الاجتهاد والتقليد

- السيد رضا الصدر المزيد...
415 /
17

[المقدمات‏]

تمهيد

إنّ أية الله الحاجّ السيّد رضا الصدر (قدس سره) (1300- 1373) فقيه ذو منزلة عالية، و حكيم و متكلّم قلّ مثيله و مفسّر بارع. و هو من عائلة علميّة عريقة ورثت العلم خلفاً عن سلف، و قد اشتهر بالعلم و التقوى و الفقاهة.

ولد في مدينة مشهد المقدّسة، و درس المقدّمات في حوزتها، و بعد أن أنهى دراسة المقدّمات هاجر إلى مدينة قم المقدّسة برفقة والده أية الله العظمى السيّد صدرالدين الصدر (قدس سره) الّذي يعتبر من المراجع الكبار في ذلك الوقت.

لقد درس دروس السطح و الخارج في الفقه و الأصول و الفلسفة و العرفان على كبار أساتذة الحوزة العلميّة في مدينة قم المقدّسة؛ من أمثال والده، و المرحوم أية الله العظمى حجّت، و المرحوم مؤسّس الجمهوريّة الإسلامية في إيران أية الله العظمى الإمام الخمينى (قدس سره).

و في خلال مدّة قصيرة عدّ من البارزين في الحوزة العلميّة؛ و ذلك بسبب جهوده الكبيرة، و نبوغه البارع. و لاتّصافه بصفات خاصّة عدّ من الشخصيّات العلميّة المشار إليها بالبنان.

و إنّ هذا العالم الجليل الّذي حصّل على أعلى المراتب العالية في الاجتهاد كان في نفس الوقت في مستوى المرجعيّة، و مدرّساً للعلوم الحوزويّة، و كاتباً مؤثّراً في النفوس، و صاحب بيان جميل.

و لباعه الطويل في جميع ميادين العلوم استطاع أن يترك خلفه ثروة علميّة كبيرة.

أنّ اجتماع إتقان الموضوعات و المطالب، و مراعاة الأمانة في نقلها، مع تقوى الكاتب، بالإضافة

18

للتفكير العميق و البحث الدقيق، قادر على أن يروي عطاشى معرفة الحقيقة من عين المعرفة الصافية. و نحن نرى بوضوح هذه الميزات في الآثار العلميّة القيّمة التي خلّفها المرحوم أية الله الصدر.

و أمّا ترجمة حياته (رحمه الله) فقد كتبت في العدد الأوّل من سلسلة آثارة، أي في تفسير سورة الحجرات.

و في الختام، نسأل اللّه سبحانه و تعالى أن يوفّقنا لإتمام آثارة العلميّة بالنحو اللائق، ليعمّ النفع في الحوزات العلميّة و الأمّة الإسلاميّة. و نتقدّم بالشكر الجزيل لجميع المسئولين في مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي في قمّ المشرّفة الذين هيّؤوا السبل لنشر هذه المؤلّفات.

السيد باقر خسروشاهى‏

19

تصدير

الحمد لله الذي خلقني فهو يهدين، و الّذي يطعمني و يسقين، إذا مرضت فهو يشفين، الّذي يميتني ثم يحيين، و الّذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين، و الصلاة على محمد خاتم النبيّين و رسوله الصادق الأمين، أرسله رحمة للعالمين، و على إله الطيّبين الطاهرين المعصومين، الهداة المهديّين.

إنّ الله تعالى قد أنزل على رسوله الكريم قرآنه المجيد، و كتابه الخالد تبياناً لكلّ شي‏ء، ناصحاً لا يغشّ، و هادياً لا يضلّ، لا يأتيه الباطل من بين يديه، و لا من خلفه، و إنّه تعالى قد تكفّل بحفظه.

و لم تكن العصمة و الخلود لمجرّد تعبّد الناس بتلاوته، و تبركّهم بكرامته، و إنّما كان هذا و ذاك عن حكمة أسمى، و رحمة أشمل، و هي أن تجعل الأُمّة الإسلاميّة تحت ظلاله أبد الدهر، منتفعين به في جميع شؤونهم و أحوالهم، و أن تبقى الحجّة به قائمة على صدق رسوله و حقّيّة شريعته.

و ما دام للمسلمين عقول تفكّر و قلوب تفقّه، فلا بدّ لهم من النظر في كتاب ربّهم ليعرفوا أحكامه و حلاله و حرامه و سننه و فرائضه و رخصه و عزائمه خاصّه و عامّه و ناسخه و منسوخه، و إلا كانوا منتسبين إلى القرآن بالاسم و الميراث، دون أن تكون منهم فرقة متفقّهة في الدين ينفرون إليه بعقولهم و قلوبهم و أجسامهم، قائمين راحلين، فحصاً و علماً و درساً و عرفاناً.

ثمّ إنّه تعالى جلّت حكمته قد أودع عند رسوله العظيم جميع أحكامه، و عرّفها له بالوحي و الإلهام، و نصبه علماً للعالمين شارعاً للدين، فكانت سنّته عليه الصلاة و السلام هي الثاني بعد

20

كتابه الكريم؛ فإنّها البيان له و التفصيل. فكان يدأب في بثّ شريعته، و نشر دعوته من يوم بعثته إلى يوم رحلته سرّاً و جهاراً و ليلًا و نهاراً، و أودع النّبي الكريمُ هذه الأحكام الإلهية، و الشرائع الكافلة للسعادة الإنسانية عند أهل بيته الطيّبين، و عترته المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين)، فقد صدع بذلك في نصوص محكمة، و كلمات جامعة متواترة.

و لا يخفى أنّ صحابتهُ كانوا مختلفين في فهم نصوص الكتاب و السنّة حسب اختلافهم في الأفهام و القرائح؛ اقتضاءً للطبيعة البشريّة، و قد يسمع صحابي حكماً من الشارع في واقعة فقد سمع صحابي آخر في مثلها خلافه، و تكون هناك خصوصيّة في إحدى الواقعتين تقتضي تغاير الحكمين، و غفل أحدهما عن الخصوصيّة، أو التفت و غفل عن نقلها مع الحديث، فيقع التعارض في الأحاديث ظاهراً، و لا تنافي واقعاً.

و لمثل ذلك احتاج الأصحاب أنفسهم في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد، و النظر في الأحاديث، و ضمّ بعضها إلى بعضها، و الالتفات إلى القرائن الحاليّة، فقد يكون للأحكام ظاهر و مراد الشارع خلافه؛ اعتماداً على قرينة كانت في المقام، و لكنّ الحديث نقل و القرينة لم تنقل.

و كان الصحابي الذي من أهل الفتوى و الرواية تارة يروي نفس ألفاظ الحديث للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال رأو محدّث، و تارة أُخرى يذكر الحكم الذي استفاده من حديث، أو من الأحاديث حسب نظره، و اجتهاده، فهو في هذا الحال مفت و صاحب رأي، و أهل هذه الملكة هم المجتهدون، و سائر المسلمين الذين لم يبلغوا هذه المرتبة إذا أخذوا برأيه هم المقلّدون، و كلّ ذلك قد جرى في زمن صاحب الرسالة (صلوات الله و سلامه عليه)، و بمرأى منه و مسمع.

و من يعط النظر حقّه في تأريخ فقه الإسلام و مبدئه يتّضح له أنّ باب الاجتهاد كان مفتوحاً منذ عصر النبوّة، و بين الأصحاب فضلًا عن غيرهم، و فضلًا عن سائر الأزمنة، فلا فقه إلا بالاجتهاد، و المجتهد هو الفقيه. و القول بسدّ باب الاجتهاد بين الصحابة يلازم القول بنفي الفقاهة عنهم، و من المعلوم أنّه كان بينهم فقهاء علماء.

إنّ الاجتهاد في ذلك اليوم كان خفيف المئونة جدّاً؛ لقرب العهد، و توفّر القرائن، و إمكان السؤال المفيد للعلم القاطع.

ثمّ كلّما بعد العهد من زمن الحضور، و تكثّرت الآراء، و صعب الفهم للكلام العربي على حاقّ‏

21

معناه، و تكثّرت الأحاديث و الروايات، و دخل فيها الدسّ و الوضع، و توفّرت دواعي الكذب على النبي عليه الصلاة و السلام أخذ الاجتهاد، و معرفة الحكم الشرعي يصعب، و يحتاج إلى مزيد مئونة، و استفراغ وسع، و جمع بين الأحاديث، و تمييز الصحيح عن السقيم، و ترجيح بعضها على بعض.

و من مفاخر الشيعة الإماميّة الذين يتمسّكون بالثقلين أنّ باب الاجتهاد بالمعنى الذي يقولون به لا يزال عندهم مفتوحاً، و لن يزال إن شاء الله تعالى حتى تقوم الساعة، بخلاف المشهور عند جمهور أهل السنّة من أنّه قد سُدّ و أغلق على ذوي الألباب، و لست أدري في أيّ زمان قد انسدّ هذا الباب؟ و بأيّ نحو كان ذلك الانسداد؟ و لعلّه من ثمرات مداخلة سلطان الحكم في هذه الشؤون.

و قد بيّن كثير من حذّاق العلماء في مذاهب أهل السنّة أنّ هذا زعم باطل، و تضييق لا دليل عليه، و أنّ هذا إنّما حدث في عصور الضعف الفقهي، و يبدو من تفسيرهم للاجتهاد أنّه لم يعدّ بين المسلمين من يصلح هذا المنصب؛ لقصور الباع و قلّة المتاع، لا لأنّ باباً قد أُقفل، أو واسعاً قد حجّر.

و لعلّ هذا الكلام نشأ من حسن الظنّ بالسلف، و سوء الظنّ بالخلف.

و البحث العلمي يجب أن يكون منزّهاً عن كليهما، فكلّ من الأمرين يحجب الباحث من الوصول إلى غايته المرموقة، و إنّ قوام البحث بالحياد، و إلا فليس ببحث.

إنّ حسن الظنّ الممدوح هو وضع فعل الأخ على وجه أحسن، و ليس من حسن الظنّ جعل فعله حجّة للمذهب، و مشعلًا يستنار به.

إنّ الحقائق المجهولة تنكشف لدى الباحث إذا لم يؤثّر في بحثه حبّ، أو بغض؛ فإنّ لتأثير الحبّ و البغض و العداوة و الصداقة مكان آخر، و العلم أشرف و أغلى من أن يكون مكاناً له.

إنّ التعصّب في كلّ شي‏ء قبيح، لكنّ التعصّب في البحث أقبح، و البحّاثة من لا يكون متعصّباً و ذلك هو المجتهد، و من لا يتيح له مثل هذا البحث هو المقلّد تنبّه أم لم يتنبّه.

إنّ الإسلام عقيدة و عمل، و هو مشتمل على أُصول و فروع: فالأُصول: هي المعتقدات التي فرض الإسلام الإيمان بها، و من لم يكن مؤمناً بها فليس بمسلم. و المتكفّل لبيان أُصول عقائد الدين الإسلامي، و إثباتها بالحجج، و البراهين هو الفلسفة الإسلاميّة و علم الكلام.

و أمّا الفروع: فهي الأحكام المتعلّقة بأفعال المكلّفين العباديّة منها، أو الصادرة عنهم في سبيل‏

22

معايشهم، و حوائجهم.

و يفرض الإسلام على كل مسلم العمل بأحكامه، و من لم يعمل بها فليس بمطيع لله و لرسوله. و المتكفّل لبيان الأحكام الفرعيّة الإسلاميّة علم الفقه.

و من البديهي أنّ العمل بكلّ حكم موقوف على العلم به؛ فإنّ الجهل بالحكم يسدّ طريق الوصول إليه، فالعلم مقدّم على العمل و مقدّمة للعمل.

و تحصيل المعرفة بالأحكام الفرعيّة الإسلاميّة بطريقين: الاجتهاد لمن طلب و تمكّن، و التقليد لمن لم يتمكّن أو لم يطلب.

و إليك هذه الرسالة التي تبحث عن الاجتهاد و التقليد، و عمّا يترتّب عليهما من الوظائف الشرعيّة، و المناصب الإسلاميّة.

رضا الصدر طهران شوّال المكرّم 1389

23

الاجتهاد

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

الاجتهاد

قيمة الاجتهاد

إنّ الإسلام شريعة صالحة لكلّ زمان و مكان، فهو الدين عند الله دون سواه، و هو دين البشريّة لا غير، دين متكفّل للحياة السعيدة للإنسان، فرده و مجتمعه.

و إنّ للإسلام في كلّ شي‏ء نظر، و لكلّ موضوع حكم، فما من فعل أو قول يصدر من مكلّف إلا و للإسلام له حكم من الأحكام. و للإسلام أحكام إرشاديّة سمحة سهلة بل كلّ أحكامه سمحة سهلة.

و أحكام الإسلام على أصناف: تكليفيّة أو وضعيّة، واقعيّة أو ظاهريّة، مولوّية أو إرشاديّة، نفسيّة أو غيريّة.

و لمّا كانت أعمال الناس و أقوالهم غير محدودة، و وجوه تصرّفاتهم غير متصوّرة، بل هي متجدّدة بتجدّد الأفكار و الأزمان، مختلفة باختلاف البقاع و الأقوام، فقد يحدث موضوع لحكم في جيل جديد ما لم ير مثله في جيل بائت.

