أضواء وآراء؛ تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول‏ - ج2

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
455 /
7

[اضواء و آراء]

تقسيم الحجج‏

ص 7 قوله: (البحث الأوّل: انّ الشيخ جعل المقسم المكلّف...).

المهم هنا هو البحث عن المقسم من ناحيتين:

الاولى: هل يشمل المقسم المكلف العقلي الشامل للصبي المميز و المدرك القابل لتكليفه بشي‏ء أم يختص بالمكلف الشرعي، أعني البالغ كما هو ظاهر تقسيم صاحب الكفاية (قدس سره).

الثانية: هل يشمل المقسم المجتهد و المقلّد أو يختصّ بالأوّل كما عليه المحقّق النائيني (قدس سره).

أمّا الناحية الاولى‏: فالصحيح انّ المقسم هو المكلف العقلي؛ لأنّ الأقسام الثلاثة تحصل له على حدّ المكلف الشرعي و لا بد له من الخروج عن عهدتها اجتهاداً أو تقليداً أو احتياطاً.

و دعوى: وضوح عدم التكليف في حق غير البالغ و كونه من المسلمات و الضروريات التي لا نحتاج إلى تعليل أو اجتهاد أو احتياط.

8

مدفوعة: بأنّ ذلك لا يبرر اخراجه عن المقسم و ذلك:

أوّلًا- لأنّ بعض الأحكام التي يقطع بها المكلف الشرعي أيضاً قد يكون كذلك أي من المسلمات و الضروريات، فليكن هذا الحكم منها و يدخل في قسم القطع بالحكم من دون وجه في تخصيص المقسم بالمكلف الشرعي.

نعم، لو فرضنا خروج القطع عن مباحث علم الاصول و تقسيمات مباحثه لم يتم هذا الجواب. و هذا هو المراد بالعبارة في الكتاب (خصوصاً مع كون مسألة حجّية القطع ليست اصولية).

و ثانياً- انّ المسلّم و الضروري أصل شرطية البلوغ و هذا لا يمنع عن لزوم الاجتهاد أو التقليد في تفاصيل ذلك في بعض الموارد، و أهمها الموارد الثلاثة المذكورة في الكتاب. ثمّ انّه لا يتوهم بأنّ أدلّة الاصول العملية أيضاً تكون مقيدة بأدلّة رفع القلم في حق الصبي، فإنّه يقال:

أوّلًا: لا وجه لذلك بالنسبة إلى الاصول العملية الترخيصية، لأنّ دليل رفع القلم عن الصبي يرفع ما فيه الكلفة لا كل تشريع لكونه امتنانياً.

و ثانياً: لو فرض فبعد فرض اجمال دليل رفع القلم حيث انّ الاصول العملية أدلّتها لفظية صحّ التمسك باطلاقاتها.

و ثالثاً: لو فرض عدم الدليل اللفظي المطلق في مورد بعضها نرجع إلى الاصول المؤمنة العقلية كالبراءة على القول بها.

ص 9 قوله: (المقام الأوّل في منهجية التقسيم...).

يمكن المناقشة فيه بأنّ نظر الاصوليين في هذا التقسيم إلى الظن و الشك‏

9

الواقعين موضوعاً للحجية و الاعتبار الشرعي في مقام استنباط الحكم الشرعي أو الانتهاء إلى الوظيفة العملية في الفقه و ليست حجّية الفتوى مما يقع في قياس الاستنباط كما هو واضح. فأصل التقسيم و إن كان معقولًا في حقه و لكنه خارج عن المقسم بهذا الاعتبار.

نعم لو فرض‏ (1) انّ الأحكام الظاهرية كانت حجة في حق المقلّد و المجتهد معاً ثبوتاً و واقعاً لم يكن وجه لتخصيص المقسم بالمجتهد.

ص 11 قوله: (و ثالثاً- حتى بناءً على المسالك...).

قد يناقش في هذا الجواب بما في حاشية السيد الحائري من أنّ تنزيل الامارة منزلة العلم ظاهر عرفاً في التنزيل منزلة العلم العرفي و الاعتيادي و الذي هو العلم عن خبرة.

و فيه‏: انّه إذا فرض ورود دليل على تنزيل الامارة منزلة القطع الموضوعي ابتداءً فقد يتم مثل هذا الاشكال عندئذٍ، و لكنه ليس كذلك بل الأثر الموضوعي للقطع لعله نادر أو غير معهود في الموالي العقلائية و إنّما هو من أحكام الشارع، و ترتيبه في موارد الامارات عند الميرزا يكون من جهة الإطلاق في أدلّة

____________

(1) () بل حتى على هذا الفرض لا بد من اخراج المقلّد عن المقسم لأنّ المنظور إليه الظن أو الشك المعتبرين لاستنباط الحكم الكلي عن دليله التفصيلي على ما تقدم في تعريف الاصول و ما يثبت بدليل التقليد للمقلد من أحكام الظن و الشك ليس كذلك و إنّما هو بمقدار حكم نفسه لكونه مقلداً لذلك المجتهد، و سيأتي توضيح ذلك.

نعم، هذا البحث أعني عموم الأحكام الظاهرية في موارد القواعد الاصولية للمجتهد و المقلد مؤثر في بحث آخر هو تخريج عملية الإفتاء الذي هو المقام الثاني‏

10

الحجّية المتعرضة لقيامها مقام القطع الطريقي و آثاره ابتداءً حيث يقال انّه يتحقق مصداق من العلم لدى الشارع فيترتب عليه أثره الموضوعي أيضاً إذا كان له أثر موضوعي.

و من الواضح انّ هذا الإطلاق و الدلالة لا يقتضي أكثر من ترتيب الأثر الموضوعي المترتب على العلم بما هو طريق لا بما هو خبرة أي طريق خاص، فإنّ هذه الخصوصية حيثية صفتية لا محالة لا يمكن استفادة التنزيل بلحاظها من الدلالة الاطلاقية.

ثمّ إنّ هنا اعتراضاً أساسياً على أصل هذا التقريب أولى من الاعتراضات المذكورة، حاصله: انّ هذا التقريب أيضاً لا يمكنه تخريج عملية الافتاء و حجّية الفتوى على القاعدة و من باب رجوع الجاهل إلى العالم في حكم مشترك بينهما بلا افتراض عناية زائدة و ايجاد موضوع للحكم الذي يراد التقليد فيه. و ذلك لأنّه بعد فرض اختصاص الأحكام الظاهرية بالمجتهد تكون العلمية مخصوصة به فهو يرتب ما له من الأثر الموضوعي في مورد الامارة كجواز الافتاء، و امّا حجّية الفتوى للمقلّد فهو أثر شرعي موضوعه المقلّد لا المجتهد و لا يثبت بدليل جعل الامارة علماً للمجتهد و اثباته بدليل حجّية الفتوى دور؛ لأنّ المفروض توقفه على كون المجتهد عالماً بالواقع امّا وجداناً أو بتعبد ثابت في حق المقلد و هو خلف فرض اختصاص ذلك الحكم الظاهري- سواء كان بلسان جعل الطريقية و العلمية أو غيرها- بالمجتهد.

فالحاصل‏: تنزيل علم المجتهد التعبدي أي قيام الخبر الواصل إليه منزلة العلم الوجداني بالواقع في جواز رجوع المقلّد إليه لا بد أن يثبت في حق المقلّد لكي‏

11

يقوم مقامه في الأثر الموضوعي و هو جواز التقليد و اثبات الحكم الواقعي المشترك بينهما به الذي هو معنى حجّية قول العالم للجاهل. و ثبوت ذلك للمقلد فرع ثبوت مفاد دليل صدق العادل الذي هو الحكم الظاهري المعبر عنه عند الميرزا بجعل الطريقية و العلمية في حق المقلّد و الذي لو ثبت في حقه لم يكن يحتاج إلى جعل العلمية بل كان نفس الحكم الظاهري باخبار المجتهد عن موضوعه ثابتاً في حق المقلّد و لو لم يكن لسان الدليل جعل العلمية، أمّا إذا ادّعي اختصاصه بالمجتهد كما هو مدعى الميرزا (قدس سره) في المقام فلا يترتب أثر القطع الموضوعي لعلم العالم بالواقع الثابت في حق المجتهد، و هو حجيته عليه في حق المقلّد، و هذا واضح.

و بعبارة مختصرة: المفروض انّ الحكم الظاهري مخصوص بالمجتهد فمهما كان لسانه و الآثار الطريقية أو الموضوعية المترتبة عليه سوف تكون تلك الآثار و الأحكام مخصوصة بأحكام المجتهد لا المقلّد إلّا إذا كان ذلك الحكم الظاهري ثابتاً في حق المقلّد أيضاً كالأحكام الواقعية.

ص 12 قوله: (و هناك تقريب ثان لعلاج مشكلة الافتاء...).

حاصله‏: أنّ دليل التقليد بنفسه و بلا حاجة إلى فرض عناية التنزيل يقوم بتنقيح موضوع نفسه كالاخبار مع الواسطة؛ لأنّ التقليد في كل مسألة يرجع إلى التقليد في موضوع حكم ظاهري للمقلّد بحسب الحقيقة، فالمقلد يرجع إلى المجتهد في ثبوت الحالة السابقة الوجدانية للمجتهد فينتج موضوع جريان الاستصحاب في حق المقلّد لأنّ المراد باليقين السابق في دليل الاستصحاب ما يعمّ العلم التعبدي و كذلك الحال في موارد العلم الإجمالي.

12

و يبقى الفحص فيقال بأنّ فحص كل شخص بحسبه و في الامارات أيضاً يقال بأنّ المجتهد يفتيه بوجود الخبر الموضوع للحكم الظاهري فيوصله بذلك إلى المقلّد و كذلك يوصل إليه كبرى حجّية الخبر فيكون حجة في حقه بعد تحقق تقليده للمجتهد في الصغرى و الموضوع أي محققاً لاطلاق جديد و فرد جديد من الحكم الظاهري نظير الفرد الثابت في حق المجتهد.

و في الاصول العملية يكون الشك حاصلًا للمكلف أيضاً، فإذا كان حكمه البراءة أفتاه بالكبرى و بعدم وجود حاكم عليها و الصغرى متحققة عنده فتثبت البراءة، و إذا كان الاحتياط الشرعي فكذلك و العقلي يكفي فيه عدم حكم المجتهد له بالبراءة و هكذا تتحقق عملية الرجوع إلى المجتهد بنحو طولي دائماً.

و هذا لا ينافي فرض اختصاص الأحكام الظاهرية بالمجتهدين؛ لأنّ المجتهد لم يفت المقلّد بالحكم الظاهري بل بموضوعه كالخبر فوصل بذلك إليه و هو أمر واقعي مشترك، و بحكمه و هو مقطوع به على تقدير تحقق موضوعه و هو الخبر بحسب الفرض. فهذا الوجه تام حتى على القول بالاختصاص.

و قد ناقش فيه الاستاذ بمناقشتين‏:

اولاهما- أنّ الفحص اللازم في حجّية الخبر أو الاستصحاب أو غيرهما لا يكفي فيه فحص المقلّد عن فتوى المجتهد بل لا بد في حجّية الخبر أو أي أصل أو أمارة اخرى من الفحص عما يكون مقدماً عليها أو معارضاً معها من الأدلّة الفقهية و هذا لا يتأتى من المقلّد.

إلّا أنّ هذه المناقشة سوف يجيب عنها الاستاذ في المسألة الثالثة من امكان‏

13

تقليد العامي للمجتهد في مسألة الفحص أيضاً لكون المراد به أمراً واقعياً مشتركاً بين العامي و المجتهد.

الثانية- أنّ هذا الوجه يستلزم أن لا يجوز للمجتهد أن يفتي المقلّد بالنتيجة الظاهرية الثابتة في حقه مع قطع النظر عن تقليد العامي له في المرتبة السابقة في موضوع تلك الوظيفة إذ لو لم تكن فتوى المجتهد حجة في حق ذلك المقلّد في موضوع تلك الوظيفة بأن رجع المقلّد فيه إلى المجتهد لم تكن تلك الوظيفة ثابتة في حق المقلّد حقيقةً فلا يجوز المجتهد أن يفتيه بها لكونه كذباً و خلافاً للواقع، و هذا خلاف الارتكاز المسلم به من أنّ المجتهد له أن يفتي بما يراه الوظيفة الشرعية لكونه يراها هي الوظيفة حتى في حق من لم يرجع إليه أو لا يجوز له الرجوع إليه و هذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الوظائف الظاهرية كالأحكام الواقعية مشتركة بينهما و لا يجدي في دفع هذا الاشكال أن يقول المجتهد هذا حكم اللَّه في حقي و حق من يجوز له تقليدي فإنّه ليس حكم اللَّه إلّا في حق من قلّده بالفعل لا من يجوز له تقليده و لو لم يقلده فيكون الاشتراك في طول التقليد بحيث لا يمكنه افتاء من لم يقلّده مثلًا لكونه كذباً و خلاف الواقع و هذا خلاف كون التقليد رجوعاً إلى العالم فيما هو مشترك بينهما مع قطع النظر عن التقليد و أنّه يرى حكمه حكماً لكل مكلف سواءً قلّده أم لا و لهذا يجوز الافتاء به و إن لم يجز للغير الرجوع إليه.

