أصول الفقه - ج10

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
494 /
1

[تتمة مبحث الاستصحاب‏]

اسم الكتاب‏

2

هوية الكتاب‏

المنضّد: تنضيد الكفيل 07812689211- 07706379103

3

[الاستصحاب التعليقي‏]

قوله: الأمر الثاني: الأسماء و العناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام كالحنطة و العنب و الحطب و نحو ذلك من العناوين، تارةً يستفاد من نفس الدليل أو من الخارج أنّ لها دخلًا ... الخ‏ (1).

أفاد حسبما حرّرته عنه (قدس سره) أنّ الحالات اللاحقة للموضوع إمّا أن تكون مغيّرة للحقيقة، كما في مثل صيرورة الكلب ملحاً، و إمّا أن تكون موجبة لارتفاع التسمية عرفاً، كما في مثل العنب إذا صار زبيباً و الخشب إذا صار فحماً، و إمّا أن لا تكون موجبة لهذا و لا لذاك، كما في الحنطة إذا صارت دقيقاً مثلًا.

أمّا التغيير الموجب لتغيّر الحقيقة، فلا شبهة في عدم لحوق الحكم المجعول لتلك الحقيقة إذا طرأها مثل هذا التغيير، فالكلب إذا صار ملحاً لا تلحقه الأحكام المجعولة للكلب.

و أمّا الحالة التي لا يكون التغيير إليها موجباً لاختلاف الاسم و العنوان، فلا شبهة في سراية الحكم إلى ما تغيّر منها، فإنّ الحلّية اللاحقة للحنطة لاحقة لها بجميع حالاتها الطارئة عليها، من كونها دقيقاً أو عجيناً أو خبزاً و نحو ذلك من الحالات.

و أمّا الحالة المغيّرة للاسم دون الحقيقة، فإن فهم من لسان الدليل و لو بواسطة القرائن الخارجية- و منها مناسبة الحكم و الموضوع- كون الحكم معلّقاً

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 458.

4

على نفس الحقيقة، كان الحكم سارياً إليها، و إن فهم من لسان الدليل أنّ الحكم معلّق على الاسم و العنوان لم يكن الحكم سارياً إليها، و لو شكّ في ذلك كان المرجع هو الاستصحاب إن كانت القضية المشكوكة متّحدة مع القضية المتيقّنة عرفاً، فإنّ الاتّحاد العرفي بين القضيتين أمر آخر غير ما يفهم عرفاً من لسان الدليل، لما سيأتي في محلّه‏ (1) إن شاء اللَّه تعالى من أنّ المدار في الاتّحاد العرفي على ما يفهمه العرف من تحقّق النقض و عدمه، لا على ما يفهمه العرف من لسان الدليل، فإنّ التوسعة العرفية المأخوذة من لسان الدليل لا تحتاج إلى الاستصحاب.

و لكن سيأتي إن شاء اللَّه في خاتمة الاستصحاب أنّ الاستصحاب لا يجري في ذلك، و أنّ هذه الموارد ليست ممّا يدخلها التسامح العرفي، فراجعه.

و ينبغي التأمّل فيما أُفيد بقوله: و أُخرى يستفاد من الدليل أو من الخارج أنّه ليس للوصف العنواني دخل في الحكم، بل الحكم مترتّب على نفس الحقيقة و الذات الخ‏ (2)، فيقال بعد الفراغ عن عدم مدخلية ذلك العنوان في موضوع الحكم: لا يعقل أخذه فيه إلّا من جهة كونه علّة للحكم، فلو شكّ في بقاء الحكم بعد ارتفاع ذلك العنوان، لا يكون إلّا من جهة الشكّ في أنّ تلك العلّة هل محدثة أو مبقية، و معه يتمّ الاستصحاب مع فرض وحدة الموضوع وحدة عقلية.

نعم، كما يمكن أن يستفاد من الدليل العلّية فيتمّ الاستصحاب، فكذلك يمكن أن يستفاد منه كون تلك الحالة و ذلك العنوان ظرفاً للحكم، و بعد انقضاء

____________

(1) فرائد الأُصول 4: 580 و ما بعدها. و للمصنّف (قدس سره) حواشٍ على هذا المطلب، فراجع حاشيته (قدس سره) الآتية في المجلّد الحادي عشر من هذا الكتاب، الصفحة: 86 و ما بعدها.

(2) فوائد الأُصول 4: 458.

5

ذلك الظرف نشكّ في بقاء الحكم، و تكون الوحدة حينئذ عقلية أيضاً.

أمّا مع الشكّ في اعتبار ذلك العنوان المفقود في موضوع الحكم و عدم اعتباره، فلا يمكن الرجوع إلى الاستصحاب لعدم إحراز [الموضوع‏] فلا تتّحد القضية المتيقّنة مع المشكوكة، و التسامح العرفي لا ينفع في مثل ذلك كما حرّرناه في خاتمة الاستصحاب، فراجع.

قوله: ثمّ إنّ الشكّ في بقاء الحكم الجزئي لا يتصوّر إلّا إذا عرض لموضوعه الخارجي ما يشكّ في بقاء الحكم معه، و لا إشكال في استصحابه. و أمّا الشكّ في بقاء الحكم الكلّي فهو يتصوّر على أحد وجوه ثلاثة: الأوّل الشكّ في بقائه من جهة احتمال النسخ ... الخ‏ (1).

الظاهر أنّ الشكّ في بقاء الحكم الكلّي المجعول إنشاءً من جانب الشارع منحصر في الشكّ في نسخه، بحيث إنّه لو لم يجر الاستصحاب لكان الحكم الكلّي بتمامه مرتفعاً، بخلاف ما نحن فيه فإنّه لو لم يجر لم يكن المرتفع إلّا حكم هذا المفروض الوجود. و الحاصل أنّه بعد فعلية الحكم و لو فرضاً، و حصول الشكّ في بقائه من جهة الطوارئ و العوارض كما في مثل زوال التغيّر، فالمستصحب فيه لا يكون إلّا ذلك الحكم الشخصي المتحقّق بتحقّق موضوعه.

و الفرق بين هذا و بين ما ذكره أوّلًا هو أنّ ما ذكره أوّلًا محقّق الشخصية لتحقّق موضوعه خارجاً، و هذا لا يكون إلّا بفرض الشخصية، نعم ربما يكون الشكّ في بقائه على نحو الشبهة الحكمية، كما في مثل زوال التغيّر، و كما في موارد الشكّ في رافعية الموجود، و أُخرى يكون على نحو الشبهة الموضوعية، كما في موارد الشكّ في حدوث الرافع بعد الفراغ عن رافعيته.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 460- 461.

6

ثمّ لا يخفى أنّ الشكّ في بقاء الحكم الجزئي قد يكون من جهة الشكّ في النسخ، و قد يكون من جهة الشكّ في الرافع، و قد يكون من جهة الشكّ في رافعية الموجود و كذا من حيث الغاية. و أمّا ما أفاد من جهة الشكّ في عارض عرض لموضوعه، فهو محلّ الإشكال من حيث وحدة الموضوع، و هو داخل في القسم الثاني الذي ذكره لاستصحاب الحكم الكلّي، في مقابل القسم الأوّل الذي يكون منشأ الشكّ فيه هو النسخ، فتأمّل.

و الحاصل: أنّ الذي ينبغي أوّلًا هو إخراج الشكّ في النسخ، ثمّ إخراج الشكّ في الغاية و الرافع، سواء كانا على نحو الشبهة الموضوعية أو كانا على نحو الشبهة الحكمية. و في كلّ منهما لا يكون المستصحب إلّا الحكم الفعلي الشخصي، غايته أنّ مجري الاستصحاب في الشبهة الموضوعية هو المقلّد، و في الشبهة الحكمية هو المجتهد.

و اعلم أنّ الشكّ في رافعية الموجود و غائية الموجود كما يتصوّر فيه الشبهة الحكمية، فكذلك يتصوّر فيه الشبهة الموضوعية، بأن يتردّد في الظلام الموجود هل هو ليل أو هو من جهة الغيم، أو يتردّد في البلل الخارج بين البول و المذي.

ثمّ بعد إخراج هذه الأقسام، ينحصر استصحاب الحكم بموارد الشكّ في بقائه لأجل تبدّل حالة من حالات الموضوع التي يحتمل مدخليتها، فيجري الاستصحاب بعد الفراغ عن التسامح العرفي، إمّا بدعوى كون الجهة الزائلة بنظر العرف من الحالات، أو بدعوى كونها بنظرهم من قبيل العلّة لا الموضوع، على التفصيل الذي مرّ بعضه‏ (1) و يأتي في خاتمة الاستصحاب إن شاء اللَّه تعالى.

و على أيّ حال، لا يكون المستصحب إلّا الحكم الجزئي الفعلي المتحقّق‏

____________

(1) في الحاشية السابقة.

7

بتحقّق موضوعه، مثلًا: الماء طاهر لكنّه ينجس عند تغيّره بالنجاسة، فإذا زال تغيّره هل تبقى نجاسته أو تزول.

فتارةً ننظر إلى الحكم الكلّي- أعني النجاسة الكلّية التي جعلها الشارع للماء المتغيّر- فنقول: نحن عالمون بأنّ كلّي الماء الموصوف بالتغيّر مع فرض بقاء تغيّره هو محكوم بأنّه نجس، و هناك كلّي آخر في قبال هذا الكلّي و هو الماء الكلّي المتغيّر الذي زال تغيّره، و لا محصّل لسحب النجاسة الكلّية من ذلك الكلّي إلى هذا الكلّي، لما هو واضح من تباين الكلّيات، و لا محصّل للتسامح العرفي في عالم الكلّيات بعضها مع بعض، و حينئذٍ فلا بدّ من فرض ماء خارجي قد تغيّر خارجاً بالنجاسة فوجد فيه الحكم، ثمّ بعد أن وجد فيه الحكم زال ذلك القيد منه و هو التغيّر، فهل يبقى له ذلك الحكم- أعني حكم النجاسة- أم يزول بزوال التغيير، و حينئذٍ لا يكون المستصحب إلّا جزئياً خارجياً على جزئي خارجي، غايته أنّ ذلك كلّه فرض، لكن هذا الفرض لا يخرجه عن كون المفروض جزئياً، و ليس المستصحب إلّا ذلك المفروض، نعم إنّه لا يكون إلّا بنحو الشبهة الحكمية، هذا كلّه فيما لو طرأ زوال القيد بعد تحقق الحكم و فعليته خارجاً.

أمّا عكس ذلك و هو جعل فعلية الحكم بعد زوال القيد، بأن يكون زوال القيد قبل فعلية ذلك الحكم لكون الحكم مشروطاً بشرط آخر لم يحصل بعد، و قبل حصوله وقع زوال القيد ثمّ حصل شرط الحكم بعد زوال القيد، فالحكم حين وجود القيد لم يكن فعلياً كي نسحبه إلى ما بعد زوال القيد، و هذا هو محلّ الكلام المعقود له هذا التنبيه، أعني استصحاب الحكم التعليقي.

ثمّ لا يخفى أنّ شيخنا (قدس سره) جرى في المقام على طريقته، و هي إرجاع الشرط إلى الموضوع، فكثر الإنكار عليه بما حاصله: أنّهما و إن كانا بمآل واحد، إلّا أنّ‏

8

هناك آثاراً تترتّب على أخذه في لسان الدليل موضوعاً للقضية الحملية، أو أخذه شرطاً في حمل الحكم على الذات، و ليس كلّ ما يؤول إلى شي‏ء لبّاً يكون حكمُه حكمَه، هذا.

و لكن لنقل إنّه شرط و ليس براجع إلى الموضوع، و لكن هل يتحقّق المشروط قبل حصول شرطه ليتسنّى لنا أن نقول: إنّ العنب قبل غليانه كان حراماً و الآن بعد أن تبدّل إلى الزبيبية نشكّ في بقاء تلك الحرمة العارضة عليه فنحكم ببقائها، كلّا ثمّ كلّا.

و لأجل ذلك التجأ بعضهم إلى دعوى أنّ الشرط ليس هو وجود الغليان خارجاً، و إلّا لكان موجباً لتخلّف المجعول عن الجعل، فلا بدّ أن نقول: إنّ الشرط هو وجود الغليان لحاظاً. و بعبارة أُخرى: أنّ المجعول هو الحرمة الملحوظ بها الغليان، و هذه متحقّقة قبل الغليان، غايتها أنّها لا تكون فعلية إلّا بعد الغليان، و هذا- أعني عدم فعليتها قبل الغليان- لا يضرّ بما نحن بصدده من اتّصاف العنب بالحرمة الملحوظ بها الغليان، و هذا المقدار من الاتّصاف كافٍ في صحّة الاستصحاب.

و فيه: ما لا يخفى. أمّا حديث تخلّف المجعول عن الجعل، فقد تعرّض له في الكفاية و أجاب عنه بأنّ المجعول لمّا كان هو الحرمة على تقدير الغليان، لم يكن ذلك من التخلّف، بل كان وجود الحرمة فعلًا تخلّفاً لما أنشأه و جعله، فراجع ما ذكره في الواجب المعلّق‏ (1).

و أمّا التعلّق بكون الشرط هو الشي‏ء بوجوده اللحاظي لا بوجوده‏

____________

(1) الظاهر أنّه في بحث الواجب المشروط فراجع كفاية الأُصول: 97.

9

الخارجي، فقد تعرّض له شيخنا (قدس سره) في مبحث الشرط المتأخّر (1) فراجع.