و قد يخلق قوم أعمالًا لم يطّلع عليها قوم آخرون، و حينئذ تظهر صلاحيّة هذا الدين لكلّ زمان و مكان، فإنّ فقهاء المسلمين من كلّ عصر، و المفتين منهم من كلّ جيل يستقبلون كلّ حادثة تتجدّد، و كلّ قضيّة تعرض، و يستخرجون حكمها من الأدلّة في إطار الأُصول المحكمة التي هي أساس الشريعة، و يدخلون بالفقه الإسلامي كلّ مجال، يطرقون به كلّ باب، و يحملون عليه الأُمّة الإسلاميّة حملًا، لا بالقوّة و لا بالثورة، بل بالجهاد و الإرشاد، و بالإقناع و التوجيه، و بإبراز محاسنه للفرد و المجتمع،

26

و بالتخلّص من الجمود و التعصّب.

و لعلّ ذلك هو المقصود من دعوى صلاحيّة هذا الدين القويم الصراط المستقيم لجميع الأعوام و الأقوام، و يتجلّى للناس فضل الفقه الإسلامي، و سعة أُفقه، و مدى طواعيّته، و حسن تقبّله لكلّ ما يفيد المجتمع الإنساني مدى الدهور و الأحقاب.

ذلك قيمة الاجتهاد، و هذا قيمة المجتهد، و ما أغلى هذا الثمن فهو المنفّذ لما يضمن سعادة الإنسان و كرامته، فلا ثمن أغلى منه و إن غلا.

إنّ الاجتهاد أهمّ موضوع حي له صلة وثيقة بالفقه الإسلامي؛ لأنّ عليه يترتّب أهمّ وصف يوصف به فقه الإسلام من حيث صلاحيّته لكفالة الحياة السعيدة لجميع أولاد آدم في كلّ عصر و زمان.

الاجتهاد عند الشيعة و السنّة

الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة عبارة عن: استقصاء طرق كشف الأحكام من الكتاب و السنّة، فهو استنباط الفروع من الأُصول المأثورة في الدين. و قد بني الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة على قاعدتين: الكتاب و السنّة: و السنّة محكيّة بواسطة الأئمّة المعصومين من أهل البيت «، أو بنقل ثقات صحابة النبي كلامه أو فعله أو تقريرهُ، و أمّا الإجماع عندنا معاشر الإماميّة فليس بحجّة مستقلّة تجاه السنّة، بل يعدّ حاكياً لها؛ إذ منه يستكشف رأي المعصومين «، و لذا تختصّ حجّيّة الإجماع بالمسائل الأصليّة المتلقّاة من المعصومين (عليه السلام) دون المسائل التفريعيّة التي احتاج الاجتهاد فيها إلى إعمال رويّة و فكر؛ و ذلك معنى تعبّديّة الإجماع عندنا.

قال الفقيه الهمداني (قده) في مصباح الفقيه:

إنّ المدار على حجّيّة الإجماع على ما استقرّ عليه رأي المتأخّرين ليس على اتّفاق الكلّ، بل و لا على اتّفاقهم في عصر واحد، بل على استكشاف رأي المعصوم بطريق الحدس من فتوى علماء الشيعة الحافظين للشريعة، و هذا ممّا يختلف باختلاف الموارد

27

فربّ مسألة لا يحصل فيها الجزم بموافقة الإمام (عليه السلام) و إن اتّفقت فيها آراء جميع الأعلام، كبعض المسائل المبتنية على مبادئ عقليّة، أو نقليّة القابلة للمناقشة، و ربّ مسألة يحصل فيها الجزم بالموافقة و لو من الشهرة (1).

و أمّا العقل عند الشيعة الإماميّة فهو الحاكم في مقام امتثال الأحكام الشرعيّة، و ليس بحاكم في مقام التشريع نعم، قد يصير حكم العقل طريقاً عندهم إلى معرفة حكم الشرع.

و أمّا الاجتهاد عند أهل السنّة فهو أصل مستقلّ تجاه الكتاب و السنّة، و لذا جعل البحث عنه في كتبهم في أُصول الفقه في فصل مستقلّ.

إنّ أهل السنّة لمّا لم يقولوا بإمامة الأئمّة الاثني عشر المعصومين «، و حجّيّة أقوالهم، و لم تكن الأخبار النبويّة الموجودة عندهم كافية لبيان جميع الأحكام الفقهيّة، حداهم الاحتياج في استنباط أحكام الحوادث الواقعة إلى القول بحجّيّة القياس. و لمّا لم يف القياس بها لجأوا إلى الاستحسانات العقليّة، و إلى الحكم على طبق ما يرونه من المصالح و المفاسد الظنّيّة.

و من المعلوم: لو صار باب هذا الاجتهاد منفتحاً لجاز دخول كلّ شي‏ء في الدين، و لله درّ من سدّ باب هذا الاجتهاد.

و أمّا الإجماع عندهم فهو أصل أقوى من الاجتهاد، و هو أيضاً دليل مستقلّ تجاه القرآن الحكيم، و سنّة النبي الكريمُ، فهم يستندون له إلى ما روي عنهُ: «لن تجتمع أُمّتي على الخطإ» (2) و يفسّرون الإجماع باتّفاق المجتهدين من هذه الأُمّة في عصر على أمر من الأُمور.

ثمّ إنّ إطلاق النصّ شامل لجميع الأُمّة، فلا يختصّ بالمجتهدين منهم، كما أنّ إطلاق الأُمّة يعمّ جميع الطوائف الإسلاميّة، فلا يختصّ بأهل السنّة منهم. و الشيعة الإماميّة

____________

(1) مصباح الفقيه، ج 2، ص 436.

(2) مجمع الزوائد، ج 5، ص 218.

28

يقولون بحجّيّة مثل هذا الإجماع؛ لأنّ المعصوم داخل في الأُمّة.

الاجتهاد بحسب اللغة

إنّ البحث عن الاجتهاد قد يقع في معناه اللّغوي، و قد يقع في معناه الاصطلاحي الذي هو المقصود في هذا الباب، و لكن لمّا كان البحث عن المعنى اللغوي لا يخلو من الفائدة فقد بدأنا البحث عنه أوّلًا.

قال ابن الأثير: الاجتهاد: بذل الوسع في طلب الأمر، و هو افتعال من الجهد و الطاقة. و قال: الجهد بالضمّ: الوسع و الطاقة، و بالفتح: المشقّة. (1) و قال الفيّومي:

الجهد بالضمّ في الحجاز، و بالفتح في غيرهم: الوسع و الطاقة، و قيل: المضموم: الطاقة، و المفتوح: المشقّة. و قال: اجتهد في الأمر: بذل وسعه و طاقته في طلبه ليبلغ مجهوده، و يصل إلى نهايته. (2) أقول: قوله: «قيل: المضموم» لعلّه ناظر إلى تفسير ابن الأثير.

و قال في أقرب الموارد: «الاجتهاد: بذل الوسع في تحصيل أمر مستلزم للكلفة.» (3) تقول: اجتهد في حمل الحجر، و لا تقول: اجتهد في حمل الخردلة. و قال: الجهد بالفتح: مصدر جهد: الطاقة، يقال: أفرغ جهده أي طاقته، و المشقّة يقال: أصاب جهداً أي مشقّة. و الجهد بالضمّ: الطاقة.

و قال العلائلي في مرجعه:

الاجتهاد مصدر بذل غاية الوسع، و أقصاه في نيل المقصود، و لا يستعمل إلا فيما فيه كلفة و مشقّة.

____________

(1) النهاية، ج 1، ص 319، (جهد).

(2) المصباح، ج 1، ص 138، (جهد).

(3) أقرب الموارد، ج 1، ص 114، (جهد).

29

أقول: ظاهر كلام هؤلاء الذين هم أئمّة اللغة أنّ الاجتهاد مأخوذ من الجهد الذي بمعنى الوسع و الطاقة، سواء أ كان بالفتح أم بالضمّ، و لم يقل أحد منهم إنّ الاجتهاد من الجهد الذي بمعنى المشقّة، كما أن كلّ من فسّر منهم الاجتهاد فسّره ببذل الوسع في طلب أمر، و لم يفسّره بتحمّل المشقّة.

فظهر الفساد فيما ذكره العلامتان: الخراساني، و العراقي من المعنى اللغوي للاجتهاد في الكفاية، و في المقالات.

فقد قال الأوّل: الاجتهاد لغة تحمّل المشقّة، و قال الثاني: الاجتهاد مأخوذ من الجهد بمعنى المشقّة.

و يرد عليهما أيضاً: أنّ المستفاد من كلام هؤلاء اللغويّين أنّ نحواً من الطلب داخل في مفهوم الاجتهاد اللغوي، فلا ينطبق على مطلق تحمّل المشقّة و إن كان يقارنه كثيراً.

الاجتهاد بحسب الاصطلاح‏

و قد عرّف الاجتهاد عند القوم بتعريفات:

منها ما حكي عن ابن الحاجب و هو «استفراغ الوسع في تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي» (1).

أقول: هذا المعنى و إن يناسب المعنى اللغوي للاجتهاد، لكنّه لا يناسب المعنى المصطلح عليه عند الكلّ، فإنّ الإماميّة غير قائلين بحجّيّة الظنّ مطلقاً من أي طريق حصل سواء أ كان في حال التمكّن من تحصيل العلم و انفتاح بابه، أم في حال عدم التمكن منه و انسداد بابه.

لكنّ المحقّق الخراساني قد كمّل هذا التعريف على مذهب الإماميّة أيضاً، فقال في الكفاية: «الأولى تبديل الظنّ بالحكم عليه» (2) فيفيد أنّ الاجتهاد بالمعنى المصطلح عند الكلّ هو استفراغ الوسع في تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي.

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 422.

(2) كفاية الأُصول، ج 2، ص 422.

30

قال (قده):

فإنّ المناط فيه هو تحصيلها قوّة أو فعلًا لا تحصيل الظنّ بما أنّه ظنّ، حتّى عند القائلين بحجّيته مطلقاً، أو بعض الخاصّة القائل بها عند انسداد باب العلم بالأحكام، فإنّ الظنّ بنحو الإطلاق عند الأوّلين، أو في حال الانسداد عند الثاني من أفراد الحجّة، و لهذا لا شبهة في عدّ استفراغ الوسع في تحصيل غير الظنّ من أفراد الحجّة اجتهاداً أيضاً، سواء أ كان ذلك الغير من قبيل العلم بالحكم أم غيره ممّا اعتبر من الطرق التعبّديّة التي لا يفيد الظنّ و لو نوعاً. (1) انتهى مع تحرير في كلامه.

و يرد على هذا التعريف أنّه أعمّ من المعرّف؛ لشموله الاستفراغ الذي يستعمله غير صاحب الملكة في تحصيل الحجّة، مع أنّ الاجتهاد متقوّم بالملكة.

و منها: ما حكي عن شيخنا البهائي من: «أنّه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلًا، أو قوّة قريبة».

أقول: هذا التعريف غير مبيّن لحقيقة الاجتهاد؛ إذ الاجتهاد ليس نفس الملكة، و إلا لكان إضافة الملكة إلى الاجتهاد بيانيّة، و الحال أنّ إضافة الملكة إلى الاجتهاد كإضافتها إلى صفات العدالة، و السخاوة، و الشجاعة، و نحوها، مضافاً إلى أنّه لا يصدق على من حصلت له هذه الملكة العناوين الواردة في النصوص مثل قوله (عليه السلام): «من عرف أحكامنا، و نظر في حلالنا، و حرامنا (2)» فإنّ الظاهر من الملكة أنّه أمر بالقوّة، و لذلك قال: «يقتدر بها» و ظاهر النصّ أنّ العارف بالأحكام، و الناظر في الحلال و الحرام أمر بالفعل.

فالتعريف المقبول: أنّ الاجتهاد: استخراج الحكم من الحجّة ناشئاً عن الملكة.

و قد عرفت أنّ نحواً من الطلب داخل في مفهوم الاجتهاد اللغوي.

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 422.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 300، الباب 31 من أبواب كيفيّة الحكم، ح 2. مع اختلاف يسير.

31

ثمّ اعلم أنّ ملكة الاجتهاد تفارق سائر الملكات في شي‏ء، و هو إمكان حصول تلك الملكات بالمداومة على الأفعال التي تنشأ منها؛ فإنّ الشجاعة قد تأتي من التشجّع، و السخاوة قد تأتي من التسخّي، لكن ملكة الاجتهاد لا تحصل إلا بمعرفة العلوم التي يتوقّف عليها حصول هذه الملكة.

و عرّفه المدقق الأصفهاني في تعليقته على الكفاية:

أنّه استنباط الحكم من دليله، قال (قده): و هو لا يكون إلا عن ملكة، فالمجتهد هو المستنبط عن ملكة، و هو موضوع الأحكام باعتبار انسياق الفقيه، و العارف بالأحكام إليه، ثمّ قال: و هذه الملكة تحصل دائماً بسبب معرفة العلوم التي يتوقّف عليها الاستنباط، و ليست ملكة الاستنباط إلا تلك القوّة الحاصلة من معرفة هذه العلوم، و ليست بقوّة أُخرى تسمّى بالقوّة القدسيّة؛ فإنّ الاجتهاد بمعنى استفراغ الوسع في تحصيل الحجّة على الحكم ممكن الحصول للعالم و الفاسق، و المؤمن و المنافق‏ (1).