و إن شئت قلت‏: أنّ المشكلة بالدقة ليست في كيفية الافتاء- و إن كان ظاهر كلام الاستاذ ذلك أيضاً- فإنّه يمكن للمجتهد أن يفتي العامي حتى الذي لا يجوز له تقليده بالحكم الواقعي إذا كان قد حصل لديه أمارة أو أصل تنزيلي عليه و هو مشترك بحسب الفرض بينهما فإنّ لازم قيام ذلك عنده جواز اسناد مؤداه إلى‏

14

الشارع و أنّه هو الحكم الواقعي المشترك بين الجميع بحسب الفرض امّا لقيامها مقام العلم الموضوعي أو لكون جواز الاسناد و موضوعه الواقع.

نعم، في موارد الأحكام الظاهرية العملية غير التنزيلية يبقى الاشكال حيث انّ من لم يرجع إلى هذا المجتهد و تقليده لا يثبت في حقه ذلك الحكم الظاهري الذي استنبطه و لو لعدم وصوله إلى ذلك العامي و سوف يأتي حل لذلك.

و إنّما الاشكال في نفس عملية التقليد و حجّية فتواه للمقلّد فإنّ دليل الحجّية تجعل الحكم المشترك الذي علم به المجتهد الخبير منجزاً و حجة على المقلّد أيضاً و في المقام إذا اريد ارجاع العامي إلى المجتهد في الحكم الواقعي الذي بحسب الفرض جاز له الافتاء بعنوانه- لقيام الحجة عليه عنده- فالمفروض انّه غير خبير و لا عالم به و إن اريد ارجاعه إليه في الوظيفة الظاهرية الثابتة عليه فهو غير مشترك بينهما مع قطع النظر عن التقليد في المرتبة السابقة المحقّق لموضوع ذلك الحكم الظاهري في حق المقلّد، فيكون التقليد محققاً لهذا الحكم و موجباً لاشتراكه بينهما لا انّ هناك اشتراكاً في المرتبة السابقة خصوصاً إذا قلنا باختصاص الحكم الظاهري بالوصول كبرى و صغرى فيكون الاشتراك في طول التقليد في الصغرى و الكبرى معاً بل ليس اشتراكاً بحسب الحقيقة بل تحقيق فرد آخر من الحكم الظاهري. فهذا ما لا يقتضيه دليل التقليد خصوصاً السيرة العقلائية.

و منه يعرف انّ الاشكال الأساسي مخالفة هذه النكتة لأصل التقليد الموجب لحرماننا من دليل السيرة العقلائية الذي هو أهم دليل على التقليد، فإنّه يقتضي الرجوع إلى العالم في الحكم المشترك في المرتبة السابقة على التقليد.

15

مراجعة جديدة للبحث‏:

البحث عن انّ المقسم هل يختص بالمكلف المجتهد أو يعمّ المقلّد؟ ينبغي ايراده في جهات:

الاولى‏: امكانية هذا التقسيم في حق غير المجتهد في نفسه، و لا ينبغي الاشكال فيه لأنّه هو أيضاً كالمجتهد قد يقطع بحكم شرعي واقعي ضروري و قد لا يقطع و إنّما يحصل له ظن معتبر مقطوع الحجّية كالظن الحاصل من قول مقلَّده، و قد يجري استصحاب بقاء فتوى مقلَّده و عدم عدوله عنه. و قد يثبت فتوى مقلّده بخبر الثقة العدل بناءً على كفايته فيه و قد يجري أصالة الظهور في كلام مقلّده.

الثانية: انّ مقصود الاصولي من المقسم لا بد و أن يكون خصوص المجتهد لا الأعم؛ لأنّ نظره في التقسيم إلى الوظائف المقررة التي تقع في كبرى قياس الاستنباط، و لهذا لا يبحث في علم الاصول في بحث الظن عن حجّية الفتوى.

و أمّا حجّية ظهور كلام المجتهد للمقلد أو استصحاب بقاء رأيه و عدم عدوله عن فتواه فهي مجاري لُاصول موضوعية بحسب الدقة لا حكمية، أي تثبت الموضوع الخارجي و هو ما هو رأي و نظر المفتي.

إذاً فالتقسيم بلحاظ الوظائف المقررة في كبرى قياس الاستنباط و هي لا تكون للمقلّد.

و إن شئت قلت‏: انّ الوظائف الظاهرية التي يجريها المقلّد في طول الفتوى لاحرازها كلها وظائف ظاهرية في شبهة موضوعية لا حكمية كلية، و امّا نفس حجّية فتوى المجتهد و اخباره عن الحكم الكلي فهي و إن كانت وظيفة ظاهرية

16

في شبهة حكمية كلية للمقلد إلّا انّه ليس استنباطاً للحكم الشرعي بل وظيفة عملية لمن لا يريد بنفسه الوصول إلى الحكم الشرعي، و لهذا يكون في طول التقليد و لخصوص من قلّد ذلك المجتهد حتى بنظر المقلّد نفسه فهو لا يراه حكماً عاماً لكل أحد بخلاف الوظائف الاصولية المقرّرة كحجية الخبر مثلًا،

الثالثة: الوظائف الظاهرية المقرّرة في الاصول هل يختص موضوعها بالمجتهد أو يعم المقلّد واقعاً و إن كان لا يمكنه أن يستفيد منها؟ و لا اشكال هنا في عدم أخذ قيد المجتهد في موضوعها و إنّما توهم الاختصاص من ناحية انّ موضوعاتها قد اخذ فيها قيود لا تتيسر للمقلّد كالفحص عن عدم المعارض أو الحاكم أو عدم الدليل على الالزام في البراءة، أو اليقين السابق في الاستصحاب بل الوصول و العلم بالحكم الظاهري بناءً على شرطيته في كل وظيفة ظاهرية.

و الصحيح عدم الاختصاص حتى بهذا المعنى، إذ الوصول و العلم ليس قيداً حتى في الحكم الظاهري و إن كان شرطاً في التنجيز و التعذير. لما يأتي من وجود مبادئ حقيقية للحكم الظاهري و لو فرض قيديته فالقيد هو مطلق الوصول الأعم من العلمي و التعبدي و هذا ممكن في حق المقلّد و لو من جهة التقليد.

و اليقين السابق ليس شرطاً في الحكم بالاستصحاب و إنّما الشرط واقع الحالة السابقة و الفحص ليس له موضوعية بل هو طريق إلى عدم وجود المعارض أو الحاكم في معرض الوصول على ما هو مبيّن في الكتاب.

إلّا أنّ هذا لا يعني امكان استفادة المقلّد و تطبيقه بنفسه لتلك القواعد الظاهرية مباشرة لأنّه لا طريق له إلى احراز الحالة السابقة أو احراز عدم وجود المعارض و الحاكم إلّا دليل التقليد و هو لا يقتضي ذلك، فإنّه لا يقتضي حجّية نظر المجتهد

17

لمن يريد استنباط حكم شرعي كلي و إنّما غايته حجّية نظر المجتهد لمن يريد التقليد في النتيجة النهائية، و إلّا كان فحص كل مجتهد حجة للمجتهد الآخر، و هو كما ترى.

الرابعة: في كيفية تخريج عملية الافتاء و التقليد و الذي هو من باب رجوع الجاهل إلى الخبير و العالم بحكم مشترك بينهما. فإنّه بعد أن كانت تلك الوظائف المقررة مقيدة لباً بقيود لا تتحقق عادة في حق المقلد فبما ذا يفتي المقلّد هل يفتيه بالحكم الواقعي؟ أو بالوظيفة الظاهرية؟ و الأوّل خلف فرض عدم علمه به- في موارد تلك الوظائف الظاهرية- و الثاني المفروض اختصاص موضوعاتها لباً بالمجتهد لا المقلّد. و يزداد الاشكال في الأحكام المتعلقة بغيره التي ليست متعلقة في حق المجتهد لعدم ابتلائه بموضوعها فإنّها لا وظيفة ظاهرية و لا حكم فعلي في حقه أيضاً فبما ذا يفتي؟

و قد اجيب عنه بوجوه‏:

1- ما نسب إلى الشيخ من استفادة النيابة و التنزيل من دليل التقليد فشك المجتهد و يقينه و ظنه و فحصه منزل منزلة الشك و اليقين و الظن للمقلد.

و فيه‏: عدم الدليل على استفادة مثل هذا التنزيل من أدلّة التقليد خصوصاً إذا كان مهم الدليل عليه السيرة العقلائية و الأدلّة اللفظية امضائية لها إلّا إذا انحصر الأمر في ذلك بحيث لم يكن وجه آخر محتمل فتتشكل دلالة الاقتضاء مثلًا.

على انّ لازمه عدم امكان افتائه لغير من قلّده بالفعل و هو خلاف الارتكاز كما ذكر في الكتاب.

2- ما ذكره السيد الخوئي في الأمارات و الاصول التنزيلية كالاستصحاب من‏

18

إمكان الافتاء بالواقع لكونه ببركة ذلك يصبح عالماً تعبداً به و إن كان متعلقاً بحكم غير المجتهد، نعم في الاستصحاب في مثل نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره بحيث يكون للمقلد أيضاً يقين سابق و لو بالتقليد بالنجاسة و شك لاحق يمكن أن يفتيه بالحكم الظاهري.

و أمّا في الاصول غير التنزيلية كالاحتياط و التخيير و البراءة فيفتيه بالحكم الظاهري لاشتراكه و لو بعد فحصه بنفسه و عدم وجدان الدليل على الالزام، لا الواقع لعدم جريان البراءة في حق المجتهد إذا كان غير مبتلى به و لو جرى لم يكن علماً تعبدياً.

و يرد عليه الوجوه الثلاثة في الكتاب. و لو فرض تغيير المبنى و افتراض انّ الافتاء بالواقع موضوعه الواقع لا العلم و الامارة أو الأصل التنزيلي يثبته بحسب الفرض ارتفع الاشكالات كلها.

إلّا أنّ هنا اشكالًا رابعاً متجهاً على كلا التقديرين و التقريرين و هو روح الاشكال، و حاصله: انّ قصارى ما ذكر جواز الافتاء و الاخبار للمجتهد بالواقع و امّا التقليد و الرجوع إلى المجتهد لا يكون من باب الرجوع إلى الخبير في أمر مشترك بينهما إذ لو اريد الرجوع إليه في الحكم الواقعي فالمفروض انّه لا خبرة حقيقية للمجتهد به- و الذي هو ملاك السيرة العقلائية لا عنوان الخبرة ليقال بحصول التنزيل و الاعتبار فيه- و إن جاز له الافتاء به تكليفاً كما إذا جاز شرعاً الاخبار بلا علم أصلًا فإنّ هذا لا يجعل المجتهد خبيراً.

و دعوى‏: انّ مفاد و مدلول ذلك الحكم الظاهري عام و مشترك بين المقلد و المجتهد بخلاف الحكم الواقعي المختص كالقضاء و الافتاء.

19

مدفوعة: بأنّ هذا مجرد لسان و صياغة للحكم الظاهري ليس واقعه إلّا تنجيز أو تعذير شرعي ظاهري عن الواقع و هو منوط بموضوعه كما لا يخفى.

و إن كان المقصود الرجوع إليه في الحكم الظاهري و الوظيفة التي شخّصها حقيقة بخبرته و علمه فالمفروض انّه مختص به موضوعاً.

و هكذا يتضح انّه لا بد من التفكيك بين مسألة جواز الافتاء بالواقع في موارد بعض تلك الوظائف المقررة و بين مسألة جواز التقليد و الرجوع إليه فيه بعنوان كونه خبيراً بحكم مشترك بينهما فتدبر جيداً.

كما انّه يرد على ما في ذيل كلامه من انّه كيف يكون المقلد مجرىً للبراءة مع فرض تقيدها بالفحص و لم يفحص المقلد؟ و كذلك في الاستصحاب فلا بد من التنزيل الذي لا دليل عليه.