ثمّ لو أُغضي النظر عن ذلك كلّه، لم يكن استصحاب الحرمة الملحوظ بها الغليان في إثبات الحرمة الفعلية إلّا من قبيل الأصل المثبت، لأنّ لازم بقاء تلك الحرمة اللحاظية هو تحقّق فعلية الحرمة عند الغليان بعد التبدّل إلى الزبيبية. نعم لو كان المستصحب هو نفس الملازمة بين الحرمة و الغليان، لقلنا إنّ استصحابها قاض بتحقّق الحرمة خارجاً عند تحقّق الغليان خارجاً، بناءً على أنّ فعلية الحكم لازمة قهراً لوجود الملزوم، سواء كانت الملازمة واقعية أو كانت ظاهرية، فالملازمة الواقعية يتبعها وجود اللازم عند وجود الملزوم وجوداً واقعياً، و الملازمة الظاهرية يتبعها تحقّق اللازم ظاهراً عند وجود الملزوم، و لكن لا يخلو عن تأمّل.

و الإنصاف: أنّا لم يتّضح لنا المراد من كون المستصحب هو الحرمة المنوطة بوجود الغليان اللحاظي، فهل المراد أنّ الحرمة الموجودة هي الحرمة اللحاظية فلا يخفى فساده، أو أنّ المراد هو الحرمة الخارجية المعلّقة على لحاظ الغليان فهو أفسد، لأنّ لازمه تحقّق الحرمة فعلًا بمجرّد لحاظ الشارع الغليان، و إن كان المراد هو أنّ الجعل منوط باللحاظ لا المجعول، فهذا راجع إلى شرط الجعل الذي هو فعل اختياري للشارع لا إلى شرط المجعول، فلاحظ الجزء الأوّل من المستمسك، و ذلك قوله: أمّا إذا كان الحكم منوطاً بوجود الشرط اللحاظي الخ‏ (2) و قوله في الحقائق: أمّا إذا كان مشروطاً بالوجود الذهني الحاكي عن الخارجي كما

____________

(1) أجود التقريرات 1: 326.

(2) مستمسك العروة الوثقى 1: 416.

10

هو الظاهر الخ‏ (1) و لاحظ المقالة و ذلك قوله: و إلّا فبناءً على التحقيق في تعليقات الأحكام من رجوعها إلى جعل حقيقة الحكم منوطاً بوجود شروطها في فرضه و لحاظه، كما هو الشأن في مثل تلك الصفات الوجدانية من الارادة و الكراهة، فلا بأس بدعوى كونها بمثل هذا النحو من الوجود موضوع الأثر العملي و مناط حكم العقل بوجوب الامتثال عند تحقّق المنوط به في الخارج، من دون حصول تغيير في الحكم المزبور بوجود ما أُنيط به في الخارج أبداً، بل الحكم المزبور بنحو كان حاصلًا و متحقّقاً قبل تحقّق الشرط في الخارج كان متحقّقاً بعده‏ (2)، و لذا نقول بعدم انقلاب الواجب المشروط عن كونه كذلك حين حصول الشرط. نعم إنّما يترتّب على وجود شرطه حكم العقل بوجوب امتثاله، و هذا معنى إناطة فاعليته و محرّكيته بوجود شرطه بلا تغيير في عالم فعليته و علّيته‏ (3)، فتمام موضوع حكم العقل بترتّب الأعمال هو هذا الحكم العقلي المنوط الخ‏ (4).

و الذي يتلخّص منه: هو دعوى فعلية الحكم قبل حصول شرطه، غايته أنّ محركيّته تكون منوطة بوجود الشرط.

و فيه ما لا يخفى، فإنّه مضافاً إلى ما عرفت من عدم معقولية كون الوجود اللحاظي شرطاً، يكون لازمه هو إخراج الشرط عن كونه شرطاً في الحكم المجعول، بل تكون الشرطية راجعة إلى المحرّكية. و لو تمّ هذا- أعني كون مثل‏

____________

(1) حقائق الأُصول 2: 468.

(2) [جملة «كان متحقّقاً بعده» موجودة في الطبعة القديمة من المقالات دون الحديثة].

(3) [ «و علّيته» موجود في الطبعة القديمة من المقالات دون الحديثة].

(4) مقالات الأُصول 2: 400 (مع اختلاف).

11

الاستطاعة مثلًا شرطاً في محرّكية الوجوب، لا في أصل تحقّقه و لا في فعليته- لم يحتج فيه إلى تجشّم كون الشرط وجودها اللحاظي، بل يكون الشرط هو وجودها الخارجي، لكنّه ليس بشرط في أصل الوجوب و لا في فعليته، بل في محرّكيته، و كأنّه قد انقدح في ذهنه الشريف عملية الواجب المعلّق و طبّقها على الواجب المشروط.

و أمّا ما ذكره من عدم انقلاب الواجب المشروط عن كونه كذلك عند وجود الشرط، فالظاهر أنّه لا دخل له بما نحن فيه، فإنّ وجود الشرط و إن لم يكن موجباً للانقلاب، إلّا أنّه موجب لفعلية الوجوب، لأنّ معنى الاشتراط هو كون الفعلية مشروطة بتحقّق الشرط خارجاً.

ثمّ إنّه بعد ذلك كلّه التزم بجريان الاستصحاب حتّى بناءً على مسلك المشهور من كون الشرط هو الوجود الخارجي، و بنى المسألة على أنّ اليقين لو كان طريقاً إلى المتيقّن لامتنع الاستصحاب، أمّا لو أُخذ اليقين موضوعاً لحرمة النقض، فلا مانع من جريان الاستصحاب حتّى على مسلك المشهور، فقال ما هذا لفظه: و ذلك بدعوى أنّ اليقين بالملازمة في كلّ مقام مستتبع لليقين بوجود الشي‏ء منوطاً بوجود الملزوم في فرضه و لحاظه، و لذا يصحّ الإخبار عن وجوده كذلك جزميّاً مقروناً بألف حلف، و يقال في الليل: لو كانت الشمس طالعة فالنهار موجود (1)، ثمّ أخذ في دفع التوهّمات الواردة على ذلك.

و لا يخفى أنّ من يرى من نفسه أنّه قاطع بوجود النهار على تقدير طلوع الشمس، عليه أن يحاسب نفسه، فإن رأى أنّ تقدير طلوع الشمس مربوط بقطعه كانت النتيجة أنّه فعلًا غير قاطع بوجود النهار، و إن رأى أنّ تقدير طلوع الشمس‏

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 401.

12

مربوط بوجود النهار، كانت النتيجة أنّه قاطع بربط وجود النهار بطلوع الشمس.

و هكذا الإخبار، فإنّ القاطع أو المخبر لو غالط نفسه بألف مغالطة لم يستطع أن يخرج عن أحد هذين الشقّين.

ثمّ إنّه (قدس سره) لمّا التزم بهذا الأخير أجراه حتّى في الموضوعات الخارجية التي يترتّب عليها أحكام شرعية، و مثّل لذلك بمن كان عنده ماء مطلق، فكان هذا مصداقاً لفاقد الماء إن تلف ذلك الماء الذي كان عنده، و حينئذٍ يكون محكوماً عليه بالفاقدية التعليقية قطعاً، ثمّ إنّه يجري في حقّه استصحاب هذه الفاقدية التعليقية لو كان قد وجد بعد ذلك ماء مشكوك الاطلاق و الاضافة، ثمّ إنّه إذا تلف منه ذلك الماء المطلق وجب عليه التيمّم بمقتضى استصحاب تلك الفاقدية التعليقية بعد المسامحة العرفية، بدعوى إلغاء التفاوت بين ما سبق من كونه فاقد المشكوك و بين حالته من وجدانه لذلك المشكوك، ثمّ قال بعد أن حكم باجراء استصحاب الفاقدية: فيترتّب عليه حكم الفقدان من صحّة تيمّمه بلا احتياج أيضاً إلى حديث رفع الواجدية كي يرد عليه بأنّه لا يثبت به التكليف لأنّه خلاف الامتنان، و مع هذا الأصل أيضاً لا ينتهي النوبة إلى حكم العقل بالجمع بين الوظيفتين من جهة العلم الاجمالي كما لا يخفى‏ (1).

و الظاهر أنّ مراده من حديث رفع الواجدية هو إجراء أصالة البراءة في واجديته للماء القاضية بوجوب الوضوء، فيكون خلاف الامتنان، لقضائها حينئذ بوجوب التيمّم.

و فيه تأمّل، لأنّ رفع وجوب الوضوء في الماء امتناني، و إن كان التيمّم لازماً لأجل الاحتياط القاضي بكلّ منهما، و فيه نظر.

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 402- 403.

13

أمّا أصل المثال فقد يناقش فيه، حيث إنّ الفاقدية التي هي موضوع وجوب التيمّم هي فاقدية طبيعة الماء لا خصوص ذلك الماء الموجود عنده. و الجواب عنه أنّ المستصحب هو فقد طبيعة الماء لكن معلّقاً على فقد هذا الموجود من جهة انحصارها به، لأنّ فقد هذا بخصوصه إنّما يوجب فقد الطبيعة لأجل انحصارها به لا أنّه هو يكون فقده فقداً للطبيعة.

ثمّ لا يخفى أنّ ظاهر ما أفاده في المقالة هو أنّ الاحتياج إلى أحد هذين التقريبين لجريان الاستصحاب إنّما هو بناءً على أنّ المجعول في باب الاستصحاب هو الجري العملي على طبق اليقين أو المتيقّن، و أنّ مفاده هو التنزيل من حيث العمل، أمّا بناءً على أنّ المجعول هو المماثل، فلا يتوجّه الإشكال على استصحاب الحكم التعليقي.

و الذي حرّرته عنه في الدرس: هو أنّه بناءً على جعل المماثل يكون استصحاب الحكم المعلّق جارياً عند الشكّ في بقائه لأجل تبدّل الحالة من العنبية إلى الزبيبية، سواء كان ذلك قبل حصول المعلّق عليه أعني الغليان، أم كان بعده، لإمكان جعل المماثل في كلا الحالين.

أمّا بناءً على كون مفاد الاستصحاب هو لزوم العمل على طبق اليقين السابق فلا يمكن إجراء الاستصحاب قبل حصول المعلّق عليه الذي هو الغليان، إذ لا يكون في البين أثر عملي يترتّب على اليقين السابق. نعم بعد حصول الغليان يكون جريان الاستصحاب ممكناً لوجود الأثر العملي حينئذ، سواء كان حصول الغليان مقارناً لزمان الشكّ، أو كان بعده، إذ بعد حصول الغليان لا فرق بين أن يكون قد شكّ ثمّ حصل الغليان، أو يكون قد حصل الغليان ثمّ شكّ، هذا حاصل ما حرّرته عنه في درسه.

14

لكن الذي يظهر من المقالة في مقام التفرقة بين القول بجعل المماثل و القول بالجري العملي شي‏ء آخر، و حاصله: أنّ الملازمة بين الحرمة و الغليان و إن لم تكن مجعولة شرعاً إلّا أنّها منتزعة من جعل الشارع الحرمة على تقدير الغليان، و بهذا الاعتبار يجري فيها الاستصحاب، فحينئذ بناءً على جعل المماثل تكون نتيجة الاستصحاب هو جعل تلك الملازمة و لو بجعل ما هو منشأ انتزاعها، و من المعلوم أنّ لازم تلك الملازمة المجعولة- أعمّ من الواقعية و الظاهرية- فعلية وجود الملزوم الذي هو الحرمة عند وجود اللازم الذي هو الغليان، و ينتهي ببركته إلى حكم العقل بوجوب الامتثال في مقام العمل.

أمّا بناءً على أنّ مفاد دليل الاستصحاب هو الأمر بمعاملة المتيقّن السابق معاملة الواقع، و مرجعه إلى ادّعاء وجود المتيقّن بلحاظ ما يترتّب عليه من العمل لا إلى جعل مماثله، فلا مجال لاستصحاب الملازمة حينئذ، لأنّ مرجعه إلى تنزيل الملازمة الواقعية منزلة الموجود بلحاظ ما يترتّب عليه من العمل، بلا جعل ملازمة في مرحلة الظاهر، و مع فرض أنّه لم يكن جعل في الملازمة بين الحرمة و الغليان لا يتسنّى للعقل أن يحكم بالحرمة عند وجود الغليان، و هذا هو محصّل قوله: و من البديهي أنّ العقل لا يحكم- إلى قوله- كما هو ظاهر (1)، إذ لا ملازمة بين تنزيل الملازمة منزلة الموجود من حيث العمل، و بين وجود الملزوم تعبّداً- الذي هو الحرمة عند وجود اللازم الذي هو الغليان- و لا حقيقة.

و بعبارة أُخرى: أنّ تنزيل الملازمة بين الحرمة و الغليان لا يترتّب عليه وجود الحرمة عند الغليان لا حقيقة و لا تعبّداً، فيبقى التنزيل المزبور منفرداً عن وجود لازمه حقيقة أو ادّعاء، و من البديهي أنّ هذا لا ينتهي إلى أثر عملي أصلًا،

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 399- 400.

15

بخلاف ما لو قلنا بجعل المماثل، فإنّ لازم تلك الملازمة المجعولة سواء كانت واقعية أو ظاهرية، هو فعلية وجود الملزوم الذي هو الحرمة عند وجود اللازم الذي هو الغليان، و ينتهي ببركته إلى حكم العقل بوجوب الامتثال في مقام العمل، هذا خلاصة ما أفاده في المقالة حسبما فهمته من عبارتها على ما فيها من الاغلاق.