أقول: و هو كلام حسن.

ثمّ إنّه لا وجه لتأبّي علمائنا الأخباريّين عن لفظ الاجتهاد بما ذكرنا له من المعنى؛ إذ لو لم يكن الاجتهاد لانسدّ باب معرفة الأحكام في غير الضروريات من الدين.

نعم، لهم الإباء عن حجّيّة بعض ما يقوله المجتهدون بحجّيّته، و ذلك غير مضرّ بصحّة نفس الاجتهاد، و على هذا يصير النزاع بين الأخباري و الأُصولي صغرويّاً و ليس بكبروي فإنّ النزاع في الصغرى واقع بين الأخباريين أنفسهم، كما يقع مثل ذلك بين الأُصوليّين كثيراً.

و لعلّ مخالفة العالم الأخباري مع العالم الأُصولي من جهة الاختلاف في مفهوم الاجتهاد لا في مصداقه و حقيقته، فقد زعم الأخباري أنّ الأُصولي يقصد من الاجتهاد استخراج الحكم من القياس و الاستحسان، مع أنّ الإماميّة كلا لا يقولون بذلك.

____________

(1) نهاية الدراية، ج 6، ص 363.

32

علم الاجتهاد

إنّ الاجتهاد هو الغاية لعلم أُصول الفقه الذي هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة، فلا يصير البحث عن الاجتهاد داخلًا في مباحث أُصول الفقه، و إلا لزم دخول البحث عن الغاية في البحث عن المغيّا.

و لمّا كان الاجتهاد من الموضوعات الخارجيّة، و أنّه ليس بحكم شرعي فلا يكون البحث عنه داخلًا في مباحث علم الفقه؛ فإنّه العلم بالأحكام الشرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة.

ثمّ إنّ البحث عن الاجتهاد ليس من مباحث علم أُصول الدين؛ لأنّ الاجتهاد عبارة عن استخراج الحكم الفرعي من الحجّة، و أين هذا من ذاك؟ فالبحث عن الاجتهاد علم مستقلّ من العلوم الإسلاميّة، و ليس من مباحث الفقه، و لا من مباحث أُصول الفقه، و لا من مباحث أُصول الدين.

و بما ذكرنا تبيّن الحال في البحث عن التقليد أيضاً، فإنّه غير داخل في أبحاث أُصول الفقه؛ لما عرفت و ستعرف كما أنّه ليس بداخل في مباحث علم الفقه الذي موضوعه فعل المكلف، فإنّ التقليد ليس نفس فعل المكلّف و إنّما هو من العوارض الطارئة لفعله، و ليس البحث عن التقليد من مباحث أُصول الدين، و إن قيل يجوز التقليد فيها، فإنّ التقليد في الأُمور الاعتقاديّة من قبيل الحجّة و البرهان لها، و ليس منها، فالبحث عن التقليد أيضاً علم مستقلّ من العلوم الإسلاميّة.

الاجتهاد واجب كفائي‏

الاجتهاد واجب كفائي في الإسلام، فإذا أقامه البعض سقط الوجوب عن الباقين، و إن لم يقم به أحد أثم المسلمون جميعاً في ذلك العصر الذي لا يوجد فيه مجتهد. و الحجّة على وجوبه الكفائي قوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا

33

فِي الدِّينِ‏ (1). إنّ التفقّه في الدين هو الاجتهاد فيه الذي قد وجب بحكم هذه الآية الكريمة على طائفة من كلّ فرقة؛ لأنّ النفر لا يجب على جميعهم.

ثمّ إنّ العقل حاكم أيضاً بوجوبه الكفائي، فلولا وجود مجتهد عالم بالأحكام لما أمكن إطاعة الله، و لا إطاعة رسوله، و إطاعة «أولي الأمر. فوجوب الاجتهاد وجوب طريقي عند العقل لإطاعة أحكام الله المتعلّقة بأفعال المكلّفين.

الاجتهاد واجب تخييري‏

قسّموا الواجب التخييري في صناعة أُصول الفقه إلى: تخيير عقلي، و تخيير شرعي.

و يقصدون بالتخيير العقلي التخيير بين أفراد طبيعة واجبة، كتخيير المكلّف بين أفراد الصلاة المكانيّة أو الزمانيّة.

و يقصدون بالتخيير الشرعي ما إذا لم يكن بين عدلي التخيير جامع حقيقي، و يكون الواجب كلّ واحد من الأمرين، لكنّه بحيث لو أتى بأحدهما سقط الآخر عن الوجوب، كالتخيير بين خصال الكفّارة.

و نقصد بتخيير المكلّف بين الاجتهاد و التقليد، و العمل بالاحتياط معنى ثالثاً، هو أنّ الواجب عند العقل أحد هذه الثلاثة على سبيل منع الخلوّ في اصطلاح المناطقة، فالجمع بين عدلين في هذا التخيير، كالجمع بين الاجتهاد و الاحتياط لا يستلزم لغويّة أحدهما، كما كان يستلزم ذلك في ذينك المعنيين من التخيير.

فالمراد من هذا التخيير أنّ العقل يحكم بانحصار طريق الإطاعة في العمل بأحد هذه الطرق الثلاثة لكلّ مكلّف يؤمن بالله و برسوله، و يعلم تشريع أحكام من الله إلزاميّة، و يعلم أنه ليس بمهمل من جانب الله في أفعاله، فهو ليس مثل الحيوانات، و امتثال تلك الأحكام واجب عند العقل؛ لحصول الأمن من العقاب على عدم الامتثال، أو من باب وجوب شكر المنعم كما قيل.

____________

(1) التوبة (9) الآية 122.

34

الاجتهاد بالرأي‏

قد اشتهر بين إخواننا أهل السنّة إطلاق الاجتهاد على استخراج الحكم الشرعي بالرأي، أو القياس، أو الاستحسان.

قال الأُستاذ محمد معروف الدواليبي:

فإذا عرضت قضيّة، و ليس في أحكام الكتاب و السنّة و الإجماع نصّ عليها فإنّ الكتاب و السنّة قد اعترفاكما مرّ سابقاً بالاجتهاد كأصل رابع من أُصول الشريعة، و لقد جاء في الكتاب قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ‏ (1) و جاء أيضاً قوله: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ (2). و قوله تعالى: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ (3).

ثم احتجّ من السنة بحديث معاذ بن جبل. (4) أقول: لم أدرك وجود أي اعتراف في هذه الآيات الكريمة بأنّ الاجتهاد أصل رابع من أُصول الشريعة الإسلاميّة، فإنّ الخطاب في الآية الأُولى يختصّ بنفس الرسول، و لا يشترك معه غيره، و إنّ قوله تعالى: بِما أَراكَ اللَّهُ‏ ظاهر في أنّ حكمه بين الناس إنّما يكون بما أنزل الله إليه من الكتاب، كما يشهد بذلك صدر الآية الكريمة.

و أمّا الآيتان الأخيرتان فهما تفيدان مطلوبيّة التفكّر و التعقّل في الآيات، فهما ترشدان إلى الأصل الأوّل من أُصول الشريعة، و أين هما من الدلالة على أصل رابع؟! و قال الأُستاذ سميح عاطف في مقال له في الاجتهاد و التقليد: الاجتهاد ثابت بنصّ الحديث، فقد روي عن رسول اللهُ أنّه قال لمعاذ حين أرسله والياً إلى اليمن: «بم تحكم؟» قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: بسنّة

____________

(1) النساء (4) الآية 105.

(2) يونس (10) الآية 24.

(3) الروم (30) الآية 28.

(4) المدخل في علم أُصول الفقه، ص 52.

35

رسول اللهُ، قال: «فإن لم تجد؟» قال: باجتهاد الرأي، قال: «الحمد لله الذي وفّق رسول الله لما يحبّه الله و رسوله» (1).

إنّ صحّة إطلاق الاجتهاد على استخراج الحكم بالرأي بحسب اللغة محلّ تأمّل من جهة كونه أمراً سهلًا، فإنّ المعتبر في مفهوم الاجتهاد كون المطلوب فيه ذا كلفة، فلا يقال: اجتهد في حمل الخردلة.

أضف إلى ذلك أنّ في استخراج الحكم الشرعي بالرأي تناقض خفي؛ إذ الحكم الشرعي هو الذي صدر من جانب الله (تع)، و أمّا الحكم الذي استخرج بالرأي فقد صدر عن صاحب الرأي، و هو غير الله.

أمّا الحديث فيجب البحث عن صحّة سنده، و عن دلالته؛ فإنّه لم يروه أحد من أصحاب الصحاح؛ إنّما رواه محمّد بن سعد كاتب الواقدي في طبقاته الكبرى بسنده إلى الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة قال: «أخبرنا أصحابنا عن معاذ بن جبل بذلك» (2) فالحديث مرسل بإبهام الواسطة عن معاذ فالواسطة مجهول.

و قال الذهبي في ميزان الاعتدال: «الحارث بن عمرو عن رجال عن معاذ بحديث الاجتهاد» (3). قال البخاري: «لا يصحّ حديثه» (4).

قلت: تفرّد به أبو عون محمّد بن عبيد الله الثقفي، عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة (5)، و ما روي عن الحارث غير أبي عون، فهو مجهول.

و قال الترمذي: «ليس إسناده عندي بمتّصل» (6).

ثمّ إنّ في متن الحديث دلالات توجب الريب في صحّته أيضاً:

1 هذا الاصطلاح في الاجتهاد أمر حدث بعد النبي، و لم يعهد في حياته المقدّسة إطلاق الاجتهاد على هذا المعنى.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 5352، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 38.

(2) طبقات الكبرى، ج 3، ص 584.

(3) ميزان الاعتدال، ج 1، ص 439، ح 1635.

(4) ميزان الاعتدال، ج 1، ص 439، ح 1635.

(5) ميزان الاعتدال، ج 1، ص 439، ح 1635.

(6) ميزان الاعتدال، ج 1، ص 439، ح 1635.

36

2 يلزم من هذا القول نقص في دين الإسلام؛ إذ فيه تصريح بعدم وجود أحكام في الكتاب و السنّة.

3 يلزم منه اعتراف الرسولُ بنقص فيما جاء به، و تصريحه بذلك.

4 يلزم منه كون معاذ عالماً بجميع ما في الكتاب، و جميع ما في السنّة، و لم يعرف في الصحابة رجل يكون عالماً بجميع الكتاب و السنّة سوى من جعله الرسول عدلًا للكتاب في نصّ الثقلين.

5 يلزم منه انتهاء نزول القرآن، و انتهاء السنّة النبويّة في وقت إرسال معاذ إلى اليمن، و ذلك باطل؛ لأنّهما انتهيا بوفاة الرسولُ.

6 يلزم منه جعل جميع أصحاب الرأي أصحاب تشريع، و جعل تشريعاتهم عدلًا لتشريعات الكتاب و السنّة، و عليه لا يبقى للدين حدّ.

7 يلزم منه اختصاص الحكم في باب القضاء بالشبهة الحكميّة، مع أنّ أكثر الأقضية يرجع إلى اختلاف الخصمين في الموضوعات حال اتّفاقهما في الحكم، بل يلزم منه عدم تمييز معاذ بين الشبهة في الحكم و الشبهة في الموضوع.

و لست أدري أيّ شي‏ء كان يمنع معاذاً حينما حضرته واقعة لم يعرف حكمها أن يؤجّل القضاء حتّى يكتب إلى رسول اللهُ، و يسأل الحكم؟! و أيّ مانع كان للنبي الكريمُ من إرشاد معاذ إلى ذلك؟! فالظاهر أنّ النصّ موضوع على لسان معاذ، و أنّ الوضع كان بعد وفاة النبي بشهادة القرآن الحكيم، فإنّ فيه دلالات، و إشعارات على حرمة الاجتهاد بالرأي، و إليك قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ (1) و في القرآن أيضاً دلالات، و إشارات إلى حرمة الرجوع، و التعبّد إلى الذين يجتهدون بآرائهم، و إليك قوله تعالى:

____________

(1) القصص (28) الآية 50.

37

اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (1).

إنّ اتّخاذهم أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون الله هو التعبّد بتشريعاتهم، و العمل بها، كما جاء في التفسير.

و قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً (2).

و بشهادة النصوص الواردة عن نبيّنا الكريمُ من طريق عترته الطاهرة «.

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): «نهى رسول الله عن الحكم بالرأي و القياس» قال: «و أوّل من قاس إبليس، و من حكم في شي‏ء من دين الله برأيه خرج من دين الله» (3).

و قال: قال الله تعالى: ما أمن بي من فسّر برأيه كلامي، و ما عرفني من شبّهني بخلقي، و ما على ديني من استعمل القياس في ديني‏ (4).

و قال: «ستفترق أُمّتي على بضع و سبعين فرقة، أعظمها فرقة على أُمّتي قوم يقيسون الأُمور برأيهم، فيحرّمون الحلال و يحلّلون الحرام» (5).

و قال: «إيّاكم و أصحاب الرأي، فإنّهم أعيتهم السنن أن يحفظوها فقالوا في الحلال و الحرام برأيهم، فأحلوا ما حرّم الله، و حرّموا ما أحلّ الله، فضلّوا و أضلّوا» (6).