3- أن يقلّده في موضوع الحكم الظاهري و الوظيفة الشرعية المقررة كأن يقلده في حكمه بنجاسة الماء المتغير بالنجاسة مثلًا، ثمّ هو يجري استصحاب بقاء النجاسة إلى ما بعد زوال التغيّر، لا انّه يقلده في ذلك أيضاً- كما لو كان المجتهد لا يرى مثلًا جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية- أو يقلده فيه أيضاً لو كان يقول بجريانه، فيكون موضوع الحكم الاستصحابي و هو اليقين السابق و لو تعبداً أو واقع الحالة السابقة- بناءً على كفاية الحدوث في جريان الاستصحاب- محرزاً له بالتقليد السابق؛ و مثله لو قلده في موضوع أصالة الاحتياط من العلم الإجمالي بالتكليف غاية الأمر يكون للمقلد علماً اجمالياً تعبدياً لا وجدانياً.

و هكذا فيصبح في طول التقليد في حكم واقعي موضوعاً لنفس الوظيفة

20

الظاهرية.

و هذا الوجه فيه المحذور الأوّل من المحذورين المتقدمين على الوجه الأوّل و هو عدم إمكان افتاء المجتهد لمن لم يقلده في المرتبة السابقة و هو خلاف الارتكاز؛ كما انّ فيه محذور آخر حاصله انّ المقلد لو أراد أن يطبق كبرى الوظيفة الظاهرية بنفسه ابتداءً فدليل التقليد في موضوعها لا يشمله كما تقدم، و إذا أراد أن يقلد المجتهد في الكبرى و انطباقه عليه في الموارد من سائر النواحي كالفحص و عدم الحاكم و نحوه فهذا فرع واقعية الحكم الظاهري من تلك النواحي فيتوقف على ما سيأتي في الوجه القادم من عدم اختصاص الأحكام الظاهرية المقررة بالمجتهد.

4- أن يقلده في الحكم الظاهري لكونه حكماً واقعياً له موضوع واقعي يحرزه المجتهد للمقلد إلّا من ناحية الشك بمعنى عدم العلم و هو محفوظ لدى المقلد أيضاً في غير مورد الضروريات و المسلمات الفقهية، فيكون مشمولًا للأحكام الظاهرية التأمينية أو التنجيزية الشرعية بناءً على واقعية مبادئها و انحفاظها حتى لمن لم يحرز موضوعاتها، و هو من الرجوع إلى الخبير في حكم واقعي مشترك بينهما يحرزه المجتهد للمقلد و يوصله إليه على حدّ ايصال الحكم الواقعي.

و هذا الجواب يتم في الأمارات لأنّ موضوع الوظائف فيها واقع الخبر أو الظهور أو الشهرة أو غير ذلك، و امّا الفحص فإن كان أمراً طريقياً إلى واقع عدم وجود الحاكم أو المعارض في معرض الوصول فكذلك و إن كان للفحص موضوعية كما لو استفيد ذلك من دليل هلا تعلّمت. فنقول: انّ هذا تخصيص لإطلاق أدلّة تلك الأحكام الظاهرية فنقول: بأنّ المقدار الذي يقتضيه المخصّص‏

21

و لو بضميمة أدلّة التقليد ليس بأكثر من فحصه بنفسه أو فحص الخبير فإنّه لا وجه لأكثر من هذا المقدار من التقييد و التخصيص.

و امّا الاصول العملية فبالنسبة للحكم الظاهري الاستصحابي، إن قلنا بأنّ موضوعه واقع الحالة السابقة فهو أمر واقعي مشترك أيضاً فيكون يقين المجتهد طريقاً محضاً لاحرازه للمقلد، و إن قلنا بموضوعية اليقين السابق كان الحكم الاستصحابي ثابتاً لمن قلّده في ذلك لأنّه يثبت في حقه الحالة السابقة بالحجة و العلم التعبدي، و المقرر في محله جريان الاستصحاب في ذلك. و بالنسبة للفحص اللازم في جريان الاصول فقد عرفت حاله.

و أمّا الاصول غير المحرزة فبالنسبة إلى الفحص قد عرفت الحال و بالنسبة إلى عدم العلم فهو مشترك بحسب الفرض بين المقلّد و المجتهد. يبقى حجّية الظن عند الانسداد على الحكومة.

و الصحيح فيه انّه أيضاً مرجعه إلى استكشاف عدم ايجاب الاحتياط في المشكوكات و الموهومات عند المجتهد الخبير حتى على مقلّديه، و الاحتياط الثابت بحكم العقل في غيرهما من أوّل الأمر على الجميع.

و أمّا البراءة العقلية على القول بها فالرجوع إلى المجتهد من قبل المقلّد في موردها يكون بمعنى الرجوع إليه في تحقق شرطها و هو أمر واقعي مشترك و هو عدم وجود حكم واقعي أو ظاهري الزامي أو ايجاب احتياط رافع لموضوع البراءة العقلية، و هذا معناه التأمين الشرعي الظاهري للمقلّد من ناحية عدم الفحص فقط.

و أمّا كبرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا بد و أن يحكم به عقله، و لا يعقل فيه‏

22

التقليد إلّا بمعنى جعل حكم ظاهري ترخيصي شرعي لو فرض ورود دليل التقليد في هذا المورد بالخصوص.

فالحاصل المقلد يرجع إلى المجتهد في الأحكام الواقعية المشتركة و هي امّا معلومة بنفسها أو معلوم مقدار تنجزها و ثبوتها التنجيزي أو التأميني الشرعي، و هو أمر واقعي مشترك إلّا في الاستصحاب بناءً على موضوعية اليقين السابق و كذلك في موارد منجزية العلم الإجمالي حيث يكون التقليد فيهما طولياً أي بعد احراز موضوع الحكم الظاهري بالاستصحاب أو احراز موضوع التنجيز العقلي.

و أمّا لسان الافتاء و الفتوى فذاك أمر اثباتي و مربوط بعالم الصياغة كما هو مقرّر من قبل سيدنا الشهيد (قدس سره).

و نلخص البحث كلّه بأنّ هناك مشكلتين كلتاهما يمكن حلهما على كلا المسلكين.

اولاهما- كيفية افتاء من لا يقلد هذا المجتهد بالحكم الظاهري الثابت في حقه، حيث انّ الارتكاز الفقهي قائم على أنّ له أن يفتيه بذلك و انّه حكم اللَّه في حقه أيضاً بحسب نظره و لو فرض انّه لم يجز لذلك العامي أن يقلّده.

ثانيتهما- كيفية تخريج تقليد العامي له في موارد الحكم الظاهري على القاعدة أي من باب رجوع الجاهل إلى العالم في حكم ثابت في حقه بقطع النظر عن التقليد.

امّا حل المشكلة الاولى ففي مورد الأمارات و الاصول التنزيلية يوجد حلّان يتمان على كلا المسلكين:

23

1- الافتاء بالحكم الواقعي المشترك امّا من باب قيام الأمارة و الأصل التنزيلي مقام القطع الموضوعي في هذا الأثر و هو جواز الافتاء و الاسناد أو من جهة كونه أثراً للواقع لا للعلم به كما هو الصحيح.

2- الافتاء بالحكم الظاهري حتى لمن لا يقلده امّا على مسلك وجود المبادئ للحكم الظاهري فلثبوته في حق العامي الشاك في المسألة- و هو أحد أجزاء موضوع الحكم الظاهري- و كون سائر أجزاء الموضوع امور واقعية و امّا على مسلك اختصاص الحكم الظاهري بالوصول فلأنّ الوصول عندهم شرط الفعلية لا الجعل فيمكنه أن يفتيه بكبرى الجعل و صغراه من غير ناحية الوصول، و هما أمران واقعيان، غاية الأمر لا يكون ذلك الحكم الظاهري فعلياً في حق غير من يكون رأيه هذا حجة في حقه حيث يتحقق الوصول بذلك و لا ارتكاز على خلاف ذلك في باب الأحكام الظاهرية، فكأنّ الفتوى هي أنّ من يكون رأيي و اخباري حجة له يكون الجعل الظاهري المذكور فعلياً في حقه، و هذا من لوازم اشتراط الوصول في الحكم الظاهري في تمام الموارد حتى الامارات المثبتة لها في حق المجتهد و يلتزم به القائل بهذا المسلك في تمام الموارد حيث يكون الوصول قيداً في مؤداها و موضوعها لباً.

و هذا يعني- بعد فرض كون المجعول الفعلي أمراً وهمياً- أنّه يفتيه بكبرى الجعل المقيد بالوصول، بينما على المسلك الآخر يخبره بكبرى الجعل غير المقيد بالوصول، فالاشكال كان ناشئاً من تصور كون الافتاء بالحكم الظاهري بمعنى المجعول الفعلي و المفروض انّه أمر وهمي تصوري و الأمر الحقيقي هو الاخبار أو الافتاء بالكبرى و الصغرى.

24

و في موارد الاصول و الأحكام الظاهرية غير التنزيلية يمكنه الافتاء بالحكم الظاهري الفعلي على القول بوجود مبادئ للحكم الظاهري؛ إذ موضوع هذه الأحكام الشك و هو محرز في حق العامي على كل حال و عدم وجود حاكم في معرض الوصول ثابت بحسب فحص المجتهد و على القول الآخر أيضاً يمكنه الافتاء بجعل ذلك الحكم الظاهري كبروياً و بصغراه من غير ناحية الوصول أي بالحكم الظاهري لمن يصل إليه ذلك و لو بنفس حجّية فتواه له، و قد قلنا انّه ليس على خلاف الارتكاز بناءً على أخذ الوصول شرطاً في الفعلية.

و التعبير بالافتاء بالحكم الظاهري الفعلي أو بالكبرى و الصغرى مطلب واحد يختلفان في التعبير بناءً على ما هو الصحيح من انّ المجعول الفعلي أمر وهمي فلا فرق من هذه الناحية بين المسلكين. نعم، الفرق بينهما من حيث انّ الجعل أي الكبرى المخبر به على الأوّل ليس الوصول قيداً فيه و على الثاني يكون قيداً فيه و هذا يلتزم به صاحب المسلك الثاني كما قلنا في تمام أدلّة الأحكام الظاهرية، و لهذا قلنا انّه ليس فيه ما يخالف الارتكاز بالدقة.

و أمّا حل المشكلة الثانية فلأنّ الشك الموضوع لبّاً لكلّ الأحكام الظاهرية ثابت بحسب الفرض للعامي و الظن الذي يراد به الظن النوعي المتمثل في الامارة كالخبر و الظهور و نحوهما أمر واقعي، و كذلك عدم وجود حاكم أو معارض في معرض الوصول و الاستصحاب ركنه ثبوت الحالة السابقة واقعاً و هو أيضاً أمر واقعي مشترك فيكون رجوع العامي إلى المجتهد لأخذ الكبرى و الصغرى رجوعاً في أمرين واقعيين ثابتين في حقه أيضاً، غاية الأمر على مسلكنا من ثبوت المبادئ للأحكام الظاهرية و عدم اشتراط الوصول ثبوت هذا المقدار يستلزم ثبوت الحكم الفعلي الذي هو أمر وهمي، و على مسلك‏

25

الميرزا (قدس سره) يكون الجعل مقيداً لباً بالوصول الحاصل في المقام بنفس تقليده في الكبرى و الصغرى من ناحية الوصول فيكون التقليد في الكبرى و الصغرى من غير ناحية الوصول تقليداً على القاعدة غاية الأمر ترتب الأثر العملي المهم للمقلّد و هو رفع منجزية احتمال الالزام الواقعي في كل مسألة إنّما يترتب في طول التقليد، و هذا أمر مشترك بين المسلكين فاننا لو قلنا بأنّ الحكم الظاهري غير مشروط بالوصول أيضاً لا ترتفع المنجزية العقلية قبل التقليد عن العامي لأنّ ثبوت الحكم الظاهري و مباديه الترخيصية واقعاً لا يكفي لرفع المنجزية العقلية للشبهة من دون اجتهاد أو تقليد كما هو واضح.

و هذا يعني- بعد فرض انّ حقيقة الحكم الفعلي و المجعول أمر وهمي- انّه لا فرق حقيقي بين المسلكين في مسألة التقليد إلّا من ناحية أنّ الجعل و كبرى الحكم الظاهري الذي هو أمر واقعي ثابت يقلده فيه العامي على مسلكنا لا يكون مقيداً بالوصول، و على مسلك الميرزا مقيد بالوصول، و هذا فرق في مؤدّى المحكي بالفتوى و الحجة لا نفس الحجّية و التقليد و لا في ترتب الأثر العملي، و هو رفع المنجزية الفعلية الثابتة قبل التقليد، فعلى كلا المسلكين المنجزية ثابتة عقلًا قبل التقليد، و على كليهما التقليد رجوع إلى العالم في اثبات أمر واقعي ثابت بقطع النظر عن التقليد مفيد في رفع المنجزية في حق المقلّد و هو كبرى الجعل و صغراه، و على كلا المسلكين أيضاً يكون نفس هذا التقليد رافعاً للمنجزية و مثبتاً لذلك الحكم الظاهري المؤمن و إنّما الفرق انّه على أحدهما ما يفتيه به المجتهد من كبرى الحكم الظاهري قد اخذ في موضوعه شرط الوصول و الآخر لم يؤخذ ذلك؛ فالفرق في المفتى به اطلاقاً و تقييداً بالوصول لا في حجّية الفتوى.