و لا يخفى أنّ المستصحب الذي يكون نتيجة استصحابه هو جعل مماثله، إن كان هو نفس الملازمة من حيث نفسها فهي غير مجعولة بنفسها، و إنّما المجعول منشأ انتزاعها أعني نفس الحرمة على تقدير الغليان، فلا بدّ أن تكون هي مركز الاستصحاب، و حينئذٍ يتّجه إشكال شيخنا (قدس سره) و هو أنّ تلك الحرمة المستصحبة إن كانت هي الحرمة المتحقّقة فعلًا، و أعني بتلك الحرمة الشخصية، فهي قبل الغليان غير متحقّقة، و إن كانت هي الحرمة الكلّية المعلّقة على تقدير الغليان، فتلك لا يشكّ في بقائها إلّا من ناحية النسخ، و حينئذٍ نحتاج إلى القول بأنّ تلك الحرمة موجودة فعلًا قبل الغليان، لكن بمعنى كونها منوطة بلحاظ الغليان، و هو الذي أفاده من إنكار توقّف فعلية الحرمة على وجود الغليان خارجاً، بل على لحاظها منوطة بالغليان، و قد عرفت ما فيه، فلاحظ ما تقدّم و تأمّل.

و لا يخفى أنّ ظاهر مطلبه الذي أفاده في المقالة أنّه ملتزم بأنّ الملازمة بين الحرمة و الغليان ليست مجعولة، و إنّما هي منتزعة عقلًا من جعل الحرمة على تقدير الغليان، لكنّها لمّا كان منشأ انتزاعها بيد الشارع صحّ استصحابها، و بناءً على جعل المماثل يكون المجعول هو الملازمة، و عنها ينتزع لازمها و هو تحقّق الحرمة عند تحقّق الغليان.

و حينئذٍ يرد عليه أنّ المجعول بالأصل هو الحرمة و الملازمة منتزعة عقلًا،

16

لكن في جعل المماثل بالاستصحاب يكون الأمر بالعكس، بمعنى أنّ المماثل المجعول هو الملازمة، و عنها ينتزع وجود اللازم عند وجود الملزوم أعني الحرمة عند الغليان، فراجع قوله في المقالة من قوله: نعم هنا- إلى قوله- فحينئذ لا قصور الخ‏ (1).

و ممن ناقش في كون الغليان جزء الموضوع العلّامة الأصفهاني (قدس سره) في حاشيته على الكفاية، فإنّه قد منع من كون الغليان جزء الموضوع، و جعل تمام الموضوع هو العصير، و جعل الغليان شرطاً في حرمته، و أفاد أنّ الحكم المشروط و إن لم يكن فعلياً قبل حصول شرطه كما هو التحقيق، إلّا أنّ الشكّ ليس في بقاء الحكم الانشائي الكلّي لموضوعه الكلّي، بل الحكم الانشائي المنطبق على هذا الموضوع الجزئي و إن كانت فعليته منوطة شرعاً بوجود شرط فعليته، و هذا قابل للشكّ في البقاء، لا من جهة النسخ، بل من جهة تبدّل حالة الموضوع الخاصّ من العنبية إلى الزبيبية.

و فيه: ما عرفت من أنّه لا محصّل للقول بأنّ هذا العصير الموجود لو غلى يحرم إلّا الملازمة بين فعلية غليانه و فعلية حرمته، فمع الاعتراف بأنّه قبل الغليان لا تكون الحرمة فيه فعلية، لا يكون المستصحب فيه حينئذ إلّا الملازمة بينهما، أمّا نفس الحرمة فلا وجود لها فيه، إلّا أن يدّعى أنّ لها نحواً من الوجود، و ذلك هو الحرمة المنوطة بلحاظ الغليان، أو يدّعى أنّها فعلية و لو قبل الغليان غايته أنّها تتنجّز بالغليان، و هو قد جرّد كلامه من هذين الدعويين، و جعل المستصحب هو نفس الحكم الانشائي المتعلّق بهذا الموضوع الجزئي، و من الواضح أنّ الحكم الانشائي لا وجود له كي يدخله الاستصحاب، فلاحظ و تأمّل.

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 399.

17

و الأولى نقل عبارته بعينها، فإنّه بعد أن منع من صحّة الاستصحاب على تقدير كون الغليان جزء الموضوع قال: و إن كان الحكم التعليقي حكماً معلّقاً على الشرط حقيقة زيادة على تعليقه على موضوعه المقدّر وجوده، فموضوع الحرمة هو العصير في حال العنبية، و الغليان شرط للحكم لا جزء الموضوع، و الحكم المشروط و إن لم يكن فعلياً قبل حصول شرطه كما هو التحقيق، إلّا أنّ الشكّ ليس في بقاء الحكم الانشائي الكلّي لموضوعه الكلّي، بل الحكم الانشائي المنطبق على هذا الموضوع الجزئي، و إن كانت فعليته منوطة شرعاً بوجود شرط فعليته، فالإشكال إن كان لعدم قابلية الحكم الانشائي قبل فعليته بفعلية شرطه للاستصحاب، فهو مدفوع بأنّ الانشاء بداعي جعل الداعي فعلًا أو تركاً هو تمام ما بيد المولى و زمامه بيده، و إن كان فعليته البعثية أو الزجرية منوطة بشي‏ء عقلًا أو شرعاً، و لذا لا يشكّ في قبول الانشاء الكلّي للاستصحاب إذا شكّ في نسخه و ارتفاعه الكلّي. و إن كان لعدم الشكّ في الإنشاء المجعول من الشارع، فهو مدفوع بأنّ ما لا شكّ في بقائه هو الانشاء الكلّي لموضوعه الكلّي، و أمّا الانشاء المتعلّق بهذا الموضوع الجزئي بسبب تعلّق الكلّي منه بكلّي الموضوع، فهو مشكوك البقاء بعد تبدّل حالة إلى حالة (1).

و غاية ما يمكن أن يقال في توضيح ما أفاده و أفاده غيره من تصحيح الاستصحاب التعليقي: هو أنّه لا ريب في أنّ الأحكام الكلّية لا تكون فعلية و لا تنوجد في الخارج و لا تتشخّص إلّا بفعلية موضوعها و انوجاده و تشخيصه في الخارج، و لكن هذا واضح فيما لم يكن في البين تعليق على شرط هو خارج عن حيّز الموضوع الوارد عليه الحكم، كما في مثل حرمة الخمر، أمّا لو كان في البين‏

____________

(1) نهاية الدراية 5- 6: 173.

18

تعليق على شرط و قد وجد الموضوع و لكن لم ينوجد الشرط، مثل ما نحن فيه من الحرمة الواردة على عصير العنب بشرط غليانه، فإذا وجد العصير لكنّه فعلًا لم يطرأه الغليان، فلا ريب في أنّ حرمته لا تكون فعلية و لا تنوجد في الخارج، بل و لا تكون شخصية.

و لكن هناك شي‏ء آخر، و هو أنّ ذلك الحكم الكلّي أعني الحرمة المعلّقة على الغليان الواردة على كلّي العصير، هل حصل فيها انتقال من تلك الكلّية الواسعة بواسطة وجود نفس العصير، أم هي باقية على ما كانت عليه قبل وجود العصير، و نعني بذلك الانتقال أنّها بواسطة وجود موضوعها يكون ذلك الموضوع متّصفاً بتلك الحرمة، لكن لا فعلية بل معلّقة على غليانه، و ذلك ما نسمّيه بتشخّص الحرمة التعليقية مع بقائها على ما هي عليه من التعليق و عدم الفعلية، إذ لا ريب في أنّ هذا العصير الموجود خارجاً و إن كان فعلًا حلالًا، إلّا أنّه ليس حاله حال ذلك الماء المطلق الموجود خارجاً، بل إنّ في البين شيئاً هو الفارق بينه و بين ذلك الماء المطلق، و ليس ذلك الشي‏ء عبارة عن كون ذلك العصير حراماً فعلًا، إذ لا يقوله عاقل، كما أنّ الأوّل لا يقوله عاقل أيضاً، و هو أنّ هذا العصير الموجود يكون حاله حال ذلك الماء المطلق الموجود في عدم ارتباطه بالتحريم و عدم تعلّقه به أصلًا، بل إنّ في البين شيئاً هو بين بين، و ليس ذلك الشي‏ء إلّا عبارة عن اتّصافه فعلًا بالحرمة التعليقية، و ليس ذلك عبارة عن كونه متأهّلًا للحرمة ليكون المستصحب هو الحرمة التأهّلية، نظير الصحّة التأهّلية اللاحقة لبعض أجزاء المركّب قبل لحوق باقي الأجزاء، لأنّ ذلك إنّما يتّجه لو قلنا إنّ الغليان جزء الموضوع، أمّا بعد البناء على أنّ الغليان ليس إلّا شرطاً للحكم، و أنّ تمام الموضوع إنّما هو العصير، فلا تكون الحرمة الواردة على العصير حرمة

19

تأهّلية، بل لا تكون إلّا الحرمة الواقعية الحقيقية، غايته أنّها معلّقة على الغليان، فليست هي قبل الغليان تأهّلية لا واقعية لها، بل هي واقعية مجعولة شرعاً بعين جعل الحرمة الكلّية المجعولة للعنب الكلّي بشرط الغليان، فكما أنّ العنب الكلّي لا تكون حرمته تأهّلية بل واقعية شرعية مجعولة شرعاً، غايته أنّها مشروطة بالغليان، فكذلك حرمة هذا العصير الخاصّ ليست تأهّلية صرفة، و ليست هذه الحرمة المعلّقة فيما نحن فيه من سنخ الوجوب المعلّق، لأنّ ذلك إنّما هو بجعل الحكم فعلياً و أخذ متعلّقه استقبالياً، و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، بل إنّ ما نحن فيه مطلب آخر غير راجع إلى سنخ الوجوب المعلّق، و لا إلى الحرمة التأهّلية، بل إنّ أساسه هو ما عرفت من دعوى الفرق بين الماء المطلق و بين العصير العنبي.

و إن شئت فقل: إنّ كلّي العصير العنبي قبل أن يجعل الشارع له تلك الحرمة المعلّقة على غليانه، لا ريب في أنّه قد تبدّلت حاله بواسطة ذلك الجعل، فإنّ ذلك العصير الكلّي قد طرأته صفة شرعية لم تكن حاصلة له قبل هذا الجعل، و من الواضح أنّ تلك الصفة الشرعية التي لحقت كلّي العصير تسري منه إلى أفراده الخارجية، فكما أنّ كلّي العصير يتّصف بتلك الصفة الشرعية في عالم الاعتبار، فكذلك أفراده الخارجية تتّصف في الخارج بذلك الاعتبار الشرعي، و هو الذي نعبّر عنه بالحرمة على تقدير الغليان، و حينئذٍ فعند التبدّل إلى الزبيبية نشكّ في بقاء تلك الصفة الشرعية الاعتبارية له، فيشملها دليل الاستصحاب، و ليس ذلك راجعاً إلى استصحاب الحكم الكلّي كي يقال إنّه لا يتعلّق ببقائه الشكّ إلّا من ناحية احتمال النسخ، بل هو استصحاب للحكم الثابت لذلك الفرد الموجود، غايته أنّه مشروط بشرط لم يحصل بعدُ، و ليس هو الحرمة الفعلية كي يقال إنّه لا وجود لها

20

قبل حصول الشرط، بل هو الحرمة التعليقية الثابتة لذلك الفرد قبل أن يحصل شرطها الذي علّقت عليه، و لعلّ هذا هو المراد لما أفاده العلّامة الأصفهاني (قدس سره) في حاشيته في العبارة التي تقدّم نقلها.

بل يمكن أن يقال: إنّ هذا هو المنظور إليه لكلّ من صحّح الاستصحاب التعليقي، دون كون المستصحب هو الحرمة المنوطة بلحاظ الغليان، أو أنّ المستصحب هو فعلية الحكم بدعوى كون الحكم فعلياً و لو قبل وجود شرطه في قبال الشأني أو الانشائي، و أنّ المراد من الفعلية هو الوصول إلى درجة الاعلان و التبليغ في قبال الاقتضائية أو الشأنية أو الانشائية، فلاحظ.

و لكنّه مع ذلك كلّه قابل للتأمّل، فإنّ الحرمة المعلّقة على الغليان بالنسبة إلى هذا العصير الخاصّ لا محصّل لها إلّا الحرمة التأهّلية، و أنّها لا وجود لها قبل وجود الغليان، و لا محصّل لقولنا: هذا العصير حرام إذا غلى، إلّا الملازمة بين الغليان و الحرمة الناشئة عن جعل الحرمة للعصير الكلّي مقدّمة على الغليان، فتأمّل.

و أمّا حديث إرجاع الشرط إلى الموضوع و أنّهما بمآل واحد، فهو و إن تكرّر في كلمات شيخنا (قدس سره) في مقامات عديدة، إلّا أنّ المقامات تختلف، فربّ مقام يكون المدار فيه على واقع الأمر حسبما يراه الذوق العرفي، سواء أُبرز في قالب الشرط أو في قالب الوصف أو في قالب العنوان، كما في مسألة تخلّف الشرط و تخلّف المبيع، فإنّ أثر الأوّل هو الخيار، و أثر الثاني هو بطلان العقد، و المدار في ذلك على كون الشي‏ء عنواناً حافظاً للصورة النوعية و كونه زائداً على الصورة النوعية، فمثل كون المبيع عبداً في قبال كونه حماراً يكون من قبيل تخلّف المبيع سواء أُبرز عنواناً للمبيع أو وصفاً أو شرطاً، فإنّ الحكم هو بطلان‏

21

البيع عند التخلّف في الجميع، و عكسه في مثل كون المبيع عبداً كاتباً، فإنّ الحكم فيه هو الخيار عند التخلّف بأي قالب كان إبراز أخذه في المبيع حتّى لو قال بعتك الكاتب.