و إليك بعض النصوص الواردة من أهل بيت النبي الكريم و هم العترة الطاهرة «.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، و من‏

____________

(1) التوبة (9) الآية 31.

(2) النساء (4) الآية 60.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 47، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 26.

(4) وسائل الشيعة، ج 27، ص 45، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 22.

(5) بحار الأنوار، ج 2، ص 312 أقول.

(6) بحار الأنوار، ج 2، ص 308، ح 69.

38

دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس» (1).

و قال (عليه السلام): «لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجل أولى بالمسح من ظاهرها» (2).

و قال (عليه السلام): «لا تقيسوا الدين؛ فإنّ أمر الله لا يقاس» (3).

و قال الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام): «إنّ دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة، و الآراء الباطلة، و المقاييس الفاسدة، و لا يصاب إلا بالتسليم» (4).

و قال (عليه السلام): «من دان بالقياس و الرأي هلك» (5).

و قال الإمام جعفر بن محمَّد الصادق (عليه السلام): «إنّ السنّة لا تقاس، أ لا ترى أنّ المرأة تقضي صومها و لا تقضي صلاتها؟ إنّ السنّة إذا قيست محقت‏ (6)».

و دخل أبو حنيفة على الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، فقال له: «من أنت؟» قال: أبو حنيفة.

قال: «مفتي أهل العراق؟» قال: نعم.

قال (عليه السلام) «بم تفتيهم؟» قال: بكتاب الله.

قال (عليه السلام): «و إنّك لعالم بكتاب الله ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه؟» قال: نعم.

قال (عليه السلام): «فأخبرني عن قول الله عزّ و جلّ: وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏ (7)؛ أيّ موضع هو؟» قال أبو حنيفة: هو ما بين مكّة و المدينة.

فالتفت الإمام الصادق (عليه السلام) إلى جلسائه و قال: «نشدتكم بالله، هل تسيرون بين مكّة و المدينة و لا تأمنون على دمائكم من القتل، و على أموالكم من السرق؟» فقالوا: اللهمّ نعم.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 41، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 11.

(2) بحار الأنوار، ج 2، ص 84، ح 9.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 52، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 36.

(4) بحار الأنوار، ج 2، ص 303، ح 41.

(5) بحار الأنوار، ج 2، ص 303، ح 41.

(6) وسائل الشيعة، ج 27، ص 41، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 10.

(7) سبأ (34) الآية 18.

39

فقال الصادق (عليه السلام): «و يحك يا أبا حنيفة! إنّ الله لا يقول إلا حقّا. أخبرني عن قول الله عزّ و جلّ: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (1) أي موضع هو؟» قال ذلك بيت الله الحرام.

فالتفت الإمام (عليه السلام) إلى جلسائه فقال: «نشدتكم بالله هل تعلمون أنّ عبد الله بن الزبير و سعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل؟» قالوا: اللهم نعم.

فقال الإمام: «و يحك يا أبا حنيفة! إنّ الله لا يقول إلا حقّا» فقال أبو حنيفة: إنّما أنا صاحب قياس.

قال الإمام (عليه السلام): «فانظر في قياسك إن كنت مقيساً، أيّما أعظم عند الله، القتل أو الزنى؟» قال: بل القتل.

قال الإمام: «فكيف رضي في القتل بشاهدين و لم يرض في الزنى إلا بأربعة».

ثمّ قال له: «الصلاة أفضل أم الصيام؟» قال: بل الصلاة أفضل. قال الإمام: «فيجب على قياس قولك قضاء ما فاتها على الحائض من الصلاة في حال حيضها دون الصيام، و قد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة».

ثمّ قال له: «البول أقذر أم المني؟» قال: البول أقذر. قال الإمام: «يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني! و قد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول» قال: إنّما أنا صاحب رأي.

قال الإمام (عليه السلام): «فما ترى في رجل كان له عبد فتزوّج و زوّج عبده في ليلة واحدة فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة ثمّ سافرا، و جعلا امرأتيهما في بيت واحد، فولدتا غلامين، فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين، و بقي الغلامان، أيّهما في رأيك المالك و أيّهما المملوك؟ و أيّهما الوارث، و أيّهما الموروث؟» قال أبو حنيفة: إنّما أنا صاحب حدود.

قال الإمام (عليه السلام): «فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح، و أقطع قطع يد رجل‏

____________

(1) آل عمران (3) الآية 97.

40

كيف يقام عليه الحد؟» قال: إنّما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء.

قال الإمام: «فأخبرني عن قول الله تعالى لموسى و هارون حين بعثهما إلى فرعون: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ (1) لعلّ منك شكّ» قال: نعم.

قال: «و كذلك من الله شكّ إذ قال لعلّه؟!» قال أبو حنيفة: لأعلم لي.

قال الإمام: «تزعم أنّك تفتي بكتاب الله و لست ممّن ورثه، تزعم أنّك صاحب قياس، و أوّل من قاس إبليس، و لم يبن دين الإسلام على القياس. و تزعم أنّك صاحب رأي و كان الرأي من رسول الله صواباً، و من دونه خطأ؛ لأنّ الله تعالى قال: فاحكم بينهم بما أراك الله‏ (2) و لم يقل ذلك لغيره.

و تزعم أنّك صاحب حدود و من أُنزلت عليه أولى بعلمها منك، و تزعم أنّك عالم بمباعث الأنبياء، و لخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك.

لولا يقال: دخل على ابن رسول الله فلم يسأله عن شي‏ء ما سألتك عن شي‏ء، فقس إن كنت مقيساً.

قال أبو حنيفة: ما قلت بالرأي و القياس في دين الله بعد هذا المجلس. قال الإمام (عليه السلام): «كِ، إنّ حبّ الرئاسة غير تاركك، كما لم يترك من كان قبلك» (3).

الاجتهاد و مقدّماته‏

و لمّا تقرّر أنّ الاجتهاد عبارة عن استخراج الحكم من الحجّة، فعلى هذا لم يكن الاجتهاد في عصر الحضور متوقّفاً على مقدّمات علميّة إذا أمكن المثول بين يدي المعصوم (عليه السلام)، و استفادة الحكم من كلامه الشريف، فإنّ ذلك هو الاجتهاد دون غيره؛ إذ الحجّة كلامه (عليه السلام).

____________

(1) طه (20) الآية 44.

(2) النساء (4) الآية 105؛ المائدة (5) الآية 49. المذكور في الكتاب أُخذ من الآيتين المذكورتين في الهامش.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 4947، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 27 و 28 مع اختلاف يسير؛ الاحتجاج، ج 2، ص 267، ح 237.

41

نعم إذا تعدّدت الأسئلة تعدّدت الأجوبة، و اختلفت كلماته (عليه السلام) بحسب العموم و الخصوص، و الظاهر و الأظهر كان الاستنباط في ذلك العصر متوقّفاً على حمل الظاهر على الأظهر، و على تقييد المطلق بالمقيّد، و نحو ذلك من القواعد التي يجريها العقلاء في محاوراتهم، بل يجري بعضها الإنسان بحسب فطرته، و إنّ صناعة أُصول الفقه متكفّلة للبحث عنها.

و أمّا في عصر الغيبة مثل عصرنا فاستخراج الحكم من الحجّة موقوف على معرفة علوم بها يتمكّن المجتهد من الاستنباط، و تسمّى تلك العلوم بمقدّمات الاجتهاد.

منها: معرفة اللغة العربيّة، فقد نزّل الكتاب بهذه اللغة، و مثله السنّة.

و منها: معرفة العلوم الأدبيّة، كالنحو و الصرف و المعاني و البيان، فإنّ الوصول إلى معاني ألفاظ الكتاب و السنّة متوقّف عليها.

و منها: معرفة علم التفسير بالنسبة إلى آيات الأحكام.

و منها: معرفة علم الرجال بمقدار يتمكّن من تمييز الحديث الموثوق صدوره عن غيره.

و منها: معرفة صناعتي المنطق و أُصول الفقه؛ فإنّ استخراج الحكم من الحجّة متوقّف على إجراء قواعد عقليّة و لفظيّة كلّها مبيّنة في أُصول الفقه، و إنّ معرفة صحّة الاحتجاج موقوفة على معرفة المنطق.

الاجتهاد و إصابة الواقع‏

اتّفقت كلمة العقلاء على عدم إصابة حكمين عقليّين على موضوع واحد، فلا يصدقان معاً، و يستحيل مطابقتهما للواقع، و ذلك هو التناقض المحال بالبديهة، و لا فرق في ذلك بين كون الحكمين متعلّقين بالشريعة و بين كونهما غير متعلّقين بها.

و إذا كان الحكم شرعيّاً فرعيّاً سواء أ كان تكليفاً أم وضعاً فلا خلاف بين علماء الإسلام في تخطئة ما يخالف الحكم إن كان على الحكم دليل قاطع من الكتاب أو السنّة، و إن لم يكن له دليل قاطع بأن كانت معرفته موقوفة على فحص و اجتهاد فقد أطبقت الإماميّة على عدم إصابة حكمين متخالفين معاً، و وافقهم في ذلك جمع من‏

42

علماء أهل السنّة، و سمّيت هذه الطائفة بالمخطئة.

و قد صرّحوا بأنّ للمصيب من المجتهدين أجرين، و للمخطئ منهم أجراً واحداً؛ لما تحمّله من الكدّ و المشقّة في سبيل استخراج الحكم.

و قد خالفهم في ذلك جماعة أُخرى من علماء أهل السنّة، فقالوا بإصابة كلّ واحد من المجتهدين في اجتهاداتهم، سواء أ كانوا متّفقين في الاستنباط أم مختلفين، و سمّيت هذه الطائفة بالمصوّبة.

و مرجع البحث بين الطائفتين إلى أنّ هل لله تعالى في كلّ واقعة لا قاطع عليها من الدليل حكم مخصوص يجب على المجتهد أن يطلبه و يبذل سعيه في تحصيله، فإن وصل إليه اجتهاده فقد أصاب و إلا فقد أخطأ أم ليس لله تعالى في الظنّيات حكم، بل الحكم الإلهي فيها تابع لآراء المجتهدين، فما أدّت إليه أنظارهم، و انتهت إليه أفكارهم فهو حكم الله، فلا يتصوّر فيه خطأ أصلًا؟

و قد يخطر بالبال أنّه إذا لم يكن للحكم وجود حسب الواقع فما معنى الاجتهاد فيه. فإنّ الاجتهاد كما عرّفه ابن الحاجب استفراغ الوسع لتحصيل الظنّ بالحكم الشرعي، و استفراغ الوسع عبارة عن صرف الجهد و بذل الطاقة في طلب الحكم، و الطلب موقوف على العلم بوجود المطلوب؛ لاستحالة تحقّق الطلب بلا علم بوجود المطلوب، و كيف يطلب المجتهد المصوّب أمراً يعلم بعدم وجوده؟ و هل هذا إلا جمع بين النقيضين؟! ثمّ إنّ تحصيل الظنّ لمعرفة شي‏ء موقوف على العلم بتحقّق ذلك الشي‏ء، فإذا كان المجتهد يعلم بعدم تحقّق للمظنون فما معنى تحصيل الظنّ في معرفته؟! و إن شئت قلت: إنّ الظنّ بالحكم موقوف على وجود الحكم؛ لأنّ الظنّ بالنسبة إلى المظنون من قبيل العرض بالنسبة إلى المعروض، فإذا كان وجود الحكم موقوفاً على وجود الظنّ، كما يقول به المصوّب لدار.

احتجّ أصحاب التصويب بأنّه لو كان لله تعالى في كلّ واقعة حكم معيّن لكان الحاكم بغيره عند الخطإ فاسقاً و كافراً؛ لقوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ‏

43

فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ (1) و لقوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ‏ (2) و التالي باطل؛ للإجماع على عدم كفره و فسقه، فالمقدّم باطل.

و أمّا إذا تجرّدت الواقعة عن الحكم لم يصدق عليه أنّه لم يحكم بما أنزل الله؛ إذ لم ينزل في الواقعة ما يغاير فتواه ليصدق أنّه لم يحكم به، و لا يعدّ خافياً على أحد أنّ لازم هذا الكلام أن يكون المجتهد كافراً و فاسقاً إذا أخطأ في حكم له دليل قاطع من الكتاب و السنّة، أو يكون كلّ مجتهد مصيباً فيه؛ و ذلك بعيد عن الطبيعة البشريّة.

و حلّ الإشكال أنّ الظاهر من قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ* كونه ناظراً إلى صورة العمد، و عند معرفة الحكم المنزل، فهو مثل قوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ (3) و قوله تعالى: وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ (4) و قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ‏ (5) مضافاً إلى أن العقل و النقل متّفقان على معذوريّة الجاهل بالحكم إن كان جهله عن قصور، و ذلك معقد للإجماع أيضاً، و إلى اتّفاق الأُمّة الإسلاميّة على عدم فسق المجتهد المخطئ إذا بذل وسعه في سبيل معرفة الحكم و أخطأ.

و قد احتجّ أصحاب التصويب بما روي عنهُ: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» (6).

و تقريب الاستدلال به: أنّه لو كان بعض الصحابة مخطئاً لما حصلت الهداية بالاقتداء به.

____________

(1) المائدة (5) الآية 47.

(2) المائدة (5) الآية 44.

(3) البقرة (2) الآية 256.

(4) البقرة (2) الآية 126.

