أضواء وآراء؛ تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول‏ - ج1

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
694 /
7

«تعليقات على كتابنا بحوث في علم الاصول»

تأليف‏

آية اللَّه السيد محمود الهاشمي الشاهرودي‏

الحمد للَّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و خاتم المرسلين أبي القاسم المصطفى محمّد و على آله الطيبين الطاهرين.

و بعد:

من نعم اللَّه سبحانه و تعالى و مِنَنه عليَّ أن وفقني للتعليق على كتابنا

بحوث في علم الاصول‏

الذي هو تقرير لأبحاث استاذنا الشهيد السعيد آية اللَّه العظمى السيد محمّد باقر الصدر (قدس سره)، و ذلك خلال اشتغالي بتدريسها و إلقائها على طلّابنا الأفاضل ضمن دورتين اصوليتين في الحوزة العلمية بقم المقدّسة، فرأيت أن أجمعها و الحقها في دراسة مخصّصة بالأجزاء السابقة من (بحوث في علم الاصول) فتكتمل هذه الموسوعة الاصولية عشرة أجزاء.

و قد حاولت أن تكون مشتملة على توضيح ما هو مغلق من عبارات التقرير

8

و اضافة ما ينبغي اضافته من أقوال و استدلالات و ما خطر ببالي من نكات أو مناقشات.

و لا شكّ أنّ ما أحرزته المدرسة الاصولية الحديثة في الفقه الإمامي اليوم يعتبر من الانجازات البديعة و التطوّرات الهائلة لمسائل هذا العلم و بحوثه ممّا أعطته مكانة سامية بين العلوم و جعلت منه علماً له طبيعته و منهجه المتميّز و المستقل رغم تنوّع مسائله و اختلاف موضوعاته من بحوث لغوية تحليلية إلى مسائل عقلية نظرية أو عملية و قواعد تشريعية، إلّا أنّها جميعاً ترتبط بمحور واحد أساس، و هو الأدلّة و العناصر المشتركة في عملية الاستنباط الفقهي، و استخراج الأحكام و معطيات الشريعة الغرّاء.

و من هنا صار هذا العلم اليوم مفتاحاً لسائر علوم الشريعة و منطقاً لعلم الفقه على وجه الخصوص، يوزن به مدى سلامة عملية الاستنباط الفقهي و استنتاج أحكام الشريعة و معطياتها عن مصادرها و أدلّتها التفصيليّة.

و قد كان لسيّدنا الشهيد الصدر (قدس سره) من بين فقهائنا و أعلامنا المعاصرين الدور الأمثل في توسيع نطاق هذا العلم و توضيح معالمه و مناهجه و دوره و تأثيره على علم الفقه و علوم الشريعة الاخرى.

فقد استطاع بنبوغه و فكره العملاق أن يجدّد كثيراً من نظريات هذا العلم، و يطوّر من بحوثه و مسائله في المضمون و المنهج و طريقة العرض، بما لا يمكن اليوم أن يستغني عنه كل من يقصد الورود إلى مباحث هذا العلم و يمارس تعليمه أو تعلّمه أو التأليف فيه.

و لا غرو إذا قلنا انّ الحواضر و الحوزات العلمية اليوم تتطلّع إلى نظريات و آراء

9

سيدنا الشهيد الاصولية بشوق بالغ، و تطالب الأساتذة بعرضها في بحوثهم و محاضراتهم و تعتبرها أعمق و أحدث ما وصلت إليه المدرسة الاصولية المعاصرة في فقه أهل البيت (عليهم السلام).

و قد كان هذا أحد الأسباب لاحساسي بضرورة الشرح و البسط لما قرّرناه من بحوث استاذنا الشهيد رغم ما طبع بعد ذلك من تقريرات اخرى و لكنّها ليست بكاملة و لا وافية بأداء آخر ما انتهى إليه الفكر الاصولي للسيد الشهيد (قدس سره).

نسأل اللَّه سبحانه و تعالى أن يتغمّد استاذنا الشهيد بوافر رحمته و يسكنه الفسيح من جنّاته مع أجداده الطاهرين المعصومين، و أن يوفقنا للسير على نهجه القويم في خدمة الإسلام و المسلمين، و الحمد للَّه ربّ العالمين.

قم المقدّسة السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي شهر رمضان المبارك/ 1430 ه

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

تعليقات على الجزء الأول (البحوث اللفظية التحليلية)

الدلالة اللفظية

نظرية الاستعمال‏

علامات الحقيقة و المجاز

الحقيقة الشرعية

الصحيح و الأعم‏

الحروف‏

الهيئات‏

المشتق‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

تمهيد

ص 21 قوله: (إلّا أنّ هذا ليس تصحيحاً موفقاً...).

أضف إلى ذلك أنّ الوظيفة العملية هي نفس القاعدة الاصولية الشرعية أو العقلية لا ما يستنبط منها.

و منه يعرف أنّ ما صنعه السيد الخوئي على ما في بعض تقريرات بحثه من جعل الانتهاء إلى الوظيفة العملية أو تحصيل العلم بها هو التعريف؛ لكونه جامعاً بين موارد العلم بالحكم أو بالوظيفة غير تام أيضاً.

ص 21 قوله: (و هذه المحاولة صحيحة في التغلّب على الاعتراض الأوّل...).

و ليس البحث في المدلول اللغوي للاستنباط لكي يقال أنّ ارادة هذا المعنى منه خلاف ذلك، و هذا واضح.

ثمّ إنّ جملة من الأعلام الآخرين حاولوا علاج هذا الاعتراض بحذف كلمة الاستنباط عن التعريف و تبديلها بالحجة، فالمحقّق الاصفهاني (قدس سره) عرّف الاصول بأنّه (ما يبحث فيه عن القواعد الممهِّدة لتحصيل الحجة على الحكم‏

14

الشرعي) (1). و المحقّق الايرواني عرّفه: (بالعلم الباحث عن الحجة على الحكم الشرعي) (2).

إلّا أنّ التعريف المشهور أحسن و أولى منهما؛ إذ الحجة على الحكم الشرعي نفس القاعدة الاصولية لا النتيجة المستحصلة منها، كما أنّ المقصود من العلم الباحث عن الحجة لو كان البحث عن كبرى الحجّية فقط خرجت مباحث الدلالات اللفظية؛ لأنّها تبحث عن صغرى الحجة على الحكم- و هو الظهور- لا كبراها، فلا يكون التعريف جامعاً من هذه الناحية.

على أنّ تعريف المشهور فيه دلالة على عملية الاستنباط الفقهي و انّ القاعدة الاصولية تقع في طريقها بنحو الكبرى أو الصغرى، و هذه حيثية مهمة لا بد من الاحتفاظ عليها في التعريف، و سيأتي أهمّيتها أيضاً في دفع سائر الاعتراضات على التعريف بينهما لا يحفظ ذلك بوضوح في التعريفين المذكورين.

و إن شئت قلت‏: انّ علم الفقه أيضاً يبحث عن الحجّة على الحكم الشرعي؛ لأنّه العلم بالحكم الشرعي عن أدلّتها التفصيلية، و الذي يعني تحصيل الأدلّة و الحجة على الحكم الشرعي، و هذا بخلاف التعريف المشهور بعد تعديله بما سيأتي.

و لعلّ صاحب الدرر أيضاً كان يريد دفع الاعتراض الأوّل أيضاً عن التعريف عند ما غيّره فعرّف الاصول (بالقواعد الممهّدة لكشف حال الأحكام- الكلية-

____________

(1) () نهاية الدراية 1: 42

(2) () الاصول في علم الاصول 1: 6

15

الواقعية المتعلّقة بأفعال المكلفين) (1).

و يلاحظ عليه‏: انّ كشف الحال مبهم، فإنّ القواعد الاصولية تثبت نفس الحكم الكلي تنجيزاً أو تعذيراً، لا أنّها تكشف حالة فيه، على أنّ الأحكام المستكشفة تنجيزاً أو تعذيراً بالقواعد الاصولية لا يشترط فيها أن تكون واقعية، بل يمكن أن تكون ظاهرية أيضاً، كما أنّه لا يشترط فيها أن تكون متعلّقة بأفعال المكلّفين، بل يمكن أن تكون أحكاماً وضعية متعلقاً بالأعيان الخارجية كالطهارة و النجاسة.

و كلّ هذه المحاولات لا داعي لها، بل لا سلاسة و لا وضوح فيها، كما في التعريف المدرسي المشهور بعد التوجّه إلى ما يراد من الاستنباط فيه كما شرحناه، و الأمر سهل.

ثمّ إنّه ورد في بعض التقريرات انّه لا موجب لأخذ الحكم الكلّي في التعريف و تخصيص المسألة الاصولية بما يثبت الحكم في الشبهة الحكمية لا الشبهة الموضوعية؛ لأنّ الوجه في أخذه في تعريفات القوم هو التحرّز عن دخول كثير من المسائل الفقهية في علم الاصول؛ إذ لو لا أخذه و كون المسألة الاصولية مما يتوصل بها إلى حكم شرعي كليّاً كان أو جزئياً يلزم دخول أكثر موارد الفقه في الاصول للتوصل بالقواعد الفقهية إلى أحكام جزئية، كوجوب الصلاة و نحوه، و بزيادة قيد التوصل إلى الحكم الكلّي تخرج هذه المسائل.

و لا يخفى أنّ هذا المحذور لا يتأتى على ما ذكرناه من ضابط المسألة كما هو

____________

(1) () درر الفوائد 1: 2

16

ظاهر جدّاً، فلا موجب لأخذ الوصول إلى الحكم الكلّي في ضابط المسألة الاصولية.

و الضابط الذي ذكره أنّ المسألة الاصولية ما كان نظرها إلى رفع التردد و الحيرة في مقام العمل لا إلى الواقع المحتمل و ما يرفع التحيّر و التردّد في مقام العمل، امّا أن يرفعه ابتداءً كالاصول العملية أو يرفع منشأه و هو الاحتمال كالامارات أو الاستلزامات العقلية المستلزمة للقطع بالحكم، و هذه مسائل اصولية، و ما يكون نظره إلى الحكم المحتمل نفسه بمعنى انّ مفادها نفس الحكم المحتمل تكون قاعدة فقهية (1).

و يلاحظ على ما ذكر:

أوّلًا- انّ تخصيص القواعد الاصولية بما يقع في طريق اثبات الحكم الكلّي في الشبهة الحكمية لا الحكم الجزئي أو الموضوعات في الشبهة الموضوعية ليس من جهة عدم ورود النقض بالقواعد الفقهية أصلًا، بل من أجل انّ علم الفقه هو العلم بالأحكام و الجعول الشرعية الكلية لا احراز موضوعاتها في الخارج، و من الواضح انّ اصول الفقه هي أدلّة الفقه و قواعدها المشتركة، و هذا واضح.