و ربّ مقام يكون المدار فيه على الصورة المأخوذة في الدليل، كما في باب تغيّر بعض حالات الموضوع في قابليته لجريان الاستصحاب و عدم جريانه، كما ذكره في خاتمة الاستصحاب، و ذلك قوله: و على هذا ينبغي أن يفرّق بين قوله (عليه السلام): «الماء المتغيّر نجس» و بين قوله: «الماء ينجس إذا تغيّر» فإنّ المعنى و إن كان لا يختلف، إلّا أنّ الأوّل ظاهر في كون التغيّر قيداً للماء، فيكون موضوع الحكم مجموع الماء المتغيّر، و الثاني ظاهر في كون التغيّر علّة لعروض النجاسة على الماء، فيكون الموضوع ذات الماء (1). ثمّ فرّع على ذلك جريان الاستصحاب على الثاني دون الأوّل. و من هذا القبيل ما تفرّق فيه بين القضية الحملية و القضية الشرطية، في أنّ الأُولى لا مفهوم لها بخلاف الثانية، فراجع ما أفاده في الجزء الأوّل من هذا التحرير (2) في آية النبأ، و أنّ القضية فيها مسوقة لبيان تحقّق الموضوع.

و ربّ مقام يشترك الأثر فيه بين كون الشي‏ء موضوعاً و كونه شرطاً، حتّى لو قلنا بكونهما مختلفين واقعاً و لبّاً كما فيما نحن فيه، لاشتراك الموضوع و الشرط في عدم تحقّق الحكم قبل حصول ذلك الشي‏ء، سواء كان موضوعاً أو شرطاً، و يشهد بذلك الأخبار الواردة في حرمة العصير، ففي بعضها أُخذ الغليان موضوعاً

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 580.

(2) فوائد الأُصول 3: 167- 168.

22

مثل قوله (عليه السلام): «كلّ عصير أصابته النار فهو حرام حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه» (1) و في بعضها أخذ الغليان شرطاً مثل قوله (عليه السلام): «إنّ العصير إذا طبخ» الخ‏ (2).

و لأجل ذلك قال في الحقائق: هذا مضافاً إلى أنّ الظاهر أنّه لا فرق بين إناطة الحكم بالشرط باصطلاح النحاة، مثل إذا غلى ينجس، و إذا استطعت يجب عليك الحجّ، و بين إناطته بالموضوع مثل العنب الغالي ينجس، و المستطيع يجب عليه الحجّ، و كما أنّه لا ريب في صحّة استصحاب الحكم المنوط بالموضوع، ينبغي أن لا يستراب في صحّة استصحاب الحكم المنوط بشرطه، فيكشف ذلك عن أنّ الاناطة في المقامين إنّما هي بالوجود اللحاظي، و إلّا لم يكن وجه للاستصحاب فيهما معاً (3).

و حيث إنّ شيخنا (قدس سره) لم يعتن بكون الاناطة بالنظر إلى الوجود اللحاظي، جعل الشرط و الموضوع واحداً في أنّه لا تحقّق للحكم قبل تحقّق شرطه، كما لا تحقّق له قبل تحقّق موضوعه، و بناءً على ذلك لا يتوجّه عليه ما ذكره في ج 1 من المستمسك ص 189 إلى ص 191 (4).

و أمّا بعض الأمثلة التي ذكرها، فالظاهر أنّها أجنبية عن محلّ البحث من كون شرط التكليف راجعاً إلى موضوعه، و ذلك مثل شهر رمضان و التردّد في كونه شرطاً للتكليف بالصوم، أو أنّه قيد في متعلّق التكليف، و يتفرّع على الثاني وجوب إحراز كون الصوم فيه، فلا يجدي بقاء رمضان في إحراز هذا القيد،

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 282/ أبواب الأشربة المحرّمة ب 2 ح 1.

(2) وسائل الشيعة 25: 288/ أبواب الأشربة المحرّمة ب 5 ح 1.

(3) حقائق الأُصول 2: 469.

(4) مستمسك العروة الوثقى 1: 416- 419.

23

بخلاف ما لو أخذناه شرطاً في التكليف، لما هو واضح من أنّ المقابلة بين ما هو شرط التكليف و ما هو شرط المكلّف به لا دخل له بالمقابلة بين شرط التكليف و موضوعه.

نعم، في المثال مطلب آخر شرحناه فيما تقدّم‏ (1)، و هو أنّ قيد المكلّف به لكونه غير مقدور يكون شرطاً للتكليف قهراً، فيكون الاستصحاب نافعاً على كلّ حال.

و أمّا مثال الكرّ و الحوض فلم يكن لازماً لما أفاده شيخنا (قدس سره) من إرجاع الشرط إلى الموضوع، إذ لا يلزمه أن يكون مفاد كان التامّة عين مفاد كان الناقصة، و كأنّه يدّعي أنّ شيخنا (قدس سره) يقول إنّ كلّ تصرّفين شرعيين يكونان واردين على واقع واحد يكون أحدهما عين الآخر في جميع الآثار، و لأجل ذلك نقض بهذه النقوض، و كان عليه أن ينقض بأنّ لازمه هو كون الهبة المشروط فيها العوض عين البيع، بل كان لازمه إبطال الحيل الشرعية في التخلّص من الربا، إلى غير ذلك ممّا يلزمه تأسيس فقه جديد.

و أمّا ما ذكره العلّامة الخراساني (قدس سره) في حاشيته على الرسائل بقوله: هذا كلّه لو كان الحكم حقيقة مشروطاً كما هو ظاهر القضية التعليقية، و أمّا لو كان القيد في الحقيقة راجعاً إلى الموضوع، بأن يكون العصير المغلي حراماً، فالأمر في صحّة الاستصحاب أوضح، لأنّه يكون استصحاباً لما ثبت محقّقاً و بالفعل من الحكم للمغلي من العصير سابقاً و شكّ فيه لاحقاً، إلى آخر ما أفاده‏ (2) فعلى الظاهر أنّه لا يخرج عن دعوى كون وصف نفس العصير بحرمة الغالي منه من قبيل الوصف‏

____________

(1) [لم يتقدّم في هذا البحث حسبما لاحظناه‏].

(2) حاشية كتاب فرائد الأُصول: 208.

24

بحال المتعلّق، نظير زيد قائم الأب، و من الواضح أنّه تجوّز لا واقعية له، أو دعوى صحّة قولنا إنّه لو لحقه الجزء الآخر لكان المجموع حراماً، و قد عرفت ما فيه.

لكن العلّامة الأصفهاني (قدس سره) في حاشيته على الكفاية بعد أن التزم بعدم صحّة الوجه الثاني من هاتين الدعويين، نقل كلام أُستاذه في الحاشية و ارتضاه، و أوضحه بما لا يخرج عن إحدى هاتين الدعويين، نعم في آخر كلامه جمل لعلّ المراد بها شي‏ء آخر، فإنّه قال: و من البيّن أنّ العصير في حالة العنبية إذا قدّر غليانه، بأن قدّر العصير المغلي في حالة العنبية، كان له الحرمة قطعاً، إذ ليس موضوعها إلّا العصير المغلي المقدّر وجوده، لا المحقّق وجوده حتّى يقال لم يكن في حالة العنبية عصير مغلي محقّق. و إذا كان العصير المغلي المقدّر وجوده في حال العنبية حراماً، و شكّ في بقاء هذا الحكم المترتّب على المقدّر وجوده بعد تبدّل حالة العنبية إلى حالة الزبيبية، صحّ استصحاب تلك الحرمة المرتّبة على موضوعها المتقوّم بتقدير وجوده و فرض ثبوته الخ‏ (1) فلعلّ المراد أنّ الموضوع نفس التقدير، لا أنّ الموضوع هو نفس وجود المقدّر وجوده، و حينئذٍ فيرد عليه ما لا يخفى من الخلط بين كون الموضوع مقدّر الوجود و كونه هو تقدير الوجود، فلاحظ و تأمّل.

و لعلّ هذا مأخوذ ممّا أفاده في البدائع في مبحث الترتّب، فإنّه قال هناك:

فإن قلت: الواجب المشروط لا يجب قبل الشرط، فإذا كان ترك أحدهما شرطاً لوجوب الآخر فكيف يتّصف بالوجوب مقارناً للترك قبل تحقّقه. قلت: الشرط هو تقدير الترك لا نفس الترك، و هو الفارق بين الواجب المشروط و بين ما نحن‏

____________

(1) نهاية الدراية 5- 6: 173- 174.

25

فيه، فإنّ الوجوب إن كان مشروطاً بوجود شي‏ء فهذا هو الواجب المشروط الذي يتوقّف وجوبه على وجود الشرط، و لا يتّصف بالوجوب قبله و لو مقارناً، أمّا لو كان مشروطاً بتقديره لا بتحقّقه و وجوده فهذا يتّصف بالوجوب قبل وجوده، لأنّ الشرط هو تقدير الوجود لا نفسه، و التقدير محقّق قبل وجوده، فلا مانع من تحقّق الوجوب قبل تحقّقه، و هذا يسمّيه بعض بالواجب المعلّق، قسيم الواجب المشروط و المطلق، و بعض بالواجب المترتّب نظراً إلى ترتّب الوجوب على تقدير عدم الآخر، و بعضهم يسمّيه بالواجب المشروط بالشرط المتأخّر، و الكل واحد الخ‏ (1).

قوله: نعم الأثر المترتّب على أحد جزأي المركّب هو أنّه لو انضمّ إليه الجزء الآخر لترتّب عليه الأثر، و هذا المعنى مع أنّه عقلي مقطوع البقاء في كلّ مركّب وجد أحد جزأيه، فلا معنى لاستصحابه ... الخ‏ (2).

لا يخفى أنّه يمكن أن يقرّر المستصحب في مثل ما نحن فيه بوجوه: أوّلها هذا الذي أُشير إليه هنا. ثانيها: هو ما سيأتي من أنّ المستصحب هو نفس الحرمة التعليقية. ثالثها: ما سيأتي أيضاً من أنّ المستصحب هو الملازمة.

و توضيح الوجه الأوّل هو أن يقال: إنّ العصير العنبي عند ما وجد اتّصف بأنّ غليانه يوجب الحرمة و النجاسة، و بعد أن صار زبيباً نشكّ في بقاء تلك الصفة له و هي كون غليانه موجباً للحرمة و النجاسة، و هنا تنفع المسامحة العرفية، لا من جهة كون العنبية و الزبيبية بحسب النظر العرفي من الحالات الأجنبية عن المدخلية في موضوع الحكم الذي هو ذات العصير، لأنّ ذلك لو تمّ لم نكن‏

____________

(1) بدائع الأفكار (للمحقّق الرشتي (قدس سره)): 390.

(2) فوائد الأُصول 4: 467.

26

محتاجين إلى الاستصحاب، بل من جهة أنّ العرف يرى اتّحاد القضية المتيقّنة مع القضية المشكوكة، بحيث إنّ رفع اليد عن المتيقّن السابق الذي هو كون غليان ذلك العصير موجباً لحرمته لأجل طروّ الزبيبية عليه يعد بحسب نظرهم نقضاً لليقين السابق.

لكن يرد على التقريب المذكور ما أُفيد من كون ذلك المتيقّن السابق عقلياً صرفاً، فإنّ كون غليان ذلك العصير العنبي موجباً لحرمته ليس بحكم شرعي، و إنّما هو أمر عقلي منتزع من كون العصير العنبي أحد جزأي موضوع الحكم بالحرمة و النجاسة، و هو العصير العنبي الغالي.

أمّا ما أُفيد من الايراد عليه ثانياً بأنّه مقطوع، فالظاهر أنّه غير متوجّه عليه، لأنّ ذلك المعنى الذي يراد استصحابه لا يكون مقطوع البقاء، للشكّ في بقائه بواسطة الشكّ في مدخلية العنبية فيه، و هذا بخلاف صحّة الأجزاء السابقة، فإنّها إن أُخذت بمعنى أنّه لو انضمّ إليها باقي الأجزاء لأسقطت الأمر لكانت باقية حتّى في حال الشكّ، أمّا كون غليان ذلك العصير موجباً للحرمة فبقاؤه بعد الانقلاب إلى الزبيبية مشكوك، لاحتمال مدخلية العنبية في ذلك، فلو أغضينا النظر عن كون ذلك المعنى عقلياً لا شرعياً، لم يكن مانع من استصحابه.

و من ذلك يظهر لك التأمّل فيما أُفيد بقوله: و هذه القضية التعليقية- مضافاً إلى أنّها عقلية لأنّها لازم جعل الحكم على الموضوع المركّب الذي وجد أحد جزأيه- مقطوعة البقاء لا معنى لاستصحابها الخ‏ (1) فإنّ المستصحب إن كان هو نفس الحرمة التعليقية الشرعية الكلّية لم يرد عليه سوى أنّها مقطوعة البقاء، إذ لا يمكن الشكّ في بقائها إلّا من ناحية الشكّ في النسخ، و إن كان المستصحب هو

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 469.

27

الحرمة التعليقية التي اتّصف بها العصير العنبي بعد فرض وجوده، لم يرد عليه سوى ما أُفيد من كونها عقلية، دون كونها مقطوعة البقاء، لكونها حينئذ مشكوكة البقاء بواسطة الشكّ في مدخلية العنبية في تلك الحرمة، و بعد التسامح العرفي في اتّحاد القضية المتيقّنة مع القضية المشكوكة يكون الاستصحاب فيها جارياً، و لا إشكال فيه سوى إشكال أنّها ليست بشرعية، من جهة كون تلك الحرمة التعليقية التي اتّصف بها ذلك العصير العنبي بعد وجوده لازماً عقلياً لجعل الحرمة، مرتّبة على الموضوع المركّب منه و من الغليان، فإنّ لازم جعل الحرمة مرتّبة على العصير و الغليان أنّ العصير إذا وجد قبل غليانه يكون متّصفاً بالحرمة التعليقية و هي أنّه لو غلى لكان حراماً.

