الأصول في علم الأصول‏ - ج2

- الشيخ علي الإيرواني المزيد...
304 /
201

التحقيق: محمّد كاظم رحمان ستايش مركز الابحاث و الدّراسات الإسلاميّة قسم احياء التراث الإسلامي‏

202

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

203

حجّيّة القطع‏

204

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

205

حجّيّة القطع‏

[وظايف المكلّفين:]

اعلم أنّ الوظائف المقرّرة في الشريعة لعمل المكلّف- بالأعمّ من الوظائف العقليّة و النقليّة- تحت عناوين ست؛ فإنّها إمّا وظائف واقعيّة و هي التي لم يؤخذ في موضوعها جهل بحكم أصلا، أو ظاهريّة و هي ما أخذ في موضوعها الجهل بالحكم الواقعي.

ثمّ الظاهريّة، إمّا أماريّة و هي ما كان بعنوان انكشاف الواقع، أو أصليّة و هي ما لم تكن كذلك، و هذا تارة بعنوان استمرار الحالة السابقة، و أخرى بعنوان العلم الإجمالي بنوع الحكم في أطراف محصورة، و ثالثة بعنوان الجهل غير المشوب بالعلم بنوع الحكم فعلا و لا سابقا إلّا ما كان في أطراف غير محصورة، و هذا تارة مع احتمال الرخصة و أخرى لا معه.

فالأوّل الاستصحاب، و الثاني أصالة الاحتياط، و الثالث أصالة البراءة، و الرابع أصالة التخيير.

و إنّما يبحث في الأصول عن هذه الأصول العمليّة الأربعة لعمومها و شيوعها في كلّ أبواب الفقه، و إلّا فلنا أصول أخر جزئيّة جارية في الشبهات الحكميّة المختصّة ببعض أبواب الفقه كقاعدة الطهارة.

ثمّ البحث عن الأمارات يقع في رسالة مفردة تسمّى برسالة حجّيّة الظنّ، و عن الأصول العمليّة يبحث في رسالتين: استصحابها في رسالة مستقلّة، و البقيّة كلّا في رسالة واحدة.

و لنقدّم أمام الكلام البحث عن القطع بشي‏ء من الوظائف الست؛ فإنّ أبحاث القطع لا تختصّ بالقطع بالأحكام الواقعيّة، بل تعمّ كلّ قطع بكلّ وظيفة من الوظائف الخمس الأخر.

فاعلم أنّ من التفت إلى شي‏ء من الوظائف و القوانين المتعلّقة بعمل نفسه أو عمل غيره‏

206

- شرعيّة كانت الوظيفة أو عقليّة، مكلّفا كان الملتفت أو غير مكلّف- لا بدّ و أن يقطع بالوظيفة، و لا يعقل أن يبقى في الجهل؛ فإنّه إن لم يقطع بشي‏ء من الأحكام الشرعيّة الستّة فهو منته لا محالة إلى باب العقل، و باب العقل ليس باب الحيرة و الضلالة؛ فإنّ حكومة العقل حكومة داخليّة، و الجهل إنّما يتصوّر في قوانين الحكومات الخارجيّة، و من ذلك الشارع.

فإن جعلنا الحكم الملتفت إليه ما يعمّ حكم العقل و الشرع لم يحصل للمكلّف حين الالتفات إلّا حالة واحدة و هي حالة القطع، و إن خصّصناه بحكم الشرع ثمّ عمّمنا حكم الشرع للواقعي و الظاهري حصل له حالتان: القطع و عدم القطع، و مرجعه على الأخير حكم العقل بالعمل بالظنّ إذا تمّت مقدّمات الانسداد، أو الأصول العقليّة إن لم تتمّ.

و إن خصّصناه بحكم الشرع ثمّ خصّصنا ذلك الحكم بالواقعي حصل له حالات ثلاث:

القطع، و جهل قامت في مورده أمارة، و جهل لم تقم في مورده أمارة معتبرة.

و تثليث شيخنا المرتضى رحمة اللّه للأقسام مبني على هذا (1)، كما أنّ تثنية الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه)(2) مبني على سابقه، و توحيدنا مبني على أوّل الوجوه، و الكلّ له وجه.

لكن لمّا كان المطلوب ضبط مجاري الأصول لم يكن محيص من التثليث حتّى يشار في قسم الشكّ إلى تمييز مجرى كلّ أصل عن مجرى صواحبه، و بالاختصار يفوت هذا الغرض.

فليس لأحد التعريض على تثليث الأقسام بأنّ أحكام القطع لا تختصّ بالقطع بالحكم الواقعي، فينبغي أن يعمّ القطع إلى كلّ حكم- واقعيّا كان أو ظاهريّا- فتثنّى الأقسام؛ فإنّ المقام ليس مقام الإيجاز، و إلّا كان لنا توحيد الأقسام و تعميم القطع إلى كلّ حكم شرعيّا كان أو عقليّا؛ لأنّ وجوب متابعة القطع لا يختصّ بالقطع بحكم الشارع.

ثمّ اعلم أنّ وجوب متابعة القطع ممّا لا يليق بأن يبحث عنه؛ و ذلك لأنّه أصل كلّ بحث، فلولا أنّ تحريك العقل بالعمل بالقطع أصل مسلّم لغى كلّ بحث؛ فإنّ نتيجة كلّ بحث القطع، فلولا أنّ القطع محرّك لم يكن للبحث ثمر، فإذا كان هذا أصل كلّ بحث، فما ذا يعقل أن يكون أصلا لهذا البحث؟!

و ليس الغرض في المقام أيضا البحث عن حجّيّة القطع بمعنى حكم العقل بوجوب متابعته، و إنّما ذكر في صدر البحث من باب الإشارة و التنبيه على ما هو مسلّم بديهي.

____________

(1). فرائد الأصول 1: 2.

(2). كفاية الأصول: 257.

207

أحكام القطع‏

قالوا: لا ريب في وجوب متابعة القطع و العمل عليه عقلا. و أيضا لا ريب في أنّ القطع منجّز لما تعلّق به من الحكم عند الإصابة. و معذّر مع الخطأ، يعني تصحّ العقوبة على مخالفة التكليف عند الإصابة، و تقبح عند الخطأ، و هذه أحكام ثلاثة مرتّبة على القطع‏ (1).

و في كلّ ذلك عندي نظر؛ أمّا حديث وجوب متابعة القطع عقلا، فيردّه أوّلا: منع حكم العقل بوجوب متابعة القطع، حتّى إذا قطع الشخص بوجوب الصلاة كان هناك حكمان عقليّان: أحدهما وجوب الإطاعة و الآخر وجوب متابعة القطع، و لو قطعنا بإباحة شي‏ء كان هناك حكم عقلي واحد بوجوب متابعة القطع، بل الحركة نحو إتيان المقطوع تأثير تكويني خارجي للقطع لا حكم عقلي للقطع.

بيانه: أنّ للعقل قوّتان: قوّة شامخة علميّة، و هذه هي القوّة المدركة العلّامة الحاكمة، و أخرى عمّالة مؤثّرة في تحريك العضلات تستخدمها القوّة العلّامة. و لكلّ من القوّتين شعبتان لا تزيد عن ذلك و لا تنقص، فبقوّته العلميّة يدرك أمرين: حسن الإحسان و قبح الظلم. و كلّ حكم عقلي فرض فهو من جزئيّات هذين الحكمين. قال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ‏ (2).

____________

(1). كفاية الأصول: 258.

(2). النحل (16): 90.

208

فمناط حكم العقل اثنان، فإن حكم على ألف بهذين المناطين فقد حكم على اثنين، و بقوّته العمّالة يحرّك نحو هذين الاثنين بعثا و زجرا، يبعث نحو الأوّل و يزجر عن الثاني بعد درك صغرى حكميه الأوّلين. فإذا علم أنّ هذا إحسان- و الفرض أنّه حكم بحسن الإحسان- حرّك نحوه، و إذا أدرك أنّ هذا ظلم- و الفرض أنّه حاكم بقبح الظلم- زجر عنه. فالبعث و الزجر قوّتان عمليّتان بصغرى وجدانيّة و كبرى عقليّة، و معنى وجوب متابعة القطع هو تحريك القطع نحو المقطوع، لا حكم العقل بوجوب متابعة القطع وراء ما حكم كبرويّا في موضوع ما تعلّق به القطع.

و من هذا يظهر لك وجه عدم إطلاق الحجّة على القطع بالنسبة إلى متعلّقة؛ فإنّ القطع محرّك نحو متعلّقه، لا واسطة لثبوت متعلّقه، فإذا قطعنا بوجوب شي‏ء حرّك قطعنا ذلك نحو الإتيان بمتعلّقه، و ليس تحريكه ذلك من القضايا و الدعاوى التي يقام عليها البرهان بمثل:

هذا مقطوع الوجوب، و كلّ مقطوع الوجوب واجب.

و لو فرضنا كونها من القضايا و الدعاوى أيضا لا يطلق عليه الحجّة، لكن لا لما قيل من أنّ الحجّة اصطلاحا هو الوسط في البرهان، و القطع بالوجوب ليس وسطا في البرهان؛ فإنّه و إن صدق قولنا: هذا مقطوع الوجوب، و لكن لا يصدق قولنا: كلّ مقطوع الوجوب واجب؛ لأنّ الواجب ليس عنوان مقطوع الوجوب بل ذاته، فإنّ ذلك ناشئ من توهّم اعتبار أن يكون الوسط معروضا للحكم في الكبرى، و هو باطل، و إلّا فأين يذهب البرهان الإنّي. نعم، اللازم هو أن يكون الوسط في الكبرى ملازما للحكم، كان معروضا له أو لازما أو ملازما معه أو كان عينه كما في كلّ إنسان حيوان ناطق.

و إنّما الوجه في عدم إطلاق الحجّة عليه هو عدم كليّة الكبرى فإنّ «كلّ مقطوع الوجوب واجب» قضيّة كاذبة لخطأ القطع كثيرا. نعم، لو رتّب القياس هكذا: هذا ممّا أنا قاطع فعلا بوجوبه، و كلّ ما أنا قاطع فعلا بوجوبه فهو واجب، لم يجر ما ذكرنا؛ لأنّ القاطع لا يحتمل الخطأ. فالوجه في عدم إطلاق الحجّة عليه مع ذلك هو أنّ الصغرى- أعني قولنا: هذا مقطوع الوجوب- هو عين القطع بالمطلوب و النتيجة، فما عساه أن تكون نتيجة لهذا؟ و هل يبقى هناك مجهول يتوصّل بترتيب مقدّمات معلومة إليها؟

و ثانيا: أنّ وجوب المتابعة الذي ذكروه للقطع ليس هو للقطع، بل هو ثابت لصفة

209

الاطمئنان و سكون النفس، و صفة الاطمئنان ليست من مقولة الإدراك، بل هي متولّدة من العلم و الإدراك تارة و من الظنّ أخرى بل ربما تتخلّف عن العلم، قال اللّه تعالى: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‏ (1).

فسكون النفس حالة تغتري النفس تبعث العضلات نحو المطلوب. فما زعموه أنّه للقطع ليس هو للقطع بل هو لصفة أخرى نسبتها مع القطع عموم من وجه، فربما يجتمعان، و في مادّتين يفترقان.

و أمّا منجّزيّة القطع مع الإصابة و معذّريّته مع الخطأ فباطل؛ بأنّ الأوّل منهما أثر لكلّ احتمال لتكليف منجّز، كان احتمالا جازما لا يحتمل معه الخلاف أو كان احتمالا غير جازم يحتمل معه الخلاف. و لذا يعاقب على مخالفة التكاليف المشتبهة قبل الفحص، و كذا يعاقب على مخالفة التكاليف في باب الدماء و الفروج؛ لأهمّيّة تلك التكاليف و تنجّزها بمجرّد الاحتمال. و إنّما لا تنجّز في موارد البراءة؛ لأنّ احتمال التكليف فيها ليس احتمالا لتكليف منجّز بل احتمال لتكليف يؤمّن العقل من العقاب عليه على تقدير وجوده.

فصحّ أن نقول: المنجّز للتكليف هو احتمال التكليف لا القطع بالتكليف. و إنّما القطع منجّز بمناط أنّه احتمال للتكليف لا بمناط أنّه قطع به حتّى تعدّ المنجّزيّة من أحكام القطع.

نعم، احتمال التكليف الذي لا مؤمّن عقلي في مورده منجّز لا كلّ احتمال للتكليف.

و أمّا المعذّريّة فتلك حكم الجهل بالتكليف، و أثر ستره الواقع [سواء] كان الجهل مركّبا و هو الجهل المقرون بالاعتقاد، أو بسيطا و هو الجهل الخالي عن الاعتقاد. فليست المعذّريّة أيضا أثرا للقطع بما هو قطع.

فصحّ أن نقول: إنّ الأحكام الثلاثة المتقدّمة ليست أحكاما للقطع بما هو قطع.

أقسام القطع‏

ينقسم القطع إلى قطع طريقي محض، و هو الذي تقدّم أنّه لا تطلق عليه الحجّة، و أنّه تجب متابعته عقلا و أنّه منجّز مع الإصابة و معذّر مع الخطأ، و إلى موضوعي، و هو ما أخذ في‏

____________

(1). البقرة (2): 260.

210

متعلّق الحكم و توجّه إليه الخطاب، فيكون سابقا على الخطاب سبق الموضوع على الحكم، كما أنّ الأوّل يكون لا حقا للخطاب لحوق العلم للواقع المعلوم.

و ربما يجتمعان في قطع واحد فيكون قطع واحد طريقا و موضوعا- طريقا بالنظر إلى حكم، و موضوعا بالإضافة إلى آخر- كما إذا فرضنا أنّه يجب التصدّق لمن قطع بوجوب صلاة الجمعة، فكان القطع طريقا محضا لوجوب صلاة الجمعة، و موضوعا لوجوب الصدقة.

و هذا القطع يغاير القطع الطريقي في الأحكام المتقدّمة. يعني تطلق عليه الحجّة، و يقع وسطا لإثبات ما تعلّق به من الأحكام كما في كلّ موضوع بالنسبة إلى حكمه، و أيضا ليس منجّزا و لا معذّرا بل المنجّز و المعذّر قطع آخر تعلّق بأنّ هذا القطع له حكم كذا.