و ثانياً- ما ذكر في ضابط المسألة الاصولية غير صحيح، فإنّ ما يرفع التردد إن اريد به رفعه حقيقة بأن يعلم بالحكم الشرعي وجداناً فهذا هو الذي ذكر في أصل الاعتراض الأوّل أنّه لا يعمّ جميع المسائل الاصولية؛ لأنّ اثبات الحكم بالقواعد التعبدية ليس اثباتاً وجداناً، و إن اريد به رفعه تعبداً و بالحجة أي تنجيزاً

____________

(1) () منتقى الاصول 1: 32

17

و تعذيراً، فهذا نفس الجواب المتقدم- من أنّ المراد من الاستنباط الاثبات التنجيزي و التعذيري لا خصوص الاثبات الوجداني- فلما ذا هذا التمحّل و التغيير في التعريف.

و ثالثاً- رفع التحيّر و التردد لا يختصّ بالمسائل الاصولية، بل المسائل الفقهية أيضاً ترفع التحيّر و التردّد كالقواعد الاستظهارية الخاصة ببعض الأبواب الفقهية، بل تحديد ما هو ظاهر، و كلمة الصعيد أيضاً يرفع التحيّر في الحكم، و كذلك علم الرجال و الحديث فإنّها تشكّل صغرى قياس الاستنباط الذي يرفع التحيّر ككبرى حجّية الظهور و خبر الثقة، و هذا واضح.

ص 22 قوله: (و أمّا الاعتراض الثاني فقد ذكر في مقام دفعه وجهان...).

و قبل هذين الوجهين عن السيّد الخوئي (قدس سره) ذكر الشيخ و الميرزا وجهاً آخر للفرق بين القاعدة الفقهية و الاصولية، بأنّ المسألة الاصولية تطبيقها بيد المجتهد و لا تنفع العامي؛ لأنّه لا يتمكن من تشخيص صغراها، بخلاف الأحكام و المسائل الفقهية فإنّها تلقى إلى المقلّدين فيطبقونها على موضوعاتها الخارجية (1).

و هذا الجواب واضح الضعف- كما أشار إليه السيّد الخوئي (قدس سره) نفسه في بعض كلماته- فإنّه مضافاً إلى انّه لا يبرز نكتة موضوعية و فنّية لضابط المسألة الاصولية، انّ من القواعد الفقهية ما لا يمكن القائها إلى المقلّدين كقاعدة (لا ضرر) و (لا حرج)، بل و حتى قاعدة (ما يضمن و ما لا يضمن) فضلًا عن‏

____________

(1) () فوائد الاصول 4: 309. أجود التقريرات 2: 345

18

مثل ظهور الأمر بالغسل في الارشاد إلى النجاسة، كما أنّ من القواعد الاصولية ما يمكن القائها إلى المقلّدين و لو في الشبهات الموضوعية كالبراءة و الاستصحاب في الشبهات الموضوعية، بل و حتى الحكمية كما في أصالة الاحتياط في موارد العلم الإجمالي بالتكليف فإنّ المقلّد أيضاً يمكنه تطبيقها على نفسه قبل التقليد؛ لأنّه يعلم إجمالًا بوجود تكاليف في الشريعة، و هذا يعني انّ اصولية المسألة ليست مربوطة بهذه النكتة، بل بالنكات الاخرى التي ستأتي في الأجوبة الاخرى.

ص 24 قوله: (الأوّل: ما ليس قاعدة بالمعنى الفني...).

قد يقال: انّ الوحدة الاثباتية أو العنوانية كافية لصيرورة المسألة قاعدة و لا مبرّر و لا داعي لاشتراط أكثر من ذلك.

و إن شئت قلت: انّ هنا أيضاً توجد نكتة واحدة ثبوتاً و هي أنّ الشارع على أساس ملاك التسهيل و الارفاق بالعباد لا يجعل الأحكام الضررية و الحرجية، و هذه كمصلحة التسهيل في الترخيصات الظاهرية الشرعية نكتة و ملاك ثبوتي واحد و كالملازمة و الاقتضاء في بحث الاستلزامات. نتيجتها نفي إطلاق مجعولات أو جعول متعددة، فهذا المقدار يكفي لدرجها ضمن القواعد الاصولية لكونها نكتة ثبوتية واحدة يستند الفقيه اليها لنفي تلك الأحكام الشرعية المتنوعة في الشبهات الحكمية، و إلّا لاتّجه النقض بمثل أصل البراءة التي هي أيضاً تجميع لرفع إطلاق جعول عديدة- و لو ظاهراً و بمعنى رفع ايجاب الاحتياط و الاهتمام بها- فلا تكون قاعدة بالمعنى المصطلح.

و الجواب‏: المقصود أنّ مثل قاعدة (لا ضرر) إن كان مفادها حرمة الاضرار

19

فهذه قاعدة فقهية كأي حكم كلّي فقهي تحريمي آخر، و إن كان مفادها نفي الأحكام الضررية كما هو كذلك في (لا حرج) فهذا مضمون و مفاد اخباري بحسب الحقيقة مرجعه إلى أخذ قيد و شرط في الأحكام الشرعية الالزامية، نظير قيد البلوغ و القدرة و عدم الاضطرار أو الاكراه أو التقية، فكما يشترط البلوغ و القدرة و عدم الاضطرار و الاكراه في كل تكليف كذلك يشترط عدم لزوم الحرج أو الضرر منه- عدا ما خرج بالتخصيص- فليس هذا المفاد لا حكماً واقعياً آخر غير تلك الأحكام و لا حكماً ظاهرياً أو قاعدة لفظية أو عقلية تكشف عن حكم شرعي آخر، فحالها حال سائر أدلّة القيود العامة كدليل رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، أو المجنون حتى يفيق، أو رفع الاضطرار و الاكراه و ما لا يطيقون و أمثال ذلك، فكما لا تكون أدلّة تلك القيود العامة قواعد اصولية بل و ليست قاعدة ثبوتاً و إنّما القاعدة نفس الأحكام الشرعية الكلية المقيّدة بقيودها العامة و الخاصة، فكذلك قاعدة (لا ضرر) و (لا حرج).

و منه يظهر اندفاع النقض بقاعدة البراءة الشرعية، فإنّها حكم ظاهري وحداني مجعول شرعاً، و هو غير التكليف الواقعي المشكوك الذي يرفعه تنجيزاً و تعذيراً، و هذا واضح جدّاً.

و يمكن ارجاع جواب السيد الشهيد هنا إلى جوابين:

أحدهما: أنّ (لا حرج) و (لا ضرر) ليست قاعدة؛ لأنّها لا وحدة ثبوتية لها، و إنّما لها وحدة اثباتية، أي في مقام التعبير و الابراز، أبرزت قيد التكاليف و الأحكام المتعددة بمبرز واحد، و هذه ليست قاعدة.

و الثاني‏: انّه لو فرض وجود وحدة ثبوتية و لو بلحاظ ملاك النفي و كفاية ذلك‏

20

في تسميته بالقاعدة فهذا ليس حكماً آخر غير تلك الأحكام الواقعية المقيدة، فتكون نسبتها إلى نفي الوجوب الحرجي و الضرر مثلًا نسبة التطبيق لا التوسيط، أي الحكم المستنبط مجعول نفس هذا الجعل لا جعل آخر.

ثمّ إنّ السيّد الشهيد (قدس سره) قد ذكر في دورته الاولى وجهاً آخر لخروج قاعدة نفي الضرر و الحرج عن علم الاصول، و قد عدل عنه في الدورة الثانية.

و حاصل ذاك الوجه: انّ قاعدة نفي الضرر و الحرج قد اخذ فيها مادة معينة من مواد الفقه، و هي الضرر و الحرج، فتكون كالأحكام المخصوصة بالمواد الخاصة في الأبواب الفقهية كالطهارة و الصلاة و الصوم، غاية الأمر تلك المواد عناوين أولية، و عنوان الضرر أو العسر و الحرج عناوين ثانوية، و سيأتي انّ المقصود من القواعد الممهدة في التعريف القواعد العامة السيَّالة في الفقه غير المختصّة بباب دون باب، و بمادة غير مادّة، فخروج مثل هذه القواعد عن علم الاصول يكون بنفس النكتة التي سيأتي ذكرها لاخراج مثل قاعدة الطهارة عن علم الاصول.

إلّا أنّ هذا الوجه غير تام؛ لأنّه إنّما يصحّ إذا كان مفاد قاعدة (لا ضرر) حرمة الاضرار كعنوان ثانوي، و أمّا إذا رجع إلى نفي جعل الحكم الضرري و الحرجي- كما هو متعين في قاعدة (لا حرج) و هو الظاهر و المشهور في قاعدة (لا ضرر)- فلا يتمّ فيه هذا الجواب؛ إذ لا إشكال في انّ هذا المفاد و المضمون السلبي و النافي للحكم الضرري و الحرجي سيّال في تمام الأبواب الفقهية و التكاليف الالزامية، و يكون الثابت بها رفع كل تلك الأحكام المختلفة موضوعاً و محمولًا في الأبواب الفقهية المتنوّعة، و الميزان تنوّع و سيولة الأحكام المستكشفة بالقاعدة في الأبواب الفقهية و عدم اختصاصها بمادة أو باب فقهي معيّن، و هذا محفوظ في (لا حرج) و (لا ضرر) كما هو واضح.

21

ص 32 قوله: (الثالثة- أن يكون هذا العنصر المشترك مرتبطاً بطبيعة الاستدلال الفقهي...).

لا حاجة إلى هذه الخصيصة؛ لأنّ مسائل علم المنطق ترتبط بشكل قياس الاستنباط لا بموادّه، و القواعد الاصولية ترجع إلى مواد قياس الاستنباط.

و هو المراد بوقوعها في طريق الاستنباط في التعريف، على أنّ هذه الخصيصة إذا أخذناها لزم خروج أكثر المباحث الاصولية التي تقع في أقيسة علوم اخرى، كمباحث الألفاظ و مباحث الأحكام العقلية المستقلة و غير المستقلة، و هذا واضح.

ص 34 قوله: (و بهذه الصياغة للتعريف قد استغنينا عن ادخال كلمة «الاستنباط»...).

قد عرفت أنّ المراد من الاستنباط و التوسيط إن كان تغاير القاعدة مع الجعل الشرعي المستنبط إمّا بأن لا تكون القاعدة الاصولية حكماً شرعياً أصلًا أو إذا كان حكماً شرعياً لا بد و أن يكون غير الجعل المستنبط، و المراد اثباته التنجيزي و التعذيري، فهذا مطلب صحيح مستفاد من التعريف و مقبول عند السيّد الشهيد (قدس سره) أيضاً.

ص 57 قوله: (المقترح في تقسيم علم الاصول...).

الأصح تقسيمه على أساس نوع الدليلية إلى‏:

1- الدليل اللفظي، و يبحث في مقدمته البحوث اللغوية التمهيدية.

2- الدليل العقلي البرهاني، غير المستقلات العقلية و هي بحوث‏

22

الاستلزامات و التي تحتاج دائماً إلى ضم مقدمة شرعية.

3- الدليل العقلي الوجداني، و يشمل غير المستقلات العقلية (التحسين و التقبيح العقليين) و الأدلّة القطعية الاستقرائية كالتواتر و السيرة و الإجماع.

(و يبحث مقدمة لهذا النوع من الدليل العقلي حجّية القطع).

4- الدليل التعبدي الشرعي (الحجج و الاصول العملية)، و يبحث مقدمة عن امكان التعبد و حقيقة الحكم الظاهري.