لا يقال: قد تحقّق في محلّه صحّة جريان الاستصحاب في جزء الموضوع إذا كان جزؤه الآخر محرزاً بالوجدان، و المصحّح لجريان الاستصحاب في الجزء المذكور إنّما هو الأثر اللاحق له باعتبار كونه جزءاً لموضوع الحكم، فذلك الأثر اللاحق للجزء إذا كان مصحّحاً للاستصحاب في نفس الجزء فلِمَ لا يصحّح الاستصحاب الجاري في نفس ذلك الأثر، أعني الأثر اللاحق لجزء الموضوع.

لأنّا نقول: المصحّح لاستصحاب جزء الموضوع عند الشكّ في بقائه مع فرض إحراز جزئه الآخر بالوجدان ليس هو الأثر اللاحق له باعتبار كونه جزءاً من الموضوع، و إنّما المصحّح للاستصحاب المذكور هو ترتّب الحكم عليه و لو بعد جريان ذلك الاستصحاب المحقّق لاحراز جزء الموضوع، و من الواضح أنّ هذا المعنى غير متحقّق فيما نحن فيه.

و الحاصل: أنّ المستصحب لا بدّ من أحد الأمرين، إمّا كونه في حدّ نفسه أثراً شرعياً عملياً، أو كونه بحيث يترتّب عليه الأثر العملي الشرعي، و في‏

28

استصحاب جزء الموضوع إذا كان جزؤه الآخر محرزاً بالوجدان أو بأصل آخر، يكون المستصحب ممّا يترتّب عليه الأثر الشرعي العملي، و يكفي في ذلك المستصحب كونه جزءاً ممّا يترتّب عليه الأثر الشرعي العملي إذا كان الجزء الآخر محرزاً أيضاً إمّا بالوجدان أو بالأصل، أمّا جزء الموضوع فيما نحن فيه و هو العصير العنبي فليس هو المستصحب، و إنّما المستصحب هو أثره، و المفروض أنّه لا أثر له شرعي سوى تلك الحرمة المعلّقة على الجزء الآخر و هو الغليان، و هذه الحرمة ليست بأثر شرعي و لا هي موضوع أو جزء موضوع لأثر شرعي.

و الأولى [أن يقال‏] إن أُريد نفس الحرمة التعليقية فكما أنّها ليست بموجودة بنفسها قبل الغليان فكذلك جزء هذه الحرمة إن تصوّرنا للحكم جزءاً، و إن كان المستصحب هو هذه الملازمة كانت غير شرعية سواء كان المستصحب هو نفسها أو جزءها.

و قد بقي في المقام تأمّل آخر، و هو أنّ العصير العنبي حينما وجد قد اتّصف بصفة، و هي أنّ غليانه موجب لحرمته و نجاسته، و هذه الصفة و إن لم تكن بنفسها حكماً شرعياً و لا موضوعاً لحكم شرعي، إلّا أنّ بقاءها إلى حين الغليان لمّا كان موجباً لتحقّق حكم شرعي فعلي، و هو الحرمة و النجاسة الفعليين، فلِمَ لا يجري فيها الاستصحاب بعد فرض التسامح و وحدة القضية المتيقّنة مع المشكوكة بحسب النظر العرفي، إذ لا يشترط في المستصحب أن يكون ذا أثر في حال حدوثه، بل يكفي تحقّق الأثر على تقدير بقائه، فتأمّل جيّداً، فإنّه إنّما يجري الاستصحاب في مثل ذلك إذا كان المستصحب في حال حدوثه لا يترتّب عليه أثر شرعي لكن كان يترتّب عليه في حال بقائه، أمّا إذا لم يكن له أثر أصلًا، بل لم يكن إلّا أنّ بقاءه ملازم لتحقّق الأثر الشرعي، فإنّ جريان الاستصحاب فيه في‏

29

غاية الإشكال، بل يمكن أن يقال: إنّ الاستصحاب في ذلك يكون مبنياً على الأصل المثبت، فتأمّل جيّداً.

و تحرير هذا المبحث بنحو أخصر و أوضح هو أن يقال: إنّ في العصير العنبي إذا غلى بعد أن صار زبيباً جهتين من الكلام:

الأُولى: في مثير الشكّ في البقاء و هو نفس تبدّله من العنبية إلى الزبيبية. ثمّ بعد تحقّق الشكّ في بقاء ما كان مجعولًا للعصير الزبيبي ننقل الكلام إلى:

الجهة الثانية من الكلام: و هي الكلام على الاستصحاب، و هذه الجهة هي المتكفّلة للإشكال في هذا الاستصحاب، و الإشكال يقرّر من ناحيتين: الناحية الأُولى ناحية تبدّل الموضوع. و الناحية الثانية: ناحية كون اليقين حاصلًا قبل التئام الموضوع، و كون الشكّ حاصلًا بعد التئامه.

أمّا الكلام في الناحية الأُولى، فالذي يتكفّل بسدّ ثغرة الإشكال فيها هو الوحدة العرفية، فإنّها ترفع هذا الإشكال من هذه الناحية كما ترفعه لو حصل الشكّ في حلّية أكله قبل الغليان، فإنّ الحلّية الثابتة له في حال العنبية تنجرّ بالاستصحاب إلى حال الزبيبية، و لا يضرّها هذا التغيير لما عرفت من الوحدة العرفية.

و بعد سدّ ثغرة الإشكال فيما نحن فيه من الناحية الأُولى ننقل الكلام إلى الإشكال من الناحية الثانية، فيكون الإشكال في الاستصحاب التعليقي ممحّضاً بالإشكال من الناحية الثانية.

و ملخّص الإشكال: أنّ المستصحب إن كان هو نفس الحرمة الكلّية اللاحقة للعصير العنبي عند غليانه، فهذه الحرمة المتيقّنة لا شكّ في بقائها إلّا من ناحية النسخ، و حيث إنّ المفروض هو عدم النسخ، فالحرمة الكلّية باقية بحالها لا يكون‏

30

بقاؤها مشكوكاً. و إن كان المستصحب هو حرمة ذلك العصير الذي صار زبيباً أعني بذلك الحرمة الفعلية التي تلحقه عند ما يغلي، فهذه الحرمة لا تحقّق لها قبل حصول المعلّق عليه، فكيف يمكن استصحابها.

و إن كان المستصحب هو الملازمة بين هذا العصير العنبي و بين حرمته عند الغليان، فتلك و إن كانت موجودة متيقّنة قبل صيرورته زبيباً و قد تعلّق الشكّ ببقائها بعد الزبيبية، إلّا أنّها ليست بشرعية حتّى بناءً على جعل السببية، لأنّ مرجع هذه الملازمة إلى أنّ هذا الجزء و هو العصير العنبي لو انضمّ إليه الجزء الآخر و هو الغليان لترتّب عليه الحرمة، و هذه عقلية صرفة، نظير استصحاب صحّة الجزء التي يكون مرجعها إلى أنّه لو انضمّ إليه باقي الأجزاء لترتّب عليه الأثر. نعم الذي قيل بكونه شرعياً بناءً على جعل السببية هو الملازمة بين تمام الموضوع و بين حكمه، لا الملازمة بين جزئه الأوّل الذي هو العصير العنبي، و بين ترتّب الحرمة عليه لو انضمّ إليه الجزء الآخر.

فقد تلخّص: أنّ المستصحب إن كان هو الأوّل، فذلك لا شكّ في بقائه.

و إن كان الثاني و هو نفس حرمة العصير العنبي على تقدير غليانه المعبّر عنه بالحرمة التعليقية فذلك لا وجود له قبل الغليان- لأنّ المعلّق عدمٌ قبل وجود المعلّق عليه- كي يقال إنّه وقع الشكّ في بقائه فيستصحب. و إن كان المستصحب هو الثالث أعني الملازمة بين هذا العصير عند غليانه و بين الحرمة، فهذه الملازمة و إن كانت متيقّنة سابقاً و مشكوكة بعد الغليان، إلّا أنّها لمّا لم تكن شرعية حتّى بناءً على جعل السببية لم يمكن إجراء الاستصحاب فيها.

و ما أُفيد في الإشكال على ذلك ثانياً بأنّه لو سلّم كون هذه الملازمة شرعية لما جرى فيها الاستصحاب لعدم حصول الشكّ في بقائها، ففيه تأمّل، لأنّ هذه‏

31

الملازمة اللاحقة للعصير العنبي المفروض تبدّله إلى الزبيبية مشكوكة البقاء، من جهة الشكّ في تبدّل معروضها من العنبية إلى الزبيبية.

و الحاصل: أنّ المستصحب إن كان هو نفس الحرمة فقد عرفت أنّ العصير لا يوصف بالحرمة قبل الغليان، و ما يقال من أنّه و إن لم يوصف بالحرمة الفعلية إلّا أنّه موصوف بالحرمة التعليقية، لأنّ الحرمة التعليقية لها حظّ من الوجود في عالم الاعتبار و لو قبل وجود ما علّقت عليه، ففيه أنّه لا معنى و لا محصّل للحرمة التعليقية إلّا أنّ هذا العصير لو لحقه الغليان لحرم، و ذلك عبارة أُخرى عن قضية حملية تكون القضية الشرطية محمولًا فيها، و من الواضح أنّ ذلك إنّما هو أمر عقلي انتزاعي، ينتزعه العقل من جعل الشارع الحرمة على موضوعها الذي هو العصير الغالي أو العصير عند الغليان، فإنّ الشارع لم يجعل هذه الملازمة بين هذا العصير و بين حرمته عند غليانه، و إنّما جعل الحرمة له على تقدير غليانه، فالمجعول الشرعي للعصير هو تلك الحرمة التي تنوجد عند الغليان، لا الملازمة بينه و بين الحرمة على تقدير الغليان، فقبل وجود الغليان لا يكون لنا موجود شرعي، و إنّما يكون الموجود حينئذ أمراً عقلياً منتزعاً من تلك الحرمة التي جعلها الشارع للغليان، و ذلك الأمر الانتزاعي المعبّر عنه بأنّ هذا العصير لو غلى لحرم ليس بنفسه هو المجعول الشرعي. نعم لا يرد على هذا التقريب ما أُورد عليه ثانياً بأنّ تلك الحرمة التعليقية الانتزاعية مقطوعة لا مشكوكة، لما عرفت من طروّ الشكّ عليها بواسطة التبدّل من الزبيبية إلى العنبية.

نعم، يرد عليه ثانياً ما أورد ثانياً على التقريب الآخر الذي نقله عن الشيخ (قدس سره)، و حاصل ذلك الإيراد الثاني: أن الملازمة بين الموضوع و حكمه التي‏

32

قيل بأنّها شرعية بناءً على جعل السببية إنّما هي الملازمة بين تمام الموضوع و بين حكمه، أمّا الملازمة بين جزء الموضوع الذي هو العصير و بين الحكم على تقدير وجود الجزء الآخر الذي هو الغليان، فتلك عقلية صرفة لم يقل أحد بأنّها شرعية، و المفروض أنّ المراد استصحابه فيما نحن فيه إنّما هي هذه الملازمة المعبّر عنها بأنّ هذا العصير لو لحقه الغليان لكان حراماً، لا الملازمة بين العصير الغالي و بين الحرمة، فإنّها ليست مطروّة للشكّ.

و ينبغي أن يعلم أنّ التقريب الأوّل للحرمة التعليقية و هو كون العصير لو غلى لكان حراماً هو عين التقريب الثاني المعبّر عنه بالملازمة بين الغليان و الحرمة، فإنّ هذه الملازمة لا بدّ أن يراد منها الملازمة بين غليان هذا العصير و الحرمة، فيكون هذا العصير متّصفاً بأنّه لو غلى لكان حراماً، و ذلك عين التقريب الأوّل فتأمّل.

[تنبيه لو كان الشرط أمراً تكوينياً غير الغليان‏]

تنبيه: لو كان الشرط أمراً تكوينياً غير الغليان، مثل أن يقول: يحرم العصير العنبي عند مجي‏ء زيد، فتبدّل إلى الزبيبية قبل مجيئه ثمّ جاء، فهل يمنع من استصحاب هذا الحكم التعليقي. و ينبغي أن يتأمّل في استصحاب وجوب القصر أو استصحاب وجوب التمام قبل الوقت هل هو من قبيل الاستصحاب التعليقي أو لا، و ينبغي مراجعة ما حرّرته في المجموعة (1) في مسألة العدول عن نيّة الإقامة و حصول الصلاة الرباعية مع الشكّ في المقدّم منهما، فبعد تعارض الأُصول الموضوعية هل يكون المرجع هو استصحاب وجوب التمام و لو كان الرجوع المحتمل قبل الوقت، و هل يكون ذلك من الاستصحاب التعليقي.

____________

(1) [الظاهر أنّه (قدس سره) يشير بذلك إلى مجموعته الفقهية الاستدلالية المخطوطة].