و بالجملة: حكم هذا القطع حكم سائر موضوعات الأحكام. و من هذا يظهر أنّ كلّ قطع طريقي فهو موضوع للأحكام العقليّة الثلاثة المتقدّمة، فكلّ قطع هو حجّة بالنسبة إلى الأحكام العقليّة الثلاثة. و إنّما ليس بحجّة بالنسبة إلى الأحكام الأخر التي تعلّق القطع بها لا بالنسبة إلى هذه الأحكام التي تعلّقت بالقطع.

ثمّ إنّهم قسّموا القطع الموضوعي إلى أقسام أربعة، فإنّه إمّا تمام الموضوع أو جزؤه- على أن يكون الجزء الآخر هو الواقع الذي تعلّق به القطع- أو شي‏ء آخر أجنبي، و على كلّ منهما إمّا مأخوذ في الموضوع بما هو كاشف عن متعلّقه أو بما هو صفة للقاطع أو للمقطوع به.

و لكنّ الحقّ بطلان التقسيم من الجهة الثانية، فينحصر القطع الموضوعي في اثنين.

بيانه: أنّ القطع و إن كان من صفات النفس- و هو في هذه الجهة يشارك سائر صفات النفس من الشجاعة و السماحة مقابل صفات المادّة- و هذه الجهة جهة قابلة للحكم عليها، لكن إن تعلّق الحكم بهذه الجهة عمّ ذلك الحكم سائر صفات النفس، و هم لا يقولون به، و خلاف المفروض من تعلّق الحكم بالقطع. و إن اختصّ الحكم بالقطع كان ذلك الحكم حكما على جهة كشفه و واردا على فصله المميّز له من بين سائر الصفات الذي ليس ذلك إلّا جهة كشفه عن الواقع؛ إذ ليست له جهة مميّزة إلّا هذه.

فإن تعلّق الحكم بالجهة المميّزة كان ذلك حكما على القطع بما هو كاشف، و إن تعلّق الحكم بالجهة المشتركة لم يكن ذلك حكما على القطع بل حكما على كلّ جهة كشفه و واردا على فصله المميّز له من بين سائر الصفات الذي ليس ذلك إلّا جهة كشفه عن الواقع؛ إذ

211

ليست له جهة مميّزة إلّا هذه فإنّ تعلّق الحكم بالجهة المميّزة كان ذلك حكما على القطع بما هو كاشف، و إن تعلّق الحكم بالجهة المشتركة لم يكن ذلك حكما على القطع بل حكما على كلّ صفة هو للنفس و من ذلك القطع.

نعم، لا بأس بالحكم عليه تارة بما هو كاشف بإلغاء وجهة كونه صفة للنفس، و أخرى بما هو صفة خاصّة كاشفة عن الواقع. فيكون الدخيل في الموضوع في الأوّل محض جهة الكشف، و في الثاني جهة الصفتيّة منضمّة إلى جهة الكشف. فتكون الأقسام أربعة أيضا لكن بالنحو الذي قلناه، لا بالنحو الذي قالوه.

و ربما يتوهّم أنّ القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الكاشفيّة لا يعقل أن يكون على وجه تمام الموضوع‏ (1)، و هو توهّم ناشئ من حسبان أنّ المراد من الكاشفيّة هنا هي الكاشفيّة الحقيقيّة الموجودة في العلم، مع أنّ المراد منها الكاشفيّة الزعميّة الموجودة في نظر القاطع؛ فإنّ القطع هو الاعتقاد الجازم، و العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع.

نعم، أخذ العلم في الموضوع على وجه تمام الموضوع غير معقول.

فتحصّل أنّ أقسام القطع خمسة، واحد طريقي و أربعة موضوعي، و هذه الأقسام جارية في الظنّ أيضا.

فظنّ طريقي محض يجري عليه كلّ ما تقدّم من الكلام في القطع الطريقي طابق النعل بالنعل، و هذا هو الظنّ المعتبر على وجه الحكومة بمقدّمات دليل الانسداد- إن قلنا بها- و أخر موضوعي كأقسام القطع الموضوعي المتقدّم، فتارة على وجه تمام الموضوع، و أخرى على وجه جزء الموضوع، و على كلّ منهما تارة يكون الحكم على جهة كشفه فقط، و أخرى على جهة كشفه منضمّا إلى جهة صفتيّة.

هذا، و لكنّ الحقّ بطلان قسم جزء الموضوع في الظنّ، بل الظنّ إن كان موضوعيّا فهو تمام الموضوع. توضيحه: أنّ الجزء الآخر- و هو الواقع المظنون- إن أحرز بالقطع ذهب الجزء الأوّل- و هو الظنّ- فلا يرتّب الحكم من جهته، و إن لم يحرز فلا يرتّب من جهة عدم إحراز الواقع المظنون.

____________

(1). فوائد الأصول 3: 11.

212

و دعوى أنّ الظنّ بنفسه جزء الموضوع و حجّة معتبرة محرزة للجزء الآخر مساوقة لكون الظنّ تمام الموضوع و أنّ الحكم يدور مداره، إن كان هناك واقع أو لم يكن.

نعم، لا بأس بأخذ الظنّ جزء الموضوع، و يكون الجزء الآخر أمرا أجنبيّا غير الواقع المظنون.

قيام الأمارات و الأصول مقام القطع‏

قد عرفت في المبحث السابق انقسام القطع إلى أقسام خمسة، و الآن نبحث عن أنّ الأمارات و كذا بعض الأصول هل تقوم بدليل اعتبارها مقام القطع بأقسامه الخمسة، أو لا تقوم إلّا مقام بعض الأقسام؟ ثمّ ذاك البعض أيّ بعض هو؟

فاعلم أنّه لا إشكال و لا كلام في إمكان قيام الأمارات مقام كلّ الأقسام، إن نهضت أدلّة متعدّدة على تنزيلات متعدّدة. و إنّما الكلام في معقوليّة القيام مقام الجميع، و التنزيل منزلة ذلك الجميع بعبارة واحدة مثل عبارة: «نزّلت الظنّ منزلة القطع».

ثمّ بعد الفراغ عن المعقوليّة يبحث في مقام الإثبات عن مؤدّى أدلّة التنزيل، و أنّه تفيد أيّ مقدار من التنزيل؟

قد يقال: إنّ مثل عبارة «نزّلت الظن منزلة القطع» لا تتكفّل التنزيل منزلة القطع الطريقي و الموضوعي جميعا، و لا يعقل تكفّلها لهما (1)؛ و ذلك لأنّ الظنّ و القطع في أحد التنزيلين لا بدّ أن يكونان ملحوظين باللحاظ الآلي و عبرتان إلى المظنون و المقطوع، و كان عقد التنزيل حقيقة بين المظنون و المقطوع، و في التنزيل الآخر لا بدّ أن يكونان ملحوظين باللحاظ الاستقلالي، و كانا هما المنزّل و المنزّل عليه، و الجمع بين اللحاظين في عبارة واحدة لا يمكن، فلا يمكن الجمع بين التنزيلين في مثل عبارة «نزّلت الظن منزلة القطع».

كما قد يقال: إنّ العبارة و أمثالها ناهضة لإثبات تنزيل الظنّ منزلة القطع في جهة كشفه، فكلّ حكم يحوم حول جهة كشف القطع رتّب على الظنّ دون ما يحوم حول جهة صفتيّة.

فالعبارة تؤدّي تنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي و أيضا تؤدّي تنزيله منزلة القطع الموضوعي‏

____________

(1). درر الفوائد: 331- 332.

213

على جهة الكاشفيّة دون الموضوعي على وجه الصفتيّة (1).

و لكن المختار عدم المانع العقلي من عموم التنزيل و شمولاه لجميع أقسام القطع لو لا الانصراف اللفظي.

بيانه: أنّ القطع كما هو موضوع للأحكام الشرعيّة بجهتي كشفه و طريقيّته كذلك هو موضوع للأحكام العقليّة الثلاثة المتقدّمة، و من جملتها وجوب المتابعة على زعم القوم، فإذا أريد تنزيل الظنّ منزلة القطع في جهة وجوب المتابعة و أيضا في كلّ حكم شرعي هو للقطع لم يحتج إلى لحاظ القطع آليّا بل لا يلحظ إلّا استقلالا، و ينشأ أحكام مثله للظنّ الملحوظ استقلالا. و كون وجوب المتابعة في القطع عقليّا لا يمنع من جعل مماثله في الظنّ، و يكون مماثله المجعول في الظنّ حكما تعبّديّا شرعيّا.

هذا، و لكنّ أدلّة اعتبار الأمارات غير واف لتنزيل الظنّ منزلة القطع الموضوعي، و إنّما مفادها وضعا أو انصرافا تنزيل المؤدّى منزلة المؤدّى. انظر إلى قوله: «ما يقوله عنّي، فعنّي يقول» (2)، و إلى قوله (عليه السلام): «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا» (3) و إلى قوله (عليه السلام): «عليك بزكريا بن آدم القمّي، المأمون على الدين و الدنيا» (4). إلى غير ذلك من أدلّة حجّيّة خبر الواحد، و أدلّة اعتبار سائر الأمارات.

إن قلت: هب أنّ أمثال هذه التعبيرات يختصّ بتنزيل المؤدّى دون نفس الظنّ، إلّا أنّ بالملازمة بين التنزيلين يمكن تتميم المدّعى، فأحد التنزيلين يكون مدلولا مطابقيّا للعبارة و الآخر مدلولا تبعيّا؛ فإنّ مؤدّى الظنّ إذا كان واقعا تعبّدا كان قطعنا الوجداني به قطعا بالواقع تعبّدا، فيرتّب عليه ما يرتّب على القطع بالواقع الحقيقي من الأحكام.

قلت: نعم، قطعنا به قطع بالواقع تعبّدا، على أن تكون كلمة تعبّدا تمييزا للواقع لا للقطع‏

____________

(1). فرائد الأصول 1: 6.

(2). الكافي 1: 329 باب في تسمية من راه (عليه السلام)، ح 1؛ الغيبة للطوسي: 146- 147؛ وسائل الشيعة 27: 138 أبواب صفات القاضي، ب 11، ح 4 و في المصادر «ما قال لك عنّي فعنّي يقول».

(3). اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): 536/ 1020؛ وسائل الشيعة 27: 149- 150 أبواب صفات القاضي، ب 11، ح 40.

(4). اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): 594/ 1112؛ وسائل الشيعة 27: 146 أبواب صفات القاضي، ب 11، ح 27.

214

حتّى يكون ذلك تنزيلا آخر غير التنزيل المتعلّق بالمؤدّى. و المفيد في المقام هو الثاني دون الأوّل، و لا ملازمة بين التنزيل المؤدّى منزلة الواقع و بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالواقع.

كما لا ملازمة بين تنزيل زيد منزلة الأسد و بين تنزيل أبيه منزلة أب الأسد و أخيه منزلة أخ الأسد، فأبوه بعد تنزيل زيد، أب وجداني للأسد التنزيلي لا أب تنزيلي للأسد الواقعي، و المجدي لترتيب آثار أب الأسد الحقيقي هو الثاني دون الأوّل، و إنّما الأوّل يجدي في ترتيب أثر الأب الحقيقي للأسد التنزيلي، و لا يحتاج ترتيبه إلى أزيد من تنزيل الابن منزلة الأسد؛ لأنّ الجزء الآخر و هو الأبوّة محرزة بالوجدان فإذا نزّل الابن تمّ بذلك موضوع الأثر فيرتّب الأثر.

هذا كلّه بناء على أنّ مؤدّى أدلّة الأمارات جعل الأحكام الظاهريّة. أمّا إذا كان مؤدّاها جعل الحجّيّة، أو كونها تقادير لفعليّات الأحكام الواقعيّة- نظير الأمارات العقلانيّة- فلا يبقى مورد للتوهّم المتقدّم؛ فإنّه لم ينزّل المؤدّى منزلة الواقع كي يستلزم ذلك تنزيل القطع به منزلة القطع بالواقع.

و بمثل ما حرّرناه في الأمارات نقول في الاستصحاب؛ فإنّ عبارة «لا تنقض اليقين» لا مانع من أن يشمل تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن و تنزيل الشكّ منزلة اليقين، فيرتّب آثار نفس اليقين- على أن يكون اليقين ملحوظا بما هو يقين لا بما هو عبرة إلى المتيقّن-؛ فإنّ صفة المنجّزيّة لمّا كانت ثابتة لنفس صفة اليقين نزّل الشكّ منزلته في هذه الصفة و معنى إعطاء المنجّزيّة للشكّ و جعل الشكّ منجّزا هو التكليف بإتيان المشكوك.

نعم، ظاهر أخبار الاستصحاب و منصرفها هو جعل المؤدّى؛ فإنّ ظاهرها أنّ اليقين لوحظ عبرة إلى المتيقّن، فمن أجل هذا الظهور لا نتعدّى إلى ترتيب آثار اليقين لا أنّ هناك مانع عقلي من الشمول.

عدم جواز أخذ القطع بحكم في موضوع نفسه‏

لا يؤخذ القطع بحكم في موضوع شخص ذلك الحكم؛ للزوم الدور.

و أمّا أخذه في موضوع حكم آخر مثله أو ضدّه فلا مانع منه؛ لإمكان أن يكون القطع بالحكم عنوانا ثانويّا مغيّرا للحكم الثابت بالعنوان الأوّلي الذي تعلّق به القطع فيرتفع ذلك‏

215

و يأتي حكم آخر مثله أو ضدّه. نعم، ليس للمولى الإعلام بحكم كان نفس الإعلام به مسقطا لفعليّته، و كان يلزمه البعث نحو الفعل بإيجاب الاحتياط.

نعم، إذا اتّفق العلم به من العبد زال بسببه الحكم المعلوم و جاء مكانه حكم آخر، و نحوه الكلام في الظنّ.

