمعلول آخر، يكون ذلك المعلول الثالث واقعاً في رتبة المعلول الآخر الذي هو في الرتبة توأم مع علّته، و بناءً على ذلك تتّحد الصورتان في عدم إمكان الالتزام فيهما بالتأكّد في صورة المماثلة و الكسر و الانكسار في صورة المضادّة.

لا يقال: إنّ الحكم الواقعي أعني الحرمة اللاحقة للخمر لمّا كان موضوعها و هو الخمر مطلقاً من ناحية العلم به إطلاقاً لحاظياً، كانت الحرمة المذكورة واردة على كلّ من الخمر المعلوم الخمرية و الخمر المجهول الخمرية، فتكون الحرمة المذكورة متأخّرة رتبة عن العلم و الجهل بالخمرية، فتكون في عرض الحكم الآتي من ناحية العلم بالخمرية، فيكون الحكمان في رتبة واحدة.

لأنّا نقول: ليس مفاد الاطلاق اللحاظي هو كون العلم بالخمرية و الجهل بها واقعين تحت الحكم بالحرمة المذكورة، على وجه يكونان جزء موضوعها لتكون‏

50

متأخرة رتبة عنهما، بل مفاده هو أنّ هذا الحكم و هو الحرمة وارد على ذات الخمر و لا دخل للجهل و لا للعلم بالخمرية في موضوعيته للحرمة المذكورة، فلا يكون العلم بالخمرية متقدّماً رتبة على حكم الخمر واقعاً، كي يكون الحكم الثاني الحاصل من العلم واقعاً في عرض الحكم الأوّل، بل هو متأخّر عنه لكونه واقعاً في مرتبة ما هو متأخّر عنه، لأنّ ما هو متأخّر عن الشي‏ء يكون متأخّراً عمّا هو في رتبة ذلك الشي‏ء.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ ما هو متأخّر رتبة عن الشي‏ء لا يلزم أن يكون متأخّراً في الرتبة عمّا هو في عرض ذلك الشي‏ء، و كما أنّه ليس بمتأخّر عنه فهو أيضاً ليس بمقدّم عليه، بمعنى أنّه ليس بينهما تأخّر و لا تقدّم رتبي، إذ لا علّية و معلولية بينهما، و مجرّد كونه واقعاً في عرض علّته لا يوجب كونه متأخّراً عنه، كما أنّه ليس بمقدّم عليه.

و كيف كان، فقد عرفت أنّ التأخّر الرتبي يمنع من التأكّد كما يمنع من الكسر و الانكسار، لكنّه لا يصحّح الاجتماع، لأنّ ما يحكم بمحاليته هو الاجتماع في الزمان الواحد و هو حاصل وجداناً، و اختلافهما في الرتبة لا يرفع غائلة اجتماعهما في الزمان.

لا يقال: إنّ اختلاف الرتبة يرفع غائلة الاجتماع كاختلاف الزمان، كما في العلّة و المعلول فإنّهما مجتمعان في الزمان الواحد، مع أنّ المعلول معدوم في مرتبة العلّة، كما أنّ العلّة ليست متحقّقة في رتبة المعلول، فيلزم من ذلك اجتماع النقيضين أعني وجود العلّة يعني في الرتبة السابقة على المعلول، و عدمها يعني في رتبة المعلول، و هكذا الحال في المعلول فإنّه معدوم يعني في رتبة العلّة، و موجود يعني في الرتبة المتأخّرة عن العلّة، فكان كلّ منهما موجوداً و معدوماً في‏