5- الدليل العقلي العملي أو الاصول العملية العقلية، و يبحث في ذيل هذين النوعين من الدليلية عن النسبة بين الامارات و الاصول العملية فيما بينها.

و خاتمة في حالات التعارض بين الأدلّة.

و هذا التقسيم منسجم مع الوضع التاريخي لعلم الاصول، و يكون مبنى التقسيم فيه نوع الدليلية، و التي هي المهم في البحث الاصولي و المرتبط بالغرض منه، لا ما يكون خارجاً عنه و مربوطاً بعلم الفقه- كما في التقسيم الآخر-.

كما انّه لا يوجب تكرار البحوث كما في تكرار بحوث حقيقة الحكم الظاهري في الدليل الشرعي و الاصول العملية في التقسيم الآخر، إلى غير ذلك من المميزات.

23

الدلالة اللفظيّة

ص 67 قوله: (تقسيم البحث...).

ينبغي تجميع و تنظيم البحوث التمهيدية و التحليلية للمباحث الاصولية اللفظية التي تعرّض لها الاصوليون في (مقدمة) ضمن فصول عديدة بالنحو التالي: ابتداءً يعرّف الدلالة اللفظية و يذكر أنّها تحتوي على دلالات ثلاث طولية:

1- الدلالة الوضعية، و مدلولها ذات المعنى.

2- الدلالة الاستعمالية، و مدلولها المراد الاستعمالي أو قصد التفهيم.

3- الدلالة الجدية، و مدلولها المراد الجدي.

و يذكر انّ الاولى دلالة تصورية على المشهور المنصور. و الثانية و الثالثة تصديقيتان.

الفصل الأوّل‏: في الدلالة الاولى أو دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي و المجازي، و يبحث فيه عن حقيقة العلقة الوضعية بين اللفظ و المعنى الحقيقي تارة و المجازي اخرى، و فيه يبحث عن الوضع و حقيقته، و من هو الواضع، و عن نظرية المجاز و الدلالة الذاتية بين المعنى الحقيقي و المجازي و مرآتية الدلالة اللفظية التصورية، و هذه بحوث تحليلية ثبوتية.

24

كما و يبحث اثباتاً عن علامات الحقيقة و المجاز لتشخيص المعنى الحقيقي عن المجازي.

الفصل الثاني‏: في الدلالة الثانية أي الدلالة الاستعمالية و حقيقة الاستعمال، و يبحث فيه عن الامور التالية:

أ- حقيقة الاستعمال، و ما ورائه من الارادة الاستعمالية (الاخطار الشأني) و الارادة التفهيمية الفعلية و الارادة الجدية (و يبحث هنا عن الفروق بين الدلالتين الاستعمالية و الجدية).

ب- مقومات و شروط الاستعمال، و هي خمسة في الكتاب كالتالي:

1- صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المستعمل فيه.

2- تغاير اللفظ (الدال) مع المعنى (المدلول).

3- مرآتية اللفظ في الاستعمال أو تقوّم الاستعمال بالمرآتية (و فيه يبحث عن حقيقة المرآتية، و ينبغي أن يذكر هنا انّ المرآتية ليست من شئون الاستعمال بل من شئون أصل الدلالة اللفظية الوضعية التصورية و تخصيصه بالاستعمال خطأ).

4- استحضار المستعمل للحيثية المصحّحة للدلالة على المعنى المستعمل فيه.

5- الحاجة إلى الوضع أو اجازة الواضع (اللغة) لصحة الاستعمال.

و يبحث أنّه لا يشترط في صحة الاستعمال عدا الأوّل و هو الصلاحية

25

بمعنى عام يشمل حتى الاستعمال الايجادي فإنّه استعمال صحيح عرفاً، فالشروط الاخرى زائدة، و الصلاحية تكون امّا بالوضع أو بالمناسبة التي هي أمر ذاتي و ليس جعلياً، و هذه نكتة مهمة ينبغي الالتفات إليها، و هي التي تجعل الاستعمال في غير المعنى الموضوع له مستغنياً عن الوضع النوعي.

ب- أنواع الاستعمال الاخطاري (الحكائي) أو الايجادي، و الفرق بينهما و كلمات الاصوليين.

ج- استعمال اللفظ في أكثر من معنى، و يبحث عن إمكانه أوّلًا و صحته ثانياً و كونه حقيقةً أو مجازاً إذا كان صحيحاً ثالثاً.

الفصل الثالث‏: في الدلالة الثالثة، أي الدلالة على المراد الجدّي التصديقي، و يبحث هنا عن منشأ الدلالات اللفظية التصديقية بقسميها.

الفصل الرابع‏: دور القرينة المتصلة و المنفصلة و تأثيرها على الدلالة اللفظية، و يبحث في ذلك عن أنحاء تأثير القرينة على كل من الدلالات اللفظيّة الثلاث و رفعها لأصل الدلالة الاولى أو الثانية أو الثالثة أو لحجيّتها، و هذه بحوث مهمّة أساسية، و فيها مسالك مختلفة.

الفصل الخامس‏: تعريف الحكم الشرعي و تقسيماته و مقوّماته.

و أمّا البحث عن الحقيقة الشرعية و الصحيح و الأعم فهما بحثان في تحديد المدلول الشرعي لألفاظ معينة كالبحوث الاصولية التحديدية، فالمناسب جعلهما ضمن البحوث اللفظية الاخرى، فإنّ الألفاظ التي يدّعى فيها الحقيقة

26

الشرعية أو أسماء العبادات أو المعاملات التي يبحث عن اختصاصها بالصحيح أو الأعم و إن كان كل واحد منها مادة خاصّة معينة و ليست سيّالة في كل الأبواب الفقهية.

إلّا أنّ البحث في الحقيقة الشرعية عن نوع الألفاظ المخترعة من قبل الشارع؛ لكونها مخترعة من قبله، و كذلك في الصحيح و الأعم البحث عن مطلق أسامي العبادات و المعاملات لانقسامها إلى صحيح و فاسد.

فبهذا الاعتبار يمكن ادراج هذين البحثين أيضاً في المسائل الاصولية؛ لكون النوع عاماً، و ملاك البحث سيّالًا في الأبواب الفقهية، فلا وجه لادراج هذين البحثين في المقدّمة و اخراجهما عن المسائل الاصولية.

نعم، لو اشترطنا في القاعدة الاصولية التي تقع صغرى قياس الاستنباط- كما في بحث الظهورات العامة- أن تكون ناظرة مباشرة إلى الحكم الشرعي و مرتبطة بمقام جعل الحكم إمّا بأن تكون دالة على أصل الحكم كالوجوب و الحرمة أو نفيه كالمفهوم أو عمومه كالعام و الخاص و المطلق و المقيّد خرج البحث عن المشتق و المعاني الحرفية و الصحيح و الأعم و الحقيقة الشرعية عن هذا المعيار؛ لأنّها و إن كانت تستلزم سعة الحكم أو ضيقه و لكنه بتبع سعة المفهوم الافرادي المستقل عن الحكم، فيمكن جعل البحث عنهما ضمن فصل سادس من البحوث التمهيديّة.

27

ص 73 قوله: (و قد اعترض على المذهب الأوّل في كلمات السيّد الاستاذ...).

كأنّ المقصود انّ السيّد الخوئي يعترض على هذا المسلك- و الذي ينسب إلى المحقّق العراقي- بأنّ السببية التي هي أمر تكويني إن كانت مجعولة مطلقاً حتى لغير العالم باللغة فهذا واضح البطلان، و إن جعلت لخصوص العالم و مقيداً بالعلم بالوضع فيلزم الدور و التهافت؛ لأنّ السببية سوف تكون متوقفة على العلم بها توقف المحمول على موضوعه، و العلم بالسببية أيضاً متوقف عليها توقف العلم على معلومه، و هذا دور.

و أجاب عليه السيد الشهيد بامكان أخذ العلم بالجعل بمعنى الوضع في موضوع السببية فلا دور، نظير ما يقال في باب الأحكام الاعتبارية، أو يؤخذ العلم بالسببية الضمنية بين اللفظ و المعنى، أي موضوعيته الضمنية جزءاً آخر في موضوع السببية فلا دور و لا تهافت.

فالصحيح في الاشكال منع أصل امكان ايجاد السببيّات التي هي امور واقعية بالجعل و الاعتبار فإنّه غير معقول.

إلّا أنّه ليس نظر السيد الخوئي إلى جعل السببية الواقعية و ايجادها بالوضع أصلًا، بل مقصوده انّ السببية ليست هي الوضع بل نتيجة مترتبة عليها أي هي العلقة الوضعية و الوضع منشأ لها، و لا بد من تشخيص حقيقة الوضع المسبِّب للعلقة.

فالظاهر أنّ القول بأنّ الوضع عبارة عن ايجاد السببية بمعنى انشائها تكويناً بالوضع و بالمباشرة لا قائل به، و إن نسب إلى المحقّق العراقي (قدس سره)، و إنّما لا بد

28

من جعل البحث في حقيقة الوضع بعد الاعتراف بأنّه أمر اعتباري أو تعهّدي أو حقيقي يتسبب منه حصول تلك الملازمة أو السببية بين اللفظ و المعنى، و التي هي العلقة الوضعية و نتيجة الوضع لا الوضع نفسه. فيذكر في حقيقة الوضع المباني الثلاثة:

1- الاعتبار.

2- التعهد.

3- القرن الأكيد، و الذي هو أمر تكويني واقعي، كما انّ الملازمة التصورية الحاصلة به أمر تكويني واقعي.

ثمّ إنّ البحث ليس في مفهوم الوضع أو التسمية ليستشهد بالآيات و نحوها، و إنّما البحث ثبوتي تحليلي عن حقيقة الوضع الذي يحقق التلازم التصوري بين اللفظ و المعنى.

و مسلك الاعتبار يدعي أنّ العملية الاعتبارية الانشائية البحتة هي الوضع، و هي التي يلزم منها تحقق الملازمة التصورية، فهي نتيجة ذلك الوضع الاعتباري، و مسلك التعهّد يقول أنّ الوضع عبارة عن التعهّد و ايجاد قضية تعليقية تعهدية، و هي ملازمة تصديقية بين استعمال اللفظ و إرادة المعنى منشأه التعهّد و الالتزام من قبل كل مستعمل.

و اشكالات مسلك التعهّد مشروحة في الكتاب بالتفصيل و لا زيادة مهمّة عليها.

و أمّا مسلك الاعتبار فهناك صياغات متعدّدة للاعتبار الوضعي:

منها: اعتبار اللفظ عين المعنى و متحداً معه- اعتبار الهوهوية بينهما-

29

و بهذا يفسّر انتقال حسن المعنى و قبحه إلى اللفظ.

و منها: اعتباره وجوداً تنزيلياً للمعنى.

و منها: وضعه على المعنى نظير وضع العلامة و النصب، إلّا أنّ ذاك وضع حقيقي خارجي، و هذا اعتباري جعلي.

و منها: اعتباره آلة أو علامة أو ملازماً مع المعنى.

و قد استشكل في كلمات المحقّقين باشكالات غير أساسية و شكلية على كلّ واحدة من هذه الصياغات من قبيل الاشكال بأنّها امور دقيقة و الوضع أسهل من ذلك.