26

و هذا الفرق في المفتى به يلتزم به من يقول بشرطية الوصول في الحاكم الظاهري في تمام أدلّة الأحكام الظاهرية حتى في حق المجتهد نفسه، فما يكون أمراً مشتركاً و حكماً موضوعياً ثابتاً في حق المجتهد يكشفه بالدليل بنفسه يكون ثابتاً للمقلد يكشفه بالتقليد.

و هذا التحليل يوضح لنا كيف انّ كل هذا الاشكال نشأ من تصور أنّ الفتوى يكون بالحكم الفعلي و انّ عالم المجعول الفعلي أمر حقيقي كما هو مسلك الميرزا، فهذه المسألة كأنّه استرسل فيها سيدنا الشهيد (قدس سره) تأثراً بطرز تفكيرهم من التفكيك بين مرحلة الجعل و المجعول الفعلي. حيث انّه إذا كان اللازم هو الافتاء بالمجعول الفعلي في حق المقلد اتجه المحذور و احتجنا في مقام رفعه إلى الافتاء بالحكم الواقعي أو بالحكم الظاهري لمن يقلّده و أن يكون التقليد في الكبرى و الصغرى من غير ناحية الوصول و يتحقق الوصول بنفس التقليد فيهما، و عندئذٍ قد يقال أنّه خلاف الارتكاز و خلاف كون الحكم الفعلي مشتركاً ثابتاً في حق العامي قبل التقليد.

و امّا إذا قلنا أنّ الافتاء بالمجعول الفعلي ليس إلّا عبارة عن الافتاء بكبرى الجعل و بصغراه لأنّهما الأمران الحقيقيان و امّا تولّد المجعول الفعلي منهما فهو أمر وهمي تصوري، فالتقليد على كل حال يكون في الكبرى و الصغرى من غير ناحية الوصول، و هما أمران واقعيان و المقلّد يشخصهما في حق نفسه كما في الأحكام الواقعية تماماً غاية الأمر يكون الفرق في أخذ قيد الوصول و عدمه في موضوع الكبرى و هذا فرق بين المسلكين فيما يفتى به لا في أصل الفتوى، فلا محذور لا في الافتاء و لا في التقليد، و يكون هذا نظير افتاء المجتهد بوجوب القصر في الصلاة على العالم به و لو بنفس التقليد، و نظير ثبوت الأحكام الظاهرية

27

في حقّ المجتهد نفسه بأدلّتها التفصيلية و امّا لزوم التقليد فعلى كلا المسلكين يكون لرفع المنجزية الثابتة في كل شبهة قبل التقليد أو الاجتهاد على المكلفين جميعاً.

و التقليد على أحد المسلكين و إن كان محققاً لأحد أجزاء الموضوع- الصغرى- إلّا انّه يتحقق بنفسه في طول التقليد في الكبرى و الصغرى من غير ناحية الوصول التي هي امور واقعية مشتركة بحسب الفرض فلا يكون الاشكال في حقيقة التقليد فيما يرجع فيه إلى المجتهد.

نعم، قد يسأل عن وجه لزوم هذا التقليد في الأمر المشترك ليصل إلى العامي فيتنجز أو يثبت التأمين في حقه، و الجواب أنّ وجه لزومه على كلا المسلكين واحد و هو رفع المنجزية القبلية للأحكام الواقعية المعلومة اجمالًا بل المحتملة أيضاً، لكون الشبهة قبل الفحص. و على هذا الأساس لا بد من فرض أصل الاشكال على أساس مسلك الميرزا القائل بالحكم الفعلي المجعول و انّ الافتاء لا بد و أن يكون به لا بمنشئه دائماً و هو الصغرى و الكبرى، و ينبغي تغيير منهج البحث على هذا الأساس، فراجع و تأمل.

ص 17 قوله: (ثمّ انّه يمكن أن يستشكل في حجّية رأي المجتهد المفضول...).

الاشكال في كيفية حصول اليقين مع الاعتراف بأعلمية الآخر أو احتماله مع العلم بوجود الخلاف بل و احتماله أيضاً.

و قد اجيب عليه في الدورة السابقة بأنّ المجتهد غير الأعلم بالرجوع إلى الأعلم تنقلب وظيفته من عدم وجدان الحجة مثلًا على الالزام إلى الحجة التي‏

28

وجدها الأعلم بأعلميته من ظهور أو سند أو اجماع أو غير ذلك، و هذا لا يقدح في حجّية ذلك الحكم الظاهري بالفعل لغير الأعلم إذا كان قد فحص بمقدار وسعه في المسألة و لم يجد ما يدله على الالزام فإنّه لا يستفاد من مجموع أدلّة وجوب الفحص العقلائية أو الشرعية- كروايات هلا تعلّمت- أكثر من هذا المقدار من الفحص أي فحص كل خبير بحسب ما لديه من القدرة و الخبرة، كما و انّه يمكن أن ينقض بمثل ذلك في الأعلم، فإنّه قد يتحقق مثل هذا الاحتمال في حقّه أيضاً إذا احتمل وجود حجة و لو اتفاقاً لدى غيره المفضول أو المساوي له.

إلّا أنّ كلا هذين الجوابين قد عدل عنهما السيد الشهيد في الدورة الثانية لعدم تماميتهما. أمّا الثاني فلأنّه من المعقول دعوى حصول الاطمئنان عادة للأعلم بعدم وجود حجة كذلك بعد استكمال فحصه و لو فرض عدم استكمال الفحص أو احتمال خصوصية في مورد يلتزم فيه بوجوب الفحص عن مدرك غير الأعلم أو المساوي هناك أيضاً.

و امّا الأوّل فلأنّه:

أوّلًا- أدلّة الفحص مطلقة تشمل كل مورد يحتمل فيه أن يحصل على حجة و لو لدى الأعلم، لأنّ هذا الفحص في وسعه أيضاً كالفحص عن الأدلّة في سائر مظانّها و عند العلماء و الفقهاء السابقين فأي فرق بين مورد و مورد؟

و ثانياً- كثيراً ما يكون احتمال الاختلاف بينه و بين الأعلم من باب احتمال التخطئة، أي لا يكون من باب رفع الموضوع للحكم الظاهري بل رفع المحمول كما لو احتمل الخطأ في تشخيص الحكم الواقعي أو في أصل الحكم الظاهري بمعنى أنّه حصل على امارة على الترخيص مثلًا يحتمل انّه لو يراجع الأعلم يثبت‏

29

خطأه فيكون شكه في أصل ثبوت هذا الحكم الظاهري الترخيصي لا من ناحية مقدار الفحص ليقال بكفاية هذا المقدار من الفحص و كذلك لو كان الشك في أصل صحة كبرى الحكم الظاهري الترخيصي الذي تمسك باطلاقه في كل مورد، فمسألة كفاية هذا المقدار من الفحص إنّما تجدي فيما إذا كان تمامية أصل ذلك الحكم الظاهري الترخيصي و إطلاق دليله ثابتاً مقطوعاً به عندهما و ليس تمام موارد الحكم الظاهري كذلك كما هو واضح.

و الصحيح في الجواب في الجملة: ما في الكتاب من إمكان حصول الجزم أو الاطمئنان لغير الأعلم امّا باعتبار أنّ مجموع المسائل الاستدلالية و مدارك كل مسألة كثيرة و نسبة الاختلاف ضئيلة بحيث يكون في قباله اطمئنان بالعدم بناءً على قبول حجّية الاطمئنان في أمثال المقام بالنكات المذكورة في الكتاب.

أو باعتبار التفاتة إلى نظر الأعلم في مسألة خاصة بالتمام و الالتفات إلى نكتة زائدة، ممّا يوجب نفي احتمال غفلته عن شي‏ء آخر عادة و جزمه بتمامية فحصه. أو باعتبار انّ المسألة مما ترجع إلى نكات ذاتية و ذوقية أو استظهارية غير قابلة للبحث و النقاش، إلّا أنّه في غير هذه الحالات لو فرض الالتفات و التوجّه و بقاء احتمال معتدّ به بوجود دليل أو نكتة لدى الأعلم لو علم بها لتغيّر نظره فلا محالة ينتفي الجزم لديه، من دون الرجوع إلى مدرك فتوى الأعلم المخالف معه في المسألة فيلتزم بوجوب الفحص فيه.

ص 20 قوله: (الجهة الثانية: في الأقسام...).

أشكل صاحب الكفاية على التقسيم الثلاثي باشكالين:

الأوّل‏: التداخل في الأقسام حيث انّ الظن غير المعتبر ملحق بالشك من‏

30

حيث الحكم.

و اجيب عنه بثلاث أجوبة:

1- المراد بالظن خصوص المعتبر كما لعله ظاهر تعبير الشيخ في بحث الاصول العملية، ذكره السيد الخوئي.

و فيه‏: مضافاً إلى انّه خلاف ظاهر الظن و خلاف المنهجية أيضاً إذ المنظور في التقسيم الرتبة السابقة على الاعتبار الشرعي و الحجّية لبيان موضوعاتها المتنوعة فلا معنى لأخذ الاعتبار قيداً في هذه المرتبة.

2- أنّ الملحوظ امكان الحجّية و امتناعها و ضرورتها لا فعليتها فلا يلزم التداخل. ذكره الميرزا في الأجود و السيد الخوئي في المصباح.

و فيه‏: أنّ الامكان ثابت للشك أيضاً إلّا إذا اريد بالشك مجموع الاحتمالين لا أحد طرفيه و هو بلا موجب و لهذا لم يكن المراد بالظن إلّا أحد الاحتمالين أيضاً.

و دعوى‏: أنّ أحد الاحتمالين في الشك غير قابل لجعل الكاشفية و الحجّية له بخلاف الظن.

يدفعها: بأنّ الكاشفية التعبدية يمكن جعلها له و لهذا جعلت في الاستصحاب باعتراف هذا العلم. هذا مضافاً إلى انّ الملحوظ و المهم ليس هو إمكان الحجّية بل الحكم الظاهري الفعلي و الظن غير المعتبر حكمه الفعلي حكم الشك بحسب الفرض فالتداخل بلحاظ ما هو المهم ثابت.

3- ما ذكره الميرزا في الفوائد من انّ التقسيم باعتبار مرتبة أسبق من الاعتبار من أجل تقسيم مواضيع الكتاب فلا بد من جعل موضوع القسم الثاني الظن لكي‏

31

يبحث فيه عن اعتباره و عدمه و ما هو معتبر منه و ما لا اعتبار له لا خصوص الظن المعتبر. فالتثليث بلحاظ الأنواع التكوينية الثلاث لدرجات التصديق و الكشف من اجل البحث عن حكم كل قسم منها امكاناً و وقوعاً. و هذا منهج تدويني صحيح.

الثاني‏: انّ أحكام القطع غير مختص بما إذا تعلق بالحكم الواقعي بل يشمل القطع بالحكم الظاهري أيضاً فلا بد من جعل التقسيم ثنائياً من انّه امّا أن يحصل له القطع بحكم شرعي أو لا كما في الكفاية.

و فيه‏: انّ الملحوظ سواءً كان تقسيم البحث أو بيان حكم كلي من العناوين الثلاثة لا بد من جعل التقسيم ثلاثياً، لأنّ مناط و ملاك كل حكم ظاهري لا بد من ابرازه.

و إن شئت قلت: انّ القطع بالحكم الظاهري و إن كان ملحقاً بالقطع بالحكم الواقعي من حيث آثار القطع إلّا أنّ ما هو المهم هو البحث عن ثبوت نفس ذلك الحكم الظاهري و المفروض انّ موضوعه الظن و الشك كما لا يخفى كيف و لو كان النظر إلى النتيجة النهائية لأمكن ارجاع الجميع إلى عنوان واحد و هو تشخيص الوظيفة القطعية سواء كانت حكماً شرعياً واقعياً أو ظاهرياً أو حكماً عقلياً.

لا يقال‏: لو جعلنا التقسيم ثلاثياً يلزم التداخل حيث يدخل الظن و الشك المعتبرين في القطع بالحكم الظاهري من حيث احكامه.