(5) الروم (30) الآية 44.

(6) بحار الأنوار، ج 23، ص 156، و ص 164، تتميم و ج 28، ص 19، ح 26 و ص 104، ح 3 و ج 35، ص 407، أقول.

44

و يرد على هذا الاستدلال:

أوّلًا: أن النصّ ضعيف السند، كيف و لم يروه أحد من أصحاب الصحاح، و إنّي لم أعثر على اسم الصحابي الراوي لهذا الحديث، و لا على اسم التابعي الذي يروي عنه، بل و لم أعثر على سند قوي متّصل لهذا النص.

و ثانياً: أنّ حصول الاهتداء بالاقتداء بكلّ صحابي موقوف على ثبوت حصول الاهتداء بالعمل بحديث هذا الصحابي الذي يروي هذا النصّ، و ذلك دور واضح.

و ثالثاً: أنّه يلزم من هذا النصّ حصول الهداية بالاقتداء بصحابي جاهل الذي لم تحصل له معرفة من الإسلام، لكنّه لقّب بالصحابي بسبب رؤيته للنبي مرّة.

و رابعاً: أنّ في هذا الكلام تضييع لحقّ فضلاء الصحابة و فقهائهم. كما قال تعالى‏ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (1).

و خامساً: أنّه يلزم من تقريبهم للاستدلال أن تحصل الهداية بطرفي النقيض، و لا تجد في عالم الوجود شيئاً يتحقّق بكلّ واحد من الضدّين أو النقيضين، و العقل السليم لا يصدّق بمثل هذا الموجود، و أنّ تباعد الآراء بين الصحابة بعضهم مع بعض واضح؛ و جميع هذه الأُمور شاهدة بكون هذا النصّ موضوعاً على لسان النبي الكريمُ.

و سادساً: أنّ المخاطبين بهذا الكلام كانوا من الصحابة قطعاً، و هل ذلك يصير قرينة على إرادة طائفة خاصّة من قولهُ: «أصحابي». تلك الطائفة التي و لا اختلاف بين فتاويهم، و لا تهافت بين إرشاداتهم.

و سابعاً: أنّ الظاهر من النصّ غير ما فهمه المستدلّ؛ لأنّ التشبيه لم يقع بين كلّ فرد من الصحابة، و كلّ واحد من النجوم، بل التشبيه واقع بين مجموع الصحابة، و مجموع النجوم، فيفيد أنّ الاقتداء بما اتّفق عليه الصحابة في الأقوال و الأفعال يوجب الاهتداء، فإن النجوم مع اختلاف في محالّها و أزمنة طلوعها و غروبها متّفقة الدلالة على الزمان، فإنّك لا تجد نجمين يدلّ أحدهما على أنّ الزمان ليل، و يدلّ الآخر على أن‏

____________

(1) الزمر (39) الآية 9.

45

الزمان نهار، كما لا تجد نجمين يدلّ أحدهما على أنّ الزمان أوّل الليل، و الثاني على أنّ الزمان أخره.

حجج أصحاب التخطئة

منها: الحديث المستفيض الذي رواه الفريقان: الشيعة و السنّة عن رسول اللهُ: «إنّ أُمّة موسى افترقت بعده على إحدى و سبعين فرقة، فرقة منها ناجية، و سبعون في النار و افترقت أُمّة عيسى بعده على اثنتين و سبعين فرقة، فرقة منها ناجية و إحدى و سبعون في النار، و إنّ أُمّتي ستفترق بعدي على ثلاث و سبعين فرقة، فرقة منها ناجية و اثنتان و سبعون في النّار» (1).

و تقريب الاستدلال به: أنّ النبي خصّ النجاة بفرقة واحدة من فرق المسلمين، فهي على الصواب، و هم أصحاب الجنّة و النجاة، و البقيّة على الخطإ، و لو لم يكن حكم من الله تعالى بحسب الواقع لكان الكلّ على الصواب.

و منها: أنّ خطأ المجتهد في اجتهاده مورد لإجماع أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرّهم تطهيراً، و هم العترة الذين هم أحد الثقلين في النصّ المتواتر عنهُ.

و منها: إجماع الصحابة و التابعين على وقوع الخطإ في اجتهاد المجتهد، فقد كان يخطّئ بعضهم بعضاً في الأحكام الدينيّة، و قد حكي ذلك عنهم متواتراً أو قريباً من التواتر، و تكفيك الإشارة إلى قصّة من قصصهم رواها في كنز العمّال عن الموفّقيات الزبير بن بكّار، عن عبد الله بن مصعب قال: قال عمر بن الخطّاب: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أُوقية، فمن زاد أُلقيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة: ما ذلك لك، قال: و لم؟ قالت: لأن الله يقول: وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً (2) فقال عمر: امرأة

____________

(1) بحار الأنوار، ج 28، ص 4، ح 3.

(2) النساء (4) الآية 20.

46

أصابت و رجل أخطأ (1).

و لا يخفى أنّ تخطئة المرأة لفتوى الخليفة وقعت بمحضر من الصحابة، و سكوتهم عنها كاشف عن موافقتهم لها في تخطئة الخليفة، و كذا سكوت التابعين بعدهم عن إصابة الخليفة يكشف عن تخطئتهم له.

و منها: إجماع الإماميّة على وقوع الخطإ في اجتهاد المجتهد، و يمكن أن يقال: إنّ مذهب التصويب القائل بعدم وجود حكم في الشريعة لكلّ واقعة يلزمه القول بنقص في الدين، و ذلك خلاف تصريح القرآن الحاكم بإكمال الدين و إتمام النعمة. و إليك قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (2).

ثمّ إنّ كلّ واقعة خاصّة في حدّ ذاتها مقتضية لحكم من الأحكام، و كذا بحسب الأحوال العارضة لها، فعدم إرشاده تعالى بتلك الأحكام جميعاً في جميع الأزمان و الأحقاب مستلزم للبخل المحال على ذاته تعالى عن ذلك، فالمذهب الحقيق بالتصديق هو القول بأنّ المجتهد غير مصون عن الخطإ.

الاجتهاد و التجزّؤ

تقسيم المجتهد إلى المطلق و المتجزّئ قد يكون باعتبار القدرة على الاستنباط، و قد يكون بحسب فعليّة الاستنباط، فعلى الأوّل: المجتهد المطلق و إن شئت قلت: المجتهد بنحو الإطلاق فإنّه إذا قصد منه المتجزّئ، يوصف به هو المقتدر على استنباط الأحكام الفعليّة من الحجّة، و المتجزّئ من يقتدر على استنباط بعضها فقط، و على الثاني: المجتهد المطلق من استنبط مقداراً معتدّاً من الأحكام الفعليّة، و بهذا المعنى وردت النصوص الحاكمة بترتيب آثار على المجتهد، و المتجزّئ من لم يكن مستنبطاً لذلك المقدار.

____________

(1) كنز العمال، ج 16، ص 538، ح 45800.

(2) المائدة (5) الآية 3.

47

المجتهد المطلق و إمكانه‏

ذهب صاحب الفصول إلى عدم إمكان المجتهد المطلق بمعنى القادر على استنباط جميع الأحكام، و لذا عرّفه ب:

من كان له ملكة تحصيل الظنّ بجملة يعتدّ بها من الأحكام.

قال (قده):

و إنّما لم نعتبر الظنّ بالكلّ؛ لتعذرّه عادة، فإنّ الأدلّة قد تتعارض؛ و لتردّد كثير من المجتهدين في جملة من الأحكام كالمحقّق و العِمة و الشهيدين و أضرابهم، مع أنّ أحداً لم يقدح في اجتهادهم‏ (1).

أقول: ظاهر قوله: «لتعذّره عادة» أنّ المجتهد المطلق غير ممكن بهذا المعنى بحسب العادة، و كذلك يفيد دليله الأوّل الذي أشار إليه بقوله: «فإنّ الأدلّة قد تتعارض» و لكن ظاهر دليله الثاني المشار إليه بقوله: «و لتردّد كثير» مفيد عدم وجود المجتهد المطلق بهذا المعنى، لا عدم إمكانه عادة، فلا يخفى ما في كلامه من التهافت بين نفي الإمكان الوقوعي، و نفي الوقوع.

و ذهب صاحب الكفاية إلى إمكان المجتهد المطلق و وقوعه بمعنى من يقتدر على استنباط الجميع، و قد أورد على كلام صاحب الفصول:

بأنّ عدم التمكّن من الترجيح في مسألة، و تعيين حكمها، و التردّد منهم في بعض المسائل إنّما هو بالنسبة إلى حكمها الواقعي؛ لأجل عدم دليل مساعد في كلّ مسألة عليه؛ أو عدم الظفر به بعد الفحص عنه بالمقدار اللازم، لا لقلّة الاطّلاع، أو قصور الباع، و أمّا بالنسبة إلى حكمها الفعلي فلا تردّد لهم أصلًا، و لا بأس بهذا الكلام. (2) ثمّ إنّ علماء أهل السنّة قائلون أيضاً بإمكان المجتهد المطلق، كما يقول الشيخ الأكبر

____________

(1) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 119.

(2) كفاية الأُصول، ج 2، ص 423.

48

مصطفى المراغي:

أنّ المجتهد قد يكون أهلًا لاستنباط الأحكام الشرعيّة جميعها؛ لتوافر الشروط فيه، و يسمّى المجتهد المطلق، و قد يكون أهلًا لاستنباط أحكام وقائع خاصّة؛ لإحاطة بما يلزم لتلك الوقائع، و يسمّى المجتهد الخاصّ، أو المجتهد الجزئي، قال: و المجتهد و المفتي و الفقيه ألفاظ مترادفة في اصطلاح علماء الأُصول‏ (1).

المجتهد و تقليده عن غيره‏

لا ريب في جواز عمل المجتهد المطلق برأيه من دون اشتراط وصف آخر فيه، كالعدالة و نحوها، و عليه بناء العقلاء، و سيرة المتشرّعة، و إنّ عمل العالم بعلمه في الجملة من الفطريّات البشريّة.

أمّا تقليد المجتهد عن غيره فالمعروف بين علمائنا أنّه حرام، و استدلّ لذلك بأنّ الذي يرجع إليه إمّا أن يكون مطابقاً له في الفتوى أو مخالفاً، و على الأوّل لم يتحقّق الرجوع، و على الثاني يصير من قبيل رجوع العالم إلى الجاهل.

أقول: إنّ دليلهم أخصّ من مدّعاهم؛ لاختصاص الدليل بما إذا كان المجتهد مستنبطاً لحكم المسألة، فلا يدلّ على عدم الجواز في صورة عدم الاستنباط، كما أنّ الدليل غير متناول للصورة التي كانت فتوى الغير مطابقة للاحتياط، و فتوى المجتهد الذي رجع إليه مخالفة له، إلا أن يقال بأنّ ذلك ليس برجوع منه، بل هو عمل بالاحتياط.

و كيف كان فالحرمة التي يفيدها الدليل عقليّة، و ليست بشرعيّة، نعم، هو مؤاخذ شرعاً إن كانت فتوى من رجع إليه مخالفة للواقع؛ إذ لا حجّة له على الرجوع، فالشكّ في مطابقة قوله للواقع يوجب الشكّ في حجّيّة قوله، و الشكّ في حجّيّة الحجّة مستلزم للحكم بعدم حجّيّتها.

____________

(1) في المقالة المنشورة في مجلة رسالة الإسلام التي كان يصدرها دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة، السنة الأُولى، رقم 4، ص 347.

49

و تحقيق الكلام هو القول بأنّ المجتهد إن استنبط الحكم بالفعل و جزم في المسألة بأحد الطرفين فلا يجوز له التقليد؛ لأنّ سيرة العقلاء على عدمه؛ و أدلّة جواز التقليد اللفظيّة غير شامل له؛ فهو ليس ممّن لا يعلم حتّى يرجع إلى أهل الذكر إطاعة لأمره تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* (1). مضافاً إلى أنّ رجوعه إلى غيره خلاف الفطرة البشريّة، فإنّ من يعرف الطريق لا يسأل عنه، فتقليده عدول عن الطريق.

نعم، إذا علم بأنّ ذلك المجتهد قد اطّلع على مستند لم يطّلع هو عليه، فلا يبعد الجواز؛ لدخوله عندئذ فيمن لا يعلم في تلك المسألة، فيرجع إلى أهل الذكر.

و أمّا إذا لم يكن جازماً في المسألة فهل يجوز له الرجوع إليه؟ هناك وجهان: لا؛ للأصل الأوّلي الحاكم بعدم حجّيّة قول أحد لأحد؛ لأنّه مخصّص بحجّيّة قول العالم للجاهل؛ لأنّ الشبهة في مصداق المخصّص و هو كون ذلك المجتهد عالماً أم لا؟ بل للشكّ في حجّيّة قوله حينئذ، مضافاً إلى استصحاب عدم جواز تقليده له في هذه المسألة، فيجب الفحص و الاجتهاد لتحصيل الحجّة، أو العمل بالاحتياط. نعم، لو كان قبل الاجتهاد مقلّداً له لجرى استصحاب الجواز.

التقليد لواجد الملكة

و هل يجوز التقليد للواجد لملكة الاستنباط إذا لم يجتهد فعلًا؟

قال المجتهد الأكبر الشيخ الأنصاري:

المعروف عندنا العدم، بل لم ينقل الجواز عن أحد منّا، و إنّما حكي عن مخالفينا على اختلاف منهم في الإطلاق و التفصيلات المختلفة (2).