أو الاشكال بأنّ المعنى لا بد و أن يكون موضوعاً عليه لا موضوعاً له، و انّ في وضع العلامة توجد امور ثلاثة، و هنا يوجد أمران لفظ و معنى، و من قبيل لغوية الاعتبار المذكور؛ لأنّ اللفظ لا يدلّ على وجود المعنى لا في الخارج و لا في الذهن.

و هذه الاشكالات كلّها غير فنية، و يكفي في دفعها أنّه لا دقة في الوضع، كيف و في وضع أسماء الأعلام قد يوضع الاسم على الشخص بمثل هذه الصياغات، كما و أنّ تسمية المعنى بالموضوع له لا ينافي كونه موضوعاً عليه للدلالة على ارادته، فتكون فيه حيثيتان كما ذكر في الكتاب، فاللفظ وضع على المعنى ليدل عليه تصوراً أو وضع علامة للمعنى ليدل عليه تصوراً لا تصديقاً، كما انّه لا لغوية بعد وضوح انّ المقصود تحقّق الدلالة التصورية لا التصديقية على الوجود.

و الاشكال الفنّي انّه إذا اريد من الوضع بمعنى الاعتبار- بأيّة صيغة كانت- ايجاد الدلالة التصديقية على الوجود الخارجي أو الذهني للمعنى فهذا غير

30

معقول و غير مقصود أيضاً لأصحاب هذا المسلك و غير حاصل خارجاً.

و إن اريد الدلالة التصديقية العرفية على ارادة المعنى من استعمال اللفظ- و هي دلالة تصديقية بين فعلين للفاعل المختار- فهذا متوقف على التعهّد، و إن اريد ايجاد الدلالة التصورية بين اللفظ و المعنى فهذه فرع الملازمة بين اللفظ و المعنى تصوراً، و قد ذكرنا أنّ الملازمات سواء التصديقية بين وجودين أو التصورية بين صورتين ذهنيّتين امور واقعية تكوينية لا يمكن تحقيقها بالاعتبار و الوضع، بل لا بد امّا أن تكون ذاتية نفس أمرية و هي مفقودة هنا- أو تحصل بسبب تكويني واقعي- كما سيأتي في شرح نظرية القرن الأكيد، و منه يعرف أنّ نظرية القرن الأكيد تندرج في المسلك القائل بأنّ الوضع و أثره كلاهما أمران واقعيان- و الشاهد على عدم تحقّق الملازمة بالوضع و الاعتبار انّنا إذا اعتبرنا الطواف صلاةً لا تحصل الملازمة التصورية و لا التصديقية بينهما، فاعتبار العلامية و الملازمة و الهوهوية بين شيئين وجوديين خارجيين أو بين تصورين لا يحقق تلازماً بينهما لا تصوراً و لا تصديقاً. كما أنّه يرد النقض بالوضع التعيّني، فإنّه ليس فيه اعتبار و لا تعهّد واضح.

ص 80 قوله: (2- انّ الدلالة اللغوية على أساس هذه...).

كون التعهد خلاف الوجدان زائداً على ما ذكر من الاشكالات واضح جداً، كيف و الامّ تعلّم أبنائها في الصغر الألفاظ و معانيها من دون وجود عهد أصلًا، و إنّما الدلالة الوضعية تصورية يستفيد منها المستعمل في مقام الاخطار للمعاني و المجاورة، بل الدلالة التصديقية الاستعمالية أيضاً ليست على أساس التعهد بل من باب الظهور الحالي كالدلالة التصديقية الثانية و هي كالدلالات الطبيعية و التكوينية لا التعهدية.

31

ص 81 قوله: (الرأي المختار في حقيقة الوضع...).

نظرية القرن المؤكد لا اشكال في صحتها و تعينها، و يدل عليها أيضاً عدم إمكان تخريج الوضع التعيني و الوضع بالاستعمال و الوضع بالتلقين كما في الأطفال إلّا على أساس ذلك لا نظرية التعهّد و لا الاعتبار فإنّه ليس فيه إلّا كثرة الاستعمال من دون اعتبار و لا تعهّد.

إلّا أنّنا نخالف تعبير السيد الشهيد (قدس سره) في تحليل هذه النظرية، فنرى أنّ الاقتران الشرطي يتحقق بين الاحساس باللفظ و المعنى لا تصور اللفظ و المعنى، ففرق بين باب تداعي المعاني كالنوفلي و السكوني و بين باب دلالة الألفاظ حيث انّه في باب تداعي المعاني يكون كل معنى ملحوظاً مستقلّاً غير فانٍ في الآخر، بخلاف اللفظ فإنّ تصوره آلي فانٍ في المعنى، و من هنا قيل بتنزيله منزلة المعنى أو جعله عينه و متّحداً معه و يسري حسن المعنى و قبحه إلى اللفظ، فكأنّه نفس المعنى، و هذا تحليله أنّ الاقتران و الرمزية يحصل بين الاحساس الباطني باللفظ و المعنى ابتداءً فيحذف تصور اللفظ من البين.

و نختلف مع السيّد الاستاذ الشهيد (قدس سره) أيضاً في أنّ مجرد القرن الأكيد الشديد ليس وضعاً، فما أكثر الاقترانات الأكيدة التي تحصل بين الأصوات و معانٍ خارجية، و لكن ذلك لا يحقق وضعاً ما لم يتبان العرف و أهل اللغة على ذلك، و لعلّ مسلك التعهّد كان ينظر إلى هذه الحيثية، و لكن لا بالنحو الذي شرحه السيّد الخوئي (قدس سره) من وجود التزام من قبل كل مستعمل بقضية تعليقية انّه كلما جاء باللفظ أراد تفهيم المعنى الخاص لتكون الدلالة الوضعية تصديقية، بل بمعنى قبول العرف و توجههم و اعترافهم بذاك الاقتران في لغتهم، و إن شئت قلت:

مقبولية و معروفية ذلك الاقتران الأكيد.

32

فالوضع مزيج من القرن المؤكد و قبول أهل اللغة الواحدة بذلك و لو ضمناً و من خلال الاستعمال باستخدام ذلك اللفظ لافهام ذاك المعنى، و ليس أمراً تكوينياً و قرناً أكيداً محضاً و لا هو تبانٍ عرفي محض بل مزيج منهما، أي قرن أكيد بين اللفظ و المعنى متبنّى من قبل العرف- و لو عملياً- باستخدامه كثيراً في مقام المحاورة و تفهيم المعنى- كما في الوضع التعيّني- أو بالتباني عليه- كما في الوضع التعييني- و لهذا بعض الأصوات التي تكون لها منبهيّة و اقتران طبيعي أو شرطي مع معنى خاص قد تكون فيها نفس الدلالة و الارتباط الثابتة بين الألفاظ و معانيها، كأصوات الحيوانات الموجب تصوّرها و سماعها للانتقال إلى تصوّر ذلك الحيوان، و لكنها ليست دلالة لفظية بل يكون استعمالها لاخطار ذاك الحيوان غلطاً بحسب الأعراف اللغوية.

و كذلك الألفاظ التي هي من لغات اخرى و يعرفها أهل هذه اللغة أيضاً في الجملة، فإنّه لا يكفي ذلك لاعتبارها من هذه اللغة؛ لكونها لا تنسجم مع قواعد هذه اللغة و اصولها. نعم، الأعلام الشخصية لا فرق فيها بين لغة و لغة، لمقبوليتها العامة، و كون أمرها بيد صاحبها.

فالحاصل‏: لا بد زائداً من حصول الاقتران الأكيد بين اللفظ و المعنى من المقبولية النوعية اللغوية، و هي التي تحصل بكثرة الاستعمال أو بالوضع التعييني، و اللَّه الهادي للصواب.

ص 90 قوله: (و أمّا الجامع بالنسبة إلى أفراده بالعرض...).

لبّ المقصود أنّ الذهن يمكنه أن ينتزع مفهوماً انتزاعياً عن الخصوصيات و الأفراد لمفهوم آخر بما هي خواص فيمكنه أن يحكى عنها بذلك المفهوم‏

33

الانتزاعي بحيث يكون متحداً معها بما هي خواص كمفاهيمها الخاصة التفصيلية المنطبقة عليها فقط، و هذه براعة الذهن البشري و قدرته على إمكان انتزاع مفاهيم انتزاعية تنطبق على المتباينات بل المتناقضات بما هي متباينة كانتزاع مفهوم الشي‏ء مثلًا و لا يرد اشكال صدور الواحد عن الكثير و لا اتحاد الواحد مع الكثير لكون المفهوم انتزاعياً ذهنياً.

و الصحيح انّ كلا الاعتراضين المذكورين يمكن الاجابة عليهما بما تقدّم في أصل تقريب امكان القسم الثالث من الوضع من انّه يكون من خلال عناوين كلية عامة، و لكن تحكي الخصوصية و التي تكون بالحمل الأولي خاصاً أو جزئياً أو نسبياً و بالحمل الشائع عاماً و اسمياً، فيكون وجهاً للخاص بهذا الاعتبار، فإنّ هذه النكتة بنفسها تفي بدفع كلا الاشكالين، أمّا اشكال التباين بين مفهوم العام و الخاص- الاشكال الأوّل- فلأنّ هذا التباين هنا محفوظ؛ لأنّ مفهوم النسبة أو الخاص بالحمل الأولي غيره بالحمل الشائع فلا يقاس بمفهوم الإنسان و زيد.

و إن شئت قلت‏: انّ هذا المفهوم العام منتزع من نفس تلك الحيثية الخاصة المراد وضع اللفظ لها بالحمل الأولي.

و أمّا اشكال التجريد و عدم حكاية المفهوم الجزء عن الكل و المركّب- الاشكال الثاني- فلأنّ هذا لا يصدق على مثل هذه العناوين المنتزعة من الخصوصية و الفردية، فتكون بالحمل الأولي منطبقة على الخاص بما هو خاص، و إن كانت بالحمل الأولي عاماً و كلّياً؛ و لعلّ روح المطلب واحد.

34

ص 97 قوله: (3- الوضع بالاستعمال...).

أمّا على مسلك القرن المؤكد فباعتبار تحقق القرن و الاقتران الخارجي بالاستعمال كما يتحقق بالوضع بجنبته التكوينية قهراً، فإذا كان مؤكداً أثر لا محالة في ايجاد العلقة الوضعية و السببية لقانون المنبهات الشرطية فيمكن أن يتوصل بهذا الفعل التكويني إلى ذاك الأمر، أي الملازمة التصورية النفس الآمرية و هو حقيقة الوضع. و أمّا على التعهّد أو الاعتبار فالاستعمال حقيقته قصد اخطار المعنى خارجاً بذكر اللفظ وحده أو مع القرينة- كما في المقام- و تحقيق ذلك خارجاً، و هذا فعل آخر غير فعل التعهّد أو الاعتبار و لا يكون كاشفاً عنه بل لو فرض ارادة المستعمل للاعتبار أو التعهّد أيضاً زائداً على الاستعمال كان لا بد و أن يفعله و يأتي بما يدل عليه فيكون من قبيل ضم فعلين و كاشفين أحدهما إلى الآخر، و هذا و إن كان ممكناً إلّا أنّه ليس من الوضع بالاستعمال دقةً و حقيقة، بل الوضع حاصل بفعل النفس، و يكون الاستعمال مجرد مبرز عن ذلك لمن يتعقّل ذلك و يمكنه كشف مثل هذه الامور الاعتبارية أو التعهديّة، مع انّ الوضع بالاستعمال أبسط من ذلك جزماً، و هذا بنفسه يكون أقوى شاهد على صحة نظرية القرن لوضوح وقوع الوضع بالاستعمال كثيراً كما في موارد تلقين الطفل بالألفاظ و تعليمه اللغة أو في موارد وضع الاصطلاحات في الفنون و الأصناف الخاصة.