فإنّه يقال‏: ليس هذا من التداخل لأنّ دخولهما من حيث القطع بالحكم الظاهري في أحكام القطع لا ينافي ثبوت أحكام الظن و الشك عليهما من حيث هما ظن و شك أي بحسب الحقيقة يكون في مورده موضوعان أحدهما الظن‏

32

و الشك و الآخر القطع بحكم هذا الظن و الشك، و الأوّل ملحق بأحد القسمين الأخيرين، و الثاني بالقسم الأوّل، و ليس هذا من التداخل في الأحكام.

نعم، قد يقال: بلحاظ منهجة البحث ينبغي جعل المراد من الحكم في المقسم الواقعي الذي هو الحكم المنجز و يكون المراد بيان حكم القطع و الظن و الشك من حيث تنجيز ذلك الحكم و عدمه في مواردها فلأجل أن لا يتداخل الأقسام في منهج البحث لا بد من جعل المراد بالحكم في المقسم الواقعي بالخصوص لأنّ الأثر المهمى الملحوظ هو التنجيز و التعذير و لا يكون إلّا بلحاظ الحكم الواقعي فيكون التقسيم ثلاثياً و متعلق الأقسام الثلاثة هو الحكم الواقعي بالخصوص.

و بعبارة اخرى: حيث انّ هذا التقسيم يكون بلحاظ ما هو موضوع الأحكام الظاهرية و القابلة للتنجيز و التعذير فكان لا بد من ارادة الحكم الواقعي لكي لا يتداخل الأقسام. و هذا لا يمنع عن معقولية البحث ثبوتاً عن احكام القطع و الظن و الشك فيما إذا تعلقت بالأحكام الظاهرية و جريان الحكم الظاهري عن الحكم الظاهري، و هذا صنعناه في الكتاب من التفكيك بين الحيثيتين.

إلّا أنّ هذا ليس من التداخل كما ذكر أوّلًا و كون المنجز هو الحكم الواقعي لا يقتضي تخصيص الحكم المتعلق بالأقسام الثلاثة بالواقعي بالخصوص لو فرض جريان الحكم الظاهري عن الحكم الظاهري.

و أمّا البحث في الجهة الثالثة، ففي معقولية اجراء الوظائف الظاهرية بلحاظ الشك أو الظن في الأحكام الظاهرية و عدمها.

و التحقيق أن يقال: انّ اجراء الوظائف المذكورة بلحاظ الشك أو الظن في الأحكام الظاهرية يمكن أن يراد به أحد معنيين.

33

الأوّل‏: اجرائها عنها كما تجري عن الأحكام الواقعية من أجل التنجيز و التعذير بلحاظها، و هذا المعنى غير معقول لما ثبت في محلّه من أنّ الأحكام الظاهرية أحكام طريقية ليس لها مبادئ نفسية، و من هنا لا يعقل لها منجزية و معذرية مستقلة عن الواقع، و إنّما هي تنجز الواقع و تعذر عنها، فلا معنى لاجراء التنجيز عن تنجيزها بل يكون التنجيز أو التعذير بلحاظ الواقع و مبادئه النفسية دائماً.

لا يقال‏: فكيف تجري أصالة الاشتغال في موارد قيام الحجة الظاهرية على الالزام اجمالًا كالبينة على نجاسة أحد إناءين، فإنّ الحكم الواقعي ليس معلوماً حتى اجمالًا، بل مشكوك بحسب الفرض فتجري عنه البراءة لو لا منجزية الحكم الظاهري في نفسه.

فإنّه يقال‏: قيام الحكم الظاهري الإجمالي يوجب تساقط الاصول الشرعية المؤمنة في الطرفين لمنافاتها و تناقضها مع نفس الحكم الظاهري الالزامي و الحجة الإجمالية، و امّا البراءة العقلية على القول بها فلا تجري مع العلم بالحجة الإجمالية على الالزام كما ذكره القائلون بها، فيكون حكم العقل بالاشتغال و التنجيز بلحاظ الحكم الواقعي المحتمل لا محالة و إن كان لقيام الحجة الالزامية دخل في حكم العقل بالتنجيز حتى على مسلك حقّ الطاعة لوضوح انّ حق الطاعة في مورد العلم الإجمالي و لو بالاهتمام الظاهري المولوي أشد و آكد من موارد الشك المجرد.

ثمّ انّه يترتب على ما ذكر أن يكون موارد مخالفة الواقع عصياناً لا تجرياً خلافاً لما في الكتاب.

34

الثاني‏: جريان الوظائف المذكورة في الظن و الشك المتعلقين بالحكم الظاهري فيقعان موضوعاً لتلك الوظائف رغم أنّ التنجيز أو التعذير الحاصل بجريان تلك الوظائف إنّما يكون بلحاظ الحكم الواقعي، و هذا هو معنى جريان الوظائف الظاهرية عن الظن و الشك المتعلقين بالأحكام الظاهرية لا المعنى الأوّل.

و الصحيح هنا التفصيل بين الأمارات و الاصول التنزيلية فإنّها تجري عن الحكم الظاهري إذا قامت عليها كما في اثبات الظهور بالخبر أو حجّية الخبر بالظهور الكتابي أو اثبات البراءة الشرعية أو أيّة قاعدة ظاهرية بالخبر أو الظهور و كلها من قيام الظن المعتبر على حكم و وظيفة ظاهرية، و كذلك استصحاب الحجّية إذا شك في بقاء حجّية خبر الثقة مثلًا أو نسخها و كذلك استصحاب البراءة الشرعية، من دون فرق في ذلك بين مسلك اختصاص الأحكام الظاهرية بالوصول و عدمه لأنّ هذا وصول لها أيضاً فإنّهم لا يقصدون بالوصول الوصول الوجداني بالخصوص.

و امّا الاصول غير التنزيلية كالبراءة أو الاحتياط الشرعيين فإذا قلنا بمسلك الاختصاص بالوصول لم يكن معنى لاجرائهما عن الشك في الحكم الظاهري إذ عند الشك و عدم وصول الحكم الظاهري المشكوك و لو بالحجة أو الأصل التنزيلي لا يكون ثابتاً واقعاً فلا شك فيه لكي يكون موضوعاً لتلك الوظيفة بل يقطع بعدم فعليته- و هذا هو التعليل الصحيح لا ما في ظاهر الكتاب- و امّا على المسلك الصحيح من انّ الحكم الظاهري محفوظ حتى مع عدم وصوله فيكون الشك فيه معقولًا فتشمله الوظيفة المقرّرة.

35

و قد أشكل على ذلك السيد (قدس سره) في الدورة السابقة بأنّه مع الشك في الحكم الواقعي امّا أن تجري تلك الوظيفة كالبراءة بلحاظه أم لا تجري، فإن لم تكن تجري بأن كان الواقع منجزاً فأي فائدة في اجرائها عن الحكم الظاهري المشكوك مع فرض كونه لا بد له من الاحتياط تجاه الواقع الذي هو المنجز دائماً و إن كانت تجري البراءة عن الواقع و يؤمن من ناحيته فأي حاجة إلى اجرائها عن الحكم الظاهري بل أيّة فائدة له بعد أن لم يكن على مخالفته عقاب.

و هذه المناقشة غير تامة، فإنّه بناءً على مسلكنا يعقل أن يكون اهتمام المولى تجاه الملاكات الواقعية تختلف من مورد الشك في الواقع المجرّد و الشك في اهتمام المولى بالواقع عند الشك فيه فيحكم بالبراءة في الأوّل و بالاحتياط في الثاني أو بالعكس، غاية الأمر هذا لا يظهر أثره في مورد شك في الواقع يكون مشمولًا لاطلاق دليل الحكم الظاهري حيث انّه بالتمسك به ينفى الشك في جعل ذلك الحكم الظاهري فيه، و إنّما يظهر أثره في الشبهة المصداقية لدليل الحكم الظاهري كما إذا شك في حرمة شي‏ء و كان هناك رواية على الحرمة يشك في وثاقة راويها بنحو لا يمكن اثباته أو نفيه بالاستصحاب، فلا يمكن التمسك بدليل البراءة في الشبهة ابتداءً لكونه من الشبهة المصداقية لمخصّصه- و هو دليل حجّية خبر الثقة المخصّص لإطلاق دليل البراءة- فحينئذٍ يمكننا التمسك بأصالة البراءة بلحاظ الشبهة الثانية الطولية حيث انّه بلحاظها لا تكون شبهة مصداقية إذ لا يوجد خبر ثقة على وثاقة الراوي، و لنفرض انّه فحص عن وثاقته و عدمها أيضاً و لم يجد دليلًا على أحدهما، لكن لا يمنع عن جريان البراءة في مثل هذه الشبهات الموضوعية و التي هي حكمية من حيث النتيجة. نعم، لو قلنا بأنّ دليل حجّية خبر الثقة إنّما يقيّد دليل البراءة كبروياً بخصوص موارد وجود خبر ثقة

36

على الالزام واصل إلى المكلّف، لا بوجوده الواقعي، فلا يظهر هذا الأثر.

و بهذا يتضح أنّ التمسك بالبراءة أو الاحتياط- أي الحكم الظاهري غير التنزيلي- في الشك في الحكم الظاهري يكون معقولًا و مفيداً أيضاً في التأمين أو التنجيز عن الواقع المحتمل و لا يرد ما ذكر في النقاش من انّ البراءة أو الاحتياط عن الواقع يغنينا عن ذلك، فإنّه في مثل المقام لا تجري البراءة أو الاحتياط- على القول به- عن الواقع لكون الشبهة مصداقية لدليله فنحتاج إلى البراءة أو الاحتياط في الشك الطولي المتعلّق بالحكم الظاهري المشكوك فيه بنحو الشبهة المصداقية و يكون ذلك مؤمناً أو منجزاً عن الحكم الواقعي في هذه المرتبة من الشك. و لو لا جريان الحكم الظاهري المذكور لما أمكن التأمين أو التنجيز للواقع؛ هذا لو فرض إطلاق في دليل ذلك الحكم الظاهري لهذه المرتبة من الشك كما هو الغالب و إلّا فقد تختلف النتيجة إذا احتملنا الفرق في درجة و نوع اهتمام المولى في الشبهتين الشبهة الأولية المتعلقة بالواقع و الشبهة الثانوية الطولية و معه لا يكفي اثبات نفس الحكم الظاهري من مجرد ثبوته في سائر الموارد التي يكون الشك المتعلّق بالواقع موضوعاً لاطلاق دليل ذلك الحكم الظاهري فقد تصل النوبة إلى ما يحكم به العقل من الوظيفة و عندئذٍ قد تكون تلك الوظيفة العقلية مخالفة مع ذلك الحكم الظاهري بأن يكون احتياطاً في مورد البراءة أو بالعكس حسب اختلاف المباني.

37

حجّية القطع‏

ص 27 قوله: (حجّية القطع:...).

و فيه نقطتان للبحث:

اولاهما- حجّية القطع.

الثانية- إمكان الردع عن العمل به.

أمّا النقطة الاولى من البحث‏: فالحجية لها معان عديدة قد يقع الخلط فيما بينها الحجّية المنطقية و التكوينية و الاصولية.

أمّا الحجّية المنطقية فهي المعبر عنها في كلماتهم بطريقية القطع لاثبات متعلقه و هو المعلوم و المقطوع به.

و الطريقية: يقصد بها كونه بذاته انكشافاً و رؤية للواقع المقطوع به، فهذه حقيقة القطع و ماهيته فإنّه عبارة عن رؤية الشي‏ء المقطوع به و لكنه رؤية للمعلوم بالذات لا المعلوم بالعرض و إلّا لاستحال تخلف القطع عن الواقع، فالطريقية إلى المعلوم بالذات هي ذات القطع و ماهيته، و هذا هو المراد بكونها ذاتية للقطع؛ لأنّ المعلوم بالذات عين القطع و الاختلاف بينهما بالاعتبار. و الطريقية إلى المعلوم بالعرض و الواقع الخارجي أمر زائد على القطع بل ليس لازماً له و إن كان ثابتاً للعلم القائم على أساس موضوعي صحيح و هذا هو البحث المعروف في المنطق‏

38

بنظرية المعرفة أو حقانية مطابقة العلم للواقع إذا حصل من منشئه الصحيح و هو خارج عن غرض الاصولي.

و امّا الحجّية التكوينية و العملية فيراد بها المحركية و الدفع الخارجي التكويني نحو المقطوع به على النحو المناسب لغرض القاطع، و هذا كسابقه ليس هو مقصود الاصولي في المقام.