و هل يؤخذ القطع بمرتبة من الحكم في موضوع مرتبة أخرى منه، كأن يكون القطع بمصلحة فعل موجبا لفعليّة وجوبه، أم لا؟ إشكال.

من أنّ كلّ مرتبة لا حقة من الحكم تقوم بما قامت به مرتبته السابقة فلا تكون مرتبة الفعليّة من الحكم قائمة بغير ما قامت به مرتبة الإنشاء، و إلّا لم تكن الفعليّة فعليّة تلك الإنشاء بل كانت فعليّة إنشاء آخر قائم بما قامت به هذه الفعليّة، فالإنشاء الذي يصير بالقطع فعليّا لا يكون إنشاء هذا الذي صار فعليّا، و إلّا لزم أن يكون القطع دخيلا في الإنشاء كدخله في الفعليّة حتّى يحصل توارد المرتبتين على محلّ واحد، بل هو إنشاء آخر قائم بنفس الواقع و هو لم يصل إلى حد الفعليّة فلم يؤخذ القطع بمرتبة من الحكم في موضوع مرتبة أخرى من ذلك الحكم، و إنّما أخذ في موضوع مرتبة أخرى من مثله.

و من أنّ مرتبة الفعليّة إنّما تقوم بما قامت به مرتبة الإنشاء إذا كانت مرتبة الإنشاء علّة تامّة للفعليّة، أمّا إذا كانت من مجرّد الاقتضاء احتاج فعليّتها إلى انضمام أمر- من وجود شرط أو ارتفاع مانع- فكان ذلك الأمر دخيلا في الفعليّة بعد عدم دخله في الإنشاء. و ليكن المقام من ذلك القبيل، فكان القطع هو ذلك الأمر الدخيل في الفعليّة أو ملازما له. و هو الأظهر.

216

التجرّي‏

هل القطع فيما أخطأ يوجب حدوث مثل الحكم المقطوع به أو لا، بعد الاتّفاق على أنّه لا يوجبه فيما أصاب؟ و الظاهر اختصاص الخلاف و النزاع بالقطع بخصوص الوجوب و الحرمة دون مطلق الحكم الشامل للإباحة.

و ربما يفصّل بين القطع بحرمة واجب أو وجوب حرام فلا، و بين غيرهما فنعم، أو يراعي مع ذلك أقوى المناطين فيحكم بتأثيره.

و ليعلم أنّ هذا البحث لو تمّ لعمّ من الجهتين، من جهة خطأ القطع و إصابته، و من جهة كون المقطوع به حكما إلزاميّا و عدمه، مثل أن يقطع بإباحة ما ليس بمباح أو كراهة ما ليس بمكروه، و لم يكن وجه للتخصيص؛ إذ القطع لو كان له التأثير كان مؤثّرا في جميع الموارد بلا امتياز مورد عن مورد فيتأكّد الواقع لدى الإصابة بما يأتي من الحكم من ناحية القطع.

و وراء هذا البحث بحث آخر، و هو أنّه لو لم يكن للقطع هذا التأثير و لم يحدث بالقطع حكم فهل يحدث بالقطع استحقاق العقاب عند المخالفة لأجل التجرّي و بما أنّ العبد قاصد للمعصية، أو أنّ العقاب يختصّ بالمعصية الحقيقيّة؟

[قبح التجرى:]

أمّا الكلام في المبحث الأوّل- أعني قبح الفعل المتجرّى به عقلا و حرمته شرعا على أن يكون عنوان التجرّي على المولى قبيحا نظير معصيته، و محرّما كسائر العناوين المحرّمة شرعا-: فالحقّ أنّ القبيح غير ثابت. و العقل إن وجّه الذمّ على المتجزّي فبخبث ذاته و انكشاف أنّه غير مبال بمعصية المولى، لا بما أنّه فاعل للقبيح، و لا بما أنّه قاصد للمعصية.

217

و لعلّ هذا المقدار من الذمّ و اللوم يوجّه على مرتكبي المعاصي في عالم الرؤيا؛ لكشف ذلك عن أنّ الفاعل غير مكترث عن المعاصي في عالم اليقظة، و إن كان في الملازمة تأمّلا.

و دعوى أنّ الإتيان بمقطوع الحرمة هتك للمولى بما أنّه تجرّى عليه، يدفعها أنّ ذلك من توهّم الهتك لا واقعه، و كيف يهتك بما هو راض به.

و أمّا الحرمة الشرعيّة فتحتاج إلى دليل، و لم يدلّ عليها شي‏ء من الأدلّة السمعيّة، و الدليل العقلي قد عرفت ما فيه.

و ربما يقال- في سند منع التحريم-: إنّ الفعل بعنوان مقطوع الحرمة خارج عن تحت الاختيار؛ لأنّ القاطع غير ملتفت إلى قطعه فكيف يتّصف بالحرمة؟! بل ربما يزاد على ذلك أنّ الفعل المتجرّى به بذاته خارج عن الاختيار من غير لحاظ عنوان خاصّ.

نعم، ذلك في بعض أقسام التجرّي لا جميع أقسامه، و هو التجرّي الحاصل في موارد الشبهات الموضوعيّة، كما إذا شرب خلّا بزعم أنّه خمر؛ فإنّ القصد تعلّق بعنوان الخمر و ليس، و الذي هو أيس- أعني عنوان الخلّ أو عنوان مطلق المائع- لم يتعلّق به القصد.

و يردّ الأوّل، أوّلا: منع عدم التفات القاطع إلى قطعه، بل قطعه حاضر لديه و مشاهد عنده بذاته لا بقطع آخر، و إنّما الأمور الخارجيّة تحضر بصورها في الذهن دون الأمور الذهنيّة.

و ثانيا: كفى في جواز الحكم على الشي‏ء بعنوان التفات المكلّف إلى الحكم و لو بعنوان آخر، و لا يلزم الالتفات إليه بعنوان الذي حكم عليه. مثلا إذا اعتقد المكلّف حرمة فعل بعنوان أنّه غناء، و كان محرّما واقعا بعنوان التصنيف كان ذلك كافيا في ثبوت التحريم. كذلك المقام إذا اعتقد المكلّف حرمة مائع بعنوان أنّه خمر فبان أنّه محرّم بعنوان أنّه مقطوع الحرمة كفى ذلك في تنجزّ الحكم.

و السرّ في ذلك هو أنّ اعتبار الالتفات إنّما هو لأجل حصول الانبعاث، و هذا يحصل في موارد الاشتباه الموضوعي مع الإصابة في أصل اعتقاد الحكم. فللمولى أن يحرّم الفعل بعنوان إذا رأى أنّ العبد معتقد بالتحريم بعنوان آخر، و لا يلزمه التنبيه على العنوان الواقعي.

و يردّ الثاني: أنّ مناط اختياريّة الفعل كون الفعل صادرا عن مبدأ العلم و الإرادة، مقابل الاضطراري الصادر فيه الفعل لا عن هذا المبدأ. و العلم الباعث للعمل علمان: كبروي و صغروي، فإذا علم بوجوب إكرام العالم، ثمّ علم بأنّ هذا عالم، حرّكه ذلك نحو العمل و كان‏

218

الفعل داخلا بذلك في عداد الأفعال الاختياريّة. و لا يعتبر في العلم الذي عليه مدار الاختياريّة الإصابة، بل يكفي مطلق الاعتقاد و إن أخطأ، إمّا في الكبرى أو الصغرى أو فيهما.

و من ذلك المقام؛ فإنّه إذا قطع بأنّ هذا خمر- و اعتقد بأنّ شرب الخمر صلاح ملائم للنفس- تحرّك نحو شرب ما قطع بخمريّته، و كانت حركته تلك حركة صادرة عن مبدأ الإرادة و الاختيار، و كان فعله ذلك اختياريّا و إن لم يكن خمرا واقعا. نعم، هو خطأ، و الخطأ من أقسام الفعل الاختياري القسيم للاضطراري، فقد اشتبه الخطأ بالاضطرار.

و أمّا التفصيل بين اعتقاد حرمة واجب أو وجوب حرام و بين غيرهما، فيحدث الحكم على طبق ما اعتقد في الثاني دون الأوّل، أو يفصّل في الأوّل أيضا بأن يوازن بين الحكمين و يحكم بفعليّة أقواهما مناطا و مع التساوي يحكم بالإباحة، فذلك ليس تفصيلا في المقام، و إنّما هو إطلاق للقول بتحريم الفعل المتجرّي به؛ فإنّ لازم ذلك الإطلاق هو تلك الموازنة و الحكم بفعليّة أقواهما مناطا- إن كان- و إلّا فالإباحة كما هو الضابط الساري في كلّ مقام.

فإذا فرضنا أنّ في قتل ابن المولى مقدار من المفسدة، و فرضنا أيضا أنّ في قتل من قطع بأنّه عدوّ المولى مقدار من المصلحة فاجتمع العنوانان في واحد، أثّر من المناطين ما هو الأقوى منهما، و مع التساوي فالإباحة. ثمّ إن كانت القوّة في جانب ما اعتقده كان هو المؤثّر- إن بلغت القوّة حدّا تقتضي الإلزام أولا- و إن كانت في جانب الواقع كان المكلّف معذورا في تركه، فلا الواقع يصير فعليّا و لا ما اعتقده، إلّا عند من يرى تأثير العنوان الملتفت إليه، و إن كان مغلوبا في مناطه. و عند هذا الشخص كان التفصيل باطلا، و يتعيّن القول بحرمة التجرّي مطلقا.

[استحقاق العقاب على التجرّي‏]

المبحث الثاني: في أنّ المتجرّي هل يستحقّ العقاب على قصده و تجرّيه، و إن لم يكن قصده و لا فعله حراما شرعيّا، أم لا؟ و لو تمّ الاستحقاق هنا جاء مثله في المعصية الحقيقيّة، فكان استحقاق العقاب هناك بجهتين: من جهة القصد و من جهة الفعل، إلّا أن يلتزم بأن لا عقاب على الفعل و أنّ العقاب في المعصية الحقيقيّة أيضا على التجرّي.

و يمكن الاستدلال على الاستحقاق بالأدلّة الأربعة:

فمن الكتاب قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏ (1).

____________

(1). البقرة (2): 284.

219

و قوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً (1).

و قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (2).

و قوله تعالى: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (3) بناء على أنّ نسبة القتل إلى المخاطبين- مع تأخّرهم عن القاتلين- لرضاهم بفعلهم.

و من السنّة قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «نيّة الكافر شرّ من عمله» (4).

و قوله (عليه السلام): «إنّ اللّه يحشر الناس على نيّاتهم» (5).

و ما ورد من أنّ المخلّد يخلّد في النار أو الجنان، بعزمهم على الثبات على ما كانوا عاملين به من خير أو شرّ (6).

و ما ورد من أنّه «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار». قيل: يا رسول اللّه، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لأنّه أراد قتل صاحبه و لم يتمكّن» (7).

و ما ورد من العقاب على مقدّمات الحرام بقصد التوصّل إلى الحرام، كغارس الكرم للخمر (8)، و الماشي لسعاية المؤمن‏ (9).

و فحوى ما دلّ على أنّ الراضي بفعل قوم كالداخل معهم، و على الفاعل إثمان: إثم الرضا و إثم الدخول‏ (10).

____________

(1). القصص (28): 83.

(2). النور (24): 19.

(3). آل عمران (3): 183.

(4). وسائل الشيعة 1: 50 أبواب مقدّمة العبادات، ب 6، ح 3

. (5). وسائل الشيعة 1: 48 أبواب مقدّمة العبادات، ب 5، ح 5.

(6). وسائل الشيعة 1: 50 أبواب مقدّمة العبادات، ب 6، ح 4.

(7). وسائل الشيعة 15: 148، أبواب جهاد العدوّ و ما يناسبه، ب 67، ح 1 بتفاوت.

(8). وسائل الشيعة 17: 223 أبواب ما يكتسب به، ب 55، ح 1- 7.

(9). وسائل الشيعة 12: 306 أبواب أحكام العشرة، ب 164، ح 1- 14.

(10). نهج البلاغة: 690، حكمة 154. و فيه قال (عليه السلام): «الراضي بفعل قوم كالدّاخل فيه معهم. و على كلّ داخل في باطل إثمان، إثم العمل به، و إثم الرّضى به».

220

و من الإجماع ما حكاه جماعة (1) على أنّ ظانّ ضيق الوقت إذا أخّر الصلاة عصى، و إن انكشف فساد ظنّه.

و من العقل حكمه بقبح الجرأة على المولى و هتك احترامه، و الطغيان عليه بالعمد على معصيته.

و ربما يقرّر حكم العقل بأنّا إذا فرضنا أنّ شخصين قطعا بحرمة إناءين فشرباهما فأخطأ أحدهما و أصاب الآخر، فإمّا ألا يستحقّ العقاب واحد منهما، أو يستحقّانهما جميعا، أو يستحقّ المصيب دون المخطئ أو بالعكس، و الطرفان باطلان بالضرورة؛ إذ لا وجه لعدم استحقاق العاصي للعقاب، و أمّا الوسطان فالأخير منهما مستلزم لإناطة الاستحقاق بأمر غير اختياري- أعني به الإصابة- فيتعيّن أوّلهما و هو المطلوب‏ (2).

و الجواب عن الجميع إجمالا: أنّها لو تمّت لاقتضت ترتّب الاستحقاق على قصد المعصية الحقيقية دون المقام، مع عدم الملازمة بين الموردين.

و أمّا الجواب تفصيلا، فعن الآية الأولى: بأنّ الحساب غير العقاب، و قد ورد أنّ في حلال الدنيا حسابا. مضافا إلى أنّ إبداء ما في النفس ظاهر في الإقرار بما ارتكبته من المعاصي دون الجري على مقتضى الإرادة، ليكون إخفاؤه عبارة عن عدم الجري لتدلّ الآية على ترتّب العقاب على القصد الساذج.

و عن الآية الثانية: بأنّ القصد لا يسمّى إرادة إلّا عقيب تأثيره في الحركة نحو المراد، و ما لم يؤثّر عبّر عنه بالعزم، و لذا أخذوا في تعريف الإرادة التحريك للعضلات، فتخلو الآية حينئذ عن الدلالة على المقصود.