33

قوله: أنّ الشكّ في حلّية الزبيب و طهارته الفعلية بعد الغليان و إن لم يكن مسبّباً عن الشكّ في نجاسته و حرمته الفعلية بعد الغليان، و إنّما كان الشكّ في أحدهما ملازماً للشكّ في الآخر، بل الشكّ في أحدهما عين الشكّ في الآخر، إلّا أنّ الشكّ في الطهارة و الحلّية الفعلية في الزبيب المغلي مسبّب عن الشكّ في كون المجعول الشرعي هل هو نجاسة العنب المغلي و حرمته مطلقاً حتّى في حال كونه زبيباً ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّه لو كان الشكّ في أحدهما عين الشكّ في الآخر لكان استصحاب كلّ منهما رافعاً للشكّ في الآخر، فتكون المعارضة باقية بحالها بنحو أقبح، فإنّها حينئذ من قبيل حكومة كلّ من الأصلين على الآخر، لا من قبيل مجرّد المعارضة.

و أمّا ما أُفيد بقوله: إلّا أنّ الشكّ في الطهارة و الحلّية الفعلية في الزبيب المغلي مسبّب عن الشكّ في كون المجعول الخ، فهو غير رافع للإشكال بل يؤيّده و يؤكّده، لأنّ كلًا منهما إذا كان مسبّباً عن الشكّ في إطلاق الحكم المستفاد من الدليل و شموله لحال الزبيبية، فلا وجه لتقديم أحد الاستصحابين على الآخر، لأنّ كلًا منهما لا يكون مزيلًا لناحية الشكّ في ذلك الدليل كي يكون مزيلًا للشكّ المسبّب عنه، إذ كما أنّ استصحاب الحرمة يقال فيه إنّه يشرح ذلك الدليل و يبيّن شموله لحال الزبيبية، فلِمَ لا يقال ذلك في ناحية استصحاب الحلّية و أنّه يشرح ذلك الدليل و يبيّن اختصاصه بحال العنبية، و ما ذلك إلّا لأنّ أقصى ما في استصحاب الحرمة أنّه حكم على طبق العموم و الشمول لا أنّه مبيّن للشمول، فكذلك استصحاب الحلّية أقصى ما فيه أنّه حكم تعبّدي على طبق الخصوص، لا أنّه مبيّن لكون الدليل خاصّاً.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 474- 475.

34

و لعلّ هذا هو المتحصّل من قول صاحب الكفاية (قدس سره): و بالجملة يكون الاستصحاب متمّماً لدلالة الدليل على الحكم فيما أُهمل أو أُجمل كان الحكم مطلقاً أو معلّقاً الخ‏ (1) فإنّ هذه الجملة و إن لم يسقها صاحب الكفاية لبيان حكومة استصحاب الحرمة التعليقية على استصحاب الحلّية الفعلية، إلّا أنّها صالحة لذلك بالبيان الذي أفاده شيخنا (قدس سره)، و لكن قد عرفت التأمّل في ذلك.

ثمّ لا يبعد أن تكون دعوى العينية مبنية على دعوى كون الاباحة عبارة عن عدم الحرمة، لا أنّها حكم مستقل في قبال الحرمة. و لا يخفى ما فيه، فإنّ كلامنا إنّما هو في إباحة العصير الزبيبي، و هي إباحة اقتضائية في قبال الحرمة، لا أنّها عبارة عن مجرّد عدم الحرمة، مع أنّا لو سلّمنا كون الاباحة عبارة عن عدم الحرمة لم يكن ذلك نافعاً في التخلّص عن إشكال المعارضة، فإنّ استصحاب الاباحة و لو بمعنى عدم الحرمة معارض لاستصحاب الحرمة، كمعارضة استصحاب عدم الحرمة لاستصحاب الحرمة.

قوله: و الحاصل: أنّ الشكّ في الحلّية و الحرمة و الطهارة و النجاسة في الزبيب المغلي مسبّب عن الشكّ في كيفية جعل النجاسة و الحرمة للعنب المغلي، و أنّ الشارع هل رتّب النجاسة و الحرمة على العنب المغلي مطلقاً في جميع مراتبه المتبادلة، أو أنّ الشارع رتّب النجاسة و الحرمة على خصوص العنب و لا يعمّ الزبيب، فالاستصحاب التعليقي يقتضي كون النجاسة و الحرمة مترتّبين على الأعمّ، و يثبت به نجاسة الزبيب المغلي، فلا يبقى مجال للشكّ في الطهارة و الحلّية ... الخ‏ (2).

لا يخفى أنّ هذه الجملة اعتراف بأنّ كلًا من الشكّ في الحلّية بعد الغليان‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 411.

(2) فوائد الأُصول 4: 475.

35

و الشكّ في الحرمة بعد الغليان مسبّب عن الشكّ في عموم الدليل الاجتهادي و شموله للزبيب، فعلى تقدير عمومه له يكون العصير الزبيبي محكوماً بالحرمة بعد الغليان، و على تقدير عدم عمومه له يكون العصير المذكور بعد الغليان محكوماً بالحلّية، فيتوجّه عليه حينئذ أنّ استصحاب الحرمة التعليقية لا يكون رافعاً للشكّ في ذلك الدليل الاجتهادي، و مبيّناً لعمومه للعصير الزبيبي، و لو سلّمنا له هذه الصلاحية لكان استصحاب الحلّية الثابتة للعصير الزبيبي قبل غليانه و الحكم ببقائها بعد الغليان رافعاً للشكّ في ذلك الدليل، و مبيّناً لاختصاصه بحال العنبية و عدم شموله لحال الزبيبية.

و أمّا ما أُفيد في آخر المبحث من قوله: و حاصل الكلام- إلى قوله- فإنّ التعبّد بنجاسة العنب المغلي و حرمته بما له من المراتب التي منها مرتبة كونه زبيباً كما هو مفاد الاستصحاب التعليقي يقتضي التعبّد بعدم طهارته و حلّيته، إذ لا معنى للتعبّد بالنجاسة و الحرمة إلّا إلغاء احتمال الطهارة و الحلّية الخ‏ (1) ففيه: أنّه بعد فرض عدم السببية و المسبّبية بين الشكّين، و أنّ كلًا منهما مسبّب عن الشكّ في الدليل الاجتهادي، يمكن أن يقال: إنّ التعبّد ببقاء الحلّية و الطهارة الثابتتين للعصير الزبيبي قبل الغليان و جرّهما إلى ما بعد الغليان، يقتضي التعبّد بعدم نجاسته و حرمته بعد الغليان، إذ ليس حينئذ أحد الاستصحابين أولى بالتقدّم من الآخر.

فالأولى في وجه الحكومة هو أن يقال: إنّ الوجه في حكومة الاستصحاب التعليقي هو أنّ كلًا من الحلّية و الحرمة و إن كان ضدّاً للآخر إلّا أنّ الحكم بأحدهما يقتضي رفع الآخر، بل إنّ الحكم بأحدهما عين رفع الآخر، و حينئذٍ نقول: إنّ‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 477.

36

العصير في حال كونه عنباً محكوم بالحرمة على تقدير الغليان، و الحكم عليه بالحرمة على تقدير الغليان هو عين رفع الحلّية عند الغليان، ثمّ إنّ ذلك العصير من حين صيرورته زبيباً إلى حين غليانه محكوم بالحلّية فعلًا، و هذه الحلّية المعلومة في حدّ نفسها لم يثبت أنّها محدودة و مرتفعة بالغليان، إلّا أنّه في هذه القطعة من الزمان يعني من زمان صيرورته زبيباً إلى حال الغليان لمّا كان محكوماً بالحرمة على تقدير الغليان استصحاباً لحرمته التعليقية، و جرّها من حال العنبية إلى حال الزبيبية، كان مقتضى هذا الاستصحاب هو أن تكون حلّيته الثابتة له في حال الزبيبية مرتفعة بالغليان كما كانت حرمته التعليقية الثابتة له بالوجدان في حال العنبية حاكمة بارتفاع حلّيته الفعلية عند الغليان.

قوله: و السرّ في ذلك: هو أنّه في الشبهات الموضوعية يكون أحد طرفي الشكّ المسبّبي أثراً شرعياً لمؤدّى الأصل السببي بدليل آخر (1).

الظاهر أنّ هذا كلّه إنّما هو لأجل تعدّد الموضوع الذي يجري فيه الأصل أعني بذلك مورد الشكّ السببي و مورد الشكّ المسبّبي، لا لخصوصية في كون الشبهة موضوعية، و إلّا فإنّ طهارة الماء حكم شرعي و إن كان منشأ الشكّ في بقائه هو الشبهة الموضوعية كما في المثال، و ربما كان منشأ الشكّ في بقائه هو الشبهة الحكمية، كما لو كان الماء مشكوك الطهارة بنحو الشبهة الحكمية، بأن كان قليلًا و لاقته نجاسة و حصل لنا الشكّ في نجاسة الماء القليل فاستصحبنا طهارته قبل الملاقاة، فإنّ هذا الاستصحاب و إن كان مورده الشبهة الحكمية يكون حاكماً على استصحاب نجاسة الثوب المغسول فيه، لأنّه يدخله تحت الكبرى القائلة بأنّ‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 476.

37

الغسل بالماء الطاهر مطهّر، و في كلّ من الموردين يكون استصحاب الطهارة منقّحاً للموضوع في الشكّ المسبّبي، فإنّه يوجب كون الثوب مغسولًا بماء طاهر، و كلّ ما غسل بماء طاهر يكون طاهراً، و بذلك يرتفع الشكّ في بقاء نجاسته.

و هذه الجهة و هي إزالة الشكّ في ناحية المسبّب هي الملاك في الحكومة، و هي بعينها المدعاة فيما نحن فيه، فإنّ استصحاب الحرمة التعليقية تحقّق الكبرى في ناحية السبب، و بعد أن تتحقّق الكبرى فيه و هي حرمته التعليقية يرتفع الشكّ في ناحية المسبّب و هي بقاء الحلّية، و يكون العصير ممّا أحرز ارتفاع حلّيته، فلا يكون بقاؤها مشكوكاً كي ينطبق عليه كبرى «لا تنقض اليقين بالشكّ».

و كأنّه لأجل هذه الجهة- من عدم الفرق بين الشبهة الموضوعية و الشبهة الحكمية في حكومة الأصل السببي على الأصل المسبّبي- قال فيما حرّره عنه السيّد سلّمه اللَّه بعد بيان وجه الحكومة ما هذا لفظه: و هذا هو المعيار في حكومة أحد الدليلين على الآخر، من دون فرق بين كون الأصل الحاكم أصلًا حكمياً أو موضوعياً (1) فلاحظ و تأمّل.

قوله: فإنّ التعبّد بنجاسة الشي‏ء و حرمته يقتضي عدم الحلّية و الطهارة (2).

نعم، يقتضيها و لكن بالملازمة العقلية، لما عرفت من كون الحلّية ثبوتية لا مجرّد عدم الحرمة، و إن سلّمنا أنّها عبارة عن عدم الحرمة كان استصحابها معارضاً لاستصحاب الحرمة.

____________

(1) أجود التقريرات 4: 127.

(2) فوائد الأُصول 4: 477.

38

قوله: فالاستصحاب التعليقي لو لم يثبت عدم حلّية الزبيب و طهارته كان التعبّد به لغواً، و يلزم بطلان الاستصحاب التعليقي أساساً ... الخ‏ (1).

ليس هذا بلازم باطل، و إنّما جلّ غرض المستشكل هو إبطاله و إلغاؤه. نعم فيما لم يكن معارض لاستصحاب الحرمة لا يكون استصحاب الحرمة (بناءً على ما ذكرناه من كون الحلّية ثبوتية) مثبتاً لعدم الاباحة، لكن هناك نقول إنّه يكفي في مقام العمل مجرّد ثبوت الحرمة، و إن لم يكن في البين ما يثبت عدم الاباحة، أعني الاباحة الثبوتية الاقتضائية.

و الذي تلخّص: هو أنّ شيخنا (قدس سره) قد أفاد في وجه حكومة استصحاب النجاسة و الحرمة التعليقيتين على استصحاب الحلّية و الطهارة الفعليتين، أنّ الشكّ في طهارة العصير و حلّيته عند الغليان مسبّب عن عموم الدليل القائل إنّ العنب إذا غلى يحرم و ينجس، و شموله لما إذا صار زبيباً، فإذا جرى الاستصحاب في هذا الحكم التعليقي ارتفع الشكّ في طهارته و حلّيته.

و فيه تأمّل أوّلًا: من جهة كون ذلك مثبتاً، فإنّ الأصل لا يثبت عموم الدليل إلّا بلازمه، و إن كان قد صرّح السيّد في تحريراته بقوله: و إذا أُحرز العموم بالاستصحاب الخ‏ (2) و كيف يمكن إحراز العموم بالاستصحاب.

و ثانياً: من جهة أنّ كشف هذا الاستصحاب التعليقي عن عموم الدليل الموجب لزوال الشكّ في طهارته و حلّيته ليس بأولى من دعوى كون استصحاب الحلّية و الطهارة الفعليتين كاشفاً عن اختصاص ذلك الحكم التعليقي بخصوص حالة العنبية.

____________

(1) نفس المصدر.

(2) أجود التقريرات 4: 127.

39

ثمّ إنّه (قدس سره) أشكل على نفسه بأنّ المسبّب هنا ليس من الآثار الشرعية للسبب، و أجاب عنه: بأنّ ذلك إنّما يعتبر في الأُصول الموضوعية دون الأُصول الحكمية، فإنّها لا تحتاج إلى ذلك، لأنّ عدم الحلّية و الطهارة بنفسه أثر للحكم بالحرمة و النجاسة.

و فيه تأمّل أيضاً، لعدم وضوح هذا الفرق، و كأنّه لأجل ذلك قال في تحريرات السيّد سلّمه اللَّه: من دون فرق بين كون الأصل الحاكم أصلًا حكمياً أو موضوعياً (1). و لو سلّم فليس ذلك بأولى من القول بأنّ عدم الحرمة و النجاسة أثر للحكم بالحلّية و الطهارة.