ثمّ نسب (قده) القول بالجواز إلى السيّد في المناهل. (3)

____________

(1) النحل (16) الآية 43.

(2) مجموعة رسائل، ص 48 (الطبعة القديمة) ص 53 (طبع مكتبة المفيد).

(3) المناهل، كتاب القضاء، ص 699؛ حكاه عنه المدقّق الأصفهاني في بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التّقليد، ص 19.

50

أقول: لا سبيل إلى دعوى الإجماع التعبّدي في هذه المسألة؛ لكونها من المسائل التي للاستنباط فيها دخل، و لم يعرف البحث عنها في عصر المعصومين (عليه السلام)، فالأقوى هو القول بالجواز؛ للسيرة العقلائيّة القائمة على رجوع الأخصّائيّين إلى أمثالهم إذا لم يكن لهم رأي في مورد، بل كثيراً ما يرجع الأطبّاء في علاج أمراض أنفسهم إلى أمثالهم.

و يدلّ على الجواز ما ورد من النصوص الواردة لبيان الإرجاع إلى فقهاء الصحابة، فإنّ من أمر بالرجوع إلى فقيه من فقهاء صحابتهم «إمّا كان مجتهداً بالفعل في بعض المسائل بمعنى استخراج الحكم من كلام المعصوم الذي هو الحجّة، و إمّا كان مقتدراً على ذلك، و على كلا التقديرين كانت ملكة الاستنباط فيما لم يستنبط حاصلة له في ذلك الزمان، و يكفيك شاهداً حديث حمّاد الرازي، قال:

دخلت على علي بن محمّد (عليه السلام) بسرّ من رأى، فسألته عن أشياء من الحلال و الحرام، فأجانبي فيها، فلمّا ودّعته قال (عليه السلام): «إذا أشكل عليك شي‏ء من أمر دينك بناحيتك فاسأل عنه عبد العظيم بن عبد الله الحسني، و أقرئه منّي السلام‏ (1)».

و مثله إرجاع الرضا (عليه السلام) ابن المسيّب إلى زكريا بن آدم، كما سيجي‏ء.

و إطلاق قوله (عليه السلام): «إذا أشكل عليك» متناول لصورة وجود الملكة قطعاً، و يدلّ عليه ترك الاستفصال عن السائل في بعض النصوص الواردة في هذا الباب، و سنذكرها إنّ شاء الله فانتظر.

و ممّا تدلّ عليه إطلاقات أدلّة التقليد اللفظيّة فإنّها لا تصدق على الواجد للملكة الذي يكون غير مستنبط بالفعل أنّه أهل الذكر، أو العارف بالأحكام، أو نحوهما من العناوين الواردة.

نعم، إنّ الواجد للملكة يصلح لأن يصير مصداقاً لتلك العناوين، و له القابليّة للاتّصاف بها، فإذا لم يصدق عليه أحد هذه العناوين فلا محالة يكون مصداقاً لسلبها،

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة، ج 1، ص 103.

51

فيكون ممّن لا يعلم الحكم، و له طريقان لمعرفته: أحدهما الاستنباط، و ثانيهما السؤال عن أهل الذكر، و بذلك تبيّن فساد دعوى انصراف إطلاق دليل التقليد عمّن حصلت له ملكة الاستنباط، لكنّه لم يستنبط.

و على فرض تسليم الانصراف فهو غير صالح للردع عن سيرة العقلاء؛ فإنّ الانصراف بمنزلة السكوت عن المنصرف عنه و ليس بمنزلة نفيه، و عدم الردع في أمثال ذلك و هي التي تعمّ فيها البلوى كاشف قطعي عن الإمضاء، و احتجّ بعض الأساطين على عدم الجواز «بعدم ثبوت السيرة على ذلك» (1).

أقول: إن كان المراد من السيرة التي وصفها بعدم الثبوت هي العقلائيّة، فقد عرفت ثبوتها قطعيّاً، و إن كان هي السيرة المتشرّعة في التقليد، فعدم ثبوتها غير مضرّ بالجواز بعد ثبوت الدليل عليه، فإنّ عدم الثبوت بمنزلة السكوت، و عدم الثبوت غير ثبوت العدم و لا سيرة على العدم؛ إذ لو كان لبان، و يمكن أن يقال: إنّ المسألة اجتهاديّة، فالسيرة فيها على فرض تسليم ثبوتها لا تكون تعبّديّة.

و قال المدقّق الأصفهاني:

لا معنى لإطلاق أدلّة التقليد بالنسبة إلى المتمكّن من الاستنباط؛ لأنّ أدلّة الأحكام الشرعيّة شاملة لمثل هذا الشخص، فالأحكام الواقعيّة منجزّة في حقّه من طريق الأمارات المعتبرة؛ لتمكّنه من الاستفادة منها، و معه كيف يسعه الرجوع إلى غيره و العمل بفتياه؟ و هذا بخلاف العامّي العاجز عن الاستنباط، فإنّ تلك الأدلّة لا تشمله؛ لفرض عجزه عن فهم مداليلها. و بعبارة أُخرى: إنّ أدلّة التقليد خاصّة بمن لا حجّة عنده، فلا تعمّ من تمّت عليه الحجّة. (2) أقول: أوّلًا: هذا الكلام منقوض بمن يكون متمكّناً قريباً من تحصيل الملكة؛ لاشتراكه في الملاك الذي أشار إليه مع من حصلت له الملكة و لم يستنبط فعلًا.

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 20.

(2) نهاية الدراية، ج 6، ص 401؛ بحوث في علم الأُصول، مسائل الاجتهاد، ص 20.

52

و ثانياً: إن أراد بقوله: «فالأحكام الواقعيّة منجزّة إلخ» بنحو الوجوب التخييري بأن يكون مخيّراً بين الاستنباط و بين تقليد غيره، كما هو ظاهر خبر حمّاد، فهو في قبال العاجز عن فهم مداليل الأمارات، و هو الذي قد تعيّن عليه التقليد، فذلك غير مفيد.

و إن كان المراد من تنجّز الأحكام الواقعيّة من طريق الأمارات بنحو الوجوب التعييني فهو دعوى بلا دليل، بل يشبه المصادرة، و إنّ ذلك أوّل الكلام، و مثل ذلك قوله: «إنّ التقليد خاصّة بمن لا حجّة عنده» فهو دعوى أيضاً بلا دليل، فيقال في قبال هذا الكلام: إنّ أدلّة التقليد خاصّة بمن لا يعلم سواء أ كان متمكّناً من الاستنباط أم لا.

و في ختام البحث نشير إلى ترك الاستفصال في كلام الهادي (عليه السلام): عن سؤال أحمد بن إسحاق حيث قال: من أُعامل؟ أو عمّن أخذ؟ و قول من أقبل؟ فأجاب (عليه السلام): «العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطع، فإنّه الثقة المأمون» (1). فالجملة الأولى من الجواب تشير إلى حكاية الثقة عن معنى قول الإمام، و لا يكون ذلك إلا باجتهاد من العمري، و الثانية التي تبدأ بقوله: «و ما قال لك» تشير إلى حكاية لفظ الإمام.

ثمّ لا بأس بدعوى الإطلاق لكلتا الجملتين، و أنّهما مترادفتان، و إذا أضفت إلى ذلك معرفتك بمنزلة أحمد بن إسحاق في العلم و الفضل تكون دلالة النصّ لديك على ما ذكرنا أصرح و أبين.

المجتهد و التقليد عنه‏

المقصود من المجتهد في هذا البحث من كان قد استنبط الأحكام بالفعل، و جواز تقليد غيره عنه بديهي فطري، و من الواضح أنّ من لا يعرف الطريق فهو بحسب طبعه يسأل العارف به، و المجتهد بالنسبة إلى أحكام الشرع هو العارف الخبير، و قول مثله حجّة على غيره عند العقل و العقلاء، و إذا كان موصوفاً بصفات معتبرة في المفتي‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 138، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 4.

53

و المرجع فقوله حجّة لغيره عند الشرع أيضاً؛ إذ تصدق عليه العناوين الواردة في الكتاب و السنّة على ما سيجي‏ء تفصيله إن شاء الله تعالى.

و لا يخفى أنّه لا يعتبر في مرجعيّة المجتهد للتقليد أن يكون قائلًا بانفتاح باب العلم و العلمي؛ لصدق تلك العناوين على القائل بالانسداد أيضاً؛ إذ لا يصحّ سلب الراوي للأحاديث عنه، كما لا يصحّ أن يسلب عنه وصفا العارف بالأحكام و الناظر في الحلال و الحرام عند العرف.

و من البديهي أنّه لا فرق في مدارك الأحكام بين القائل بالانفتاح و بين القائل بالانسداد و إن كانا مختلفين في وجه حجّيّة تلك المدارك، فإنّ هذا الاختلاف لا يوجب صحّة سلب العالم عرفاً عن قائل بالانسداد، فمقوّم الصدق لتلك العناوين حصول العلم بالمدارك و هو حاصل لهما، و إنّ المدارك التي يستخرج منها الحكم لدى الانفتاحي بعينها هي التي يستخرج منها الحكم لدى الانسدادي.

فظهر النظر فيما ذكره في الكفاية من:

أنّ الرجوع إلى القائل بالانسداد ليس من رجوع الجاهل إلى العالم بل إلى الجاهل، و أدلّة جواز التقليد دلّت على جواز رجوع غير العالم إلى العالم، و قضيّة مقدّمات الانسداد ليست إلا حجّيّة الظنّ عليه لأعلى غيره. (1) وجه النظر أنّ الإرشاد في الإرجاع إلى رواة الأحاديث في قوله (عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة أحاديثنا» (2) بنحو الإشارة إلى أمر معهود خارجي و هو الأحاديث الموجودة التي رواها الأصحاب، و ودّعوها في كتبهم. فمن وصل إلى هذه الأحاديث، و ميّز الموثوق منها عن غيره، و عرف مداليلها فهو المرجع في الأحكام الشرعيّة، و هذان الوصفان مشتركان بين المجتهد الانفتاحي و الانسدادي، و لا وجه لتوهّم اختصاصهما بالانفتاحي دون الانسدادي.

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 424. مع اختلاف يسير.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 140، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 9.

54

و إن أبيت عن ذلك فإطلاق قوله (عليه السلام): «فارجعوا» إلخ متناول للأحاديث الموجودة في الكتب المشتهرة بين القوم، و لا ريب في أنّ المجتهد الانسدادي رأو لتلك الأحاديث مثل المجتهد الانفتاحي.

و كيف كان ليس الإرشاد فيه بنحو القضيّة المهملة حتّى يكون الوصول إلى الأحاديث المقصودة، و معرفة مداليلها موقوفاً على انفتاح باب العلم أو العلمي، فإنّه عند الانسداد لا يعرف أنّ الحجّة هل هي هذه الأحاديث أم غيرها؟ و لعلّ الخلط بين القضيّتين الخارجيّة و المهملة، أو المطلقة و المهملة صار منشأ لهذا التوهّم.

و أمّا قوله: «و قضيّة مقدّمات الانسداد» إلخ فلا يخلو من خفاء؛ لأنّ قضيّة مقدّمات الانسداد و إن كانت حجّيّة الظنّ على المجتهد الانسدادي دون غيره، لكن وظيفة العامّي ليس الفحص عن وجه حجّيّة الأدلّة، بل وظيفته عقلًا الرجوع إلى العالم، و شرعاً الرجوع إلى من تصدق عليه العناوين الواردة. و لا ريب في صدق كلّ منهما عرفاً على المجتهد الانسدادي بمثل ما يصدقان على المجتهد الانفتاحي، فليست الشبهة مصداقيّة في الانسدادي.

ثمّ إنّ اختصاص الحجّة بالمجتهد الانسدادي غير مانع من رجوع العامّي إليه؛ لأنّ نتيجة الانسدادي هو أنّ المجتهد القائل به يقول بأنّ هذه الأحاديث المودّعة في كتب الأصحاب حجّة من باب حجّيّة الظنّ المطلق، و هذا المذهب غير مستلزم لسلب وصف رواية الأحاديث و معرفتها عنه. فإذا فرضنا أنّ مجتهداً قال بحجّيّة هذه الأحاديث من باب كونها مكتوبة فهل ترى يجوز سلب هذا الوصف عنه؟ أم هل ترى يصحّ سلب عنوان العارف بالأحكام عنه؟ كِ؛ فإنّ رواية حديث و معرفة مدلوله لا يلزم القول بحجّيّته، فالقول بحجّيّة حديث أمر، و روايته و معرفة مدلوله أمر آخر، قد يجتمعان و قد يفترقان، ذلك في أصل الحجّيّة فكيف الحال في وجه الحجّيّة؟

و إن شئت توضيحاً لذلك فاصغ لما نتلو عليك و هو: أنّ المستفاد من قوله (عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة أحاديثنا» أنّه يشترط في المرجع أمران:

أحدهما: معرفة الأحاديث الموثوقة الصدور عنهم بشهادة إضافة الأحاديث إلى‏

55

ضمير المتكلّم، و هذه المعرفة ترجع إلى معرفة السند.

ثانيهما: معرفة متون هذه الأحاديث و مداليلها بشهادة لفظ الرواة.