و لكن الشهيد الصدر (قدس سره) ذكر تخريجين بناءً على مسلك الاعتبار لتصوير الوضع بالاستعمال نصرة لصاحب الكفاية.

1- بناءً على ايجادية المعاني الانشائية يقال بأنّ الوضع ينشأ بنفس الاستعمال.

35

و قد ناقشه مبنىً باعتبار عدم صحة ايجادية المعاني بالألفاظ و ما يقال في المسببات الاعتبارية في المعاملات ليست بمعنى الانشائية أيضاً، بل بمعنى التسبب إلى تحقق موضوع الاعتبار العقلائي أو الشرعي بنفس ابراز الاعتبار الشخصي باللفظ و هو غير ايجادية المعاني.

إلّا أنّ الصحيح مناقشته بناءً أيضاً، فإنّ الاستعمال اخطار فعلي تكويني للمعنى باللفظ و لو مع القرينة، و هو تسبّب تكويني باللفظ إلى خطور المعنى و كاشف عن قصده في نفس المستعمل أيضاً، و هذا لا يصلح لايجادية وضع اللفظ و اعتباره عين المعنى و أداة له و الذي هو مقولة اخرى، لا يتحقّق بإخطار المعنى باللفظ بالفعل، فلا يصلح أن ينشأ بهذا ذاك.

و إن شئت قلت‏: إنّ جعل اللفظ للمعنى بناءً على مسلك الاعتبار معنى انشائي اعتباري أجنبي عن باب الاستعمال و إلّا كان كل استعمال انشاءً للاعتبار، فليس الاستعمال الخارجي للفظ من أجل اخطار معناه قالباً صالحاً لانشاء الوضع بمعنى اعتبار العينيّة بين اللفظ و المعنى به بل ذاك يحتاج إلى ما يدل على ايجاد ذاك الفعل الانشائي المباين مع الاستعمال و ما يكشف عنه من قصد اخطار المعنى.

2- بناءً على مسلك صاحب الكفاية من التعبير عن الوضع بتخصيص اللفظ و ربطه بالمعنى امّا اعتباراً أو حقيقة و تكويناً يقال بأنّ الاستعمال ايجاد و تحقيق لمصداق هذا الربط فهو يكفي لتحقيق العلقة الوضعية فيكون من الوضع بالاستعمال بلا حاجة إلى عناية اخرى نظير انشاء المبادلة بين المالين بالعقد و ايجادها خارجاً بالمعاطاة فتحصل العلقة الوضعية بذلك كما تحصل بالتخصيص الاعتباري.

36

و قد اعترض عليه السيد الشهيد (قدس سره):

أوّلًا- انّ هذا تخصيص لشخص اللفظ أي سماعه الجزئي في هذا الاستعمال و ربطه بمعنى ايجاد الحظور الشخصي للمعنى في ذهن السامع في هذا الزمان و المكان و هو غير الوضع الذي هو تخصيص نوع اللفظ بالمعنى و ربطه به بنحو القضية الحقيقية الكلية النفس الآمرية و الذي هو المنشأ بالتخصيص الاعتباري.

و دعوى انّ اللفظ ينظر إليه بما هو كلي لا بخصوصيته لا ربط له بالمقام فإنّ اللفظ في الاستعمال لا ينظر إليه إلّا بما هو جزئي و الانتقال منه إلى تصور الكلي مطلب آخر أجنبي عن هذا المبنى، كما انّ مبنى القرن الذي يكتفى فيه بالاقتران بين اللفظ الجزئي و المعنى دائماً أجنبي عن مبنى صاحب الكفاية، الذي يرى الوضع تخصيصاً اعتبارياً انشائياً و حكماً باللفظ على المعنى غايته يقول انّه كانشاء المبادلة بين المالين يمكن ايجاد مصداقه خارجاً بالمعاطاة فيشكل عليه بأنّه لا يحقق مصداق المنشأ و التخصيص الوضعي و هو التخصيص بين طبيعي اللفظ و المعنى.

فلا يوجد تخصيص حقيقي إلّا بين الجزئيّين أي شخص اللفظ المستعمل و شخص المعنى المتصور و هو لا يجدي في ايجاد الاختصاص الكلي النفس الأمري إلّا بالاعتبار و الجعل و هو أمر آخر و عناية اخرى.

و ثانياً- الوضع تخصيص اللفظ المجرد بالمعنى بحيث يكون طبيعي اللفظ أداةً لخطور المعنى منه بلا قرينة و هذا لا يتحقق مصداقه خارجاً باستعمال اللفظ حتى مع قصد التخصيص لأنّ اللفظ مهمل بحسب الفرض فلا يمكن أن يخطر به‏

37

المعنى إلّا مع القرينة من اشارة أو غيره إلى المعنى و إلّا كانت الدلالة ذاتية و هي واضحة البطلان، فالدلالة و الاقتران و التخصيص التكويني لا يقع بين اللفظ المجرد و المعنى الذي هو مصداق التخصيص الوضعي و ما يقع لا يكون مصداقاً للتخصيص الوضعي، و مجرد إرادة ذلك و قصده لا يكون كافياً لتحققه و لا يكون وضعاً و إلّا لاكتفى الواضع بارادة التخصيص.

و الحاصل‏: دلالة اللفظ على المعنى بنفسه خارجاً و مصداقاً لا يتحقق لكي يكون مصداقاً للوضع و تخصيصاً خارجياً بين ذات اللفظ و المعنى و إن أراده و قصده المستعمل و إنّما هو جمع و قرن بين تصور اللفظ و بين تصوّر المعنى الذي افهم بدال آخر عليه. و المفروض انّ هذا ليس حقيقة الوضع عند أصحاب هذا المسلك و إنّما حقيقته التخصيص و كونه مخطراً للمعنى.

ص 100 قوله: (ثمّ انّه قد يعترض...).

هذه الاعتراضات عامة ترد حتى على المسلك الصحيح المختار في حقيقة الوضع و انّه القرن المؤكّد. و من هنا لا بد من الاجابة عليها:

الأوّل‏: لزوم تصور اللحاظ في جانب اللفظ و الحكاية و هو محال؛ لأنّ الاستعمال يلحظ فيه اللفظ أداةً لاخطار المعنى و الوضع يلحظ فيه استقلالًا ليحكم على المعنى من دون حكائية فعله و هذان لحاظان لقضيتين و عمليتين لا تجتمعان في قضية و عملية واحدة.

و إن شئت قلت: أنّ اللفظ في الوضع يلحظ استقلالًا؛ لأنّه محكوم به كما أنّ حكايته و دلالته على المعنى يلحظ لحاظاً اخبارياً لا ايجادياً بخلاف عالم الاستعمال.

38

و حاصل جواب السيد الشهيد (قدس سره) عليه: أنّ المبنى غير تام و هو لزوم كون اللفظ ملحوظاً استقلالًا في مقام الوضع لكونه محكوماً به. فإنّه إنّما يتم على مسلك القوم، أمّا على مسلكنا فلا حاجة إليه فيكفي اللحاظ الأدائي أو الآلي للفظ لحصول العلقة الوضعية، لأنّه قرن مؤكّد بين تصور اللفظ و المعنى، بل لا بد و أن يلحظ مرآةً لكي يتحقق الاقتران بين اللحاظ الآلي له و المعنى.

و أمّا على مسلك القوم في حقيقة الوضع فإذا أرادوا في المقام التسبّب بهذا الاستعمال إلى تحقق الوضع لا أنّه بنفسه الوضع أمكن الجواب عليه بما عن العراقي (قدس سره) انّ الملحوظ آلياً شخص هذا اللفظ و الملحوظ استقلالياً طبيعي اللفظ في القضية الانشائية الوضعية الايجادية أو الابرازية المنكشفة بالاستعمال فلم يجتمع اللحاظان على ملحوظ واحد، بل هناك قضيتان و فعلان لكل منهما لحاظاته، إلّا أنّ هذا هو العناية الزائدة الفائقة على الاستعمال و يكون ضم الاستعمال إليه كضم الحجر إلى الإنسان، فاشكال الميرزا (قدس سره) الأوّل تعبير فني لأصحاب مسلك الاعتبار إذا أرادوا تحقيق الوضع بالاستعمال بلا عناية زائدة.

و أمّا إذا اريد جعل الاستعمال بنفسه وضعاً كما يقول صاحب الكفاية (قدس سره) فهذا الاشكال إنّما يتم لو اريد به منع المصداقية للوضع بأن يقال أنّ الوضع هو الاختصاص بين اللفظ الملحوظ استقلالًا و المعنى و انّ هذا هو الذي يحكم به و ينشئه الواضع.

و امّا إذا قيل بأنّ الواضع ينشئ الاختصاص بين اللفظ الملحوظ أداةً أو مطلق‏

39

تصور اللفظ و المعنى سواء كان ملحوظاً استقلالًا أو أداة و ان الأداتية تنشأ في طول الوضع بين تصور اللفظ كذلك و المعنى و إن كان حين الوضع يتصور اللفظ مستقلّاً فلا يرد هذا الاشكال لتحقق المصداقية للمنشإ بالاستعمال.

الثاني‏: خروج هذا الاستعمال عن الحقيقة و المجاز معاً فيكون غلطاً.

و أجاب عليه في الكفاية بجواب و الشهيد الصدر بجواب آخر أيضاً كما في الكتاب.

الثالث‏: اشكال الدور و جواب العراقي مع جوابه في الكتاب.

ثمّ إنّه يمكن إضافة تقسيم آخر إلى التقسيمات الثلاثة المتقدمة للوضع، و هو تقسيمه إلى الوضع المطلق و الوضع المشروط، أي المقيّد فيه نفس العلقة الوضعية بقيد كما ذكره المحقّق الأصفهاني (قدس سره) في تفسير مختار المحقّق الخراساني (قدس سره) لشرطية اللحاظ الاستقلالي في الأسماء و اللحاظ الآلي في الحروف، حيث أرجع اللحاظين قيداً للعلقة الوضعية لا للمعنى الموضوع له.

و هذا معقول بناءً على مسلك التعهّد و الذي تكون الدلالة الوضعية بناءً عليه تصديقية تعهّدية، و أمّا على مسلك القرن المؤكّد فغير معقول؛ لأنّ القرن فعل تكويني خارجي لا يعقل فيه الإطلاق و التقييد، و نتيجته أيضاً أمر تكويني هو التلازم التصوّري أمره دائر بين الوجود و العدم.