و عن الآية الثالثة: بأنّ ظاهرها هو ترتّب العقاب و العذاب على مجرّد حبّ شيوع ارتكاب الفواحش بين المؤمنين، و قضيّته حرمة هذا الحبّ- كما دلّ على ذلك أخبار ترتّب الإثم على الرضا بفعل العصاة- و أين ذلك من ترتّب الاستحقاق على قصد ارتكاب المعاصي؟! و لا فحوى أيضا في البين.

____________

(1). راجع منتهى المطلب 1: 209، س 24، الطبعة الحجريّة.

(2). فرائد الأصول 1: 9.

221

و عن الرواية الأولى: بأنّ كون النيّة شرّا لا بدّ أن يكون باعتبار المنوي لا في ذاتها، و قد وقع التصريح بذلك في الأخبار. و لو فرض كونها شرّا في ذاتها كانت محرّمة بنفسها إذا قلنا أنّها في نفسها اختياريّة قابلة للنهي، و ذلك غير ما هو المقصود؛ إذ لا بحث في ترتّب العقاب على القصد إذا كان بنفسه موردا للنهي.

و عن الرواية الثانية: بأنّ ظاهر حشر الناس على نيّاتهم حشرهم بصورة ملكاتهم، كأن يحشر المتكبّر بصورة النملة، و ذلك غير استحقاق العقاب على القصد.

و عن الرواية الثالثة: بأنّ علّة الخلود هو نيّة الخلود في المعاصي على تقدير الخلود في الدنيا، لا الخلود في النيّة. فتكون الرواية أجنبيّة عن ترتّب العقاب على القصد، فلعلّ المعصية بهذا القصد يتغلّظ عقابها بالنسبة إلى المعصية عازما على التوبة و ترك العود- على أن يكون عنوان المعصية يختلف- لا أنّ العقاب يكون على القصد.

و عن الرواية الرابعة: بأنّ عقاب المقتول لعلّه من جهة إرادته قتل صاحبه، ثمّ حركته نحو المراد بإتيان مقدّماته دون مجرّد القصد الساذج. و مقدّمات القتل في المقام بأنفسها محرّمة لا بعنوان المقدّميّة؛ فإنّ إرعاب المؤمن و تخويفه بسلّ السيف عليه محرّم في ذاته، فيكون العقاب على ذلك لا على القصد الساذج.

و من هذا يظهر الجواب عن الرواية الخامسة، و قد تقدّم الجواب عن الرواية السادسة عند الجواب عن الآيات.

ثمّ لو سلّمنا دلالة الأخبار على المقصود، فهي معارضة بأخبار أخر دلّت على خلافها.

و قد عقد لذلك بابا في أصول الكافي، و نحن نقتصر على نقل رواية واحدة نموذجا للبقيّة، فعن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إنّ اللّه تبارك و تعالى جعل لآدم في ذرّيّته أنّ من همّ بحسنة و لم يعلمها كتبت له حسنة، و من همّ بحسنة و عملها كتبت له عشرا، و من همّ بسيّئة و لم يعملها لم تكتب عليه، و من همّ بها و عملها كتبت عليه سيّئة» (1).

و الجمع بين الطائفتين، حمل الطائفة الأولى على بعض ما ذكرناه في الأجوبة.

و عن الإجماع بثبوت الخلاف لفتوى جمع بعدم تحقّق المعصية في الفرع المتقدّم. مضافا

____________

(1). الكافي 2: 313/ 1؛ وسائل الشيعة 1: 51 أبواب مقدّمة العبادات، ب 6، ح 6.

222

إلى أنّ المسألة عقليّة، مع احتمال أنّ ظنّ الضرر موضوعي على وجه تمام الموضوع للحكم الواقعي، أو لعلّ حكمهم بالمعصية من جهة تحقّق مخالفة الحكم الظاهري، بل لعلّهم يوجبون العقاب لهذه المخالفة و إن وافق الحكم الواقعي.

و عن حكم العقل بمنعه، بل منع تحقّق التجرّي و الهتك للمولى بمجرّد القصد.

نعم، تنزيه النفس عنه كمال لها، و كان الذمّ و التوبيخ و اللوم المترتّب على خبث النفس اشتبه على المستدلّ بالمذمّة على القصد.

لكنّ الأوّل غير مستلزم للعقاب؛ لأنّه على أمر غير اختياري. و الذمّ المستلزم لاستحقاق العقاب من المولى هو ما كان على أمر اختياري.

و أمّا التقرير المتقدّم لحكم العقل فالجواب عنه: أنّا نختار أنّ من صادف قطعه للواقع هو الذي يستحقّ العقاب دون من أخطأ، و لا يلزم إناطة العقاب بأمر غير اختياري؛ إذ المصادف قطعه هو الذي أتى بسبب العقاب- و هو اختيار المعصية- دون المخطئ؛ فإنّه لم يختر المعصية و إنّما زعم أنّه اختارها بزعم أنّ ما أتاه معصية. و لو سلّمنا أنّه اختارها كان عدم استحقاق هذا لأجل عدم الاختيار- و هو عدم مصادفة قطعه- لا استحقاق ذاك. و غير عزيز عدم الاستحقاق لأمر غير اختياري كمن حبس عن ارتكاب الحرام أو نام عنه أو نسيه أو غير ذلك من الموانع غير الاختياريّة.

فالمتحصّل ممّا ذكرناه هو عدم استحقاق المتجرّي للعقاب، و إنّما يذمّ بخبث باطنه لا بقصده الناشئ من خبثه و لا بفعله الناشئ من ذلك القصد. هذا.

و لكنّ الذي يخطر بالبال عاجلا هو أنّ مناط استحقاق العقاب- على القول بأنّ العقاب و الثواب بالاستحقاق- ليس هو مخالفة التكليف بما هو مخالفة للتكليف و معصية، بل بمناط عامّ سيّال جميع العقوبات العقليّة يكون بذلك المناط، و كانت المخالفة جزئيّا من جزئيّاته و هو مناط مجازاة السيّئة بالسيّئة و الاعتداء بالاعتداء و العقوبة بالعقوبة المصرّح به في الآيات الثلاث.

و حيث إنّ المعصية إساءة على المولى و ظلم و هتك لحرمته كسلّ السيف عليه و فحشه و سبّه، جاز أن يعاقب الشخص بما صنع، كما أنّ عدم تهيئة مقاصد المولى و تحصيل أغراضه ظلم آخر على المولى. فكان في المعصية الحقيقيّة- بناء على تبعيّة الأوامر

223

و النواهي للمصالح و المفاسد- جهتان من الظلم فكان العقاب المنبعث منها منبعثا من الجهتين.

و أمّا التجرّي و كذلك المعصية الحقيقيّة- على القول بعدم التبعيّة- ففيه جهة واحدة، هي جهة الهتك، و مع ذلك ربما يكون عقاب هذا أشدّ من عقاب الأوّل، كعقاب من سلّ السيف على المولى و أرعبه و هدّده بالقتل إذا قيس إلى عقاب مرتكب صغيرة من الصغائر.

بل لا يبعد صحّة عقاب من أضمر السوء على المولى، و إن لم يجر على منواله خارجا و لا أوجد مقدّمة من مقدّماته. و يشهد له الأخبار المتقدّمة (1) الدالّة على العفو مع ثبوت الاستحقاق.

____________

(1). قد مرّ تخريجها في ص 219.

224

الموافقة الالتزاميّة

لا أعلم ما المراد من الموافقة الالتزاميّة؟ أ هو العلم و الإذعان بالأحكام الشرعيّة فكان إيجابها عبارة أخرى عن إيجاب معرفة الأحكام و تحصيل العلم بها، أم هو التصديق بحقّيّة أحكام الشرع و الإذعان بأنّها من قبل اللّه تعالى، أم هو البناء و العزم على امتثال الأحكام بالإتيان بالواجبات و ترك المحرّمات، أم هو الإتيان بالواجبات رغبة إليها و حبّا لها و ترك المحرّمات رغبة عنها و بغضا لها، أم هو الإتيان بالواجبات لوجوبه و ترك المحرّمات لحرمته، أم هو الالتزام و عقد القلب بوجوب الواجبات و حرمة المحرّمات؟

و كلّ ما عدا الأخير ينبغي القطع بعدم إرادتهم له. و الأخير لا معنى محصّل له، بل يوشك أن يكون من قبيل ما قالته الأشاعرة من الكلام النفسي‏ (1). و عليه يكون لكلّ تكليف امتثالان، واحد قائم بالجنان و أخر بالجوارح.

ثمّ على فرض تبيّن المراد من الموافقة الالتزاميّة يقع البحث عن حكمها. و الظاهر الذي لا ينبغي الريب فيه ألا حكم للعقل في موضوع التكاليف الشرعيّة إلّا بإطاعة واحدة متوجّهة إلى ما توجّه إليه طلب المولى، إن [كان‏] فعلا خارجيّا ففعل خارجي، و إن [كان‏]

____________

(1). و المراد به: أنّ من يأمر و ينهى و يخبر، يجد في نفسه معنى غير العلم و الإرادة يدلّ عليه بالعبارة أو الكتابة أو نحوهما، و شاع عند أهل اللسان إطلاق اسم الكلام عليه. و هو يختلف عن الكلام الحسّي الموجد بالحروف.

(شرح المقاصد 4: 149).

225

قلبيّا فقلبي، كما يشهد له ألا يحكم عند المخالفة إلّا باستحقاق عقاب واحد.

و أمّا استحقاق العقاب على ما يؤتى به تشريعا- بعنوان أنّه من الدين- فليس ذلك على القصد و المخالفة الالتزاميّة، بل لأجل دخول عمله تحت عنوان الافتراء و الكذب الفعلي على الله تعالى.

ثمّ لو سلّمنا وجوب الموافقة الالتزاميّة، لم يكن ذلك مانعا من إجراء الأصول في أطراف العلم الإجمالي- لو لم يكن مانع عن إجرائها لولاه- مع تماميّة الاقتضاء بشمول أدلّة الأصول للأطراف؛ و ذلك لأنّ الالتزام الواجب إمّا هو الالتزام بخصوص الحكم الفعلي أو ما يعمّه و الشأني بأن يلتزم بكلّ ما له من المرتبة.

فعلى الأوّل الأصل يخرج مجراه عن موضوع حكم العقل بوجوب الالتزام بإهباطه للحكم عن الفعليّة- سواء كانت الشبهة موضوعيّة أو حكميّة- و على الثاني لم يكن إجراء الأصل في الأطراف مانعا عن الالتزام بالحكم الواقعي الشأني؛ فإنّ الحكمين المتخالفين المختلفين بالشأنيّة و الفعليّة إذا اجتمعا بخارجيّهما في موضوع واحد، فما ظنّك بالتزاميّهما؟! فيلتزم بما هو الواقع و بما يقتضيه الأصل كلّ بما له من المرتبة، هذا بفعليّته و ذاك بشأنيّته.

226

قطع القطّاع‏

تقدّم أنّ للقطع أحكاما ثلاثة عقليّة: وجوب متابعته، و منجّزيّته للتكليف، و معذّريّته.

أمّا وجوب متابعته فيختصّ بالقطع المصيب، فموضوع هذا الحكم القطع بالواقع- على أن يكون القطع جزء الموضوع و الجزء الآخر الواقع المقطوع- بل القاطع نفسه لا يحكم بمتابعة قطع أخطأ الواقع. نعم، هو مشتبه في الصغرى و يزعم أنّه مصيب في قطعه، و لذلك يلزم الحركة على طبقه.

و منه يعلم أنّ حكم العقل بالحجّيّة- الذي هو من رشحات حكمه بوجوب المتابعة- أيضا مختصّ بالقطع المصيب.

و أوضح من هذا في الاختصاص بالقطع المصيب، حكم العقل بالمنجّزيّة؛ فإنّه لو لا الواقع و الإصابة، كان منجّزا لأيّ شي‏ء؟

و أمّا المعذّريّة فهو حكم ثابت في موضوع القطع المخطئ، بل عرفت أنّه حكم مطلق الجهل بالواقع- بسيطا كان أو مركّبا- ما لم يكن عن تقصير.

ثمّ إنّ أثر اختصاص الحجّيّة بالقطع المصيب يظهر في حق غيره إذا توجّه إليه حكم في موضوع قيام الحجّة عند القاطع، بل و كذا في حقّ القاطع إذا قصّر في المقدّمات فمارس ما يعلم بخطئه، فإنّه لا يعذّر فيه، و إن كان في حال القطع لا يخاطب بترك العمل بقطعه.

227

فإذا صحّ قصر الحجّيّة بطائفة خاصّة من القطع، و قام الدليل الشرعي على النهي عن متابعة ما يحتمل الانطباق عليه، حكم بالانطباق؛ فإذا نهى الشارع عن متابعة القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة، حكم بأنّ القطع الحاصل من هذه المقدّمات كلّه خطأ لا إصابة فيه، كما هو ظاهر أخباره أيضا.

و في الحقيقة القصر في الحجّيّة من العقل لا من الشرع، و الشارع بنهيه يكشف عن خروج مورد النهي عن موضوع الحجّة العقليّة.

نعم، قد عرفت ألا أثر لهذا الخطاب بالنسبة إلى القاطع، و لا يوجّه إليه ذلك الخطاب، بل نزيد على هذا و نقول: إنّ هناك وجها آخر لقصر الحجّيّة ببعض أقسام القطع، بل سلب الحجّيّة عنه بالمرّة يخاطب به القاطع أيضا، و قد سبقت إلى ذلك الإشارة.

و حاصله: أنّ من المحتمل أن يؤثّر القطع- مطلقا أو في الجملة- مفسدة في المتعلّق مزاحمة لما في متعلّق القطع من المصلحة مسقطة لها عن التأثير، فيكون الحكم الثابت لو لا القطع مرتفعا بالقطع، و كان القطع عنوانا ثانويّا- كسائر العناوين الثانويّة- دافعا للحكم المقطوع به، و حينئذ لا مانع من توجيه القاطع أيضا بذلك، و في هذا لا محيص للمولى من ترك الطلب و عدم بعث العبد نحو الفعل؛ لأنّ ذلك نقض لغرضه و لم يكن له طريق في الوصول إلى مقصده إلّا جعل الاحتياط فيما كان الأثر لمطلق القطع، و أمّا فيما كان الأثر لقطع خاصّ فله أن ينهى عن العمل بذلك القطع الخاصّ، و كان ذلك القطع بوجوده رافعا للحكم مزاحما لملاك المتعلّق، و كان الحكم على فعليّته مع تمكّن غيره من سائر أفراد القطع.