و المجتهد الانسدادي حائز للمعرفتين بمثل المجتهد الانفتاحي، و دعوى اتّصاف الثاني بهما دون الأوّل غير مسموعة لدى العقل السليم.

و بعبارة أُخرى: أنّ المرجعيّة يدر مدار صدق عنوان العالم الذي يفرضه العقل لنا، صدق عنوان الراوي و العارف بتلك الأحاديث الذي يفرضه الشرع لنا، و من البديهي عند العرف صدق العنوانين على المجتهد الانسدادي.

و لست أدري! هل يلتزم طاب ثراه بانسداد باب التقليد، و وجوب العمل بالاحتياط إذا انحصر المجتهد في القائل بالانسداد؟ و هل يقول بإجراء دليل انسداد آخر عندئذ؟ هذا كلّه مضافاً إلى ما ذكره المدقّق الأصفهاني من صدق العلم و المعرفة على مطلق الحجّة القاطعة لعذر، فيصدق العارف بالأحكام على من كانت له الحجّة على أحكامهم، و قد أطلقت المعرفة على الاستفادة من الظواهر، كما في قوله (عليه السلام): «يعرف هذا و أشباهه من كتاب الله» (1) و قوله (عليه السلام): «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 1، 2 ص 464، الباب 39 من أبواب الوضوء، ح 5.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 117، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 27.

56

الاجتهاد و التجزّؤ

المجتهد و القضاء

قوله (عليه السلام): «من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته حاكماً» (1). ظاهر في نصب المجتهد المطلق للقضاوة من جهة صدق الأوصاف الثلاثة عليه: رواية الحديث، و النظر في الحلال و الحرام، و المعرفة بالأقضية و بموازين القضاء عندهم (صلوات الله عليهم أجمعين).

و لا فرق فيمن وصف بالأوصاف الثلاثة بين كونه مجتهداً انفتاحيّاً أو انسداديّاً؛ لما عرفت من أنّ الاختلاف في وجه الحجّيّة لا يوجب سلب هذه الأوصاف عن المجتهد الانسدادي.

فظهر فساد ما ذكره في الكفاية ب: «أنّ المجتهد الانسدادي ليس ممّن يعرف الأحكام» (2).

وجه ظهور الفساد أنّ معرفته بالأحكام قطعي؛ إذ ليس لهم (صلوات الله عليهم) أحكام غير الأحكام التي عرفها المجتهد الانسدادي، غايته أنّ ثبوت حجّيّة هذه الأحكام عنده ليس على الطريق الذي ثبتت حجيّتها عند الانفتاحي، و طريق حصول‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 300، الباب 32 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى، ح 2.

(2) كفاية الأُصول، ج 2، ص 426.

57

المعرفة عنده غير نفس المعرفة، و اختلاف أسباب حصول العلم لا يوجب سلب صفة العلم.

ثمّ إنّ ظاهر مقبولة عمر بن حنظلة و أمثالها اعتبار فعليّة الاستنباط في القاضي بشهادة قوله (عليه السلام): «نظر في حلالنا و حرامنا».

فلا يكفي صرف القوّة، و محض الملكة في نفوذ قضاء المجتهد، و الواجد للملكة غير المستنبط فعلًا، غير منصوب في الشرع لمنصب القضاء.

التجزّؤ و إمكانه‏

يقصدون من الإمكان في هذا الباب الوقوعي منه، و الإمكان الوقوعي هو الذي لا يستلزم من وقوع الموصوف به محال.

و اختلفوا في إمكان المتجزّئ، فقال قوم بأنّ المتجزّئ ممكن، و قال قوم آخرون باستحالته.

و الذي ينبغي أن يقال: إنّ الحكم باستحالة وقوع المتجزّئ ليس ببديهي، و لكنّ الحكم بعدم بداهة الاستحالة بديهي، فالحكم بالاستحالة مفتقر إلى الدليل و قد ذكروا لها دليلين:

أحدهما: أنّ التجزّؤ في الاجتهاد إذا كان ممكناً لزم إمكان التجزّي في الملكة و هو محال؛ لأنّ الملكة من مقولة الكيف، و الكيف من البسائط الخارجيّة التي لا تقبل القسمة.

و يرد عليه أوّلًا: بالنقض بالتفاضل الواقع بين المجتهدين بأن كان أحدهما أفضل من الآخر؛ إذ هو على هذا القول يعدّ تجزّؤاً في الملكة، فإنّ الملكة الموجودة في المفضول شطر من الملكة الموجودة في الأفضل.

و ثانياً: بالحلّ و هو نفي الملازمة بين التجزّؤ في الاجتهاد، و التجزّؤ في الملكة، فإنّ التجزّؤ في الاجتهاد ليس من هذا القبيل، بل من قبيل ضعف الملكة، و إنّ الملكة الحاصلة للمتجزّئ ملكة ضعيفة، كما أنّ الملكة الحاصلة للمجتهد المطلق ملكة قويّة،

58

و وقوع الدرجات و المراتب في الملكات، و في سائر الكيفيّات ممّا لا ينكر.

و أمّا عدم قبول مقولة الكيف القسمة فغير مناف لحصول مراتب في الطبيعة، فإنّ الشدّة و الضعف واقعان في جميع أقسام الكيف، بل وقوعهما في الألوان و الأصوات و الروائح من البديهيّات. و قد خلط المستدلّ بين وقوع الدرجات و قبول التشكيك، و بين قبول القسمة.

ثانيهما: أنّ الاجتهاد في مسألة متوقّف على النظر في جميع أدلّة الفقه من جهة احتمال وجود دليل متعلّق بتلك المسألة، و القادر على هذا النظر مجتهد مطلق، و غير القادر لا يكون مجتهداً حتّى في تلك المسألة أيضاً.

و يرد عليه أوّلا: بمنع الصغرى و هو أنّ الاجتهاد في كلّ مسألة غير متوقّف على النظر في جميع أدلّة الفقه.

و ثانياً: أنّ النظر في أدلّة مسألة للفحص عن دليل مسألة أُخرى غير مستلزم للاجتهاد في المسألة الأولى؛ لأنّ النظر للفحص عن الدليل غير النظر في دلالة الدليل.

إذا تقرّر ذلك فالتحقيق يقتضي إمكان المتجزّئ، و المكابر منازع لاقتضاء عقله السليم، فإنّ المقصود من التجزّؤ في الاجتهاد وجود ملكات مختلفة في الشدّة و الضعف، فالملكة الضعيفة من المراتب الأولى للكيفيّات الراسخة النفسانيّة، و الملكة القويّة من المراتب العليا، و ما بين المرتبتين متوسّطات، و البرهان على وقوع المراتب في الملكات وقوع التفاضل العلمي بين العلماء و الفقهاء و المجتهدين، و المجتهد المفضول مع كونه صاحب ملكة الاجتهاد غير قادر على مثل اجتهاد الأفضل في مسألة واحدة.

و ممّا يدلّ على وقوع التجزّؤ في الاجتهاد أنّه من البيّن اختلاف مسائل الفقه بحسب المدارك غموضاً و وضوحاً، و أنّ الاجتهاد في مثل الأُولى محتاج إلى ملكة قويّة بخلاف الاجتهاد في مثل الثانية، فإنّه يكفي فيه وجود ملكة ضعيفة.

على أنّ اختلاف المجتهدين بحسب الفهم و الذكاء، و اختلافهم أيضاً من حيث إتقان بعض مقدّمات الاجتهاد دون أُخرى مثل اختلافهم في سرعة الوثوق بالحكم و بطئه يوجب اختلاف حصول الملكة شدّة و ضعفاً، و هذا معنى وقوع المتجزّئ و إمكانه.

59

التجزّؤ و عمله برأيه‏

و اختلفوا أيضاً في جواز عمل المتجزّي برأيه في الحكم الذي استخرجه من الحجّة.

فنقول: إنّ الأصل الأوّلي الفطري و الأصل العقلائي حاكمان بجواز عمل كلّ عالم بعلمه، و من البيّن أنّ المتجزّي عالم في المسألة التي اجتهد فيها، و ليس هناك ما يمنع شرعاً من اقتضاء هذا الأصل فهو المعتمد.

نعم، لو فرض اختصاص حجّيّة الأمارات، و الأُصول العمليّة بالمجتهد المطلق لكان ذلك مانعاً، و لكن لم نعثر على دليل لهذا الاحتمال، و إطلاق أدلّة حجّيّتها يدفعه، و لا دليل على حجّيّة قول المجتهد المطلق للمتجزّئ؛ لأنّ دليل جواز التقليد يختصّ بالجاهل و بغير أهل الذكر، و المتجزّئ ليس بجاهل، بل هو من أهل الذكر في المسألة التي اجتهد فيها.

التجزّؤ في مبادئ الاجتهاد

و هل يجوز للمتجزّئ أن يعمل برأيه إذا كان متجزّئاً في مبادئ استنباط المسألة بأن كان مقلّداً في بعض مداركها دون بعض، سيّما إذا حصل له استنباط مخالف لاستنباط المجتهد المطلق أم لا؟

احتجّ الشيخ العراقي في المقالات على عدم الجواز ب: «أنّ الجاهل ببعض جهات المسألة جاهل بنفس المسألة؛ لأنّ النتيجة تابعة لأخس المقدّمات» (1).

أقول: ذلك مصادرة في الكلام؛ فإنّه نفس الدعوى، و هي أنّ مثل هذا الشخص هل يجوز له العمل برأيه أم لا؟

و يلزم من هذا الاحتجاج خروج أكابر المجتهدين عن دار الاجتهاد، فإنّ كثيراً منهم غير مجتهدين في بعض ما يتوقّف عليه الاستنباط كالعلوم العربيّة و المنطق و الرجال.

____________

(1) مقالات الأُصول، ج 2، ص 202.

60

ثمّ إنّ العامّي الذي تعلّم حكم مسألة تقليداً لا يجب عليه التقليد ثانياً؛ لكونه عالماً بالحكم في الجملة، فهو و إن لم يكن مجتهداً في المسألة لكنّه لا يجب عليه التقليد فيه بطريق أولى.

و التحقيق: أنّه يصدق على مثله الراوي، و العارف بالأحكام، و الناظر في الحلال و الحرام.

و لنجعل البحث كذلك و هو أنّه هل يجب الاجتهاد في جميع جهات مسألة، و في جميع مقدّمات الاجتهاد أم لا؟ و من المعلوم أنّهم لا يشترطون في اجتهاد مسألة فقهيّة الاجتهاد في جميع مقدّمات الاجتهاد فيها، و يدلّ على جواز عمل مثل هذا المتجزّئ برأيه أُمور:

الأوّل: اتّفاقهم على جواز إجراء المقلّد الأصل في الشبهات الموضوعية، فالعامّي مقلّد في حجّيّة الأصل، و مجتهد في إجرائه، و مقامنا من هذا القبيل، و التفصيل بعدم جواز ذلك في الحكم الكلّي، و بجوازه في الحكم الجزئي محتاج إلى الدليل.

الثاني: انصراف أدلّة التقليد عن مثله، كما تكون منصرفة عن العامّي الذي قد قلّد، فأصالة عدم جواز التقليد محكّمة، مع صحّة الاحتجاج بهذا الاجتهاد عند العقلاء.

الثالث: سيرة المتشرّعة قائمة على العمل بمثل هذا الاجتهاد، فإنّهم في المندوبات و المكروهات، و كذا في كثير من العبادات المستحبّة يعملون بمداليل الأحاديث الواردة فيها، فهم مقلّدون في حجّيّة تلك الأحاديث سيّما إذا صرّح مؤلّف الكتاب باعتبارها و مجتهدون في العمل بمداليلها حسب أفهامهم.

الرابع: سيرة العقلاء قائمة على ذلك. فإنّ كلّ متخصّص في علم يرجع في مقدّمات ما يبحث عنه إلى من يكون متخصّصاً فيها، ثمّ يجعل رأي ذلك المتخصّص سلّماً للصعود إلى ما يبحث عنه و الوصول إلى ما يقصد، فانظر إلى الأطبّاء فإنّهم يرجعون في كلّ مقدّمة من مقدّمات علاج الأمراض إلى من يكون متخصّصاً في تلك المقدّمة. و كذلك غير هم من العلماء، بل ذلك أتقن و أفضل من الرجوع إلى أنفسهم‏

61

حتّى لو كانوا متخصّصين فيها.

الخامس: أنّ قول المجتهد المطلق في المسألة الفقهيّة لا يكون حجّة له فإنّ قوام حجّيّة الأمارة وجود احتمال الإصابة فيها، و هذا المتجزّئ إذا كان واثقاً برأيه لا يحتمل الإصابة في حقّ المجتهد المطلق، فينسدّ عليه باب الاجتهاد و التقليد، و يجب عليه العمل بالاحتياط، و ذلك بعيد عن الشرع، سيّما لمثله.

التجزّؤ و الإفتاء

أمّا جواز تقليد المتجزّي في المسألة التي اجتهد فيها فالسيرة العقلائيّة قائمة على ذلك من دون تردد، فإنّ العقلاء لا يفرّقون في الرجوع إلى الأخصّائيّين بين كونهم متخصّصين في علم أو في مسألة. و المتخصّص في مسألة عالم بها، و يجوز رجوع الجاهل إليه.