و امّا الحجّية الاصولية فهي الحجّية العقلية بمعنى التنجيز و التعذير و المعبر عنه في كلمات الشيخ بوجوب متابعة القطع عقلًا أي حكم العقل بذلك و بترتب استحقاق العقوبة على مخالفة القطع بالالزام و العذر و قبح العقاب في مورد العمل بما يقطع فيه بالترخيص و لو صادف الحرام الواقعي، و بذلك يعرف أنّ الحجّية بهذا المعنى ليست أمراً تكوينياً كالمعنى الأوّل، و لا حالة طبيعية غريزية كالثاني بل حكم عقلي عملي، و هناك بحث في حقيقة الأحكام العقلية العملية بالتحسين و التقبيح هل هي الزامات عقلية أو بناءات عقلائية أو لوازم واقعية نفس الآمرية.

و لا إشكال في عدم كونه حكماً عقلياً بمعنى التشريع و الالزام إذ ليس للعقل ذلك و إنّما هو ادراك عقلي عملي، و نتيجة لذلك اختلف في أنّه من القضايا المشهورة كما هو أحد القولين في تفسير الأحكام العقلية العملية أو من مدركات العقل الاعتبارية بالمعنى الفلسفي أو الواقعية- و بناء العقلاء في هذه الموارد ليس إلّا بمعنى ادراك عقولهم لها لا تشريعها و وضعها- بناءً على ما هو الصحيح من انّ لوح الواقع أوسع من لوح الوجود حتى في الفلسفة النظرية و مدركات العقل النظري، و لا بد هنا من الإشارة إلى نكات:

1- انّ الحجّية بالمعنى المذكور للقطع لا يمكن أن يستدل عليه بقاعدة قبح‏

39

الظلم و حسن العدل و أنّ مخالفة القطع بتكليف المولى و عصيانه ظلم له، اللهم إلّا أن يراد بذلك مجرد التنبيه و إثارة المرتكزات الفطرية و الوجدانية؛ لأنّ الظلم و العدل فرع ثبوت حق الطاعة في المرتبة السابقة ليكون سلبه ظلماً و اعطائه عدلًا، فلو اريد اثبات هذا الحق بالقاعدة لزم الدور.

و هذا اشكال عام على كبرى هذه القاعدة، و سوف يأتي التعرض إليه في محله. فالأصح الاستدلال عليه بادراك العقل لصغرى هذه القاعدة، أي ثبوت حق الطاعة و المولوية و قبح المخالفة للمولى في مورد القطع بالزاماته و قبح معاقبة العبد في مورد العمل بالقطع بالترخيص.

2- انّ أحكام العقل العملي مدركات واقعية نفس أمرية و ليست قضايا مشهورة مجعولة من قبل العقلاء لحفظ نظامهم، و سوف يأتي البحث عن ذلك مفصلًا في التجري حلّاً و نقضاً.

3- انّ حق الطاعة (1) و المولوية على أقسام ثلاثة كما في الكتاب، و لا بد و أن ترجع إلى المولوية الذاتية أي لا بد من فرض وجود مولوية و حكم عقلي أولي ذاتي في مبدأ الاعتبار و الحجّية، و لا يمكن أن تكون جعلية، و إلّا لاستحال حجّية أي حكم؛ إذ جعل الحجّية حاله حال جعل الحكم الواقعي الأوّل، اللهم إلّا إذا لزم العمل بمجرد لقلقة الجعل الاعتباري أو الالزام بالقوة خارجاً و كلاهما لا يقبلهما العقل السليم ملاكاً للتنجيز و التعذير.

____________

(1) () و ملاك المولوية الذاتية نفس الخالقية و كونها من صنعه و عمله لا حيثية شكر المنعم فإنّ المنعمية حيثية أبعد في نظر العقل العملي من حيثية الخالقية و المالكية و هذا هو روح مطلب الاستاذ، و هو صحيح لا غبار عليه فلا يحتاج إلى ملاحظة حيثية الانعام بالخلق فما في الهامش غير تام‏

40

و منه يعرف: انّه لا يمكن أن تكون حجّية القطع حكماً عقلائياً انشائياً أي جعلًا؛ نعم يمكن أن يكون حكماً تصديقياً خبرياً و لكنه تلقيني و ذلك مطلب آخر سوف يأتي تفنيده.

و بعبارة اخرى: أنّ المنجزية بمعنى لزوم الاتباع يستحيل أن تكون أمراً جعلياً تشريعياً، إذ لو لم يكن أمر المولى و جعله للالزام بالفعل حجّة و لازم الاتباع- بقطع النظر عن جعل المنجزية و لزوم الاطاعة- فهذا يسري إلى جعل الأمر بلزوم الاطاعة و الاتباع أيضاً، فلا بد و أن ننتهي إلى حكم عقلي ذاتي بلزوم الاتباع و كل حجّية لأي جعل و أمر لا بد و أن ينتهي إلى ذلك و إلّا كان مصادرة.

نعم الالزام الخارجي بالقوة و الاجبار أمر ممكن إلّا انّه نفوذ خارجي ثابت في حق الظالمين أيضاً لا نفوذ قانوني و عقلي.

4- انّ منجزية القطع و معذريته رجعت بالتحليل إلى ادراك العقل العملي لحق الطاعة و المولوية الذاتية في مورد القطع و هذه ليست قضية عقلية عملية اخرى تثبت للقطع وراء مولوية المولى الثابتة له واقعاً كما هو التصور المشهور، و حيث انّ مولوية المولى الحقيقي مطلقة و لا حدّ لها فتكون المولوية و المنجزية مطلقة ثابتة في تمام موارد امكانها و هي كل ما لم يقطع بالترخيص.

و توضيح ذلك‏: انّ المشهور يستفاد من كلماتهم و منهج بحثهم في المقام أنّهم يفترضون مولوية المولى و وجوب اطاعته حكماً عقلياً عملياً ثابتاً واقعاً لأحكام المولى بنفس ثبوت ملاك مولويته كالخالقية و المالكية أو المنعمية، و يجعلون ذلك أمراً مقرراً في علم الكلام و العقائد لا الاصول، ثمّ يبحثون في الاصول عن منجزية القطع بالزامات المولى كحكم عقلي عملي آخر موضوعه القطع بالزام المولى، و من هنا جعلوا المنجزية من لوازم القطع العقلية و اعتبروا ذلك حكماً

41

عقلياً عملياً آخر لا ربط له بالمولوية و حق الطاعة الواقعية الثابتة لأحكام المولى في نفسها و لا انّه تحديد لتلك المولوية.

و هذا المنهج غير تام بعد أن اتضح انّ المنجزية ليست إلّا عبارة عن حق الطاعة و المولوية و انّ القضية الثانية تكون تحديداً للقضية الاولى و تفصيلًا لمولوية المولى و حق طاعته بحسب الحقيقة، فإنّ هذا الحق امّا أن يكون موضوعه و دائرته الالزام الواقعي للمولى أو يكون موضوعه الالزام المقطوع به بالخصوص أو يكون موضوعه الالزام الواصل و لو وصولًا احتمالياً غير المقطوع بعدمه.

و الأوّل غير معقول، لاستلزامه منجزية التكليف بوجوده الواقعي حتى إذا علم عدمه بنحو الجهل المركب، و هو واضح البطلان.

و إن شئت قلت: انّ الأحكام العقلية العملية بالانبغاء و الحسن و القبح يكون الالتفات و الوصول و لو الاحتمالي مأخوذاً فيها في باب المولوية و حق الطاعة الذي يكون ملاكه و نكتته العقلية لزوم احترام المولى و تعظيمه و عدم هتكه بمخالفة أمره؛ و من الواضح تقوم ذلك بوصول أمره و نهيه و لو وصولًا احتمالياً على الأقل، و امّا مع القطع بالعدم فلا تكون المخالفة الواقعية هتكاً أصلًا، و هذا يعني انّه لا يمكن افتراض المولوية و حق الطاعة أمراً ثابتاً للمولى بلحاظ أحكامه الواقعية على واقعها.

و أمّا الثاني فهو يعني التفصيل و التحديد في مولوية المولى و حق طاعته بخصوص الالزام المقطوع به و هو خلاف وجدانية إطلاق مولوية المولى الحقيقي المطلق. و ظني أنّ المشهور لعدم التفاتهم إلى هذه النكتة و بحثهم عن قضية

42

منجزية القطع مفصولًا و مستقلّاً عن قضية حدود مولوية المولى و حق طاعته ذهبوا إلى البراءة العقلية.

فيتعين الثالث و هو المقصود من ثبوت المولوية و المنجزية و حق الطاعة في مطلق موارد امكان الاحتياط و حفظ غرض المولى، و هو موارد الالتفات و وصول الالزام أو احتماله، أي غير ما يقطع بعدمه، لأنّ مولوية المولى الحقيقي و حق طاعته كانعامه و خالقيته مطلقة لا حدّ لها بحسب وجداننا الفطري، و امّا العذر في مورد القطع بالترخيص فليس من باب التبعيض في المولوية و تحديدها بل لعدم إمكان المنجزية و عدم معقوليتها فيه على ما سوف يأتي تفصيله و توضيحه فهو خروج تخصّصي لا تخصيصي.

النقطة الثانية: في عدم إمكان الردع عن العمل بالقطع و جعل حكم ظاهري على خلاف المقطوع به.

لا إشكال في انّه يمكن جعل حكم ظاهري على خلاف الوظيفة العقلية العملية الأولية في موارد غير القطع من الظن و الاحتمال- سواء كانت الوظيفة العقلية المنجزية و حق الطاعة كما هو الصحيح أو البراءة و قبح العقاب كما هو مختار المشهور- بعد الجواب على شبهة ابن قبة على ما سوف يأتي في كيفية الجمع بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي.

و الوجه في إمكان ذلك هو انّ حكم العقل بالوظيفة الأولية حكم تعليقي، فالمنجزية التي يحكم بها العقل معلقة على عدم جعل الشارع للترخيص الظاهري، و كذلك البراءة العقلية على القول بها معلقة على عدم الالزام الظاهري من قبل المولى و ايجابه الاحتياط بأي لسان كان فيرتفع موضوع الوظيفة الأولية

43

العقلية بورود ذلك، و أمّا منجزية القطع و معذريته فلا يعقل فيه جعل حكم ظاهري على خلافه على ما سوف يظهر، و هذا يؤدّي إلى الفرق بين منجزية القطع و منجزية الاحتمال بناءً على مسلك حق الطاعة من وجهين:

أوّلًا- انّ القطع منجز و معذر بخلاف الاحتمال.

و ثانياً- انّ منجزيته و معذريته لا يمكن سلبهما عنه، بخلاف الاحتمال، و قد انفتح هذا البحث تاريخياً في علم الاصول نتيجة دعوى الاخباريين امكان ردع الشارع عن العمل بالقطع، بل ادعوا وقوعه في ما ثبت من الردع عن العمل ببعض الأدلّة العقلية كالقياس و الاستحسان، و ادعى الاصوليون استحالة ذلك و ذكروا فيه وجوهاً ثلاثة:

1- لزوم التضاد بين الحكمين امّا واقعاً أو في نظر القاطع على الأقل، و كلاهما محال.

2- انّه مناقض لحكم العقل بحجية القطع أو تفكيك بين القطع و لوازمه الذاتية.

3- لزوم نقض الغرض بحسب نظر القاطع.

و هذه الوجوه بهذه الصياغات غير تامة.

إذ الأوّل و الثالث- أي التضاد إذا اريد به التضاد و نقض الغرض في مرحلة المبادئ فجوابه انّ الردع لا يكون بحكم نفسي بل بحكم طريقي كما في موارد الشك و الاحتمال و إلّا فجعل حكم نفسي في مورد الشك محال أيضاً لاستحالة احتمال اجتماع الضدين أيضاً، و الحكم الطريقي سوف يأتي انّه ليس فيه مبادئ مستقلة، امّا لكون مبادئها في نفس الجعل أو لكون مبادئها نفس مبادئ الحكم‏

44

الواقعي المقطوع به فلا تضاد و لا نقض بلحاظ المبادئ و الأغراض.

و إذا اريد به التضاد أو نقض الغرض بلحاظ مرحلة المنجزية و الامتثال أي بلحاظ المنتهى فهو موقوف على أن تكون المنجزية و حق الطاعة غير مرتفعة بورود حكم و لو طريقي من الشارع نفسه في هذه المرتبة و إلّا لم يكن تضاد أيضاً كما هو واضح.