و لا يتوهّم أنّ ذلك من باب دخل قطع خاصّ في موضوع الحكم، فيخرج عن محلّ الكلام و يدخل في القطع الموضوعي الذي لا كلام في جواز التصرّف فيه بدخل نوع خاصّ من القطع في متعلّق الحكم؛ و ذلك لأنّ هذا من باب دخل عدم قطع خاصّ، و هو غير ملازم لدخل ما يقابله من سائر أنواع القطع، فاعتبار ألا يكون القطع حاصلا من المقدّمات العقليّة لا يستلزم اعتبار أن يكون حاصلا من المقدّمات النقليّة.

و كذا اعتبار ألا يكون القطع حاصلا من القطّاع ليس معناه دخل الحاصل من غيره في‏

228

موضوع الحكم ليخرج القطع عن الطريقيّة.

و حسب هذين الوجهين إذا ورد دليل رادع عن العمل ببعض أفراد القطع أخذ به و لم يكن وجه لردّه و الأخذ في تأويله، كما ورد بالنسبة إلى الحاصل من المقدّمات العقليّة.

نعم، القطع الحاصل ممّا لا يتعارف حصول القطع منه- و هو المعبّر عنه بقطع القطّاع- لم يرد منع عنه، و لا يشمله ما دلّ على عدم اعتناء الوسواسي بشكّه. و يمكن أن يقال: إنّ حكم العقل بالحجّيّة لا يعمّه، بل هو معدود من الأمراض لا سيّما بعض مراتبه.

نعم، القاطع بنفسه معذور لو حصل ذلك بلا اختيار منه، و من غير تعمّد النظر إلى ما يوجبه.

229

العلم الإجمالي‏

إنّ البحث في العلم الإجمالي يقع في مقامين: مقام ثبوت الحكم بالعلم الإجمالي، و مقام سقوطه به.

[المقام الأوّل: ثبوت الحكم بالعلم الإجمالي‏]

و لنقدّم الكلام في المقام الأوّل، أعني إذا تعلّق العلم الإجمالي بحكم هو فعلي على جميع التقادير، متوجّه إلى القاطع على جميع احتمالاته، فهل هو كالعلم التفصيلي في وجوب المتابعة عقلا المستلزم ذلك لكونه مثله في المنجّزيّة، أو ليس كالعلم التفصيلي؟

و على تقدير كونه مثله، فهل يحكم العقل بوجوب تحصيل العلم بالفراغ و حصول الإطاعة القطعيّة، أو يكتفي بالفراغ الاحتمالي و زوال القطع بالحكم؟

و على كلّ تقدير هل حكم العقل ذلك على وجه الاقتضاء، أو على وجه العلّيّة التامّة؟

يعني أنّ حكم العقل بوجوب الموافقة القطعيّة أو حرمة المخالفة القطعيّة حكمان ماداميّان معلّقان على ورود دليل مرخّص في الأطراف كلّا أو بعضا، فمجرّد ورود دليل مرخّص يذهب حكم العقل، و لو كان الدليل المرخّص عموم لفظ أو إطلاق دليل، أم حكمان مطلقان يطرح في مقابلهما كلّ دليل مرخّص؟

فللبحث مواقع و مقامات ثلاث. و موضوع البحث في كلّ المواقع هو الذي ذكرناه في صدر العنوان- أعني العلم الإجمالي بحكم فعلي على جميع التقادير متعلّق بالمكلّف كذلك- فلو كان المعلوم بالإجمال حكما شأنيّا بقول مطلق لم يكن للعلم ذلك أثر؛ فإنّه لا يزيد على العلم التفصيلي بالحكم الشأني.

230

و كذلك لو كان المعلوم بالإجمال حكما شأنيّا على بعض التقادير، كما إذا كان مردّدا بين أطراف خارج بعضها عن محلّ الابتلاء، أو كان المكلّف مضطرّا لارتكاب بعضها؛ فإنّ ذلك يكون من الشكّ في التكليف الفعلي الذي هو مجر للبراءة.

و مثلهما ما لو كان المعلوم بالإجمال غير متوجّه إلى المكلّف على جميع احتمالاته، كما في واجدي المني في الثوب المشترك؛ فإنّ كلّا من الشخصين يكون شاكّا في تكليف نفسه.

و بعد ما حرّرنا البحث كما حرّرنا، لا يبقى شكّ بالنسبة إلى المقام الأوّل؛ و ذلك لوضوح أنّ حكم العقل بمتابعة القطع لم يرد على قطع خاصّ بل كلّ قطع بحكم فعلي متوجّه إلى المكلّف موضوع لحكم العقل- كان هناك في المتعلّق إجمالا أم لا- و كيف يعقل أن يرخّص العقل في نبذ حكم المولى وراء الظهر- بعد إحرازه و القطع به- اعتذارا بأنّه غير معلوم متعلّق حكمه بالتفصيل؟!

نعم، مع الإجمال في نفس التكليف، كما إذا علم إجمالا بإلزام إمّا بالفعل أو الترك من شي‏ء واحد، الذي ذكروه مجرى لأصالة التخيير لم يبعد ألا يلزم العقل بشي‏ء، و كان الحكم هو البراءة، و سيأتي بيانه في محلّه.

و اعلم أنّ موضوع حكم العقل هو الإطاعة الواقعيّة دون المعلومة أو المحتملة، فإنّه يرد على ما يرد عليه حكم المولى. نعم، بينهما فرق و هو أنّ حكم المولى وارد على ذات الفعل بعنوانه الواقعي، و هذا يرد بعنوانه الكسبي الآتي من قبل تعلّق الأمر به، أعني عنوان الإطاعة.

ثمّ إنّ هذا الموضوع غير محرز بعد إتيان المكلّف بشي‏ء من الأطراف، و من المعلوم أنّ العقل و كلّ حاكم لا يوجّه حكمه مع عدم إحراز موضوعه؛ فإن كان له في وعاء عدم إحراز عنوان الإطاعة حكم، كان ذلك حكما بعنوان آخر- و هو عنوان لزوم تحصيل اليقين بفراغ الذمّة بعد اليقين بالاشتغال- و هو المقام الثاني من المقامات الثلاث التي أشرنا إليها.

و الظاهر أنّه لا إشكال في حكم العقل بذلك؛ فإنّ حكمه هذا كحكمه السابق لا يختصّ بمورد العلم الإجمالي، بل إذا علم تفصيلا بحكم ثمّ شكّ في امتثاله حكم العقل بوجوب تحصيل اليقين بالفراغ.

و المناط ما ذكرناه من تحصيل اليقين بالفراغ بعد اليقين بالاشتغال، فكان الإسقاط

231

للتكليف كالإثبات له لا يكون إلّا بالعلم، و المكلّف تحت حكم العقل بالاشتغال مع عدم العلم الأوّل، كما أنّه تحت حكمه بالبراءة مع عدم العلم الثاني.

و ربما توهّم جواز الاقتصار على الامتثال الظنّي في المقامين و ترك جانب الموهوم؛ زعما بأنّ إلزام العقل بالإطاعة إنّما هو بمناط دفع الضرر، و دفع الضرر الموهوم غير لازم في حكم العقل.

و يدفعه: أنّ عنوان الإطاعة موضوع مستقلّ في حكم العقل، و غير مبني حكمه ذلك على ترتّب الضرر على تركه، و إلّا وجب الاحتياط في موارد الظنّ بالتكليف، مع أنّ الضرر المترتّب على ترك الطاعة لا يخلو إمّا أن يكون هو المناط الباعث للتكليف، أو هو العقاب المترتّب على مخالفة التكليف.

و الأوّل باطل بأنّ التكليف لا يلزم أن يكون من قبيل الفرار عن المضارّ.

و الثاني باطل بأنّ العقاب مترتّب على ثبوت حكم العقل بالإطاعة، فكيف تترتّب هي عليها؟!

و بالجملة: لا ينبغي الريب في عموم حكم العقل بالاحتياط في الأطراف من غير فرق بين مظنون التكليف منها و موهومه، و إلّا لزم الترخيص في ارتكاب أطراف الشبهة إذا تساوى احتمال التكليف فيها؛ لأنّ مشكوك الضرر كموهومه في عدم وجوب التحرّز إلّا على مذهب ضعيف.

بقي الكلام في ثالث المواقع، و الحقّ فيه هو أنّ الحكمين العقليّين السابقين- اللذين كان أحدهما بمناط الإطاعة و الآخر بمناط الاحتياط في الإطاعة- كلاهما حكمان أبديّان غير محدودين بعدم ورود الترخيص من الشارع، فإذا ورد عموم أو إطلاق دليل يفيد الترخيص في الأطراف- كلّا أو بعضا- خصّص ذلك الدليل بحكم العقل، فلا جميع الأطراف قابل للترخيص و لا بعض الأطراف.

كلّ ذلك في موضوع فعليّة الحكم المعلوم بالإجمال الذي عرفت أنّه محلّ الكلام.

و أمّا رفع حكم العقل برفع فعليّة الحكم فذلك بمكان من الإمكان، بل في مورد العلم التفصيلي بالحكم أيضا يأتي هذا، فضلا عن العلم الإجمالي. فإذا رفع المولى يده عن الحكم الفعلي المعلوم بالتفصيل، ذهب حكم العقل بسبيله و جاء الترخيص. فليس حكم العقل إلّا

232

كحكم الشرع إذا توجّه إلى موضوع في أنّه لا يزول إلّا بزوال موضوعه، فإن أخذ في موضوعه عدم ترخيص الشارع- كما أخذ في موضوع حكمه بالبراءة عدم بيان التكليف- زال حكمه بورود الترخيص من الشارع، و إلّا لم يزل.

و قد عرفت أنّ موضوعي حكمي العقل في المقام تعلّق العلم بالتكليف الفعلي غير مقيّد بقيد، فما دام هذا الموضوع دام الحكمان، و إذا زال زالا ثمّ جاز الترخيص الشرعي فعموم أدلّة البراءة و شمولها لأطراف العلم الإجمالي لا سبيل إلى الأخذ به ما دام تعلّق العلم الإجمالي بالحكم الفعلي على كلّ تقدير محفوظا؛ و ذلك لعدم اجتماع حكمين فعليّين على جانبي النقيض، و هذا كما يمنع من الترخيص فيها بعضا.

و أمّا الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري في مورد الشكّ البدوي، فسيأتي أنّه غير معقول مع حفظ الفعليّة للواقع، فلا يمكن الجمع إلّا برفع اليد عن فعليّة الواقع.

ثمّ لا فرق في الحكم المعلوم بالإجمال بين أن يكون معلوما بالوجدان، أو كان ممّا قامت عليه الحجّة، فإذا قامت الحجّة على وجوب واحد من الظهر و الجمعة قطعت تلك عموم دليل الرفع الشامل لكلّ واحد من الأطراف، من غير أن يعارض دليله بدليله.

و أيضا لا فرق بين أن يكون الخطاب المعلوم في البين تفصيليّا مردّدا بين متعلّقين، أو إجماليّا مردّدا بين خطابين، كما إذا علم أنّ أحد الإناءين إمّا خمر أو مغصوب؛ فإنّ إرادات الشارع كثرات إرادة واحدة بمناط واحد إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏ ... وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ (1) و البسط و الشتات باعتبار شتات المتعلّق.

بل الإرادات الإيجابيّة و التحريميّة ما لهما إلى إرادة أمر واحد منطبق تارة على الفعل فيسمّى بالإيجاب و أخرى على الترك فيسمّى بالتحريم.

[المقام الثاني: سقوط التكليف بالامتثال الإجمالي‏]

و أمّا المقام الثاني- و هو مقام سقوط التكليف بالامتثال الإجمالي-: فالحقّ جوازه في الواجبات التوصّليّة بإتيان أطراف الاشتباه، و إن لزم من ذلك التكرار في الفعل و كان المكلّف متمكّنا من تحصيل العلم التفصيلي في المسألة، أو تحصيل الحجّة في بعض الأطراف.

____________

(1). النحل (16): 90.

233

و أمّا الواجبات التعبّديّة فما ذكر سندا للمنع فيها يعمّ صورة التمكّن من تحصيل القطع أو الحجّة و عدمه، و لازمه سقوط التكليف مع عدم التمكّن من تحصيل القطع و لا تحصيل الحجّة في المسألة، مع أنّ الذي يظهر من كلامهم قصر المنع بصورة التمكّن من تحصيل الحجّة، بل و استلزام الاحتياط للتكرار في العمل، بل يظهر منهم قصر معقد الإجماع على المنع بصورة التمكّن من تحصيل العلم الوجداني دون الظنّ الخاصّ فضلا عن الظنّ المطلق.

و القصر من الجهات الثلاث و إن كان هو المتيقّن من معقد الإجماع المنقول على المنع، لكن باقي الوجوه عامّة. و نحن نذكر تلك الوجوه مع ما فيها و بذلك نختم الكلام في حجّيّة القطع.

الأوّل: أنّ الاحتياط بالتكرار لعب بأمر المولى- يعني ينطبق عنوان محرّم على العبادة- و بذلك تخرج العبادة عن قابليّة التقرّب و لعلّ الحري أن يقال: إنّه استهزاء بأمر المولى و سخرية بأمره، و إلّا فاللعب لا أصل له حتى لو كان الاحتياط لغوا عبثا و بدون داع عقلائي، مع أنّ اللعب مع المولى- فضلا عن اللعب بأمره- ممّا لم يقم دليل على حرمته و لا يحكم العقل بقبحه.