ثمّ قال: فالاستصحاب التعليقي لو لم يثبت عدم حلّية الزبيب و طهارته كان التعبّد به لغواً، و يلزم بطلان استصحاب التعليقي أساساً.

و يمكن التأمّل فيه أوّلًا: بأنّ هذا ليس بأولى من القول بأنّ استصحاب الطهارة و الحلّية لو لم يثبت عدم الحرمة و النجاسة لكان لغواً. و ثانياً: أنّ هذا هو مراد المشكل، فإنّه يريد سقوط الاستصحاب التعليقي، لأنّه دائماً مبتلى بمعارضة الاستصحاب التنجيزي.

ثمّ قال: إذ لا معنى للتعبّد بالنجاسة أو الحرمة إلّا إلغاء احتمال الحلّية و الطهارة، انتهى.

و يمكن التأمّل فيه، بأنّه ليس بأولى من القول بأنّه لا معنى للتعبّد بالحلّية و الطهارة عند الغليان إلّا إلغاء احتمال الحرمة و النجاسة، فتأمّل.

و الإنصاف: أنّ ورود هذه التأمّلات فيما أفاده مؤيّد ما شرحنا من كون جعل الحكم الطارئ يكون بنفسه جعلًا لرفع الحكم الموجود قبل جعل ذلك الطارئ،

____________

(1) أجود التقريرات 4: 127.

40

فإنّ التعبّد بعروض الحرمة و النجاسة عند الغليان يكون تعبّداً برفع الطهارة و الحلّية، بخلاف العكس لأنّ التعبّد ببقاء الطهارة و الحلّية لا يكون تعبّداً إلّا بالعدم لهما، الذي هو توأم مع وجود الحلّية و الطهارة، فلاحظ ما شرحناه و نقلناه عن تحريراتنا عنه (قدس سره) في التنبيه الثاني‏ (1) الذي عقدناه لتوجيه الحكومة المذكورة من التنبيهين الآتيين.

[تنبيه الإشكال على استصحاب الحلّية المنجّزة بأنّه من القسم الثالث من استصحاب الكلّي‏]

تنبيه: يمكن أن يشكل على استصحاب الحلّية المنجّزة حين التبدّل إلى الزبيبية، بأنّها إن كانت هي الثابتة للعنب التي هي محدودة شرعاً بالغليان فقد ارتفعت بالغليان، و إن كانت هي الثابتة للزبيب بأن كان التبدّل إليه موجباً لتغيّر الموضوع، فهي باقية قطعاً بعد الغليان، فتكون تلك الحلّية الثابتة في حال الزبيبية مردّدة بين مقطوع الارتفاع و مقطوع البقاء، فلم يبق إلّا استصحاب الكلّي، و حينئذٍ تندرج المسألة في القسم الثالث من الكلّي، لأنّا بعد الغليان نعلم بأنّ حلّية العنب قد ارتفعت إمّا بالتبدّل إلى الزبيبية و إمّا بالغليان، غايته أنّا نحتمل قيام حلّية أُخرى مقامها لو كان ارتفاعها بالتبدّل، فتكون المسألة مندرجة في استصحاب القسم الثالث من الكلّي.

و بالجملة: أنّ المتيقّن الحدوث هو الحلّية المحدودة، و هي حلّية العنب، و لكنّا عند صيرورته زبيباً نحتمل تبدّلها إلى حلّية غير محدودة على وجه لا يكون الغليان موجباً لارتفاعها و انقطاعها، فلو أردنا استصحاب كلّي الحلّية كان من قبيل القسم الثالث من الكلّي، إذ هو حينئذ نظير ما لو علمنا بوجود البقّة في هذه الغرفة لكن في اليوم الثاني احتملنا دخول الفيل إلى الغرفة و اعدامه للبقّة، بمعنى أنّا في اليوم الثاني احتملنا أنّ البقّة تبدّلت بالفيل ثمّ جاء اليوم الثالث و انتهى و هو آخر

____________

(1) الظاهر أنّ المراد به هو التنبيه الآتي في الصفحة: 60 و ما بعدها.

41

حياة البقّة، ففي مثل ذلك لا يمكننا استصحاب كلّي الحيوان، لأنّه من قبيل القسم الثالث، فإنّا و إن كنّا في اليوم الثاني قاطعين بوجود الحيوان المردّد بين الفيل و البقّة، إلّا أنّ ما هو معلوم الحدوث من ذلك الكلّي و هو البقّة قد ارتفع يقيناً إمّا بالفيل أو بانقضاء الثلاثة، غايته أنّا نحتمل ارتفاعه بالفيل الذي يخلف البقّة، فيكون راجعاً إلى القسم الثالث. نعم لو كان الحادث مردّداً بين البقّة و الفيل لكان من قبيل القسم الثاني.

و هكذا الحال فيما نحن فيه، فإنّ الزبيب لو كانت حلّيته حادثة و تردّدت بين الحلّية المحدودة بالغليان و غير المحدودة به، لكان استصحاب القدر الجامع بينهما بعد الغليان من قبيل القسم الثاني من الكلّي، لكن المفروض ليس كذلك، بل إنّ حلّيته إن كانت محدودة بالغليان فهي الحلّية السابقة التي كانت له حينما كان عنباً لا حلّية جديدة، و إن لم تكن محدودة بالغليان فهي حلّية جديدة تخلف الحلّية السابقة المحدودة، فلا يكون استصحاب القدر الجامع بينهما إلّا من قبيل القسم الثالث من الكلّي الذي قد علم بوجوده في ضمن المحدودة، و قد علم بارتفاع ذلك المحدود، إمّا بوجود حدّه و إمّا لتبدّله إلى غير المحدود. و لو سلّمنا أنّه من قبيل القسم الثاني توجّه إليه المنع من وجود القدر الجامع بين الحلّيتين.

و من ذلك يظهر لك الوجه فيما حكموا به من عدم وجوب الغسل فيما لو كان محدثاً بالأصغر و احتمل طروّ الجنابة عليه، بناءً على أنّ الحدث الأكبر معدم للأصغر، فإنّه و إن كان حدثه عند احتمال طروّ الجنابة مردّداً بين الأصغر و الأكبر، إلّا أنّه لمّا كان مسبوقاً بالأصغر فهو بعد الوضوء يعلم بارتفاع الأصغر إمّا بالوضوء و إمّا بالجنابة، غايته أنّه يحتمل أنّه قد قامت الجنابة مقام الأصغر لو كانت قد حدثت له، فيكون استصحاب كلّي الحدث من قبيل القسم الثالث.

42

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ المنظور إليه في الاستصحاب ليس هو مجموع ما مرّ عليه ليكون من قبيل القسم الثالث، بل المنظور إليه في ذلك هو حالة احتمال طروّ الجنابة، و هو في ذلك الحال عالم بأنّه محدث بحدث مردّد بين الأصغر و الأكبر، فيستصحب القدر الجامع بينهما، و يكون من قبيل القسم الثاني، و يندرج في اجتماع المقتضي و عدم المقتضي، بمعنى أنّا لو نظرنا إلى مجموع ما مر عليه كان من قبيل عدم المقتضي، لأنّ الاستصحاب حينئذ ينحصر بالقسم الثالث و هو غير جار، لكن لو نظرنا إلى حالته عند احتمال الجنابة كان من قبيل المقتضي، لأنّه يكون من قبيل القسم الثاني.

و هكذا الحال فيما نحن فيه، فإنّا لو نظرنا إلى مجموع ما مرّ على هذا العصير من حين كونه عنباً إلى كونه زبيباً إلى غليانه، كان استصحاب الحلّية الكلّية فيه من قبيل القسم الثالث، لكن لو نظرنا إلى خصوص حالته الزبيبية كان من قبيل القسم الثاني.

أمّا الاستناد إلى استصحاب بقاء حلّية العنب المحدودة إلى ما بعد التبدّل، أو استصحاب عدم حدوث حلّية جديدة عند التبدّل، ففيه أنّهما لا يزيلان الشكّ في هذه الحلّية إلّا بالأصل المثبت، فتأمّل.

لا يقال: إنّ الحلّية حال العنب و إن كانت محدودة، إلّا أنّا بعد التبدّل إلى الزبيب نشكّ في أنّها حينئذ محدودة بالغليان فترتفع عنده فيستصحب بقاؤها.

لأنّا نقول: إنّ هذا إنّما يتمّ لو كانت الحلّية عند التبدّل إلى الزبيب هي الحلّية السابقة، غايته أنّ حدّها بالغليان قد ارتفع، و هذا خلاف الفرض، فإنّ المفروض أنّ لنا حلّيتين إحداهما عند العنب و هي محدودة، و الأُخرى عند التبدّل و هي غير محدودة، و إنّما قلنا باختلافهما لأجل اختلاف موضوعهما، فإنّا لو قلنا إنّ الزبيب‏

43

مغاير للعنب بحيث كان موضوعاً جديداً، فلا جرم تكون حلّيته هي مباينة للحلّية التي كانت لاحقة للعنب.

قال الأُستاذ العراقي (قدس سره) في مقالته: و أمّا بناءً على مشربنا فقد يتوهّم عدم وصول النوبة إلى المعارضة أصلًا، إذ كما يجري استصحاب الحرمة التعليقية كذلك يجري استصحاب عدم الوجوب منوطاً بعدم المعلّق عليه، و إن كانت مثل تلك الاناطة عقلية محضة من قبيل تزاحم المناطين‏ (1).

بدّل الاباحة بالوجوب ليظهر أثر المعارضة و التزاحم، و كأنّه إشارة إلى ما في الكفاية (2) من أن استصحاب الحلّية المغيّاة بالغليان أو التي يكون عدمها معلّقاً على الغليان، لا يعارض استصحاب الحرمة المعلّقة على الغليان لجريانهما معاً بلا تدافع بينهما. و العبارة مشتملة على زيادة لفظ «العدم»، فإنّ المراد هو أنّه لو فرضنا أنّ حكمه قبل حصول الغليان هو الوجوب، يكون عدم الوجوب منوطاً بوجود المعلّق عليه، بمعنى أنّ زوال ذلك الوجوب مشروط بالغليان، أو المراد أنّ ذلك الوجوب يكون بقاؤه منوطاً بعدم ذلك المعلّق عليه الحرمة أعني الغليان، فلا بدّ من إسقاط أحد لفظي «العدم» من العبارة، و لعلّ قوله: كما أنّ لنا حينئذ قطعاً بعدم الوجوب منوطاً بالمعلّق عليه للحرمة الخ، قرينة على الأوّل، أعني إسقاط لفظ «العدم» من المعلّق عليه.

و كيف كان، فالظاهر أنّ هذا التوهّم الذي ذكره هو تعريض بما في الكفاية، و قد أجاب عنه بقوله: و لكن لا يخفى ما فيه، من أنّه كما أنّ لنا حينئذ قطعاً بعدم الوجوب منوطاً بالمعلّق عليه للحرمة، كذلك لنا أيضاً قطع مطلق (متعلّق)

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 403.

(2) كفاية الأُصول: 412.

44

بوجوب الشي‏ء منجّزاً، و كلّ واحد من القطعين مشمول حرمة النقض، بلا وجه لتقدّم أحدهما على الآخر بعد فرض عدم كون ارتفاع أحدهما من آثار الآخر شرعاً كي يصير أحد الاستصحابين حاكماً على الآخر الخ‏ (1).

و حاصله: أنّ هذا الجواب الذي في الكفاية إنّما ينفع لو كانت الحلّية المستصحبة هي الحلّية الثابتة للعنب، أمّا الحلّية الثابتة للزبيب فتلك حلّية منجّزة، فلا يتأتّى فيها ما أفاده في الكفاية من كون استصحابها موافقاً لاستصحاب الحرمة المعلّقة، فراجع ج 1 من المستمسك ص 92 (2) و ج 2 من الحقائق ص 470 (3).

و ينبغي مراجعة حاشية العلّامة الأصفهاني (قدس سره)(4) فإنّه أوّلًا قد صرّح بمنع كون حلّية عصير العنب مغيّاة شرعاً بالغليان، و بأنّ استصحاب تلك الحلّية لا يقتضي ارتفاعها بالغليان إلّا بالأصل المثبت، لعدم كون ارتفاعها به بحكم الشارع، بل هو بواسطة حكم العقل بارتفاع أحد الضدّين و هو الحلّية عند وجود الضدّ الآخر و هو التحريم عند الغليان، و حينئذٍ يكون استصحاب تلك الحلّية معارضاً لاستصحاب الحرمة التعليقية.

ثمّ أفاد بعد ذلك ما حاصله: أنّه لو قلنا بكون الغاية شرعية و الحلّية المجعولة مغيّاة شرعاً، كان ذلك موجباً لسقوط استصحاب تلك الحلّية المغيّاة بعد حصول الغاية، لكن يجري استصحاب الحلّية المهملة للزبيب، للقطع بأنّه حلال فعلًا إمّا بالحلّية المغيّاة كالعنب، أو بحلّية مطلقة حادثة بعد التبدّل إلى‏

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 403.

(2) مستمسك العروة الوثقى 1: 422- 423.

(3) حقائق الأُصول 2: 470.

(4) نهاية الدراية 5- 6: 176- 177.

45

الزبيبية، و قد اعتمد على استصحاب هذه الحلّية الكلّية المهملة و جعله معارضاً لاستصحاب الحرمة التعليقية، بل و لاستصحاب الحلّية المغيّاة، و لاستصحاب عدم حدوث الحلّية المطلقة الثابت قبل الزبيبية.