و بناءً على مسلك الاعتبار إذا افترضنا أنّ النتيجة المطلوبة من الوضع التلازم التكويني التصوري فهذا أيضاً لا يعقل فيه الإطلاق و التقييد، و إن كانت النتيجة أمراً انشائياً وضعياً كما في سائر الامور الانشائية أمكن التقييد فيه.

40

ص 106 قوله: (نعم يعقل أن يكون التعهد مشروطاً بطبيعي القصد...).

إذا قبلنا مسلك التعهد فلا ينبغي التشكيك في اختصاصه بمقام المحاورة أي أنّ كل مستعمل إنّما يتعهد بقصد اخطار المعنى الحقيقي عند إرادته لأصل التفهيم و المحاورة و المخاطبة لا مطلقاً، و لو كان في مقام تجربة صوته مثلًا أو غير ذلك.

فالتبعية بهذا المعنى على مسلك التعهد متعيّن.

ثمّ إنّ العلمين نظرهم إلى الدلالة الاستعمالية و أنّ اللفظ المشترك بين المعنى المركب و جزئه كالرقبة لا تجتمع دلالته المطابقية مع التضمنية في مورد واحد؛ لأنّ المستعمل امّا يستعمله في المركب أو في جزئه فيكون تابعاً لارادته، و هذا لا ربط له ببحث التبعيّة التي خاضها الاصوليون.

ص 107 قوله: (و ثانياً: انّ الارادة...).

هذا جواب مبني على القول بكون الدلالة اللفظية تصورية، و على مسلك القرن فقط لا الاعتبار الذي بناءً عليه ذكر السيد الخوئي لغوية الجعل المطلق. و الصحيح إمكان الجواب عليه حتى على مسلك الاعتبار، و ذلك لأنّ الغرض و إن كان هو المحاورة و اخطار المعاني بالألفاظ إلى الاذهان، إلّا أنّ هذا هو الغرض الأقصى و الذي بناءً على كون الدلالة الوضعية تصورية أي تلازماً بين تصور اللفظ و تصور المعنى، و الملازمة التصورية لا يمكن أن يكون أحد طرفيها إلّا التصور لا الوجود العيني التصديقي فلا محالة يضطر الواضع أن يتوصل إلى غرضه الأقصى بايجاد تلك الملازمة التصورية بالاعتبار و لا تناقض و لا خلف غرض في ذلك كما هو واضح.

41

نظرية الاستعمال‏

ص 119 قوله: (و قد يتوهم: انّ ذلك...).

هناك جواب آخر أفضل من هذا الجواب، و هو انّ المجاز في المقام ليس من المجاز في الكلمة بل من المجاز في الاسناد و المسند هو الحيوان المفترس، و مدعى السكاكي رجوع المجاز في الكلمة إلى الادعاء و المجاز العقلي، و أمّا المجاز في الاسناد فلا شك عند أحد في كونه من المجاز في الادعاء و التطبيق.

نعم، يمكن دعوى ان (رأيت أسداً يرمي) أيضاً أبلغ و آكد من رأيت رجلًا شجاعاً يرمي. و جوابه: ان (رأيت أسداً) يعني رأيت شجاعاً كشجاعة الأسد، فيكون آكد و أبلغ من رأيت شجاعاً.

ص 135 قوله: (الثاني: أن يكون هناك تغاير...).

لا وجه لاشتراط ذلك في الاستعمال إلّا إذا خصصنا الاستعمال بالاخطار الحكائي و الانتقال من تصور إلى تصور آخر دون الأعم منه و من الايجادي كما في استعمال اللفظ و إرادة شخصه، و لا وجه للتخصيص المذكور، فإنّ الايجادي أيضاً من استعمال اللفظ. فلا يشترط غير الشرط الأوّل شي‏ء آخر في صحة الاستعمال.

42

ص 138 قوله: (و لكن هذا التفسير لا يشمل كل الحالات...).

يمكن دعوى انّ الاحساس قابل للانحفاظ و الذكر كالتصور و هو غير التصور، فالمتكلم في نفسه أيضاً ينتقل من الاحساس إلى تصور المعنى، كما انّ الاشتراط يحصل ابتداءً بين الاحساس السمعي باللفظ و تصوره و بين تصور المعنى فلا حاجة إلى افتراض الانسحاب إليه من خلال الاقتران بين تصور اللفظ و تصور المعنى.

ص 138 قوله: (الخامس: و يمكن أن يعتبر بوجه...).

المغفولية ليست هي المرآتية و ذلك:

أوّلًا- لأنّ الألفاظ ملتفت اليها حين الاستعمال و ليست مغفولًا عنها سواء بلحاظ السامع أو المتكلم.

و ثانياً- انّه لما ذا لم يحصل ذلك في باب العلامات مع انّ الغرض منها أيضاً مقدّمي و أداتي في الانتقال الثاني أي للمتكلم؟

و ثالثاً- كيف نفسّر انّ الإنسان حينما يفكر مع نفسه يفكّر بلغته أي يستذكر المعاني بالألفاظ و كأنّه يتكلّم بلغته مع نفسه؟ و المرآتية محفوظة فيه أيضاً.

و الذي نراه أنّ المعاني تربط بالاحساس السمعي للألفاظ بجانبه الذاتي فتكون تلك الاحساسات التي هي انفعالات داخلية ذاتية للانسان بمثابة الرموز على المعاني و هي غير تصور اللفظ و أجنبي عنه و إن كان بالتوجه اليها قد نتصور اللفظ أيضاً كالفرق بين الاحساس بحالة الخوف و بين تصور الخوف فليس بابه أصلًا باب التداعي التصوري بل باب الاستجابة للاحساس السمعي باللفظ، فالمرآتية مفسّر بالوجه الرابع بعد تعديله بما ذكرناه و هي من خصوصيات نفس العلقة

43

و الدلالة اللفظية لا الاستعمال إذ حقيقة تلك العلقة إنّما تكون بين الاحساس باللفظ بجانبه الذاتي و المعنى لا بين تصور اللفظ و المعنى، مع قطع النظر عن الاستعمال و قبله، فتدبر جيداً.

ص 142 السطر الآخر قوله: (نعم لو بني...).

لا وجه له حتى لو بني على ذلك لأنّ الموضوع له المجاز بالوضع النوعي هو واقع المشابه لا المشابه بما هو مشابه فلما ذا يشترط استحضار المستعمل لحيثية المشابهة؟

و هكذا يتضح أنّه لا يشترط لصحة الاستعمال إلّا الشرط الأوّل من الشروط الخمسة المذكورة في الكتاب.

ص 146 قوله: (و أمّا الجزء الثاني من المدعى...).

الصحيح بناءً على ما تقدم من أنّ الدال على المعنى ليس تصور اللفظ بل الاحساس السمعي به. و هو غير مقولة التصور الذهني فإنّ التصورات من مقولة المعنى بخلاف الاحساس يتضح انّ استعمال اللفظ سواء كان في شخصه أو نوعه و صنفه أو مثله كلها تكون من اخطار المعنى بمعنى التصور بايجاد الاحساس السمعي باللفظ و كله من الاستعمال الاخطاري. و ان الايجاد للاحساس لا التصور و إنّما ينتقل السامع و المتكلم منه إلى تصور اللفظ، فبالدقة الاخطارية محفوظة هنا أيضاً.

نعم، هذا لا ينافي أن نسمي هذا الاخطار بالايجادي بمعنى انّه تصور ذهني قائم على أساس المنبه الطبيعي الواقعي و هو الاحساس بالشي‏ء و ليس قائماً على أساس الربط بين اللفظ و المعنى أصلًا. و لا مشاحّة في الاصطلاح، و هذه‏

44

الخصوصية قد توجب صحة إطلاق الاستعمال الايجادي على كل أنواع استعمال اللفظ في اللفظ، فإنّ الانتقال من التصور الجزئي إلى الكلي أو إلى مثله أيضاً من المنبه الطبيعي لا الشرطي الوضعي.

ص 148 قوله: (الجهة الاولى: في تحرير محلّ النزاع...).

في المقام أربعة معان لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى اثنان منهما لا اشكال في جوازهما و الثالث لا إشكال في استحالته و الرابع هو محلّ النزاع؛ و تفصيل ذلك كالآتي.

1- أن يستعمل اللفظ في معنى هو جامع بين تلك المعاني بأن يقول مثلًا جئني بعين و يراد به المسمّى بالعين المنطبق على كل واحد منها.

2- أن يستعمل في معنى يعمّ و يشمل جميع تلك المعاني، أي في مجموعها أو جميعها كالعام المجموعي أو الاستغراقي كما إذا أراد بالعين كل معانيها معاً، و هذان النحوان لا إشكال في امكانهما إلّا انهما ليسا من الاستعمال في أكثر من معنى بل في معنى واحد يكون كل واحد من المعاني مراداً استعمالياً ضمنياً لا استقلالياً.

3- أن يستعمل في كل من المعنيين مستقلّاً، و نريد بالاستقلال أن لا يكون معه لحاظ لمعنى آخر أصلًا، و هذا لا اشكال في استحالته لأنّه تناقض و خلف فرض الاستعمال في معنيين فإنّه يفترض تعدد المعنى الملحوظ لا محالة.

4- أن يستعمل في كل من المعنيين مستقلّاً أي بما هو لا بما هو في ضمن‏

45

معنى آخر- و هذا تعبير السيد الشهيد (قدس سره)- و إن شئت قلت: بأن يكون اللفظ دالّاً على كل منهما مستقلّاً كما في الاستعمال مرتين بحيث يكون هناك دلالتان و كشفان و يكون هذا الاستعمال بمنزلة استعمالين في استعمال واحد- و هذا تعبير صاحب الكفاية (قدس سره)-. و هذا هو محلّ النزاع.

ثمّ إنّ الاستقلالية و الضمنية في الاستعمال غيرهما في الحكم كما أفاد السيد الشهيد و دفع به اشكال المحقق الاصفهاني؛ و تمام النكتة انّ استعمال اللفظ في المجموع لا يعني تقيد الطبيعة في كل معنى بالطبيعة الاخرى الذي هو سبب التقييد و الضمنية في الحكم بل يعني ارادة مجموع الطبيعتين المهملتين أي الجامعتين بين المطلق و المقيد، و عندئذٍ يمكن أن يكون كل منهما موضوعاً مستقلّاً للحكم كما في العام الاستغراقي.

لا يقال: التصور و اللحاظ الواحد لمجموع الطبيعتين يستلزم تقيد احداهما بالاخرى لا محالة و هو يستلزم ضمنيتهما في مقام الحكم على هذا المجموع أيضاً.

فإنّه يقال: وحدة اللحاظ و التصور لا تستلزم تقيّد الملحوظ به و إلّا لاستحال تصور العموم الاستغراقي، و إنّما ينشأ التقييد و الضمنية من وحدة المتصور و الملحوظ.

ص 152 قوله: (الثالث ما جاء في كلمات المحقق الاصفهاني (قدس سره)...).

صريح كلامه في الحاشية النظر إلى ايجاد المنزل عليه بالوجود التنزيلي- كما في تعبير الحاشية- أو العرضي و المجازي- كما في تعبير المنهج الجديد- فليس نظره إلى أصل التنزيل و الجعل الذي يتحقق بالوضع.