ثمّ إنّ الملاك الموجب لجواز الرجوع في هذه المسألة إلى المجتهد المطلق موجود في المتجزّي أيضاً؛ و ذلك الملاك إحاطته بمدارك المسألة، و اجتهاده فيها، فإنّ ضمّ العلم بغيرها إليه غير مقوّم لهذا العلم.

نعم، لا يجوز ذلك في المسائل التي تتوقّف معرفة حكمها على معرفة حكم غيرها، لكن ذلك خلاف الفرض.

و أمّا الأدلّة الشرعيّة للتقليد: فإن قلنا بكونها إرشاداً إلى الحكم العقلائي في هذا الباب فلا اختلاف بين الدليلين: العقلي و النقلي، و إن قلنا: إنّها في مقام التأسيس فلم يرد من الشرع ما يردع عن إجراء السيرة في المقام.

و أمّا انصراف العناوين الواردة في النصوص كراوي الحديث، و العارف بالأحكام، و أهل الذكر، و الفقيه عن المتجزي الذي اجتهد في مسألة واحدة بدعوى انصرافها إلى من حصلت له معرفة مقدار معتدّ به من المسائل اجتهاداً؛ فلا تشمل هذه العناوين العارف بمسألة واحدة، فإنّ الدعوى مسلّمة، لكن كون ذلك رادعاً عن السيرة محلّ تأمّل؛ لأنّ انصراف لفظ عن معنى يساوي السكوت عنه، و لا يدلّ على السلب‏

62

عنه، و الردع محتاج إلى نهي صريح، بل إلى تعدّد النهي إذا كانت السيرة قويّة، و كثيرة الدوران بين الناس.

هذا و إن قيل: إنّ السيرة محتاجة إلى الإمضاء، فإنّ السكوت عن السيرة التي كانت بمرأى من الشارع و مسمع منه طوال قرنين، بل أكثر يعدّ إمضاءً لها. و بعبارة أُخرى، إنّ عدم ارتضاء الشارع بهذه السيرة لو كان لبان.

ثمّ إنّ دعوى الإطلاق و عدم الانصراف لآية النفر حتّى يتناول النفر مثل المقام غير بعيدة، فكيف لا تشمل النافر الذي نفر، و تفقّه في مسألة واحدة، و رجع و أنذر بحكمها، و تحقّق الحذر بإنذاره هذا؟! و يحتمل أن تكون العناوين الواردة لهذا الباب ليست بمطلقة، بل هي عناوين إضافيّة، فيصدق على المتجزّئ أنّه عارف بمسألة واحدة.

التجزّؤ و القضاء

إنّ القضاء منصب من المناصب الإلهيّة، و كلّ منصب موقوف على النصب من ناحية من له الولاية على ذلك من دون فرق بين المناصب الإلهيّة، و المناصب البشريّة.

و لا يخفى أنّ الأصل التشريعي: العقلي، و العقلائي، و الشرعي حاكم بعدم نفوذ حكم أحد على أحد؛ و حاكم بعدم صلاحيّة أحد للقضاوة، سوى من علم خروجه عن هذا الأصل بالنصب، و من المعلوم خروج المجتهد المطلق الجامع للشرائط عن هذا الأصل بنصّ من الشارع. فإنّ المناصب الإلهيّة تتوقّف على إخبار من جانب الله تعالى إمّا رأساً، أو بواسطة رسله و أوليائه، و لم يعلم نصب المتجزّئ من الشرع لهذا المنصب الأعلى.

فإنّ الظاهر من مقبولة عمر بن حنظلة الواردة في هذا المقام اختصاص القضاء بالمجتهد المطلق؛ لأنّ ألفاظ: «روى حديثنا، و نظر في حلالنا، و حرامنا، و عرف أحكامنا» منصرفة عن الراوي لحديث واحد، و عن الناظر لحلال واحد، أو في حرام واحد، و عن العارف بحكم واحد. و إليك قول الإمام الصادق (عليه السلام) كما رواه ابن حنظلة: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا،

63

و عرف أحكامنا، فارضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما بحكم الله استخفّ، و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على الله و هو على حدّ الشرك بالله عزّ و جلّ» (1) الحديث.

فالمدار لنفوذ القضاء عند الشرع صدق الأوصاف الثلاثة على القاضي: الراوي للحديث، و الناظر في الحلال و الحرام، و العارف بالأحكام. و هذا الصدق متوقّف على معرفة مقدار معتدّ به من المسائل معرفة اجتهاديّة. فثبت أن المتجزّي باق تحت عموم ذلك الأصل التشريعي، و هو أصل ثابت عند الشرع، و عند جميع العقلاء.

فإن قلت: قد روى أبو خديجة سالم بن مكرم الجمّال عن الصادق (عليه السلام) في حديث، قال: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا، فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه» (2). فإنّ مفهوم الشي‏ء عامّ متناول لمن يعلم مسألة واحدة و قضيّة واحدة.

قلت: أوّلًا قد روى الشيخ هذا الخبر في التهذيب بسند آخر ليس فيه ذلك و إليك قوله (عليه السلام): «اجعلوا بينكم رجلًا ممّن قد عرف حلالنا و حرامنا، فإنّي قد جعلته قاضياً» (3) الحديث.

و ثانياً: مفهوم الشي‏ء و إن كان عامّاً في نفسه لكن تقيّده بقوله: «من قضايانا» يوجب تضييقاً عرفيّاً لسعة مفهومه عند العرف. فالمتبادر العرفي من هذا الكلام أجنبي عن الصدق على القليل؛ و منصرف إلى مقدار معتدّ به من القضايا، و المفهوم العرفي مقدّم على المفهوم اللغوي. فانظر إلى قولك: أخذت شيئاً من حبوبهم أو ثمارهم، فهل يتناول ذلك عند مخاطبك أخذ حبّة واحدة من الحبوب، أو ثمرة واحدة من ثمارهم؟ كِ، بل المفهوم العرفي من هذا الكلام أخذ مقدار يقتضيه الحال.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 300، الباب 32 من أبواب كيفية الحكم، ح 2.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 139، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 6.

(3) التهذيب، ج 6، ص 303، ح 846.

64

و كذا إذا قلت: سمعت شيئاً من كلماته لا يفهم منه سماع كلمة واحدة؛ أو إذا قال الوصي: علمت بشي‏ء من وصاياه فلا يفهم عند العرف أنّ قصده العمل بوصيّة واحدة من وصايا الموصي. إذن فالمفهوم العرفي في أمثال هذه العبارات أنّ المقصود من لفظ «الشي‏ء» مقدار معتدّ به من المجرور بلفظة «من» فلا تعارض بين نصوص الباب.

التجزّؤ و الأُمور الحسبيّة

نقصد من الأُمور الحسبيّة الوظائف التي يراد من القيام بها و التصدي لها التقرّب إلى الله تعالى، و هي الأُمور التي تكون محلّا لابتلاء الناس، و مورداً لحاجاتهم بحيث لو لم يكن لها من يتصدّى لها من قبل الشرع لوقع الناس في ضنك و حرج. و ذلك مثل القيام لحفظ مال الغائب و القاصر، و إن شئت قلت: الولاية عليها. و كذا الولاية على مجهول التولية من الموقوفات، و الولاية على مجهول المالك، و الولاية على المال الذي لا يمكن إرجاعه إلى مالكه، و أمثال ذلك.

و الدليل على لزوم القيام بها بعض النصوص الواردة في موارد خاصّة، و الإجماع، و الضرورة من الشرع و العقل.

إنّ المتيقّن من هذه الأدلّة أنّ المجتهد المطلق هو الذي يصلح عند الشرع للقيام بهذه الأُمور و التصدّي لها من جهة عدم وجود إطلاق لفظي في المقام حتّى يتناول غيره؛ فلم ترد رخصة من ناحية الشرع لقيام غيره بهذه الأُمور؛ فالأصل التشريعي الحاكم بعدم ثبوت ولاية أحد لأحد، أو الحاكم بعدم نفوذ تصرّفات أحد في أموال أحد متناول للمتجزّئ.

فإذا فقد المجتهد المطلق تصل النوبة إلى عدول المؤمنين نعم، يمكن أن يقال بتقدّم المتجزّئ العادل على غيره؛ لأفضليّة العالم على الجاهل.

و هل التقدّم وضعي و لازم بحيث لا نفوذ لتصرّفات الجاهل في الحسبيّات، و يحكم بحرمتها عند وجود المتجزّئ أم لا؟ وجهان: من أنّ العالم هو المتيقّن في‏

65

صورة دوران الأمر بين التعيين و التخيير فتصير ولاية العامّي مشكوكة، و تبقى تحت أصالة عدم الجواز، و عدم نفوذ التصرّفات؛ و من أنّ احتمال التعيين لا بدّ له من منشإ حكمي من الشرع، و تفضيل العالم على غيره في القرآن تفضيل تكريمي و ليس بتفضيل حقوقي وضعي.

الاجتهاد و تبدّل الرأي‏

إذا رجع المجتهد عن اجتهاده، و تبدّل رأيه في مسألة، كما إذا أفتى بخبر فوجد له معارضاً، أو كان معتمداً على أمارة فبان له عدم حجّيّتها، أو عمل بعموم فعثر على مخصّص له، أو اعتمد على أصل فالتفت إلى إشكال في جريانه، و نحو ذلك، و البحث عن ذلك يقع في جهات:

الأُولى: أنّ البحث في هذه المسألة متوقّف على القول بتحقّق الخطإ في الاجتهاد، و إلا فعلى القول بالتصويب لا ثمرة للنزاع فيها، و البحث عنها بلا طائل.

الثانية: النسبة بين هذا البحث و بين البحث عن مسألة الإجزاء في أُصول الفقه من قبيل العموم من وجه.

فالبحث في هذه المسألة يعمّ جميع العبادات، و العقود، و الإيقاعات، و غيرها من أبواب الفقه بخلاف البحث عن الإجزاء، فإنّه مختصّ بالواجبات، كما أنّ البحث عن مسألة الإجزاء يعمّ الأوامر الاضطراريّة، و الظاهريّة الواردة في الأحكام، و الموضوعات بخلاف المبحوث عنه هنا؛ فإنّه مختصّ بالأوامر الظاهريّة فقط. و بما ورد منها في الأحكام، فلا يعمّ كشف الخلاف في الموضوعات.

الثالثة: إذا تبدّل رأي المجتهد فلا يجوز له العمل برأيه السابق في أعماله اللاحقة، فإنّ تبدّل الرأي عبارة عن انكشاف خطإ الرأي السابق.

فإن كان الانكشاف يقينيّاً فالوجه ظاهر من جهة عدم وجود حكم من الوضع، أو من التكليف حتّى يعمل على طبقه، و سيرة العقلاء قائمة على ذلك، فهم لا يعملون بآرائهم التي ظهر عندهم فسادها.

66

و إن كان الانكشاف تعبّديّاً سواء أ كان الاجتهاد السابق ثابتاً بالقطع أو بالتعبّد فلا يجوز للمجتهد العمل على طبق اجتهاده السابق؛ لوجود الحجّة على فساده؛ و لعدم وجود حجّة على صحّته، و مثل هذا الرأي مردود عند العقل و العقلاء، فلا يجوز الاحتجاج به. فالوظيفة بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة هي العمل بالرأي الجديد، أو العمل بالاحتياط.

الرابعة: إنّ إعماله السابقة الواقعة مطابقة للاجتهاد السابق إن لم يكن لها أثر لزمان كشف الخلاف فلا نتيجة للبحث عنها، كما لو كان قائلًا بحلّيّة أكل لحم الأرنب و أكله فصار قائلًا بحرمته، فالبحث كلّ البحث عمّا لو كان لفساد عمله أثر في زمان انكشاف الخلاف و ذلك يتصوّر في مسائل أربع.

الأولى: إذا كان قائلًا بعدم اعتبار شي‏ء في الصلاة، و قد أتى بصلاة فاقدة له، ثمّ صار قائلًا باعتباره فيها حينما كان وقت إعادة الصلاة باق فهل تجب الإعادة؟

الثانية: نفس المسألة و قد فات وقت الصلاة، فهل يجب القضاء؟

الثالثة: إذا كان قائلًا بطهارة مائع قد أصابه، ثمّ قال بنجاسته فهل يجب تطهير محلّ الإصابة؟

الرابعة: إذا كان قائلًا بعدم اعتبار شرط في العقد، و أجرى صيغ عقود فاقدة لذلك الشرط، ثمّ صار قائلًا باعتباره في العقد فهل يجب تجديد العقود السابقة؟

و البحث في المسائل الأربع قد يقع كلّيّاً بأن يقال: هل تبدّل رأي المجتهد في حكم يوجب انتقاض آثار ذلك الحكم أم لا؟

و قد يقع جزئيّاً بأن يبحث عن أثر وقوع التبدّل في كلّ واحدة من المسائل الأربع.

أما البحث الكلّي فنقول: إنّ العقل حاكم بالانتقاض، بل التعبير بالانتقاض لا يخلو من مسامحة، إذا لم يكن هناك حكم في الواقع حتّى ينتقض، بل كان توهّم وجود حكم و قد ارتفع.

نعم، لو كان هناك إرشاد من ناحية الشارع بترتّب الأثر على وجود ذلك الحكم لكان العقل يسحب حكمه؛ فإنّ حكم العقل من باب الحماية عن أحكامه.