فهو موافق لما أفاده الأُستاذ العراقي (قدس سره) من الاعتماد على هذا الاستصحاب في إلقاء المعارضة بينه و بين استصحاب الحرمة التعليقية لو أسقطنا استصحاب حلّية العنب بعد تسليم كون حلّية العنب مغيّاة شرعاً، لكنّه يدّعى أنّ حلّية العنب غير مغيّاة شرعاً بالغليان، و لعلّ الأُستاذ العراقي يوافق على ذلك كما تقدّم‏ (1) من عبارته في المقالة بقوله: و إن كانت مثل تلك الاناطة عقلية الخ.

و على كلّ حال، فإنّ هذا الذي تقدّم كان بناءً على كون حلّية العنب محدودة شرعاً بالغليان.

و أمّا بناءً على أنّه لا تحديد فيها، غايته أنّها ترتفع قهراً بوجود ضدّها و هو الحرمة على تقدير الغليان، ففيها تفصيل، و هو أنّه عند التبدّل إلى الزبيبية و حصول احتمال تبدّل الموضوع بذلك، فالظاهر أنّ الذي يتبدّل هو موضوع الحرمة التعليقية، و أمّا الحلّية فلا يبعد القول ببقاء موضوعها الأعمّ من العنب و الزبيب، و حينئذٍ لا يكون لنا ترديد في الحلّية الثابتة في حال الزبيبية، فإنّها حينئذ هي تلك الحلّية الثابتة في حال العنبية، سواء حصل التبدّل في موضوع الحرمة التعليقية أو لم يحصل، و حينئذٍ فلا مانع من استصحاب تلك الحلّية إلى ما بعد الغليان، فيعارض استصحاب الحرمة التعليقية.

نعم، لو قلنا إنّ هذا التبدّل كما يؤثّر على موضوع الحرمة التعليقية، فكذلك يؤثّر على موضوع الحلّية الفعلية للعنب، و أنّه بتبدّله إلى الزبيبية يحدث له حلّية

____________

(1) في الصفحة: 43.

46

أُخرى لكونه موضوعاً آخر غير العنب، فعلى هذا التقدير يحصل لنا التردّد في الحلّية الثابتة في حال الزبيبية، هل هي الحلّية السابقة التي كانت في حال العنب، أو هي حلّية جديدة مختصّة بالزبيب، و إن كان كلّ من الحلّيتين غير محدودة بالغليان، إلّا أنّ الأُولى قابلة للارتفاع القهري بالغليان، بخلاف الثانية.

و حينئذٍ تكون النتيجة هي أنّا بعد الغليان قاطعون بارتفاع الحلّية السابقة التي كانت حال العنبية، إمّا بتبدّل موضوعها أو بحصول رافعها القهري، و هو الحرمة الآتية من قبل الغليان، أمّا الحلّية التي كانت موجودة في حال الزبيبية فهي مردّدة عندنا بين الحلّية السابقة و الحلّية الجديدة، و على الأوّل هي مقطوعة الارتفاع بالغليان، و على الثاني هي مقطوعة البقاء، و يكون الحاصل هو أنّ الحلّية السابقة قد ارتفعت يقيناً، لكن هل كان ارتفاعها من حين التبدّل فقد خلفتها حلّية أُخرى هي باقية حتّى بعد الغليان، أو أنّه كان ارتفاعها بالغليان فلم تخلفها حلّية أُخرى، فيكون المقام من استصحاب الكلّي الذي علم ارتفاع فرده و شكّ في أنّه عند ارتفاعه خلفه فرد آخر أو لم يخلفه، إن كان المنظور إليه هو مجموع حالاته من العنبية إلى الزبيبية، و إن كان المنظور إليه هو خصوص حالته الزبيبية، كان من قبيل الفرد المردّد و كان من قبيل القسم الثاني من الكلّي.

لا يقال: بناءً على الوجه الأوّل- أعني كون حلّية العنب غير محدودة شرعاً بالغليان، و أنّها لا تتبدّل بحلّية أُخرى عند التبدّل إلى الزبيبية- ينبغي أن يقال: إنّ استصحاب الحرمة التعليقية يكون حاكماً على استصحاب تلك الحلّية، إذ لم يكن الشكّ حينئذ إلّا من ناحية واحدة، و هي بقاء تلك الحرمة التعليقية، فإذا جرى الاستصحاب فيها زال الشكّ المذكور، و كان عند حصول الغليان محكوماً بالحرمة الفعلية، و ذلك عبارة أُخرى عن عدم بقاء الحلّية، و لأجل ذلك لم يتردّد

47

أحد في أنّه لو حصل الشكّ في نسخ تلك الحرمة التعليقية عن العنب، كان استصحاب عدم النسخ قاضياً بأنّه باقٍ على ما هو عليه من أنّه لو غلى يحرم، و لم يتخيّل أحد أنّ استصحاب حلّيته قبل غليانه يكون معارضاً لاستصحاب بقاء الحرمة المذكور و عدم نسخها.

لأنّا نقول: إنّ استصحاب الحرمة التعليقية و إن قضى بفعلية الحرمة عند الغليان، إلّا أنّ ذلك ليس عبارة عن عدم الحلّية بناءً على التضادّ بين الأحكام الشرعية. و أمّا استصحاب عدم النسخ فإنّ فيه خصوصية أُخرى، و هو أنّه يفتح باب التمسّك بالدليل الاجتهادي الوارد في المسألة، و أنّ ما تضمّنه من الحكم باق لم ينسخ، و حينئذٍ فبأصالة عدم نسخ الحرمة التعليقية المستفادة من مثل قوله: إنّ العنب إذا غلى يحرم، يبقى لنا ذلك الدليل بحاله، و يكون حاكماً بالحرمة على تقدير الغليان، و من الواضح أنّ أخذ الحرمة من هذا الدليل يقضي بارتفاع الحلّية لكونه لازم تحقّق الحرمة فعلًا، و هذا بخلاف الاستصحاب فيما نحن فيه، فإنّه لا يكون المستصحب إلّا نفس الحكم، و من المعلوم أنّه لا يترتّب عليه لازمه الذي هو ارتفاع الحلّية.

و أمّا الجواب عن استصحاب عدم النسخ بأنّه أصل عقلائي مستقل، و إلّا لم يكن جارياً في الشكّ في نسخ نفس الاستصحاب، فالظاهر أنّه غير نافع، فإنّه لو سلّمنا كونه أصلًا مستقلًا لم يكن ذلك موجباً لترتّب اللوازم عليه، و المفروض أنّ إشكالنا فيه إنّما هو من هذه الناحية فلاحظ، هذا.

و لكن الإنصاف أنّ هذه الدعوى- أعني كون استصحاب الحكم في مورد الشكّ في نسخه موجباً لفتح باب التمسّك بالدليل الاجتهادي الدالّ على ذلك الحكم، بخلاف استصحاب الحكم في مورد الشكّ في بقائه من ناحية تبدّل‏

48

بعض حالات موضوعه- ممّا لا شاهد عليها، فإنّ الاستصحاب ليس هو إلّا عبارة عن جرّ الحكم السابق من زمان اليقين به إلى زمان الشكّ في بقائه، سواء كان منشأ الشكّ في بقائه هو احتمال نسخه، أو كان هو تبدّل بعض حالات موضوعه، و لعلّها راجعة إلى دعوى كون النسخ تخصيصاً بحسب الأزمان و أنّه من مقولة الدفع لا الرفع، كما أنّ دعوى كون أصالة عدم النسخ أصلًا مستقلًا غير راجع إلى الاستصحاب ممّا لا شاهد عليها، و لو فرضنا الشكّ في نسخ نفس الاستصحاب- أعني نسخ مفاد «لا تنقض اليقين»- نلتزم بعدم إمكان الحكم ببقاء هذا الحكم.

مضافاً إلى ما عرفت من أنّا لو سلّمنا كون استصحاب عدم النسخ أصلًا مستقلًا، لم يكن ذلك بقاض بحجّية المثبت منه، الذي هو منشأ الإشكال في استصحاب الحكم من ناحية تبدّل الحالة.

فالحقّ: هو أنّ استصحاب الحكم التعليقي- أعني الحرمة المعلّقة على الغليان- حاكم على استصحاب حلّيته الفعلية، سواء كان منشأ الشكّ في بقاء ذلك الحكم التعليقي هو احتمال نسخه، أو كان منشأ الشكّ في بقائه هو احتمال مدخلية تلك الحالة فيه أعني العنبية التي تبدّلت إلى الزبيبية، كما سيأتي توضيحه إن شاء اللَّه تعالى‏ (1).

[الكلام في كون الحلّية محدودة شرعاً بالغليان و عدمه‏]

بقي الكلام في كون الحلّية محدودة شرعاً بالغليان و عدمه، فإن قلنا بكونها ناشئة عن ملاك محدود بالغليان، كما أنّ ملاك الحرمة منحصر بوجود الغليان، تعيّن الأوّل، و إن قلنا بأنّ ملاك الحلّية في نفسه غير محدود بذلك، غايته أنّه إذا وجد الغليان يتولّد منه ملاك التحريم، و إذا رأينا الشارع قد حكم بالحرمة عند الغليان علمنا أنّ ملاك التحريم أقوى من ملاك الحلّية، و حينئذٍ يكون ارتفاع‏

____________

(1) راجع التنبيه الآتي في الصفحة: 60 و ما بعدها.

49

الحلّية عند الغليان عقلياً من باب أنّ وجود أحد الضدّين و هو التحريم يكون موجباً عقلًا لارتفاع الضدّ الآخر و هو الحلّية، و هذا التفصيل مأخوذ ممّا حرّرته عن درس الأُستاذ العراقي، و لعلّه إليه يومئ في مقالته حيث قال فيها في عبارته السابقة: إذ كما يجري استصحاب الحرمة التعليقية كذلك يجري استصحاب عدم الوجوب منوطاً بعدم المعلّق عليه، و إن كانت مثل تلك الاناطة عقلية محضة من قبيل تزاحم المناطين‏ (1).

و يمكن أن يقال: إنّ ملاك الحلّية و إن لم يكن محدوداً في حدّ ذاته بالغليان إلّا أنّه لمّا كان عند الغليان يحدث ملاك التحريم و كان هو أقوى، كانت المسألة من تزاحم الملاكات في مقام الجعل و التشريع، و وقوع الكسر و الانكسار بينهما في ذلك المقام يوجب مغلوبيّة المنكسر و عدم تأثيره في ذلك المقام في مقتضاه، و حينئذٍ قهراً يكون تأثير ملاك الحلّية منحصراً بما قبل الغليان، و أنّه ينتهي تأثيره فيها عند الغليان، و ذلك هو عين المحدودية الشرعية.

و بالجملة: أنّ جعل الحرمة مشروطة بالغليان هو عين جعل الحلّية محدودة به، سواء كان ذلك لقصور ملاك الحلّية، أو لانكساره و غلبة ملاك الحرمة عليه.

و من ذلك يظهر لك أنّه ليس لنا في قبال استصحاب الحرمة التعليقية إلّا استصحاب الحلّية الزبيبية المردّدة بين المحدودة و غير المحدودة، أمّا حلّية نفس العنب فلا ريب في كونها محدودة، فلا أثر لاستصحابها في قبال استصحاب الحرمة التعليقية، بل لا أثر للقطع ببقائها، كما أفاده في الكفاية (2). نعم لو لم تكن حلّية العنب محدودة بالغليان شرعاً، كان استصحابها جارياً و معارضاً

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 403.

(2) كفاية الأُصول: 412.

50

لاستصحاب الحرمة التعليقية، و لا يتمّ ما أفاده في الكفاية من أنّ جريان استصحاب تلك الحلّية لا يضرّ باستصحاب الحرمة التعليقية.

لا يقال: إنّ كون ملاك الحلّية مقصوراً على ما قبل الغليان، أو كونه فيما بعد الغليان مغلوباً لملاك التحريم، لا يوجب كون الحلّية المجعولة على طبقه محدودة شرعاً بالغليان، بل يمكن جعل الحلّية غير محدودة بذلك لكنّه يرفعها عند الغليان إمّا لانتهاء ملاكها أو لأجل مغلوبيته حينئذ.

لأنّا نقول: إنّ ذلك و إن كان ممكناً كما شرحناه في النسخ‏ (1) و أنّه من قبيل الرفع لا الدفع، إلّا أنّه لا يخرج عن التصرّف الشرعي بجعل الغليان رافعاً للحلّية الذي هو عبارة عن رفعها عند الغليان، و حينئذٍ لا تكون الحلّية الثابتة للعنب حلّية مطلقة بل إمّا محدودة بالغليان و إمّا مرفوعة بالغليان، و هذا المقدار من الفرق لا يوجب الخلل فيما رامه صاحب الكفاية (قدس سره) من أنّ استصحاب تلك الحلّية لا يعارض استصحاب الحرمة التعليقية، لأنّ استصحاب الحلّية التي هي محدودة بالغليان أو الحلّية التي ترتفع شرعاً بالغليان يكون حاكماً بانعدامها بعد الغليان، فلا يكون معارضاً لاستصحاب الحرمة التعليقية، هذا.

مضافاً إلى ما يستفاد من بعض أخبار المسألة من تحديد الحلّية بالغليان مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة حمّاد: «لا يحرم العصير حتّى يغلى» (2) و في أُخرى له «سألته عن شرب العصير، قال (عليه السلام): تشرب ما لم يغل، و إذا غلى فلا تشربه» (3) الخ.

____________

(1) راجع المجلّد الخامس من هذا الكتاب، الصفحة: 389 و ما بعدها.

(2) وسائل الشيعة 25: 287/ أبواب الأشربة المحرّمة ب 3 ح 1.

(3) وسائل الشيعة 25: 287/ أبواب الأشربة المحرّمة ب 3 ح 3.