و فيه: منع استلزام الاحتياط لشي‏ء ممّا ذكر حتّى لو كان عبثا و بلا داع عقلائي فضلا عمّا إذا كان لغرض عقلائي؛ فإنّ العناوين المذكورة تدور مدار القصد، فإن كان القصد إلى ذلك- و لو في الإطاعة التفصيليّة- حرم، و أيضا بطل إن انطبق العنوان على الفعل و قلنا بامتناع اجتماع الأمر و النهي، و إلّا فلا.

الثاني: اختلال قيد قصد القربة في الاحتياط، فيخرج عن كونه احتياطا؛ فإنّ قصد القربة هو إتيان الفعل بداعي الأمر، و معنى ذلك صدور الفعل عن منشأ العلم بالأمر، و معلوم أنّ كلّا من أطراف العلم الإجمالي لا علم فيه بالأمر. و الإتيان بداعي احتمال الأمر ليس من قصد التقرّب.

و فيه: أنّ كلا طرفي العلم الإجمالي يصدر بداعي العلم بالأمر المتعلّق بذلك الواحد المشتبه، فتكون دائرة تحريك العلم الإجمالي أوسع من دائرة تحريك العلم التفصيلي، فإنّه يحرّك إلى جميع أطراف الشبهة، و يصدر جميع أطراف الشبهة بالعلم الإجمالي الواحد.

و يتّضح ذلك بملاحظة العلم الإجمالي بالمنافع و المضارّ في أطراف؛ فإنّ الشخص إذا

234

علم أنّ في أحد الكأسين سمّا دعاه ذلك إلى التحرّز عن كليهما، أو علم أنّ أحد الحيوانين سبع، بعثه ذلك إلى الفرار عن كليهما.

الثالث: انتفاء قصد الوجه بالإتيان بالواجب لوجوبه، و بالمستحبّ لاستحبابه.

و فيه: مضافا إلى منع اعتبار قصد الوجه، ما تقدّم من صدور الأطراف بداعي الوجوب المعلوم في البين، فأين انتفاء قصد الوجه؟!

نعم، إنّما ينتفي قصد الوجه إذا لم يعلم أنّ الحكم إيجابي أو استحبابي، و إن علم بالمتعلّق تفصيلا.

الرابع: انتفاء التمييز بمعنى عدم تعيين الواجب من المستحبّ.

و يدفعه: عدم الدليل على اعتباره، بل إطلاقات أوامر العبادات تنفيه؛ لأنّه ممّا يمكن تقييد متعلّق الأمر به، و ليس كقصد الأمر ممّا لا يمكن تقييد المتعلّق به. و منه يظهر جواز الرجوع إلى البراءة أيضا.

235

حجّيّة الظنّ‏

236

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

237

حجّيّة الظنّ‏

[محاذير التعبّد بالظنّ‏]

لا إشكال في أنّ كلّ ما سوى العلم ليس حجّة في ذاته، و إنّما البحث في أنّه هل يكون قابلا للحجّيّة بالعرض و بالجعل مع فرض انحفاظ الأحكام الواقعيّة، و عدم انقلاب التكاليف الواقعيّة إلى التكليف بمؤدّيات الأمارات؟ فأثبته المشهور، و نفاه ابن قبة؛ لاستلزام ذلك اجتماع الضدّين، أعني تحليل الحرام أو تحريم الحلال في مورد قامت الأمارة على حلّيّة الحرام الواقعي، أو بالعكس.

و ربما يزاد على ذلك لزوم اجتماع طلب الضدّين فيما إذا أدّت الأمارة إلى وجوب ضدّ ما هو واجب، و كذلك لزوم تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة، بل أقول: و يلزم اجتماع النقيضين فيما إذا أدّت الأمارة إلى عدم وجوب ما هو واجب، أو عدم حرمة ما هو حرام.

ثمّ إنّ هذا و إن ذكره ابن قبة في خصوص خبر الواحد، لكنّ مقتضاها عامّ يعمّ اعتبار كلّ ما سوى العلم من أصل أو أمارة. فينبغي لمن يعتبر شيئا من الأمارات و الأصول في الشبهات الحكميّة أو الموضوعيّة أن يدفع المحذور.

و الظاهر أنّ المحاذير باقية لا تزول ما دام الالتزام بالحكم الواقعي و الآخر الظاهري باقيا. فدعوى أنّ أحد الحكمين واقعي و الآخر ظاهري لا تجدي؛ فإنّ الحكمين المتخالفين متضادّان، سواء كانا واقعيّين أو ظاهريّين أو مختلفين.

و لعلّ إلى هذا يرجع كلام من أجاب بأنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة، بل أحدهما- و هو الواقع- متعلّق بالعنوان الواقعي و الآخر بعنوان مشتبه الحكم؛ فإنّ الواقع إذا طرأ عليه‏

238

الاشتباه فقد حصل الموضوعان، و يلزمه تعلّق حكمهما، فيلزم ما ذكره ابن قبة من المحذور.

و قد أجاب شيخنا المرتضى رحمة اللّه عن الإشكال في صورة الانسداد- بعد الالتزام به في صورة الانفتاح، و أنّه لا مدفع عنه في صورة الانفتاح إلّا بالالتزام بالسببيّة و انقلاب الواقع إلى مؤدّى الأمارة الذي هو التصويب- قائلا بأنّه:

«إن أراد امتناع التعبّد بالخبر في المسألة التي انسدّ فيها باب العلم بالواقع فلا يعقل المنع عن العمل به فضلا عن امتناعه؛ إذ مع فرض عدم التمكّن من العلم بالواقع إمّا أن يكون للمكلّف حكم في تلك الواقعة، و إمّا ألا يكون له فيها حكم كالبهائم و المجانين، فعلى الأوّل فلا مناص عن إرجاعه إلى ما لا يفيد العلم من الأصول و الأمارات الظنيّة التي منها الخبر الواحد، و على الثاني يلزم ترخيص فعل الحرام الواقعي و ترك الواجب الواقعي، و قد فرّ المستدلّ منهما. فإنّ التزم أنّ مع عدم التمكّن من العلم لا وجوب و لا تحريم؛ لأنّ الواجب و الحرام ما علم بطلب فعله أو تركه، قلنا: فلا يلزم من التعبّد بالخبر تحليل حرام أو عكسه».

انتهى‏ (1).

و أنت خبير بأنّ هذا ليس جوابا عن ابن قبة؛ فإنّه مع حفظ الواقعيّات وجّه المحذور، و أنّه يلزم من جعل أحكام ظاهريّة تحليل الحرام و تحريم الحلال، و هذا لازم إن كان هناك انفتاح أو كان انسداد. و أيّ معنى لوجوب نصب الحجّة في حال الانسداد بعد بقاء الأحكام الواقعيّة على واقعيّتها، و هل ذلك إلّا وجوب الجمع بين الضدّين؟ إلّا أن يكون مقصود المجيب وجوب رفع اليد عن الأحكام الواقعيّة، و الاقتصار على ما في مؤدّى الطرق، و هذا خارج عن مفروض كلام ابن قبة.

و بالجملة: الانسداد و عدم التمكّن من الوصول إلى الواقعيّات و لو لغلبة خطأ ما يحصل من أفراد الخطأ، حتّى كانت الأمارة أغلب إصابة منه- إن كان نافعا- فإنّما ينفع في دفع محذور تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة، و لا يجدي أبدا في دفع المحاذير الأخر حول التكليف، من اجتماع الضدّين أو النقيضين أو طلب الضدّين. و قد أجاب الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه) عن الشبهات بأجوبة ثلاثة:

____________

(1). فرائد الأصول 1: 41.

239

[معنى جعل الحجّيّة]

الأوّل: أنّ جعل الحجّيّة، ليس بجعل مؤدّيات الأمارات حتّى يلزم من هذا الجعل- منضمّا إلى جعل الأحكام الواقعيّة في موارد الخطأ- تحليل الحرام و تحريم الحلال و كذا باقي المحاذير، و إنّما هو بجعل نفس الحجّيّة؛ فإنّها بنفسها قابلة للجعل كالملكيّة و الزوجيّة و الوكالة و الوصاية.

نعم، تجتمع الحجّيّة على الحرام مع الحلال أو الحجّيّة على الحلال مع الحرام، و هذا لا مانع منه، و ليس من تحليل الحرام و تحريم الحلال.

فالحجّيّة جعليّة و انجعاليّة، فالانجعاليّة للقطع و للظنّ في ظرف الانسداد على الحكومة للأمارات. و الكلّ موضوع لحكم العقل بوجوب المتابعة و المنجّزيّة و المعذّريّة، فكما أنّ الحجّيّة الانجعاليّة تجتمع مع الحكم الواقعي على الخلاف- كما في قطع أخطأ- كذلك الحجّيّة الجعليّة، فلا يلزم محذور سوى تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة، و ذلك يندفع بثبوت مصلحة في الجعل يتدارك بها ذلك‏ (1).

و يردّه أوّلا: أنّا لا نعقل لجعل الحجّيّة معنى سوى جعل الأحكام التكليفيّة و جعل وجوب المتابعة، و كذا في أخواتها من الولاية و الوكالة و الوصاية، فإنّ كلّ ذلك يرجع إلى الإذن في التصرّف.

و ثانيا: أنّ هذا- إن تمّ- يختصّ بالأمارات و لا يجري في الأصول، إلّا على مذهب من يرى جعل الأصول أيضا بمعنى جعل حجّيّتها بلا جعل أحكام ظاهريّة في موردها، لكن المجيب لا يلتزم بذلك.

و ثالثا: أنّ الالتزام المذكور لا يدفع المحذور؛ فانّ جعل الحجّيّة تشارك جعل الأحكام في المحذور؛ للزوم متابعة الحجّة عقلا. فيلزم من جعل الحكم مع جعل الحجّة على خلافه اجتماع الطلبين العقليّين على جانبي النقيض- أعني وجوب الفعل لكونه مطلوبا و جواز تركه لقيام الحجّة على عدم الوجوب- و هذا نظير أن يطلب الفعل، ثمّ يوعّد بالعقاب عليه.

و حيث إنّ القطع حجّيّة ليس بجعل من الشارع، فليس حكم العقل بوجوب المتابعة فيه مستندا إلى الشارع حتّى لا يجتمع مع إرادته الفعليّة على الخلاف.

____________

(1). كفاية الأصول: 277.

240

الثاني: أنّا لو قلنا بجعل الأحكام في أدلّة اعتبار الطرق و الأمارات فأحكامها أحكام طريقيّة عن مصلحة في جعلها بخلاف الأحكام الواقعيّة؛ فإنّها عن مصلحة في متعلّقاتها. و لا مضادّة بين حكمين كذلك؛ لأنّ أحدهما طريقي ليس على طبقه إرادة بل منبعث من إرادة ذيه تحفّظا على الواقعيّات، و إنّما الإرادة على طبق الآخر الواقعي‏ (1).

و يردّه: أنّ هذا مجرّد لقلقة لسان لا مغزى له؛ فإنّه لو لم يكن على طبقه إرادة نظير الإنشاءات الصادرة لغير داعي الطلب من التعجيز و التسخير لم يجب إطاعته، فالإرادة- و إن كان الطلب طريقيّا و لأجل درك الواقعيّات- حاصلة لا محالة.

ثمّ لمّا رأى المجيب أنّ هذا الجواب لا يتمشّى في غير الأمارات- و ليت تفطّن بعدم تمشّي جوابه الأوّل أيضا على مبناه في الأصول- فأجاب في الأصول عن المحذور- و هو ثالث الأجوبة- بما حاصله يرجع إلى التزام عدم فعليّة الأحكام الواقعيّة في موارد الأصول، بمعنى أنّه لا إرادة و لا كراهة على طبق الواقع في ظرف الجهل، فلا يلزم اجتماع حكمين ضدّين أو نقيضين أو طلب ضدّين.

و لمّا رأى أنّ هذا يؤدّي إلى الفساد، و ألا تتنجّز الأحكام الواقعيّة بالقطع بها أو قيام أمارة عليها؛ لأنّها إذا كانت في ظرف الجهل إنشائيّة محضة كان العلم من العالم متعلّقا بهذا الإنشائي الموجود في مرتبة الجهل، و قد تقدّم أنّ القطع بحكم إنشائي لا أثر له، و لا يوجب تنجّز المتعلّق، فالتزم بأنّ الواقع بمثابة لو علم أو قامت عليه أمارة لتنجّز، يعني انقدحت الإرادة بسبب العلم بها، و أيضا تنجّزت بنفس ذلك العلم.

و حاصل ذلك يرجع إلى أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه، يعني أنّ الحكم الإنشائي بالقطع به يبلغ مرتبة الفعليّة ثمّ التنجّز. فالحكم قبل العلم حيث إنّه لم يبلغ مرتبة الإرادة فلا مانع من جعل الإباحة على خلافه، و حيث إنّه يبلغ بالعلم من العالمين مرتبة الفعليّة وجب على العالمين الإطاعة فاجتمعت الكلمتان، و الحمد للّه تعالى‏ (2).

و أنت خبير بأنّا نحن لا نقطع- حيثما نقطع- إلّا بحكم فعلي، و لا تقوم الأمارة حيثما تقوم إلّا على حكم فعلي.

____________

(1). كفاية الأصول: 277 و 278.

(2). كفاية الأصول: 278.

241

و هذا دليل على أنّ الحكم قبل تعلّق القطع به و قيام الأمارة عليه بالغ مرتبة الإرادة و الكراهة، مع أنّ أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى يحتاج إلى دليل، و ليس.

فإنّه- بعد تسليم أنّ الأحكام في ذاتها ليست بالغة مرتبة الإرادة و الكراهة- يحتاج إثبات أنّها بتعلّق القطع أو قيام الأمارة عليها تبلغ مرتبة الفعليّة إلى دلالة دليل. و في الحقيقة ذلك الدليل هو الذي يوجب تنجّزها بعد فعليّتها بالقطع بوجوداتها الإنشائيّة، لا القطع بوجوداتها الإنشائيّة، و إنّما القطع بوجوداتها الإنشائيّة يوجب فعليّتها فقط. و معلوم عدم قيام الدليل على هذا الترتيب و إنّما هو شي‏ء وهمي ذكره.