46

كما انّه ليس مقصوده من الوجود التنزيلي للمعاني الوجود الانشائي للمعنى باللفظ لكي يقال- كما عن بعض المتأخرين- بانكار ذلك المبنى.

و إنّما صريح كلامه النظر إلى مصطلح فلسفي مرتبط بأنحاء الوجود للشي‏ء و الماهية من كونه خارجياً تارة و ذهنياً و كتبياً ثالثة، و منها الوجود اللفظي أي الوجود باللفظ- و لو كان هو من العرض و المجاز-.

و على هذا يرجع محصّل مرامه (زيد في علوّ مقامه) إلى انّ الاستعمال ايجاد و لو بهذا المعنى من الوجود أي ايجاد للفظ حقيقة و للمعنى تنزيلًا و الاستقلال فيه بلحاظ كل من المعنيين يستلزم تعدد الوجود التنزيلي للمعنى لاتحاد الايجاد و الوجود و تعدد الموجود التنزيلي يستلزم تعدد الوجود الحقيقي للفظ.

و الاشكال الذي ذكر في الكتاب إنّما هو على المقدمة الأخيرة بحسب الحقيقة و حاصله: انّ تعدد الوجود التنزيلي لا يستدعي تعدد الوجود الحقيقي؛ لأنّ الوحدة و التعدد بلحاظ كل وجود مضاف إلى عالمه و صقعه و في المقام الوجود التنزيلي للمعنى أمر اعتباري تنزيلي مربوط بعالم الجعل و الاعتبار و وحدته و تعدده مربوط به أيضاً و حيث انّ هناك تنزيلين فيه فلا محالة يكون هناك تعدد في الوجود التنزيلي و لا ربط لذلك بالوجود الحقيقي المنزّل وحدة و تعدداً، فالحاصل وحدة الوجود التنزيلي و تعدده منوط بوحدة التنزيل و تعدده لا وحدة الوجود الحقيقي للفظ الذي هو مربوط بعالم آخر.

و ما ورد في ذيل كلامه (قدس سره) من انّ التفرد و الاستقلال في الوجود التنزيلي يوجب التفرد و الاستقلال في الوجود الحقيقي و إلّا لكان ايجاداً لهما معاً لا لكل منهما منفرداً.

47

إن اريد به ما تقدم من انّ اتحاد الوجود التنزيلي للمعنى مع الوجود الحقيقي للفظ يقتضي الملازمة المذكورة فقد عرفت جوابه، و إن اريد به انّ كون الوجود التنزيلي يوجد بالوجود الحقيقي خارجاً بما له من سنخ الوجود التنزيلي فهذا امّا أن يقصد به الآلية في مقام الاستعمال فهو رجوع إلى ما تقدم عن الكفاية و ما ردّه هو، و امّا ان يقصد مجرد كون الوجود التنزيلي في طول التنزيل يتحقق بالوجود الحقيقي فهذا قد عرفت جوابه من انّ تعدّد الوجود التنزيلي الذي يتحقق بالوجود الحقيقي تابع لمقدار التنزيل سعة و ضيقاً و وحدة و تعدداً و لا يرتبط بوجه أصلًا بحقيقة الوجود الحقيقي من حيث الوحدة و التعدد.

ص 155 قوله: (ثمّ إنّ ما ذكرناه إنّما نقصد به نفي خروج...).

الظاهر أنّ مخالفة استعمال اللفظ في أكثر من معنى لا يمكن تفسيرها على أساس مجرد مخالفة الظهور الحالي للمتكلم، بل هي ذات نكتة أعمق من ذلك؛ و لهذا لا يقع في أية لغة و محاورة، و لا يكون كالاستعمالات المجازية أو المخالفة للظهورات الحالية الاخرى و التي تقع كثيراً في اللغة، بل يلحظ أنّ الذهن حتى في مرحلة المدلول التصوري قبل الاستعمال لا ينسبق إلى ذهنه أكثر من معنى واحد حتى من الألفاظ المشتركة أو يتردد بين معانيها و لا ينسبق جميعها إلى الذهن، فمجموع هذه النكات و غيرها يجعل المحذور أعمق ممّا ذكر.

و الذي أتصوره أنّ العلاقة الوضعية التصورية حيث تتحقق بين اللفظ و كل معنى مستقلّاً و وحده في مقام الانسباق إلى الذهن أي من خلال انسباق واحد لا انسباقين فلا يحصل انسباقان من إطلاق اللفظ معاً إلى الذهن حتى في مرحلة

48

المدلول التصوري قبل الارادة الاستعمالية التصديقية؛ و لهذا حتى إذا سمعنا اللفظ من الجدار لا يحصل انسباقان عرضيان منجّزان، بل يحصل نحو تردد أو إجمال حتى في مرحلة الانسباق التصوري إذا لم تكن قرينة معيّنة نظير عدم انسباق شي‏ء من المعاني المجازية المتعددة حين سماع اللفظ مع القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي.

و هذا مطلب صحيح قابل للتفسير بناءً على مبنانا في حقيقة الوضع و العلقة الوضعية، فإنّ كيفية الاقتران بين التصورين من حيث الوحدة و التعدد أيضاً من حدود و خصوصيات المنبّه الشرطي، فإذا كانت العلقة التصورية الحاصلة بنحو علاقة واحد بواحد تصوراً لا واحد باثنين فلا يحصل بالمنبّه الشرطي و قانونه التكويني إلّا نفس الكيفية من العلاقة التصورية كما انّ علاقة واحد باثنين مستقلين أيضاً علاقة و سببية تصورية ذهنية غير علاقة واحد بواحد بحيث لو تحققت بين اللفظ و معنيين مستقلين كان اللفظ دائماً يوجب انسباق الاثنين باللفظ فلا يصح استعماله في واحد.

و الارادة الاستعمالية أيضاً ليس إلّا قصد استخدام نفس المنبّهية الشرطية الحاصلة بالوضع لا استحداث منبهيّة شرطية جديدة، و من هنا يكون الاستعمال في معنيين مستقلين معاً باستعمال واحد خلاف طبيعة العلقة الوضعية فهو يشبه استعمال اللفظ المهمل في معنى و الذي لا يصلح و لا يكون استعمالًا لغوياً حتى إذا فرض إمكان افهام ذلك المعنى به بأي شكل من الاشكال.

و لعلّ هذا مقصود من قال بأخذ قيد الوحدة في المعنى، و منه يعلم أنّ عدم صحة استعمال اللفظ في أكثر من معنى ليس لخصوصية مربوطة بعالم الاستعمال‏

49

و الدلالة الاستعمالية التي هي دلالة تصديقية و إنّما هو- كالمرآتية على ما تقدّم منّا- مربوط بمرحلة الدلالة التصورية الوضعية فإنّها حاصلة على نحو علاقة واحد بواحد تصوراً، بل هذا من شئون مرآتية الدلالة بالمعنى الذي تقدّم في تحليلها؛ و لهذا أيضاً ربط القائلون بامتناع استعمال اللفظ في أكثر من معنى ذلك بمبنى الفنائية و مرآتية الاستعمال.

لا يقال‏: لا يعقل الترديد في انسباق المعنى من اللفظ في عالم الذهن لأنّ الفرد المردّد ممتنع خارجاً و ذهناً. نعم، المردد قد يعقل بلحاظ المدلول الاستعمالي كما في الكتاب في الجهة القادمة من البحث، فلا بد من فرض أحد شقوق:

إمّا عدم انسباق معنىً أصلًا من اللفظ المشترك إلى الذهن عند سماعه فكأنّه لفظ مهمل، و هذا خلاف الوجدان. أو انسباق أحد المعنيين دون الآخر، و هو ترجيح بلا مرجح، في الامور التكوينية و هو محال. أو انسباق كلا المعنيين الحقيقيين إلى الذهن معاً فيكون كاللفظ المختص غير المشترك على مستوى الدلالة اللفظية الوضعية التصورية، فلا بد و أن يكون المخالفة بلحاظ الظهورات الحالية التصديقية لا الظهور التصوري الوضعي.

فإنّه يقال‏: يعقل التردد بمعنى آخر لا يساوق وجود الفرد المردد الذهني لكي يكون محالًا، بل بمعنى التوقف و الابهام في ربط المعنى باللفظ و تحقّق الاستجابة الذهنية منه، فإنّ هذا غير الوجود الذهني ليستحيل فيه الترديد، بل هو من سنخ الفعاليات الذهنية فيبقى الذهن متردداً فيه، نظير ما إذا نسى الإنسان أنّ اسم زيد هل كان لابن عمرو أو ابن خالد، فإنّه عند سماعه من الجدار لا يكون كسماع اللفظ المهمل كما لا يحس بارتباطه بكليهما، بل يتردد ذهنه بين أحد الشخصين لا مفهوم أحدهما، فإنّه لم يوضع له، و ليس علماً بل واقع أحدهما

50

أي يتردد ذهنه في مقام الانسباق بين تصور ابن عمرو و تصور ابن خالد، فكذلك الحال في سماع اللفظ المشترك مع عدم القرينة المعينة على مستوى الدلالة التصورية، أو كاللفظ مع القرينة الصارفة عن معناه الحقيقي و وجود معاني مجازية متعددة له، فإنّ الذهن أيضاً لا ينسبق إليه شي‏ء منها بل يبقى متردداً بينها رغم انّه ليس كالمهمل المحض.

فالحاصل كون العلاقة الحاصلة من الاقتران مع المعنى علاقة واحد بواحد لا واحد باثنين و الاستجابة الاقترانية الشرطية تكون بنفس الخصوصية التصورية حتى من حيث حدود التصورين المقترنين بحيث لو تغيّرت و لو كان المتصور واحداً لما تحققت نفس الاستجابة، يؤدّي إلى التردّد بين المعنيين فلا يستقرّ الذهن على شي‏ء منهما، و الاستعمال لا يكون إلّا استخدام نفس الاستجابة و الصلاحية المذكورة، فإذا لم يكن اللفظ صالحاً على مستوى الدلالة التصورية إلّا لاخطار أحد المعنيين فلا يكون استعماله في اخطار كليهما استعمالًا صحيحاً، و إن أمكن إفهام ذلك بالقرائن و نحوها، إلّا أنّه ليس بالطريقة و الآليّة الوضعية.

ثمّ انّ هناك محذوراً آخر على مستوى الدلالة التصورية في استعمال اللفظ في أكثر من معنى ينشأ من وحدة التصور الذي يكون بإزاء المحمول و المحكوم به على المعنيين، و كذلك وحدة النسبة التي هي بإزاء هيئة الجملة التامة أو الناقصة، فإنّها تصورات واحدة لا متعددة، فلا يمكن أن تربط بالتصورين و المعنيين المستقلين للمشترك بما هما مستقلان، كما إذا قال زيد جاء و أراد به كلا الزيدين مستقلّاً، فإنّه ممتنع من دون وجود ما يدل على تكرار النسبة و المحمول كما في موارد العطف، و هذا يعني انّ العملية التصورية لا بد و أن‏

51

تكون علاقة واحد بواحد بلحاظ جميع مفردات و أبعاض الكلام الواحد على مستوى المدلول التصوري للألفاظ حتى المشتركة.