و لا ينبغي الاشكال في انّ حقّ الطاعة- أي المنجزية و المعذرية- تعليقي بهذا المعنى دائماً؛ لأنّ حقّ الطاعة موضوعه اطاعة أوامر المولى و أحكامه، فإذا كان جعل حكم مولوي و لو طريقي معقولًا في مورد القطع في نفسه فلا محالة يكون حاكماً رافعاً لموضوع حكم العقل بالمنجزية أو المعذرية، فلا معنى للتشكيك في ارتفاع منجزية القطع و كذلك معذريته لو أمكن جعل الحكم الظاهري في مورده.

و بهذا يعرف الجواب أيضاً على الوجه الثاني، فإنّه لا يوجد أي تناقض بين الحكم الطريقي الشرعي و بين المنجزية و حق الطاعة المدركة من قبل العقل في القطع بالالزام و كذلك معذرية القطع بالترخيص؛ لأنّ الحكم الطريقي من الشارع إن كان معقولًا في نفسه كان رافعاً لموضوع المنجزية و المعذرية كما هو الحال تماماً في موارد منجزية أو معذرية الاحتمال.

فالصحيح في الجواب أن يقال‏: بأنّ جعل حكم طريقي في مورد القطع غير ممكن على مسلكنا في حقيقة الحكم الظاهري. نعم، قد يتم على بعض المسالك الاخرى، و ذلك لأنّ المكلّف بنفس قطعه يرى نفسه خارجاً عن روح هذا الحكم الطريقي و ملاكه إذ الحكم الطريقي كما سوف يأتي إنّما هو من أجل حفظ

45

الأهم من الملاكين الواقعيين الالزامي و الترخيصي المتزاحمين في مقام الحفظ؛ و القاطع يرى أنّه بالسير على وفق قطعه يحفظ الملاك المولوي الأهم و الواقعي دائماً و من دون تزاحم.

و إن شئت قلت: انّ التزاحم الحفظي غير معقول إلّا مع الشك و التردد و امّا مع القطع بالالزام أو الترخيص فلا تزاحم حفظي في نظر المكلّف و لا يقصد بالتزاحم الحفظي إلّا ذلك أي حفظ الأهم من الملاكين في مرحلة الامتثال من جهة الجهل و عدم تشخيصه لموارده المشتبهة، فمع فرض القطع لا موضوع للتزاحم الحفظي و بالتالي لا موضوع لجعل حكم طريقي.

نعم، في نظر المولى و من زاوية علمه ربما يتحقق التزاحم الحفظي بأن يرى انّ معلومات المكلّف جملة منها غير مصيبة و مخالفة للواقع، إلّا أنّ هذا التزاحم مع فرض بقاء قطع المكلّف لا يمكن أن يوصله للمكلف لأنّه يرى انّه لا تزاحم حفظي في البين، بمعنى انّه في كل قطع تفصيلي يلتفت إليه يراه خارجاً عن موضوع ذلك التزاحم الحفظي و إنّما يحتمل التزاحم الحفظي في موارد معلوماته الاخرى التي لا التفات تفصيلي إليها بالفعل، فلو ردعه عن العمل بقطعه لم يكن مثل هذا الحكم منجزاً عليه؛ لأنّه يجد نفسه خارجاً عن موضوع التزاحم الحفظي للملاكات الواقعية الالزامية و الترخيصية للمولى.

و الحاصل جعل الحكم النفسي لا إشكال في استحالته، و الحكم الطريقي- أي الظاهري- يجد القاطع نفسه خارجاً عن روحه و ملاكه دائماً فلا يعقل أن يكون رافعاً لمنجزية القطع و معذريته لأنّ المنجز و المعذر دائماً روح الحكم و ملاكه لا الجعل و الاعتبار و روح الحكم الظاهري لا يمكن وصوله إلى المكلّف في المقام.

46

و بهذا يظهر الجواب عمّا ذكر في هامش الكتاب، هذا بحسب مسلكنا و أمّا بحسب مسالك القوم الذين يجعلون ملاك الحكم الطريقي و مباديه في نفس الجعل أو في السلوك و نحو ذلك فلا يمكن الاجابة الفنية على مدعى الاخباري إذ كما يمكن جعل حكم طريقي مخالف في مورد احتمال الحكم الواقعي دون أن يلزم التضاد في المبادئ و لا في المنتهى و لا نقض الغرض كذلك في المقام.

و امّا ما في تقريرات السيد الحائري من التفصيل بين المحركية الشخصية و المحركية المطلقة و أنّه إذا كان غرض المولى في الحصة الخاصة من الفعل المتحققة من المكلف بداعي حبّه للمولى لا الزامه فيمكنه أن يسقط القطع عن الحجّية باسقاط حق طاعته ليجرب مدى حب العبد له و انّه هل بلغ حبّه إلى مستوى يكفي وحده لتحريكه نحو الامتثال كالأمر الناشئ من قبل من لا تجب عقلًا طاعته على المأمور أم لا.

ففيه‏: أنّه غير معقول أيضاً- رغم تعليقية حق الطاعة- بنفس البيان المتقدم؛ لأنّ التنجيز لا يمكن أن يرتفع إلّا بروح الحكم الظاهري و هي غير متصورة و غير معقول الوصول للمكلف فلا يمكن أن ترتفع منجزية الالزام المولوي الواقعي به فإذا كانت المصلحة و الملاك الواقعي في الحصة الخاصة كان أمره بها خلفاً بل في مثل هذه الحالة سوف لا يأمره أمراً الزامياً و إنّما يبلغه مجرد حبّه أو يأمره بأمر غير الزامي و إن كان الملاك و المصلحة ثبوتاً لزومية؛ لأنّه لا يمكنه أن يصل إليه عن طريق اعمال مولويّته، و هذا غير اسقاط حق الطاعة في مورد القطع.

و هكذا يتضح انّ التوصل إلى هذه النتيجة أعني اختبار العبد أو دفعه نحو تحقيق الحصة الخاصة من الفعل الصادرة منه لمجرد حبّ المولى لا الزامه لا يتحقق إلّا برفع الالزام الواقعي المقطوع به الذي يعني رفع صغرى حق الطاعة

47

و هو أجنبي عن مسألة الردع عن العمل بالقطع.

لا يقال‏: بعد فرض تصريح المولى للمكلف بأن لا يعمل مثلًا بقطوعه الحاصلة من الدليل العقلي أو من القياس و فرض أنّه لا تضاد بين جدية ذلك و بين تكاليفه الواقعية لما يراه من التزاحم الحفظي نتيجة امكان خطأ المكلف في قطوعه و فرض انّ هذا المطلب بشكله الكلي يفهمه المكلف و يحتمله أيضاً. لا وجه لدعوى انّ مثل هذا الحكم و التصريح المولوي المعقول لا يعبأ به العقل العملي و لا يراه نافذاً أي موجباً للاحتياط في مورد القطع بالترخيص أو رفع التنجيز في مورد القطع بالالزام، فإنّ كل قطع بالخصوص و إن كان يرى المكلف انّه مصيب للواقع و انّه لو لم يعمل بقطعه سوف يضيع على المولى الملاك الواقعي الالزامي أو الترخيص المولوي تضييعاً قطعياً لا احتمالياً إلّا انّه لا مانع منه، إذ لو كان المانع كونه قبيحاً عقلًا فالمفروض انّ حكم العقل تعليقي لا تنجيزي، و لو كان المانع أنّه يرى نفسه خارجاً عن التزاحم الحفظي فالتزاحم الحفظي ليس من وظيفة العبد بل المولى أي ليس التزاحم الحفظي كالامتثالي مما يرتبط بالعبد بل بالمولى فليس هو المكلّف بالحفظ للملاكات.

و لو كان المانع انّ مثل هذا الأمر لا يكون بروحه و بملاكه محفوظاً و ثابتاً في مورد القطع بحسب نظر المكلف؛ لأنّه يرى قطعه مصيباً فهو يخطِّئ المولى في المورد في روح الحكم و الغرض منه.

فهذا أيضاً مدفوع بأنّ روح الحكم ليس هو التزاحم و حفظ الملاك في كل مورد مورد بل في مجموع موارد نوع حكم ظاهري واحد- كما سيأتي في محله- و هذا محتمل لدى المكلّف القاطع فإنّه و إن كان لا يحتمل خطأ قطعه في ذلك المورد و لكنه يحتمل أن يكون مجموع ما سيحصل له في سائر الموارد من‏

48

القطوع من الدليل العقلي مثلًا خطأً، كما يشخصه المولى.

فإنّه يقال‏: هذا الكلام غير تام. إذ صحيح انّ التزاحم الحفظي يكون بلحاظ مجموع الموارد إلّا أنّ معقوليته في كل مورد و تكليف منوط باحتمال كونه من تلك الموارد أي داخلًا في ذلك المجموع. و امّا مع القطع بخروجه عن ذلك المجموع فلا يرى القاطع إلّا خطإ المولى في ذلك المورد بمعنى امكان حفظ غرضه الواقعي بلا تزاحم، فلا يكون روح الحكم الظاهري محفوظاً فيه، و هذا واضح.

ثمّ انّ ما فعله الميرزا و ذكره السيد الخوئي في المقام و ناقش فيه من أخذ عدم حصول العلم من طريق خاص كالقياس في الحكم الواقعي أجنبي عن بحث امكان الردع عن العمل بالقطع؛ لأنّ موضوع هذا البحث القطع الطريقي و تلك المحاولة من الميرزا (قدس سره) تحويل للقطع الطريقي إلى الموضوعي بأخذ عدم حصول القطع طريق خاص في موضوع المتعلق و هو على فرض امكانه غير مربوط بالبحث عن الردع عن القطع الطريقي كما لا يخفى، فهناك تشويش في تقريرات السيد الخوئي فراجع و تأمل.

و كذلك يظهر الجواب على اشكال آخر سجّله السيد الحائري على المقام في بحث المنع عن حجّية الدليل العقلي (ص 566) من انّه يكفي لمعقولية وصول الحكم الطريقي برفع حق المولوية ان يحتمل هذا العبد خطأ بعض قطوعه إجمالًا، ممّا أوجب اضطرار المولى إلى اتخاذ احتياط في تمام قطوعه برفع حق المولوية عنه فيها، و القاطع و إن كان لا يعقل أن يحتمل خطأ قطعه حين القطع لكن احتماله لخطأ بعض قطوعه على الاجمال معقول، فبناءً على تعليقية حق المولوية يمكن الردع عن العمل بالقطع.

49

فإنّ هذا الكلام لا يثبت جواز الردع عن حجّية القطع بل يثبت جواز المنع عن خوض المقدمات المنتهية إلى تلك القطوع، و تنجيز الواقع المعلوم فيه اجمالًا على المكلف من قبل المولى قبل الخوض و الوصول إلى المقطوع به تفصيلًا، نظير باب المقدمات المفوتة فيكون مخالفة الواقع عن ذلك الطريق منجزاً عليه، و لو فرض حصول القطع له بالترخيص و عدم امكان ردعه عن العمل به في ذلك الوقت؛ لأنّ التفويت كان بسوء اختياره على ما سوف يأتي مشروحاً في بحث الدليل العقلي فليس هذا مربوطاً بامكان الردع عن العمل بالقطع.

و هكذا يتضح انّ الأساس لعدم إمكان الردع عن منجزية القطع و حجيته ليس تنجيزية الحكم العقلي هنا و تعليقيته في سائر الموارد كما ادعاه العراقي (قدس سره) بل عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري بروحه و حقيقته فيه.

50

التجرّي‏

ص 36 قوله: (قبح التجرّي...).

و البحث فيه عن قبحه العقلي أوّلًا ثمّ عن استحقاق العقاب عليه ثانياً ثمّ عن حرمته شرعاً ثالثاً. فالبحث في نقاط:

النقطة الاولى- قبح التجري‏:

و البحث فيه وجداني لا يمكن اقامة البرهان عليه، نعم يمكن التنبيه و إثارة الوجدان؛ لأنّ مدركات العقل العملي بالقبح و الحسن كذلك دائماً، و لا إشكال في حكم العقل بقبح المعصية و أنّها لا تنبغي؛ و لا إشكال أنّ هذا الحكم العقلي ليس موضوعه مخالفة الحكم الواقعي للمولى، لوضوح لزوم تحقق العصيان في موارد الجهل المركب و غيره و هو واضح البطلان بل قد تقدم انّ موضوع أحكام العقل العملي ليس كالمصلحة و المفسدة أمراً واقعياً لا دخل لعلم المكلف و جهله فيه، فلا محالة يدور الأمر بين احتمالين و تصورين آخرين أن يكون الموضوع نفس وصول التكليف الواقعي و العلم به و لو لم يكن تكليف واقعاً، أو التكليف الواقعي مع وصوله، فالقائل بقبح التجري يدعي الأوّل و القائل بعدم قبحه يدعي الثاني.