اللّهمّ إلّا أن يقول: إنّ الدليل عليه هو دليل اعتبار الأصول مع ضرورة وجوب امتثال التكاليف عند القطع بها؛ فإنّ جعل الأصول حال الجهل و تنجّز الأحكام بالقطع بها لا يتمّ إلّا بأن لا يكون في مرتبة الجهل فعليّة كي لا يلزم تحليل الحرام و تحصل الفعليّة بالقطع؛ إذ لا يجب متابعة القطع بأحكام إنشائيّة، لكنّ هذا الاستكشاف إنّما كان يتمّ إن لم يكن هناك طريق آخر به يتخلّص عن الإشكال. مضافا إلى ما عرفت من أنّ ما ذكر خلاف الوجدان؛ فإنّا حيثما نقطع بأحكام فعليّة- أعني الإرادة و الكراهة- و حيث تقوم عندنا الأمارة على حكم تقوم على حكم فعلي، و أيّ رواية من رواياتنا دلّت على حكم اقتضائي؟!

فدعوى غيره مصادمة للوجدان و مخالفة للعيان.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه تنحصر الحجّة في باب التكاليف في العلم، و لا شي‏ء غير العلم بحجّة و لا قابل للحجّيّة، فلا يكون ما ليس بحجّة حجّة بالجعل بل الحجّة دائما هو العلم.

نعم، موضوع حكم العقل بالتجنّب في باب الضرر هو الأعمّ من الضرر المعلوم و المقطوع، و هذا غير حجّيّة الظنّ، و ليست الإطاعة في باب التكاليف بمناط دفع الضرر كي يجب بمناط دفع الضرر المظنون كما يجب بمناط دفع الضرر المقطوع، بل يجب إطاعة التكليف إن كان في تركه ضرر- إمّا ضرر مناط التكليف أو ضرر العقوبة- أم لم يكن. و لذا يحكم العقل بالاحتياط في أطراف العلم الإجمالي من غير فرق بين مظنونها و مشكوكها و موهومها.

و الحاصل: أنّ الشارع بل كلّ حاكم ملزم بأن يوصل بيانه إلى باب العقل، ثمّ هو يستريح.

و باب العقل هو حكمه بالإطاعة و بعثه نحوها، و هما مرتّبان على إعلام المولى بالتكليف إمّا

242

تفصيلا أو إعلاما إجماليّا. و لا يجدي في ذلك جعل المكلّف ظانّا بالتكليف، بل كان في هذا عهدة عدم حصول المطلوب على نفس المولى حتّى يعلم العبد فتنتقل العهدة حينئذ إلى العبد، و يكون هو المطالب بالإتيان و الملوم على الترك و المخالفة.

و هذا كذلك حتّى في حال الانسداد بناء على حكومة العقل؛ فإنّ الحجّة في حال الانسداد هو العلم الوجداني بالتكليف دون الظنّ التفصيلي. و سيأتي تفصيل ذلك عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

و على هذا، فإذا حكم الشارع باتّباع الظنّ كان القطع بحكمه هذا هو الحجّة دون الظنّ المحكوم عليه.

[الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري‏]

و لا يتوهمنّ من هذا أنّ ما لم يكن بحجّة صار حجّة بالجعل، بل الظنّ هذا إمّا هو موضوع للحكم كسائر ما يؤخذ في الموضوع من الخصوصيّات، و هذا لا يكون إلّا بعد رفع اليد عن الأحكام الواقعيّة، أو هو بعث احتياطي ناشئ من فعليّة الأحكام الواقعيّة في تقدير المظنّة لا في سائر التقادير؛ يعني أنّ التكاليف الواقعيّة فعليّة بالغة مبلغ الإرادة حيث يظنّ بها، و الأمر مع ذلك بالعمل بجميع المظنونات؛ لاحتمال صدفتها للواقع المنجّز في تقديره فكان بعثا احتياطيّا إلى الجميع صونا للواقعيّات عن الفوات على المكلّف.

فالأمارات الظنّية على هذا تقادير لفعليّة الأحكام الواقعيّة من غير أن تكون بنفسها تحت الحكم، بل هي تحت الحكم الاحتياطي العقلي الذي يحكم به العقل إن أدرك مناطات الأحكام الواقعيّة و كيفيّة تأثيرها في الأحكام الفعليّة. و قد كشف الشارع بحكمه الاحتياطي عن مقدار اقتضاء المناطات في الأحكام الفعليّة، و أنّها تستتبع أحكاما فعليّة على تقدير قيام أمارة ظنّيّة عليها و لا تستتبع على تقدير عدم القيام.

و حيث إنّ المسلك الأوّل باطل مستلزم للتصويب اخترنا في جعل الأمارات هذا المسلك، بل قضيّة الجمع العرفي بين أدلّة الأحكام الواقعيّة و بين دليل اعتبار الأصول و الأمارات هو هذا، بل عليه المدار في جميع الأوامر العرفيّة و المقاصد العقلائيّة، فكانت الواقعيّات مطلوبة متى أحرزت بعلم أو علمي و غير مطلوبة متى لم تحرز.

و لذا قلنا: إنّ أصالة البراءة تفيد حكما واقعيّا لا ظاهريّا مع فعليّة الواقعيّات على خلافها.

فالعلم و العلمي دخيل عندنا في متعلّق الحكم الفعلي و لا محذور دور؛ لأنّ العلم و العلمي‏

243

بالبعث دخيل في الدخول تحت الإرادة.

فالإرادة متعلّقة بمن وصل إليه البعث و علم بالبعث و قد التجأ شيخ مشايخنا المرتضى رحمة اللّه إلى اختيار هذا المسلك في مبحث البراءة في جواب استدلال الأخباريّين على وجوب الاحتياط بالدليل العقلي‏ (1) أو قام علمي عنده على البعث، و ما لم يتحقّق أحد الأمرين لا إرادة.

و بالجملة: متى تحصّل تقدير إرادة المولى- و هو علم العبد ببعثه- تحقّقت الإرادة، و متى لم يتحصّل هذا التقدير لم تتحقّق الإرادة. و أنت إذا تأمّلت خطابات و سبرتها رأيتها طرّا من هذا الوادي و كأنّها من الإرادات التقديريّة، فالمولى يريد السقي بقوله: اسقني، لكن لا مطلقا بل بشرط أن يصل هذا الخطاب إلى سمع العبد ثمّ ينتقل منه إلى معناه بأن لا يخطى في استظهار ما هو ظاهر، بل كلّ متكلّم يريد إفهام مخاطبه بالشرطين المذكورين و كذلك يطلب الجواب منه على الشرطين المذكورين.

و ما يقال و يلتزم في موارد جعل الأمارات و الأصول من إنشاء أحكام ظاهريّة على طبق مؤدّياتها في عين فعليّة الأحكام الواقعيّة (2) فذاك قول لا يتخلّص عن إشكال ابن قبة من لزوم تحليل الحرام و بالعكس؛ مريدا بذلك اجتماع الضدّين، بل و من محذور لزوم اجتماع النقيضين في ما دلّت الأمارة على عدم وجوب واجب أو عدم حرمة حرام. و أيضا من محذور طلب الضدّين في ما إذا أدّت الأمارة أو الأصل إلى وجوب ضدّ ما هو واجب واقعا، و لا مدفع لهذه المحاذير و إن قيل فيه ما قيل من الأجوبة التي سبقت إليها الإشارة.

و يشارك القول بجعل أحكام ظاهريّة في المحذور الالتزام بجعل الحجّيّة في الأمارات و إن ظنّ أنّه يتخلّص به عنه؛ فإنّه على تقدير معقوليّة جعل الحجّيّة و الغضّ عمّا ذكرناه أوّلا- من أنّ الحجّيّة غير قابلة للجعل و أنّها منصب يختصّ بالعلم- ممّا لا يدفع المحذور؛ إذ مع فعليّة الأحكام جعل الحجّة على الخلاف يفضي إلى اجتماع الضدّين لإيجاد موضوعين متعاكسي الحكمين عند العقل: أحدهما التكليف الواقعي المستتبع لحكم «أطع» و الآخر جعل الحجّة المستتبع لحكم «اتّبع من العقل» مع استلزام متابعة أحدهما ترك متابعة الآخر.

____________

(1). فرائد الأصول 1: 354.

(2). كفاية الأصول: 278 و 279.

244

و هل تتصوّر حجّة هي ممّا يحرم العمل عليها، أو يتصوّر تكليف واقعي هو جائز المخالفة؟ و كيف تجتمع الإرادة الواقعيّة مع جعل العذر؛ فإنّه لا معنى متحصّل لجعل العذر إلّا رفع الإرادة الواقعيّة؛ و ذلك هو ما ذكرناه من كون الإرادة فعليّة على تقدير و لا فعليّة على آخر.

و بالجملة: لا يوفّق الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة إلّا بأحد وجهين: إمّا برفع اليد عن الإرادة الواقعيّة رأسا و صرف التكليف إلى مؤدّيات الطرق و ذلك مسلك السببيّة الذي قيل:

إنّه تصويب باطل، أو قصر فعليّة الواقعيّات المنشورة في طيّها و عدم فواتها على المكلّف.

و هذا هو المختار.

و تظهر ثمرة المسلكين في موارد خطأ الأمارات، فلا طلب على الأخير و هناك طلب واقعي على الأوّل.

و لازدياد توضيح المقام نشرح لك الطلب و كيفيّة إناطته بالعلم لتكون على بصيرة من جعل كيفيّة الأمارات و الأصول، و أنّ إناطة التكليف بأداء الأمارة و الأصل هو بعينه إناطته بالعلم.

فاعلم أنّ التكليف إرادة خاصّة من المولى متعلّقة بفعل المكلّف، فعلا اختياريّا حاصلا بداعي بعث المولى و تحريكه الحاصل بإعلامه بإرادته لغرض حصول المراد، فخرج بالقيد الأوّل إرادته المتعلّقة بفعل نفسه، و بالقيد الثاني إرادته المتعلّقة بفعل العبد الاضطراري؛ فإنّها ليست تكليفا و لا مقدّمات تحصيل ذلك المراد ببعث الطلب، بل هي قهر و إجبار، و بالقيد الثالث إرادته المتعلّقة بالفعل الاختياري، لكن لا ما كان سبب اختياره البعث، بل سائر الأسباب التحبيبيّة و الترهيبيّة، و من ذلك الإجارة و الجعالة و كلّ وعد على الفعل و وعيد، فإذا كان التكليف هو إرادة فعل غير إرادة خاصّة و من طريق البعث و الإعلام بالإرادة كان المراد و المكلّف به أيضا خاصّا بهذه الخصوصيّة، أعني فعل العبد الحاصل عن علمه بالبعث لا مطلق الفعل، و الفعل من أيّ طريق حصل.

فإنّ نتيجة مقدّمات رتّبها المولى في طريق الوصول إلى غرضه هي متعلّق إرادته لا غيرها، فالمتولّد من المقدّمات أخيرا هو المحرّك إلى ترتيب المقدّمات أوّلا، و المقصود المحرّك إلى ترتيب المقدّمات هو الحاصل المتولّد من المقدّمات لا يتخطّى‏

245

أحدهما عن صاحبه مقدار شعرة.

و لا يعقل أن يكون المراد أوسع ممّا هو نتيجة المقدّمات، و نتيجة المقدّمات عرفت أنّها هو الانبعاث من بعث المولى و الفعل الحاصل بداعي بعثه، و معلوم أنّ كيفيّة الانبعاث هو أن يعلم العبد ببعث المولى فيحرّك علمه ذلك نحو العمل، فالفعل بتحريك هذا العلم يكون هو المراد و هو المكلّف به في باب التكاليف لا ما هو أوسع من ذلك و لا ما هو أضيق. فمتعلّق التكليف دائما خاصّ خصوصيّته صدوره عن العلم بالبعث و بتحريكه، فكان العلم دخيلا في التكاليف دخل القدرة و البلوغ و العقل، فلا إرادة مع عدم هذا العلم.

و الإرادة التي ثابتة لا تزول مع علم المكلّف و جهله هي الإرادة التكوينيّة التي لا يتحيّل المريد في استحصال مقصوده بالبعث، بل يقوم بمقدّمات أخر منتجة لمقصوده لا محالة إن علم بذلك العبد أو جهل.

إذا تحقّقت هذه الجملة فاعلم أنّ إنشاء الطلب تارة يكون بالقول الصريح و أخرى يكون بالقول الظاهر، و قضيّة هذا الأخير هو عدم إرادة المولى للواقع حيثما أخطأ المكلّف في الاستظهار من العبارة، فكانت إرادته إرادة على تقدير، و ذلك التقدير تقدير إصابة العبد في فهم المراد لا إرادة على جميع التقادير. و معنى حجّيّة الظواهر هو هذا، يعني أنّ الواقع مراد على تقدير وصول المكلّف إليه من طريق الظهور غير مراد على تقدير عدم وصوله إليه من هذا الطريق، فمعنى حجّيّة الظواهر هو كونها تقادير لإرادة المولى. و أيضا قد يوصل المولى إنشاءه هذا إلى المكلّف بلا واسطة و بخطابه به، و قد يرسله إليه بالواسطة، و الواسطة إن كانت علميّة لا كلام، و إن كانت ظنّيّة فمعنى اعتبار قول تلك الواسطة هو كون الواقع مرادا على تقدير الإصابة غير مراد على تقدير الخطأ، فكان معنى حجّيّة الأمارات الظنّية- بل و كذا الأصول- هو كونها تقادير إرادة المولى. فعلى تقدير له إرادة و هو تقدير إيصال ذلك الأصل أو الأمارة إلى الواقع، و على تقدير لا إرادة و هو تقدير الخطأ و عدم المصادفة.

تنبيه‏

البعث الذي قلنا: إنّ عليه مدار فعليّة التكاليف هو البعث الأعمّ ممّا يطابق الإرادة الواقعيّة الأوّليّة و ما كان صيانة لذلك الواقع و تحفّظا عليه من أن يفوت على المكلّف،

246

فالأوامر الاحتياطيّة و أدلّة اعتبار الأمارات و الأصول كلّها من هذا القبيل، يعني أنّ البعث فيها لأجل صيانة ما في بطونها من الواقعيّات كي لا يفوت على المكلّف.