و إن شئت قلت‏: هذا خلف وحدة الأطراف الاخرى في التراكيب و الجمل دالّاً و مدلولًا و عدم تعددها، فإن اريد استعمال اللفظ في أكثر من معنى بنحو الاستقلال بحيث يكون كل معنىً منها طرفاً في نسبة مستقلة مع الطرف الآخر فهذا محال؛ لأنّ تعدد النسبة في الذهن تستلزم تعددها و تعدد لحاظ طرف كل منها عن الاخرى، و إن اريد ذلك بنحو بحيث يكون في قوّة تكرار النسبة و الطرف المشترك فهذا معقول، إلّا أنّه ليس من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، بل من التقدير بحرف عطف و نحوه، و هو من تكرار الدال و المدلول و خارج عن هذا البحث.

و الحاصل: استعمال اللفظ في أكثر من معنى لا يعقل إلّا بنحو تكرار النسبة و هو من التقدير أو الجمع بينهما في طرف النسبة الواحدة، و هو من الاستعمال في المجموع، و ما يذكر من الأمثلة على الاستعمال في أكثر من معنى، من قبيل: (مررت بعينين جارية و باصرة) أو الشعر المعروف:

أي المكان تروم ثمّ من الذي‏ تمضي له فأجبته المعشوقا

و يريد بالمعشوق قصر المتوكّل بسامرّاء، و معناه الاشتقاقي و هو معشوقه معاً، كلّها ترجع إلى التكرار و التقدير، حيث انّ هناك نسبتين في الجملة تحتاج كل واحد منها إلى طرف مستقل، فيكون تعدد النسبة التامة في المثال الثاني و الناقصة الوصفية في المثال الأوّل قرينة على تكرّر المعنى و الاستعمال، و كلّ منهما في معنى واحد أيضاً لا أكثر؛ و لهذا لا يفهم وقوع المعنيين معاً طرفاً لكلتا النسبتين، مع انّ الاستعمال في معنيين يقتضي ذلك، فتدبّر جيداً.

52

ص 155 قوله: (استعمال المثنى أو الجمع في أكثر من معنى...).

صاحب المعالم ذهب إلى انّ استعمال المفرد في أكثر من معنى مجاز لانثلام قيد الوحدة المأخوذة فيه. و أمّا المثنى و الجمع فلا محذور في ارادة فردين أو أفراد كل منها من أحد المعنيين، و يكون حقيقياً لا مجازياً، لأنّ ذلك في قوة أن يقال جئني بعين و بعين و يراد بكل منهما معنى غير الآخر.

و لا شك في انّ الوجدان اللغوي لا يرى صحة ذلك في تثنية أسماء الأجناس و نحوه ممّا تكون مادة التثنية و الجمع مفهوماً كلياً له مصاديق متعددة أي في غير أسماء الأعلام و الإشارة و الموصولات و نحوها، بل المستظهر ارادة فردين من معنى واحد لا مطلق فردين، و لو من معنيين.

و لتوضيح البحث ينبغي التكلم في مقامين‏:

الأوّل: في الوجوه التي يمكن على أساسها تخريج و تحليل مدعى صاحب المعالم في التثنية و الجمع و أنها هل تكون من باب الاستعمال في أكثر من معنى أم لا؟

الثاني: في كيفية تخريج التثنية و الجمع في أسماء الأعلام و الإشارة و نحوه.

أمّا المقام الأوّل‏: فتارة نبني على وضع واحد للمثنى و الجمع كالمفرد، و اخرى نبني على انّه من باب تعدد الوضع و تعدد الدال و المدلول أي المادة موضوعة لمعناها و الهيئة أو حرف التثنية و الجمع موضوعة للمتعدد من ذلك المعنى.

53

أمّا على المعنى الأوّل: فقد يقال انّ المثنى و الجمع موضوعان للمتعدد- اثنان في المثنى و ثلاثة فأكثر في الجمع- الأعم من معنى واحد أو أكثر، و من هنا يكون إرادة ذلك حقيقياً.

و الجواب: مضافاً إلى عدم صحة هذا المبنى بل الوضع في أمثال المقام من باب تعدد الدال و المدلول و تعدد وضع المادة و الهيئة و التركيب بينهما، انّ هذا لو سلّم فهو من الوضع لمعنى واحد جامع، و يكون من الاستعمال في معنى واحد دائماً لا في معنيين. و إنّما يكون من الاستعمال في معنيين لو اريد بمعنيين فردان من الباصرة و فردان من الجارية معاً، و هذا ما لا يقبله صاحب المعالم أيضاً.

و أمّا على الثاني: فلا يمكن توجيه و تخريج مقالة صاحب المعالم لأنّ المادة لو استعملت في معنى واحد سواء كان أحد المعنيين أو الجامع بينهما أو المسمّى باللفظ أو المجموع فهذه كلها من الاستعمال في معنى واحد لا في معنيين؛ لأنّ المفهوم بإزاء المادة فيها جميعاً مفهوم واحد لا أكثر، و هو خارج عن البحث.

و إن استعملت في معنيين فاريد بالعين في (عينين) كل من الباصرة و الجارية مستقلّاً لزم الاستعمال في معنيين إلّا انّه حينئذٍ يلزم استعمال الهيئة أيضاً في معنيين- كما انّه لا بد و أن يكون مجازاً على مبنى صاحب المعالم، لأنّ المادة مأخوذ فيها قيد وحدة المعنى بهذا المعنى.

أمّا الثاني فواضح، و أمّا الأوّل فلأنّ الهيئة سوف يقتضي ارادة فردين من كل من المعنيين المستقلين، و هو من استعمال الهيئة في معنيين؛ لأنّ المعنى‏

54

الحرفي النسبي المضاف إلى كل من المفهومين المستقلين غيرها بلحاظ المفهوم الآخر حيث أنّ الحروف موضوعها لمعانيها النسبية الآلية بنحو الوضع العام و الموضوع له الخاص، فبتعدد الخاص و المعنى المنتسب تتعدد النسبة فيتعدد المعنى الحرفي لا محالة.

و منه يظهر بطلان ما في المحاضرات من قياس ذلك بالعشرين و الطائفتين و نحوها، فإنّ المادة في تلك الأمثلة كلها مستعملة في معنى واحد لا في معنيين مستقلين.

و قد يقال: انّ حروف التثنية و الجمع حيث انها موضوعة للدلالة على المتعدد فيلغى بذلك قيد الوحدة المأخوذة في المادة إذا كانت مفردة فكأنّ المادة الجامعة بين المفرد و المثنى و الجمع موضوعة لذات المعنى، و مع هيئة الافراد موضوعة لها بقيد الوحدة، و مع التثنية و الجمع بلا ذلك القيد فيمكن إرادة المتعدد من المعنيين بأن يكون فرد من هذا و فرد من الآخر.

و فيه: الوحدة و التعدد المفاد بالتنوين و بحروف التثنية و الجمع إنّما هي الوحدة و التعدد المصداقي الوجودي لا المفهومي، فهذا التقريب فيه خلط بين معنيين للوحدة كما هو واضح.

و قد يقال‏: انّ حروف التثنية و الجمع تكون بمثابة تكرار المادة، فكأنّه قال:

(جئني بعين و عين) فيمكن أن يراد بأحدهما الباصرة و الاخرى الجارية مثلًا.

و فيه‏: أوّلًا- هذا لو سلّم فليس من الاستعمال في أكثر من معنى بل استعمال كل لفظ في معنى واحد.

55

و ثانياً- غير صحيح في نفسه؛ لأنّ هذا معناه تجريد هيئة التثنية و الجمع عن المعنى رأساً و جعله علامة و إشارة إلى تكرار اللفظ في مقام الاستعمال أي يتصور اللفظ مرتين بحيث يخطر بكل منهما معنىً غير الآخر إلى الذهن، و هو مقطوع الفساد؛ لأنّه لم يسمع اللفظ إلّا مرة واحدة، و ما لم يتكرّر اللفظ لا يتكرّر الاستعمال و لا تتكرّر الاستجابة الذهنية التي هي الآليّة الوضعيّة اللغويّة.

و هكذا يظهر انّه لا يوجد تصوير معقول لمقالة صاحب المعالم (قدس سره) يكون من باب استعمال التثنية و الجمع في أكثر من معنى و إنّما يعقل ذلك بأن تستعمل المادة في المسمّى أو الجامع بين المعنيين- لو كان بينهما جامع حقيقي- و هو من الاستعمال في معنى واحد كما انّه مجاز جزماً. وعليه فلا فرق بين المفرد و المثنى أو الجمع في عدم صحة استعمالها في أكثر من معنى واحد.

و أمّا المقام الثاني‏: و هو في كيفية تخريج و تحليل تثنية أسماء الأعلام و نحوها و جمعها كالزيدين و هذين و اللذين، و هذا بحث لا ربط له بالاستعمال في أكثر من معنى، بل هو بحث مستقل حيث يوجد اشكال في التعدد المصداقي لمعاني هذه الأسماء في نفسه لعدم إمكان ذلك فيها. فقد ذكر عدة وجوه لتخريج ذلك:

منها- ما في الكتاب من استعمال المادة في هذه الأسماء في المسمّى، فالزيدان يعني فردان ممن يسمّى بزيد و هذا مفهوم مجازي كلي قابل للتكثر المصداقي، و قد يشهد عليه طروّ لام التعريف فيقال: (جاءني الزيدان) بينما لا يقال (جاءني الزيد).

56

و ناقش فيه السيد في الكتاب تارة: بأنّ هذا إن صحّ في أسماء الأعلام فلا يصح في اسم الإشارة و الموصول و الضمير. و توجيه العراقي غير وجيه كما في الكتاب. و اخرى: بأنّه خلاف ارتكازية علمية الاعلام حتى في موارد التثنية و الجمع و مجرد دخول الألف و اللام عليه لا يدلّ على كونه نكرة و أنّ المراد من المادة المسمّى بل الدلالة على نحو من التعيين المتناسب مع التثنية و الجمع و هذا وجداني.

و منها- ما في الكتاب بعنوان الثاني مع جوابه مضافاً إلى عدم احساسنا بالتردد في الاعلام و أسماء الإشارة و نحوها. نعم، هذا قد يناسب أسماء الأجناس بأن يراد فردين من أحد المعنيين بنحو الترديد.

و منها- ما في الكتاب بعنوان الثالث، و قد ارتضاه السيد رغم ايراده على التعميق الذي في كلام الأصفهاني.

إلّا أنّه غير تام أيضاً لأن لو اريد به فردين من لفظ عين- بناءً على استعماله في نوعه- فهو لا يوجب تعدد المعنى أصلًا، بل تصور فردين من لفظ عين من دون الانتقال من العين إلى معناه بل لا استعمال للمشترك هنا أصلًا نظير موارد استعمال اللفظ في اللفظ و الذي لا يكون اللفظ المنتقل إلى الذهن باللفظ مستعملًا في معناه، و هذا واضح.

و إن اريد انّ الألف و النون علامة تكرار اللفظ تصوراً فهذا ليس بابه باب الدلالة على المعنى أصلًا كما أشرنا في ذيل المقام الأوّل، و غير معقول لوضوح أنّا لا نتصور و لا نحسّ بالمادة إلّا مرّة واحدة لا مرتين، و باب الدلالة