و يمكن أن يستدل على التصور الأوّل بوجوه‏:

1- انّ التجري يقابل الانقياد كما انّ المعصية تقابل الاطاعة، و لا إشكال عند

51

أحد في حسن الانقياد كالاطاعة رغم عدم تحقق المحبوب في مورده، فكذلك الحال في التجري و المعصية.

و هذا الاستدلال غير تام حتى كمنبه وجداني لأنّ الانقياد و إن كان حسناً إلّا انّه لا إشكال في انّ حسن الانقياد ليس لزومياً بحيث يستحق تاركه العقاب كما في الاحتياط في موارد عدم لزومه شرعاً و لا عقلًا بخلاف قبح التجري، و هذا يعني أنّ التجري لا يقابل الانقياد، فلو اريد التوصل من حكم الانقياد إلى حكم التجري فهو لا يثبت قبح التجري على مستوى اللزوم.

و بعبارة اخرى: للخصم أن يقول أنّ حسن الانقياد كما انّ محموله أوسع من قبح التجري موضوعه أيضاً أوسع و هو مطلق الوصول.

2- ما أفاده السيد الاستاذ الشهيد (قدس سره) من أنّ حق الطاعة و المولوية للمولى ليس بملاك تحصيل مصلحة له أو عدم الاضرار به كما في حقوق الناس؛ إذ لا مصلحة كذلك للَّه سبحانه، و إنّما بملاك نفس أدب العبودية و احترام المولى و هذا الاحترام و الأدب يكون الوصول تمام الموضوع فيه و قوامه سواءً كان مصيباً للواقع أم لا فيكون التجري بنفسه اساءة أدب للمولى و عدم احترامه الذي يعبر عنه المشهور بظلم المولى كما انّ المعصية أيضاً ما يتحقق فيه هذا الظلم على المولى لا ظلم آخر من اضرار أو دفع مصلحة إذ لا مصلحة للمولى و لا ضرر عليه في أوامره و نواهيه، و لو فرض ذلك فهو أجنبي عن حكم العقل بحسن الاطاعة و قبح العصيان حيث يحكم به بقطع النظر عن ذلك كما لا يخفى.

و هذا البيان قد يناقش فيه: بأنّ احترام المولى اثباتاً و نفياً يكون بمخالفة الزامه الواصل، و امّا إذا انكشف انّه لم يكن الزام بل كان يتخيل المكلّف ذلك‏

52

فلا هتك واقعاً للمولى و إنّما تخيّل الهتك إذ لا مخالفة لأمره فحيثية الاحترام و أدب العبودية لا بد لها من اضافة إلى المولى زائداً على الوصول بأن يكون هناك الزام و تكليف للمولى و يكون واصلًا إلى المكلّف فيكون خروجه عليه خروجاً على المولى و مضافاً إليه، و امّا حيث لا الزام فلا خروج على المولى و إنّما توهم الخروج عليه.

و إن شئت قلت: انّ العقل يدرك أنّ القبح في مورد المعصية إنّما هو بملاك المخالفة لالزام المولى الواصل للمكلف، بحيث يكون عنوان المخالفة و هتك أمره الذي هو أمر واقعي محفوظاً و ملحوظاً في حكمه بالقبح، بينما على التقدير الآخر يكون الملحوظ فيه فعل ما يقطع بكونه مخالفة، سواءً كان مخالفة في الواقع أم لا.

و لعلّ هذا هو مقصود بعض الأعلام من انّ ادراكنا للقبح إنّما هو لمحض عنوان المخالفة لا الهتك و الخروج فإنّه لا بد و أن يريد بذلك المخالفة الواصلة الذي هو التصور الثاني.

فالحاصل: ما ذكر من انّ ملاك القبح ليس هو دفع المصلحة أو الاضرار بالمولى بل ترك الاحترام و هتك رسم العبودية و إن كان صحيحاً إلّا أنّ هذا الهتك يتحقق بمخالفة أمر المولى و نهيه و إهماله، فإنّ تعظيم المولى يكون بامتثال أمره، و هتكه يكون بهدر أمره، و هو غير المصلحة و المضرة، فهناك أمر آخر موضوعي غير المصلحة و المضرة يكون الهتك و عدم الاحترام بلحاظه معقولًا.

و دعوى‏: أنّ الاحترام و التعظيم و الهتك و الاساءة تمام الموضوع فيه العلم و الوصول غير مقبولة لوضوح أنّ هذه العناوين أيضاً مما يعقل فيه الخطأ

53

و الصواب كمن يتصور قدوم مولاه فيقوم له احتراماً ثمّ ينكشف عدم كون القادم مولاه، فإنّه لا يقال انّه احترم مولاه، و هكذا في طرف الاساءة، و إنّما يقال أنّه أقدم على ذلك و أراد الاحترام أو الاساءة فهذا بنفسه منبه إلى التصور الثاني لا الأوّل، و في قبال ذلك منبهان:

المنبه الأوّل‏: انّ لازم أخذ المخالفة الواقعية قيداً في حق الطاعة و الاحترام أن يكون حكم العقل بمنجزية القطع و الذي قلنا انّه يرجع إلى نفس ادراكه لحق الطاعة و المولوية في مورده منوطاً باصابته للواقع بحيث عند ما ينكشف الخلاف ينكشف عدم ثبوت القبح و المنجزية و حق الطاعة فيه لارتفاع أحد جزئي موضوعه بحيث يرى العقل فرقاً في المنجزية بين القطع المصيب و القطع غير المصيب مع انّ الوجدان قاضٍ بعدم الفرق و كون المنجزية فعلية في كليهما و أنّ التخطئة ليست للمنجزية بل لنفس القطع بحيث انّ القائل بعدم قبح التجري يلتزم أيضاً بفعلية منجزية القطع و كونها من لوازمه التي لا يمكن تفكيكه عنه.

و منبه آخر: موارد الاحتمال المنجز فإنّه لا إشكال في فعلية المنجزية و القبح و حكم العقل فيها بذلك، مع أنّ ملاك ذلك إن كان المخالفة لأمر المولى فهو أمر محتمل و ليس على كل تقدير إذ ليس معنى المنجزية فيها احتمال المخالفة و بالتالي احتمال العقاب الذي يحكم العقل بلزوم دفعه، فإنّ هذا المبنى غير تام على ما شرحناه في محله، فإنّ استحقاق العقاب ليس محتملًا بل مقطوع به في موارد التنجيز و ليست المحركية العقلية و المنجزية من باب قاعدة دفع الضرر المحتمل بل باستحقاق العقاب المنجز على ما سيأتي شرحه.

و كلا هذين المنبهين يمكن دفعهما بالالتزام بما يأتي من ثبوت مدرك عقلي آخر هو قبح الاقدام على الفعل القبيح حتى الاقدام الاحتمالي بالنسبة إلى المولى‏

54

الحقيقي الذي يدرك العقل قبح هتك أمره الواصل بأي درجة من درجات الوصول- و هو وجه آخر لقبح التجري غير هذا الوجه سيأتي بحثه- نعم لو أنكرنا قبح الاقدام تم المنبهان المذكوران، فهما يدلان على صحة أحد الوجهين لا محالة.

و قد يقال‏: انّ وجدانية الفرق بين مراتب التجري في موارد القطع و الاحتمال المنجز يكشف عن انّ تمام الموضوع و الملاك للحكم بالقبح إنّما هو درجة الوصول.

و لكن هذا لا يمكن أن يكون منبهاً على ذلك خصوصاً بناءً على قبول قبح الاقدام على الهتك حيث أنّ درجة الاقدام في موارد القطع أشد من الاقدام في موارد الاحتمال المنجز.

هذا، و لكن الانصاف أنّ العقل يدرك بأنّ المتجري هتك المولى بالفعل لا أنّه أقدم على القبيح كما في موارد الخطأ في المولوية، و أمّا ما تقدم من كون الاحترام و الهتك أمرين واقعيين فمبني على النظر العرفي لا العقلي العملي الدقي.

هذا مضافاً إلى انكار عدم الهتك حتى عرفاً في موارد الجهل و الخطأ بنحو الشبهة الموضوعية لا الحكمية كما إذا تصور أنّ هذا زيد الذي هو مولاه فلم يحترمه فخرج عمراً، فإنّه هاتك لزيد، نعم لو تصور انّ عمرواً أيضاً مولاه و لم يحترمه فظهر انّه ليس مولاه فلا هتك للاحترام لا لزيد الذي هو مولاه و هو واضح و لا لعمرو لأنّه ليس مولى له أصلًا.

3- ما أفاده السيد الشهيد (قدس سره) أيضاً من وجود ادراك عقلي أيضاً بقبح الاقدام‏

55

على القبيح و هتك المولى، فيثبت قبح التجري حتى إذا قيل بأنّ قبح المعصية يكون بملاك التصور الثاني أي دخالة المخالفة الواقعية في الهتك و القبح.

و المنبه على هذا الادراك ثبوت القبح حتى في موارد الخطأ في أصل المولوية، و لو فرض انّه لا مولى له واقعاً أصلًا بحيث لا موضوع للهتك و الظلم و سلب حق ذي حق، و هذا الوجه يثبت قبح التجري بملاك آخر غير ملاك الهتك و الظلم و عدم الاحترام فهو يثبت نتيجة التصور الأوّل.

لا يقال‏: على هذا يلزم تعدد القبيح في مورد المعصية و أشديته من التجري و يقال بأنّه خلاف الوجدان.

فإنّه يقال‏: إنّما يلزم ذلك بناءً على انكار التصور الأوّل و إلّا كان في كليهما الهتك الفعلي و الاقدام على الهتك ثابتاً فيكونان متلازمين في موارد اصابة القطع و خطأه. نعم من ينكر تحقق الهتك الفعلي- أي التصور الأوّل- لا بدّ و أن يلتزم بالأشدية و التعدد أو يلتزم بأنّ القبيح دائماً هو الاقدام على الظلم لا نفس صدور الظلم، أي انّ موضوع القبح العقلي وصول الحق صغرى و كبرى و هو واحد في الموردين و إن كان في أحدهما أمر آخر للعقوبة هو التشفي، و هذا نتيجته كالتصور الأوّل غاية الأمر هناك قلنا انّ الوصول تمام الموضوع للظلم و الاحترام و هنا يقال انّه تمام الموضوع للقبح العقلي.

لا يقال‏: انّ الوجدان يحكم بأنّ هناك قبحاً عقلياً واحداً مدركاً في تمام الموارد و هو قبح الاقدام على سلب ذي الحق حقه و الاقدام متقوم بالوصول و يكون تمام موضوعه ذلك بالدقة لوجدانية عدم تعدد القبح و القبيح في موارد المعصية فضلًا عن التجري.

56

فإنّه يقال‏: هذا خلاف ما سيأتي من وجدانية الفرق بين الخطأ في موضوع المولوية و الخطأ في كبرى المولوية حيث يدرك العقل في الأوّل سلب حقّ من المولى بخلاف الثاني إذ لا موضوع فيه لمن يكون له الحق فكيف يكون سلباً للحق.

و أمّا ما جاء في هامش تقرير السيد الحائري ص 304 من وجود مخالفة لحقين مولويين في موارد المعصية حق الاحترام و حق تحقيق غرضه... الخ.

ففيه‏: انّ حق تحقيق الغرض ليس غير حق الاطاعة لأوامره و الذي رجع إلى حق الاحترام و الامتثال سواءً كان الغرض يعود عليه أو على المولى أو على شخص ثالث، نعم عدم تحقق الغرض إذا كان راجعاً للمولى قد يوجب التشفي و ذلك خارج عن البحث.

و منه يظهر عدم الأشدية بين العاصي و المتجري لا من حيث القبح و لا الذم العقلي و لا استحقاق العقوبة بل كيف يمكن فرض وحدة درجة القبح و اللوم أمام محكمة الوجدان العقلي مع أشدية استحقاق العقاب لا بملاك التشفي و التفصيل بين العقاب و اللوم كما صدر منه في بحث العقاب غير صحيح أيضاً فإنّ كل ما كان يلام عليه الفاعل المختار عقلًا يستحق بمعنى يحسن عقابه عليه من قبل مولاه الذي له حق تأديبه و عقوبته؛ فكأنّه وقع خلط بين عدم امكان عقوبة العقلاء اللائمين فيما لا يرجع إليهم، و بين عدم استحقاق العقوبة من قبل مولاه الحقيقي على فعله للقبيح حتى إذا لم يكن مربوطاً بالمولى، فراجع و تأمّل.

و يتلخص مما سبق: انّ العقل يدرك قبح التجري كالمعصية، نعم يجدر البحث في أنّ هذا القبح هل هو بملاك الظلم و سلب حق الاحترام و أدب العبودية عن‏