و علم المكلّف بهذا البعث هو المؤثّر في فعليّة الواقعيّات المندرجة فيها دون أشخاص ما يحصل من الظنّ من كلّ أمارة؛ فإنّ تلك الظنون هباء لا يلتفت إليها و لا يلقى الرجل دونها لو لا العلم المذكور، و مع العلم المذكور كانت العبرة به دون الظنون فكانت الحجّة هو ما قام من الدليل العلمي على اعتبار الأمارة أو الأصل. و هذا الدليل العلمي عدل للأدلّة القطعيّة القائمة على الواقعيّات المشارك لها في التأثير في فعليّة الأحكام.

و من جميع ذلك ظهر لك إمكان التعبّد بالظنّ، و أنّ معنى التعبّديّة ليس إلّا إناطة فعليّة الحكم الواقعي به و إدارته حوله، إن كان كان، و إن لم يكن لم يكن.

إذا عرفت هذا، فالكلام يقع تارة في وقوع التعبّد بالظنّ بقيام الأدلّة الخاصّة عليه، و أخرى في وقوعه بقيام دليل عامّ عليه يعبّر عنه بدليل الانسداد. فلنا مقامان من الكلام.

و قبل الشروع فيهما نقول دفعا للتوهّم: إنّه لا يظنّ ممّا ذكرنا من انحصار الحجّة في العلم أنّه لا يعقل الشكّ في حجّيّة أمر كي يبحث عمّا هو قضيّة الأصل عند الشكّ في الحجّيّة، بل إن كان علم قطع بها و إلّا قطع بعدمها، يعني إن علمنا بدليل الاعتبار فقد قطعنا بحجّيّة ما اعتبره حجّة و إن لم نعلم فقد قطعنا بعدم حجّيّته.

نعم، نشكّ في وجود دليل الاعتبار، لكنّنا في عين هذا نحن قاطعون بعدم الحجّيّة إن لم نظفر به بعد الفحص؛ و ذلك فإنّ الشكّ في اعتبار أمارة يساوق القطع باعتبار تلك الأمارة، يعني جاز لنا أن نقتصر في العمل على تلك الأمارة و نترك ما وراءها من الاحتمالات؛ فإنّ معنى اعتبار الأمارة على ما عرفت هو كونها تقديرا لإرادة المولى و كون الواقع مرادا على تقدير صدفة الإرادة له، غير مراد على تقدير الخطأ.

عليه كان الشكّ في اعتبار أمارة موجبا للشكّ في إرادة الواقع بقول مطلق، و المتيقّن من إرادته إرادته إذا كان في مؤدّى الأمارة، فيؤخذ بهذا المتيقّن و يترك ما وراءه كما إذا قطع بحجّيّة تلك الأمارة، فكان الشكّ في اعتبار الأمارة مطابقا في النتيجة للعلم باعتبارها.

و بذلك يسهل الأمر و لم نحتج إلى إقامة الأدلّة على الاعتبار، و لا التشبّث بذيل دليل الانسداد، و اللّه الموفّق للسداد.

247

[حجّيّة الظواهر]

من جملة ما قام الدليل بالخصوص على اعتباره هو ظواهر الألفاظ. و قبل الشروع في بيانه نبحث عمّا يثبت الظهور، و أنّ الظهور هل يثبت بالظنّ أم لا؟

فاعلم أنّ الظهور إمّا وضعي أوّلي، أو مجازي ثانوي متولّد من قيام القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي. فإن شكّ في الأوّل و لم يعلم معنى اللفظ فالظاهر أنّه لا يكتفى بالظنّ في تعيينه. و ما يرى من بناء أهل المحاورات على استعلام كلّ لغة من أبناء تلك اللغة، بل يكتفى بالسؤال عن صبيّ أو مجنون، فذلك لما يحصل لهم من الاطمئنان من أقوال أولئك، لا أنّهم يتعبّدون بالجواب. و مثل هذا الاطمئنان من أينما حصل أخذ به. و بهذا المناط يمكن اعتبار أقوال أهل الخبرة بلغة العرب- و إن لم يكونوا منهم- كصاحب القاموس و أضرابه، سيّما إذا تعدّد المخبر خاصّة مع مساعدة الاستعمالات العرفيّة.

ثمّ إنّه إن علم معنى اللفظ و شككنا في نقله عنه، أو حدوث وضع جديد على سبيل الاشتراك مع الأوّل، فالظاهر البناء من العقلاء على عدمه- و هذا هو معنى أصالة عدم النقل و أصالة عدم الاشتراك- لكن إذا لم يحتمل تعدّد المعنى من أوّل الأمر و إلّا أشكل البناء على عدمه.

و إن شكّ في الثاني كان هناك صور أربع، فإنّه إمّا أن يشكّ في أصل وجود القرينة أو يشكّ في قرينيّة الموجود، و كلّ منهما كان، تارة يكون المشكوك القرينة المتّصلة و أخرى القرينة المنفصلة. و لا أصل في شي‏ء من الصور عدا صورة واحدة، و هي صورة الشكّ في‏

248

وجود القرينة المنفصلة؛ فإنّه مع اليأس من وجوده يبني على عدمه.

أمّا إذا شكّ في قرينيّة ما اتّصل بالكلام فلأنّ ما اتّصل إمّا أن يكون مجملا مزاحما ببعض معانيه، أو ظاهرا في معنى مزاحم، و هذا تارة مع أقوائيّة ظهوره على ظهور ما اتّصل به، و أخرى لا مع أقوائيّة ظهوره- سواء كان أضعف أو مساويا- و ليس شي‏ء منها محلّا للأصل.

أمّا في صورة إجمال القرينة فلأنّ المجمل يحمل على المبيّن دون العكس. و أمّا الصور الأخر فلأنّه مع أظهريّة أحد المتّصلين يكون الأظهر قرينة على الظاهر، و مع المساواة يحصل الإجمال، فأين الشكّ حتّى يرجع فيه إلى الأصل؟!

و من هنا يظهر حال ما إذا كان المشكوك قرينيّته منفصلا، فإنّه يسقط عن الحجّيّة فيه ما يسقط عن الظهور من مثله من المتّصل. هذا حال صورتي الشكّ في قرينيّة الموجود.

و أمّا إذا شكّ في أصل وجود القرينة المتّصلة بأن احتمل احتفاف كلام المولى بما يصرفه عن ظهوره- و قد خفي علينا- فالظاهر أيضا عدم أصل ينفي القرينة؛ فإنّ الظهور الصادر من المولى- حينئذ- غير معلوم، سيّما إذا اقتطع من كتاب الكلام أو خفي من كلامه شي‏ء احتمل أن تكون القرينة فيه، ما لم يحصل الوثوق بعدمه؛ فإنّ ذلك لأجل اعتبار الوثوق دون الأصل.

إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ اعتبار الظهور في الجملة مقابل السلب الكلّي ممّا لا إشكال فيه؛ فإنّ اتّخاذ الشارع طريق إلقاء الظواهر في إيصال مقاصده، و عدم اقتصاره على القول الصريح أعظم شاهد على تقريره لبناء العقلاء، و أنّه لا طريق له إلّا طريقهم.

و إنّما الإشكال و النزاع في عموم الحجّيّة و خصوصها من جهات ثلاث:

إحداها: أنّه هل يعتبر في الظاهر أن يكون مفيدا للظنّ، أو على أقلّ من عدم الظنّ بالخلاف و إلّا لم يعمل به، أو أنّه لا يعتبر شي‏ء من الأمرين؟

الثانية: أنّه هل تختصّ حجّيّة الظواهر بالمخاطبين، أو بالمقصود إفهامهم، أو تعمّ اعتبارها في حقّ كلّ أحد؟

الثالثة: أنّه هل ظواهر القرآن الشريف حجّة على جلّ سائر الظواهر، أولا؟

فهنا مقامات ثلاث:

[المقام‏] الأوّل: في اعتبار الظنّ أو عدم الظنّ بالخلاف في حجّيّة الظواهر

، أو عدم اعتبار شي‏ء منهما.

249

فاعلم أنّك إن تأمّلت كيفيّة عمل العقلاء في الأخذ بالظواهر لرأيت أنّهم لا يتعبّدون بالظهور، بل إنّما يعملون بالظهور بمناط حصول الاطمئنان فلولاه لا يعملون، بل كثيرا ما لا يشكّون في مراد المتكلّم و لا يحتملون الخلاف إن لم يشكّك في ذلك مشكّك.

و الشاهد على ما ذكرناه: أنّهم لا يعملون بظاهر كلام من يكثر منه التجوّز و الكناية مع إخفاء القرينة كالأدباء الظرفاء. فليس مدار عمل العقلاء على الظهور، بل على ما لو حصل من أيّ سبب لعملوا به.

نعم، هذا فيما يتداولونه من المخاطبات ممّا يرجع إلى مقاصد أنفسهم، أمّا ما يرجع إلى مقصد المتكلّم- كالمولى في تكاليفه، و كالموكّل و الموصي، و نحو ذلك- فالظاهر أنّ بناءهم على التعبّد بكلمات هؤلاء في استكشاف مراداتهم و الاحتجاج عليهم، من غير مراعاة للظنّ- فضلا عن الاطمئنان- و من غير مراعاة لعدم الظنّ بالخلاف.

و السرّ في ذلك أنّ الأخذ بظاهر كلام المتكلّم و اتّباع ظواهر ألفاظه مقصود آخر للمتكلّم وراء مقاصده الواقعيّة، فظواهر ألفاظه مقاصد طريقيّة قد اتّخذها سلّما و طريقا يسلك به إلى مقاصده الواقعيّة، فالوظيفة سلوك طريق نصبه الشارع- إن أوصل إلى الواقع أو لم يوصل- و لا يجب رعاية الظنّ بالإيصال، فضلا عن الاطمئنان به.

و قد قلنا: إنّ الأوامر الامتحانيّة غير المنبعثة من الإرادات الواقعيّة واجبة الإنفاذ، فإنّها بعنوان ثانوي و بعنوان تنفيذ كلمة المولى تحت إرادة واقعيّة. نعم، فيما لم تكن مطلوباته حتّى بهذا العنوان- كالأوامر الصادرة في مقام التقيّة- لم يجب إطاعتها.

و بالجملة: إذا كان تنفيذ ظاهر العبارة مطلوبا للمتكلّم، وجب إنفاذ ظاهر عبارته بلا حالة منتظرة و بلا ترقّب وجود واقع على طبقه؛ فإنّ هذا بنفسه واقع، إن كان هناك واقع آخر أم لا؟!

فصار المتحصّل أنّ مدار العمل إن كان على الواقع و كان أخذ الظهور بما أنّه طريق محض إليه اعتبر كشف الظهور عنه كشفا اطمئنانيّا، و إن كان مدار العمل على نفس الظهور- و لو لحكمة صدفته للواقع غالبا- لم يعتبر وراء نفس الظهور شي‏ء. و باب الإطاعة لأوامر الموالى من هذا الأخير، فلهذا لا يعتبر في الأخذ بظواهر عبائر المولى الظنّ، بل و لا يضرّ الظنّ بالخلاف.

[المقام‏] الثاني: في اختصاص حجّيّة الظواهر بالمقصودين إفهامهم و عدمه.

250

فاعلم أنّ مدار عمل العقلاء و محور حركاتهم في باب الظواهر على كلمتين- إن اجتمعتا عملوا، و إلّا لم يعملوا- و الكلمتان عبارتان عن قبح إرادة خلاف الظاهر مع تعمّد ترك القرينة على ذلك، و كون الأصل عدم الترك غير العمدي و عدم غفلة السامع في سماعه.

و الكلمة الأخيرة- أعني أصالة السهو و الغافلة من كلّ من السامع و المتكلّم- و إن عمّت غير المقصودين إفهامهم- على إشكال لنا أيضا في ذلك ما لم يحصل الاطمئنان بالعدم- إلّا أنّ الكلمة الأولى خاصّة تختصّ بمن قصد إفهامه؛ إذ لا قبح في إخفاء القرينة عمّن لم يقصد إفهامه كإخفاء أصل الكلام.

و من هنا يأتي القول باختصاص اعتبار الظواهر بالمقصودين إفهامهم، كانوا هم المخاطبين أم لا. و أمّا ما يرى من بناء أبناء المحاورة على الأخذ بالظواهر- و إن لم يكونوا من المقصودين إفهامهم- فذلك مختصّ بما إذا حصل لهم الاطمئنان على عدم اعتماد المتكلّم على قرينة أخفاها عن غير المخاطب، و كان هذا هو تمام ما خاطب به، و أمّا في غير ذلك فأخذهم بالظهور ممنوع.

فظهور خطاب المولى حجّة تعبّديّة بالنسبة إلى المقصودين إفهامهم، و حجّة بمناط إفادة العلم أو الاطمئنان بالمراد بالنسبة إلى غيرهم، كما أنّ اتّباع ظواهر سائر الخطابات أيضا بهذا المناط. فالتعبّد مختصّ بالمقصودين إفهامهم، و بالنسبة إلى مقاصد نفس المتكلّم دون غير ذلك.

[المقام‏] الثالث: في حجّيّة ظواهر القرآن.

و المنسوب إلى الأخباريّين عدم الحجّيّة ما لم يرد تفسيره من أهل البيت (عليهم السلام). و أمّا دعوى عدم الظهور فذلك مصادم للوجدان، و أيضا يوجب خروج الكتاب عن كونه منزلا على وجه الإعجاز.

و يمكن الاستدلال على ذلك بوجوه:

الأوّل: أنّ الكتاب مشتمل على مطالب غامضة دقيقة لا تصل إليها الأفهام العاديّة؛ فإنّ الكتب العلميّة مع أنّ كلّها من قبيل الظواهر و النصوص لا تصل إليها الأفهام من غير سبيل تعليم المعلّم، فكيف بالكتاب العزيز؟! و معلّم الكتاب هم الأئمّة الهداة، فإن ورد منهم تعليم فهو، و إلّا يتوقّف و لا يؤخذ بما يفهم من ظاهره في بدو النظر.